العودة إلى تفاصيل المؤلَّف هل تكون المُواطَنة مدخلا إلى أخلاقيّة عربيّة ناجعة؟ بحث في وضْعنة القيمة

هل تكون المُواطَنة مدخلا إلى أخلاقيّة عربيّة ناجعة؟ بحث في وضْعنة القيمة

Can Citizenship Pave the Way for a Functional Arab Morality? A Study of the Positivity of Value

علي الصالح مولى

Ali el-Saleh Moula

الملخّص

تُديرُ هذه الورقة إشكاليّتَها على التساؤل عن الإمكانات التي ينبغي تجنيدها حتى تنفصل أخلاقيّة القديم عن أخلاقيّة الحداثة من أجل الوقوع على الفرص الحقيقيّة لصياغة إطار معرفيّ وسلوكيّ تنشأ داخله المُواطنَةُ قيمةً تقطع مع ما سبقها من تصوّرات. ومن النتائج التي وصلنا إليها أنّ تسرّبات الحداثة إلى البلاد العربيّة كانت في الغالب إمّا مقطّعةَ الأوصال لا ناظمَ لها، أو مُهجَّنَةً بتأويلات شكليّة في التأصيل والأسلمة. وقدّرْنا أنّ هذا المأزق سيستمرُّ في إفساد مشروع المواطنَة قيمةً مُوضْعَنةً وأنّ تجاوزَه لنْ يكونَ إلاّ بتحوّلات كبرى في الوعي بالتناقض الكلّيّ بين إبستميّة الجماعة وأخلاق الطاعةمن جهة وإبستميّة الفرد وأخلاق الحريّة من جهة أخرى.

Abstract

Abstract: This paper explores the conditions that make it possible to draw a distinction between traditional or «classical» and «modern» forms of morality. The author aims to understand the possibility of an epistemological and behavioral framework that allows for the rise of a novel form of citizenship that is discontinuous from previous forms. One conclusion which the author arrives at is that modernity made itself felt in the Arab countries through a series of mostly disjointed, piecemeal and superficially modified and «Islamicized» efforts. The author argues that the present impasse in Arab thinking on citizenship will persist until the dichotomy between collective identity and the episteme of «obedience» and individual identity and the episteme of «the individual» is bridged.

الكلمات المفتاحية:
  • أخلاق
  • جماعة
  • حرّيّة
  • فردانيّة
  • مواطنة.
Keywords:
  • Ethics
  • Community
  • Freedom
  • Individualism

Can Citizenship Pave the Way for a

Functional Arab Morality?

A Study of the Positivity of Value

تنفصل أخ قااية القديم عن أخ قااية الحداثة؛ من أجل الوقوع على الفرص الحقيقية لصوغ إطار معرفي وسلوكي تنشأ داخله المُواطنَةُ قيمةً تقطع مع ما سبقها من تصورات. ومن النتائج

التي وصلنا إليها أن تسربات الحداثة إلى البلاد العربية كانت في الغالب إما مقطعةَ الأوصال لا ناظمَ لها، أو مُهجنَةً بتأويلات شكلية في التأصيل والأسلمة. وقدرنا أن هذا المأزق سيستمر

في إفساد مشروع المواطنَة قيمةً مُوضعَنةً، وأن تجاوزَه لن يكونَ إلا بتحولات كبرى في الوعي

بالتناقض الكلي بين إبستمية الجماعة وأخلاق الطاعة من جهة، وإبستمية الفرد وأخلاق الحرية من جهة أخرى.

مقدمة

تتجه هذه الورقة نحو البحث في الإمكانات التي تُتيحها المُواطنَةُ لصوغ أخلاقية عربية يتحرر بها الفردُ من الانسحاق في الجماعة، وتتحرر بها الجماعة من سطوة الإرث التاريخي الذي كانت تُجسده الرعية، ويُعادُ عن طريقها بناءُ مجال السلطة ومفهوم الدولة. لقد بدا لنا أن مفهوم المُواطنة واحدٌ من المفاهيم المركزية التي نحتتها الحداثةُ وأقامت عليه قسمًا كبيرًا من فلسفتها السياسية، وأنضجت به تصورًا للإنسان في علاقته بالدولة من جهة، وعلاقته بسائر الأفراد المكونين للنسيج المجتمعي من جهة ثانية. ويمكن القول بإيجاز إن «المواطنَة» شكلت حجر الزاوية في معمار أخلاق الحداثة؛ فقَدرنا أن استدعاءَها إلى دائرة الضوء في السياق العربي المعاصر له مبررات تجعله منطلقًا بحثيًا، قد يساعد على فهمٍ أفضلَ للتوترات الحادة والعميقة التي رافقت محاولةَ الانتقال من سياق ثقافي قديم إلى سياق جديد. فهذه المسألة، إضافةً إلى كونها حَضرت حضورًا متأخرًا في الخطاب الإصلاحي، لم يُرافق حضورَها وعيٌ كافٍ ينتقِل به الفرد من وضعية الإلحاق السلبي بالجماعة والسلطة إلى وضعية الاستقلال بالذات والوجود تحت سقف أخلاقية «وضعانية» جديدة. وتنطلق الورقةُ لمعالجة موضوعها من رؤية محددة؛ مفادها أن كل حضارة تُفرِز قوانينَ عملها ومعقولها الداخليين، وفي فضائها تَتشكل القيمُ والتصورات والسلوك، وتُصاغُ الاتجاهاتُ والمسارات العامة التي تؤلف مجتمعةً نظامها القيمي والمعرفي أي هُويتها أو إبستميتها Épistémè. ومن المهم أن نشير، بدايةً، إلى أن المواطنة لن تُستَدعَى هنا مقصدًا بحثيًا مستقلً بنفسه، وستكون المقاربَةُ سياقيةً أكثر من كونها موضوعاتية Thématique، وسيتركز الاهتمامُ على سياقين كبيرين: ما قبل المواطني، والمواطني؛ قصد استخراج العناصر التكوينية لكل إبستمية والبحث في انعكاساتها على نوع الاجتماع البشري ومراقبة مسالك الخروج من إبستمية إلى أخرى. وهذا يعني أن هذه الورقة ستُديرُ إشكاليتَها على التساؤل عن الإمكانات التي ينبغي تجنيدها حتى تنفصل أخلاقية القديم عن أخلاقية الحداثة، من أجل الوقوع على الفرص الحقيقية لصوغ إطار معرفي وسلوكي تنشأ داخله المُواطنَةُ قيمةً تقطع مع ما سبقها من تصورات؛ فتُستَبدَلُ، على سبيل المثال، ب «نصائحُ الملوك» و«أدب المرايا» القائمة على تزكية الخير في نفس الحاكم، فلسفةٌ تنهض على تأمين دوام فضيلة عدل الحاكم بوجود معادل نوعي وهو الحرية. وأقمنا الدراسةَ، لتنفيذ هذا التصور، على محاورَ ثلاثة كبرى؛ عُنِيَ الأولُ منها بسياقات تشكل الأخلاقية الدينية، وجاء بعنوان: «الأخلاقية الدينية: تأملاتٌ في مسار تشكلها»، وعُنيَ الثاني بمسالك الانتقال من أخلاقية الجماعة إلى أخلاقية الفرد، وجاء بعنوان: «الأخلاقية الفردية ومشروع العبور إلى المواطنة»، وعُنِيَ الثالث بالمواطنة بديلً، وجاء بعنوان: «أخلاقية المُواطَنة: مقومات ورهانات».

الأخلاقية الدينية: تأملات في مسار تشكلها

1. الجماعة مجالًا والطاعة أخلاقًا

من دون التوغل وراء الدلالات الدقيقة لمصطلحات أساسية في الثقافة العمرانية الإسلامية مثل الجماعة والأمة، نكتفي بالإشارة إلى أن الفلسفة التي تنبع منها هي فلسفة الاجتماع على قاعدة الأخوة بدلالتها الدينية: ﴿إنمَا المُؤمِنُونَ إخوَةٌ﴾ (الحجرات: 10). ولا جدال في أن الأخوة بوصفها قيمةً أخلاقية، عملت على الارتقاء بالعلاقات العامة من ضيق القرابة الدموية القائمة على وشائج الأسرة والمصاهرة والعشيرة، إلى سعة الانتماء إلى أفق أرحب هو أفق الإنسانية. وهذا أمر تشترك فيه تعاليم الديانات الكبرى. وما ينبغي تأكيده في هذا المجال هو أن المساحة التي أعطيَت للأخوة الدينية سمحت فعلً بميلاد

مجال «الجماعة المتخيلة» بعبارة بندكت أندرسن Anderson Bénédicte. ولذلك يجوز الذهاب إلى أن ارتباط الجماعة المتخيلة بقيمة الأخوة مثل تطورًا نوعيًا في كيفية تنَظّمِ الناس، وبناء علاقات أفقية

غير تراتبية بينهم جميعًا؛ فهي توفر للمندرجين فيها قابليةَ التمدد اللامرئي في إطار الشعور بالانتساب إلى كيان واحد. وستسقط، نظريًا، وبفضل هذه العلاقة، الأخلاقيةُ السابقة المضبوطة بشبكةٍ من القيم المتوارثة والقائمة على تراتبيات تتحكم فيها معاييرُ المنزلة الاجتماعية والمقام السياسي والسلطة الدينية والمكانة

الاقتصادية. وسيكون مثل هذا النص: «لا فضلَ لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى»، بمنزلة التأسيس لأخلاقية جديدة في عالَم العمران البشري ذي السند الديني. وجدير بالتنويه أن هذه الأخلاقية عملت على تحصين نفسها بأدوات تراوح بين الترغيب فيها والبأس في الدفاع عنها؛ فَمِن ذلك مثلً أنها جعَلت عقوبةَ تارك الجماعة القتلَ: «مَن رأيتموه فارقَ الجماعة أو

يريد تفريق أمرِ أمةِ محمد (ص) كائنًا مَن كانَ فاقتلوه». ومثل هذه النصوص كانت، لكثرتها، بمنزلة الترسانة التي تُوفرُ كل أسباب النجاح لظهور طور الجماعة في الاجتماع الإسلامي.

(((حول مفهوم الجماعة وما يدور في فلكها من متشابهات تَحسنُ العودة إلى أغلب ما كتب رضوان السيّد وخاصّة: الأمّ ة

والجماعة والسلطة: دراسات في الفكر السياسيّ العربيّ(بيروت: جداول للطباعة والنشر والتوزيع، 2011). كما يمكن العودة إلى:

Mohamed-Chérif Ferjani «A propos de la notion de ‘Umma (Oumma): les maux d’un mot,» in: Sylvianne Rémi-Giraud & Pierre Rétat, Les mots de la nation (Lyon: PUL, 1996), pp.135-147.

