تخييل الزمن الكونولونيالي ازدواجية الخطاب وتمزقات الذات والهوية في رواية (ما يدين به النهار لليل) لياسمينة خضرا.
The Imaginary of the Colonial Era: Duality of Discourse and Self-Rupture in Yasmin Khadra’s What the Day Owes the Night
الملخّص
كان محور اهتمام هذه الدراسة هو قراءة الرواية المذكورة أعلاه قراءة نسقية متأنية على ضوء مقولات النقد الثقافي والنقد المابعد كولونيالي.و هو الذي أملى هذا الخيار النقدي والمنهجي بحكم اشتغاله التخييلي على مرحلة هامة من مراحل السياق الاستعماري في بلد واحد هو الجزائر،لكنه يتسع في مواطن منه ليشمل مختلف الأمم التي عاشت الاستعمار وتعرضت لأدواته التغريبية والإقصائية على نحو ما نلاحظه في أيامنا هذه في الواقع الفلسطيني، بما يجعل القضية جديدة قديمة في آن، ومن جهة أخرى فقد فرض علينا النص هذا التناول لما لاحظناه من حفاية الأوساط الفرنسية به، حفاية لم تكن، في تقديرنا، بريئة تماما ولا أدبية صرف.
Abstract
Abstract: This article offers a formal and careful reading of Yasmin Khadra’s novel What the Day Owes the Night of cultural and post-colonial criticism. Methodologically, the study employs the imaginary at an important stage of the colonial context in Algeria, although it expands to include the various nations that lived under colonialism and were subjected to its tools of Westernization and exclusion, as can be observed nowadays in the Palestinian reality. Thus, the issue is both new and old at the same time. On the other hand, the text forces us to address the hidden aspects of the French milieu, which are neither completely innocent nor purely literary.
- الهوية
- الكولونيالية
- الذات
- الآخر.
- Identity
- Colonialism
- Self
- the Other
The Imaginary of the Colonial Era: Duality
of Discourse and Self-Rupture in Yasmin
Khadra’s What the Day Owes the Night
تمامًا، ولا أدبيًا صرفًا.
على سبيل التمهيد
تجدر الإشارة ابتداءً إلى جملة من القضايا الحافة بالنص، وتشتمل عليه اشتمالً يوجب
المساءلة والتحليل قبل مباشرة قضاياه العميقة، ومقولاته وتمثيلاته التي تلتبس التباسًا حميمًا
لم يفلح النص إلا قليلً في التخفيف من حدتها وراهنيتها، ولا سيما إعادة صياغتها لمشكلات شغلت وقتًا طويلًالحس الوطني والعربي والإسلامي على السواء، وذلك لارتباطها الوثيق بقضايا الوطنية ولاستعمار والتحرر والهوية المسلوبة، والكرامة المغصوبة، والأرض المنتهبة، والعرض المعتدى عليه، وسواها من القضايا المتعلقة بسياق لاستعمار والتحرر. يثير النص هذه القضايا كلها وقضايا أخرى فرعية لا تقل عنها «عنفوانًا» وراهنية، ولا سيما وهو ينصرف لتمثيل الزمن الكولونيالي السابق ببضع سنين للثورة الجزائرية وسياقها السوسيو - أيديولوجي، والفضاء العام الذي اصطرخت فيها أصوات التحرر، وآن أوان الميلاد الجديد المؤلم لقضيتها الكبرى، قبل أن ينصرف سريعًا لتحبيك قضية الأقدام السوداء والتمزقات الكبرى التي رافقت «اقتلاعهم» من أرض توارثوها أبًا عن جدٍّ، من دون أن تكون إرثًا شرعيًا بالتقادم التاريخي،
وما رافق ذلك كله من تقاطبات مصيرية حادة بين ضفتي المتوسط، بين بشائر الميلاد في الضفة الجنوبية، وملامح الحداد في الضفة الشمالية، هوية ممزقة جنوبًا، وجلاد استعماري شمالً. بين
هذين القطبين الحافين راح النص ينسج خطابه ويحبك سرده مدفوعًا برغبات متناقضة ومتداخلة، جديدة قديمة، لم تتخلص بعد، على الرغم من تعاقب السنين، من غصصها العميقة، وجراحها، وذاكرتها المليئة بالحنين والشجن، مثلما لم يتمكن الناصُّ نفسه من التجرد بما يكفي ليكتب، بما
يكفي من الحياد، أشد القضايا إثارة للحساسية والجدل بين الضفتين، سواء في الزمن الكولونيالي نفسه، أو في وقتها الراهن. ومن ثم يوجب النص، والقضايا الحافة المتصلة به، التساؤل حول سياق النص وراهنيته، وأوضاع خروجه إلى الواقع في هذا الوقت دون غيره، وعن الداعي الخفي الذي أملى على الكاتب إعادة صياغة تلك المرحلة الحرجة من السياق الثوري التحرري في الجزائر، وعن الهدف البعيد المرجو من وراء إعادة تحبيك قضية «الأقدام السوداء» وتمزقاتها التاريخية بين وطن لم يعد لهم، ووطن أمّ لا تربطهم به أية علاقة شخصية أو تاريخية سوى وشيجة تاريخية بعيدة،
جعلته الموطن الأصلي من دون أية حميمية استثنائية، على نحو يبدو صدى لتاريخ «الموريسكيين» ومحنتهم، عندما أجبرتهم محاكم التفتيش المقدس على مغادرة وطنهم إلى بلاد لا يربطهم بها أي انتماء سوى الشراكة العقدية والأصل الذي انحدروا منه منذ مئات السنين. ياسمينة خضرا كاتب جزائري، يكتب بالفرنسية، ويعيش في فرنسا، يصنف ضمن جيل لاستقلال، إذ إنه من مواليد سنة 9551، في خضم الثورة الجزائرية التي انطلقت شرارتها سنة 9541، ظهرت كتاباته الأولى منتصف الثمانينيات، نحا فيها منحى بوليسيًا وتجسسيًا سريع الإيقاع، ميسور المضمون، لا يستدعي
أي جهد عقلي للإحاطة بمضامينه، أو ذائقة جمالية مثقفة ومرهفة للاستمتاع برؤاه الجمالية والفنية،
(((صدرت الرواية عن دار النشر الفرنسية Julliard 2008، وأخرجها سينمائيًا المخرج الفرنسي ألكسندر أركادي سنة 0122، محققة
في الصورتين نجاحًا وانتشارًا كبيرين.
تخاطب الفئة القارئة الراغبة في التسلية أكثر من القارئ المحترف الراغب في المتعة العقلية والجمالية الراقية، وقد انصرف بعد تقاعده واستقراره في فرنسا، واتصاله باستديوهات التلفزيون الفرنسي وترسانته الإعلامية، على إصدار سلسلة روايات «مناسباتية» تراعي السياق الإعلامي الغربي والقضايا التي تشغله الحين بعد الحين، إذ أصدر في خضم العشرية السوداء الجزائرية مطلع التسعينيات روايتين تتخذان من الجزائر والحرب الدموية الدائرة في أكنافها موضوعًا لها، عمد فيهما إلى التحليل النفسي العميق لشخصية الإرهابي ودوافعه الإجرامية بالدرجة الأولى، كما أصدر رواية سنونوات كابول خلال الحرب الأميركية على أفغانستان سنة 002 2، وصفارت إنذار بغداد سنة 0062، خلال الغزو الأميركي للعراق، وقبلها العملية خلال البوادر الأولى للانتفاضة الفلسطينية الثانية، ورواية آخر ليلة الرئيس بمناسبة إطاحة نظام معمر القذافي واغتياله على يد الجموع الثائرة برعاية خاصة من الرئيس الفرنسي ساركوزي ومستشاره الفيلسوف برنارد هنري ليفي، أما آخرها فرواية الرب لا يسكن هافانا بمناسبة عودة العلاقات بين أميركا ونظام كاسترو. من أجل هذه الخصيصة المتواترة في أدب الكاتب، استقر في وعينا بأن نص ما يدين به النهار للّيل لم يأت إلا صدى ل «ضجة» إعلامية ما، أو حراك ثقافي، أو جدل اشتعل في الأوساط الثقافية والأدبية الغربية، فقد لاحظنا شغف الكاتب بمواطأة ذلك الحراك وذلك الجدل عملً بعد آخر، حتى تلك التي لم تكن تستدعي عملً أدبيًا مستقلً مثل سقوط نظام القدافي ومقتل زعيمه، أو على الأقل ليس على
(((ياسمينة خضرا لاسم المستعار للكاتب الجزائري محمد مولسهول المولود سنة 9551 ببشار بالجنوب الغربي الجزائري؛ ما يحدده تاريخيًا ضمن أبناء الثورة وجيل لاستقلال، اختار الكتابة باللغة الفرنسية لأسباب شخصية جدًا على نحو ما بين في روايته
السيرية l’ecrivain الصادرة سنة 0012؛ الأمر الذي يطرح أسئلة عديدة حول «هوية» الأدب الذي يكتبه، أهو عربي جزائري كما تصنفه بعض القراءات النقدية الجزائرية، أم هو أدب فرنسي بالدرجة الأولى؟ هذا من الناحية اللغوية بالدرجة الأولى، بغض النظر عن المضامين الفكرية والأيديولوجية التي تحملها تلك النصوص المكتوبة بلغة مستعارة، والتي تدفع هي الأخرى صوب أسئلة أشدّ
إلحاحًا عن مصداقية التصنيف ورهافته بالنظر إلى القضايا التي تقع غالبًا في السياق الثقافي للطرف الآخر وفضائه الفكري على
حساب التحديد الجغرافي لمكان المولد؛ الأمر الذي نستطيع في ضوئه أن نفهم إلى حدٍّ بعيد مقولة الكاتب الجزائري الكبير الطاهر
وطار عند وفاة الكاتب الجزائري (الفرنكفوني) الطاهر جاووت، قال: «إن موته خسارة كبيرة للأدب الفرنسي».
