تقرير حول المؤتمر السنوي السادس للعلوم الإنسانية و الاجتماعية (الأخلاق في الحضارة العربية الاسلامية)
Report on the Sixth Annual Conference of the Social Sciences and Humanities «Ethics in Arab-Islamic Civilization»
الملخّص
عقد المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات في الدوحة المؤتمر السنوي السادس للعلوم الإنسانية و الاجتماعية 2016-2017 ، خلال الفترة 18-20 آذار/مارس 2017، و جرى توحيد موضوعي المؤتمر مع موضوعي الجائزة العربية للعلوم الاجتماعية و الإنسانية و هذا بغية تشجيع البحث العلمي،و هما موضوع :سؤال الأخلاق في الحضارة العربية الإسلامية ، و موضوع : الشباب العربي الهجرة و المستقبل ، وعرفت جلسات المؤتمر السنوي هذه المرة و على امتداد ثلاثة أيام نقاشات و مطارحات تكتسي أهمية كبيرة راهنياً، أثارتها الأوراق التي قدّمها باحثون و أكاديميون من شتى ربوع الوطن العربي.
Abstract
The ACRPS in Doha held the Sixth Annual Conference on the Social Sciences and Humanities 2016-2017 from March 18-20, 2017. The two themes of the conference were the same as the two areas for the Arab Prize for the Social Sciences and Humanities, in the aim of encouraging academic research. The themes were "Ethics in Islamo-Arab Civilization" and "Arab Youth: Emigration and the Future". Over the course of three days, the conference witnessed debate and discussion bearing great contemporary significance, stimulated by the papers presented by researchers and academics from across the Arab world.
- فلسفة
- الأخلاق
- الحضارة العربية الإسلامية
- المؤتمر السنوي.
- Philosophy
- Ethics
- Islamo-Arab Civilization
- Annual Conference
عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة مؤتمره السنوي السادس للعلوم الإنسانية ولاجتماعية (017-20162)، خلال الفترة 0-182 آذار/ مارس 017.2 وجرى توحيد موضوعي المؤتمر مع موضوعي الجائزة العربية للعلوم الإنسانية ولاجتماعية؛ بغية تشجيع البحث العلمي، وهما «سؤال الأخلاق في الحضارة العربية الإسلامية»، و«الشباب العربي: الهجرة والمستقبل». وقد عرفت جلسات المؤتمر السنوي هذه المرة وعلى امتداد ثلاثة أيام نقاشات تكتسي أهمية كبيرة راهنيًا، أثارتها الأوراق التي قدّمها باحثون وأكاديميون من شتى ربوع الوطن العربي.
القيم الجديدة والعولمة وعودة سؤال الأخلاق
افتتح المؤتمر بمحاضرة لفهمي جدعان بعنوان: «مركب أخلاقي حديث للاجتماع العربي »، تناول فيها عدة قضايا متعلقة بما تمخض عن مناحي التغيرات والتطورات الكونية من أفعال وقيمٍ جديدة كليًا، حتمت علينا مجاوزة مفاهيم الإتيقا التقليدية التي درست بها الظواهر البشرية. فكانت المساءلة الإتيقية اليوم تشترط إنفاذ مدونة إتيقية معضدة بسياسات متعلقة بسيادة القانون. كما قدّم جورج زيناتي محاضرة بعنوان: «سؤال الأخلاق في الحضارة العربية - الإسلامية وبعض قضاياه في عصر العولمة». وتناول المحاضر استلام الحضارة العربية الإسلامية مهمة البناء المعرفي الإنساني في أعقاب انهيار روما وإمبراطورية الشرق (القسطنطينية). وحدث ذلك، خاصة بعد إنشاء «بيت الحكمة» في ظل الخلافة العباسية في بغداد على يد الخليفة المأمون. وانطلق المحاضر من إسهامات ابن باجة وابن طفيل، وتأثيرهما في الغرب والتنظير للفردانية الغربية التي جاءت مع الرأسمالية الصناعية.