(((ونشير في هذا الصدد إلى أنّ بندكت أندرسن عدّ الأخوّة عنصرًا تعريفيًّا مركزيًّا للجماعة/ الأمّة وفسرّ انخراط الناس الجماعي

في القتل أو الموت طواعية بوجود رابط الأخوّة: «فهذه الأخوّة هي، في النهاية، ما مك ن م يااين كثيرة من البشر، خ لاا القرنين

الماضيين، لا من أن تقتل وحسب، بل من أن تموت راضية أيضًا»، انظر: بندكت أندرسن، الجماعات المتخيّلة: تأملّات في أصل

القوميّة وانتشارها، ترجمة ثائر ديب (بيروت: قدمس للنشر والتوزيع، 2009)، ص.53 (((مسند أحمد، مج 5، رقم: 23536، ص.411 (((محمّد ناصر الدين الألبانيّ، صحيح سنن النسائيّ، مج 3، رقم: 4032 (الرياض: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، 1998)، ص.82

وتكشف تجربة الإسلام المبكر عن نشأةِ أخلاقٍ خاصةٍ بالجماعة يُمكن التعبير عنها بأخلاق الطاعة، وفي القرآن آيات كثيرة دالة عليها (74 آية)، وهي غالبًا ما تقترن بمفردات من قبيل السمع، والهداية،

والإيمان، والفوز. وتَحفلُ مُدوناتُ الحديث هي الأخرى بوفرةٍ من نصوص الطاعة. وفي مقابل

ذلك، وقع ترذيل التمرد والانقسام والانشقاق والمعارضة والاختلاف. وكثيرًا ما يقع التعبير عن ذلك

بمفردات من قبيل المروق والخروج والانسلاخ والفتنة. وقد يقع في هذا السياق اختزالُ الدين في الطاعة؛ فالحديث النبوي: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»، قال في شرحه الخطابي: «معنى قوله صلى الله عليه وسلم يمرقون من الدين أراد بالدين الطاعة أي يخرجون من طاعة الإمام المفترض وينسلخون منها». ومثلما يكون حَصر الدين في الطاعة تضييقًا لأفق الأخلاقية الإسلامية، يمكن أن يكون ذلك عنوانًا

هُوَويًا لأنموذج ثقافي عمومي، حرصت حضارة الإسلام على أن تتميز به في إطار نظرة كونية شمولية

للإنسان تصورًا وسيرةً. تكتسب الجماعة إذًا خاصيتها في الاجتماع الإسلامي انطلاقًا من مبدأ الطاعة. وهي، إذ تَكُون كذلك، تُوفر للهُوية الجماعية عنصرَ وجود أساسيًا، لكن جِسمَ هذه الجماعة، على الرغم من

عمليات التنقية المتتالية له، يبقى معرضًا دائمًا لعدد من التشققات داخليًا أو التهديدات خارجيًا.

وتؤكد التصنيفات الموضوعة للتمييز بين الكتل الجماعية أن فكرة الجماعة التي بُنِيَ عليها الاجتماع

الإسلامي تحتاج إلى مزيد من الدرس. وليس غريبًا، في الحصيلة، أن نجد في فضاء الجماعة

حديث افتراق الأمة الشهير. ولذلك لا يمكن النظر إلى الجماعة بوصفها تجمعًا طُهوريًا خالصًا، وقد تَكون حسابات الربح والخسارة مَدخلً إلى الإخلال بهذه الطهورية الدينية لمصلحة المعقول الأرضي. ولهشام جعيط ملاحظات دقيقة في هذا المجال؛ فقد تتبع أعمال النبي الاجتماعية والسياسية والعسكرية، وخَلُصَ إلى أنه «بإظهار النبي بوادر عودة كثيفة إلى الوطن وروابط الدم، فإنه أفقد الرسالة الإسلامية هالة الصمود والصفاء، لكنه منحها، من جراء ذلك الفعل بالذات، الشروط السياسية للنجاح في هذا العالَم». لم تكن الجماعة، بالسُلم الأخلاقي الخاص بها، وجودًا مكتفيًا بنفسه؛ فقد كانت ثمةَ شبكاتُ قيمٍ

(((﴿وقَالُوا سَمِعنَا وَأطَعنَا غُفرَانَك ربَّنَا وَإِلَيكَ المَصِيرُ﴾ (البقرة.)285:

(((﴿وَإن تُطِيعُوهُ تَهتَدُوا﴾ (النور.)24:

(((﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللهِورَسُولهِوأطَعنَا﴾ (النور.)47:

(((﴿ومَن يُطعِ اللهَ ورَسُولَهُ فقَد فَازَ فَوزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب.)32:

(((من ذلك: «أوص يكُم يتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كانَ عبدًا حبَشِيًّا»، انظر: عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن عبد

الصمد الدارمي، المسند الجامع، خدمه واعتنى به نبيل بن هاشم الغمري، كتاب العلم، رقم: 103 ماايّة (مكّة: دار البشائر الإس،

2013)، ص.123 (1((علي بن محمد بن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق أحمد بن محمّد الخراط، مج 2 (قطر: وزارة الأوقاف

والشؤون الإسلاميّة، د.ت.)، ص.150

(1((هشام جعيط، الفتنة: جدليّة الدين والسياسة في الإسلام المبكّر (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2000)، ص.31

أخرى لِكُتلٍ جماعية تعيش صُلب الجماعة الدينية، أو في نزاع معها، أو في صلح. وستَكُون مسألة الولاء منطقة تنازع بين أكثر من فريق، ولعل تاريخ الإسلام السياسي سيُطبعُ بميزة الاختصام الدائم

بسبب تَعدد مدارات الولاء: «مرت السلطة الجديدة بنزاعات باطنة بين مختلف الولاءات وشتى روابط الإخلاص: روابط الدم/ الأقدمية في الكفاح النبوي، أهل المدن/ أهل القبائل. سيدور كل تاريخ الإسلام المقبل ويتمفصل حول تلك التوترات التي يمكن ردها إلى منظومات قيم». ويبدو أن محاولات السيطرة على الجماعة أو تدجينها بعزل ما يهددها تدخل ضمن إستراتيجيات الاستحواذ والتملك التي سوف تُعلنُ عن نفسها لاحقًا. وربما لا تكون هناك مبالغةٌ في الذهاب إلى أن مفهوم الجماعة Communauté، في السياق الإسلامي الديني (وليس السياسي)، كان يستمد شرعية وجوده من تناقضه (أو على الأقل تمايزه النوعي) مع مفهوم المجتمع Société، انطلاقًا من نوع العلاقات التي تربط الأفراد بعضهم ببعض داخل جسمَي الجماعة والمجتمع. فلئن كان شرط وجود المجتمع هو التعاقد Contrat الذي يتأسس على مطلب تحقيق المصلحة المعقلنة لجميع المنخرطين في هذا البناء، فإن من أبرز ما يميز الجماعة هو نوع تموقع الفرد داخلها. لا يكتسبُ الفرد في نظام الجماعة أي قيمة بوصفه فردًا، وهنا ميزة أخرى تختص بها أخلاق الطاعة؛ وهي تذويب هوية الفرد في هوية الجماعة. والمدقق في مجمل المعرفة الإسلامية المتعلقة بمكانة الإنسان في الإسلام لا يقع على تراث مهم خاص بالفرد. وكانت الكتابات التي أوجدت لنفسها صلات تشدها إلى ما يُعرفُ بالفلسفة الإنسية Humanisme، تجد عناءً شديدًا في العثور على المقدمات

التاريخية والنصية لإنتاج تأويلية تُعنَى بالإنسية الإسلامية. وإن تيسر ذلك، لاحت المساحة التي تغطيها هذه الإنسية مغلقة أو مُعطلَة؛ فقد رصد محمد أركون في القرنين الثالث والرابع للهجرة بروز نواة فكر إنسي، غير أن الآثار لم تكن قويةً وعميقةً حتى تَصنع زمن «الإنسان الإنسي» بديلً من «الإنسان الديني». ولم يتوانَ في توجيه الإدانة إلى جهاتٍ عملت على «نسيان الموقف الإنساني في الساحة الإسلامية، بل وحصول تصفية له وللأعمال الفلسفية والإنسانية التي كانت قد ازدهرت في القرنين الثالث والرابع للهجرة». وانصرف أركون بعد ذلك إلى القيام بعمل حفري ضخم يستنطق فيه النصوص والوقائع والتاريخ، ويوظف فيه مناهجَ متنوعة في إطار ما سماه «تحريات سوسيولوجية واسعة لمعرفة سبب فشل الفلسفة والموقف الإنساني في الساحة العربية الإسلامية بعد أن ازدهرت وتألقت لفترة قصيرة من الزمن».

((1(المرجع نفسه، ص.31 (1((من ألمع المفكّرين العرب في هذا المجال محمّد أركون. وتبقى أطروحته: نزعة الأنسنة في الفكر العربيّ: جيل مسكويه

والتوحيدي، ترجمة هاشم صالح (بيروت: دار الساقي، 1997)، العملَالعلميَّ الأشدّ إشعاعًا في هذا المجال. وكان عنوانها الفرنسيّ

الأصليّ:

L'Humanisme arabe au IVe (Xe) siècle: Miskawayh, philosophe et historien (Paris: J. Vrin, 1970).

((1(أركون، ص.15 ((1(المرجع نفسه.

وبغض النظر عن النتائج التفصيلية للدراسات التي اشتغلت على مبحث الإنسية العربية؛ يمكن القول إن الفرد، على الرغم من وجود بعض الحوافز النصية التي تنتصر له، وعلى الرغم من بروز سياق تأويلي لمصلحته يدور على المسؤولية والكسب والفعل، كما عند المعتزلة مثلً؛ لم يَكن مُتاحًا له موضوعيًا

أن يكون مَركزًا تُبنَى داخله ولفائدته أنظمةُ القيم التوجيهية. كانت إستراتيجية الدين الجديد تهدف إلى

أن تكون الجماعة نواةَ وجوده وأداة انتشاره. لذلك يُعد ضمورُ حضور الفرد في هذه الإستراتيجية أمرًا

مُتوقعًا.