(3) Yasmina Khadra, À quoi rêvent les loups (Paris: Pocket, 2000); Yasmina Khadra, Les Agneaux du Seigneur (Paris: Pocket, 1999). (4) Yasmina Khadra, Les Hirondelles de Kaboul (Paris: Pocket 2004). (5) Yasmina Khadra, Les Sirènes de Bagdad (Paris: Pocket, 2006). (6) Yasmina Khadra, L'Attentat (Paris: Pocket, 2011). (7) Yasmina Khadra, La Dernière Nuit du Raïs (Paris: Julliard, 2015). (8) Yasmina Khadra, Dieu n'habite pas La Havane (Paris: Julliard, 2016).
(((قام الناقد والكاتب الجزائري محمد ساري بترجمة الرواية وعنوانها الأصلي ce que le jour doit à la nuit إلى العربية،
وصدرت عن دار سيديا بالجزائر سنة 014 2 بعنوان فضل الليل على النهار، وهي ترجمة غير دقيقة لمعنى العنوان الأصلي في نظرنا، إذ يحدد ذلك الفضل بشيء هو ما يفصح عنه النص ضمن موضوعته وخطابه بمفردة ce que« » التي تحيل إلى معنى «الذي»، ما
يجعل المعنى العربي القريب إلى الأصل هو ما يدين به النهار للّيل، لسبب رئيس واضح جلي؛ هو أن «فضل الليل على النهار» لا يعلق العنوان بلاحق محرض لخيال المتلقي الذي يوجب عليه قراءة النص لمعرفة حقيقة ذلك الفضل، إضافة إلى أنه يحدده بشيء
مخصوص قد لا يعدوه إلى غيره، ما يجعل ذلك الفضل قليلً ومحدودًا بالنظر إلى أفضلية النهار المقطوع بها في مخيال معظم
الشعوب والثقافات، خلاف العنوان المترجم الذي يوحي باتساع ذلك الفضل وبوجوده في المطلق.
ذلك النحو من الإسقاط العاري الجاري مجرى التقرير الصحافي المتجرد للحقيقة ينقلها بعيدًا من ملابسات التخييل وظلاله وألوانه. وعلى هذا الأساس؛ جاء النص موضوع هذه القراءة، بدوره، معالجة متأخرة لقضية قديمة جديدة عالقة في الذاكرة لاستعمارية الفرنسية، لا تنفك تلوكها الألسن والصحف، وتعالجها السينما، وتتجاذبها السياسة والأحزاب ولانتخابات الحين بعد الحين، وهي أحد الملفات العالقة بين فرنسا والجزائر الخاضعة لتجاذبات المصالح وطبيعة العلاقات بين السلطات المتعاقبة على الدولتين منذ لاستقلال إلى يومنا هذا، ونعني به قضية «الأقدام السوداء». تجدر الإشارة إلى أن قضية «الأقدام السوداء» قضية شديدة الحضور في وسائل الإعلام الفرنسية، تثيرها أقلام النوابغ من ذريتهم وكاميراتهم ومسارحهم وسينماهم، ولا سيما أن طائفة من صناع الرأي والشخصيات الأدبية والفنية الفاعلة في السياق الثقافي والإعلامي الفرنسي هي من ذرية أولئك «الفرنسيين الجزائريين» الذين ما زال يدفعهم الحنين إلى المطالبة بحق حمل جواز السفر الجزائري والعودة إلى «وطنهم» واسترجاع أملاكهم التي خلفوها وراءهم غداة لاستقلال. وعلى هذا تكون الرواية، موضوع هذه القراءة، معالجة تخييلية لقضية جوهرية من القضايا العالقة في التاريخ المشترك بين فرنسا لاستعمارية والجزائر، مستعمرتها القديمة، قضية مثقلة بالمسكوت عنه، وحافلة بالمضمرات الشائكة وألغام الهوية والذات والتاريخ، وبينهما نهر جارف لم تجف دماؤه بعد، وذاكرة مسكونة بالجراح العميقة، تكفي ذكرى حنين عابرة لتفتحها من جديد على الذعر والخواء والرعب.
المنزع ما بعد الكولونيالي
يقع النص، بحكم موضوعه ضمن دائرة الأدب المابعد كولونيالي، لأنه انصرف إلى الواقع لاستعماري للمجتمع الجزائري خلال فترة لاستعمار، وتمثيل الصراعات الأيديولوجية، الطبقية، والسياسية،
1(((ربما ذلك ما يفسر، على نحو من الأنحاء، برودة لاستقبال الذي حظيت به الرواية، وقلة الحفاوة بها خ ف المعهود من أعمال الكاتب. (((1 أطلق توصيف «الأقدام السوداء» على المستعمرين الفرنسيين وذريتهم التي استوطنت الجزائر وسكنتها منذ سنة 8301،
وغادرتها مجبرة قبل لاستقلال وأثناءه وبعد سنة 9621، مضافًا إليها الأوروبيين عمومًا وذريتهم، تفريقًا لهم عن الفرنسيين سكان
الوطن الأم. وقد اختلفت وجهات النظر حول أصل التسمية، منها ما يرد أصلها إلى أقدام المستعمرين المشتغلين بعصر العنب في سهول وهران قبل مكننة هذا القطاع، ومنهم من يردها إلى لون من الأحذية السوداء التي كان يرتديها جنود الغزاة الأول، انظر تفصيل ذلك في الموقع الخاص بالأقدام السوداء: denisdar.com، شوهد في 27/4/2017، في:
http://www.denisdar.com
(((1 نذكر أن قناة Histoire الفضائية الفرنسية الرائدة كرست شهري أيلول/ سبتمبر وتشرين الأول/ وأكتوبر 0162 للأقدام السوداء؛ إذ عرضت سلسلة من الأشرطة التي تصور شهاداتهم حول حياتهم في الجزائر، وتقاليدها، وطبيعة الع قااة التي كانت تربطهم بالأهالي، و«محنة» طردهم من تلك الأرض التي توارثوها لخمسة أجيال، والمآسي الشخصية والعائلية التي ترتبت على ذلك الطرد، واستقبال الفرنسيين لهم بعدها، وسواها من القضايا، وخصوصًا مطالباتهم المتكررة للسلطات الفرنسية للضغط على السلطات
الجزائرية من أجل تمكينهم من حق استرجاع «أملاكهم» وزيارة مسقط رؤوسهم ومدافن آبائهم وأجدادهم. (((1 نشرت جريدة الشروقالجزائرية في عدد 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 0162 تقريرًا صحافيًا حول زيارة وفد من الأقدام السوداء
للجزائر، حيث أدلى رئيسها المحامي جون كافانا بأن ملف المطالب الخاصة بالأقدام السوداء ما زال لم يفصل فيه على مستوى وزارة العدل الجزائرية، وأن ما بين 85 و 90 نائبًا فقط، في غرفة البرلمان، وافقوا على منح جواز السفر الجزائري للأقدام السوداء.
ومخاض الحركة الوطنية والوعي بالذات والهوية التي تمخضت عن ثورة التحرير ولاستقلال. والدراسات ما بعد الكولونيالية التي اضطلعت بقراءة هذا الأدب والتنظير له، هي دراسات أكاديمية صاعدة، ظهرت ملامحها واتسقت في ما يشبه النظرية المتكاملة إبان العقدين الأخيرين من القرن العشرين، إذ «اتسع مداها وصارت تغطي، بتساؤلها الدائم عن العلاقة بين القوة والمعرفة، موضوعات مختلفة؛ منها تاريخ الغزوات لاستعمارية والنضال المناهض للاستعمار والتشكيلات القومية ما بعد لاستعمارية، فضلا عن طرق الهيمنة الثقافية». لا يخفى أن هذا اللون من الأدب يتقصد في المقام الأول القيام بالمقاومة الثقافية، بحسب تعبير إدوارد سعيد، بديلً من المقاومة العسكرية التي أدت مهمتها الأساس في تحرير الأرض، وإعادة صياغة الهوية، أو نفض غبار النسيان والإهمال عنها، وتمكينها من حيز جغرافي، ووضعها على سكة السيرورة الزمانية والحضارية، وتوفير العناصر الأساس للحضارة التي عدد عناصرها المرحوم مالك بن نبي وحصرها في التراب والإنسان والزمن. وعلى هذا الأساس تصبح المقاومة الثقافية بديلً صالحًا للأزمنة الحديثة؛ لأن الأدوات التي يشتغل بها ومن خلالها هي أدوات الثقافة وآليات القوة الناعمة «التي تمكن الأمة المستعمر من استرجاع هويتها وترميم وجودها من جديد، وذلك ب لاعتماد على العناصر القومية التي شكك فيها المستعمر في المقام الأول». وليس ينبغي أن يفهم من مفهوم «ثقافة المقاومة» ردة فعل موجهة إلى الإمبريالية فحسب، فهي «أوسع بكثير من أن يتضمنها تصور كهذا، لأنها تنهض على أساس التفاعل الثقافي والهجنة واستثمار ثقافة الآخر من أجل تفكيك بنى السيطرة في ثقافته، وفي سردياته المتمركزة حول الذات والتاريخ والهوية، والناقضة لما عداها». ومن هنا يأخذ النص الذي بين أيدينا أهمية خاصة في سياق المقاومة الثقافية وأدب ما بعد لاستعمار، ليس لأن النص قد تمكن من ذلك على نحو من الأنحاء، وهو ما تسعى تحديدًا هذه الدراسة لكشفه، وإنما بالنظر إلى اشتماله على خصوصيات معينة جعلته قادرًا على ممارسة هذا الدور لو نحا نحوه، أو تقصد قصده، فهو مكتوب بلغة المستعمر، ومنشور في قطره، وناظر إلى القضية من وجهة نظره، وموجه إلى متلق وريث لذلك الماضي، ومصوغ صياغة فنية مستجيبة لشروطه الجمالية، ومتضمن لدعاويه الفكرية والحضارية، ومحاور لأيديولوجيته القديمة الجديدة في الوقت نفسه. وعلى هذا الأساس؛ تصبح مقاربة نصٍّ هذه سماته الأولى، منوطة بكشف القوى المتصارعة فيه، وردها إلى سياقها الثقافي الذي أنبتها أولً، وإلى سياق النص الذي يؤطرها ثانيًا، بعيدًا من عنصر الخيال الذي
يحيلها إلى عناصر روائية حيادية متى نسبت إليه وإلى قواه الخلاقة في المقام الأول؛ إذ إن هذا الشرط السياقي يسعى أساسًا لربط البنية النصية بتاريخ الأفكار والتصورات والقيم التي يستمد منها الدعم.
