العودة إلى تفاصيل المؤلَّف التاريخ الطبيعي للدين في فلسفة ديفيد هيوم

التاريخ الطبيعي للدين في فلسفة ديفيد هيوم

Religion and Reason: David Hume’s Critique of Religion

حمادي أنوار *

Hamadi Anouar *

((6(

الملخّص

إن البحث في إشكالية التاريخ الطبيعي للدين تستوجب محاولة الإجابة عن سؤال، هو: كيف نفكر في الدين من منظور فلسفي وعقلاني، بعيدًا عن التأريخ له من قلب الدين نفسه؟ ومحاولةً للإجابة عن هذا الإشكال، فقد اعتمدنا في بحثنا هذا على تصور أحد رواد الفلسفة الحديثة، وهو الفيلسوف التجريبي ديفيد هيوم الذي كان من أكبر أعداء الدين والميتافيزيقا، وأحد زعماء النزعة الشكية. وبناءً على توجهه الفلسفي هذا، تطرقنا إلى مجموعة من القضايا والإشكالات، من أهمها: أصل الدين ونشأته، والمقارنة بين التوحيد والوثنية من حيث الأسبقية التاريخية، والتسامح الديني ومدى حضوره أو غيابه في الأديان جميعها، ثم صورة الإله بالنسبة إلى الإنسان المؤله وتأثيرها في تمثّله لذاته ونظرته إلى العالم.

Abstract

Abstract: Researching the dilemma of the natural history of religion poses the following question: How do we think of religion from a philosophical and rational perspective, away from its history at the heart of religion itself? As an attempt to answer this problem, this research adopted the vision of the pioneer of modern philosophy, the Empiricist philosopher David Hume, who was one of the greatest critics of religion and metaphysics and one of the leaders of skepticism. Based on this philosophical standpoint, this research addresses a number of relevant issues including the origin of religion. The study further discusses the comparison between monotheism and paganism in terms of historical precedence and the extent of religious tolerance in all religions. The paper discusses also the representation of God in relation to the divine human and its impact on their self-representation and worldview.

الكلمات المفتاحية:
  • الدين
  • التوحيد
  • الوثنية
  • التاريخ الطبيعي
  • هيوم
Keywords:
  • religion
  • Monotheism
  • Natural History
  • Hume

حمادي أنوار | Hamadi Anouar * ((6(

Religion and Reason: David Hume’s Critique

of Religion

نفسه؟ ومحاولةً للإجابة عن هذا الإشكال، اعتمدنا في بحثنا هذا على تصور أحد رواد الفلسفة الحديثة، وهو الفيلسوف التجريبي ديفيد هيوم الذي كان من أكبر أعداء الدين والميتافيزيقا، وأحد زعماء النزعة الشكية. وبناءً على توجهه الفلسفي هذا، تطرقنا إلى مجموعة من القضايا

والإشكالات، من أهمها: أصل الدين ونشأته، والمقارنة بين التوحيد والوثنية من حيث الأسبقية التاريخية، والتسامح الديني ومدى حضوره أو غيابه في الأديان جميعها، ثم صورة الإله بالنسبة إلى الإنسان المؤله وتأثيرها في تمثّله لذاته ونظرته إلى العالم.

المغرب.

PhD Student in Philosophy at «Ben M'sik» Faculty of arts and humanities, Hassan II University of Casablanca, Morocco.

مقدمة

لطالما صوّر مؤرخو الفلسفة والعلم العصرَ الحديث على أنه عصر الاهتمام بالطبيعة والإنسان،

على عكس العصور الوسطى التي اشتهر فلاسفتها بالبحث في الدين، بوصفه قضية جوهرية في ذلك الوقت. لكن المتأمل أعمال أشهر الفلاسفة الذين أثثوا المشهد الفلسفي في العصر الحديث، من قبيل: بيكون، وديكارت، وهوبز، وباسكال، وسبينوزا، وجون لوك، وبركلي، وهيوم، وفولتير، وكانط، وغيرهم كثير، يرى بوضوح أن الدين كان من بين القضايا المحورية لديهم. وفور الكلام على الفلسفة الحديثة في أوروبا يتبادر إلى الأذهان اسم فيلسوف كبير، كان له الأثر العظيم في مسار الفلسفة الغربية، بل في التفكير الفلسفي عمومًا، كيف لا وهو الذي أيقظ كانط من سباته الدوغماطيقي؟ إنه الفيلسوف الإسكتلندي الإنكليزي ديفيد هيوم (1776-1711)، الذي ترعرع في أسرة متدينة، وتشرّب في طفولته لاهوت جون كالفن، فكان ملتزمًا ومواظبًا على صلواته وشعائره

الدينية، إلى أن بلغ مرحلة الشباب، ليتخلى عن إيمانه الديني، عقيدة ومذهبًا، متأثرًا بأعمال جون لوك

وكلارك. إلا أن تحوله العقائدي هذا، نقله من ناسك ومتعبّد إلى مفكر وباحث في الدين. فقد عمل

على إخضاع جل القضايا الدينية لمحك العقل والبرهان والاستدلال؛ فكانت النتيجة وقوعه في براثن الشك الذي بنى عليه موقفه المعارض للميتافيزيقا. إن اهتمام هيوم بالدين لم يكن اهتمامًا عرضيًا أو نابعًا من ترف فكري فحسب، بل نكاد نقول: إن

دراسته للدين تُعد من أهم الكتابات الفلسفية في الدين الطبيعي، من جهة، وفي فلسفة الدين، من جهة أخرى، على الرغم من أن مفهوم «فلسفة الدين» كاصطلاح لم يظهر، تاريخيًا، إلا مع كانط وهيغل.

نقول إذًا: إن أعمال هيوم حول الدين تعدّ من أبرز المساهمات ذات البعد العقلي والفلسفي التي ما زال تأثيرها حاضرًا بقوة إلى يومنا هذا. وتتلخص هذه الفلسفة في ثلاثة أعمال رئيسة، هي: كتاب محاورات

في الدين الطبيعي Dialogues Concerning Natural Religion، وكتاب التاريخ الطبيعي للدين The Natural History of Religion، وقسمان مهمّان من كتابه الشهير مبحث في الفاهمة البشرية

.An Enquiry Concerning Human Understanding

وسنعمل في هذا البحث على بيان الكيفية أو المنهجية التي تعاطى بها هذا الفيلسوف مع القضايا الدينية، خصوصًا في حديثه عن تاريخٍ طبيعيٍّ للدين، يحاول من خلاله الإجابة عن سؤال مركزي؛

هو: لماذا يؤمن الإنسان بإله ما؟ أو بتعبير آخر، ما العلة أو الدافع وراء التدين؟ ومحاولةً للإجابة عن هذا السؤال المركزي في كل فلسفةٍ للدين، نجد أن هيوم قد ركن إلى دراسة الظاهرة الدينية بناء على تاريخها الطبيعي، وعلى العلاقة التي يقيمها المتدين بالإله، أو بتعبير أدق بالصورة الرمزية التي يجسده فيها؛ ما ينعكس على مكانة كليهما داخل الجماعات الدينية وقيمته. بهذا المعنى، نقول: إِنه سار على خطى جون لوك القائل بالأصل التجريبي لفكرة الإله، موجهًا بذلك ضربة قوية للمذاهب العقلية

(((محمد عثمان الخشت، الدين والميتافيزيقا في فلسفة هيوم (القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، د. ت.)، ص.7

(2) David O’Connor, Hume on Religion (London: Routledge Philosophy Guide Books, 2001), p. 7.

والميتافيزيقا في الدين. وقد نهل من التوجه الطبيعي لفرنسيس بيكون وطوماس هوبز، كما كان رافضًا لأي برهان أنطولوجي أو سببي على وجود الإله، على غرار ما نجد لدى ديكارت، أو كما جاء في فلسفة كل من سبينوزا ومالبرانش ولايبنتز، وهو تقريبًا ما يجسد الصورة نفسها عن إله الفلاسفة بوصفه

ذلك الموجود الذي هو «علة ذاته» sui causa. من هنا سنركز في دراسة معالم أبحاث هيوم ومعطياته في التاريخ الطبيعي للدين ومناقشتها في ضوء العناصر الكبرى التالية: • التاريخ الطبيعي للدين. • سؤال أصل الدين والتسامح الديني بين التعددية والتوحيد. • الدين المفارق والصورة الرمزية للإله. • مكانة الإله والإنسان داخل الدين.