2. من مجال الجماعة إلى مجال الرعية

أبرزُ ما نحتفظ به مما تقدم هو أن نشأة مجال الجماعة كانت مرتبطة بإستراتيجيات الدين الأخلاقية، وأن «الجماعة المتخيلة» كانت معرضة للتهديد والتشقق، وكانت الطاعة أهم وسيلة من وسائل التحصين. وتسوقنا هذه الخلاصات إلى بعض الملاحظات السوسيو-تاريخية التي تتعلق بمآل الجماعة في بُعديها

الديني والمتخيل؛ فقد قضَى قانون العمران بأن تتحول الدعوة إلى دولة، والجماعة إلى مجتمع، كما قضَى بأن يَخلف الرسولَ مَن يقومُ «بحراسة الدين وسياسة الدنيا». وعلى الرغم من أن وجهة هذا

البحث ليست التاريخَ السياسي الإسلامي، فإنه لا مناص منهجيًا من التوقف قليلً عند بعض خصائص

نشأة المجال السياسي الإسلامي ذات الصلة بالمسألة الأخلاقية. بحثت «الهيئةُ السياسية التأسيسية» التي تصدت لأمر الجماعة بعد وفاة الرسول مباشرةً عن مقدمات نظرية وعمرانية لشرعنة الإمامة (الحكم)، وتم التداول في الأفضلية. واللافتُ استدعاءُ مرجعيات

أخلاقية قبلية ومَقامية وتاريخية. ولم يكن الاحتكام إلى التقوى وما هو من وحي الأخلاقية الدينية

إلا عنصرٌ من مجموع عناصر الحجاج والاحتجاج. وغني عن البيان أن مؤشرات النزاع التي

تَلمسَ هشام جعيط علاماتِها الجنينيةَ منذ عهد الرسول ستصبح مكونًا أصيلً في المشهد السياسي

الإسلامي. ومن المتوقع أن يُطرحَ السؤال حول أخلاق الطاعة، أين آثارُها؟ وحول الأخوة، وحول التربية على

الإيثار وتزكية النفس على الخير العام، كيف تبددت؟ ولِماذا اختفى، في وقت سريع، المعيارُ الأخلاقي

الذي حرص الدين على أن يكون هو ما به يُعرَفُ؟ يُمكن الظفَرُ بأجوبة متعددة، وربما متناقضة، لتفسير ما وقع للأخلاقية الإسلامية، لكن ما نود الإشارةَ

إليه أمران: فأما الأول فمُلخصُه أن معقول الجماعة غيرُ معقول المجتمع، ومعقول الدعوة غيرُ

معقول الدولة؛ فأخلاق الطاعة يمكن أن تُلبيَ مطلَب تأسيس الجماعة الدينية، وأخلاق الأخوة

يُمكن أن تُلبيَ هي أيضًا مطلبَ الجماعة المتخيلة، غيرَ أن بناء علاقات مادية ذات مطالب مصلحية

(تحصيل المنفعة)، فشرطُ تَحققها هو اندراجها في مَدار أخلاقية أخرى. وأما الأمر الثاني فملخصه

((1(يقول الماوردي: «الإمامةُ موضوعة لخلافة النبوّة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمّة واجب

بالإجماع»، انظر: أبو الحسن الماوردي، الأحكام السلطانيّة والولايات الدينيّة، خرّج أحاديثه وعلق عليه خالد العلميّ (بيروت: دار

الكتاب العربيّ، 1990)، ص.29

أن المخزون الثقافي الجمعي يَصعبُ القضاء عليه وإن مرت جماعةٌ من الجماعات بتحولات في بناها السطحية أو المادية. وكان ريجيس دوبريه قد عبر عن ذاك المخزون ب «اللاوعي السياسي» Politique Inconscient. وهو، عادةً، ما يُستَنفَرُ ويوظفُ فَيُمثل عنصرَ مقاومة أو ضغط لصوغ ملامح الوضع الجديد، وربما يكون أصلبَ من الأدوات التي تستخدمها الجماعة الجديدة لتثبيت مكانتها. وحين تتدخل عناصر «اللاشعور السياسي» لحسمِ معضلة لاحقة للأزمان التي تراكمت فيها تلك العناصر، فهذا يعني أن حالة «الوعي السياسي» التي يُفترَضُ أن تُحدد وجهة الأحداث لا تملك هذه السلطة. ويُستحصَلُ من ذلك أن بناء المجال السياسي الجديد في عالَم الإسلام لا يستمد شرعيتَه من الأخلاقية الدينية إلا على نحو تبريري، أي أيديولوجي. وهذا قابل للتفسير وفقَ قوانين الاجتماع البشري؛ فما مِن جماعة تستطيعُ أن تبقَى على هيئتها الأولى. وأخلاق الفطرة ما هي إلا كالمرحلة الطفولية في حياة المجتمعات؛ فتعقيدات الحياة، وما يطرأ فيها من وقائع، وتَغيرُ أنماط العيش، والاستقرارُ في الحواضر، والاختلاطُ بأقوامٍ من حضارات أخرى، كل ذلك وغيرُه يَدخل في قوانين الاجتماع البشري ويَفرض

تعديلاتٍ كثيرةً على سلم القيم وآداب السلوك. لا نملك، في الحقيقة، معطياتٍ واضحةً حول المقام الذي تم فيه استبدال الرعية بالجماعة، ولكننا مع ذلك نرجح، انطلاقًا من الاستخدام الكثيف لمفردة الرعية في خُطب الولاة وكتب المرايا، أن حضورَها اقتضاه ذاك الانتقالُ من زمن الجماعة ومَحمولاتها الأخلاقية إلى زمن آخَر هو على وجه التعميم زمن المجتمع. صحيح أننا نقع على هذه المفردة في أحاديث قليلة لا نعلم على وجه الدقة درجة صحتها مثل: «مَا مِن عبدٍ يسترعيه اللهُ رعيةً، يَموتُ يَومَ يَمُوتُ وهو غَاش لِرَعِيتهِ إلا حَرّمَ اللهُ عَليهِ

الجَنة»َ. ولئن كان المعنى المستفادُ من مِثلِ هذه الأحاديث هو بناء علاقات تراتبية بين الناس تقوم على مسؤولية الرعاية التي يتحملها الأعلى تُجاه الأدنَى، وتقترنُ بمبدأ الثواب والعقاب؛ فلا شيءَ يدفَعُ إلى عد هذه النصوص نصوصًا في التشريع. ولذلك يبدو أنها كانت تنوبُ إنابة شكلية/ لفظية عن عبارة الجماعة؛ لأنها مسرودةٌ في سياق الكلام على الآداب. والواقع أن حضور الرعية كان عارضًا أو مُقحَمًا في مدونة الحديث، فوق أنه غير وارد أصلً في القرآن. فهل يكون استدعاءُ الرعية بحمولة الانقياد والخضوع والاستسلام التي تَستبطنُها انتصارًا للأخلاقية الشرقية القديمة وتراجعًا لأخلاقية الجماعة الإسلامية الجديدة؟ يُمكن أن تقود الدراسات المُقارنَة إلى

((1(قال عنها برنارد لويس إنّ حضورها في الأحاديث قليل ومشكليّ: The Political Language of Islam Bernard Lewis,

(Chicago: University of Chicago Press, 1988), chap. 3, note 45, p. 140.

(1((مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم، تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، رقم:

1831 (بيروت: دار الكتب العلميّة،.)1991

(1((توجَدُ صيَغ قرآنيّة من الجذر (ر/ع/ي) ولكنّ كلمة رعيّة غير قرآنيّة. انظر مثل 20 من سورة طه، والآية 57 من سورة الحديد، الآية

والآية 79 من سورة النازعات.

شيء من هذا؛ فقد أنجز ميشال فوكو بحثًا مهمًا في هذا الصدد، وانتهى فيه إلى أن العقل السياسي الشرقي القديم محكوم بثنائية الراعي والقطيع. وكانت المادة التي اشتغل عليها تكشف بوضوح عن

تحول البنية الرعوية في تدبير المَعِيش اليومي إلى بنية سياسية. كان ذلك لدى المصريين مثلً؛ فليس

مُستبعَدًا إذًا أن تكون علاقة «الرعية الإسلامية» ب «الراعي المسلم» واقعةً تحتَ مجال نفوذٍ سلطوي عريق في حضارات الشرق. ربما لا يكون في الأمرِ شططٌ من منظور قوانين العمران، حين الذهاب إلى أن الرعية ستَظهر في سياق نشأة مجال خاص بها. وإيجازًا نقول إن الزمن السياسي بعد الزمن النبوي فرَض شروطه الموضوعية،

ومنها أن تكون الرعية جزءًا رئيسًا منه. وتأسيسًا على ذلك، نرى أن الجماعةَ المتخيلة ستخضَعُ لعمليات

ضبط وتحديد ومتابعة حتى تنخلعَ الصفة عن موصوفها؛ فالأحداث الجارية بعد وفاة الرسول أوقعت

هذه الجماعةَ في فوضى عارمة. والسيف الذي استُل، كما روى الشهرستاني، لن يتركَ مساحاتٍ فعليةً للطاعة والأخوة كما انبجستا أول الأمر. وستصبحانِ من القيم العُليا أو المعيارية لأنهما تنتميان إلى «الزمن الطفولي»؛ فكلما ابتعدت التجربة العملية عن ذاك الزمن، دخلت الدولة الإسلامية المعيارية في مجال الطوبى. ميزنا الزمنَ النبوي من الزمن السياسي لأن الثاني هو زمن المُلك، ومِن مَراتب المُلك مرتبتان مركزيتان: مرتبة الحاكم، ومرتبة المحكوم، ولهما في «العقل السياسي» الإسلامي تصورٌ واضح. ويَحسُن، قبلَ

بيَان ملامح هذا التصور، التوقفُ قليلً عند دلالة مصطلح الرعية؛ فهو، لغةً، يتحدر من الجذر (ر ع ي).

ومن معانيه: «الراعي يرعى الماشيةَ أي يَحُوطُها ويَحفظها [...] والرعايا الماشية المرعية [...] والراعي

الوالي. والرعية العامة [...] ورعاه حفظه». وأما اصطلاحًا، فنقدم له بهذه الإشارة المهمة التي ذكرها برنارد لويس في مَعرَض حديثه عن شبكة المصطلحات السياسية في المجال الحضاري الإسلامي؛ فلقد

رأى أن مصطلح الرعية كان منذ دخوله مجال التداول في الزمن السياسي الإسلامي المبكر، حتى تغلغل المصطلحات السياسية والقانونية الأوروبية؛ المصطلَح الأكثر استخدامًا للدلالة على أولئك الخاضعين لسلطة الحاكم. والراجح أن الدلالة المعجمية المتأتية من الحقل الطبيعي (الحيوان، الكلأ) والدائرة على القطيع من جهة، وراعي القطيع من جهة ثانية، قد تسربت إلى الحقل السياسي وطبعته بطابع معين. قال أبو يوسف (ت. 182 ه) ناصحًا وهو يضع القواعد النظرية لسياسة المُلك كما طلَب منه هارون

الرشيد: «احذَر أن تضيع رعيتُك فيستوفي ربها حقها منك [...] إن الله بمَنهِ ورحمتِه جعلَ ولاةَ الأمر

خلفاء في أرضه، وجعلَ لهم نورًا يضيء للرعية ما أظلم عليهم». وقال الماوردي: «ومِن جلالة

(20) Michel Foucault, «Omnes et singulatim: Towards a Criticism of Political Reason,» in: Sterling Mcmurrin (ed.),  The Tanner Lectures on Human Values , vol. 2 (Salt Lake City: University of Utah Press, 1981) pp. 225-254.