(((1 فردوس عظيم، «ما بعد الكولونيالية»، ترجمة شعبان مكاوي، مجلة أوان، العدد التاسع (0052)، ص.14 (((1 إدريس الخضراوي، الرواية العربية وأسئلة ما بعد الاستعمار (القاهرة: منشورات رؤية، 0122)، ص.99 (((1 المرجع نفسه.
ومن ثم يقفز الناقد المعاصر على شرطه النقدي القديم الذي حصرته فيه الدراسات اللسانية والبنيوية لوقت طويل، ويستعيد دوره الفكري في محاورة البنى الثقافية وسياقاتها ومساراتها، وأن يكون له شيء يقوله بشأن الإمبريالية والكولونيالية والصراع الطبقي والقومية. ومن ثم يندرج الناقد المعاصر ضمن مهمة «التزامية» إنسانية، لا تشغلها النصية الحرفية وضيقها و«لعبها» الميكانيكي الباذخ المتجاهل للتيارات الفكرية الجارفة في مغامرة الحياة، بل تنحاز إلى الإنسانية والثقافات والمجموعات البشرية المختلفة، منتبهًا «إلى ما يطاول بعض المجموعات من أشكال التهميش ولازدراء والحقارة»، وهو الهدف الأساس الذي تسعى إليه هذه القراءة، سواء بكشف آليات التمثيل التي اعتمدها الكاتب لإعادة كتابة التاريخ، أو بكشف المقولات التي يمررها عبر السياق الثقافي والإعلامي الذي يعيش في خضمه. وإذا كان الكاتب، كما ألمحنا في ما تقدم، قد دأب على الكتابة في ضمن مسارات القضايا الراهنة والمسائل التي تثيرها وسائل الإعلام الحين بعد الحين، وامتطاء زخم الراهن مسايرة للوعي الخاص به، واجتلاب لانتباه حينًا والحياد عنه أحايين أخرى، فإن كتابة الماضي لاستعماري الذي أعادت الرواية صياغة مسافة زمنية شديدة الحساسية منه، لا تتخل فيه عن مسايرة الراهن الإعلامي، وقضية من قضاياه الأثيرة التي ما ينفك يعيد بعثها الحين بعد الحين مجاراة لمد السياسة وجزرها، ومن ثم فإننا سنسعى في هذه القراءة لمعاينة الأدوات الثقافية التي استعارها النص وكرسها لإعادة صياغة الواقع لاستعماري، بكيفية من الكيفيات التي لم تصدم الذائقة الثقافية لفرنسا اليوم، ولا موقفها القديم الجديد من تاريخها لاستعماري الكريه الذي تشيد به أحيانًا، وترفض رفضًا قاطعًا لاعتذار منه أو عنه، ثم ملاحظة مدى صلاحية النص لإدراجه ضمن الأدب ما بعد الكولونيالي المقاوم، أو خلاف ذلك، ضمن الأدب لاستعماري نفسه، مكتوبًا ومنظورًا إليه بأقلام معاصرة، أعادت صياغة الماضي لاستعماري وخطابه بآليات جديدة، ورؤى حديثة تكرس بدورها الهيمنة الثقافية لاستعمارية القديمة والحديثة.
تمثيل التجربة الزمانية
قام النص على التمثيل التاريخي لمرحلة زمنية مهمة من التاريخ الجزائري الحديث، امتدت بين الحرب العالمية الثانية ثم الثورة التحريرية، انتهاء ب لاستقلال. استقطبت هذه المرحلة الزمنية المحدودة في التاريخ الفعلي والروائي وحدها مجمل الأحداث الدرامية التي تشابكت فيها المصائر، وتوترت العلاقة بين الأنا والآخر، واصطدمت الهويات والثقافات معبَّرًا عنها بهويات سردية مشحونة بالخلفيات الثقافية
الخاصة التي دفعها السياق التاريخي الخاص إلى التنافر والمناجزة ولاصطدام، مع انفتاح قليل على
1(((انظر: مصطفى ماروتش، «السرد المضاد: لاستطراد والرفض»، في: بول بوفيه (محرر)، الحق يخاطب القوة: إدوارد سعيد
وعمل الناقد، ترجمة فاطمة نصر، سلسلة كتاب سطور (القاهرة: د.ن.،0012)، ص.274 (1((المرجع نفسه، ص.81 (1((نشير هنا إلى الطلب المستمر الذي تتقدم به السلطات الجزائرية المتعاقبة عبر وزارة المجاهدين إلى فرنسا، طالبة اعتذارها عن ماضيها لاستعماري وجرائمه الذي تبعث ذكراه تواريخ وطنية مهمة في جزائر لاستقلال، سواء أحداث 8 أيار/ مايو 9451، أو أحداث تشرين الأول/ أكتوبر 9611، أو غيرها من الجرائم، والرفض القاطع الذي تبديه السلطات الفرنسية عبر رؤسائها المتتابعين.
واقع معاصر حافل بداللت ضمنية واعدة بتجاوز القطيعة، وارتضاء علاقة حيادية تقوم على المصلحة المشتركة ومراعية للماضي المشترك، وعلى الأمل الرحب في التجاوز والتسامح وسلام الشجعان، وحوار الهويات والثقافات ضمن هدف أعم وأشمل يستوعبه حوار الحضارات. أنجز النص «زمانيته» التاريخية من خلال شخصية إشكالية محورية زاخرة العمق بالأهواء والتناقضات، هي شخصية «يونس» بالنسبة إلى الجزائريين، و«جوناس» بالنسبة إلى الفرنسيين، أهلته منزلته الخاصة بين المنزلتين؛ العربية والفرنسية، من أن يستبطن عمق الهويتين المتقاتلتين، كما مكنه موقعه الملتبس بينهما من النفاذ إلى تفاصيلهما، وتمثل خصائصهما تمثلً إشكاليًا جعله يتأرجح على طول مسافة
السرد بين الهويتين، على الرغم من «اضطراره» في لحظة شك قصوى إلى النزول إلى حي «المدينة الجديدة» الشعبي في وهران، ولاحتكاك بالأهالي المسحوقين فقرًا وتشوهًا تحت وطأة لاستعمار
الذي ينادونه «يونس»، نداءً حميمًا ذا ظلال عاطفية رقيقة توحي ب لانتماء إلى ثقافة وجماعة بشرية
مخصوصتين، وإلى بيئة حاضنة لشخصه ومحددة لانتمائه بلا استلاب ولا انتهاك، مهما ظل يشعر في بدايات ذلك البحث المتردد عن الجذور بنوع من الغربة العاطفية والفكرية خاصة، فيسارع إلى مغادرة الحي وثقافته الشعبية، ونماذجه البشرية المنمطة للجزائري الأصيل صاحب الأرض المغصوبة، حيث ينتمي عرقيًا، خلاف الحي الأوروبي الراقي حيث ينادونه «جوناس» وحيث يتماهي أشد التماهي ثقافةً
وتكوينًا عاطفيًا. تبدأ محنة الفتى ال «هوياتية»، ورحلة انقسامه الوجداني بين الهويتين، قبل الحرب العالمية الثانية ببضع سنين، وعندما يتسلل أعوان «القايد» إلى حقل والده المثقل بالديون ويضرمون النار فيه، ما يضطره إلى بيعه بثمن بخس إلى «القايد»، والهجرة من الريف إلى مدينة وهران، حيث يبذل مجهودات جبارة للعيش وسط أوضاع معادية، حتى يعجز أخيرًا عن مواجهة حياة المدينة المخالفة لتركيبته البدوية
البسيطة بما فيها من تعقيد وهوان وفساد، فيضطر إلى لالتجاء إلى أخيه الوحيد، الصيدلي الوجيه، المتزوج من فرنسية، المثقف الذي يحيا حياة فرنسية صميمة، فيسلم له «يونس» ليرعاه ويرعى دراسته ويجنبه حياته التي بدا أنها تسير في منحدر لا قرار له. عندما تتسلم الفتى زوجة عمه الفرنسية «جرمين»، تطير به فرحًا، هي المحرومة من الولد، وتقيم مع زوجها فرحًا عارمًا بهذه المناسبة، وبعد العشاء: «قالت جرمين، أما أنا وجوناس فسنأخذ حمامًا[...]- أجبتها بأن اسمي يونس[...]- فقالت: لم يعد الأمر كذلك الآن»، وبعد الحمام تقوده إلى غرفته الخاصة «حيث كانت الجدران مغطاة تمامًا بالألواح الزيتية، بعضها يمثل مشاهد طبيعية ساحرة، وبعضها الآخر يمثل شخوصًا تصلي، أيديها مشبكة تحت ذقونها وتحيط رؤوسها دوائر مذهبة، وعلى قاعدة خشبية فوق مدخنة المدفأة تمثال لطفل مجنح».
(2((»القايد» هو شخصية إدارية استعمارية، تختار من الأهالي، وتسند إليها مهمة إدارة هؤلاء الآخرين، وتُطلق يدها في ذلك
إطلاقًا يجعلها مضرب المثل في الفساد ولاستبداد والتسلط، عرفت بحماستها الشديدة في خدمة الإدارة لاستعمارية وحرصها على إرضائها واستنزاف الأهالي والبطش بهم.
