أخلاق التعقّل في فلسفة الفارابي وراهنيتها في الفكر الفلسفي العربي المعاصر
The Ethics of Prudence in Al-Farabi's Philosophy and its Relevance to Contemporary Arab Philosophical Thought
الملخّص
تناولت هذه الدراسة مسألة "التعقّل" في فلسفة الفارابي بوصفه موضوعا أخلاقيا وعمليا يجمل في نفس الوقت نظرية في العقل والأخلاق، وقد بيّنت الدراسة مضامين موضوع التعقّل ومضاداته، والأساس الذي انبنى عليه، ومدى حضور الدين في ذلك. واستكمالا لذلك اهتمّت الدراسة من ناحية أخرى بإبراز ما أحدثته فلسفة الفارابي من خلال هذا المفهوم من تأثير في الفلسفة اللاحقة عليها خاصة في الفكر الفلسفي العربي الراهن كما عند فتحي التريكي وطه عبد الرحمن، وذلك للتأكيد على راهنية فلسفة الفارابي نظرا لاستدعائها من قبل هؤلاء المعاصرين في نقاش القضايا الراهنة للفكر العربي المعاصر.
Abstract
Abstract: This paper deals with the issue of prudence in Al-Farabi’s philosophy, treating the notion as an ethical/moral and practical topic that is a theory in both reason and ethics. The work elaborates on the implications of prudence (and imprudence), its foundations, and the presence of religion in the theory. It further addresses the impact of Al-Farabi’s concept of prudence on philosophy, particularly in the modern Arab philosophical thought of Fathi Triki and Taha Abdurahman, who drew extensively from Al-Farabi in contemporary issues arising in modern Arab thought.
- العقل
- التعقّل
- مضادات التعقل
- الأخلاق
- الإتيقا.
- Reason
- Prudence
- Imprudence
- Morality
- Ethics.
The Ethics of Prudence in Al-Farabi's
Philosophy and its Relevance to
Contemporary Arab Philosophical Thought
وعمليًا يجمل في الوقت نفسه نظرية في العقل والأخ ق. وبيّنت الدراسة مضامين موضوع
التعقّل ومضاداته، والأساس الذي انبنى عليه، ومدى حضور الدين في ذلك. واستكمالً للموضوع، اهتمّت الدراسة بإبراز ما أحدثته فلسفة الفارابي من خلال هذا المفهوم من تأثير
في الفلسفة اللاحقة عليها خاصة في الفكر الفلسفي العربي الراهن كما عند فتحي التريكي وطه عبد الرحمن، وذلك لتأكيد راهنية فلسفة الفارابي نظرًا إلى استدعائها من جانب هؤلاء
المعاصرين في نقاش القضايا الراهنة للفكر العربي المعاصر.
مقدمة
يحضر العقل في فلسفة الفارابي حضورًا مزدوجًا في كل بعد من أبعادها، فبما هي بنية معرفية
فإنّ العقل يحضر فيها بوصفه موضوعًا ومنهجًا في الوقت ذاته، وبما هي مباحث ونظريات
فإنّ موضوع العقل يحضر بوصفه موضوعًا نظريًا وعمليًا في الوقت نفسه. ويظهر العقل العملي مُجملً
في مفهوم التعقّل ومضاداته، بحيث يكون موضوع التعقّل جامعًا خاصية البعد الأخلاقي والعملي لهذه الفلسفة. ولهذا، فإنّ مفهوم التعقّل يكتسي أهمية خاصة في فلسفته، لا بوصفه عاكسًا ملامح المجال العملي
لهذه الفلسفة فحسب، وإنما في ما يُمثله من خلاصة حية وباقية لهذه الفلسفة المتجاوزة في كثير من تقريراتها المعرفية والفكرية، والمتجاوزة كذلك في خلفيتيها العلمية والميتافيزيقية. ويلاحظ حضور هذه الخلاصة الفلسفية في الاهتمامات الفلسفية ذات البعد الأخلاقي والقيمي اللاحقة على هذا الفيلسوف، وذلك بمعنى يؤكد تأثيره في اللاحقين عليه، وراهنيته في العصور التالية له، الذي لم يقتصر على المتحركين في فضائه الفلسفي (ابن سينا، وابن باجة، وغيرهما)، وإنما امتدّ إلى فضاء الفلسفة العربية المعاصرة الحاملة همّ الحداثة ورهاناتها. سنحاول في هذه الدراسة تناول مسألة التعقّل بما هو أخلاقية عند الفارابي وتجلياته المختلفة، مع إبراز ملامح استعادة هذا المفهوم في النشاط الفكري المعاصر، وذلك انطلاقًا من إشكالية عامة تحاول رصد كيف أنّ مفهوم التعقّل يطرح إشكاليةً مزدوجة حول العقل؛ تتعلق بإظهار «الماهية الأخلاقية للعقل» و«الماهية العقلية للأخلاق» في الوقت نفسه. وهي إشكالية يمكن امتحانها في فلسفة الفارابي وتأثيرها في العصور اللاحقة، من خلال أسئلة فرعية متعددة من أهمها: السؤال عن: مفهوم التعقّل عند الفارابي؟ وفيم يتحدد فعل «التعقّل» ومضاداته في تجليهما العملي؟ وعلام يتأسس فعل التعقّل ومفهومه بما هو فضيلة أخلاقية؟ هل يتأسس على مقتضيات الدين؟ أم على مقتضيات العقل؟ وأخيرًا
ما مدى تأثير هذا المفهوم وراهنيته في قضايا الفلسفة الأخلاقية والإتيقية العربية الراهنة؟
التعقل من الدلالة إلى المفهوم
تم تداول مفهوم التعقّل ومرادفاته كثيرًا في المجالات المختلفة للثقافة والفكر العربيين والإسلاميين
القديمين، سواء أكان فلسفة أم آدابًا شرعية أم حِكمًا ونحو ذلك. ويُحفظ للفارابي وجيله من أمثال العامري خصوصية حمل هذا المفهوم على وجهه الفلسفي التأسيسي. ولعل أهم ما يمكن الانطلاق منه هنا ابتداءً بصدد الفلسفة الفارابية هو عدّها، بتجوز، بانيةً مفهوم «التعقّل» في الفلسفة العربية
الإسلامية؛ أي الإقرار بقول ينعت هذه الفلسفة ناقلة لكلمة «التعقّل» من دلالتها اللغوية العادية إلى مستوى المفهوم الفلسفي. وتعكس محاولة البناء المخصوص لمفهوم «التعقّل» هذا أو غيره من المفاهيم الفلسفية عنده كيفية تطبيقية للمنطلقات الفلسفية لإشكالية العلاقة بين اللغة والتفكير التي تناولها في كتابيه
كتاب الحروف والألفاظ المستعملة في المنطق، إذ إنّ من أهم خصائص التفلسف عنده العمل على استخدام اللغة استخدامًا مخصوصًا، يتم بمقتضاه خَلْق المعاني الفلسفية بها، أو نَقْلها إليها إن لم تكن العملية الفلسفية قد بدأت فيها، وذلك ب «تأثيل» المفاهيم الفلسفية الأرسطية واليونانية عمومًا، وبإضفاء المعنى الفلسفي على اللفظ العادي ليكون المصطلح الفلسفي مصطلحًا «تمثيليًا». وتعني
هذه التجربة في مفهمة اللغة العادية عنده أنّ اللغة الفلسفية ومقولات الفكر هي تأثيلات خاصة لها أصلها اللغوي المحدد؛ فالنظر الفلسفي بتوسله بالمأصول التداولي تأثيلً أو تمثيلً أو تخيلً يكون أكثر ارتباطًا بخصوصيته الثقافية واللغوية كما يرى طه عبد الرحمن. ويقصد بالتعقّل بمعنى عام جودة الرويّة وإتقان الرأي وحصافته، ويمثل خاصية العقل العملي الذي به تتم صحة الرأي في الأمور العملية. وبتفحص معاني كلمة «التعقّل» ودلالتها في المتن الفارابي، يتّضح أنها تعني في الغالب الخاصية العملية والأخلاقية للعقل، ونادرًا ما تعني خاصيته النظرية التي يركّز عليها بعض الدارسين أحيانًا، وسبب ذلك هو أنّ الفارابي استخدم الكلمة بالمعنيين معًا؛ فدلالة التعقّل جاءت في كتاب «آراء أهل المدينة الفاضلة» بمعنى التعقّل من حيث هو تفكير Intellection، أي التعقّل بما هو نشاط النفس الناطقة في تحصيل المعرفة. وهذا ما جعل فتحي المسكيني يعدّه «مفهومًا مقلقًا». والمقصود هنا هو مفهوم «التعقّل» الذي هو مجال العقل العملي والذي حاول الفارابي أن يبنيه بطريقته الخاصة، مستلهمًا مفهوم الفرونوزيس Phronésis أو الرويّة الأرسطي. وبتتبع مسار استخدام المفهوم عنده يتبيّن أنه لم يكن مكتملً لديه منذ البداية، وإنما بناه عبر مراحل
فكرية من تبلور فلسفته، فقد تعرض لفحواه أحيانًا من غير أن يدلّ عليه بهذه الكلمة، وفي سبيل ذلك استخدم مفاهيم بدلالات ومعانٍ تقترب من دلالات مفهوم التعقّل ومعانيه، مثل مفاهيم الفضيلة الفكرية والقوة الذهنية والقوة الروحية والرويّة. ويمكن الوقوف على هذا المفهوم مثلً في كتاب تحصيل السعادة في صلب مفهومات أخرى مرادفة للتعقل، مثل «القوة الفكرية» و«الفضيلة الفكرية»؛