أولا: كيف نفكر ونبحث في الدين؟

إن التفكير والبحث في الدين لا ينفصلان عن البحث في الإنسان، بل في الجانب الأشدّ غموضًا وإشكالً في بنيته بوصفه كائنًا متديّنًا، ميتافيزيقيًا، عاقلً، اجتماعيًا، سياسيًا... إلخ. فحينما نتحدث

عن فعل التفكير أو البحث، فإننا نقصد بذلك فعل العقلنة والترشيد، لكن الأمر يغدو عصيًا إذا كنا

بصدد عقلنة ما لا يقبل العقلنة من أصله؛ لأن مشكلة الدين أو مشكلة التأليه، كما أشار إلى ذلك عديد من الفلاسفة والمفكرين، تبقى مشكلة شخصية متعلقة بإرادة الإنسان في الاعتقاد، وفق لغة وليام جيمس. وهو ما نجد له الصدى ذاته عند كانط؛ الذي بيّن أن العقل لا يسعفنا في حسم هذه

المشكلة، لا بالإثبات ولا بالنفي؛ كون هذا العقل النظري بطبيعته عاجزًا عن إدراك ما هو ميتافيزيقي. في هذا الإطار من البحث يمكننا أن ندرج تصور هيوم للدين، بوصفه ممن درسوا الدين وتاريخه بعيدًا عن التقديس، وفي منأى عن النصوص الدينية وما تفرضه من هالة وسلطة على من يدرس الدين ويفكّر فيه، وفي الحصيلة، نلمس معنى «التاريخ الطبيعي»، أي التاريخ المحايث، مقابلً للتاريخ «فوق الطبيعي» أو المقدس والمتعالي للدين. يرى هيوم أن دليل معظم الناس على وجود الإله، لا يكمن في إعجاز الخلق وعظمة المخلوقات بعدّها صورة لعظمة صانعها - لأن الإنسان قد تعوّد ذلك منذ القدم، ولم يعد يثير في نفسه أي رهبة أو إعجاب –

وإنما في تلك الوقائع والظواهر المفاجئة، كالموت والجفاف والبرد والأمطار والزلازل، وغيرها؛ فهي التي تقذف بفكرة الإله في ذهنه. كما تدل على العناية الإلهية المتحكمة في الكون؛ إذ تسيره وترسم معالمه وفق خطة محكمة ومسبقة الوضع؛ وهو ما جاء كبرهان رئيسٍ يدعم موقف التوحيد. ونشير،

(((وليم جيمس، العقل والدين، ترجمة محمود حب الله (بيروت: دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، د. ت.)، ص.5

هنا، إلى أن برهان النظام، أو ما بات يصطلح عليه ببرهان التصميم الذكي، يعد من أوضح الأدلة التي جاء بها المؤلهة للاستدلال على وجود الإله، على الرغم من الانتقادات التي تناولته؛ ما يعني أن قول هيوم هذا يفتقد إلى كثير من الصحة، حتى إن البديل الذي طرحه يعد، على العكس، حجة ضد التأليه وليس حجة لمصلحته؛ إذ يطعن في مسألة العناية الإلهية، ويكرس الفكرة التي تقوم على شرّانية الكون

التي قال بها عديد من الفلاسفة منذ أبيقور، وغيره من الربوبيين والملاحدة. إننا نرى أن الإيمان بالتوحيد يزداد لدى الإنسان كلما أعمل عقله وفكره جيّدًا، وكلما وسّع دائرة نظره،

وابتعد عن الخرافة والأوهام التي لازمت التصورات الدينية القديمة منذ مهد البشرية. وحينما نتحدث عن التوحيد، فإننا نقصد، هنا، التأليه والتدين في معناه العام والمفارق؛ أي إيمان الإنسان واقتناعه بوجود علة أولى وراء هذا الكون، هي التي أوجدته. ونستحضر هنا مقولةً للفيلسوف الإنكليزي فرنسيس بيكون، هي: «قليل من الفلسفة يجعل الناس ملحدين، وقدر كبير منها يحملهم على القبول بالدين». ويلتقي هذا التصور بما جيء به في الدين الطبيعي، على أنه أكثر أنماط الدين عقلانية ومنطقًا، وهو دين الفلاسفة والعلماء. ويضيف بيكون قائلً: «قد لا أعتقد بجميع القصص والأساطير التي جاءت بالكتب الدينية ولكن لا يمكن أن أعتقد بعدم وجود عقل مدبر لهذا العالم. إن القليل من الفلسفة ينزع بعقل الإنسان إلى الإلحاد ولكن التعمق فيها ينتهي بعقول الناس إلى الإيمان لأن عقل الإنسان عندما ينظر إلى الأسباب الثانوية المبعثرة قد يتوقف عندها ولا يتجاوزها، ولكن عندما يشاهد تسلسلها واتحادها، واتصالها بعضها بعضًا ينتهي بذلك إلى الإيمان بوجود العناية الإلهية. إن قلة الاكتراث بالدين تعود إلى كثرة المذاهب والانقسامات الدينية التي تؤدي إلى التعصب، كما أن الانقسامات الدينية تؤدي إلى الإلحاد». يمكننا القول إذًا إن الإنسان، عندما يبحث في الدين من دون أن يملك الأدوات والتقنيات والمعارف التي من شأنها أن تسعفه في بحثه هذا، فإنه سيتيه وسيضل سبيله بين كثرة المشارب ووعورة المسالك، وتعدد الأفكار والآراء، واختلاط بعضها بجملة من المغالطات والتلفيقات التي تصدر عن توجهات وأيديولوجيات معينة، وهذا ما يفسر لنا السرعة التي بات الناس ينتقلون بها من الإيمان إلى الإلحاد ومن الإلحاد إلى الإيمان. لذلك، تقتضي المسألة من الباحث كثيرًا من الحذر والتريث والتروّي،

وإفراغ الوسع في انتقاء محكّات للنظر تكون أقوى وأمكن وأدق، على أن يجري إلجام العوام عن الخوض في مثل هذه القضايا التي لن يفيدوا منها، ولن يستفيدوا من دخول غمارها أي فائدة. وهذا ما حاول ديفيد هيوم القيام به إذ أسس دراسته للدين على الطبيعة الإنسانية، وكذا التفاعل

(((نحيل هنا على النقد الذي وجهه الفيلسوف الإنكليزي برتراند راسل لبرهان النظام ومفاده: أل مسوغ للتبجح بإعجاز هذا الكون الذي نعيش فيه وعظمته، لأن ذلك يقتضي منا المقارنة ثم المفاضلة بين مجموعة من الأكوان حتى نستقر على عظمة أحدها ونظامه. في حين أن الواقع يقول: إن هناك نموذجًا واحدًا هو هذا الذي نعيش فيه، وأننا لم نخْبُر غيره حتى ندعي إعجازه.

(((ديفيد هيوم، التاريخ الطبيعي للدين، ترجمة حسام الدين خضور (دمشق: دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع، 2014)، ص.52 (((ول ديورانت، قصة الفلسفة، ترجمة فتح الله محمد المشعشع، ط 2 (بيروت: مكتبة المعارف، 1982)، ص.147

الاجتماعي للفرد، واعتمد على التاريخ المحايث والطبيعي والعادي للدين، محاولًالابتعاد عن التاريخ المفارق والمقدس الذي استحوذ على المناهج القديمة والتصورات التقليدية في مثل هذا النوع من الدراسات. لقد «سعى لتطوير نظرية وضعية في الدين، حدد فيها ما هو أساسي وطبيعي في الاعتقاد الديني، من خلال تتبع تاريخ الدين الطبيعي، الأمر الذي يعني أنه رفض التاريخ المقدس للدين، ونحّى جانبًا التاريخ السامي فوق الطبيعي الذي تقدمه الكتب السماوية، وفي الوقت نفسه

سعى إلى تجاوز أيّة نظرية وضعية قبله بخصوص نشأة الدين وتطوره، وكشفت نتائج هذا السعي عن تفرد وتميز من نوع ما في بحث الظاهرة الدينية»، وهو ما يتضح جليًا لقارئ مؤلفات هيوم، خصوصًا

تلك التي تندرج في هذا الإطار، والتي لم تَخلُ هي الأخرى من النزعة النقدية والشكية والتجريبية المتشددة المميزة لباقي أعماله.

ثانيًا: تاريخ الدين، من التعددية إلى التوحيد

إن البحث الموضوعي في الدين وفي تاريخ الأديان لا يجري إلا باستحضار إطارين مهمين؛ الأول مدى علاقة الدين بالعقل، أي الجانب العقلاني في الدين، والثاني كيفية تجذُّر الدين في طبيعة الإنسان. ولو أخذنا الجانب العقلاني في الدين لألفيناه حاضرًا لدى كل إنسان عاقل؛ فالإنسان، بما هو كائن

ناطق، دائم السؤال عن أصله حتى الأرق، وعن أصل الكون الذي يوجد فيه هو وغيره من الموجودات الأخرى، لكن سلسلة أسئلته تلك تقف عند حد أخير، يسميه المؤله إلهًا، وقد يسميه المادي مادة؛ لكن الأهمّ أن عقل الإنسان يعي تمامًا وجود علة مفارقة هي الأصل الأول والأصيل لهذا الكون. هذا بخصوص الإطار الأول. أما الثاني، فيتضح لنا من خلال البحث في تاريخ الأديان ودراستها الذي يؤكد لنا أمرًا مهمًا، وهو أن الدين خاصية إنسانية متأصلة في طبيعته، وأنه لا يوجد أيّ أمة أو مجتمع

لم يعرف الدين. فقد نجد، كما قال برغسون، شعوبًا لم تعرف الفلسفة أو العلم أو الفن. لكن يستحيل العثور على شعب لم يعرف الدين. وعلى الرغم من هذا الإجماع أو الاتفاق الذي يبدو حاصلً بخصوص الدين، والنابع أساسًا من إيمان الشعوب والأمم، على اختلاف العصور والحقب، بأن وراء هذا الكون قوة محركة وذكية، تتحكم فيه هي علة وجوده، وعلى الرغم من رسوخ هذه الفكرة في أذهان البشر، فإن هناك فرقًا واضحًا في تمثلهم

للإيمان وللشعور الديني أو العاطفة الدينية؛ فأن يعتقد المرء ويؤمن، ويكون له شعور ديني فذاك أمرٌ،

أما تحديد طبيعة هذا الشعور ومكوناته، والتدقيق في صدقه وكذبه، أو البحث عن الدافع المحرك له، فهو أمرٌ آخر لا يدخل في ما ينبغي أن يهتم به دارسو الدين وفلاسفته. وحينما يبحث هيوم في الدين وتاريخ الأديان، فإنه يقسِمه إلى دين كتابي ودين شفهي. ويرى أن الأديان القديمة كانت أديانًا شفوية تنتقل عن طريق التواتر، وتعتمد على الصوت والكلام، وهي أشدّ تفككًا

(((الخشت، ص.7

(8) Henri Bergson, Les Deux Sources de la Morale et de la Religion , 3 ème ed. (Paris Quadrige: PUF, 1988), p. 105.