ثم انطلقت فعاليات الجلسة الأولى للمؤتمر وكانت البداية بموضوع: «الأخلاق الإسلامية وأسئلة الحداثة». وفي هذا الباب، عرض الباحث محمد بوهلال ورقة عنوانها: «الأخلاق في الحداثة من النطاق الثانوي إلى النطاق المركزي: بين هابرماس وحلّق»، تطرق من خلالها إلى تأكيد الأهمية الأخلاقية للدين زمن الحداثة؛ نظرًا إلى أنّ جزءًا كبيرًا من مشكلاتنا، في المستوى السياسي و لاقتصادي و لاجتماعي والدولي، ذو طبيعة أخلاقية. وكذلك بالنظر إلى أنّ الحداثة ذاتها لم تتوصّل إلى بناء الحلول لتلك المشكلات، اعتمادًا على رصيدها المعرفي والقيمي الذي وُضِعت أصوله منذ عصر الأنوار. وقد مثّلت هذه «الأزمة الأخلاقية»، بالنسبة إلى بعض الفلاسفة والمفكّرين، منطلقًا لمشاريع نقديّة قادتهم إلى طرح فكرة إعادة تأسيس الأخلاقي للحداثة، بوصفها نموذجًا بدأ كونيًّا في مستويات المعرفة والعقلانية والنموّ المادي، لكنّ محدوديته المعنوية تكشّفت بالتدريج في المستوى الأخلاقي مع واقعة لاستعمار، ثمّ مع واقعة العولمة وحروب الإبادة التي تخلّلتهما. وكانت المداخلة الثانية لمحمد أوريا بعنوان: «الإيبستمولوجي والأيديولوجي في الفكر الأخلاقي عند طه عبد الرحمن: الأخلاق الإسلامية في مواجهة التطبيق الغربي للحداثة»، تناول من خلالها طه عبد الرحمن وما قام به من تعميد لمفاهيم جديدة في نقده للفلسفة الأخلاقية العلمانية، ووضَع أسسًا لأخلاق أخرى منبثقة من المجال التداولي الإسلامي، وناتجة من سياقه الديني واللغوي والتاريخي. وإذا كان فكر طه يرفض أن يكون جزءًا من المجال التداولي الغربي، فإنّ صاحبه، مع ذلك، يترك الباب مفتوحًا لاستخدام آليات الفكر الغربي، بل إنّه يتبنى آراء المفكرين الغربيين الناقدين للحداثة كتشارلز تايلر وهانز جوناس، مع فارق مهمّ يتمثّل بأنّ هؤلاء ينتمون إلى هذه الحداثة من دون أن يكونوا رافضين لها، بل إنّ انتقادهم إياها غايته تطويرها وجعلها أفضل ممّا هي عليه. في حين يستخدم طه هذه لانتقادات لدحض هذه الحداثة، وإعطائها طابعًا محليًا لا يستحق العالمية. أمّا مداخلة عبد القادر ملوك: «القيم الأخلاقية في ميزان العصر: طه عبد الرحمن في مواجهة موضوعية هيلاري بتنام وكونية يورغن هابرماس»، فقد عقد فيها الباحث مقارنةً بين ثلاث نظريات أخلاقية تنتمي إلى بيئات ثقافية مختلفة، وتحكمها منظومات فكرية متباينة؛ وقد تعلق الأمر بنظريات: هيلاري بتنام، ويورغن هابرماس، وطه عبد الرحمان. فهي، وإن توحدت حول منظور يرى أنّ المجتمع المعاصر في حاجة ملحّة إلى تهذيب أخلاقي جديد، كما هو في حاجة إلى أخلاق مشتركة تقيم توازنًا متعقلً بين مطلب الكونية ولاعتراف بالحدود السياقية التي تؤثّر فيه، فإنها قد اختلفت في السبيل التي تمكنها من تحقيق هذا المبتغى.