(21) Yasmina Khadra, Ce que le Jour doit à la Nuit (Paris: Julliard, 2008), p. 37. (22) Ibid., p. 38.
يعطي الفضاء المكاني الذي انتقل إليه الفتى ملمحًا أوليًّا عن المنحى العام الذي ستأخذه شخصيته،
إذ يبدو جواب «جارمين» القاطع بأن اسمه لم يعد بعد الآن «يونس»، آخذًا شكل النبوءة التراجيدية، وأن لازدواجية التي سيتحلى بها اسم البطل ستظل بمنزلة الخطأ التراجيدي الأصلي (الهبارتيا) الذي سيكلف الفتى حياته كلها ليختار أحد لاسمين، من حيث يتوجب عليه قبل ذلك أن يختار فريقه ويحدد انتماءه، ومن ثم يتحمل العواقب التراجيدية المكتنفة بالقوة لتلك الخطيئة ونتائجها. يؤطر النص ابتداء مأزقية الهوية ولانتماء اللذين سيعيشهما البطل بتأثيث فضائه الحميم متمثلً في غرفته بمكونات ثقافية غيرية، تمثال الملاك، والصلاة المسيحية، وغيرهما من التفاصيل الصغيرة التي تحدد الغيرية فنيًا بتفعيل الفضاء ومكوناته، على المستوى الحميم أولً، ثم على مستويات أخر كثيرة
يحتضنها الفضاء العام، والمدرسة، والفضاء الحيوي الذي يتحرك فيه، والذي سينصرف منذ البداية إلى رسم وضع ازدواجي سيعانيه البطل حتى النهاية، بين «جرمين» زوجة العم الفرنسية التي تتولى رعايته وتنشئته تنشئة فرنسية صرفًا، وبين عمه الذي يبدو - على خلافها - متشبعًا بالروح الوطنية والثقافة العربية الإسلامية الصافية، فضلً عن الفرنسية التي تخرج فيها صيدليًا ناجحًا وتزوج «جرمين» الفرنسية زميلته
في الجامعة. بيد أن تلك الثقافة، وذلك الزواج المختلط الذي «اقترفه» العم، لم يصرفه عن لانخراط في صفوف الحركة الوطنية، ولاشتراك في جريدة «الأمة» لسان حال حزب الشعب الجزائري، ولاشتراك الفعال في النقاشات التي كانت تعقدها إطارات الحركة الوطنية، وتمويلها، واستضافة زعمائها واجتماعاتها السرية في بيته، حتى ألقت عليه الشرطة القبض وزجت به في السجن الذي خرج منه رجلً مختلفًا فقد شخصيته النضالية القديمة، وانحدر فجأة صوب اكتئاب حاد؛ ألزمه مغادرة وهران نهائيًا ولاستقرار
بمدينة «ريو سلادو»، بعيدًا من ذكريات المدينة القديمة المؤلمة، وهربًا من الشرطة التي عملت على تجنيده للعمل ضد رفقائه في النضال: «يريدونني أن أنقلب على أهلي (أسرّ إلى زوجته مكرهًا)، هل
تتصورين ذلك؟ كيف تخيلوا أنهم يمكن أن يجعلون مني جاسوسًا؟ هل في شخصي ما يشبه الرجل
الخائن يا جرمين؟ أرجوك، كيف يمكنني التخلي عن رفاقي في المبادئ؟». على هذا الأساس تبدو «ريو سلادو»، المدينة الكولونيالية الصغيرة في الجنوب الوهراني، مكانًا ملائمًا للاستقرار بعيدًا من إزعاج الشرطة والأمن، يشتري فيها بيتًا كبيرًا ويفتح في طابقه الأرضي
صيدلية أنيقة بعدما باع بيته وصيدليته بوهران التي تبدو على مسافة أميال ضوئية من «ريو سلادو» على
(((2 »الهبارتيا» مفهوم نقدي قامت عليه التراجيديا الإغريقية القديمة، إذ يجب على البطل التراجيدي أن يرتكب خطأ فًادحًا لا
يتلاءم مع كم لاته الجسدية والشخصية، يجر عليه عواقب تراجيدية تصعد من التوتر المسرحي وتنميه إلى مستوى العقدة، على نحو ما حصل مع البطل «أوديب» الذي تَمثّل خطؤه التراجيدي (الهبارتيا) في قتل راكب العربة الذي ضايقه في بعض منعرجات الطريق،
وكان ذلك الراكب والده الحقيقي، فتحقق بذلك الجزء الأول من نبوءة الآلهة بخصوصه.
(24) Khadra, Ce que le Jour doit à la Nuit , p. 57.
(((2 هي مدينة «وادي المالح» المعاصرة في ولاية عين تموشنت الواقعة جنوب وهران، ويبدو أن الإسبان هم من أطلق عليها اسم «ريو س دااو» الذي عرفت به أثناء لاحتلال، والذي استغله الناصّ لموضعة الأحداث الكبرى لنصه وحركة شخوصه وتمثيله
التاريخي للحقبة لاستعمارية.
المستويات كافة، وخصوصًا في جانبها الطبقي و«الكوسموبوليتي» خلاف الطبيعة البورجوازية الهادئة والمتعالية للمدينة الجديدة. ينجز الناصّ، ب لاشتغال على المدينتين، تنميطًا تقاطبيًا حادًّا بين مستويين من مستويات لاستعمار؛ إذ
تتجلى عبر وهران، المدينة الكبيرة، وعبر شوارعها الخلفية وأحيائها المهمشة، حيث يعشش المرض والجهل والدجل والخرافة والتخلف بين سكانها «العرب» الجزائريين، وحيث يتجلى وجه لاستعمار الشائه وتسقط جميع دعاويه التحديثية والتمدينية التي غطى بها حركته لاستعمارية منذ منتصف القرن التاسع عشر، وبرر بها النهب والغزو والتمدد والقتل والإرهاب والعدوان على الأرض والعرض والثقافة والهوية، فبدت تلك الأحياء، والمخلوقات التي تتحرك فيه، بثورًا ناتئة على صفحة المدنية الغربية الغاصبة، وانتصب «جنان جاتو» وراء المدينة الكولونيالية الشاسعة كجزيرة معزولة وسط السياق الزماني والتاريخي، وفي أرجائه الكالحة استقر البشر المنبوذون بدورهم خارج سيرورة الحضارة. يصف الفتى «جنان جاتو» واستقرار عائلته الصغيرة فيه بعد الهجرة من الريف، قبل أن يغادره إلى بيت عمه في الحي الأوروبي الراقي من مدينة وهران، ويصف الناصُّ، عبر عينيه الطفوليتين البريئتين، وبحياد متواطئ مع الرغبة الفنية السابقة في إحداث التقاطب الحاد بين الواقع والخطاب، بين «كلام» لاستعمار وفعله، عبر رصد التباين بين الفعلين والسياقين والواقعين، هروبًا من الوقوع في الخطابية العارية المنافية للأداء الروائي القائم على التمثيل والإيحاء بالدرجة الأولى: «أطاحت الضاحية التي انتهينا إليها للسكن بلحظات السحر الأولى التي أحدثتها في وهران قبل ساعات فقط. ما زلنا في وهران لكننا سكنا الجانب الخلفي للديكور، المباني الجميلة والشوارع النظيفة خلفت مكانًا لفوضى لا نهائية، شائهة بأكواخ قذرة، وأوكار القمار التي تفوح منها روائح مثيرة للغثيان، وبخيم للبدو مفتوحة على الهواء، وزرائب الحيوانات. جنان جاتو هو فوضى من القمامة والأدغال، حي عشوائي مكتظ بالعربات المتهالكة، والصراخ، وأصحاب الحمير المتشابكين مع دوابهم، والدجالين، والأطفال المتسخين في أثواب رثة. إنه دغل داكن ملتهب، مثقل بالغبار والروائح الكريهة، معلق على أسوار المدينة مثل الدمل الخبيث. لقد تجاوز البؤس كل الحدود في هذه النواحي ذات الملامح الغامضة، أما الرجال - هذه المأساة المتنقلة - فإنهم ممتزجون تمامًا بظلالهم، كأنهم مساجين مطرودون من الجحيم، بدون حكم وبدون إشعار، نُبِذوا هنا عشوائيًا،
يجسدون لوحدهم كل عذابات الدنيا على وجه الأرض. [...] كان فناء الحي متكونًا من غرف ضيقة على جانبيه، أين تتكوم عائلات بأكملها، عائلات ضائعة، هاربة من المجاعة والتيفوس المنتشر في القرى والبوادي [...] كانت جدران الغرفة التي هي بيتنا عارية، ودون نافذة، أوسع من القبر بقليل، ولكن أكثر إحباطًا منه، تفوح برائحة بول القطط والدواجن الميتة والقيء، كانت الجدران واقفة بأعجوبة، مسودة ترشح منها الرطوبة، وعلى الأرضية تراكمت طبقات من الروث وفضلات القطط».
(26) Khadra, Ce que le Jour doit à la Nuit , pp. 14-15.