((2(من طقوس تقلّد الحاكم الفرعونيّ السلطة أن يتسلّم «عصا الراعي:»

Faucault, p. 227.

(2((ابن منظور، لسان العرب، مج 14 (بيروت: دار صادر، د.ت.)، ص.327-325

(23) Lewis, p. 61.

(2((أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، كتاب الخراج (بيروت: دار المعرفة للطباعة والنشر، 1979)، ص.5

الملوك وفضائلهم على الرعايا وطبقات الناس أن كل مَن تحتَ يدَيِ الملِك من رعاياه [...] محلهم منه

في كثير مِن الجهات محل المملوكين». وقال الغزالي: «يجب على السلطان أنه متى وقعت رعيتُه في ضائقة أو حصلوا في شدة وفاقة أن يُعينَهم، لا سيما في أوقات القحط وغلاء الأسعار [...] لئلا يضعف الناس وينتقلوا إلى غير ولايته». ما نستنتجه هو أن سياق تشَكلِ مجال الرعية، إذا ما قورن بسياق تشكل مجال الجماعة، جاءَ ليَضعَ

حجرَ الأساس لبناء المجال السياسي الإسلامي ترتيبًا عمليًا وتسويغًا أيديولوجيًا. وسيتقلص منسوب

الأخوة تقلصًا كبيرًا لمصلحة أنظمة معقدة من الولاءات تفرضها قوانين الاجتماع المتبدلة بفعل الاتجاه

نحو المَأسَسة. وستنفصل الطاعة عن مدارها الأخلاقي الذي ظهرت فيه لتَنتسِب إلى مدار الخضوع

والاتباع مقابل ضمان الرعاية التي يوفرها لها الراعي. وهكذا تَتِم «وَضعنَة»ُ Positivisation الأخلاق الدينية عبر تحويلها إلى أخلاق سياسية أو عملية. وينبغي التنويه في هذا المقام بأن «العقل السياسي» الإسلامي، وهو يُؤثثُ مجاله، عمدَ إلى استثمار مُنتَج الزمن الدعوي: الجماعة والطاعة (بعد إسقاط

الأخوة) لتأسيس فلسفة الحكم. لقد أفرغَ مصطلحَ الجماعة من دلالته الأولى، وكذلك فَعل مع مصطلح

الطاعة؛ فالجماعةُ، وهي تُجَردُ من قيمة الأخوة، تُصبحُ كتلة بشرية موضوعَةً لممارسة الحُكم عليها، والطاعة وهيَ تُجرد من وظيفتها الإيمانية تُصبِحُ انصياعًا. ستُحدد ثنائية الراعي والرعية جوهرَ فلسفة الحكم. وسيكون المعجم السياسي والفكري والفقهي

مرتكزًا على تراث زمن الدعوة مع ما سميناه الاستثمار فيه؛ فبمِثلِ ذلك، حضرت الطاعة في الأدبيات السلطانية. وغني عن البيان أن تحويل الطاعة إلى قيمة أخلاقية في المجال السياسي يُعَد مدخلً آمنًا لميلاد الحكم الاستبدادي وليس فقط نتيجةً تترتب عنه كما رأى كمال عبد اللطيف: «يترتب عن السلطة القهرية المستبدة في نظام الآداب دعوة إلى الطاعة والخضوع، بل والتغني بها وتمجيدها، إلى درجة تتحول فيها السياسة السلطانية إلى سياسة للطاعة المطلقة». تلك إذًا مُخرَجاتُ التجربة السياسية الإسلامية منذ التأسيس إلى الاكتمال. كانت في مستويَيها

الكبيرين: مستوى الجماعة ومستوى الرعية محكومةً بأخلاق الطاعة. وبقطع النظر عن الجهة المستفيدة من تثبيت هذا الاتجاه الأخلاقي، يمكن الخُلوص إلى نتيجة تأليفية عامة مفادها أن العقل السياسي الإسلامي الكلاسيكي أسسَ فلسفته على علاقة تراتبية عمودية بين الحاكم والمحكوم.

واستطاع الرصيدُ الثقافي الموروث أن يُقدم النمطَ الرعوي منوالً للحكم. وأما الخروج من زمن

(2((أبو الحسن الماوردي، نصيحة الملوك، تحقيق خضر محمّد خضر (الكويت: مكتبة الفلاح، 1983)، ص.53 (2((أبو حامد الغزالي، التبر المسبوك في نصيحة الملوك، ضبط وتصحيح أحمد شمس الدين (بيروت: دار الكتب العلميّة، 1988)،

ص.80 (2((للتوسّع في هذا النوع من الكتابات راجع مثلً: عز الدين العلام، الآداب السلطانيّة: دراسة في بنية وثوابت الخطاب السياسيّ،

سلسلة عالم المعرفة، العدد 324 (الكويت: المجلس الوطنيّ للثقافة والفنون والآداب، شباط/ فبراير 2006). انظر خاصّة الفصل

السادس: مفهوم الرعيّة، ص.202-181

(2((كمال عبد اللّطيف، في تشريح أصول الاستبداد: قراءة في نظام الآداب السلطانيّة (بيروت: دار الطليعة، 1999)، ص.180

الجماعة وأخلاقيتها، فأ ملَتهُ ضرورات التغير العمراني، ولكن الدخول في زمن الرعية وشُعاعهاَ الأخلاقي لم يكن إلا مسارًا من مسارات أخرى كان يُمكن السيرُ فيها. ونتجَ من هذا الاختيار إفراغُ

الجماعة من قيمتَي الأخوة والمحبة الدينيتين/ الإنسانيتين والتعويض عنهما بأخلاق الطاعة السياسية المؤدية إلى الخضوع والاتباع. وأما الفرد فكان الغائبَ الأبرز؛ كان ضحيةَ الأيديولوجيا الرعوية السلطانية. وما كان له أن يكون إلا

في منطقة «اللامفكر فيه» impensé ’ l لأنه النقيض النوعي للجماعة والرعية وشبكة القيم التي تتغذيان منها. قد يُرصَدُ الفردُ، ولكن في حالاتٍ خاصة؛ فقد جاء في الحديث: «عليكَ بالجماعة فإنما يأكلُ

الذئبُ القاصية»َ. وهنا تشديد، مرة أخرى، على أن السلامةَ لا تكون إلا مع الرعية - القطيع، وهو

السياق الديني-السياسي الشرقي عمومًا. على هذا النحو تقريبًا دارتِ النصوصُ التي أسست الأخلاقيةَ الإسلامية، وعلى هذا السمتِ جرَتِ

التطبيقاتُ والتأويلات حتى تشَكلَ، بصفة واضحة المعالِم، ما يُمكِنُ تسميتُه «الإبستمية الإسلامية» في مجال الأخلاق السياسية. وسيطرت هذه الإبستمية، في مجال الأخلاق، على كامل التاريخ الإسلامي في نسخته الرسمية (الأرثوذكسية)، وامتد هذا التاريخ إلى بداية عصر النهضة (القرن التاسع عشر)، بل لعل الأصوبَ أن نقول إنه لم يتوقف إلا جزئيًا أو قطاعيًا.

الأخلاقية الفردانية ومشروع العبور إلى المواطنَة

1. من الطاعة إلى العدل

تعرض الرصيد الثقافي - الأخلاقي لتحديات كُبرى في التاريخ الحديث بِسبب فلسفة الحداثة ومُنتَجاتها.

ولا شك في أن نشأة الفرد-الموطنcitoyen - individu ’ l كانت من أبرز ما أسس الأخلاقيةَ السياسية

(2((انظر: أبو داود، سنن أبي داود، ج 1، تحقيق شعيب الأرناؤوط ومحمّد كامل قره بابللي، باب الصلاة، رقم: 547 (دمشق: دار

الرسالة العالميّة،.)2009

((3(نستخدم الإبستميّة épistémè بالمعنى الفوكوي الذي يُقدّمها على أساس أنّها نظام الفكر وضوابطه وقوانينه وآليّات عمله التي

يَخضع لها الناس في مجال أفكارهم وقيمهم وسلوكهم. ولهذا النظام سلطة لا تنقطع إلا بقطيعة تنشأ عنها إبستميّة جديدة. راجع في

هذا الصدد:

Michel Foucault, Les mots et les choses (Paris: Gallimard, 1966), pp. 11-13.

وللتوسّع في الأخلاقيّة القرآنيّة أوّلً والإسلاميّة/ التشريعيّة ثانيًا يحسن العودة إلى وائل حلاّق خاصّة؛ فله مقاربة عميقة لهذه المسألة،

وله استنتاجات مقارنيّة طريفة انتهى من خلالها إلى أنّ أخلاقيّة الحداثة التي قامت على الفصل بين الحقيقة والقيمة، أو القانون

والأخلاق، أو ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، تتمتّع بنسق فلسفي خاصّ، انظر: وائل حلاق، الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة

مأزق الحداثة الأخلاقيّ، ترجمة عمرو عثمان (الدوحة: المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، ص.174-162

((3(استخدم ألان لوران مصطلح «الفرد-المواطن» وهو يتتبّع مسار الفردانيّة التاريخيّ والفلسفي. راجع ذلك في:

Alain Laurent, Histoire de l’individualisme (Paris: PUF, 1993), p. 39.

ودرس جي هرمت علاقة هذا المصطلح بالمسيحيّة الغربيّة. راجع:

Guy Hermet, «L’individu-citoyen dans le christianisme occidental,» in: Pierre Birnbaum & Jean Leca, Sur l’individualisme (Paris: Presses de Sciences Po., 1991), pp.132-158.

وهو اتّجاه بحثيّ انخرط فيه دارسون مرموقون من أمثال ماكس فيبر بكتابه الشهير الأخلاق البروتستانيّة وروح الرأسماليّة.