الجينوم وسؤال الأخلاق من منظور إسلامي
عالجت مداخلات الباحثين في الجلسة الثانية جوانب علمية وتقنية للجينوم، من ذلك تحرير المصطلحات العلمية؛ مثل «الجينوم»، و«الإكسوم»، و«النمط الجيني»، و«النمط الظاهري». ويُعنى
هذا المحور أيضًا بالتعريف بالمشاريع العلمية «العملاقة» في هذا المجال؛ مثل مشروع الجينوم البشري. كما يعنى بكيفية فتح هذه المشاريع أفقَ «الممكن علميًا» على نحو غير مسبوق في تاريخ البشرية؛ من ذلك الطب الشخصي Medicine Personalized، على سبيل المثال. كما جرى التطرق إلى المشاريع الجارية حاليًا في منطقة الخليج وأهميتها من الناحية العلمية والطبية بالنسبة إلى شعوب المنطقة، فضلً عن التطرق إلى أهمّ الأسئلة الأخلاقية التي تشغل بال العاملين في هذه المشاريع.
سؤال الأخلاق في الفلسفة الإسلامية (1)
في الجلسة الثالثة للمؤتمر، طرح موضوع «سؤال الأخلاق في الفلسفة الإسلامية». وقدّم الباحث رمضان بن منصور ورقة بحثية عنوانها: «استعمال الصناعة القياسية في العلم المدني عند ابن رشد»، تناول من خلالها التقاطع لاستعمالي بين المنطق صناعةً قياسية نظرية والعلم المدني (الأخلاق والسياسة) صناعةً عملية. فخلافًا لاستعم لات المنطق الظاهرة في العلوم النظرية (ما بعد الطبيعة والطبيعة خاصة)، بدت استعم لات العلم المدني لهذه الصناعة أقلّ ظهورًا وأكثر التباسًا بمضمونه المعرفي. ولبيان أنحاء استعم لات العلم الأول في العلم الثاني، كان ينبغي لنا أن نقف على جهة إعطاء الأسباب في العلم المدني، وجهة حلّ مسائله الغامضة، وجهة استخدام المقدّمات فيه... إلخ. غير أنّ تكشّف أنحاء لاستعم لات القياسية في العلم المدني لم يمكّنه من أن يفضيَ بنا إلى حلّ إشكالية البحث بقدر ما طرح مشكلة جديدة، وهو ما مثله العنصر الثاني. أمّا مداخلة كمال أمساعد وعنوانها: «تبيئة النظرية السياسية والأخلاقية الأفلاطونية في الواقع العربي الإسلامي: تجربة ابن رشد الحفيد أنموذجًا»، فتطرق فيها الباحث إلى كيفية تشكّل النظرية الأخلاقية لأفلاطون في البنية الفكرية لابن رشد، إضافة إلى المدى الذي استطاع به ابن رشد قراءة واقعه بأعين أفلاطونية؛ مكّنته من الدعوة إلى ضرورة تبنّي مشروع إصلاحي يعيد للأخلاق مكانتها الطبيعية في مجال السياسة والعلم. وعرض مولاي عبد الكريم في مداخلته التي كانت بعنوان: «أخلاق التعقل في فلسفة الفارابي وراهنيتها في الفكر الفلسفي العربي المعاصر»، لمسألة «التعقّل» في فلسفة الفارابي، بوصفه موضوعًا أخلاقيًا وعمليًا يجمل في الوقت نفسه بين نظرية في العقل والأخلاق؛ إذ تتجلي الرؤية التعقّلية عند الفارابي في لارتباط بين ما هو نظري وما هو عملي بوجه عام. وقد بيّنت الدراسة مضامين موضوع التعقّل ومضاداته، والأساس الذي بُني عليه، ومدى حضور الدين في ذلك. وهو ما سمح بإبراز الأبعاد المميزة للفلسفة الإتيقية الفارابية ومنزلتها في الفلسفة الإسلامية، وهو ما أنتجه لاستخدام الأصيل لهذا المفهوم فيها، مع أنّ أصله أرسطي.