من الأديان الحديثة التي ترتكز على الكتابة والكتب المقدسة كدساتير تُقيم عليها صرحها. يقول هيوم: «ثمة سبب آخر، جعل الدين القديم أكثر تفككًا من الدين الحديث، هو أن الأول كان شفهيًا والثاني

كتابيًا، والشفهي في الأول كان معقدًا، متناقضًا، وفي مناسبات عديدة ريبيًّا؛ لذلك ربما لا يمكن أن

يقلص إلى أي معيار أو شريعة، أو يتحمل أي مواد حاسمة في الإيمان». فالكلام الشفهي كان دائمًا معرضًا للتلف والضياع، على عكس التدوين والكتابة والتسجيل، فهي الكفيلة بحفظ تراث الأمم

والحضارات، ولهذا لم يكن غريبًا أنّ أقْدَم الشعوب والثقافات التي يخبرنا عنها التاريخ أدق التفاصيل،

ويزودنا بأبسط المعطيات حولها، هي تلك الأمم التي زامنت اختراع الكتابة، وتلك التي أتت من بعدها. إن ما جعل الأديان القديمة ضعيفة ومتهلهلة وأشدّ تراخيًا، اعتمادها على آلهة كثيرة متعددة، وبتعدد

الآلهة تعددت القصص والروايات المحوكة حولها، فضلً عمّا يصاحب الكلام الشفهي من إضافات

وتحريفات وتشويهات تذهب بالمعنى إلى أبعد مدى؛ لذلك فقد بدأ الدين «يتبدد مثل سحابة، متى اقترب منه المرء وتفحصه جزءًا جزءًا. ولم تكن ثمة إمكانية لأن تؤكده أية عقائد أو مبادئ راسخة».

أما الديانات الحديثة، خصوصًا التوحيدية منها، فقد مثّلت الكتابة عاملً مهمًا ساهم في استمرارها

وحفظها، ومكنها من صيانة قواعد كل دين وأسسه. وبغض النظر عمَّا قيل بخصوص تعرض بعضها

للتحريف والتزوير، ومن دون السقوط في الأساليب التفضيلية التي تُعلي عقيدة على حساب أخرى. يؤكد هيوم أن تعدد الآلهة أو الوثنية هو الدين الأول الذي عرفته البشرية. وهو ما يحاول البرهنة عليه اعتمادًا على بعض المعطيات التاريخية والأنثربولوجية؛ إذ يرى أن الإنسانية، قبل سنوات وقرون عديدة، لم تعرف أي دين يمكن أن ننعته بالنقي أو الخالص أو الوحيد؛ ف «بقدر ما نذهب أبعد في العصور القديمة نجد الإنسانية مغمورة في تعددية الآلهة». ولعل الأبحاث التي قام بها رواد النظريات الطوطمية والطبيعية والإحيائية أو الحيوية، إضافة إلى تلك الدراسات التي أنجزها علماء سوسيولوجيا وأنثربولوجيا الدين، مع المجهودات المبذولة من طرف مؤرخي الأديان وعلماء الأديان المقارنة وغيرهم، كفيلة بأن تؤكد لنا هذا الطرح بخصوص ارتباط العقائد البشرية بالتعدد كأصل أول تجلّى من خلال كثرة الآلهة التي كانت تتخذ هيئة طوطم Totem تعبده كل عشيرة، فكان عدد الآلهة بعدد العشائر. فضلً عن أنماط التدين الأخرى التي كانت تعتقد الأرواح والأشباح والأسلاف. وقد كان هذا التعدد ملازمًا لتخلف البشرية الغارقة في الخرافة وحياة الدجل والشعوذة، ليتخذ الأمر مناحيَ شتى لازمت تطور الأمم، وارتفاع درجات وعيها، حتى تكلل ذلك بظهور ديانات توحيدية

جديدة، يمكن عدّها أحدث العقائد التي عرفتها البشرية. نظرًا إلى تطوّر المجتمعات الدائم وارتقائها؛ فإن حركتها تتجه من مرحلة بدائية أولية إلى مراحل أخرى

أرقى وأكثر تقدمًا، حتى تصل إلى التقدم الحضاري الذي يوازي، من حيث النمو والازدهار، تقدمها

(((هيوم، ص.94 ((1(المرجع نفسه، ص.95 ((1(المرجع نفسه، ص.9

الفكري والثقافي. «ومبدأ التطور والارتقاء إذ يسيطر على كل الظواهر الإنسانية بما فيها الدين عند هيوم وغيره من التطوريين، فإنه يستلزم أن الدين الأول للبشرية كان في أدنى صورة له، وهي التعددية الوثنية». وهذا النوع من الدين يناسب إنسانًا بدائيًا وبربريًا، موغلً في التخلف والضعف، وخاضعًا

لرغباته وشهواته التي جعلت قدراته العقلية تتوارى فاسحة المجال للغريزة وللخصائص الحيوانية الكامنة فيه. ونضيف إلى ذلك نقطة أخرى أساسية ذات حمولة تاريخية، تدعم فكرة أصل التعددية، وهي أنه لا يُعقل أن يتوصل الإنسان القديم الذي لم يعرف العلم والفلسفة والأدب إلى فكرة التوحيد، ثم يتخلى عن ذلك ويغدو وثنيًا، بعد أن تعمق في سائر العلوم والمشارب المعرفية والفكرية. يعود ديفيد هيوم،

هنا، إلى القبائل البدائية التي لا تزال محتفظة ببدائيتها، كبعض الشعوب الأفريقية والأسترالية، ليقول: إنّه «إذا وجد أنهم جاهلون ومتوحشون يمكنه أن يصرح مقدمًا بأنهم وثنيون»؛ على اعتبار التقدم

الذي جعل أممًا أخرى تتطور وتتحضر من دون أن ينالها أي شيء من ذلك، لم يكن ليتيح لها الانتقال من وثنيتها القديمة والأولية إلى حالة من التوحيد على مستوى الدين والعقيدة. إلا أننا، مع ذلك، لا نتفق مع هيوم في الربط الضروري والحتمي الذي وضعه بين تعدد الآلهة وإيغال البشرية في البدائية والجهل والوحشية، ونعدّه ربطًا منطويًا على كثير من التهافت. ولعل ما يبرز ذلك هو ما تشهده المجتمعات المعاصرة، البالغة أرقى درجات التطور والرقي على الصعُد جميعها، من إيغال في الشرك والتعدد، ما يضرب صفحًا عن كل ما جادت به قرائح العلماء والفلاسفة والمفكرين في هذا المجال. يقع الانتقال من الإيمان بآلهة متعددة إلى الإيمان بإله واحد من خلال اعتراف الناس، الذين يدينون بمجموعة من الآلهة، بوجود قوة أخرى تتجاوز آلهتهم نفسها، وتكون هي المصدر الأول الذي لا أول قبله، والقوة التي لا قوة فوقها، ويمكننا أن نسميها «إله الآلهة» «الذي، على الرغم من أنه من الطبيعة نفسها، فإنه يحكمهم بسلطة، مثل تلك التي يمارسها سلطان على رعاياه وتابعيه». فعلى الرغم من الولاء كلّه الذي يبديه الإنسان للآلهة المتعددة؛ فإن تقديسه وإيمانه بالإله الأعلى يظل قائمًا وأساسًا يفرض نفسه على أنه هو الأصل، وهو روح الدين الذي نجده حاضرًا لدى المتدين كما لدى الملحد. وإذا كان هيوم يؤكد أن دين الشرك والوثنية هو الأصل والمبدأ؛ فإننا نقول: إنّ الدافع السيكولوجي والأنطولوجي للدين، يفرض على الإنسان أن يرتمي بين أحضان إله أشدّ قوة وعظمة، ما يعني أن المشرك أو الوثني، على الرغم من نزوعه نحو التعدد، فإنه يدرك أن آلهته تلك، عبارة عن صور ورموز مخلوقة من محض تمثُّله الخاص واعتقاده الشخصي، وأن ثمة قوة أخرى تتجاوز ذلك كله.

((1(الخشت، ص.15 ((1(هيوم، ص.11 ((1(المرجع نفسه، ص.54

يُشبّه هيوم تأرجح الإنسان بين التوحيد والتعددية في الآلهة بحركة المد والجزر؛ عادًّا أنه تارة يميل نحو

عبادة إله واحد قوي وذكي، يراه مصدر هذا الكون، ويسقط تارة أخرى في التعدد؛ وذلك تبعًا لأنصاف الآلهة التي تحتل تلك الهوة بين الإنسان والإله، ويمكننا أن نمثل لذلك بشخص المسيح، فهو في الأصل، إنسان مثل سائر الناس غير أن المسيحيين جعلوه في مرتبة الإله، فعبدوه وقدسوه وبالغوا في الإعلاء؛ فكان بذلك إلهًا، أو نصف إله، في حضرة الإله الأعلى والأسمى، الذي هو إله المسيح نفسه. ومن هذا المنطلق نجد أن بعض الموحدين، خصوصًا اليهود والمسلمين، كانوا يرفضون نصب تماثيل

لبعض كبار الشخصيات وعظماء التاريخ، خوفًا من السقوط في الوثنية والشرك من جديد، ومردّ ذلك إلى تلك النزعة الكامنة في الإنسان التي تتأرجح به بين التعدد والتوحيد. فالناس «يتقلبون بين هذه العواطف المتعارضة، ولا يزال الضعف نفسه يجرهم إلى الأسفل، من إله روحي كلي القدرة، إلى إله جسدي محدود، ومن إله جسدي ومحدود إلى تمثال أو تمثيل مرئي. والمسعى نفسه إلى العلو لا يزال يدفعهم إلى الأعلى، من التمثال أو الصورة المادية إلى القوة غير المرئية، ومن القوة غير المرئية إلى إله كامل لا محدود، خالق الكون وسلطانه». فنادرًا ما يستقر الإنسان على حال من الأحوال، لأن

التقلب والتغير من شيمه الأساسية. تنتاب الإنسان، أمام هذا التحول والانقلاب بين التوحيد والتعددية، مجموعة من العواطف والانفعالات التي تنفلت من قبضته، فيفقد سيطرته عليها، بل تغدو هذه العواطف والانفعالات هي المسيطرة عليه، ما يجعل توجهاته وميولاته الدينية محكومة بمنطق مغاير للمنطق الديني نفسه، الشيء الذي تتمخض عنه رؤى وتأويلاتٌ كثيرة تتخذ، فيما بعد، هيئة صراعات ومشاحنات وحروب، فيتحول الدين من مرتع للاطمئنان والسكينة إلى منبع للاقتتال والعنف والتعصب، بين مؤلّه وملحد وموحّد ووثني... إلخ.