المدنية في إطار ما يُعرَفُ بالإنسية الغربية. وهذا التركيب المزجي الذي لا يكون فيه الفرد إلا في سياق

المواطنة، ولا تكون فيه المُواطنَةُ إلا على قاعدة الاعتراف بالفرد وجودًا مستقلا؛ هدَفُه سَد الطريق أمام

اتجاهات الفكر الجمعوي/ الرعوي التي ترى الفردانية سبيلً إلى إذكاء أخلاق الجشع. كانت قضية الاستبداد مَشغلً بارزًا في الفكر الإصلاحي. وهذا من العلامات على انبثاق بوادر وعي تاريخي نقدي للنظام القيمي القديم. وكان مطلبُ العدل مركزيًا في مشروع التحديث السياسي،

ويُمكنُ إدراج الكتابة في العدل في باب الاحتجاج التاريخي على الكتابة في الطاعة. ونود، في هذا الإطار، أن ندقق في أمرٍ؛ هو أن العدل في أدبيات فكر النهضة الذي رأيناه كأنه الاحتجاج التاريخي على أخلاق الطاعة لا علاقة له تقريبًا، في نظرنا، بالعدل (العدالة) كما صاغته الفلسفات

السياسية الحديثة والمعاصرة؛ فعدلُ الراعي عدلٌ أخلاقي على معنى المَكرُمَة، وليس له مِن حافِز إلا

النصح الذي يُسديه كُتابُ المَرايا. ولكن العدلَ في الفلسفات الحديثة والمعاصرة عَدلٌ قانوني تضبطه

الدساتير والمعاهدات والمواثيق وتَحرسُه مؤسسات المجتمع المدني. والأهم من التقنين والتشريع

انتماءُ هذا العدلِ إلى إبستمية غير إبستمية العدل الأخلاقي. إنه جزء من شبكة القيم التي تُشكلُ معالِم

الحداثة. وهو لا يكونُ إلا حين تكون الحرية مُعَادلً له.

2. من العدل إلى الحرية

لا شك في أن العلاقة بين العدل والحرية علاقة إشكالية، وهي في الثقافة العربية أشد تعقيدًا وتركيبًا

منها في ثقافات أخرى نجحت في استثمار هاتين القيمتين على نحو منتج وإيجابي. وكان وعيُ

المفكرين بمخاطر الاستبداد منطلَقًا مهمًا لِشَق مسارٍ في الإصلاح يَقوم على إعادة التوازن للعلاقات المختلة بين مؤسسة الحكم والمحكومين. لكن المدقق في خطاب العدل لا يملك إلا أن يتساءل عن مكانة الحرية فيه، وهو تَساؤُل معقول لأن المقابل النوعي للاستبداد هو الحرية وليس العدل. صحيحٌ

أن فكر الإصلاح لم يُغيب الحرية تغييبًا كاملً؛ فكان يَرصُد حضورَها القوي في أوروبا، ولعله كان

يتمنى لو أن حظًا منها أصاب بلاد المسلمين. أما واقعيًا، فكان الاحتفاء بالعدل. إن بحَثنا عن تفسير لضمور الحرية وتوَسعٍ في الإلحاح على العدل في أدبيات الإصلاح العربية في

القرن التاسع عشَر، قُلنا إنه يَعسر في الحقيقة رد الأمر إلى سبب واحد، غيرَ أننا نميل إلى تفسير أولي

قد تستقيم في ظله معقوليةٌ ما للاحتفاء بالعدل دون الحرية. فالتراتبية الرأسية/ العمودية للعلاقة بين

((3(العبارة المتداولة في كتابات الروّاد هي «الحكم المطلق»، ولم تأخذ عبارة «الاستبداد» الصدارة إلا في وقت متأخّر نسبيًّا،

ويمكن عدُّ كتاب عبد الرحمن الكواكبي: طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد (1902) من أهمّ ما كُتبَ.

(3((عبّر مراد دياني عن ذلك تعبيرًا دقيقًا فقال: «المساواة أمِ الحرية أوّلً؟ أو العربة أمِ الحصان أوّلً؟ إنّه السؤال الأساس الذي

يُطرح أمام جميع الأشكال المجتمعيّة، بمعنى ما مدى أصالة أو امتياز المساواة على الحرية في الاجتماع البشريّ، أو العكس؟ بعبارةٍ

أخرى، هل المساواة هي الحجر الأساس القبليُّ في بناء المجتمع، والموشور الذي يُنظر من خلاله إلى جميع الإشكالات المتعلقة

بالاجتماع الإنسانيّ، أم أنّ الحرية هي ذلك كلّه؟ وهذا السؤال يطرح نفسه بحِدّة أشد في هذا الزمن الحاسم الذي يعيشه العالم

العربي اليوم». انظر: «اتّساق الحريّة الاقتصاديّة والمساواة الاجتماعيّة في نظريّة العدالة أو استقراء معالم النموذج اللّيبراليّ المستدام

لما بعد الربيع العربيّ»، عمران، العدد 5 (2013)، ص.51

الحاكم والمحكوم في بنية المجتمعات القديمة كانت تفرض أن تكون أفعالُ تدبير الملك صادرة من المدار الأول حصرًا، وأن يكون المدار الثاني متقبلً وليس فاعلً. وقد تَكُونُ هذه الفكرة تشكلت

أولً داخل المعقول الديني حيثُ يُجعل الأمر كله لله، ثم تسللت شيئًا فشيئًا إلى الفضاء السياسي والأخلاقي حتى صار حُكمُ الحاكم في مرتبة التفويض الإلهي. والعقل الإصلاحي في القرن التاسع

عشر كان متحركًا في مدار الثقافة الإسلامية الكلاسيكية، على الرغم من تنَبهه إلى مواطن خلل فيها. لذلك لم تتحول الحرية إلى قيمة سياسية واجتماعية وتربوية تتأسس عليها أنظمة جديدة من العلاقات، وتصاغُ في ضوئها أخلاقيةٌ إنسانية حتى تصبح ثقافةً مركزها الإنسان. يُوجَدُ إذًا عائق حقيقي يَمنَع الاتجاهَ نحو تدشين سياق أخلاقي ينهض على قاعدة الحرية. وهذا يُمكنُ

إدراكُه إذا وضعنا في الاعتبار أن فلسفة الإصلاح نفسَها كانت تعتمد مقومًا واحدًا مركزه السلطة. وبما أنه

لم يقع استحداثُ مُقوم معادل مركزه المجتمع؛ لا فُرصةَ لانبثاق سُلم قيمي تنتقل بواسطته الثقافة العربية

من سياقها القديم إلى سياق حداثي. لذلك، كأنه لا منَاصَ اليوم مِن حركة اجتهادية ضخمة يتم من خلالها

تحويلُ الاهتمام من مدار الطاعة إلى مدار الحرية. وذلك لا يتأتى ما لم تَحدُث عمليةُ اختراق معرفي وثقافي لمفهوم الرعية والولوج إلى المساحات المعتمة التي كانت معدودةً ضمن اللامفكر فيه. كان الاتصال المباشر بين أوروبا والإسلام في العصر الحديث مناسبةً غير عادية لتحرير الحرية من الأطر المعرفية التقليدية وفتح معابِرَ جديدةٍ أمامها. ولكن ذلك لم يكن كافيًا؛ إذ ستكون الحاجة ملحةً

لانبثاق تأويل عصري يَسحب الحريةَ من بيئتها الغربية الأصيلة ويضفي عليها من الدلالات الاستنباطية ما يجعلها ذاتَ معنى في المجال التداولي الإسلامي. فمتى تكون الحرية إذًا في قلب اهتمامات الفكر العربي المعاصر؟ ينبغي، موضوعيًا، الاعترافُ بأن

طورًا آخرَ دشنه هذا الفكر في النصف الثاني من القرن العشرين وما فتئ يتطور ويتعاظم شأنُه. إنه طور

الأدبيات الحداثية حيثُ تتقدم موضوعات الحرية والديمقراطية والحقوق والمجتمع المدني على ما عداها من موضوعات التفكير السياسي المعهودة. وهكذا وُلِدَ على نحو صريح في هذا الطور مجال

التفكير في الفرد، وهو تحول عميق في وِجهة التفكير الفلسفي وليس فقط السياسي. ومع ذلك يَحسنُ أن نوضح أن الذي نشأ هو مجال التفكير في الفرد وليس مجال الفرد؛ فالكتابات العربية الحداثية ما زالت في طور الدفاع عن الفرد من جهة حقوقه وحريته.

أخلاقية المواطنة: مقومات ورهانات

1. الفردانية والحرية

نُسَلمُ تاريخيًا بأن الفرد في أفق الفردانية يُعد في فلسفة الحداثة محورَ العملية السياسية، وليس عجيبًا

حينئذ أن تكون الحرية عنوانًا رئيسًا لميلاد «مجتمع الأفراد». ولا يكون الانتصارُ للفرد داخِلَ هذا

((3(استخدمنا هذه الصيغة (مجتمع الأفراد) لأنّها تحقّق معنى التوسّط بين فلسفتين: فلسفة الجماعة وفلسفة المواطن؛ فبروز

مجال الفرد كان البدايةَ لنشأة مجال الفرد-المواطن، ولا شكّ في أنّ «دولة المواطنين» وليست «دولة الأفراد» هي المقصد من فلسفة الحداثة السياسيّة.

التصور تزكيةً للجشع والأنانية وحطا من قيمة الإيثار كما روجت الدراساتُ الأخلاقوية. ينبغي أن يُنظرَ إلى المسألة من زاوية أخرى، وهي النظرُ إلى الفردانية من جهة كونها تُمثل ثورة على «الجماعية»، وتحريرًا للإنسان من نزعات الإذلال وتعطيل القدرات والمهارات؛ فالفردانية، على نحو من الأنحاء، مُكونٌ من أبرز مكونات الإنسية، وهي بذلك تندرج ضمن الإبستمية المناهضة لإبستمية الجماعة. ويمثل الفرد في الفردانية وضعيةً فلسفيةً قبل أن يكون جزءًا من وضعية اجتماعية أو أخلاقوية. والفرد في هذا التصور مآلُه أن يكون مواطنًا. والطريق إلى ذلك يُلخصها جيليو جيليف Jelev Jelio في السؤال الذي طرحَه والإجابة التي اقترحها: «متى يتحول الفرد إلى مواطن؟ عندما يصبح شخصية مدنية، وهي صفة سوف يكتسبها من خلال العلاقات التي ستقوم بينه وبين المجتمع المدني حيث يكون عنصرًا نشيطًا وفاعلً أكثر مما يكتسبها من خلال علاقاته بالدولة. يصبح الإنسان شخصية مدنية عندما ينخرط تدريجيًا وينجح في الاندماج في دوائر المساحة الاجتماعية الكبرى مدافعًا عن القيم الأساسية للديمقراطية». ولا يمكن تجاوز مساهمة إيميل دوركايم في هذا المجال؛ فإذا كانت الأخلاق المتوارثة هي منظومةَ قواعدَ تُبنَى خارج الوجود الفردي للإنسان ولكنه يُلزَم بالخضوع لها، فإن أخلاق الفرد تنشأ من داخل وجوده وعيًا وإحساسًا. وكان مسعاه عقلنةَ الأخلاق وعَلمنتَها ووضعنتَها. وغير بعيد من هذا التصور

رأى لويس ديمون أن ما يميز مجتمعًا مِن آخَر هو منزلة الفرد؛ فالمجتمع الذي يكون فيه للفرد القيمةُ العليا هو ذاك الذي نتحدث فيه عن الفردانية. وأما المجتمع الذي يكون فيه للجماعة القيمةُ العليا، فذاك الذي نتحدث فيه عن الكليةHolisme. ومن الضروري أن نشير إلى أن الفرق بين النموذجين ليس حاصلً مصادفةً. إنه نتيجة تطور تاريخي طويل ومعقد عند بعض الدارسين، أو هو نتيجة انقطاع نوعي وحاسم عن نظام قيمي سابق عند دارسين آخَرين. والرصد التاريخي الذي قام به توماس مارشال للأطوار الكبرى التي تطور عبرها مفهوم المواطنة يكشف أن منزلة الفرد فيها لم تكن إلا لتجويد أداء

(35) François de Singly, L’individualisme est un humanisme (Paris: éditions de l’Aube, 2011), p. 9.