سؤال الأخلاق في المدوّنات الفقهية والصوفية
كان «سؤال الأخلاق في المدوّنات الفقهية والصوفية» محورًا ناقشته الجلسة الرابعة، وسؤال الأخلاق تناوله العلماء الفقهاء وأئمة الصوفية والمدارس العرفانية. واستند البحث الذي قدّمه حمادي ذويب،
والذي كان عنوانه: «إشكالية منزلة الأخلاق في المدونة الأصولية الفقهية»، إلى عدد من الركائز الأخلاقية للمدونة الأصولية الفقهية؛ بحكم أنّ أصول الفقه تقوم على قيم وأخلاق جوهرية وليدة الثقافة العربية الإسلامية من جهة، وثقافات غيرها من جهة أخرى. واختار الباحث في هذا الصدد أن يتوقف عند ثلاث قيم تُعدّ أساسية في مجال أصول الفقه، هي العصمة، والعدالة، والصدق. وفي القسم الثاني من ورقته البحثية، توقف عند منزلة الأخلاق ضمن أصول الفقه الفرعية؛ فتطرق إلى ثلاثة أصول منها، هي المصلحة، والعرف، ولاستحسان. واهتم في ثنايا هذه المباحث بإشكالية حضور الأخلاق ضمن المصالح والمقاصد. أمّا الباحث إبراهيم القادري بوتشيش، فجاءت مداخلته بعنوان: «من أخلاق العالم المدنّس إلى أخلاق العالم المقدّس: دراسة في لحظة تأسيس التصوف الأخلاقي بالمغرب». ودرس من خلالها المنظومة الأخلاقية، مجالً متخيّلً أنتجه الفكر الصوفي المغربي، لحظة نشأته في بداية القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، لينتج نظمًا قيمية، تُقيم علاقة عمودية بين العالم العلوي وعالم البشر، يمتزج فيه الواقع بالأسطورة. كما تنطلق من النظر إلى «التصوف الأخلاقي» نتاجًا أفرزته الأزمة الأخلاقية على مستوى الواقع، لنقل الأخلاق من الفضاء الدنيوي «المدنّس» إلى الفضاء «المقدّس».
سؤال الأخلاق في الواقع العربي الراهن (1): أسئلة الوضعنة والدلالات
تطرقت الأوراق المقدّمة في سياق اليوم الثاني إلى موضوع سؤال الأخلاق في الواقع العربي الراهن. وفي الجلسة الخامسة سعى الباحث علي الصالح مولى في مداخلته: «هل تكون المواطَنة مدخلً إلى أخلاقية عربية ناجعة؟ بحث في وضعنة القيمة»، لتناول الإمكانات التي تُتيحها المواطَنة لصياغة أخلاقية عربية يتحرّر بها الفرد من لانسحاق في الجماعة، وتتحرّر بها الجماعة من سطوة الإرث التاريخي الذي كانت تجسّده الرعيّة، ويُعاد عن طريقها بناء مجال السلطة ومفهوم الدولة. أمّا الباحث شاكر الحوكي، فكان عنوان مداخلته: «الأخلاق منظورًا إليها هابرماسيًا: البعد الضائع في الثقافة العربية المعاصرة، تونس ما بعد الثورة نموذجًا». وقد تناول فيها الباحث الكيفية التي نفسر بها عودة المنظومة القديمة إلى السلطة في تونس بسرعة، بعد ثورة كان شعارها الرئيس «يسقط جلاد الشعب... يسقط حزب الدستور». ووقف الباحث محمد أوالطاهر في مداخلته: «الأنسنة كتجاوز لثنائية العقل والإيمان في فكر محمد أركون»، على تجليات نقد ثنائية العقل والإيمان في فكر محمد أركون، وذلك من خلال مفهوم الأنسنة الذي حاول تبيان تمظهراته الفكرية ولاجتماعية والسياسية داخل السياق العربي الإسلامي خلال القرن 4 ه/ 01 م. بيد أنّ الوقوف على تجليات الأنسنة في الفكر العربي الإسلامي يقتضي فصل القول في أزمة النزعة الإنسانية في الغرب، وقد كان طغيان العقل المتمثل بإفرازات الكوجيتو الديكارتي من
أهمّ أسباب تلك الأزمة؛ ما دعا عددًا من الفلاسفة إلى نقد العقل الديكارتي وتوسيع نطاقه ليشمل ما تمّ إدراجه سابقًا تحت مسمى اللاعقل (الروح، والنفس، والإيمان، والخيال... إلخ).