(((انظر: الفارابي (أبو نصر محمد بن محمد بن أوزلغ بن طرخان، 339-260 ه)، كتاب الحروف، حققه وقدم له وعلق عليه محسن مهدي، ط 2 (بيروت: دار المشرق،.)1990 (((انظر: الفارابي، «الألفاظ المستعملة في المنطق»، في: المنطق عند الفارابي، تحقيق وتقديم وتعليق رفيق العجم (بيروت: دار المشرق،.)1986 (((التأثيل بحسب اصطلاحات طه عبد الرحمن هو «وَصْل المدلول الاصطلاحي أو المفهومي الذي وضع للفظ الفلسفي بأسباب
مدلوله اللغوي. وتوظيف هذه الأسباب الدلالية الأصلية في توسيع النظر حول هذا اللفظ»، انظر: طه عبد الرحمن، سؤال العمل،
بحث عن الأصول العملية في الفكر والعلم (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012)، ص 42 وما بعدها؛ طه عبد الرحمن، فقه
الفلسفة، ج 1 (الفلسفة والترجمة)، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1995). (((يعني «التمثيل» في اصط حااات طه عبد الرحمن ما يتم استخدامه من أمثلة وشواهد في التعريفات الفلسفية، انظر:
عبد الرحمن، سؤال العمل، ص 42 وما بعدها. (((المرجع نفسه، ص 42 وما بعدها. (((فتحي المسكيني، فلسفة النوابت (بيروت: دار الطليعة، 1997)، ص.75 (((انظر: أرسطو (322-384 ق.م.)، علم الأخلاق إلى نيقوماخوس، ترجمة وتحقيق أحمد لطفي السيد، ج 2 (القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية، 1924)، ص.154-113
أو في كتاب السياسة المدنية في صلب مفهوم الرويّة «الذي يمكن عدّه لحظة اكتمال مفهوم التعقّل واستقراره المعجمي كما سينضبط مع ابن سينا». وعلى هذا يمكن القول إنّ مفهوم «التعقّل» عند الفارابي تكوّن عبر مراحل فلسفته، حتى بلغ تبلوره
واكتماله، لكن هل يتنافى القول بإبداع الفارابي مفهوم التعقّل مع حقيقة الأصل الأرسطي لهذا المفهوم الذي ثبت بإقرار من الفارابي نفسه؟ وهل يستقيم إنكار إضافة فارابية للمتن الأرسطي في مجال الأخلاق، كما يذهب إلى ذلك أحمد محمود صبحي عندما يقول إن الفارابي «حين تعرض للأخلاق لم يضف شيئًا عما ذكره أرسطو»؟ تتطلب الإجابة عن هذه المسألة لفت النظر إلى أن دلالة مفهوم التعقّل عنده هي دلالة محاذية لمضمون الكتاب السادس لإيطيقا أرسطو وفقًا لما أكده الفارابي نفسه؛ عندما رأى أنّ هذا هو معنى التعقّل عند أرسطو. وعلى الرغم من تأثره الكبير بأرسطو، فإنّ هناك تميّزًا للفارابي تمثّل بجعله التجربة الدينية
أحد مداخل التجربة الفردية التي تؤسس فعل التعقّل، وذلك عندما رأى أنّ الأفعال الفاضلة التي يجب أن يتحلى بها المتعقل التام هي «الأفعال الفاضلة التي بحسب مِلَّة ما، والأفعال الجميلة التي في المشهور»، وهذا تفصيل لا يقف عنده أرسطو. ويُنبّه الفارابي من زاوية أخرى إلى أنّ الدلالة العامة لمفهوم التعقّل موجودة في الاستخدامات العامية
للجمهور التي تتحدد عندهم من خلال كلمة «العقل» و«العاقل»، فهؤلاء إنما «يعنون بالعقل على المعنى الكلي ما يعنيه أرسطو بالتعقّل». وما يريد التنبيه إليه هنا هو أنّ هذا التشابه بين أرسطو وبعض الفلاسفة من جهة والجمهور من جهة أخرى في التعبير عن دلالة التعقّل ليس تشابهًا في طبيعة التحديد المفهومي لهذه المسألة، وإنما في ما يتعلق بمحاولة التعبير عن حقيقة «فعل التعقل» بوصفه ممارسة عملية. وهي محاولة يخلط فيها الجمهور وغير الفلاسفة بين معنى العقل بوصفه حقيقة كلية والتعقّل بوصفه تجليًا عمليًا للعقل. وبهذا، فإنّ استخدام التعقّل بوصفه مفهومًا عند الفارابي يتأصل في هذين المنحيين السابقين: اليوناني (الأرسطي خاصة) والعربي (كما عند الجمهور والكندي)، وليس هذا إلا تجليًا لكيفية استدعاء
المفاهيم عنده وخلقها؛ والقائم على تحويل الاستخدامات اللغوية للجمهور إلى مفاهيم فلسفية من النوع الأرسطي. إنّ الكلام عن خصوصية فارابية لمفهوم «التعقّل» يعني أن معالجته لهذا الإشكال كانت معالجة واعية
(((المسكيني، ص.77 (((أحمد محمود صبحي، الفلسفة الأخ قااية في الفكر الإس مااي: العقليون والذوقيون، أو النظر والعمل، ط 2 (بيروت: دار المعارف، 1983)، ص.13 (1((الفارابي، رسالة في العقل، حققه وقدم له وعلق عليه متري النجار (بيروت: دار المشرق، 1983)، ص.5-4 (1((الفارابي، كتاب تحصيل السعادة، قدم له وعلق عليه وشرحه علي أبو ملحم (بيروت: دار الهلال، 1995)، ص.96 (1((الفارابي، رسالة في العقل، ص.5
ومكتملة، ولم تكن عرضية أو ناقصة، ذلك لأنه تناول الإشكال بالدراسة لتحديده اصطلاحيًا، ثم لرسم تجلياته الفعلية والواقعية، بطريقة أصيلة. وإذا كان من الصعب دومًا التمييز بين مستوى التحديد الاصطلاحي لمفهوم نظرية معينة وبسط عناصرها وتحليل مكوناتها، فإننا لا نعدم أن نلاحظ توزعًا وظيفيًا نحو هذين المنحيين عند الفارابي في كتابيه رسالة في العقلوفصول منتزعة، لأن اختلافهما المنهجي في كيفية تناول مسألة التعقّل يتوزع ما بين هَمِّ التحديد الاصطلاحي (الإيتيمولوجي) في الأول وهَمِّ الوصف الذي يعرض المسألة في تجلياتها بما هي ممارسة فعلية في الثاني، على الرغم من أنّ هذا التوصيف الإجرائي لمراحل نمو مفهوم التعقّل في كتب الفارابي ليس نهائيًا، إذ إنّه عرض
عرضًا وصفيًا مقامات فعل التعقّل في كتاب رسالة في العقل، مثلما تناول المفهوم تناولً صوريًا في
كتاب فصول منتزعة. وأهم ما يميز دراسته الاصطلاحية لهذا المفهوم هو محاولة تحديده انطلاقًا من فصله وتمييزه عن مفاهيم أخرى، كالتمييز أولً بين الجزء النظري للعقل وجزئه العملي، وبين التعقّل ومفاهيم العلم والحكمة. والفرق بين التعقّل والعلم هو أنّ مجال العلم هو الضروريات، بينما مجال التعقّل هو الممكنات، لأنه متعلق بتدبير الأحوال المتغيرة والمتبدلة، ويختلف كذلك عن مفهوم الحكمة، لأنّ الحكمة هي «أفضل علم لأفضل الموجودات، والتعقّل إن كان فإنما يدرك به الأشياء الإنسانية فليس ينبغي أن يكون حكمة»، أي إنّ التعقّل يتعلق بالتصرفات والأفعال بينما تتعلق الحكمة بالتصور النظري للموجودات السامية. ويمكن القول إنه إذا كانت الحكمة تعني هنا المعرفة بالوجود الفاضل، فإنّ التعقّل يعني إتيان فعل الفضيلة ذاتها، والتدرب على إقامتها. وما يمكن إقراره عمومًا عن تمايز مفهوم التعقّل عن مفهومي العلم والحكمة هو أنّ مفهومي الحكمة والعلم (عالم الثبات والدوام والضرورة) منفصلان عن مفهوم التعقّل (عالم التغيير والآنية والحرية)، لأن التعقّل هو فن معالجة ما يتعدد من اختيارات ومن إمكانيات يمليها الواقع، أي إنّ التعقّل هو انطباق العقل على الوقائع في التجربة الإنسانية، وتحوّله من البعد النظري إلى البعد العملي والممارسي، فالتعقّل بما هو انفتاح العقل على الحرية، أي بما هو تجلي الحرية في انفتاح العقل على الوجود والحياة، هو أقرب إلى حالة الفن منه إلى العلم بما يجعله سِمةً لذوي الموهبة العالية القادرة على الخلق والإبداع، فالمتعقّل بهذا المعنى هو فنان الأمور الحياتية، لأنه يبرع في ترتيب إستراتيجياتها العملية، ويتقن تدبيرها، وذلك وفقًا للمعنى الذي حدده أرسطو سابقًا لهذه الحالة. وبذلك يكون الفارابي أسّس لمبحث «التعقُّلية» في الفلسفة العربية الإسلامية، من خلال نقله كلمة «التعقّل» من دلالتها العادية إلى مفهوم فلسفي، ومن متنها الأرسطي إلى تأثيلها العربي الإسلامي.
(1((الفارابي، فصول منتزعة، حققه وقدم له وعلق عليه متري النجار (بيروت: دار المشرق، 1971)، ص.61 ((1(أرسطو، ص 125، وما بعدها.