وللتوسّع في بعض الأسباب التي أعطت للفردانيّة تلك الصورة السلبيّة يمكن العودة إلى:

Daniel Bertaux, «Individualisme et modernité,» Espaces Temps , no. 37 (1988), pp. 15-16.

(3((جيليو جيليف، «التربية والمواطنة في القرن العشرين»، ضمن: جيروم بيندي (إِشراف)، القيم إلى أين، ترجمة زهيدة درويش جبّور وجان جبّور، منشورات اليونسكو (قرطاج: المجمع التونسيّ للعلوم والآداب والفنون بيت الحكمة، 2005)، ص.290-289

(3((يتجلّى هذا المسعى بوضوح في كتابه التربية الأخلاقيّة:

Emile Durkheim, L'éducation morale (Paris: PUF, 1974), voir notamment: «1 re leçon: la morale laïque».

(3((يتحدّثُ جورج بوردو عن ث ث خصائص أساسيّة يتمتّع بها الفرد في ظلّ فلسفة الفردانيّة وهي: الفرد بوصفه قيمة في حد

ذاته L’individu comme valeur en soi، والفرد بوصفه غاية L’individu comme fin، والفرد بوصفه وسيلة L’individu comme

moyen، راجع:

Georges Burdeau, Le libéralisme (Paris: Seuil, 1979), pp. 88-94. (39) Louis Dumont, Essai sur l’individualisme: Une perspective anthropologique sur l’idéologie moderne (Paris: Seuil, 1983), p. 37.

القيم المدنية، وتعزيز المكاسب المرتبطة بالحقوق السياسية والاجتماعية. وهكذا، عِوضَ أن يَكونَ

الإنسان متلقيًا في سلبيةٍ تلك القواعد، يُصبِح منتجًا وفاعلً. وعندئذ تتحقق إنسانية الإنسان في بُعدها الأخلاقي. وبعيدًا من استعراض التفاصيل التي تتباعد بها تيارات الفكر الفلسفي الحداثي أو تتقاطع حول الفرد والفردانية، فإن ما ينبغي الاحتفاظ به هو أن انتصار الحقيقة على القيمة، أو ما هو كائن على ما يجب أن يكون، جاء في سياق رؤية وضعانية للأخلاق والمنفعة والقانون والسياسة والدولة. ولم يَعُد ممكنًا شرعنة/ تبرير/ تفسير أي سلوك أو فكرة إلا بالاستناد إلى المفاهيم والتصورات التي انبثق منها هذا السياق. ستتوارى، نظريًا على الأقل، الولاءات والعصبيات والهويات السابقة التي كانت ترتهن الفرد وتسحق وجودَه، وستكون الفردانية إعلانًا عن تَعاقُد حر ومسؤول داخل المجال السياسي الوضعي وفي إطار «الدولة السياسية». لم يكن ميلاد الفردانية استباحةً للجماعية فقط، بل كان في الأساس ميلادًا للحرية والاستقلال والإبداع على مستوى المكاسب الفردية، وميلادًا للاعترافReconnaissance والتعاقد والمواطنة على مستوى المكاسب العمومية. وما كان ذلك لِيكُونَ إلا بإجبار نظام القيم القديم على الانسحاب، وإعلان دخول نظام القيم الجديد حيز التنفيذ. وبهذا تظهر مجالات الدولة الحديثة: المواطن، السلطة، الأحزاب، الهيئات المدنية... إلخ، المبنية على مبدأ التوازن وقيمة الاعتراف بين مختلف مكوناتها.

(40) Thomas Humphrey Marshall, Citizenship and Social Class: And Other Essays (Cambridge: University Press, 1950), chap. 1, pp. 10-27.

((4(تعَمّدنا هذا الاستخدام: «الدولة السياسيّة» بناء على أنّ النعت «السياسيّ» يُحيل فلسفيًّا على السياسي le politique، أي

المجال الذي يتحقّق فيه الفصل بين الدينيّ والمدنيّ قَبلَأن يعنيَ السياسة بوصفها تدبيرًا عمليًّا للشأن العامّ؛ فللسياسيّ إذًا منزلة

رفيعة في الدراسات المنشغلة بنشأة الفرد والمواطن والدولة والحريّة والديمقراطيّة. وعن السياسيّ مصطلحًا وتاريخًا يَحسنُ مراجعة

ما كتبه كريستيان مايير:

Christian Meier, The Greek Discovery of Politics , David McLintock (trans.), (London: Harvard: Christian Meier University Press, 1990): «The Concept of the Political», pp. 11-19.

((4(يحسُن التنويه هنا بأنّ «حريّة الضمير» وإن كانت من تفاصيل مبحث للحريّة، فهي دعامة لا غنى عنها للمجتمع والدولة في

الفلسفة السياسيّة المعاصرة. إنّها، من جهة، منتوج مباشر للاعتراف، وهي، من جهة ثانية، نُزوع مَدنيّ نحو جعل الأخ قاا الفرديّة

مَدخلً إلى ما سمّاه جوسلين ماكلور «التعدّديّة الأخلاقيّة » pluralisme moral(). والتعدّديّة الأخلاقيّة التي تعني تعايش الأفراد في

فضاء واحد على الرغم من انتماءاتهم إلى أديان ومذاهب ورؤى مختلفة ومتناقضة لا تكون إلا داخل دولة المواطنة؛ حيث يكون

التسامح قيمةً عليا. ولا خلاف حول ما يُحدثُه الاختلاف بين الناس خارج هذه الدولة. للتوسّع راجع:

Jocelyn Maclure & Charles Taylor, Laïcité et liberté de conscience (Canada: Boréal, 2010).

(4((يُعدُّ الاعتراف مُكوّنًا رئيسًا في الفلسفة السياسيّة المعاصرة. وهو في الأساس مبدأ أخلاقيّ، مجالُه الكفاح من أجل أن يفتكّ

الفرد من الآخَرين اعترافًا به. وينتج من تحقّقه ثلاثة مكاسب؛ وهي الثقة بالنفس والاحترام والتقدير. وبقطع النظر عن السياقات التي تبلور فيها هذا المفهوم بدءًا من فلسفة هيغل، ومرورًا بكتابات مدرسة فرانكفورت وخاصّة كتاب أكسل هونيث Axel Honneth

الصراع من أجل الاعتراف La lutte pour la reconnaissance، والفردانيّة على نحو من الأنحاء ثمرة من ثمرات مبدأ الاعتراف.

ويحسنُ التنبيه في هذا المقام إلى أنّ الكتابات العربيّة في مسألة الاعتراف قليلة جدًّا. ولا ريبَ في أنّ قلّتَها مؤشّر سلبيّ يدلّعلى

فراغ يتجاوز مسألة الكتابة إلى مسألة محدوديّة الوعي بأهميّة الاعتراف قيمةً تتهاوى بفضلها جميع أشكال التمييز.

2. المواطنة بديلًا

في ضوء ما تقدم يتأكد أمران؛ أما الأول فهو أن الدولة العربية في عمومها، على الرغم من الخطاب الذي تروجه حول انتمائها إلى الحداثة، وعلى الرغم من النصوص التشريعية الكثيرة الدافعة في هذا الاتجاه، لم تشهد اختراقاتٍ كبرى فتتغير بنيتُها المغلقة والمستبدة. وأما الثاني فهو أن العقل التحديثي العربي لم ينجح بَعدُ في بناء روح حداثية عمومية/ أفقية تنتقل بها قطاعاتٌ واسعة من الناس والثقافة من الخضوع لقواعد النظام القيمي القديم، إلى أفقِ نظامٍ قيمي حداثي. ويبدو أن ما رآه وائل حلاق في عمله البحثي الجاد ليس دقيقًا لما قال وهو يقارن بين زمنيِ المسلمين القديم والحديث: «لقد تغلغلت في العالم الإسلامي الخطابي وأشكال معرفته توصياتٌ أخلاقية وسلوك أخلاقي أملته الشريعة، بينما تنتشر فيه الآن النزعة الوضعية والسياسة والسياسي، إضافة إلى مفاهيم المواطَنة والتضحية السياسية». ولعل الأسلمَ هو الذهابُ إلى أن المفكرين الحداثيين العربَ اليوم لئن افتكوا قطعة من مساحة الفكر الإسلامي التقليدي، واستطاعوا أن يجعلوا من حرية الفرد ومدنية الدولة بؤرة نشاطهم المعرفي والأيديولوجي؛ لم يتمكنوا من جَعلِ مشروعهم النخبوي مشروعًا عموميًا. إن النضال الحقوقي من أجل الفرد ليس

إلا بدايةً في طريق شاقة وطويلة من أجل بناء المُواطن؛ فالأمرُ يحتاج إلى ما هو أهم، وهو النضال

الفلسفي من أجل الفردانية من جهة، والنضال المدني من أجل ميلاد الفرد-المواطن من جهة ثانية. لم تكن المواطنة، تاريخيًا، مشروعًا ذا أولوية في أدبيات التمدن، وكانت عملياتُ استدعائها خاضعةً

لآلية البحث عن الأشباه والنظائر من أجل ممارسة «لعبة» التأصيل الشكلي التي يتفانى في الوفاء لها العقل القياسي. كان يكفي مُنتَسبِي هذا العقل العثورُ على عبارة «وطن» في المعجم، أو الوقوع على نص مثل «حب الوطن من الإيمان» ليقع الإعلان عن الظفر بأصول للوطن والمواطنة في التراث. ونعتقد أن هذا النوع من التفكير عاجز عن استيعاب تاريخية المُواطنَة، وغيرُ قادر على العبُور المعرفي