روافد الموروث الأخلاقي في الحضارة العربية الإسلامية
تقدّمت لمناقشة هذا الموضوع ثلاث أوراق بحثية استهلتها ورقة الباحث امحمد جبرون: «الموروث الأخلاقي الفارسي في الحضارة العربية الإسلامية: دراسة في تأصيل أخلاق الفرس في الآداب السلطانية الإسلامية»، وتمحورت حول إشكالية ذات صلة وثيقة بحياة العرب والمسلمين اليوم، وتتعلق بالمساهمة الكبيرة للثقافة الفارسية خلال عصر التدوين في صوغ أخلاقيات السياسة وأحكامها في المجال الإسلامي. كما قدّم الباحث رضوان رشدي مداخلة عنوانها: «موروث الطاعة الفارسي والتعصب القبلي وأثرهما في امتداد بنية لاستبداد في العقل الأخلاقي العربي»، وحاول فيها التدقيق في أصول لاستبداد وتجلياتها الواقعية، وكيف أنها انسلت إلى بنية العقل العربي لتُزيح عنه قيمة الحرية السياسية، وتستبدل على إثرها إخضاعًا سياسيًا قهريًا متطاولً زمنًا بُرّر بخطب مترسّلة تمتح من موروث فارسي، أو بفتاوى لدهاقنة التبرير السياسي المتزيي بمسوح دينية. فعمد الباحث إلى الفصل في قيمة الحرية فلسفةً، فضلً عن قيمة الحرية السياسية، مع تفكيك دقيق لمهدداتها ممثلةً بموروث الطاعة الفارسي القديم أو الحديث، ثمّ التعصب القبَلي ومآلاته التي تجذرت في العقل الأخلاقي العربي؛ ومن ثمّ أسّست أعراف سياسية ونُظم استبدادية تطاولت زمنًا وامتدت قرونًا. فكانت الحرية في عرفنا أسّ الوجود الإنساني وجوهره، لا يكتمل صرحها إلّ بإرادة واعية وعقل مستنير واستقلالية الإنسان الفرد ودولة المؤسسات؛ فيكون المجتمع والدولة المحل الطبيعي لتحققها. وعمد الباحث محمد يسري أبو هدور في مداخلته: «ولاية الحاكم المتُغلّبِ: بين حجية المعيار الأخلاقي وشرعية الأمر الواقع»، إلى النظر في عدد من المفاهيم الأخلاقية والسياسية، إلى أن تبيّن التغيير الجسيم الذي طال المنظومة الأخلاقية الإسلامية من جرّاء ارتباطها بالتأثيرات السياسية. وتستمد هذه الورقة البحثية أهميتها من محاولتها ربط الماضي بالحاضر، وأن تقدّم عددًا من الأسباب والعوامل ذات الجذور التاريخية التراثية الإسلامية؛ لتفسير فشل الكثير من ثورات الربيع العربي في عصرنا الحاضر.
الأخلاق الإسلامية وأسئلة الشرعية والرحمة والتقوى
تقدّمت لمناقشة هذا الموضوع ثلاث أوراق بحثية، بدأها الباحث محمد حبش بورقة: «سؤال الأخلاق بين مقاربات النظام الأخلاقي في الإسلام والقيم الأخلاقية الديمقراطية»، أكد من خلالها أنّ القيم
الأخلاقية الديمقراطية هي تلك القيم التي استقرت في دساتير الأمم وأعرافها مصادرَ للقانون ترضاه الأكثرية. ومن البديهي أن يكون ثمة تناوب في احترام هذه القيم المشتركة بين الإسلام والديمقراطية. وتناول الباحث مسألة تحرير محلّ الخلاف، تأسيسًا على أنّ الأصل في القيم الأخلاقية هو الوفاق بين هدي الوحي، كما يفهمه أكثر الفقهاء، وخيارات الأكثرية من الناس النابعة من الفطرة، وهو جوهر العملية الديمقراطية. وقد كان اختياره لمصطلح «الديمقراطية» تجاوزًا لمصطلح «شرق وغرب» أو «شمال وجنوب»، وكذلك مصطلح «إسلام ومسيحية». واختار التعبير بالديمقراطية؛ بوصفها منظومةً من التقاليد والوسائل لاتفاقية التي تتصدر المواثيق الدولية الحديثة، تحظى بإقرار الدول الديمقراطية، وتُعدّ آلياتها وممارساتها بمنزلة المرجعية للمنظومة الأخلاقية