على هذا النحو من الإحاطة بتفاصيل المكان الشائه الذي انزوى فيه الأهالي، على مرمى حجر من الأحياء الأوروبية الفاخرة، ذات الشوارع الواسعة والنظافة والإضاءة الباهرة، حيث يتحرك فاعلون مؤثرون في الفضاء والمحيط تأثيرًا مباينًا لفاعلي «جنان جاتو» الذين أصبحوا يشبهون ظلالهم،
على نحوٍ ما، صور الناصّ، يعبرون محيطهم الموبوء ويعانونه بصمت واستلاب، وسلبية هي
في الأساس سلبية الإنسان المستعمَر الذي صودرت كرامته من حيث صودرت أرضه، وصودرت
إنسانيته من حيث سرق وطنه، ولم يبق له طموح يرتفع بإنسانيته عن محدودية الحاجات البيولوجية الدنيا، يضرب في أرضه التي لم يبق منها الغزاة شيئًا باستثناء لقمة محشوة بالدمع والدم، أما النساء فإنهن «يمضين وقتهن كله بجانب بئر الفناء يقلبن مواجع الماضي كما يقلب السكين في الجرح، يتذكرن حقولهن وأراضيهن المغصوبة وهضبات حياتهن السابقة الدافئة التي ضاعت إلى الأبد، وعن الأقارب الذين تركوا هناك، والذين لا يبدو أنهم سيرينهم قريبًا، وعندئذ يشوه الحزن وجوههن
وتتهدج أصواتهن». إذا كان فضاء «جنان جاتو» الذي احتضن الفتى «يونس»، وعائلته الكادحة غداة نزوحها من الريف، فإن «ريو سلادو» ستكون مرابع صبا «جوناس» وتفتح وعيه والمجال الحيوي الرئيس الذي يتم فيه تخطيب التجربة لاستعمارية في مختلف تجلياتها، بحكم طبيعتها «الكوسموبوليتية» التي اجتمع في سياقها الجغرافي والثقافي عدد من الهويات الأوروبية واليهودية والفرنسية، قوامها الطابع الكولونيالي البورجوازي الذي استصلح الأرض واستخرج خيراتها، واندفع في غلوائه لاستعمارية المقصية للآخر المستضعف إلى حد لاستباحة العنصرية والسطوة والقتل المجاني: «كان معظم سكان ريو سلادو إسبانيين ويهودًا، فخورين ببنائهم بأيديهم كل منشأة قائمة فيها، وبانتزاعهم من أرض مليئة بالجحور عناقيد من العنب التي تسكر أرباب الأولمب. كانوا أناسًا ممتعين، عفويين وأصيلين، كانوا يحبون
أن يتنادوا من بعيد لافّين أيديهم حول أفواههم، يعطون لانطباع بأنهم خرجوا جميعًا من معدن واحد بالنظر لمعرفة بعضهم بعضًا معرفة كاملة، خلاف وهران التي تعطيك لانطباع وأنت تنتقل من حي إلى آخر كأنك تعبر عصور التاريخ، أو أنك انتقلت من كوكب إلى آخر. كانت ريو سلادو تفوح بالكرم وحسن الضيافة وحب لاحتفال حتى من وراء زجاج كنيستها المنتصبة على يمين البلدية، معزولة نسبيًا
لكي لا تزعج احتف لات المحتفلين». يصعب أن نعرف بالتحديد هوية الناظر في المقبوس السالف، أهي وجهة نظر «يونس» أم «جوناس» أم الكاتب؟ وخصوصًا أن النص اعتمد المنظور القائم على وجهة نظر الفتى في شتى مراحل حياته،
متقلبًا في الأوضاع والمواقف، كما لو كان يروي قصة حياته وفق خط كرونولوجي متعاقب بأمانة
مراعية للتسلسل الزمني؛ الأمر الذي يجعل من وجهة النظر السالفة المبئرة لمكان المدينة غير منسجمة تمامًا مع مرحلة الوعي والعمر التي يعبرها الفتى في لحظة دخوله المدينة الجديدة أول مرة، إذ يحدد
المقبوس تكوينات ثقافية واقتصادية وطبقية متجاوزة له بمراحل؛ ما يجعل من المقبوس ملفوظًا قبليًا
(27) Ibid., p. 19. (28) Ibid., p. 62.
أمْلته ضرورة التفضية وحملته الناصّ من دون مراعاة لمصداقية الأداء الفني المقنع في هذه المرحلة
من التخييل على كل حال. بيد أن المدينة الكولونيالية الصغيرة سرعان ما تحتوي احتواء ميكروسكوبيًا كل تفاصيل الواقع
لاستعماري الطافح بالعدائية، والأيديولوجيا لاستعمارية، والعنصرية البغيضة تجاه الأهالي الذين لا ينتبه إليهم الفتى إلا قليلً بشخصيته الجديدة «جوناس» التي تأخذ هنا بعدًا «هوياتيًا» مستلَبًا بالكلية،
مقطوع الصلة إلا قليلً بالأصل، وموصولً وصلً نهائيًا بالطبقة التي أتاحتها له تنشئته وبيته وتكوينه
الجسدي، ولا سيما من خلال أصدقائه الأوروبيين ومغامراته العاطفية الأولى: «كانوا يسموننا أصابع الفرشاة [...] كنا متلازمين لا نفترق [...] كان هناك جون كريستوف لامي، عملاق في السادسة عشرة من العمر [...] كان هناك فابريس سكاماروني، ولد رائع، قلبه على كفه ورأسه في السماء [...] وكان هناك سيمون بنيامين، يهودي جزائري، عمره مثلي خمس عشرة سنة، ممتلئ الجسد، مندلق البطن، كثير الخبث، شديد المرح، كنت أمضي كل وقتي معه، وكان بيته قريبًا من بيتنا [...] وهناك
هناك رفاق آخرون نسمح لهم ب لانضمام إلينا الحين بعد الحين، أبناء العم سوزا، جوزي الفقير، وأندريه المعروف بديدي، لابن الشبيه بوالده المتسلط ومالك أكبر مزرعة في البلد جيم جميناس سوزا». ضمن هذه الدائرة الضيقة من الأصدقاء، سوف يتحرك الفتى بشخصيتيه، «يونس» و«جوناس»، بحسب الوضع والسياق الحياتي، أحيانًا يتماهى كلية مع الأخير، وفي هنيهات قليلة ترده الحقيقة المرة إلى نطاق «يونس» وما تحمله ظلاله من تحديدات هوياتية وطبقية، ولكنها على الرغم من ذلك، ظلت حبيسة سياق استعماري لم يكشف تمامًا عن حقيقته في هذه المرحلة من السرد، مرحلة الأربعينيات
وغداة الحرب العالمية الثانية، قبل أن ينحدر السياق العام إلى زلزال ثقافي وأيديولوجي وهوياتي يحرك بالكلية مستقر الوضع لاستعماري الراسخ منذ 8301 مع انطلاق الثورة التحريرية فاتح تشرين الثاني/ نوفمبر 9541، إذ يقتل سيمون، وتحرق مزارع الكولون، وتشمل حرائق الثورة كل القطر، ويكشف أصدقاؤه الفرنسيون عن عمق مشاعرهم العدائية ضد الأهالي، واستعدادهم للذهاب إلى آخر الإجرام حفاظًا على النظام لاستعماري القائم. يعمد الناصّ، في خضم الثورة والزلزال الوجودي الذي أحدثته على المستويات كافة، إلى الزج
بشخصية أنثوية محملة بظلال رمزية وإيحائية عميقة، ترتفع بالسرد العاري الذي عرف به الكاتب إلى
(2((نشير هنا إلى العنوان الشهير لإحدى قصص الكاتب الشاعر الفرنسي «لويس أراغون» التي أطلقت على مجموعته القصصية المنشورة سنة 9801 بعنوان le mentir-vrai التي يمكن ترجمتها تقريبًا ب «الكذب بصدق»، وهي المقولة التي لخصت مذهبه في
الكتابة الروائية والقصصية، والتي أحدت تأثيرًا مهمًا في الخطاب النقدي الفرنسي المشتغل بالسيرة الذاتية والتخييل الذاتي، والسيرة
الروائية أو الرواية السيرية، إذ تذهب إلى أن السرد يكمن في تحويل أحداث واقعية محفوظة في ذاكرة الكاتب إلى أحداث تخييلية، فهي وإن كان قد أنتجها الكذب (كاذبة menteuse) فإنها تحمل، بالقوة في مضامينها، الحقيقة الكاملة القريبة من الواقع الذي ترسمه الكتابات التي تتجه إلى نقل الواقع العاري بعيدًا من التخييل. (3((اضطر الكاتب، من أجل إحداث لاضطراب الكامل في شخصية الفتى، إلى أن يعطيه ملامح أوروبية؛ العيون الزرق، البشرة البيضاء، الملامح الدقيقة، الشعر المائل إلى الصفرة.
(31) Khadra, Ce que le Jour doit à la Nuit , pp. 72-73.