التعقّل بما هو تضايف بين العقل والأخلاق
يأخذ القول في التعقّل عند الفارابي مجاله ضمن فلسفة أنثروبولوجية مبنية على نظرية عامة في الإنسان استدعت كامل جوانبه النفسية والاجتماعية، وهي نظرية تدخل في سياق ما يعرف بعلم النفس الأرسطي الذي يرى في الإنسان قوى متعددة، تُعد القوة الناطقة القوة أهمّها؛ بوصفها تُمثّل الماهية
العقلية للإنسان. ويذهب الفارابي وغيره من الفلاسفة القدماء إلى وضع نظرية في العقل يُميّز فيها بين تصور ميتافيزيقي
وأنطولوجي للعقل؛ يكون فيه العقل هو مبدأ الوجود وهو العقل المفارق وأنواعه، وتصور نفساني يكون فيه العقل ملكة محايثة للإنسان، هو العقل الإنساني ومراتبه، بحيث تكون القوة الناطقة في هذا المستوى الذي هو العقل الإنساني. ويُعرّف الفارابي القوة الناطقة بأنها القوة «التي بها يعقل الإنسان،
وبها تكون الرويّة، وبها تقتنى العلوم والصناعات، وبها يميّز بين الجميل والقبيح من الأفعال، وهذه
منها عملي ومنها نظري». وتتكون القوة الناطقة من جزأين: نظري وعملي، ولكل من الجزأين مبادئه وغاياته وفضيلته، «ففضيلة الجزء النظري: العقل النظري والعلم والحكمة، وفضيلة الجزء الفكري: العقل العملي والتعقّل والذهن وجودة الرأي وصواب الظن». وإذا كان يمكن القول من منظور معيّن بأنّ نظرية العقل الفارابية يهيمن فيها البعد الأنطولوجي على البعد
الإنساني؛ لأن هذه النظرية «يهيمن عليها أساسًا محور النفس والعقل الفعال»، فإنه وفي ما هو خارج
عن هذه البنية الأنطولوجية للعقل تظهر الخاصية الإنسانية للعقل؛ بوصفه فاعلية عملية تنتظم وفقًا لها مختلف مجالات الفعل الإنساني، بحيث يحدث تمايز في العقل بين مفهومي العقل النظري بوصفه تصورًا معرفيًا والعقل العملي بوصفه تصورًا قيميًا. وفي هذا المعنى تتحدَّد الماهية المزدوجة للعقل. ومن المعروف أنه على الرغم من أن مبتدأ التصورات عن «العقل» هو تحديده من خلال «ماهيته النظرية» في الفلسفة النظرية، فإن الفلسفة العملية وفي سياقات متعددة اضطلعت بتحديد «ماهيته العملية»، والنظر إليه من زاوية الصفة الأخلاقية التي تحايثه، ذلك أن العقلانية التي يختص بها الإنسان هي عقلانية تنقسم إلى نوعين: «العقلانية النظرية التي لا أخلاق فيها والعقلانية العملية التي تنبني على الأخلاق»، بل إن الجانب القيمي والأخلاقي للعقل يظهر حتى من خلال دلالته اللفظية في اللغة العربية، كما لاحظ محمد عابد الجابري. ويتأرجح القول من دون حسم منذ القدم حول علاقة العقل بالأخلاق، فمسألة عدّ العقل المعيار الأساسي للأخلاق ليست مطلقة، فعلى الرغم من أن العقل له تأثير فاعل وتأسيسي للأخلاق واختيار
(1((الفارابي، فصول منتزعة، ص.29 ((1(المرجع نفسه، ص.50 (1((محمد مصباحي، من المعرفة إلى العقل (بيروت: دار الطليعة، 1990)، ص.33-32 (1((طه عبد الرحمن، سؤال الأخلاق (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2006)، ص.14 (1((محمد عابد الجابري، العقل الأخلاقي العربي، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2006)، ص.104
السلوك الأخلاقي؛ بما يؤكد أن الأخلاق مبنية على معايير عقلانية، فإن للأخلاق أساسًا دينيًا هو المعتبر
في الغالب، ذلك لأن «الأساس العقلي وحده لا يكفي لقيام الأخلاق»، إلا أنه ومما لا شك فيه أيضًا أنّ العقل يساهم في بناء الأخلاق إلى جانب الدين والمعايير الأخرى. وتقويم مدى مشاركة العقل في بناء الأخلاق في الثقافة العربية يبقى مجال اختلاف بين الأنساق الفكرية، فالجابري يرى أن «الأساس الذي يقوم عليه الحكم الأخلاقي في الثقافة العربية الإسلامية ‘العالمة’ هو العقل»، وأن «الاعتراف ب ‘العقل’ كأساس للأخلاق في الثقافة العربية قائم بما يشبه الإجماع». بينما يرى طه عبد الرحمن أنّ «التداول الإسلامي يرد العقلانية إلى الأخلاقية»، لأن العقل، من وجهة نظره، «فعل مثل الخلق، والعقل العملي أولى بأن يستتبع العقل النظري من أن يتْبَعه». ويتضح مما سبق أن هناك تضايفًا وترابطًا بين الأخلاق والعقل بغض النظر عن سؤال الأسبقية في العلاقة بينهما. وفي هذا السياق يتنزل مفهوم «التعقّل» عند الفارابي بوصفه مستوى تجلي العلاقة بين العقل النظري والعقل العملي بما يظهر البعد العملي والأخلاقي للعقل؛ فالفارابي يرى أنّ «التعقّل هو أداة لكل تفكير عملي يَهمُّ شؤون الإنسان الحياتية، فالإنسان المتعقّل هو الذي يعتمد العقل في حياته لكي تكون أخلاقيته مطابقة لنمط تفكيره العقلي». وعلى هذا يمكن القول إنه «يشير إلى أن للعقل دورًا هامًا في استنباط المبادئ التي يهتدي بها العمل الخلقي، فقبل أن توجد الفضائل الأخلاقية لا بد أن تكون معقولة أولً». إنّ فعل التعقّل يتكشّف إذًا في الروح الأخلاقية التي تحايث الفعل الفاضل، وتؤسس جوهره، لأن المبدأ الأخلاقي هو عماد «فعل التعقّل»؛ كما في تعريف الفارابي له في قوله: «فجودة الرويّة في استنباط ما هو في الحقيقة خير ليفعل، وفي استنباط ما هو شر ليتجنب هو تعقّل»، أي إنّ فعل التعقّل هو تلك الفاعلية التي تصدر عن ملكة الرَويّة وإمعان الفكر؛ من أجل بلوغ الغاية الأخلاقية الفاضلة من ذلك
الفعل، بحيث إن تلك الفضيلة هي السعادة بما هي الغاية القصوى للفعل. إن المطلب الأساسي للتعقّل هو بلوغ السعادة، لأنه «هو الذي يُوقِف على ما ينبغي أن يفعل حتى تحصل السعادة»، أي إن التعقّل هو ما يجعل من الأخلاق والسياسة همًّا فرديًا وجماعيًا، وغايةً
((2(صبحي، ص.196 ((2(الجابري، ص.103 ((2(المرجع نفسه، ص.122 (2((عبد الرحمن، سؤال العمل، ص.86 ((2(المرجع نفسه، ص.88 (2((موسى عبد الله، المدينة والأخ قاا في خطاب الفارابي، من أجل استكمال إيتيقا محذوفة في الفلسفة العربية الإس مااية (الجزائر/ بيروت: ابن النديم للنشر والتوزيع/ دار الروافد الثقافية، 2013)، ص.28 (2((إبراهيم العاتي، الإنسان في الفلسفة الإسلامية (نموذج الفارابي)، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993)، ص 222. (2((الفارابي، رسالة في العقل، ص.5 (2((الفارابي، فصول منتزعة، ص.62
وسبيلً يتحقَّق من خلالهما الحصول على السعادة. وبما أن الفارابي ينتقل «من سعادة الفرد إلى سعادة المجتمع، ومن الإنسان الفاضل إلى المدينة الفاضلة، وباختصار من الأخلاق إلى السياسة»، فإن التعقّل هو ما يجعل السياسي والأخلاقي تجسيدًا للفضيلة في سبيلهما وغاياتهما. ومن هذه الخلفية فإنه يطابق بين «الإتيقا بما هي ضرب من الجهد نحو السعادة، وبين السياسة بما هي أنطولوجيا مفارقة، قائمة على تصور تفاضلي للمدينة»، فما يحدُّ من حاجة الحاكم إلى الوازع والتغلب في حكمه، إنما هو مدى قدرة المحكومين على التعقّل. التعقّل إذًا هو تقدير ذاتي وفردي للأحداث، والتعامل معها بطريقة جيدة وفاضلة، ومن هنا، فهو منسجم مع مثاله في السياسة الفاضلة التي يقدرها الرئيس أو الإمام، فرئيس المدينة الفاضلة «إن لم يكن نبيًا