وهو ما يطرح سؤال التسامح الديني بقوة، خصوصًا ما يتعلق بحضوره أو غيابه في الأديان التوحيدية

والتعددية على السواء.

ثالثًا: التسامح الديني بين التعددية والتوحيد

يُرجع هيوم الاضطهاد واللاتسامح والتعصب الديني إلى الوثنية وعبادة آلهة متعددة؛ لأن كل طائفة

ترى أن إلهها أحق بالعبادة، وأجدر بأن يحمل اسم الإله الحقيقي، في حين أنها تعدّ باقي الآلهة تافهة، ولا تستحق أن تُعبد. كما تقول: إنه ما دام للعبادة والتدين الهدف ذاته، فإن ذلك يقتضي ضرورة وحدة الإيمان والطقوس، والأهم من ذلك وحدة المعبود، وفي الحصيلة؛ لا إله إلا إلهها هي. يقول هيوم: «لا أحد يمكنه أن يتخيل أن الكائن نفسه يجب أن يفرح بطقوس ومبادئ مختلفة ومتعارضة، تُوقِع الطوائف بشكل طبيعي في العداء، وتطلق كل منها الحماس والحقد المقدسين على الأخرى»، ظنًا منها أن في ذلك تعبيرًا عن مشيئة الإله، وتحقيقًا لرغبته في التصدي لكل خروج عن شريعته التي يجعل

المتدينون من أنفسهم جنودًا لها في الأرض.

((1(المرجع نفسه، ص.66-65 ((1(المرجع نفسه، ص.69

إذا كان تعدد الآلهة من أسباب اللاتسامح والتعصب الديني، وكذا العنف والحروب باسم الدين، فكيف يمكننا أن نفسر ذلك كله حينما نجده حاضرًا بقوة وبحدة أشدّ بين الشعوب التوحيدية التي تدين

الدين نفسه؟ إن تاريخ الديانات التوحيدية، كما هو معلوم، لم يَسلَم من الحروب والحملات العنيفة السافكة للدماء؛ الأمر الذي دفع هيوم إلى الحديث عن «الروح الضيقة المتعنتة لدى اليهود»، ووصفه للديانة المحمدية بأنها «الأكثر دموية»، أي إن الإيمان بإله واحد لم يَخْلُ، هو أيضًا، من التعصب والتشدد والتكفير، واللجوء إلى الحروب لتغليب رأي على رأي آخر، وتأكيد تصور معيّن للدين على حساب تصور آخر

مخالف له، إذ إنّ «كل الأمم راضية بعباداتها الخاصة، وكل منها يعتقد أنه يمتلك أفضلية على كل الأمم الأخرى». وما شهدته اليهودية والإسلام ينطبق، بدرجة أقل، على المسيحية التي عرفت، بحسب هيوم، شيئًا من التسامح غاب عن الديانتين السابقتين. لكن برجوعنا إلى التاريخ، تاريخ أوروبا والإسلام، نكتشف أن كثيرًا من ادعاءات هيوم باطلة؛ فعلى

الرغم من اتصاف المسيحية بكونها دين الحب، لم يخلُ تاريخها، هو الآخر، من حروب دينية، خصوصًا بين الكاثوليك والبروتستانت، من دون أن ننسى حروب الكنيسة ضد رجال العلم والفلسفة. وكما أن هناك ما يبرر التعصب والعنف في المسيحية، فالشيء عينه نجده في اليهودية والإسلام، لذلك ليس غريبًا أن يعدّ اليهود أنفسهم «شعب الله المختار»، وأن يجعل المسلمون من الإسلام دين رحمة؛

رحمة للعالمين وللناس أجمعين. نكاد نقول، بخصوص سؤال التسامح الديني بين التعددية والتوحيد، إن التاريخ الدموي للأديان التوحيدية لا يَحسِم مسألة كونها الأشدّ عنفًا والأشد عداءً للتسامح، بل على العكس تمامًا، نؤكد أنها

أشدّ انفتاحًا وتسامحًا من الأديان التعددية، من دون أن يعني ذلك إسقاط صفة الدموية عنها. وقد نُرجِع هذه الصفة إلى كون أصحاب الديانات التوحيدية، مهما اختلفوا في الدين، ومهما تعصب كل واحد أو كلّ طائفة منهم إلى تصور خاص، فإن هذا الاختلاف يبقى في حدود الفروع، أما الأصل فيظل واحدًا ومقدّسًا، لا يناله المساس أو الاختلاف، وهو الإيمان بإله واحد وأوحد، وهذا ما عبَّر عنه أندري كونت

سبونفيل Sponville. C. A عندما قال: إن الإله يتجاوزنا، وحتى لو تبيَّن أنه موجود فإن وجوده يكون

مفارقًا ومتعاليًا عنا وعن وجودنا. أمّا الأديان فهي إنسانية مفرطة في إنسانيتها، محايثة ومتصلة بالإنسان

وتاريخه ومجتمعه، ومن ثمّ فهي ناقصة أمام كمال الإله وتمامه. وهنا نقول: إن الإشكال لم يكن يومًا في «الإله»، بل في الأديان التي تتصوره على أنحائها الخاصة. وبناء على هذا الطابع «العقلاني» الذي يميز التوحيد مقارنة بالشرك والتعدد؛ فإن هيوم ينتقد الديانات

((1(المرجع نفسه، ص.70 ((1(المرجع نفسه، ص.84-83

(19) André Comte-Sponville,  L’Esprit de l’Athéisme, Introduction à une Spiritualité sans Dieu (Paris: Editions Albin Michel, 2008), p. 11.

التوحيدية من زوايا متعددة أيضًا، اجتماعيًا وسياسيًا وفلسفيًا، ويرى أنه كان حريًّا بها أن تدعو إلى

التسامح وقبول الاختلاف، بدَلً من كونها السباقة إلى التعصب والاضطهاد. ونضيف، في سياق هذا النقد، أنه يجب دائمًا أن نفصل بين الدين وبين جماعة المتدينين، فما من متدين يمكن عدّه النموذج الأمثل لدين من الأديان، إذ إنَّ الدين واحدٌ، وأتْباعهُ كثر، وكلٌّ يفهمه ويمارسه وفق رؤيته الخاصة؛ إلى درجة بتنا نرى الإنسان فيها أمام نُسَخٍ مُلتبسة وعديدة للمسيحية واليهودية والإسلام. وتعدى الأمر الصراع الخارجي بين هذه الديانات، إلى صراعات داخلية طائفية في قلب الدين نفسه. بعيدًا عن الصراعات المذهبية والانتماءات الطائفية، وفي منأى عن الخوض في النقاشات الثيولوجية والكلامية حول حقيقة الأديان، ومن ديانته هي الأجدر والأحق بأن تسود؛ فإن أي عنف أو قتل باسم الدين يظل أمرًا مرفوضًا، لا مسوّغ له على الإطلاق؛ لأن القتل أو العنف المتمخض عن التعصب الديني

له دلالات خطرة تفوق الموت الطبيعي، وتكمن في التبعات السياسية والاجتماعية والأخلاقية والدينية التي تترتب على ذلك، وحِدة الفتنة التي تنتشر من جراء هذا الفعل الشنيع ذي الصبغة الإرهابية، والنابع من نوازع تطرفية وتشددية وتعصبية مقيتة. إن سؤال التسامح الديني، من جهة أولى، هو سؤال مرتبط بقدرة الإنسان على تحمل اختلاف الآخر معه في مسألة الاعتقاد، وهذا هو ما يفيده الأصل الإيتيمولوجي لفعل تسامح Tolerer الذي يعني تحمَّل Supporter. ومن جهة ثانية يتصل بغاية الإنسان من اعتقاده في إله أو تدينه بدين معين، ثم بالكيفية التي وصل إليه بها هذا الدين، ما يطرح إشكالية نشأة الدين، أو بتعبير آخر، مصدر العقيدة الدينية لدى الإنسان المتدين ومنبعها.

رابعًا: منابع الدين

لقد نشأ الدين، أول ما نشأ، من مَعِينِ الخوف، ثم السعي، بعد ذلك، للارتماء في أحضان قوة عظيمة تطفئ نار ذلك الخوف والخشية. ويركز هيوم على القلق الشديد من المستقبل، وعلى التفكير في القوى غير المرئية والمجهولة، وعلى القسوة والشدة والعنف التي تقمع المتدين الذي يصفه بالمذهول؛ أي الحائر والتائه بين الخوف والترقب، بين العقل والخرافة، بين الحقيقة والوهم... إلخ، ويعدّ ذلك كلّه أساس ظهور الوازع الديني لدى الناس، ومصدر الدين الأولي. إن التلازم القائم بين الدين والخوف من الطبيعة، أو تحديدًا بين الإيمان والطابع الشرير للطبيعة، جعل هيوم ينعت الدين الأولي بأنه «عبادة شيطانية وخبيثة»؛ لأن اعترافنا بوجود إله بوصفه قوة جليلة

((2(في إطار هذا الربط بين الدين والخوف، يقول السوسيولوجي والأنثربولوجي والفيلسوف الفرنسي ليفي بريل Bruhl:Levy إننا لا نؤمن ولكننا نخاف Nous ne croyons pas, nous avons peur، وهي الرؤية التي نجدها لدى كثير من الفلاسفة والعلماء على اختلاف ميدان اشتغالهم، كبرغسون ووليم جيمس وفرويد وإريك فروم وغيرهم كثير.