من إبستمية إلى أخرى. وعمليات التركيب أو المُجاورة التي تتساكن بها الإبستميتان داخل هذا العقل لا تزيد على أن تكون إعلانًا عن أزمة حقيقية يتخبط فيها من دون أن يعيَ تهديدَها لنوع الشخصية

المُرَاد إنتاجها. وربما يزداد الأمر تعقيدًا حين تنزع بعض المشاريع الفكرية العربية في مقاربتها مسألةَ الحداثة عمومًا

ومسألة المُواطنة خصوصًا إلى إخضاعهما لِمَا صار يُعرَفُ بالأسلمة. وعادةً ما يكون ذلك باستحداث

مساحاتٍ طرَفية Périphérique حول هذه المسائل، ثم العمل على سَحبِها إليها بدعوى ترقية أدائها،

وتغذيتها بمعيار قيمي لم يكن مُتاحًا لها في بيئتها الأولى. نقصد، على سبيل المثال، ما يطرحه طه عبد الرحمان وهو ينقد الحداثة الغربية ويبشر بالحداثة الإسلامية؛ فمما قاله في إطار ما سماه «التوسع المعنوي»، وهو ما عبرنا عنه بالترقية، هذا المقطع الذي نود أن نتوقف عنده قليلً: «لا مجال يحتمل أن يتجلى فيه التوسع المعنوي مثل تجليه في الارتقاء ب ‘المواطنة’ إلى رتبة ‘المؤاخاة’، فمعلوم أن المواطنة تتحقق في سياق امتداد الحداثة إلى كل جوانب الحياة المادية للفرد، أي أن المواطن لا يكون كذلك،

((4(حلاّق، ص.186

حتى تسع الحداثةُ كل مناحي حياته المادية. والمؤاخاة تعلو على هذا، إذ هي اتساع الحداثة للمناحي الروحية لحياة الفرد، فضلً عن مناحيها المادية. كما وجدنا أنه لا مجال يحتمل أن يتبدى فيه التعميم الوجودي مِثل تبديه في الارتقاء ب ‘التضامن’ إلى رتبة ‘التراحم’ »[...]. هذا التصور الأخلاقوي للحداثة الغربية والقيم المصاحبة لها ليس جديدًا؛ فهو إعادة إنتاجٍ لأطروحةٍ معروفة مفادُها أن الغرب مادي والشرقَ روحي، وأن مشكلة الغرب تكمن أساسًا في ابتعاده عن الأخلاق. والحقيقة أن هذا الطرح غير دقيق لأن الأخلاق تجليًا ومفهومًا ومَرجِعًا تتعدد وتتنوع بتعدد المنطلقات

والتصورات وتنوعها. والعمل على حَصرِ الأخلاق في الدين فقط مُجَانِبٌ للصواب لأن الأخلاق

مثلما تكون دينيةً تَكون كذلك دنيوية وضعيةً. وأما الطريقة المقتَرحةُ لِتجاوز مادية الحداثة الغربية ومُرفَقاتِها فَتخليقُهاMoralisation بالأسلمة. وهكذا يتم الاستنجاد بالرصيد المعجمي الإسلامي،

لِتُصبح المواطنة «مؤاخاة» والتضامن «تراحمًا»، في عملية إبدالية غير مفهومة حين نستحضر معنى البناء النسقي للحضارات الذي أفَضنا في التركيز عليه في مواقع سابقة من هذه الورقة. صحيح أن طه عبد الرحمان تَوقعَ أن يُوَجهَ إليه مِثلُ هذا النقد، فقدم رؤيتَه التي تقوم على أن الحداثة تتعدد بالتطبيقات، وأن ما يحياه الغرب هو تطبيق من ممكنات أخرى، لذلك وجب أن لا يكون ذاك التطبيق هو الفهم الوحيد. وبناءً على ذلك يُصبِحُ مشروع أسلمة الحداثة مُمكنًا آخرَ له من المشروعية

ما للمنوال الغربي. وإذ «يُؤَسلِمُ» طه عبد الرحمان الحداثة والمواطنَة بعمليات الإبدال المذكورة؛ لا يُقدمُ فعليًا إلا مشروعًا نَقضيًا لهما وليس توسيعًا للمعنى بالترقية والتهذيب والتشذيب؛ فهو، بما

يقترحه، يعود إلى ما قبل زمن الحداثة والمواطنة، ف «المؤاخاة» قيمةٌ مَجالُ إبستميتها الجماعةُ على المعنى الوارد في هذه الورقة، وهي قيمة مثالية في علاقة بالسعادة المفارقة لقوانين العمران ونسبية الخير وحدود الفضيلة، وهي القيمة التي لم تصمُد حين الاختبار؛ فقد رأيناها في السياق الأخلاقي الإسلامي الذي تتبعنا أثرَها فيه تتلاشَى فور أن فكر المسلمون في التنظّم على قاعدة السياسة. وعلى

ذلك قِس قيمةَ «التراحم». إن المجتمعات، وهي تدخل مجال السياسة ومنطق الدولة، تنتقل وجوبًا إلى صِيَغٍ من العيش تُرتبُها

آلياتُ التعاقد وتَسهر على رعايتها ضوابطُ قانونيةٌ وعلاقات وضعية. ولا شك في أن الدولة الحديثة التي تكون فيها المُواطنَةُ (وليس المؤاخاة) في أعلى المراتب، تبتدع باستمرار من معقولها الداخلي

أدواتٍ لتوزيع الأدوار وتنظيم علاقات القوة. وبهذا، فهي في بنائها الذاتي تُنتِجُ أخلاقيتَها الخاصة بها من دون أن تكون في حاجة إلى أخلاق تُضَخ فيها من الخارج.

(4((طه عبد الرحمن، روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإس ماايّة (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافيّ العربي،

2006)، ص.210 ((4(هكذا يُضيف: «المؤاخاة إنّما هي المواطنة وقد تأسّست على القيم الأخلاقيّة التي تَنزل أعلى الرُّتب». انظر: المرجع نفسه،

ص.213 ((4(المرجع نفسه، هامش 1، ص.213

لئن كانَ دفاع طه عبد الرحمن عن الأخلاق الدينية أو عن كون الأخلاق واجبةَ النفاذ لصدورها عن الله دفاعًا تُشرعُه المنطلقات التي صدر عنها، فإن تَوسعَه في ذلك لنَقضِ أطروحة استقلال الأخلاق

عن الدين التي اشتهر بها طائفةٌ من الفلاسفة وخاصة ديفيد هيوم Hume David يَدفَعُ به إلى ساحاتِ

جدَلٍ عقيم؛ فاختلاف المقدمات يقود حتمًا إلى اختلاف النتائج؛ فللحداثة مقدماتُها المعلومة

ونتائجها المعلومة أيضًا. وبهذا يلوح الإكراه المسلط عليها من أجل تديينها أو تخليقها أشبهَ بالسطو أو الاختطاف نظرًا إلى أن الحداثة على نحو من الأنحاء دين وأخلاق، ولكن في سياق وضعي. ما نستخلصهُ إذًا هو أن مثل هذه المقاربات تَكشفُ عن إشكالات معرفية ومنهجية في التعامل مع القيم الحديثة وخاصة قيمة المُواطَنة. فالمواطنة، كما سبَق البيان، نشأت في سياقات معينة وداخل منظومة

قيم وتصورات حول الدولة والجماعة والفرد والحرية والاستقلالية والاعتراف والعيش المشترك... إلخ، وهي في كل ذلك مُخالِفة أو معارِضةٌ مسألةَ الجماعة كما بلورها النسق الإسلامي القديم. وأن تكونَ المُواطنَةُ هُويةً على وجه الحصر؛ فذاك لأنها، في إطار المعقولية التي أنشأتها، تتسِعُ للجميع

وتستوعبُ الاختلاف والتناقض والتنوع. وهي، لهذا المعنى تحديدًا، تتفوق من جهة الأداء وإدارة

العلاقات الخاصة والعامة على ما سبقها من أنماط الولاء والانتماء القائمة على معايير الدين أو الجنس أو القبيلة أو الطائفة. وقد ذهبنا، بسبب ذلك، إلى أن المُواطنةَ لم تكن مشروعًا ذا أولوية في أدبيات

التمدن العربي. ومُؤدى هذا أنه ينبغي الإقرار من دون مُواربَةٍ بأن «المواطنة قيمة حديثة، لها جذورها

التاريخية لا محالة، ولكنها فَرضت نفسها منذ بروز القوميات الأوروبية خلال القرن التاسع عشر، ولم تكن البلاد الإسلامية تعرف معنى الوطن كما برز في هذا العصر [...] فمفهوم المواطنة وليد ظروف سياسية واقتصادية وثقافية جديدة طرأت على البلاد العربية». وهذا يعني أن المواطنة حين تكون نتيجةَ سياقات فلسفية ودينية وأخلاقية؛ لا يمُكن استثمارها استثمارًا فعالً إلا بتوفير المناخات

الملائمة لها. وأخيرًا، لا نرى أن المُواطَنةَ هي الحل السحري الذي يتحرر به العربُ اليومَ من سريان ثقافة الراعي

والرعية في كثير من مناحي حياتهم، ولكننا نعتقد أن نصيبًا غَيرَ يسير من مشكلاتهم التاريخية والسياسية

والإبداعية مَرجِعُه إلى غياب المُواطنَةِ تصورًا وإجراءً. فقد نتج من غيابها تصورًا تضخمُ مكانةِ الحاكم

على حساب المحكوم، وسيطرةُ أخلاقِ الطاعة والولاء مقابل انسحاق الوجود الفردي المستقل

للإنسان، ونتج من غيابها إجراءً تفقيرٌ واسع وخطير للفضاء العمومي، فانعدمَت مُقتضَياتُ بناءِ علاقاتٍ

((4(راجع اعتراضات طه عبد الرحمن على الفلاسفة الذين يُنكرون علاقة الوجوب بالوجود (الله - الأخ قاا) في كتابه: سؤال

الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقيّ للحداثة الغربيّة (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافيّ العربي، 2000)، ص.51-40

((4(يقول برهان غليون في هذا الصدد: «إنّ المواطنيّة تقوم على نظام يعترفُ بالتناقض والخلاف في المصالح الاجتماعيّة ويسهر

على ضبط وتنظيم هذا التناقض عن طريق تطوير وسائل الحقّ والقانون». انظر: برهان غليون، نقد السياسة الدولة والدين (الدار

البيضاء/ بيروت: المركز الثقافيّ العربيّ، 2007)، ص.154

(5((كمال عمران، الثقافة الإسلاميّة: مظاهر من التجريب والتجريد (تونس: الدار التونسيّة للنشر، 1992)، ص 156.