آفاق شعرية شفافة، تحرض على التأمل والتأويل، وتدفع بالقارئ الفعال إلى جمع خيوط داللتها بأناة، وكشف مضمرات خطابها الرمزي الذي يمتد على طول السرد بخلفيته المظللة، خيطًا رفيعًا يجمع شتات الخطابات العابرة للنص، وهويات شخوصه، ومدلولاته الظاهرة، إذ يبدو فعلها السردي شاملً للمقولة الأساس للنص. والنص الأدبي في نهاية المطاف، بحسب جورج ب لانديي «يستدعي إعادة قراءة وفق رؤية متحررة من إكراهات النظرية الغربية، وقمينة بالتمكين من إعادة تعيين الموقع الذي يتحدث منه النص، ولمن وباسم من يتحدث، فضلً عن إعادة بناء الفهم بإستراتيجيات الكتابة المتحققة فيه، وكل ذلك يجري في سياق ما بعد الكولونيالية ليس كإطار تاريخي وحسب، وإنما، كذلك، بما يعنيه من مقاومات ونضال ضد الهيمنة وحوار بين الثقافات وتحديد للهوية». وعلى هذا الأساس تبدو «إميلي»، الفتاة الفرنسية البديعة، محتضنة لهذا المعنى المشتمل على مقولة النص وموقعها، تقتحم حياة الفتى «جوناس» بعد أن تكون والدتها قبل ذلك، السيدة «كزانوف» قد استدرجته إلى فراشها، وعندما تكتشف غرام ابنتها المتنامي به تلزمه أن يتعهد لها بأغلظ الأيمان أن لا يشجعها أو يبادلها الحب، وفي الوقت الذي كان أصدقاؤه يتهافتون عليها، ويخاصمه «جون كريستوف» خصامًا أبديًا لما اكتشف ولعها به، وأخيرًا يتزوجها «سيمون» وينجب منها ولدًا، ثم يموت
عنها، كان هو يصارع حبًا طاغيًا مجنونًا لها، وكانت هي تشقى بحبها المستحيل له شقاءً مضنيًا لا قرار
له، لم يزده تعهده لوالدتها، والسر الذي يخفيه عنها إلا ولعًا وتعلقًا وجنونًا. من هنا تصبح «إميلي» هي القضية المحورية التي تشغل الناصّ من حيث تشغل «جوناس» و«يونس»
معًا، نتعرف من خلال اشتغاله بها إلى كثير من تفاصيل الثورة ولاستقلال والهرب الجماعي إلى طوائف المستعمرين الأوروبيين والفرنسيين غداة إعلان لاستقلال، وانخراطه في بحث محموم عنها، ثم الذهاب في أثرها إلى فرنسا في السنتين التاليتين للاستقلال، وكيف رفضته ولم تغفر له تخليه عنها ورفضه لحبها قبل أن تتزوج صديقه «سيمون» اليهودي، من دون أن تدرك سره الخطير الذي منعه منها، والذي لم يتحرر منه إلا بوفاة والدتها السيدة «كزانوف»، بعد فوات الأوان. ستظل «إميلي» تجسد الحب المستحيل بينها وبين «يونس»، بين «فرنسا» و«الجزائر»، حب مستحيل لقيامه على قطيعة أملتها فوارق جازمة وملزمة وحادة، تجعل أي تواصل بينهما شبيهًا بزنا المحارم، لقيامه على خطيئة أولية هي علاقة «جوناس» بالسيدة «كازانوف»، علاقة يدينها التاريخ والجغرافيا والديانات السماوية كلها، وقوانين البشر أنفسهم، لأنها علاقة سفاحية آثمة ومنافية للطبيعة، وعلى هذا الأساس لا يتم اللقاء النهائي بينما إلا في المقبرة، عندما يتلقى «يوسف» نعيها، فيسارع إلى حضور جنازتها في بداية التسعينيات من القرن الماضي، إذ يلتقي رفاقه القدامى باستثناء «كريستوف» الذي ظل يحمل له حقدًا دمويًا دفينًا منذ اكتشف حب خطيبته «إميلي» له قبل بداية الثورة، وظل يتردد حتى
آخر لحظة، ثم يلحق به وهو على سلم الطائرة عائدًا إلى الجزائر، حيث يلقي بنفسه في حضنه متناسيًا
حقبًا طويلة من الكراهية المتبادلة.
(32) George Balandier, La situation coloniale, Approche théorique, les Cahiers internationaux de sociologie , vol. 11 (1951), pp. 44-79.
وهكذا تتولى رمزية الفعل في هذا السياق خطابًا متعاليًا عن التسامح، ونسيان الأحقاد، وبداية تاريخ
مشترك بين هويتين مستقلتين بكرامتيهما المحفوظة، من خلال قراءة الفاتحة على قبر «إميلي»، وتجاوز «كريستوف» لأحقاده القديمة، وقد ظل شامخًا بأنفه، مترعًا بالكراهية والحقد، ممثلً للغطرسة لاستعمارية، وقوتها العسكرية، ودوافع الهيمنة، ولا سيما أنه اندفع مبكرًا إلى لالتحاق بالجيش
الفرنسي دفاعًا عن مستعمرة الجزائر، وحفظًا للنظام الكولونيالي القائم بتقاليده وجرائمه وروحه العدائية المقصية للآخر، وظل كارهًا ل «يونس» لانتمائه الثقافي المغاير، وهويته المختلفة، وناقمًا على
«جوناس» لولع حبيبته/ إميلي/ فرنسا به؛ ما جعل الضغينة مضاعفة، والحقد الدفين عصيًّا على الزمان،
ما يربو على ربع قرن كامل. بهذا الختام المتفائل يوحي النص بمقولته الأساس، وينجز معناه الذي تولت الحبكة والشخوص والأفضية، في سياق التخييل العام، بتلوين أطرافه الحكائية تلوينًا مواربًا، لا يفصح كل الإفصاح، ولا
يخفي كل الإخفاء، بل توسل الترميز والمحاكاة التخييلية التاريخية لقراءة خريطة الصراعات الثقافية التي اعتملت في مرحلة تاريخية التحمت فيها هويتان وثقافتان، لم يكن هناك ما يجمعهما قبل اللقاء لاستعماري القديم، لكنهما أصبحتا، بحكم التجربة المشتركة، تتوفران على تاريخ مشترك، يحتم، بما أبقى من وشائج ثقافية، لونًا جديدًا من الحميمية والصحبة الحسنة المراعية للحقيقة التاريخية الجديدة، القائمة على هويتين مستقلتين، يتحتم عليهما، بحكم السيرورة الحضارية التي أخذتها طبيعة التاريخ المعاصر أن تحدثا القطيعة مع تجربة الماضي المريرة، وتتصالحا وتفتحا الأحضان للمستقبل. هذه بالتقريب مقولة النص الأساس التي تفسر جوهريًّا سر لاحتفاء الفرنسي به، في أوساطه الأدبية
والسينمائية على السواء، مقولة قوامها الغض من مأساة الماضي وجراحه التي ما تزال غائرة في الذاكرة الوطنية، والرقص على المعزوفة الصهيونية المتغلغلة في الأوساط الثقافية والإعلامية الفرنسية التي تجعل المكون اليهودي راسخًا في الخريطة العرقية لبلدان الشمال الأفريقي من جهة، والإنشاء الأدبي الجديد الذي يصور الشخصية اليهودية، خلاف الآداب العالمية الكلاسيكية، تصويرًا يضبط
نبرة العزف الإنساني على النبل والكرم والأصالة وسواها من المعاني الراقية من جهة أخرى.
تمثيل الهوية
عمد الناصّ إلى ترسيخ لانتماء الثقافي المغاير للعم الوطني مبكرًا، إذ بدا العم، على الرغم من تكوينه
الفرنسي، وتخرجه في الجامعة الفرنسية، وزواجه من «جرمين» الفرنسية، محافظًا على القيم الجزائرية الأصيلة، التي بدت في لباسه وشكله أولً، إذ وصفه النص عبر عينَيِ الطفل «يونس» في أول لقاء له
(((3 نشير هنا إلى إغفال الدوائر الصهيونية قانون «كريميو» الذي أصدرته الإدارة لاستعمارية أواخر القرن التاسع عشر، والذي تمنح بموجبه الجنسية الفرنسية ليهود الجزائر، مخرجة إياهم من قانون «الأهالي Les indigènes » الذي أصبح مقتصرًا على الأهالي
من الجزائريين عربًا وبربرًا، ما يجعل من الإلحاح في مسألة اليهود الجزائريين مصادرة على المطلوب بحكم القانون السالف، الذي
أخرجهم بالقوة من حيز «الجزائرية» إلى «الفرنسية» حكمًا ترتب عليه الطرد الذي نال الفرنسيين غداة لاستقلال. (((3 نلفت لانتباه هنا إلى الصفات الإنسانية الراقية التي ألحقها الناصّ ب «سيمون»، الشخصية اليهودية الوحيدة في النص، والتي
بدت أقرب الأصدقاء إلى البطل في بعديه الثقافيين معًا؛ «يونس» الجزائري، و«جوناس» الفرنسي.
به، بعد النزوح من الريف إلى المدينة: «رجل طويل نحيل، مشدود في طقم من ثلاث قطع، وطربوش أحمر فوق رأسه الأبيض، عيونه زرقاء وفوق ثغره الرفيع شارب رفيع»، ووصف انخراطه في النضال الوطني السلمي حتى تعرض للاعتقال والتعذيب الذي أجبره على الهرب من الشرطة لاستعمارية التي اجتهدت في توظيفه للتجسس على رفقائه في النضال، وبين اتساع ثقافته وحدة وعيه بالقضايا المتعلقة بالأمة العربية والإسلامية من خلال قراءاته في فكر مالك بن نبي وشكيب أرسلان، واشتراكه في المجلات المعروفة بمناهضتها للاستعمار، بما يظلل الخلفية لاستعمارية بمقومات هوية أخرى لها حضورها ومقوماتها الخاصة المغايرة، على الرغم من الإقصاء الحاد والتشويه العميق الذي تتعرض له تحت لاستعمار، وعلى هذا الأساس استدعى العم الفتى إلى خلوته الحميمة بمكتبه وراح يزرع، بلطف وذكاء، مقومات هويتهما المغايرة التي توشك على لاندثار في محيط لاستعمار وثقافته المهيمنة، وقد بدت «الخصومة» الثقافية التي أفضت إلى الثورة لاحقًا مع الموقف العدائي السلبي الذي وقفه الجد من زواج ابنه من «جرمين»، على الرغم من استسلامه للأمر المحتوم في النهاية كما لو كان قدرًا
لا رادّ له، في سياق الضعف ولاستعمار ولانكسار والأوبئة التي جرفت غلال البادية، والأمراض وسطوة المستعمرين على الأراضي الخصبة، وفق خطة ممنهجة أريد بها كسر الكرامة الإنسانية أولً، ثم لاكتساح الثقافي ثانيًا. تولى العم مهمة الإفضاء بهذا الجانب المعتم من التاريخ في جلسة «تربوية» حميمة مع الطفل «يونس»: «لقد أنقذتني الراهبات (من الجهل وبؤس الريف)، ودام الأمر سنوات طويلة تكللت بحصولي على البكالوريا، وقد وافق جدك الذي أنهكته الديون والأوبئة على أن يدفع أقساط دراستي للصيدلة، كأنه أدرك أن حظوظي في النجاح في الحياة هي مع الكتب وليس مع دائنيه، وعندما التقيت جرمين في كلية الكيمياء التي كانت تدرس بها البيولوجيا، لم يعترض جدك على قراننا، رغم أنه بدا لي كما لو أنه قد وضع عينه على ابنة عم أم ابنة ما لأحد حلفائه، وعندما تخرجت سألني عما أنتوي فعله بحياتي، فأخبرته بقراري بفتح صيدلية ولاستقرار بالمدينة، اكتفى بإيماءة من رأسه دون أن يفرض علي أية شروط، وهكذا اشتريت هذا البيت وهذه الصيدلية [...] جدك لم يزرني مطلقًا بعدها، حتى يوم زواجي من جرمين». يبين المقبوس على نحو ما، بإيقاعه الدقيق، وخطواته المحسوبة، آليات الدفاع الذاتي التي لاذ بها الأب، سواء بالموقف العدائي السلبي لزيجة ولده، ولاستقراره بالمدينة، أو بموافقته على انتهاج سبيل آخر في الحياة لم يعد السبيل القديم كفيلً بتحقيق التوازن ولاستمرارية القديمة فيه، فالأوبئة الفتاكة، ومحاصرة الملاك الصغار والكبار بالضرائب، وإقحامهم في مضايق الرهن والدين، والقوانين الجائرة التي سنتها الإدارة لاستعمارية خدمة للأوروبيين واضطهادًا للأهالي، كلها عوامل اجتمعت لتعجل بانقراض هذه الطبقة الثرية من ملاك الأهالي، ودفعهم إلى النزوح إلى المدن، ولاستقرار على هوامشها، واحتراف المهن الحقيرة التي تتعالى عليها اليد العاملة الأوروبية، ومن ثم لاستقرار النهائي
(35) Khadra, Ce que le Jour doit à la Nuit , p. 13. (36) Ibid., p. 40.