(21) O’Connor, p. 32.

((2(هيوم، ص.104

ومفارقة وذكية هي أصل الكون، قد نَبع أساسًا من شرّانية الطبيعة وخبثها، أو بالأحرى الإله الذي يُعدّ

المتحكم في كل شيء، والمسير الأول والأخير للوجود. وفي الحصيلة؛ إن «الأديان الشعبية هي في الحقيقة، في تصور مريديها الأكثر سوقية، نوع من الإيمان بالعفاريت، وأنه بقدر ما تمتدح الألوهية على نحو أكثر علوًا بالقوة والمعرفة، يكون أدنى مرتبة في مسار الطيبة والإحسان؛ مهما كانت صفات

المديح التي يمكن أن يغدقها عليه محبوه المذهولون». وبهذا نكون قد تخلينا عن الجانب العقلي في إنسانيتنا الذي من المفترض أن يكون المحك الأول في نظرنا وتعاملنا مع القضايا كلّها. ومن هذا المنطلق نتساءل مع هيوم قائلين: «متى سيكون الناس عقلانيين»؟ وهو سؤال عصي على الإجابة؛ فهل سيكون الإنسان يومًا عقلانيًا حتى نحدد له تاريخ

تحقق ذلك؟ لذلك لا يسعنا إلا الرد عليه بقول برغسون: «ما أعجب ما فعلوا حين سمّوا الإنسان ب ‘الكائن العاقل»’! فكل أفعاله وسلوكاته وأفكاره مسربلة باللاعقلانية في كثير من الأحايين. إن تعدد المظاهر والظواهر الطبيعية، واختلاف مصائر الناس، وتضاد الأحداث والوقائع وتضاربها... إلخ؛ إذ نرى كيف أن الأعاصير والفيضانات تفسد ما أنبتته الشمس، والشمس تدمر ما غذّته الأمطار، كما أن ما يكون نكبات قوم وكربهم قد يمثل مرتعًا خصبًا لخير ورزق لأقوام آخرين،

وغير ذلك كثير، مما يوحي، بحسب بعض التصورات التي تقول بشرّانية العناية الإلهية ولا عدالتها،

بغياب التكافؤ والانسجام على مستوى الطبيعة والوجود. ولهذا إن «إدارة الأحداث، أو ما ندعوه خطة عناية إلهية خاصة، حبلى بالتنوع وعدم اليقينية، التي، إذا افترضنا أنها حدثت في الحال بأمر أية كائنات ذكية متفوقة، يجب أن نعترف بتناقض تصميماتها وغاياتها [...] لكل أمة آلهتها الحارسة، وكل عنصر يخضع لقوته أو عامله الخفي، ودائرة كل رب منفصلة عن دائرة الرب الآخر، وعمليات الرب نفسه ليست مؤكدة وثابتة، فاليوم هو يحمينا، وفي الغد يتخلى عنا». من هذا المنطلق يمكننا القول إن أصل عبادة آلهة متعددة هو اهتمام الإنسان بأحداث الحياة ومطباتها، وبحثه في مصيره وآماله، وسعيه لتبديد مخاوفه وإراحة عقله وقلبه. لذلك كان لكل جانب من جوانب حياته إله معين: إله الحب، وإله الزواج، وإله الخير، وإله الشر، وإله السلم، وإله الحرب... إلخ. وكل إله يحمل رموزًا وصورًا دالة ومعبرة عن حاجات الإنسان ورغباته، بل إن الناس يخلقون تلك الآلهة على صورهم وأشكالهم هم، كما قال كزينوفون من قبل، إذ يغرفون من جوانيتهم، ويغوصون في دواخلهم ليخرجوا بنماذج محددة من الآلهة. لقد قُذف الإنسان في هذا العالم وهو كائن ضعيف خائر القوى ومحدود القدرات، لا يعلم شيئًا، ولا يدري من أين أتى وإلى أين ستكون وِجهته؛ فكل شيء محجوب عنه وعصي على فهمه. وفي وضع

((2(المرجع نفسه، ص.107 ((2(المرجع نفسه، ص.95

(25) Bergson, p. 105.

((2(هيوم، ص.19

كهذا لم نتمكن من تفسير ما قد ينالنا من خير أو شر، ومن سلم أو حرب، ومن حب أو كره... إلخ. «إننا معلقون في ترقب دائم بين الحياة والموت، وبين الصحة والمرض، وبين الوفرة والحاجة، التي توزعها بين البشر أسباب سرية ومجهولة، غالبًا ما يكون عملها غير متوقع ودائمًا غير محسوب. ثمّ تغدو هذه

الأسباب المجهولة هي الشيء الثابت لأملنا وخوفنا؛ وفي حين تبقى العواطف متأهبة في حذر دائم وترقب قلق للأحداث، يُشغَل الخيال أيضًا في تشكيل أفكار تلك القوى التي نعتمد عليها تماما». نؤكد إذًا، أن الدين يرتبط بعجز الإنسان وخوفه من قوى الطبيعة التي تجعله يعيش حياة مضطربة وغير مطمئنة، وبعد طول تفكير وتأمل يعود إلى فطرته وطبيعته، «ويلجأ إلى كل الطرق التي تسترضي تلك القوى الغامضة الذكية التي يفترض أن قدرنا يعتمد عليها بالكامل»، فيكون بذلك قد تدين تدينًا طبيعيًا خالصًا وبسيطًا ونقيًا، اعتمد فيه على فطرته. وتظل هذه العودة إلى الدين عودة مؤقتة، لا يمكن

الجزم بأنها صارت قاعدة، وبأن أي إنسان كلما ضاقت به السبل واشتد عليه الحال فإنه راكن إلى الدين لا محالة؛ إذ إن كثيرًا من الناس فور تجاوزهم مرحلة الشدة، وتنعّمهم بالرخاء والطمأنينة، «يتناسون

العناية الإلهية المقدسة». ويبدو أن هيوم قد أطلق هذا القول على عواهنه، فما من برهان علمي ولا فلسفي ولا تاريخي، يؤكد هذه الميكانيكية والآلية والغائية في التعامل مع العناية الإلهية، خصوصًا في ظل ربطها بما هو سيكولوجي داخلي في الإنسان الذي يميل إلى البحث عن حضن يحميه ويتبناه، أكثر مما ينزع إلى التمرد والثورة والنفي، إلى درجة أن هذا التفسير السيكولوجي ينطبق على التأليه كما ينطبق على الإلحاد. لقد ربط هيوم الدين بفترات محددة من الحياة، وبجنس معين، يكون الدين فيها ومعها باديًا بجلاء، كما تكون فرص ظهوره متاحة أكثر من غيرها. فلحظات الحياة الأشد ضعفًا وجبنًا وخوفًا تكون أشدّ اتسامًا بميسم الدين، وهو ما عبر عنه أيضًا برغسون وإميل دوركايم، إذ عدّا فترات الحروب والكوارث الطبيعية فترات ترتفع فيها درجة التدين أكثر من غيرها. أما بخصوص الجنس، فقد جعل هيوم النساء أكثر ارتباطًا بالدين؛ لأنهن «يحفزن الرجال على التقوى والتضرع والتقيد بالأيام الدينية، فمن النادر أن تلتقي برجل يعيش بعيدًا عن الإناث، وفوق ذلك مدمن على هذه الممارسات». وما زلنا نلمس هنا، أيضًا، ذلك الطابع الجازم والاختزالي في أفكار هيوم المتسم أحيانًا بكثير من أحكام القيمة المتسرعة، ما يجعله مجادلً ومسفسطًا أكثر منه مفكرًا ومتفلسفًا. ونخلص مما سبق إلى أن أصل الدين الطبيعي هو القلق والحيرة والأمل إزاء الحياة والطبيعة والمستقبل، فضلً عن التطلع إلى الحقيقة، والسعي نحو تحقيق عالم مضبوط ومنسجم ومحكوم بنظام قوي. «وينشأ هذا المعتقد عند الفلاسفة القائلين بالدين الطبيعي عن دليل القصد والعناية الذي يثبت أن

((2(المرجع نفسه، ص.23 ((2(المرجع نفسه، ص.28 ((2(المرجع نفسه. (3((المرجع نفسه، ص.29

العالم بوحدة تصميمه، وتجانسه وانتظامه، والغائية المسيطرة على ظواهره وقوانينه، يدل على وجود إله حكيم يسيطر عليه». وهو التصور الذي رفضه هيوم جملة وتفصيلً، إذ إنه كان ضد الأدلة جميعها التي تروم إثبات وجود إله، «ما يدل على أن هيوم ضد الدين أيًا كان نوعه؛ لأنه يرفض الفرضية التي

يقوم عليها أي دين [...] أعني يرفض فرضية الله». وقد عمل على بيان موقفه هذا ضمن كتابه محاورات في الدين الطبيعي، فضلً عن بعض الإشارات الأخرى في كتابه حول الفهم البشري، والذي تصدى فيه لكل ما هو ميتافيزيقي وغيبي يفتقر إلى أساس حسي تجريبي.