((5(للتوسّع في هذه السياقات راجع:

Paul Magnette, La citoyenneté: une histoire de l’idée de participation civique (Paris: Bruylant, 2001).

أفقية متوازنة قائمة على تعاقُد تُحفظ به الحقوق والحريات، ويُصان داخله التعددُ والاختلاف. والذي

لا شك فيه أن المُواطنةَ، بوصفها مُلتقَى القيم المدنية، تُوفرُ إمكاناتٍ حقيقيةً للقطع مع الأخلاقية

التقليدية وتُقدمُ مِنوالً ناجعًا لبناء الفرد والمجتمع والدولة. والراجح أن عمليات التركيب والتأصيل

والأسلمة التي تدور على المواطنة تَكشفُ، ولكن بحياءٍ، عن اعتراف غير مُعلَن بأن ما كان يوفره النظام

المعرفي والقيمي القديم ما عاد اليوم قادرًا على تلبية متطلبات الواقع أو فَض مشكلاته.

الخاتمة

كانت مسألة التنظم الأخلاقي والاجتماعي والسياسي التي تضبطها مجموعة من «القوانين العمرانية» قد دفعت هذه الورقةَ في اتجاه تبني المقاربة الثقافية التي تدافع عن أطروحة البنى الحضارية الهُوَوية

المغلقة، أكثرَ من ميلها إلى المقاربَة التاريخية التطورية التي تدافع عن أطروحة مُراكمة التجارب

وتطويرها. وأدى هذا الاختيار إلى القبول بفكرة أساسية وهي أن التحولات النوعية العميقة في بنَى المجتمعات والثقافات وشبكات القيم لا تكون إلا بالقطيعة؛ فهي التي تُنهِي معقولية زمنٍ وتَمنحُ الزمن

الجديدَ معقوليتَه وشرعيتَه. وتوقفت الورقةُ، بناءً على هذا التمشي، عند كثير من الملاحظات والتساؤلات والاستنتاجات التي

تخص البناء القيمي الذي أفرزته أخلاقية الجماعة، وحدودَه، والمُتاحَ التاريخي اليوم أمام العرب

لتجاوز معضلات التخلف التاريخي والاجتماعي والسياسي. وحاوَلنا في مستوى أولَ أن ننجز قراءة تاريخية ثقافية للكشف عن الأخلاقية الإسلامية من خلال دراسة جدلية الديني والسياسي في التجربة الإسلامية الكلاسيكية، وقراءةً تحليلية نقدية في مستوى ثانٍ للمسار الذي تَشكلَ داخله الفكرُ العربي الحديث والمعاصر وهو يبحثُ عن المنوال السياسي

والأخلاقي الذي يقتَرحُه للاندراج في الزمن الحداثي. وكانت أطروحةُ الأنساق الحضارية الاختيارَ

المعرفي والمنهجي الذي ارتضيناهُ أفقًا عامًا لتحريك مجموع الأفكار التي أثثَت هذه الورقة. ويُتبَينُ

من خلال هذه المحاولة لِفهم طريقة عمل الأنساق الحضارية أن أخلاقية الجماعة غيُر أخلاقية الفرد. كانت الجماعة محكومةً بأخلاق الطاعة، ووقع التعويل على استدعاء كل ما يُحقق هذه القيمة وما يَنتج منها؛ مثل مكارم الأخلاق والمعروف والجزاء في سياق ديني ابتداءً، وسياق سلطاني رعوي انتهاءً،

بحيثُ حلت أخلاقية الرعية محلها، وسيطر مجال الراعي على كل مساحات الفعل والسلطة والقدرة والقوة، مسنودًا بأدباء المرايا وفقهاء السلاطين ومؤرخي دولة الغلَبة. وأما ما يُحدد شرط وجود الفرد

وغايته فهو الحرية في سياقها الإنسي؛ فقد رأينا أن الفردانيةَ كانت مَعبَرًا إلى مركزية الفرد في الكون

ابتداءً، وإلى المدنية انتهاءً، ففي إطارها كانت تُولَدُ التوافقات وتوضَعُ قواعد العيش المشترك في ظل

مبدأ الاعتراف وتحت سقف المواطنة بما تمثله من معاني الوضعنة في مجال القيم. وتوقفت الورقةُ عند معضلةِ انحباس المدونة السياسية الإسلامية الرسمية في دائرة أخلاق الطاعة، وتنمية مجال الاستبداد السلطاني. ورأيت أن المعقولية التي تتحكم في كل ذلك عرَفت بعضَ الاختراقات في

القرن التاسع عشر أولً، ومع الدولة الوطنية بعد ذلك. وبرزت منذ ثمانينيات القرن العشرين اتجاهاتٌ فكرية حداثية، لكن العوائق كانت أكبرَ من الجهود المبذولة. ورجحنا، ونحن نفحص الأسبابَ، أن

تكونَ تسربات الحداثة إلى البلاد العربية في أغلبها إما مقطعةَ الأوصال لا ناظمَ لها أو مُهجنَةً بتأويلات

شكلية في التأصيل والأسلمة. لذلك، ظلت أخلاقية القديم متساكنة على نحو غير معقول مع ما وصلَ

متناثرًا من أخلاقية الحداثة. وقدرنا أن هذا المأزق سيستمر في إفساد مشروع المواطنَة قيمةً مُوضعَنةً

وأن تجاوزَه لن يكونَ إلا بتحولات كبرى في الوعي بالتناقض الكلي بين إبستمية الجماعة وأخلاق الطاعة وإبستمية الفرد وأخلاق الحرية.

المراجع

References

العربية

ابن الأثير، علي بن محمد. النهاية في غريب الحديث والأثر. تحقيق أحمد بن محمد الخراط. الدوحة: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، د.ت. ابن مسكويه، أحمد بن محمد. تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق. تحقيق نواف الجراح. طرابلس: دار الوعي،.2005 ابن منظور، أبو الفضل. لسان العرب. بيروت: دار صادر، د.ت. أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم. كتاب الخراج. بيروت: دار المعرفة للطباعة والنشر،.1979 أركون، محمد. نزعة الأنسنة في الفكر العربي: جيل مسكويه والتوحيدي. ترجمة هاشم صالح. بيروت: دار الساقي،.1997 الألباني، محمد ناصر الدين. صحيح سنن النسائي. الرياض: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، 1998. أندرسن، بندكت. الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها. ترجمة ثائر ديب. بيروت: قدمس للنشر والتوزيع،.2009 بيندي، جيروم وآخرون. القيم إلى أين؟ ترجمة زهيدة درويش جبور وجان جبور. تونس: المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون بيت الحكمة،.2005 جعيط، هشام. الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر،

الحسني، عبد الحي. تهذيب الأخلاق. تحقيق عبد الماجد الجوري. دمشق: دار الفارابي،.2002 حلاق، وائل. الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة مأزق الحداثة الأخلاقي. ترجمة عمرو عثمان. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014

الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن عبد الصمد. المسند الجامع. تحقيق نبيل بن هاشم الغمري. مكة: دار البشائر الإسلامية،.2013 دياني، مراد. «اتساق الحرية الاقتصادية والمساواة الاجتماعية في نظرية العدالة أو استقراء معالم النموذج الليبرالي المستدام لما بعد الربيع العربي». عمران. العدد).2013(5 السيد، رضوان. الأمة والجماعة والسلطة: دراسات في الفكر السياسي العربي. بيروت: جداول للطباعة والنشر والتوزيع،.2011 عبد الرحمن، طه. روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.2006 ________. سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.2000 عبد اللطيف، كمال. في تشريح أصول الاستبداد: قراءة في نظام الآداب السلطانية. بيروت: دار الطليعة،

العلام، عز الدين. الآداب السلطانية: دراسة في بنية وثوابت الخطاب السياسي. سلسلة عالم المعرفة. العدد 324. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، شباط/ فبراير.2006 عمران، كمال. الثقافة الإسلامية: مظاهر من التجريب والتجريد. تونس: الدار التونسية للنشر،.1992 الغزالي، أبو حامد. التبر المسبوك في نصيحة الملوك. ضبط وتصحيح أحمد شمس الدين. بيروت: دار الكتب العلمية،.1988 غليون، برهان. نقد السياسة: الدين والدولة. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2007 الماوردي، أبو الحسن. الأحكام السلطانية والولايات الدينية. خرج أحاديثه وعلق عليه خالد العلمي. بيروت: دار الكتاب العربي،.1990 ________. نصيحة الملوك. تحقيق خضر محمد خضر. الكويت: مكتبة الفلاح،.1983 النيسابوري، مسلم. صحيح مسلم. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. بيروت: دار الكتب العلمية،.1991

الأجنبية

Arkoun, Mohammed. L'Humanisme arabe au IVe (Xe) siècle: Miskawayh, philosophe et historien. Paris: J. Vrin, 1970. Bertaux, Daniel. «Individualisme et modernité.» Espaces Temps. no. 37 (1988). Birnbaum, Pierre & Jean Leca. Sur l’individualisme. Paris: Presses de Sciences Po.,

Burdeau, Georges. Le libéralisme. Paris: Seuil, 1979. De Singly, François. L’individualisme est un humanisme. Paris: éditions de l’Aube,

Debray, Régis. Critique de la raison politique. Paris: Gallimard, 1981. Dumont, Louis. Essai sur l’individualisme: Une perspective anthropologique sur l’idéologie moderne. Paris: Seuil, 1983. Durkheim, Emile. L’éducation morale. Paris: PUF, 1974. Foucault, Michel. Les mots et les choses. Paris: Gallimard, 1966. ________. The Tanner Lectures on Human Values. vol. 2. Salt Lake City: University of Utah Press, 1981. Laurent, Alain. Histoire de l’individualisme. Paris: PUF, 1993. Lewis, Bernard. The Political Language of Islam. Chicago: University of Chicago Press, 1988. Maclure, Jocelyn & Charles Taylor. Laïcité et liberté de conscience. Canada: Boréal,

Magnette, Paul. La citoyenneté: une histoire de l’idée de participation civique. Paris: Bruylant, 2001. Marshall, Thomas Humphrey. Citizenship and Social Class: And Other Essays. Cambridge: University Press, 1950. Meier, Christian. The Greek Discovery of Politics. David McLintock (trans.). London: Harvard University Press, 1990. Rémi-Giraud, Sylvianne & Pierre Rétat. Les mots de la nation. Lyon: PUL, 1996.