فحكيمًا متعقّلً واصلً». وهذا يعني أن التعقّل هو مجال التصرف الحر، والمبادرة المستقلة، لكن المسؤولة في خضم الحدث السلوكي للأفراد. وعندما يكون التعقّل وسمًا للسياسة بهذا المعنى، فإنه يتجلى كإلغاء للسياسة وتجاوز لها، إذ إن السياسة بهذا الفهم هي نوع من «التدبير الناقص» كما يعبر ابن باجة، ولن يكون هذا الإلغاء للسياسة في معناها الاصطلاحي إلا تأكيدًا لمفهوم السياسة الفاضلة عند الفارابي، لأنه «لا يفصل بين الإتيقا والسياسة الفاضلة». إن هذا الإلغاء للطابع السياسي للتدبير المدني سيضفي جدوائية أكثر ومرونة أيضًا على فعل التقدير المِلّي ذاته، فما دامت المِلَّة هي التعقّل المخصوص في النطاق الضيق للرئيس، فإن التعقّل بما هو هذا الانفتاح بين المُقَدِّر والمُقدَّرُ لهم سيضفي على الأفعال خَيْرِيتَها المرجوة، فالمِلّة بما هي «آراء وأفعال
مُقدّرة ومقيّدة بشرائط يرسمها للجميع رئيسهم الأول»؛ ستكون بفضل صفة التعقّل فعلً جميلً في
حياة الجميع، «ويُعتبر هذا التعقّل جزءًا من خصوصيات الرئيس الفاضل»، فالتعقّل وبالاعتماد على
العوامل السابقة يقوم بوصفه مبحثًا فلسفيًا يتنزل في صميم الفعل الإنساني، بحيث لا يكون هذا الفعل
سياسة أو أخلاقًا فقط، وإنما إتيقا فردية لها تجلٍ جماعي. يشترك الفارابي والفلاسفة من جهة مع كُتاب أخلاق «مكارم الشريعة» أو «آداب الشريعة» والجمهور من جهة أخرى في القول بالمعنى الأخلاقي للتعقّل، ذلك لأنّ كلا المنظورين يؤكد الحقيقية التضايفية بين العقل والأخلاق، بما يجعل العقل أخلاقيًا والأخلاق عقلية، إلا أنّ فهمهما طبيعة ذلك التضايف
ومنطلقه يختلف باختلاف المنطلقات والمبادئ التي تؤسس القيم والمضامين الأخلاقية عند الطرفين. فإذا كان أصحاب «الآداب الشرعية» والجمهور يستندون إلى قواعد ومقتضيات الأخلاق الدينية، فإنّ
((2(العاتي، ص.248 ((3(المسكيني، ص.77-76 ((3(العاتي، ص.257 ((3(المسكيني، ص.77 (3((الفارابي، كتاب الملة ونصوص أخرى، حققها وقدم لها وعلق عليها محسن مهدي (بيروت: دار المشرق، 1968)، ص.43 (3((رضا الداوري الأردكاني، الفارابي مؤسس الفلسفة الإسلامية، تعريب عبد الرحمن العلوي (بيروت: دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، 2004)، ص.110
الفارابي، ومثل غيره من الفلاسفة، ينظر إلى المسألة من زاوية الفضيلة قيمة إنسانية عامة، وليس من حيث هي قيمة خاصة لأصحاب ديانة معينة؛ أي إنه يميز الفضيلة عن قواعد الخُلق الديني، بوصف لكل منهما خاصيته، خلافًا للجمهور والوعاظ الأخلاقيين الذين يماهون بين القيمتين، ويرجع ذلك إلى أنّه يرى أنّ الفضيلة قيمة إنسانية عقلية، ويؤكد ذلك قوله إنّه «لا يستنكر أن يكون الإنسان له القدرة على استنباط المتوسط في الأفعال والأخلاق بحسبه هو وحده». وبحسب الفارابي فإنّ الجمهور يرى أن «العاقل يحتاج إلى دين، والدين عندهم هو الذي يظنون هم أنه هو الفضيلة». وقد ظل الفارابي هنا أرسطيًا مبتعدًا عن أصحاب «الآداب الشرعية» والجمهور
عندما لم يؤسس الفضيلة ومقتضياتها على «إحداثية الحلال والحرام كما هو الأمر عند الغزالي، وإنما على الجميل والقبيح كمفاعيل عقلية مشتقة من ماهية الإنسان نفسه». وعلى الرغم من ذلك، فإنّ الفارابي لا يقصي الديني كليًا وإنما يحتفظ بمنزلة للدين في إنضاج الفعل التعقّلي، وتمثلها نظرته إلى
مشاركة التجربة الدينية إلى جانب التجارب الاجتماعية الأخرى؛ في شحذ ملكة التعقّل عند الإنسان، فالأفعال الفاضلة التي يجب أن يتحلى بها المتعقل التام هي «الأفعال الفاضلة التي بحسب مِلَّة ما، والأفعال الجميلة التي في المشهور». ويمكن عدّ أرسطية الفارابي هذه تضفي بمعنى ما خاصية فهم الجمهور المسألة على تناول بعض الفلاسفة لها؛ نظرًا إلى عدم انتهاجهم المنهج الإنسي الذي تنتهجه الفلسفة الفارابية الأرسطية، وهو ما
يمكن الاستدلال عليه بمذهب الغزالي والأصفهاني على سبيل المثال لا الحصر، فالتعقّل عند الغزالي هو المجاهدة الدينية الصوفية «التي تعني أن التعقّل والتأدّب لا يكون إلا بقمع الشهوات»، أما عند الراغب الأصفهاني فإن «العقل المُشرِق» الذي يماثل «التعقّل» عند الفارابي في كل الفضائل النظرية والعملية، هو عقل الأخلاق الدينية، لأنه يؤكد أنّ «العقل لا يهتدي إلا بالشرع، والشرع لا يتبيّن إلا
بالعقل». ويرجع الأمر هنا إلى إشكالٍ أعمّ يتمثل بأمر حضور المَنزع الديني في فلسفة الفارابي عمومًا، ذلك أن الفارابية في بعدها العام هي فلسفة «إنسية، أي نسق يجعل الإنسان محور التفكير، ويُسخّر الأشياء لسعادة الإنسان»، وهي بذلك «إنسية أخلاقية»، لكنها في الوقت نفسه ليست فلسفة منقطعة عن
(3((الفارابي، فصول منتزعة، ص.44 (3((الفارابي، كتاب الملة، ص.4 ((3(المسكيني، ص.72 (3((الفارابي، كتاب تحصيل السعادة، ص.96 (3((نور الدين السافي، نقد العقل: منزلة العقل النظري والعقل العملي في فلسفة الغزالي (بيروت: دار التنوير، 2009)، ص.130 ((4(الراغب الأصفهاني (الحسين بن محمد بن المفضل، أبو القاسم، ت. 502 ه)، الذريعة في الشريعة، تحقيق أبو اليزيد العجمي (القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، 2007)، ص 105 وما بعدها. ((4(المرجع نفسه، ص 92. (4((محمد عزيز الحبابي، ورقات عن فلسفات إسلامية (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1988)، ص.24
الدين، لأنه إن «كنّا لا نلمس في نصوص الفارابي ممارسة تأويلية تُقرأ بها أقوال الشرع؛ وفْق الحقائق اليقينية التي تثبت في الفلسفة البرهانية، نجد لديه مع ذلك ما يحقق لنا أن نرى فيه الصياغة المثلى لفلسفة الدين، بمعنى تعليل الدين بحقائق ميتافيزيقية وإنسانية ونفسانية وعقلية وأخلاقية وسياسية، وبنظريات في الحقيقة وطرائق معرفتها وتاريخ حصولها وكيفية تعلمها». وعندما يُطرح أمر «التعقّل» وفقًا لهذا التأوُّل، فإنه يصبح تعبيرًا عن السياق الفلسفي للفارابي الذي يرى
الدارسون أنه ينظر إلى الفلسفة ذاتها بوصفها نوعًا من القدرة الذاتية للإنسان على الاهتداء بالعقل إلى المضامين التي يهدف إليها الدين، وهذا يدفع بإشكالية «التعقّل» ذاتها إلى أن تكون ملمحًا من ملامح
إشكالية التوفيق بين الفلسفة والدين التي تحكم التفلسف عند الفارابي.