الدولية في إطار الأمم المتحدة، ومرجعية حقوقية في التشريع وإصدار الصكوك القانونية. وكانت المداخلة الثانية لعبد الرحمن حللي بعنوان: «مداخل تأسيسية للنظر في مفهوم التقوى في القرآن الكريم»، تناول فيها الباحث مداخل تأسيسية لدراسة الحقل الدلالي للتقوى بصفتها مفهومًا أخلاقيًا مركزيًا في القرآن؛ بغية الكشف عن دلالته في سياق المنظومة الأخلاقية القرآنية. ولتحقيق هذا الغرض، تمّ حصرها في مدخلين: المدخل اللغوي (المعجمي التاريخي)، والمدخل السياقي (النصي والتاريخي). فعلى المستوى اللغوي التاريخي والمعجمي، انتهى في مداخلته إلى أن الجذر الذي يرجع إليه لفظ «التقوى» له نظائر في اللغات السامية، كما أنّه استعمل بكثرة في الشعر الجاهلي. وقد انفرد شعر الحنفاء بالتعبير عن بعد أخلاقي - ديني للتقوى، ويجمع الجذر اللغوي العربي لكلمة «تقوى» ومشتقاتها بين معاني عديدة، منها الحذر، واتخاذ وسائل الحماية والقوة؛ من أجل الوقاية في الأمور المادية أو المعنوية. فالأمور المعنوية يكون مجالها نفسيًا محلّه الإرادة، وهو ما تؤكده السياقات القرآنية التي كان ورود لفظ «التقوى» فيها مبكرًا مع أول سورة أنزلت، مستخدمًا بصيغة التعريف الدالة على استقرار معنى التقوى لدى المخاطبين ابتداءً. أمّا الباحثة شفيقة وعيل فقدّمت مداخلة بعنوان: «نحو فهم توشيهيكو إيزوتسو: لامتداد الأخلاقي لأنطولوجيا الرحمة في رؤية الوجود القرآنية»، حاولت من خلالها تقديم قراءة أنطولوجية لأحد المناهج الفكرية الحديثة في القرآن. وبما أنّ الأنطولوجيا مبحث لدراسة الوجود وترتيب العلاقات فيه بين الله والعبد، فإنّ رؤية المفكّر توشيهيكو إيزوتسو (ت. 9931) تقوم في عمقها الوجودي على هذه العلاقة.
سؤال الأخلاق في الواقع العربي الراهن (2): الأخلاق الطبية والبيولوجية
عالجت مداخلات الباحثين في الجلسة الثامنة موضوعات مهمة مرتبطة بسؤال البيوتيقا في الواقع العربي الحالي؛ إذ تناول الباحث رضا حمدي، صاحب الورقة البحثية: «الأخلاق التطبيقية في الفكر الإسلامي، البيوتيقا نموذجًا»، «الأخلاق الطبّية» بصفتها موضوعًا يعود إلى أقدم الأزمنة؛ إذ كان مبحثًا
أساسيًّا في الفلسفة اليونانية. وخلال قرون متلاحقة، كانت وصايا أبقراط مرجعًا أساسيًّا لدى المهتمّين بالميدان الطبّي. وقد ترك الأطبّاء المسلمون القدامى مبادئ مهمّة في العناية بالبعد الأخلاقي. وفي الأزمنة الحديثة تزايد لاهتمام بهذا الموضوع؛ بسبب كثرة الأضرار الناشئة من بعض الأعمال الطبّية الجديدة. وكان مدار التفكير محاولة التوفيق بين المكتسبات العلمية في مجال الطبّ والقيم الأخلاقية الفاضلة. وفي الفكر الإسلامي المعاصر، اهتمّت فتاوى الفقهاء بالأخلاق الطبّية من زاوية بيان ما يجوز فيها، وما لا يجوز شرعًا وأخلاقًا. أمّا الباحثة حنان القرني، فجاءت مداخلتها بعنوان: «الأخلاقيات الطبية بين السياق الإسلامي والسياق الغربي»، طرحت فيها إشكالية مهمة تتساءل عن إمكانية أن تكون مراجع الأخلاقيات الطبية الغربية صالحة للاستخدام في الوطن العربي، مع اختلاف المرجعيات الأخلاقية، واختلاف المنهجيات التي تُستخدم لصياغة الأحكام الأخلاقية، إضافةً إلى اختلاف السياق لاجتماعي والثقافي الذي ينتج معضلات أخلاقية مختلفة ووعيًا أخلاقيًا مختلفًا أيضًا.