خامسًا: في رمزية الإله أو المعنى المفارق للدين

يحتل مفهوم الإله مكانة محورية في الأديان كلّها، وقد تعددت أنماطه ورموزه بتعدد الثقافات والحضارات، بل بتعدد أنماط التدين والعبادات، وكذا اختلاف حاجات الناس ودوافعهم نحو دين ما من دون غيره. لذلك نجد أن إله الفلاسفة يختلف تمامًا عن إله رجال الدين، وإله المؤمن هو غير إله

الملحدكما أن تصور المثقف للدين يختلف عنه لدى الإنسان العامّي... إلخ، بمعنى أن التدين

والإيمان أو التأليه خاصية إنسانية بامتياز، بل إن هناك نزوعًا روحيًا وروحانيًا للمؤمنين كما للملاحدة

أيضًا، وهو ما يحيل عليه العنوان الفرعي لكتاب أندري كونت سبونفيل حول روح الإلحاد؛ إذ تحدث.une spiritualité sans Dieu عن روحانية من دون إله ومن هذا المنطلق، نجد أن هيوم يرفض تسمية الملاحدة بهذا الاسم، ويشير إلى أن القاسم المشترك بين من ننعتهم بالملحدين وأولئك الذين ندعوهم بالمؤمنين هو تصديقهم جميعًا بتلك العلة الأولى المتجاوزة لقدرات البشر «العاديين»؛ «فالملحد يرفض إلهًا ذا عناية إلهية وخلود النفس وفكرة العقاب أو الثواب بعد الموت أكثر مما ينكر وجود الله». وبهذا يكون المؤمن مؤمنًا باعتبار، والملحد مؤمنًا،

أيضًا، باعتبار آخر، بحسب تعبير هربرت سبنسر الذي وسم الطرفين كليهما بسِمة الإيمان، مؤكدًا أن المؤمن هو مؤمن بالإثبات، بينما يؤمن الملحد بالنفي. يقول هيوم: «وهؤلاء الذين يتظاهرون بأنهم متدينون هم في الحقيقة نوع من ملحدين يؤمنون بالخرافات، ولا يعترفون بكائن يتوافق مع فكرتنا عن إله ما». إذا كان المتدين ينطلق من التصميم المثير للإعجاب، ومن النظام الملهب للعقول، ومن الإعجاز الذي يميز هذا الكون... إلخ، ليصل في النهاية إلى اليقين بوجود قوة ذكية خفية ومقدسة، تتحكم في هذا

(3((الخشت، ص.23 (3((المرجع نفسه. (((3 نحن نعدّ، في هذا الإطار، أنه لا يمكن للإنسان ألا يتدين، وأن الإيمان خاصية إنسانية، وندعم تصورنا هذا بما أكده هربرت

سبنسر حول إيمان الملاحدة، وحديثه عن المعنى المفارق للدين الذي يتأسس على التسليم بوجود علة وراء هذا الكون، من دون الخوض في تحديد ماهيتها أو حقيقتها.

(34) Comte-Sponville, p. 144.

(((3 جاكلين لاغريه، الدين الطبيعي، ترجمة منصور القاضي (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات، 1993)، ص.50 (((3 هيوم، ص.32

العالم؛ فإن الوثني، على عكس ذلك، يبحث في جزئيات هذا الكون ومكوناته، لا بما هي صادرة عن تلك القوة غير المرئية، وإنما بوصفها قوّةً قائمةً بذاتها، وأنها مدعاة للتقديس في حد ذاتها. «وهكذا،

مهما يكن ميل البشر قويًا للاعتقاد بقوة ذكية خفية في الطبيعة، فإن ميلهم قوي، بالمثل، لتركيز انتباههم على أشياء حسية مرئية وللتوفيق بين هذين الميلين المتعارضين، يُدفَعون إلى توحيد القوة الخفية مع شيء مرئي ما». فأساس الاعتقاد والإيمان هو التصديق بأمور خفية غير بادية، مثلما أن الدين الحقيقي، كما يقول باسكال: هو الدين الذي يجعل من إلهه إلهًا خفيًا Caché Dieu، في حين أن الحديث عن تجلي ما

نؤمن به وتبدّيه، وجعل وجوده وجودًا حسيًا وعيانيًا؛ سيجعل من ذلك يقينًا وحقيقة واقعية وملموسة،

ما يستحيل معه الشك أو الطعن فيه وفي وجوده، وهنا سينعدم أي معنى للإيمان القائم على التسليم بما هو غيبي. إن الإيمان هو شعور قلبي وعاطفة جوانية تتأسس على ما هو خفي وغيبي تربطه بالمؤمن علاقة محبة وتصديق قلبيين ووجدانيين. وفي الحصيلة فإن الدين، عمومًا، ليس مجالً للحقيقة؛ وإنما هو مرتع للتسليم والتصديق ومحاولة إضفاء المعنى على حياة الإنسان ووجوده، بلغة جون غروندان. يرتبط التأليه والتقديس بعديد من الحكايات والرموز التي تجعل من كل إله يحمل رموزًا وصورًا تبرز تميّزه من غيره من الآلهة، فكان من الطبيعي التمثيل لإله الحرب برموز وحكايات العنف والقوة والغضب

والجبروت، وتصوير إله الشعر على أنه أنيق وودود وأليف... إلخ، وهناك العديد من الرموز الدينية التي يزخر بها التراث الإنساني تُظهِر لنا الآلهة على هيئات متعددة. ولعل ملاحم هوميروس وهيزيود خير دليل على ذلك، وهو ما حدا بهيوم إلى تأكيد المكانة المهمة للحكاية الرمزية في اللاهوت الوثني، ففعل الترميز هذا هو عبارة عن سلوك ديني يساهم من خلاله الإنسان في إضفاء القدسية على العالم أو على بعض مكوناته. يصور هيوم الإله الذي يعبده عامة الناس على أنه بطل Hero لا يختلف عن باقي الكائنات البشرية الأخرى، فما يحدث هو أن الناس يتأثرون بشخصية هذا البطل الذي يصبح محط إعجابٍ وتبجيلٍ وتقديسٍ لفئة عريضة منهم، بل إن علاقة حب وارتباط وجداني قوي تقوم بينهم وبينه، وتغدو محركًا ومُوجهًا لحياتهم وسلوكاتهم. وقوة هذا الحب، أو بالأحرى الحاجة السيكولوجية والأنطولوجية إلى هذا الحب، هي التي تجعل الإنسان يقدس إلهًا ما، فيخلق له صورة متفردة نابعة من خياله الجامح، المُجسِّم والمؤنسن، الذي خَلق به، أيضًا، صورًا عن الآلهة المتعددة، وعن علاقته بالألوهية Divinité la

عمومًا. فعلى الرغم من الصفات الخارقة واللامتناهية التي يضفيها الإنسان على الإله، فإنها تظل

(((3 المرجع نفسه، ص.44

(38) Blaise Pascal, Pensées , collection ‘Le Livre de Poche’)Paris: Editions Gallimard, 1963), p. 329. (39) Jean Grondin, La philosophie de la religion, Collection Que sais-je? 2 ème ed. (Paris: PUF, 2012), p.3. (40) Eliade Mircea, Le sacré et le profane , Collection FOLIO/ ESSAIS, no. 82 (Paris: Editions Gallimard, 1965), p. 88.

(4((هيوم، ص.46

(42) Paul Diel, La Divinité: Le Symbole et Sa Signification (Paris: Petite Bibliothèque Payot, 1971), p. 165.

محافظة على طابعها البشري؛ إذ إن الوعي الإنساني لا يزال يُسقط على الإله خصائص بشرية مصحوبة بشيء من التقديس والإعجاز والكمال، ويمكننا التعبير عن ذلك بالقول: إن الإله (الإنسان الكامل) هو امتداد للإنسان (الإله الناقص). يتميز البطل، في تصور هيوم، بميسم ديني وتأليهي يجعله في مرتبة الإله، بل إنه يغدو إلهًا بالفعل؛ من خلال مجموع الرموز التي تُلصق به، والحكايات التي تُنسَج حوله، وهو عكس البطل الصوفي الذي تحدث عنه برغسون، والذي على الرغم من المكانة التي يحتلها في نفوس الناس، فإنه لا يبلغ درجة التأليه والتقديس؛ بل يكون، فحسب، واسطةً وسندًا يعتمده باقي الناس للصعود إلى الحضرة الإلهية، والاتحاد بالإله، بواسطة ما سماه برغسون النداء الصوفي Mystique Appel ’ L. كما يختلف أيضًا بطل هيوم عن البطل الذي قال به باسكال، بوصفه ذلك المنقذ أو المُخلّص Messie Le الذي جاء ليجعل الناس يحبون الإله ويتعلقون به. إن عجز الإنسان وإحساسه بالدونية والنقص، في مقابل عظمة بعض بني جنسه وقدرتهم، هو ما يجعله يلجأ إلى تقديس كل قوة يرى أنها تتجاوزه وتأليهها، أو يوهم نفسه بذلك؛ من أجل أن يحتمي بها ويرتمي في أحضانها. ويُمثِّل تعدد هذه القوى، النابع من اختلاف ظروف الناس وتنوّع حاجاتهم النفسية والاجتماعية، الأصل في الوثنية. يقول هيوم: «ومن الطبيعي أن تؤله هذه المبادئ نفسها المخلوقات البشرية المتفوقة في القوة أو الشجاعة أو الفهم، وتولد عبادة البطل، بالإضافة إلى التاريخ الخرافي. فحتى تقديس البشر وعبادة أرواح

والتقاليد الميثولوجية في كل أشكالها الوحشية التي لا تحصى» الأسلاف، كلها نابعة من الرموز والحكايات التي يجد فيها الإنسان ضالته إذا ما ألحقها بقوة من القوى، مدفوعًا، في ذلك، بدوافع داخلية عميقة تؤجج في نفسه الحاجة إلى سند خارجي مفارق، يقيه قساوة ظروف واقعه المحايث. تطرح رمزية الإله، وصورته لدى الإنسان المتدين والمؤله، مسألة العلاقة بينهما؛ هل هي علاقة نابعة من الحاجة السيكولوجية إلى سند مفارق؟ أم أن مصدرها هو ذلك البعد الميتافيزيقي في الإنسان؟ والأهم من ذلك، ما الأسس التي تنبني عليها هذه العلاقة؟ وهل في تقديس الإنسان للإله، بوصفه قوة خفية وغيبية، حطٌ من قيمته بوصفه كائنًا عاقلً ومفكرًا؟

سادسًا: الدين بين تقديس الإله وتدنيس الإنسان

يرى هيوم أن الغلو في تقديس الآلهة والمبالغة في تنزيهها ووصفها بصفات خارقة، في مقابل الحط من قيمة الإنسان وإظهاره ضعيفًا وخسيسًا في حضرتها، أمورٌ تجعل التدين ملازمًا للخسة والوضاعة والذل، فعبارة أن يكون المرء متدينًا، وفق هذا المنظور، تعني أن يصبح ذليلً. ف «حيث يُمثَّل الله

(43) Worms Frédéric, Le vocabulaire de Bergson (Paris: Edition Ellipses, 2000), p. 50. (44) Pascal, p. 252.