فعل التعقّل
إن أعمَّ ما يمكن قوله عن التعقّل هو أنه كيفية عملية تلتئم من خلال الارتباط المتلازم بين التدبّر النظري
والتدبير العملي في الفعل الإنساني، وفي أنماط ممارسته الحياتية في كل أبعادها وكيفياتها، حيث يكون التعقّل من مشمولات الجزء العملي للعقل، بالنظر إلى أن التعقّل لا يصدر عن بعد التأمل والنظر المحض فقط، وإنما عن بعد التجربة العملية والممارسة الواقعية. ويتمثل محصول التعقّل في تحقيق الفعل الوسط بين عدم عمل الشيء والنظر إليه أكثر مما ينبغي أن يكون عليه أو التقصير فيه عما ينبغي أن يكون عليه، وذلك من خلال التروّي في الوسائل التي تُوصل إلى الغايات الفاضلة. وإذا كان التعقّل يتحدد بتمايزه عن الجزء النظري، فإنه يتمايز أيضًا عن أبعاد أخرى يشملها الجزء العملي، لكونها تختلف عنه في جوهره على الرغم من أنّها تشبهه في بعض جوانبه، فالعقل العملي، في معناه الضيق، يشبه التعقّل في ارتباطه بالتجربة الفعلية، لكن ارتباطه بتلك التجربة هو ارتباط يتم فقط على مستوى ما سمّاه الفارابي «طول مشاهدة الأشياء المحسوسة»؛ مما يجعله أضيق مجالً
من مجال التعقّل، لأنه يرتبط فقط بمجال المِهَن والنشاطات الحِرَفية، أما مفاهيم «الظنّ الصواب»
و«الذهن» و«جودة الرأي» فهي صواب الرأي الذي يتطلبه التعقّل، ويعدّها الفارابي نوعًا «من أنواع التعقّل»، ومستوى من مستوياته، إلا أنّ اقتصارها على معيار الصحة النظرية من دون المناحي الأخلاقية يجعلها ليست التعقّل بالمعنى الكامل، لانتفاء المعيار الأخلاقي فيها. ولمّا كان لبعض جوانب الفعل الإنساني أهدافٌ وغايات لا ترقى إلى مستوى الغاية الأخلاقية، ومن غير
أن يكون لتلك الأفعال غايات غير أخلاقية، فإنّ الفارابي ميّز هذه الحالة عن التعقّل وسماها «كياسة»،
فالكياسة هي «القدرة على جودة استنباط ما هو أفضل وأصلح في بلوغ خيرات ما يسيرة». وهذا يعني أنّ فعل التعقّل يتأسس على مبدأ الفضيلة حتى يكون كذلك، في حين أنّ الفعل العارض للفضيلة
(4((مقداد منسية، الفارابي فلسفة الدين وعلوم الإسلام (بيروت: دار المدار الإسلامي، 2013)، ص.21 (4((الفارابي، فصول منتزعة، ص.54 ((4(المرجع نفسه، ص.59 ((4(المرجع نفسه، ص.55
هو فعلٌ كَيِّس فحسب، ويظنه الجمهور تعقّلً، ف «مرجع الجمهور بأسْرهم فيما يعنونه بالعاقل إلى معنى المتعقّل، ومعنى المتعقّل عند أرسطو هو الجيد الرويّة في استنباط ما ينبغي أن يفعل من أفعال الفضيلة في حين أن الكياسة هي ما يفعل في عارضٍ إذا كان مع ذلك فاضلً بالخلقة». إنّ فعل التعقّل يظهر بوصفه أيضًا مستوى نضج الممارسة العملية في السياق الاجتماعي، أي ذلك البعد الذي يكون به فعل التعقّل فعلًاجتماعيًا متزنًا ومحمودًا، لأنّه يعني في العمق حسن تصرف الفرد في علاقته بالآخرين، وبذلك فإنّ التعقّل هو التصرف الأحسن الذي يبلغ درجة القبول من الجميع، وكأنما التعقّل في نهاية المطاف هو ملكة إرضاء المجتمع في أسلوب التعايش الجميل، وخلق المجتمع الأفضل الذي يضم متعقّلين. وببلوغ الفعل هذا المستوى من النضج فإنه يكون ذا نتائج بالغة ومقبولة، سواء أكان ذلك على المستوى الفردي أم الجماعي، وذلك من منطلق أنّ «الفارابي وحّد السياسة بالأخلاق والفضيلة ». ويميز الفارابي في التعقّل بين أنواع متعددة وكيفيات مختلفة، وذلك انطلاقًا من تعدد دوائر المجتمع، وهي «جودة الرويّة فيما يدبر به أمر المنزل وهو التعقل المنزلي، ومنها ما هو جودة الروية في أبلغ ما تدبر به المدن وهو التعقل المدني، ومنها ما هو جودة الروية فيما هو أفضل وأصلح في بلوغ جودة المعاش، وفي أن تنال الخيرات الإنسية، مثل اليسار والجلال وغير ذلك؛ بعد أن يكون خيرا وله غناء في نيل السعادة». كما أنه، بالنظر إلى جهة منطلقه ومصدره في فعل الفرد، ينقسم إلى تعقّل مَشوري وتعقّل خُصومي. ويتعلق الأول بما «لا يستعمله الإنسان في نفسه، وإنما في ما يشير به على غيره». أما الثاني فهو «استنباط رأي صحيح فاضل، فيما يقاوم به العدو والمنازع في الجملة أو يدفع به»، وهذا التعقّل الخصومي هو ما يمكن تسميته مع فتحي التريكي ب «التعقّل الإستراتيجي»، بحيث إن هذا التعقّل الخصومي «هو الذي سيبني أسس التعقّل الإستراتيجي، من خلال تدبير شؤون السلم الدائمة الممكنة بين الأمم من ناحية أخرى، والفارابي يفضل التعقّل الأخير الذي يؤدي إلى الحكمة الإنسية». والتعقّل في أنواعه المتعددة من حيث هو تعقل منزلي ومدني وإنسي، أو مشوري وخصومي لا يطرح اعتبارًا كميًا لأنواع التعقّل، وإنما هو تعبير عن التجليات الكيفية لفعل التعقّل ذاته في تلك المستويات من الفاعلية البشرية، أي إنه بما هو ملكة فهو «تعقّل» واحد في جوهره، ومتعدد في مظاهره وتجلياته في أنماط الممارسة السلوكية، بحسب أشكالها وتنوعها ودرجاتها. ولهذا يرى
((4(المرجع نفسه، ص.7 (4((محمد آيت حمو، الدين والسياسة في فلسفة الفارابي (بيروت: دار التنوير، 2011)، ص.254 (4((الفارابي، فصول منتزعة، ص.58-57 ((5(المرجع نفسه، ص.58 (5((فتحي التريكي، العقل بين التجربة العلمية والتجربة العملية (تونس: الدار المتوسطية للنشر، 2009)، ص.100
الفارابي أنّ الإنسان «يحتاج في كل ما يعانيه إلى تعقّل ما، إما يسيرًا وإما كثيرًا». ويُمْكِن هنا
التمييز بين بعدين للتعقّل: أحدهما ذاتي يكون به الإنسان متعقّلً بطبعه، وبعد موضوعي مكتسب يكون بموجبه الإنسان متعقّلً بمستوى ودرجة اكتمال خبرته وتجربته الواقعية، فالتعقّل في بعده الذاتي مكتمل ومساوٍ لذاته دائمًا، سواء تعلق بتدبير أمر معقّد أم بسيط، وفي بعده الموضوعي فهو ينقص أو يزيد بحسب مظاهره وتجلياته. وهذا يعني أنه إذا كان الاستعداد الطبيعي هو أساس التعقّل، فإنه يلزم شحذه بالتجربة العملية والتعوّد والدربة التي تزيد بطول مدتها، كما يلزم أن تتم تلك التجربة في كنف الخصائص الأخلاقية التي تظهر بها الفضيلة، فمتى «فُطر الإنسان مُعَدًّا للتعقّل التام ثم تعوَّدَ الرذائل استحال وتغيّر،
فصار بدل التعقّل ذا دهاء وخبث ومكر». ويميّز الفارابي بين كيفيتين في طريقة تحصيل التجربة
العملية المكونة للتعقّل، فالأصول «التي يستعملها المُرَوّي في استنباط الشيء الذي يُرَوّي فيه
اثنان: أحدهما الأشياء المشهورة المأخوذة عن الجميع أو عن الأكثر، والثاني الأشياء الحاصلة له بالتجارب والمشاهدة»، وهذا يعني أن التعقّل إمكانية فردية كما هي جماعية، تتبلور وتنمو من خلال تفاعل الفرد مع الجماعة. وبناءُ التعقل على بُعْدَي «الاستعداد الفطري» و«التجربة العملية» لا يعني فصلً بينهما، وإنما
ارتباطهما الداخلي هو الأوقع، ذلك لأن الفصل بينهما من شأنه أن يجعل دور الحكيم أو الفيلسوف، بما هو المتعقّل على التمام، دورًا نظريًا فقط، ويُحوّله إلى الفيلسوف «البَهْرَج» الذي يرفضه الفارابي
وصفًا للفيلسوف التام. والفيلسوف البهرج «هو الذي يتعلم العلوم النظرية، ولم يُعَوّد الأفعال
الفاضلة التي بحسب مِلَّة ما؛ والأفعال الجميلة التي في المشهور». ويصبّ كل هذا في نهاية المطاف في إضعاف الترابط بين ما هو عملي ونظري الذي يمكن عدّه إشكالً محايثًا لقضايا فلسفة الفارابي. ويرى التريكي أنّ فعل التعقّل عند الفارابي يحضر أيضًا في مجال الممارسة العلمية والتقنية في العلوم والصناعات، ليكون العملي جزءًا مكملً للنظري، لأن روح التعقّلية تظهر في انطباقية العلم
في المجالات الحياتية المتعددة، أي إنّها تظهر في التوجه إلى ربط الحقيقة النظرية بالنجاعة التقنية والحياتية، فقد أسّس الفارابي «للارتباط بين العلم النظري وبين بُعد العمل والمزاولة، إذ لم يُؤكد فقط على تناغم العلوم النظرية بما في ذلك التعاليم الرياضية مع العمل والتجربة والمزاولة، بل جعل لكل العلوم مجالات للمطابقة داخل مَيدانها في ذاتها».