سؤال الأخلاق في الفلسفة الإسلامية (2)
وفي إطار مسألة: «سؤال الأخلاق في الفلسفة الإسلامية» في جزئها الثاني من المؤتمر، ناقشت الجلسة التاسعة قضية سؤال لاخلاق عند المعتزلة والأشاعرة بدرجة خاصة. وافتتحت الجلسة بمداخلة للباحث رجا بهلول عنوانها: «القانون الأخلاقي والأمر الإلهي: قراءة جديدة في الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة». فرأى أنّ هذا الخلاف سيسترعي فهومنا وعقلياتنا نحن العرب المعاصرين، من جانبين: الأول أنّ الخوض في تفاصيل هذا الخلاف يرينا على نحو لا يترك مجالً للشك أنّ نقاشات هؤلاء الأسلاف ليست أمرًا منقطع الصلة عمّا يتمّ تداوله في الوقت الحاضر وفي سياق الفكر العالمي؛ من آراء حول العلاقة بين الأخلاق والقانون، وعن مدى لزوم احتكام القانون إلى معايير الأخلاق. أمّا الشق الثاني، فهو ما يتعلق بنا نحن عربًا، في معترك هذه الأزمات المركبة التي تمرّ بها مجتمعاتنا العربية والإسلامية. كما أنّ مطارحة تفاصيل الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة سيفتح لنا أبوابًا جديدة للتجديد في مجال الفكر الأخلاقي عمومًا، انطلاقًا من موروث فلسفي خاص بنا. ولا يتسم هذا الموروث بالأصالة فحسب، بل إنّه يتّسم بالعمق والغنى والتنوع أيضًا. أمّا الباحثة ناجية الوريمي، فطرحت في مداخلتها: «الحسن والقبح عند المعتزلة: بحث في المرجعيات الفكرية والتاريخية»، إشكاليات مهمة: هل نجح المعتزلة، من خلال استدلالهم على المرجعية العقلية لمفهومي «الحسن» و«القبح»، في الثبات على تقديم العقل مصدرًا محدّدًا للمعرفة وللسلوك؟ أم أنّهم وقعوا في ارتباك بسبب حرصهم على الملاءمة بين غير المتلائم من مصادر المعرفة في عصرهم؟ وهل ارتقى تصوّرهم لهذين المفهومين إلى مستوى تجريدي يصلح للتعميم؟ أم أنّه لم يتجاوز الأطر المذهبيّة الضيّقة؟ ثمّ هل كان سلوكهم السياسي منسجمًا فعلً مع نظريّتهم الأخلاقية التي يختزلها هذان المفهومان؟ أم أنّهم «فعلوا» خلاف ما «نظّروا» له؟
قدّم شفيق اكريكر مداخلته: «إتيقا الحياة الدنيا الطيبة عند الرازي: صيغة مبكرة للاستقلالية الأخلاقية ولفصل الأخلاق عن الدين»، وفيها تقصى معالم فصل الأخلاق، أو بالأحرى الإتيقا، عن الدين عند أبي بكر الرازي الطبيب، في كتابه الطب الروحاني. وبيّن أنّ الرازي يجرّد الفعل الأخلاقي من أهمّ خصيصتين دينيتين: الرجاء الأخروي، ثمّ الآمر أو المشرع الخارجي. وقد توصّل بذلك إلى ما يستحق أن يوسم ب «إتيقا الحياة الدنيا الطيبة»، بالنظر إلى الخصيصة الأولى، أو «إتيقا لاستقلالية» بالنظر إلى الثانية. وبدلً من قيم الأخلاقيات الدينية، بنى إتيقاه حول قيمتين عدّهما خيّرتين في ذاتيهما وساميتين عند كل إنسان بما هو إنسان، وهما حاكمية العقل ومرغوبية اللذة.