في قعر المجتمع، ولارتكاس في الجهل والتخلف والفقر والمرض، على النحو الذي نمطه الناصّ في
فضاء عشوائية «جنان جتو» التي عرضنا لها في مستهل هذه القراءة. من أجل ذلك لم يتخلف العم، وهو يرى انحدار «يونس» الأكيد صوب لالتباس الكلي بالهوية الفرنسية المهيمنة، بتأثير المدرسة وزوجته «جرمين»، من تنبيهه إلى الهوية الأخرى التي تكاد تمحى تحت طائلة التهميش والنسيان، هوية الآباء والأجداد، وتاريخهم العائلي المجيد: «ذات مساء، وبينما كنت ألهو في أروقة البيت، دعاني عمي إلى اللحاق به في مكتبه [...] أجلسني فوق ركبتيه ووجه نظري نحو صورة معلقة بالحائط، وقال لي: لا بد أن تعرف شيئًا يا ولدي، إنك لم تسقط من شجرة، هل ترى هذه المرأة على الصورة؟ أحد الجنرلات أطلق عليها اسم جين دارك، أرملة غنية جدًا، ومتحكمة بقدر ما كانت غنية، اسمها الل فاطنا، تمتلك أراضي واسعة جدًا، أوسع من بلد بحاله، قطعان بقرها تملأ السهول، وكان وجهاء النواحي يقبلون يديها، ويلعقون كفها، وحتى ضباط فرنسا كانوا يتملقونها، يحكى أنه لو أن الأمير عبد القادر كان عرفها، لكان استطاع أن يغير مسار التاريخ. انظر إليها جيدًا يا ولدي، هذه المرأة، هذه الأسطورة، كانت جدتك». وهكذا، عن طريق الصور المعلقة على جدار المكتب، وعن طريق الحكايات الماضية، يتمكن العم من استدعاء التاريخ الموازي المهمش، بل التاريخ الأصلي لذاكرته وذاكرة أرضه، ويعرف الفتى، مشروع الذاكرة الصغير، بأن له تاريخًا مغيبًا، وأنه سليل آباء فاضلين، وأجداد أبطال شجعان، وأن لهذه الأرض
تاريخًا غير التاريخ الذي يتعلمه في المدرسة، وعن طريق آلية الصورة وتفاصيلها التي أثثت المكان المعاصر بأمكنة تاريخية قديمة، وركزت على الجدران كثافة تاريخ يستعصي على النسيان، كما لو كان طرسًا خارقًا تتراكب فوقه الكتابات، جديدها فوق قديمها، من دون أن تفقد الكتابة الأولى تفاصيلها
وخطوطها ومضامينها، كما لو كانت وشمًا على ذاكرة الزمن نفسه. وهكذا يتعرف الفتى إلى أعمامه وأجداده، وقد كان فيهم العالم والفقيه، والمهاجر، والمحارب، ويعرف خصوصًا أن عمه انتهى صيدليًا بالمصادفة البحتة، فقد أعجز مرضه والده، وأعجزه أن يجد له العلاج
بالطرائق الشعبية الموروثة، ولما رآه يحتضر بين يديه، اضطر إلى أخذه إلى المستشفى حيث عالجته الراهبات وأدخلنه المدرسة بعد تماثله للشفاء. كان العم يروي خلفيات المصادفات التي أسلمته إلى المدرسة ومن ثم إلى الثقافة الفرنسية بنبرة أسف وتندم شبيهة ب لاعتذار، كما لو أنه خان تاريخ عائلته ووطنه، وبرغبة عارمة في غرس لانتماء في مشاعر الفتى الغضة.
(37) Ibid, p 40.
(3((نشير في هذا السياق إلى ما كان يتعلمه الجزائريون في المدارس الفرنسية، من أن أجداهم هم الغاليون، بالعبارة الفرنسية nos ancêtres les gaulois التي كانت مناط عملية الإدماج التي نادى بها الفرنسيون في ذلك الوقت، إلغاء للتاريخ الأصلي للشعوب المستعمرة، وهي العبارة التي ما زالت إلى يومنا هذا تلخص - في الخطاب الفرنسي المعاصر - سياسة الإدماج المنتهجة مع المهاجرين العرب والمسلمين، إذ تناقلت وسائل الإع ماا الفرنسية بكثير من السخرية ترديد الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، لهذه العبارة، وهو المهاجر المجري، فما كان عليه إلا أن رد بالقول: «حتى لو كنت مجريًا، فإنه في اللحظة التي حملت
فيها الجنسية الفرنسية، يصبح فيها الغاليون هم أجدادي». 3(((نستعمل هذه اللفظة هنا مقابل لمفهوم Palimpseste الذي كرسه الناقد الفرنسي جيرار جنيت.
لكن الفتى سرعان ما ينتبه في سياقات مخصوصة إلى عدوانية الخطاب لاستعماري وعنصريته وانتهاكاته لهويته الأخرى المقصية خلف التهميش والنسيان والتحقير، على الرغم من أن الناصّ لم يول تخييل هذا الجانب من الممارسة لاستعمارية جهدًا كبيرًا، واكتفى بما يتوافق مع سيرورة السرد، وما
جرته إليه بنيته السردية وألزمته بإيراده الحين بعد الحين، في مواقف معدودة، ومناسبات قليلة، ألغت، بكيفيةٍ ما، حدَّتَه المعروفة التي أوردتها الخطابات الأخرى في سياق استعماري إقصائي عنصري وغير إنساني. لعل ما يتعرض له الفتى في مراهقته المبكرة، وفي ما يتعلق بعاطفة الحب التي اشتملت عليه وتخللت كيانه، وما تأدى إليه في النهاية من رفض، كان حاسمًا في تفتيق وعيه ب لاختلاف الجوهري الذي تقوم عليه مدينته الصغيرة على الرغم من الهدوء الشفيف المنتشر على نواحيها كالسراب؛ إذ هجرته حبيبته «إيزابيل» فجأة ومن دون مقدمات، كانت حبيبة الطفولة والمراهقة، وصاحبة القبلة الأولى، ورعشة الحب الأولى، وخفقة القلب المبكرة، كانت تقول له إنه أميرها، وإن كيانه لا بد أن يكون في الحياة الماضية أميرًا أو ملكًا أو نبيلً عظيمًا، أو أي شيء يخلب اللب ويسحر الفؤاد، لكنه عندما يسعى وراءها
ليعرف سبب الهجران تقابله بوجه مكفهر، وسحنة مشمئزة، وتصرخ في وجهه: «كذاب [...] لا أريد أن أراك مجددًا [...] لماذا؟ [...] لماذا كذبت علي؟ [...] اسمك يونس، يو...نس [...] فلماذا قلت لي إن اسمك ‘جوناس’؟»، وعندما يعلمها بأن الكل يدعوه «جوناس» ويسألها: ماذا يغير في الأمر أن
أدعى «يونس» أو «جوناس»؟ ترد بقسوة: «هذا يغير كل شيء، كل شيء. لسنا من عالم واحد يا سيد يونس، وزرقة عينيك لا تكفي، هل نسيت أنني من عائلة ‘روسيليو’؟ هل تتخيل أنني يمكن أن أتزوج عربيًا؟ أفضّل الهلاك على ذلك». كانت هذه الخصومة أشبه بالصفعة المدوية التي طاشت بلب الفتى، فقد ردته إلى الوعي بحقيقته المغيبة تحت مظهره الأوروبي المتنور، واكتشف فجأة أن لاسم والمظهر وحدهما لا يكفيان، وأن الذات لاستعمارية ذات عنصرية من حيث الماهية، ومتعالية من حيث الثقافة، ومهيمنة من حيث الوجود والهوية، وأنه يحمل في دمائه الخطيئة الأولى التي تبيح للآخر الوافد ممارسة التهميش والإقصاء والإلغاء، وأن ثقافة التنوير والحضارة التي برر بها الغزاة جرائمهم لاستعمارية ما هي، عند إمعان النظر، إلا تبريرٌ واهٍ لدوافع أقرب إلى الغريزية منها إلى الوعي الحضاري، وأدنى إلى الروح البدائية الأولى
منها إلى السلم والأخوة الإنسانية، ما يجعل من الرفض الذي تعرض له رفضًا لأمة بأسرها، رفضًا لدم مخصوص، وهوية مخصوصة، وكينونة متفردة، رفضا ل «يونس» العربي وليس ل «جوناس» الأوروبي، وإن كانا في الحقيقة هوية واحدة، فإن التكوين الوراثي في الأول هو ما يعطي للقضية بعدها العنصري البغيض. جاء هذا التصريح العنصري على لسان الفتاة فارقًا في سياق النص، مخالفًا للممارسات العنصرية
(40) Khadra, Ce que le Jour doit à la Nuit , pp. 64-65. (41) Ibid., p. 65.