(((4 هيوم، ص.48

بأنه متفوق على الإنسانية إلى ما لا نهاية، فإن هذا الاعتقاد، مع أنه صحيح جملة وتفصيلً، إلا أنه، عندما يُضَمُّ إلى مخاوف خرافية، يغدو عرضة للغوص بالعقل الإنساني إلى أسفل دركات الخضوع والذل وتمثيل الفضائل الرهبانية بإماتة الشهوات والندم والتواضع والمعاناة السلبية» وبهذا يتضاءل الإنسان أمام نفسه وأمام إلهه، فتغدو علاقته به كعلاقة العبد بالسيد، قائمة على الخوف والترهيب، وليس على الفضيلة والالتزام الخلقي. كما أن هذا الضرب من العبادة والتدين يحط من قيمة الإله نفسه؛ إذ يجري تصويره بأنه في حاجة ماسة وملحة إلى الثناء والمديح والحمد، وهي عبارة عن عاطفة من أدنى العواطف البشرية تنقِص من قيمة الإله إذ نجعلها ملازمة له. ونشير، هنا، إلى أن هذا الضرب من الدين الذي يتحدث عنه هيوم، يتعلق بتصورات معينة تتعامل مع المسألة الدينية على نحو رهاني، أي بمنطق الربح والخسارة الماديين؛ وهو سلوك ديني يخلو من أي بعد روحاني. إنه الدين متجردًا من قيمه وأخلاقه ومبادئه المؤسسة على المحبة والود والتعايش. نجد هذا التصور، حول طبيعة العلاقة بين الإله والإنسان، حاضرةً بالصيغة والمعنى ذاتهما عند إريك فروم، حينما تحدث عن «الأديان التسلطية»؛ إذ في رأيه أن الدين التسلطي Authoritarian يقوم على تسليم الفرد بقوة عليا تتجاوزه وتتحكم فيه، وهي قوة تفرض أحقيتها في الطاعة والتبجيل والعبادة. ومعنى ذلك أن هذه القوة لا تفرض أحقيتها وجدارتها بالعبادة انطلاقًا من صفاتٍ خاصة بها، نحو: المحبة والعدل، وإنما من خلال قوتها وسلطانها وكل الأمور التي ترغم الإنسان على الخضوع والإذعان والعبادة، وتظهر له أن أي مماطلة أو تقصير في ذلك يعدّ إثمًا وخطيئةً. وبهذا يكون «العنصر الجوهري في الدين التسلطي وفي التجربة الدينية التسلطية هو الاستسلام لقوة تعلو على الإنسان. والفضيلة الأساسية في هذا النمط من الدين هي الطاعة، والخطيئة الكبرى هي العصيان». لكن، حينما يكون التدين متّزنًا، فإننا نجد عكس ذلك تمامًا؛ إذ يُعلي من قيمة الإله، ويرفع من شأن المتدين، وذلك حين يُنظر إلى الآلهة على أنها «ليست متفوقة على الإنسان كثيرًا، وأن الكثير منها تطور

من تلك المرتبة الدنيا»؛ ما يجعلنا نخاطبها بأريحية وطمأنينة من دون أن تنزع مِنَّا إنسانيتنا؛ فيكون الدين، بهذا المعنى، وهو الدين الذي أطلق عليه إريك فروم اسم الدين الإنساني Humanistic، ملازمًا للشجاعة والشهامة والحرية، ولكل الصفات التي تجعل من الإنسان إنسانًا بالفعل. يقول إريك فروم: «والتجربة الدينية في هذا النوع من الدين هي تجربة الاتحاد بالكل، القائمة على ارتباط الإنسان بالعالم ارتباطًا ندركه بالفكر والحب. وهدف الإنسان في الدين الإنساني هو أن يحقق أكبر قدر من القوة، لا أكبر قدر من العجز، والفضيلة هي تحقيق الذات، لا الطاعة. والإيمان هو يقين الاقتناع المؤسس على تجربة المرء في مجال الفكر والشعور، لا على تصديق قضايا وفقًا لذمة المتقدم بها. والمزاج السائد

(((4 المرجع نفسه، ص.75 (((4 الخشت، ص.21 (((4 إريك فروم، الدين والتحليل النفسي، ترجمة فؤاد كامل (القاهرة: دار غريب للطباعة، 2003)، ص.36 (((4 هيوم، ص.76-75

فيها هو الفرح، على حين أن المزاج السائد في الدين التسلطي هو الحزن والشعور بالذنب»، وبهذا تكون قوة الإله رمزًا لقوى الإنسان الخاصة، تفتح له المجال للتعبير عن حريته وتحقيق ذاته، وليست دلالة على تسلطه، أي الإله، كما هو الأمر في الدين التسلطي القائم على إبراز تلك الهوة وذاك البون الشاسعين بين الإنسان والإله. فما يمنح الدين قوته القاهرة، إضافة إلى أمور أخرى، هو ارتباطه بسلطة معينة تحتوي نظامه وتؤسسه وتضع له قواعده. وقد تكون هذه السلطة عبارة عن كتاب مقدس كالقرآن أو الإنجيل مثلً، أو سلطة معينة كالبابا. وتأثير هذه السلطة لا ينال عامة الناس فحسب؛ بل أهل النظر والعلم والفكر والعقل كذلك. إذ نجدهم، هم أيضًا، مجرورين نحو ثلة من التفسيرات الميثولوجية والشعبية، تحت تأثير العبثية والتناقض والاستسلام للعتمة والغموض وفتنتها. «وهكذا يغدو النظام أكثر منافاة للعقل في النهاية، الذي كان ببساطة عقلانيًا وفلسفيًا في البداية». إن الأصل في الدين هو الشك والنفي والكفر، وليس الإيمان والاعتقاد واليقين؛ إذ إن أشدَّ الناس إيمانًا وعبادة، ظاهريًا، هم في أعماق أنفسهم أميل إلى الشك والدحض والتساؤل حول حقيقة دينهم ومعتقدهم. إنه «على الرغم من الأسلوب الدوغمائي المتغطرس للمعتقد الخرافي، والإيمان الراسخ للمتدينين، في كل العصور، فقد كان أكثر تأثيرًا في الحقيقة الواقعية، ولم يقترب - في أية درجة - إلى

الاعتقاد أو القناعة الصلبة، التي تحكم قضايانا العامة. لا يجرؤ الناس على الاعتراف، حتى في سِرّهم،

بالشكوك التي يفكرون بها حول هذه الموضوعات: هم يصنعون فضيلة بالإيمان الضمني، ويستنكرون لأنفسهم عن كفرهم الحقيقي، بالتأكيدات القوية والتعصب الأكثر إيجابية». ويضيف هيوم: إن «القلب سِرًا يمقت هذه الدرجات من القسوة والعنف والانتقام الذي لا يمكن

تهدئته، لكن الحكم لا يتجرأ إلا على أن يعلنها مثالية ومحبوبة. والتعاسة الإضافية لهذا الصراع الداخلي يفاقم كل المخاوف الأخرى، التي بسبب تلك الأضحيات التعيسة للمعتقد الخرافي يظلون مسكونين بالأشباح إلى الأبد». فالإنسان بطبعه يتساءل ويشك في كل شيء ويندهش من أي شيء، وحتى حينما يؤمن فإن إيمانه يظل مشوبًا بنوع من الحيرة والريبة، وذلك بدافع بحثه الدؤوب عن اليقين المفقود، الذي لن يجده مَهما حاول. وقصة النبي إبراهيم الذي ناشد ربه أن يغدق عليه ببعض الأدلة والبراهين، عسى أن تشفي غليل إيمانه، ولعلها تطفئ نار الشك الموقدة في صدره، تلخص لنا بوضوح حالة الإنسان وصراعه مع الإيمان والشك. إن هذا الجانب المظلم والمستبد من الدين الذي يروم أساسًا إخضاع الإنسان والحد من حريته وكرامته،

بل والتطاول على إنسانيته؛ هو الذي يجعل العديد من المفكرين والفلاسفة - وبعض عامة الناس في

(5((فروم، ص.38 (5((هيوم، ص.82 (5((المرجع نفسه، ص.93 (((5 المرجع نفسه، ص.107

أحايين كثيرة - ينزعون نحو الأخلاق ويتزينون بالفضائل والقيم النبيلة باسم الواجب والإنسانية لا باسم الدين. وفي هذا يؤكد هيوم أن للناس كل الاستعداد والقابلية من أجل الانخراط في أخلاق المجتمع وفضائله، وبإمكانهم ممارسة ذلك بارتياح كبير. على عكس ما يفرضه الدين من قواعد وضوابط منهكة ومتعبة تجعلهم ينفرون منه؛ لذلك قال: إنّ الدين هو «في كله مزعج ومرهق إلى الأبد». وفي الحصيلة فإن الالتزامات الأخلاقية غير محكومة، بالضرورة، بما يعتقده المرء أو يدين به. ذلك أن الإنسان «إذا كان فاضلً حقًا، يكون مشدودًا إلى واجبه، من دون أي جهد أو مسعى. حتى في ما يتعلق بالفضائل التي هي أكثر صرامة، وأكثر تأسيسًا على التأمل، مثل الروح العامة أو واجب النبوة، أو ضبط النفس، أو

الاستقامة. الالتزام الأخلاقي في فهمنا، يبطل كل ذريعة لفضيلة دينية، والسلوك الأخلاقي غير محكوم بما ندين به للمجتمع وأنفسنا».