سؤال الأخلاق في الواقع العربي الراهن (3): أسئلة السياسة والفكر وأخلاق المجتمع الشبكي
في جلسة المؤتمر الختامية، قدّم الباحث عبد العزيز لبيب مداخلة بعنوان: «سؤال العصر في الأخلاق ومفارقاته مع السياسة »، تساءل فيها عن التناقض بين حركتين: حركة الحداثة التي أقامت معمار الفلسفة السياسية، وحركة ما بعد الحداثة التي أدخلت هذه الفلسفة في حالة غيبوبة بحكم أننا من ناحية أخرى، نشاهد حركة ثالثة متنامية تدفع النظرية الأخلاقية إلى الغلواء مقابل ما أصاب النظرية السياسية من انكماش. وهو ما يمكننا نعته، على صعيد ميتا نظري، بقلب للقلْب: مكيافيللي قلب السياسة على الأخلاق، وإتيقا اليوم تنقلب على السياسة. وإذ نرى حصار الإتيقيّات على السياسة آيلً إلى التعميم والتعولم، فلا عجب أن نرى النظريات الأخلاقية تحطّ برحالها في فضاء الفكر العربي، تصنيفًا، وتنظيرًا، وشرحًا، وترجمةً. غير أنها، هي بذاتها تحديدًا، ضرب آخر من ضروب تدبير السياسية وترويض وحشية الواقع، بإرجاع الصّدى بينها وبين فضاضة الممارسة وإفراطها في لاختلاف. وإذ تعمل «إتيقيّات» قطاعية وجهوية جديدة كأنها «مونادا» لا أبواب لها ولا نوافذ، فإنها تقصي «المدينة» أو تضعفها، وتهمّش العلاقة بالفضاء العمومي؛ أي بالسياسة. وبهذا المعنى تكون ضربًا من التواؤم مع الليبرالية الحقوقية والسياسية: تشخيص «حال العالم»، بهذه الطريقة تحديدًا، ينطوي على قبول «الوضع الحالي». أمّا الباحث أحمد مفلح، فقدّم مداخلة عنوانها: «دلالة سؤال الأخلاق في الفكر العربي المعاصر: تحليل محتوى مجلة المعرفة السورية أنموذجًا»، تناول فيها بالدراسة والبحث دلالة سؤال الأخلاق في الفكر العربي المعاصر، محللا محتوى مجلة المعرفة السورية نموذجًا مكتوبًا من الخطاب العربي. وهي مجلة علمية جامعة (فكرية وسياسية وأدبية وفنية) محكّمة، تصدرها شهريًا وزارة الثقافة السورية منذ آذار/ مارس 962.1 وما زالت هذه المجلة تصدر إلى اليوم، وقد بلغ مجموع ما صدر منها حتى تشرين الأول/ أكتوبر 0162 نحو 763 عددًا (منها نحو 92 عددًا مزدوجًا)، وقد حوت نحو 0655 مادة بحثية. وكان عنوان مداخلة نديم منصوري: «الأبعاد الأخلاقية في مجتمع الشبكة: المجال العربي مثالً»، وفيها توصل بعد الدراسة إلى أنّ مجتمع الشبكة هو مجتمع تسلّطي لا حيادي، انطلاقًا من النظريات المفسرة
لمجتمع الشبكة التي أكّد معظمها أنّه مجتمع استهلاكي، وأنّه متسبب بانهيار منظومة القيم، وصولً إلى مساعي المبرمجين والمسيطرين على مجتمع الشبكة في صياغة مجتمع موحّد خاضع لتوجيهات عالمية، من دون إغفال الدور السلبي للمستخدمين في المساعدة على تحقيق هذه الأهداف. كما توصلت الدراسة إلى أنّ معالجة هذا الخلل الأخلاقي لا تتحقق إلّ من خلال وعي شبكيّ يكتسبه مستخدم الشبكة، علاوةً على إستراتيجيات دولية متعلّقة بسَنّ قوانين سيبرانية تحمي المستخدم من المخاطر والخروقات الأخلاقية الخارجية والداخلية.