التي كشف الناصّ مضمراتها في سياق الخطاب بأشكال مواربة وغير معلنة، على نحو ما عاشه «عبد القادر»، رفيق «يونس» في المدرسة لابتدائية عندما أهمل إنجاز واجبه المدرسي: «لماذا يا سيد عبد القادر؟ لماذا لم تنجز واجبك؟ سأل المعلم، وعندما لم يحصل على جواب، توجه إلى الفصل كله: هل فيكم من يستطيع أن يخبرني لماذا لم ينجز عبد القادر واجبه؟ دون أن يرفع موريس إصبعه، أجاب بالقول: لأن العرب كسالى يا سيدي». واضح أن إطلاق توصيف «العرب» على الأهالي، هو في واقع الأمر توصيف قيمي أكثر منه طائفيًا،
لأنه يشتمل في إطلاقه على المكونات العرقية كافّة المكونة للنسيج العرقي للمجتمع الجزائري: البربر بطوائفهم، والعرب، والأعراق الأفريقية الزنجية وغيرها، ما يجعل منه مرادفا ل «المسلمين» الذي يشكلون مئة في المئة من ذلك النسيج العرقي ولاجتماعي، وإطلاقًا ثقافيًا بالدرجة الأولى، يوصف
به ما تعاديه الثقافة الغربية وتحاصره وتعمل على اجتثاثه، وتكرس قواها لاستعمارية كافّة، الخشنة واللينة؛ للقيام بمهمة المحو للسابق، ثم زرع اللاحق، وهي لن تتمكن من ذلك ما لم تقم بزرع بذور الشك في المورث، سواء عبر لانتقاص منه، أو عبر تهميشه وإقصائه، أو عبر مطاردته واجتثاثه، وهي أطوار مختلفة من أشكال الإقصاء تولت الثقافة لاستعمارية ممارستها في مختلف المج لات، بدرجات متفاوتة من العنف والليونة، بحسب المقامات، والأوضاع، ودرجة التأثير في المشروع لاستعماري ككل، لعل أهمها هذا الجانب الذي تولى النص الكشف عن آليته القائمة على تبرير لاستعمار بدعوى عجز «العرب» وكسلهم وتخلفهم عن القيام بمهمة إعمار الأرض، وإنتاج الحضارة، وتوسيع المدينة، والدفع بالإنسانية إلى قمم التطور، خلاف الحضارة الغربية التي جاءت أصلً لزرع هذه القيم وتفعيلها، بما يتوفرون عليه، وتتوفر عليه تركيبتهم العنصرية العميقة من مقومات الإنسان الفائق. وقد عقد الناصّ صفحات طويلة في الرواية لتسريد هذه الرؤية لاستعمارية التي تقوم، في جوهرها، على الحق في الأرض التي عمروها واستثمروها، وشقوا طرقها، ومهدوا سبلها، لأنها كانت أرضًا بورًا يملكها أناس كسالى عاجزون، وقد تولى المستعمر «جامينيز سوزا» التعبير عن اللاوعي العميق الذي تنطلق منه هذه الرؤية، سواء بتأكيد الحق في الأرض، أو بإلغاء أحقية الأهالي فيها على الرغم من لانتماء التاريخي والجغرافي، ب لاستناد إلى الموقف العنصري من «العرب» ومن الرؤية الشائهة التي كونتها الآلة لاستعمارية منذ البدء لتبرير جميع لانتهاكات الإنسانية والأخلاقية، وعلى هذا الأساس، راح يعدد ل «يونس» المجهودات الجبارة التي كرستها عائلته لتؤسس إمبراطوريته الكبيرة من الحمضيات الممتدة على مرمى البصر في أطراف المدينة: «عندما وقع جدي الأعلى في حب هذه
(42) Ibid., p. 47.
(((4 يكفي النظر في كتب التاريخ لإدراك الجهود الجبارة التي بذلتها الإدارة لاستعمارية في سبيل القضاء على مقومات الهوية الجزائرية المكونة أساسًا من ثنائية العربية والإس ماا، إذ سيفاجأ الناظر بالجهد الجبار المبذول في هذا لاتجاه، والذي مُنيَ في
النهاية بفشل ذريع، وظل المجتمع الجزائري مسلمًا في كليته، متعلقًا بلغة دينه وتقاليده وثقافته الموروثة، على الرغم مما تخلل
لغته الدارجة بحكم الخضوع الطويل للغة المستعمر، من لكنة ولحن وحضور مكثف للمفردات الفرنسية المعبرة عن أدوات المدنية الحديثة وأشيائها على وجه الخصوص.
(44) Khadra, Ce que le Jour doit à la Nuit , pp. 154-155.
الحفرة الميتة من الأرض، كان متأكدًا أنه سيموت قبل أن يستفيد من خيراتها، عندي صور في البيت تبين كيف أنه لم يكن في هذه النواحي ولا كوخ حقير، ولا شجرة، ولا بقايا دابة نافقة، لكن ذلك لم يثن جدي عن هدفه [...] لقد ثنى أكمامه، واتخذ من أصابعه العشرة أدوات العمل التي يحتاجها، وراح يزيل الأعشاب الضارة، ويصلح الأرض، حتى تورمت يداه وعجزتا عن تقطيع الخبز. كانت حياته شقاء في النهار وعذابًا في الليل ومحنة مع كل فصل، ومع ذلك فإن جدي وأهله لم يستسلموا، ولا للحظة واحدة، بعضهم تهاوى من المجهودات فوق الإنسانية التي بذلها، بعضهم قضت عليه الأمراض، لكن لا أحد منهم شك في فائدة ما هو بصدد القيام به ولو للحظة واحدة، وبفضل عائلتي يا سيد يونس، بفضل تضحياتها وإيمانها، هذه الأرض المتوحشة أصبحت أليفة، وجيلً بعد جيل، نمت لتصبح حقولً وبساتين، كل الأشجار التي ترى حولنا تحكي فصلً من حكاية أجدادي، كل برتقالة تعصرها تعطيك قليلً من عرق جباههم، وكل رحيق يفوح برائحة حماستهم». وفق هذه النبرة الحماسية توالت الخطب الممسرحة لتبرر الوضع لاستعماري القائم، وتسخر من بوادر الثورة التي توالت ضرباتها في طول البلاد وعرضها، وفي خلفية الخطاب الطويل كله الذي توالى عارضًا جهد المستعمرين وحماستهم وإيمانهم بمشروعهم لاستعماري، تنتصب الفكرة لاستعمارية الأولى التي سوغت الجرائم كافة، قديمًا وحديثًا، والمتمثلة في «دونية» الآخر، وحقارته، وعجزه وكسله، وارتكاسه في مستوى إنساني دوني غير قادر على النهوض إلى أفق الإنسان الأوروبي الوافد في مهمة التنوير والتمدين، على نحو ما قام به في أميركا وأستراليا ونيوزيلندا وغيرها من بقاع الأرض التي استوطنها، ودجنها، واستخرج خيراتها، وأسس فيها مدنيات راقية، لكنه يتناسى دائمًا، على نحو ما، تناسيَ المستعمر الذي أسلفنا خطابه، الوجه الآخر للزحف الغربي، والمصير القبيح الذي
انحدرت إليه الشعوب الأصلية، من إبادة، واستعباد، وامتهان، واستئصال للروح الأصلي وثقافته وقيمه وتقاليده، بما استتبع ذلك من تهميش وإحباط واستلاب، تبدو آثاره جلية في مختلف البلاد التي عرفت لاستعمار، أو تلك التي استقر بها الإنسان الغربي إلى الأبد.
References
المراجع
العربية
بوفيه، بول (محرر). الحق يخاطب القوة: إدوارد سعيد وعمل الناقد. ترجمة فاطمة نصر. سلسلة كتاب سطور. القاهرة: د.ن.،.2001
(45) Ibid., p. 155.
(((4 نشير هنا إلى المصير القاتم الذي انتهت إليه الأقليات العرقية في البلدان التي استوطنها الأوروبيون، سواء الهنود الحمر في أميركا، أو «الأبوريجان» في أستراليا أو غيرهم، فهي، على ما بينت لاستطلاعات المصورة والأشرطة الوثائقية، قد استقرت في قاع المجتمعات الجديدة، متشبثة ببقايا من تقاليدها القديمة التي يزيد تاريخها على الآلاف من السنين، وبقيت في المنزلة بين المنزلتين، لا تقاليدها ومنظومتها لاجتماعية القديمة حفظت، ولا استطاعت أن تندمج في النسيج لاجتماعي الجديد كل لاندماج، وبقيت عرضة للأمراض المتفاقمة، والمخدرات، ولانحرافات بكل صورها.
الأجنبية
الخضراوي، إدريس. الرواية العربية وأسئلة ما بعد الاستعمار. القاهرة: منشورات رؤية،.2012 عظيم، فردوس. «ما بعد الكولونيالية». ترجمة شعبان مكاوي. مجلة أوان. العدد التاسع 2).005(
Balandier, George. «La situation coloniale, Approche théorique.» les Cahiers internationaux de sociologie , vol. 11 (1951). Khadra, Yasmina. À quoi rêvent les loups. Paris: Pocket, 2000. ________. Dieu n'habite pas La Havane. Paris: Julliard, 2016. ________. Ce Que Le Jour Doit À La Nuit. Paris: Julliard, 2008. ________. Les Agneaux du Seigneur. Paris: Pocket, 1999. ________. Les Hirondelles de Kaboul. Paris: Pocket 2004. ________. Les Sirènes de Bagdad. Paris: Pocket, 2006. ________. L'Attentat. Paris: Pocket, 2011. ________. La Dernière Nuit du Raïs. Paris: Julliard, 2015.