((5(المرجع نفسه، ص.58 ((5(المرجع نفسه، ص.61 ((5(المرجع نفسه، ص.60-59 (5((الفارابي، كتاب تحصيل السعادة، ص.96 (5((فتحي التريكي، العقل والحرية (تونس: تبر الزمان، 1998)، ص.47
مضادات التعقّل
اهتمّ الفارابي بتمييز مفهوم التعقّل من جملة المفاهيم الأخرى التي تقوم على النقيض من التعقّل، ويمكن أن نطلق عليها «مضادات التعقّل» (اللاتعقّل)، فلمّا كان التعقّل هو فعل الإنسان في كمال إنسانيته، فإنه يقوم كتضاد مع الأفعال غير الإنسانية التي يقوم بها الإنسان الناقص. ويُمكن تقسيم الحالات المضادة للتعقّل إلى مستويين، اعتمادًا على تمايزٍ يأخذ في الحسبان معيارين يمثلان أساس وجهة النظر التي نتّخذها نحو كل مستوى على حدة: 1. المستوى الأول هو تصنيف مضادات التعقّل انطلاقًا من القاعدة الأخلاقية ومعيارها الفضيلة، ونجد في هذا المستوى صفتي «الدهاء» و«الخبث» اللتين عدّهما الفارابي حالتين شريرتين، وأصحابها
ذوُو خُبث ونقصان؛ لخساسة أفعالهم، فبما أنّ المُتعقِّل يلزمه أن يكون فاضلً بالفضائل الخُلقية، فإنّ
«الداهية والخبيث شريرين ذوي نقائص». ويعني الدهاء «جودة الرويّة في استنباط ما يتم به شيء
عظيم مما نظن أنه خيرًا من ثروة أو كرامة»، بينما يعني الخَبُّ والجربذة والخبث «استنباط ما هو
أبلغ في فعل شيء خسيس مما يظن خيرًا من ربح خسيس أو لذة خسيسة». وعندما يعدّ الفارابي
غايةَ هؤلاء غايات خسيسة فإن ذلك لا يعني رفضه هذه الغايات رفضًا مطلقًا، وإنما يعني رفض عدّها
غايات نهائية، إذ إنّ حالات الثروة والكرامة يجب ألّ تكون غاية في ذاتها وإنما سبيلً أو وسيلةً إلى الغاية القصوى التي هي السعادة، ومن خلال معيارها الأخلاقي الذي هو الفضيلة و«هذه الأشياء كلها إنما هي الأشياء التي تؤدي إلى الغاية، وليست هي الغاية»، إذ إنّ النظر إلى هذه الحالات بوصفها
غايات نهائية، إنما يُعبّر عن الحالة البهيمية التي تصدر عن الخِسَّة الخلُقية ونقيصة الغاية. 2. المستوى الثاني هو تصنيف مضادات التعقّل انطلاقًا من قاعدة الخِبرة، ومعيارها صحة الرأي وجودة الرَويّة، وفي هذا المستوى يُميز الفارابي بين ثلاث حالات هي من مضادات التعقّل؛ بناء
على قاعدة المعرفة والخبرة، وهي حالات «الغُمر» و«الجنون» و«الحُمق». والغمر «هو الذي تخيُّله
للمشهور مما ينبغي أن يؤثر أو يجتنب سليم، غير أن ليس عنده تجربة ما سبيلُه من الأمور العملية أن تعرف بالتجربة، والإنسان قد يكون غُمرًا في صنف من الأمور، وغير غُمر في صنف آخر»، أي إنّ
الغُمر هو عديم الخبرة الذي لا يمكنه أن يكون متعقّلً لافتقاده الخبرة التي توجه الرويّة نحو سُؤْددها،
بينما يدل الجنون على من كان «تخَيله دائمًا فيما ينبغي أن يؤثر أو يجتنب أضداد الأشياء المشهورة،
وأضداد ما قد جرت العادة به، وربما عرَض له مع ذلك أن يُخيل الأضداد المشهورة في سائر الأمور
((5(عمدنا هنا إلى هذا الوصف استثمارًا لدلالة مصطلح «مضادات المدينة الفاضلة» عند الفارابي. وبخصوص المدينة الفاضلة
ومضاداتها، انظر: الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، قدم له وعلق عليه ألبير نصري نادر (بيروت: دار المشرق،.)1968 (5((الفارابي، فصول منتزعة، ص.57 ((5(المرجع نفسه، ص.55 ((6(المرجع نفسه، ص.56 ((6(المرجع نفسه. ((6(المرجع نفسه.
الموجودة في كثير من المحسوسات»، ففعل الجنون هو الفعل الخارج على السوية المتعارف
عليها، ولذلك فهو نقيض التعقّل، فحتى لو شابه عرضيًا في بعض مظاهره أفعالً لها سِمةٌ «تعقّلية»
معينة؛ فإنها لا تكون تعقّلً لانتفاء صفة القصد والرويّة فيها. أما الحُمق فهو صفة «من تَخيُّله سليمًا
للمشهورات وللغايات أيضًا، وله رويّة»، إلا أن رويّته «تُخَيِّلُ له أبدًا فيما ليس يؤدي إلى تلك الغاية
أنه يؤدي إليها»، أي إنّ الأحمق في هذا الجانب إنسان سوي كان بإمكانه أن يكون متعقّلً لولا آفة فساد رويّته في اتخاذ السبيل إلى ذلك، وانقلابه إلى حالة الضد. وعلى هذا فإنّ الحُمق هو أبلغ أنواع
مضادات التعقّل؛ ما دام التعقّل هو صواب الرويّة التي تهدي إلى الخير عن قصد ونيّة، بينما الحمق
هو فساد الرويّة الذي يوقع الإنسان «في الشر ولم يعتمد الوقوع فيه (6(». ويمكننا القول هنا إنّ التمييز بين هذه الحالات هو تمييز إجرائي أقامه الفارابي؛ وقد لا توجد هذه الحالات في الواقع متنافرة في سلوك البعض، إذ يمكن أن يكون في سلوك إنسان ما أكثر من حالة من هذه الحالات؛ التي عددناها مخالفة ومضادة للتعقّل. وتحمل تحليلاته هنا عن مضادات التعقّل شكلً غير مباشر لنقد المجتمع بغية إصلاحه من خلال نقد سلوك الفرد، وهذا يذكر بتحليلاته «لمضادات المدينة الفاضلة» الذي يحمل في «طياته بشكل غير مباشر نقدًا قويًا للمجتمعات القائمة آنذاك». إنّ الفارابي يميز هنا بين «التعقّل» و«اللاتعقّل» الذي يخالفه إلى درجة الضدية، وليس ذلك إلا لأنّه يُميز أصلً في الإنسان بين طبيعيتين متناقضتين، إحداهما حسنة والأخرى قبيحة، ولم يعمل في فلسفته
العملية عامةً والتعقّلية خاصةً إلا نوعًا من دفع هذا التناقض إلى أقصى درجاته للتمييز بين الخير والشر والخطأ والصواب.
منزلة مفهوم التعقّل في الفكر الفلسفي العربي المعاصر
يمكن القول في مستوى عام إنّ محاولات العقلانية العملية التجديدية في الفكر العربي المعاصر متعددة المداخل والمشارب، وتدعو في غالبها (إذا ما استثنينا عبد الله العروي، وزكي نجيب محمود) إلى استثمار تراث الفلسفة العربية الإسلامية حول «العقل» في نقاش القضايا الراهنة في الميادين العملية خاصةً مثل الأخلاق والسياسة والاقتصاد والتربية وغير ذلك، فقد قاد هاجس النهضة والتجديد الفكر العربي المعاصر عمومًا إلى «إعادة النظر في العقل بآلياته وتجلياته المختلفة، وبخاصة
العقل التراثي».
((6(المرجع نفسه. ((6(المرجع نفسه، ص.60 ((6(المرجع نفسه، ص.60 ((6(العاتي، ص.251 ((6(يتفق زكي نجيب محمود مع عبد الله العروي حول مضمون موقف مفاده هو ضرورة التحول عن الفكر القديم إلى فكر جديد،
وإحداث القطيعة بينهما، لأننا - كما يقول محمود - «لا نملك الحرية في أن نوحد بين الفكرين»، انظر: زكي نجيب محمود، تجديد
الفكر العربي، ط 9 (القاهرة: دار الشروق للنشر والتوزيع، 1993)، ص.189 (6((محمد المصباحي، جدلية العقل والمدينة في الفلسفة العربية المعاصرة (بيروت: منتدى المعارف، 2013)، ص.11
وإذا كان أهمّ مشاريع هذا الفكر عالج إشكالية العقل انطلاقًا من وجهة نظر إبستمولوجية، للكشف
عن الأسس المعرفية التي تُشيّد بناء العقل العربي، وتوجه نشاطاته الذهنية والمؤثرات التي أسهمت
في تكوينه (الجابري، وأركون، وغيرهما)، فإنّ بعضًا آخر من مشاريعه المهمّة اتجه صوب النظر في
مسألة الماهية العملية والأخلاقية للعقل، بغاية استثمار حضور تلك المسألة في التراث الفلسفي لمصلحة قضايا الفكر الراهن (طه عبد الرحمن، وفتحي التريكي، وعلي زيعور، وغيرهم)، وذلك من منظور أنّ قضايا «العقل العملي» في التراث الفلسفي العربي يمكن استلهامها لوضع مشروع في العقل الأخلاقي والعملي في الفكر العربي المعاصر، بإعادة قراءة تراثه «توخيًا لإعادة تسميته واستثماره في
إثراء الخطاب الراهن داخل الوعي الفلسفي». مثّل تناول مسألة «أخلاق التعقل» عند الفارابي في الفكر الفلسفي العربي المعاصر، وقابلية تجديدها
فتحًا لنمط فلسفي مستحدث، يمكن تسميته «فارابية جديدة»، وسّعت من مدى فاعلية فلسفته، وأضْفَت
عليها صفة الراهنية بما هي فلسفة متجددة. فالفلسفة الفارابية هي بمنظور معيّن «فلسفة تقدمية تُماهي
الفلسفات الحقيقية، فكأن الفارابية (وهي تشرق من قمة ألف سنة) تنتقد انحرافاتنا الذهنية والأخلاقية والسياسية، حبًا في الإصلاح، وتأييدًا للحقيقة والفضيلة». استثمر الفكر الفلسفي العربي المعاصر هذا المفهوم من مستويات متفاوتة، فهناك عتبات فكرية اتجهت وجهة التأسيس الفكري استنادًا إلى هذا المفهوم، فانخرطت في تأويلٍ جوهري للمسائل
الفكرية التي ينطوي عليها هذا المفهوم، والاتكاء عليه لبناء مشاريعَ فكرية أخلاقيةٍ، ونجد ذلك بصورة واعية ومباشرة عند فتحي التريكي، وعند طه عبد الرحمن في بُعد من أبعاد مشروعه في الفلسفة
الأخلاقية. كما نجد في مستوى آخر حضور ذلك بطريقة غير مباشرة في عتبات فكرية أخرى، لم يكن همُّها المعلن بناء مشروع فكري قائم المعالم انطلاقًا من ذلك المفهوم، وإن حضر ذلك حضورًا ثاويًا
وعرضيًا في معالجاتها. سنحاول هنا التوقف باقتضاب لتلمس ملامح حضور فلسفة «أخلاقية التعقّل» الراهنة عند فتحي التريكي وطه عبد الرحمن، وذلك لأنّ الأول استحضر هذا المفهوم لبناء فلسفة إنسية غايتها بلوغ أخلاقية «العيش المشترك»، أما الثاني فقد استحضره لبناء فلسفة إسلامية غايتها بلوغ السداد التزكوي للأخلاق، من خلال رفع التعقّل إلى كمال التخَلُّق.