خاتمة

يُعدّ ديفيد هيوم من الفلاسفة القلائل الذين تركوا بصمة قوية في تاريخ الفلسفة والعلم، فهو من الآباء الروحيّين للنزعة التجريبية، ومن أكثر من تصدى للميتافيزيقا في العصر الحديث، كما أن تأثيره في

الفلسفة كان واضحًا، أو لنقل في الفلسفات التي أتت من بعده، خصوصًا ما جاء به كانط، وأشد من

ذلك تأثيره في الوضعية المنطقية؛ التي جاءت بمبدأ التحقق التجريبي في المعرفة والعلم، ماتحة من معين فلسفة هيوم، وباقي التجريبيين الآخرين. لعل الميادين المعرفية التي بزغ فيها نجم ديفيد هيوم كثيرة ومتعددة، إلا أن أكثرها شهرة، ما جادت به قريحته في نظرية المعرفة، واعتماده على التجربة والحس والإدراك كأسس لقيام أيّ معرفة، ضاربًا

النظريات والمقولات الميتافيزيقية كلّها التي ليس لها أي أساس حسيّ عُرض الحائط، وجاعلً منها

معرفة عقيمة وعديمة الجدوى فحسب. لقد كانت هذه الشهرة، التي عرفها في هذا المجال، وراء عدم اهتمام كثيرين بما جاء به في ميادين أخرى، ونخص هنا بالذكر تصوره للدين، ونظريته في التاريخ الطبيعي للدين. قد لا يستسيغ البعض هذا الجمع بين ديفيد هيوم والدين، والحديث عنهما كثنائية أو زوج، لأن ما يصوره لنا تاريخ الفلسفة هو أن هيوم كان من أشد أعداء الدين والميتافيزيقا، وكان يدعو إلى حرق الكتب والمؤلفات جميعها التي تحوي كلامًا من هذا القبيل. والحقيقة: إن هذه الفكرة هي التي تبلورت لنا من خلال هذا البحث، فقد لامسنا كيف بحث هيوم في الدين مُرَكّزًا على تاريخه الطبيعي، كأنه يُنزله

من برجه العالي والمقدس ليبحث فيه بما هو ظاهرة إنسانية كغيرها من الظواهر الأخرى، التي ينبغي الغوص في تاريخها واستجلاء أبرز معالمها ومصادرها من دون أن تتحكم فينا، والذي لم يكن ليجري

(((5 المرجع نفسه، ص.116 (((5 المرجع نفسه، ص.117-116

بلا نزع القداسة عنها، وهو ما قام به هيوم، فعلى الرغم من تصديه القوي للدين كعقيدة، وطعنه في الحجج جميعها التي أسس عليها المتدينون إيمانهم، لم يمنعه ذلك من الاهتمام به كمبحث فلسفي ميتافيزيقي يستحق أن يُفكَّر فيه وأن يُتفَلسَف حوله. لقد ظل هيوم حبيس نسقه الفلسفي الذي يقطع مع قانون العلية، جاعلً منه انطباعات ذات أساس سيكولوجي فحسب، وهو النسق المبني على نزعةٍ تجريبية متطرفة، وأخرى اسمية واضحة بقوة، مع ما يسم ذلك كلّه من نزوع شكّي كبير. ففور إلغاء قانون العلية يُلغى معه أي احتمال لوجود أصل وعلة أولى للكون، وهنا مكمن تهافت تصور هيوم، وعدم قدرته على مجاراة مبادئ الفلسفة العقلية، التي من

أسُسها قانون العلية. فالعقل والفلسفة والحس والتجربة والعلم والميادين المعرفية كلّها تقوم على هذا

المبدأ، وحتى هيوم نفسه، وهو يؤسس لنقد هذا القانون، فإنه يصدر عنه بالضرورة؛ إذ يرى في براهينه وحججه وأدلته النقدية عللً ومؤثرات، يتوخى من بعدها، معلولات ونتائج تتمثل في التسليم بموقفه الناقد لهذا القانون. وهو ما يبدي لنا الجانب السفسطي والمغالطي في موقفه من العلية، ومن وجود الإله بعدّه علة ذاته، من منظور فلسفي، وعلة للموجودات كلّها، من منظور ديني. إن ما جاء به هيوم يعد من التصورات المؤسّسة في دراسة الدين عمومًا، وفي الدين الطبيعي خصوصًا.

وما تطرقنا إليه من موضوعات وإشكالات، يعطينا فكرة واضحة عن أصالة هيوم وجِدته في دراسة قضايا الدين من منظور عقلي وفلسفي، من جهة، وبحثه في الدين بلحاظ تاريخه الطبيعي، من جهة أخرى. وذلك من قبيل: البحث في أصل الدين ونشأته، وإثارة بعض الإشكالات حول الأديان التعددية والتوحيدية وعلاقتها بالتعصب والتطرف الديني، وغيرها من الموضوعات الأخرى التي انبرى لها وحاول استكناهها وتقصي حقيقتها. هذا من دون الخوض في بعض المؤاخذات التي يمكن تسجيلها حول منهج هيوم في دراسة الدين، خصوصًا ما يتعلق بالناحية التاريخية التي اتضح لنا من خلالها أن هيوم قد أغفل، أو ربما غيّب، بعض

القضايا والوقائع التاريخية التي تعطينا أفكارًا مهمة حول نشأة العقيدة الدينية، كما تجاهل الحديث عن بعض الديانات البدائية من قبيل «الزرادشتية» التي كانت ستغير كثيرًا من الأمور حول تصوره لتأرجح

الإنسان بين التوحيد والتعددية، ولأي منهما كان السبق التاريخي. إضافة إلى عدم تطرقه إلى نماذج من الأديان الوضعية ذات الصبغة الإنسانية التي تنعدم فيها أي معالم للألوهية؛ أي إنها أديان إنسانية خالصة، كالبوذية والطاوية والكونفوشيوسية، وغيرها. عمومًا، يمكننا أن نؤكد أن تصور هيوم للدين يُعد من أشدّ التصورات تأثيرًا في فلسفة الدين وفي مباحث

اللاهوت الفلسفي وتاريخه، وذلك من خلال ما جاء به من أفكار قوية عارض بها الدوغماطيقية التي لطالما كانت راسخة لسنوات عديدة، وأيقظ بها كثيرًا من العقول التي ارتاحت واطمأنت إلى العديد من

الأفكار والتصورات التي تهم مجال الدين والعقيدة. كما أن معارضته الشديدة لمواقف بعض الفلاسفة من الدين، من أمثال: سبينوزا ولايبنتز، قد جعل تأثيره ينال حتى الفلاسفة وعلماء اللاهوت الذين أتوا من بعده، إذ كان لزامًا عليهم أن يبنوا صرح أفكارهم انطلاقًا مما أسس له، والاعتماد على قواعد أخرى

غير تلك التي قوضها وهدَّ دعائمها.

المراجع

العربية

جيمس، وليم. العقل والدين. ترجمة محمود حب الله. بيروت: دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، د. ت. الخشت، محمد عثمان. الدين والميتافيزيقا في فلسفة هيوم. القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، د. ت. ديورانت، ول. قصة الفلسفة. ترجمة فتح الله محمد المشعشع. ط 2. بيروت: مكتبة المعارف،.1982 فروم، إريك. الدين والتحليل النفسي. ترجمة فؤاد كامل. القاهرة: دار غريب للطباعة،.2003 لاغريه، جاكلين. الدين الطبيعي. ترجمة منصور القاضي. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات،

هيوم، ديفيد. التاريخ الطبيعي للدين. ترجمة حسام الدين خضور. دمشق: دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع،.2014

الأجنبية

Bergson, Henri. Les Deux Sources de la Morale et de la Religion. 3 ème édition. Paris

Comte-Sponville, André.  L’Esprit de l’Athéisme: Introduction à une Spiritualité sans

Diel, Paul. Paul Diel, La Divinité: Le Symbole et Sa Signification. Paris: Petite

Grondin, Jean. La philosophie de la religion. Collection «Que sais-je?» 2 ème édition.

Mircea, Eliade. Le sacré et le profane. Collection FOLIO/ ESSAIS, no. 82. Paris:

O’Connor, David. Hume on Religion. London: Routledge Philosophy Guide Books,

Pascal, Blaise. Pensées , collection ‘Le Livre de Poche.’ Paris: Editions Gallimard, 1963.

References

Quadrige: PUF, 1988.

Dieu. Paris: Editions Albin Michel, 2008.

Bibliothèque Payot, 1971. Frédéric, Worms. Le vocabulaire de Bergson. Paris: Edition Ellipses, 2000.

Paris: PUF, 2012.

Editions Gallimard, 1965.