1. فتحي التريكي: التعقّلية بما هي تآنس
يعمل فتحي التريكي على تنمية توجه فكري يؤكد أهمية إخراج معنى التعقّل عند الفارابي إلى ما سماه ميدانًا أوسع ليؤدي دورًا تحريريًا للعقل بحيث تكون «التعقّلية» مفهومًا جديدًا يُعبِّر به عن توجه عملي
وأخلاقي. وبالرجوع إلى كتاباته وخصوصًا كتاب «العقل والحرية» نجد أنه يمتلك الوعي بقيمة اقتراحه
(6((علي زيعور، ميادين العقل العملي في الفلسفة الإسلامية الموسعة (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،
2001 ص)،.66 ((7(الحبابي، ص.39
مفهوم «التعقّلية» مدخلً لتأسيس فكر أخلاقي راهن، وفي ذلك يقول «وما نريد اقتراحه هنا هو مفهوم جديد لم يستعمل بَعْدُ في خضم مفاهيمنا الفلسفية العربية، نحاول التعبير به عن توجه عملي وأخلاقي مفتوح للعقل، ونعني به التعقلية». لقد أصبح التعقّل في معناه المُتجدد عنده مفهومًا جديدًا مُوسَّعًا باستدعاء الفكر الفلسفي المعاصر إليه؛
إلى جانب تَأصُّلِه في فكر الفارابي، إذ فتحه على آفاق مفهوم العقل التواصلي عند يورغن هابرماس
الذي يُعطي للعقل صيغةً اجتماعيةً، من خلال ما يطرحه من أخلاقية للحوار والتعايش الجماعي، كما فتحه أيضًا على آفاق ما تقترحه الأخلاقيات التطبيقية المعاصرة مثل البيوإتيقا. ومن هنا غدَتْ التعقّلية عنده غير متوقفة عند مستوى التدبير الجيّد للمبادرات الإنسانية المتعلقة بضروب حياته، وإنما
هي أيضًا المعقولية بصيغتها الأخلاقية التي تكبح لجام التقنية في محاولتها السيطرة على الإنسان، وتتجاوز كل ذلك «نحو تعقلية تفتح العلم والعقل على الإنسان ومشاكله العادية والعامية». إنّ التعقّل عند التريكي هو جملة المقاييس النظرية والعملية التي تجعل الفرد قادرًا على التصرف القويم وفقًا لمتطلبات التعايش والتآنس، وبذلك فإن التعقّلية ومن خلال اجتماعيتها وأخلاقيتها تحاول القضاء على انعزال الذات، بإقامة علاقات بين الذوات، فصيغة المبالغة الصرفية لكلمة «التعقُّل» تتماشى مع ما
تعنيه الكلمة ودلالتها من تريُّث وتأنّ في الأفعال، وما تعنيه من مضاعفة استكناه أغْوَارَ الأمور وأعماقها،
إضافةً إلى ما تعنيه من صفة للمشاركة والمفاعلة المُضْمرَة في صيغتها، أي إن التعقّل ذاته يحتوي «من
خلال اشتقاقه ودلالته على معنى المشاركة والتروّي والتفكير، لأن التعقّل تواصل بين الناس وملكة سيكولوجية واجتماعية في الآن نفسه». والتعقّل الذي يفضي إلى الارتباط الجميل الدائم بين الفاعلين الاجتماعيين هو التعقّل الاجتماعي الشامل الذي ينفتح من خلاله المجتمع على ذاته ليكون مجتمعًا تآنسيًا، لأنّ التعقّلية هي «تأنيس
للعقل وفتح للمعقولية على الأخلاق والإيطيقا، إنها فتح للعقل على الإنسان من حيث هو إنسان في
مجالاته المختلفة والمتعددة». وإذا كان «العيش سويًا»، استعداد طبيعي لدى الإنسان، فإن الأُنس والمُؤانسَة هي الأشكال الجمالية والإتيقية لذاك الاستعداد، وهذا «التآنس» في نظر التريكي هو من الأمور التي ينبغي للفلسفة أن تهتم به، لأنه من أشد متطلبات المجتمعات المعاصرة التي يتهددها العنف والكراهية، فالتعقّل «يعني في هذا المضمار إمكانية التصرف عقلانيًا وأخلاقيًا في الآن ذاته؛ في
المجتمع وفي الذات، وهو تدبير شؤون الفرد والمجتمع تدبيرًا يُبْعد عن كل تَطرف مُمكِن».
(7((التريكي، العقل والحرية، ص.38 ((7(المرجع نفسه، ص 148 (7((فتحي التريكي، «التعقّلية والمعقولية»، في: علي بنمخلوف وآخرون، حوارات فلسفية: العقل ومسألة الحدود (الدار البيضاء: دار الفنك، 2000)، ص 35-34 (7((التريكي، العقل والحرية، ص.46 ((7(التريكي، «التعقّلية والمعقولية»، ص.35 (7((فتحي التريكي، فلسفة الحياة اليومية (تونس: الدار المتوسطية للنشر، 2009)، ص.197
2. طه عبد الرحمن: التعقّل بما هو تَخلُّق تزكوي
يتجه طه عبد الرحمن، وفي عودة إلى التراث الإسلامي، إلى تنمية هذا الفهم الأخلاقي للعقل من خلال فتح مفهوم «التعقّل» عند الفارابي على مفهوم «العقل المُشرِق» عند الأصفهاني الذي استلهمه
ليضع على مِنْوَاله مفهومَي «العقل المُسدِّد» و«العقل المؤيّد»؛ بما هُمَا درجتَا وحدة العقل والعمل.
والتعقّل في جوهره عند طه عبد الرحمن هو التخَلُّق، أي ربط العقلانية بالأخلاقية كما هو عند الفارابي، لكن شريطة أن تكون الأخلاقية المرجوة هي أخلاقية بلوغ مرتبة العبادة كما عند الأصفهاني، وذلك لأن التعقّل في نظره «لا يدرك غرضه [...] بمجرد ممارسة النظر العقلي [...] وإنما بالدخول في مجال العمل [...] وليس هذا العمل الحي إلا الاشتغال بطاعة أحكامِ الذي يَشعرُ الإنسان بالمَسُودِية في
حضرته وحده؛ ألا هو سيّد الكون». لقد مثّل المعنى الأخلاقي للعقل (الذي يُعدّ مفهوم التعقّل بعدًا من أبعاده) جوهر المشروع الفكري الأخلاقي لدى طه عبد الرحمن، ويظهر ذلك من خلال مفهومَي العقل المُسدَّد والعقل المُؤيَّد اللذين يعنيان رتبة العقل العملي الذي باحتكامه إلى الشرع يهتدي إلى المقاصد النافعة، ويحصل على الوسائل الناجعة، وهذا المشروع هو مشروع التخَلُّق بأخلاق الدين، الذي به يحصل الإنسان أولً
على رتبة أخلاق التَسدِيد (أخلاق الحياة وفقًا للشريعة)، والارتقاء بها ثانية إلى رتبة أخلاق التَأيِيد (أخلاق الحياة من أجل الشريعة). وهذه العودة الطاهائية إلى الأصفهاني جعلته يصدُّ عن مفهوم التعقّل عند الفارابي في مضامينه الإنسية الأرسطية، لأن «التعقّل» في مفهومه الفلسفي الإنسي حتى إن تجاوز مفهوم «العقل المجرد» (العقل النظري)، فإنه يَقْصُر عن مرتبة «العقل المسدَّد»، أحرى أن يبلغ مرتبة «العقل المؤيد» الذي هو منتهى غاية العمل الإنساني. وإذا كان استثمار مفهوم التعقّل من خلال الفارابي قاد التريكي إلى محاولة تأسيس إتيقا Éthique إنسية هدفها بناء ما يُسمّيه «أخلاقيات التآنس»، فإنّ طه عبد الرحمن يستخدم مفهوم التعقّل عند الفارابي بوصفه تأكيدًا للصفة الأخلاقية للعقل وللإنسان في الثقافة الإسلامية، ثم الدفع بهذا الفهم بالاستناد على مفهوم «العقل المشرق» عند الأصفهاني نحو إظهار آيات الأخلاقية الدينية للإنسان؛ لتأسيس ما يمكن تسميته بأخلاق Moral «العمل التزكوي». فمشروع فتحي التريكي هو مشروع إتيقي إنسي، بينما مشروع طه عبد الرحمن هو مشروع أخلاقي ديني. وبهذا فإن قابلية الاستثمار المتجددة لأخلاق التعقّل في الأفق الفلسفي المعاصر تُنَزِّلُ مفهوم التعقّل في فضاء إشكالات الفكر الإنساني والإسلامي الراهن الذي يسعى إلى بلورة إستراتيجيات تستجيب لمتطلبات حل المشكلات الإنسانية (فتحي التريكي) ومشكلات الإنسان المسلم خاصة
((7(المرجع نفسه، ص.132 (7((انظر: طه عبد الرحمن، العمل الديني وتجديد العقل (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.)1997
(طه عبد الرحمن)، أو لنقل على الأصح لحل المشكلات الإنسانية الحالية من خلفية فلسفية إنسية إتيقية عند التريكي، ومن خلفية دينية إسلامية أخلاقية صوفية عند طه عبد الرحمن. وإذا كان مشروع فتحي التريكي يُذكّر بعودة بول ريكور وغادامير Gadamer وأندريه كونت سبونفيل Sponville - Comte André وغيرهم من الغربيين إلى الفرونوزيس الأرسطي، فإنّ مشروع طه عبد الرحمن يُذكر بمحاولة عبد الله دراز وعبد الرحمن حسن حنبكة الميداني في عودتهما إلى الأثر الديني الإسلامي وتراث الثقافة الإسلامية، و«التحرر» من تأثير الفلسفة الأخلاقية الغربية من أجل كتابة أخلاق إسلامية أصيلة. إنّ فتحي التريكي يعود إلى الفلسفة من خلال فلسفة الفارابي مع استثمار للفلسفة الغربية المعاصرة، بينما يعود طه عبد الرحمن إلى الدين من خلال نصوصه مع استثمار للفلسفة الإسلامية. ويمكن القول إنّ مشروع فتحي التريكي غير المكتمل في مجال ما يمكن تسميته «فارابية جديدة» ومشروع طه عبد الرحمن الحائد عنها، يوحيان بأنّ عودة الفكر العربي المعاصر إلى الإنسية الفارابية وما شابها مثل إنسية «جيل مسكويه والتوحيدي» بحسب عبارة محمد أركون ما زالت عودة خَجلة، ما يعني أن الفكر الأخلاقي العربي ما زال غير قادر على بناء مشروع إتيقي متكامل يُنمّي فكرًا وممارسةً
أخلاقية ترفع من قيمة الإنسان، وتجعله مركزها، وذلك من منظور أن الإتيقا هي «قدرة الإنسان على أن يكون ما هو بما هو». إن مفهوم «التعقلية» وغيره من المفاهيم الأخلاقية المستلهمة من فلسفة الفارابي والفلسفة العربية الإسلامية عمومًا، والمستفيدة من فكر الحداثة الغربية المعاصرة وما بعدها من جهة، وفكر الإصلاحية العربية الحديثة من جهة أخرى، بمقدوره تنشيط ممكنات التفكير الفلسفي العربي المعاصر، وذلك لتأسيس فلسفة إتيقية لا نكون فيها أمام فلسفة أخلاقية أو سياسية فحسب، وإنما أمام فلسفة إتيقية غنية، هي كما يقول فتحي التريكي «علم الممارسة التعقّلية».
خاتمة
تناولنا في هذه الدراسة مضامين موضوع التعقّل ومضاداته، عند الفارابي والأساس الذي انبنى عليه، ومدى حضور الدين في ذلك. ورأينا أن التعقّل عنده هو ممارسة عملية فعلية وليس ممارسة نظرية أو تأملية معرفية فقط، وذلك من منطلق أنه ممارسة أخلاقية/ إتيقية تُمثّل ملتقى لكل مستويات الفعل الفاضل فرديًا وجماعيًا، بما يجعل الأخلاق والسياسة تجليًا لكيفيات هذا الفعل الفاضل
ومستوياته، بحيث مثّل مفهوم «التعقّل» من حيث هو أخلاقية مقاربة إنسية عقلية للأخلاق، مختلفة في بنائها عن طريقة بناء الأخلاق الدينية الأكثر شيوعًا في الثقافة العربية والإسلامية، لتَأسُّسِها
((7(المسكيني، ص.72 (8((فتحي التريكي، «مع الحداثة من جديد أو في الممارسة التعقّلية»، جريدة الصحافة التونسية، 13 كانون الأول/ ديسمبر 2000، ص.12
على مفاعيل عقلية أكثر من كونها أخلاقًا دينيةً تتأسس على مقتضيات الشريعة من خلال معيارَي الحلال والحرام. وهذا ما سمح بإبراز الأبعاد المميزة للفلسفة الإتيقية الفارابية ومنزلتها في الفلسفة الإسلامية والذي أنتجه الاستخدام الأصيل لهذا المفهوم فيها على الرغم من أصله الأرسطي، فظهر أنّ الفارابي سعى إلى تأسيس فلسفة أخلاقية تضاهي الأخلاق النيقوماخية الأرسطية، بوضع نظرية متكاملة في مجال «أخلاق التعقّل» على ذلك النحو، عالجت نواحي هذه المسألة في اصطلاحاتها ومضامينها إيجابيًا
وسلبيًا، وذلك وفقًا لأفق يضطلع بهَمِّ الإصلاح والتوجيه الأخلاقي، وهو أفق أكّد محمد عزيز الحبابي
أنّه يمثّل مضمون الفلسفة الفارابية في مجملها بما هي فلسفة أخلاقية إنسية. إنّ مفهوم «التعقل» عند الفارابي هو إذًا مدار الفلسفة التي لا تفصل بين النظري والعملي وبين المعرفة والعمل وبين العلم والمزاولة، وتنطلق من تحققهما المتكامل، وبذلك عمّقت الفلسفة الفارابية أبعاد النظر الفلسفي في الإنسان؛ من زاوية هذا الضرب من التفلسف حول القيمة الأخلاقية للعقل الذي يمكن تسميته مع فتحي التريكي بفلسفة «الممارسة التعقلية». وبهذه المقاربة الفلسفية حول «التعقّلية» مدّ هذا الفيلسوف فلسفته بطاقة التجدد، من خلال ما تَمْنَحه من إمكانية تعدد القراءات عبر التاريخ، فأضحت بذلك فلسفته قادرةً على التأثير حتى في الفكر الفلسفي العربي المعاصر فضلً عن فضاء عصره الفلسفي. وتجلى ذلك في ما اضطلعت به بعض مشاريع الفكر المعاصر من خوض عبر آفاقها في قضايا العصر ومشكلاته، واقتراح الأجوبة الممكنة، وذلك بغية تأصيل مقتضيات هذا الفكر الراهن، والوعي أكثر براهينه وتوجهاته. ووجَدنا هذه التجربة عند فتحي التريكي في «إتيقا التعقلية»، وعند طه عبد الرحمن
بمعنى مخصوص في «الأخلاق التعقلية». وهذا ما جعل من هذه الفلسفة الفارابية فلسفةً تستحق صفة الرّاهنية التي هي صفة كل فلسفة حية تتجدّد عبر حوار الأجيال.
المراجع
References
العربية
أرسطو. الأخلاق إلى نيقوماخوس. الكتاب السادس. ترجمة أحمد لطفي السيد. القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية،.1924 الأصفهاني، الراغب (الحسين بن محمد بن المفضل، أبو القاسم). الذريعة في الشريعة. تحقيق أبو اليزيد العجمي. القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، 2007. آيت حمو، محمد. الدين والسياسة في فلسفة الفارابي. بيروت: دار التنوير،.2011 بنمخلوف، علي وآخرون. حوارات فلسفية: العقل ومسألة الحدود. الدار البيضاء: دار الفنك،.2000
التريكي. فتحي. العقل بين التجربة العلمية والتجربة العملية. تونس: الدار المتوسطية للنشر،.2009 _______. فلسفة الحياة اليومية. تونس: الدار المتوسطية للنشر، 2009. _______. العقل والحرية. تونس: تبر الزمان،.1998 الجابري، محمد عابد. العقل الأخلاقي العربي. ط 2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2006 الحبابي، محمد عزيز. ورقات عن فلسفات إسلامية. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.1988 الحلواني محمد والتريكي، فتحي. مقاربات حول تاريخ العلوم العربية. صفاقس: دار البيروني للنشر،
الداوري الأردكاني، رضا. الفارابي مؤسس الفلسفة الإسلامية. تعريب عبد الرحمن العلوي. بيروت: دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع،.2004 زيعوز، علي. ميادين العقل العملي في الفلسفة الإسلامية الموسّعة. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر والتوزيع،.2001 السافي، نور الدين. نقد العقل في فلسفة الغزالي. بيروت: دار التنوير،.2009 سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،
سؤال العمل: بحث عن الأصول العملية في الفكر والعلم. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2012 صبحي، أحمد محمود. الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي: العقليون والذوقيون، أو النظر والعمل. ط 2. بيروت: دار المعارف،.1983 العاتي، إبراهيم. الإنسان في فلسفة الفارابي. بيروت: دار النبوغ،.1998 عبد الرحمن، طه. العمل الديني وتجديد العقل. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.1997 عبد العزيز، بومسهولي. نهاية الأخلاق. القنيطرة: دار الحرف للنشر والتوزيع،.2009 عبد الله، موسى. المدينة والأخلاق في خطاب الفارابي: من أجل استكمال إيتيقا محذوفة في الفلسفة العربية الإسلامية. الجزائر/ بيروت: ابن النديم للنشر والتوزيع/ دار الروافد الثقافية،.2013 عفيفي، زينب. فلسفة اللغة عند الفارابي. القاهرة: دار القباء،.1997 الفارابي، أبو نصر (محمد بن محمد بن أوزلغ بن طرخان). كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة. قدم له وعلق عليه ألبير نصري نادر. بيروت: دار المشرق،.1968
_______. المنطق عند الفارابي. تحقيق وتقديم وتعليق رفيق العجم. بيروت: دار المشرق،.1986 _______. تحصيل السعادة. قدم له وعلق عليه وشرحه علي أبو ملحم. بيروت: دار الهلال،.1995 _______. رسالة في العقل. حققه وقدم له وعلق عليه متري النجار. بيروت: دار المشرق،.1983 _______. فصول منتزعة. حققه وقدم له وعلق عليه متري النجار. بيروت: دار المشرق،.1971 _______. كتاب الملة ونصوص أخرى. حققها وقدم لها وعلق عليها محسن مهدي. بيروت: دار المشرق،.1968 محمود، زكي نجيب. تجديد الفكر العربي. ط 9. القاهرة: دار الشروق للنشر والتوزيع،.1993 المسيكني، فتحي. فلسفة النوابت. بيروت: دار الطليعة،.1997 المصباحي، محمد. جدلية العقل والمدينة في الفلسفة العربية المعاصرة. بيروت: منتدى المعارف،
منسية، مقداد. الفارابي فلسفة الدين وعلوم الإسلام. بيروت: دار المدار الإسلامي،.2013