العودة إلى تفاصيل المؤلَّف روح الإصلاح الديني في فلسفة كيرككورد

روح الإصلاح الديني في فلسفة كيرككورد

The Spirit of Religious Reform in the Philosophy of Kierkegaard

هشام مبشور

Hichem Mbchour

الملخّص

عاد الدين في الآونة الأخيرة ليسيطر على النقاشات العمومية، كقضية شأن عام بعد أن كان شأنا خاصا، مستبعدا ومحروما من الحديث والتعبير عن نفسه بداية من عصر الأنوار... اليوم بات لزاما دراسة السلوك التديني للمواطن ومعرفة أثره على الفضاء العام، ورصد مساهمته في إنتاج سلوك المؤمن. فالإيمان لم يعد مسألة اعتقاد وكفى بل أضحى سلوك وفعل اجتماعي. وعليه؛ وجدنا من القمين دراسته من الداخل في جذوره ومنابع النفسية قبل أن يتحول إلى سلوك. وأسعفنا في هذا الفيلسوف الوجودي سورين كيرككورد(1813-1855) الذي اهتم بمقاربة الدين نفسيا ووجوديا أي من خلال المتدين لا من جانب خطابه كما الحال مع المقاربة الهرمونيطيقية أو من مظاهره مع المقاربة الفينومينولوجية.وينقسم المقال إلى مقدمة وخمس محاور ثم خاتمة. المحور الأول رصد تحول الكنيسة من رسالة روحية إلى مؤسسة شعائرية. بينما المحور الثاني ساق أسس التدين ومنطلقاته وهما الخوف والرعدة. فيما المحور الثالث نظر في محددين التدين أي الموت اللانهائي والحياة النهائية.بالإضافة إلى محور رابع تابع علاقة فعل التكرار باليأس. قبل أن ينتهي المحور الخامس لفتح أفق الحوار بين هيجل وكيرككورد.

Abstract

Abstract: Recently, religion has re-emerged as a dominant force in public debate. It has come back as a matter of public interest after a long period of marginalization and restriction to specialists following the age of enlightenment. Today it is necessary to study the religious behavior of the citizen and understand its effect in the public space, and to document its contribution to the behavioral patterns of religious people. Faith is no longer a matter of personal belief, but rather a behavior and a social act. Hence, the research looked at faith from its internal spiritual roots before it became a behavior. This paper borrows from the existentialist philosopher Søren Kierkegaard (1813-1855), who was concerned with a psychological and existential approach to religion through the religious person rather than through religious discourse, as with the hermeneutic or phenomenological approach.

الكلمات المفتاحية:
  • خوف
  • قشعريرة
  • الواجب المطلق
  • الدين
Keywords:
  • Fear
  • Trembling
  • Absolute Duty
  • Religion

هشام مبشور | Hicham Mabchor * (((

The Spirit of Religious Reform in the

Philosophy of Kierkegaard

في إنتاج سلوك المؤمن. فلم يعد الإيمان مسألة اعتقاد وحسب، بل أضحى سلوكًا وفعً اجتماعيين. وبناء عليه، وجدنا من القمين دراسته من الداخل في جذوره ومنابعه النفسية قبل أن يتحول إلى سلوك، وقد أسعفنا في هذا الفيلسوف الوجودي سورن كيركگورد الذي اهتم بمقاربة الدين نفسيًا ووجوديًا؛ أي من خلال المتدين، لا من جانب خطابه كما هو الحال مع

المقاربة الهرمينوطيقية، أو من مظاهره كما هي المقاربة الفينومنولوجية.

(1) يقترح الدكتور والشاعر العراقي المقيم في الدنمارك قحطان جاسم الخبير بآثار كيركگورد، والمترجم الأول والوحيد له من

لغته الأصلية الدنماركية، رسم الاسم بالعربية هكذا «سورن كيركگورد»، طبقًا لما ينطقه الدنماركيون بلغتهم، فاعتمدنا ذلك في كتابة اسمه، وتعني كلمة كيركگورد المقبرة.

مقدمة

شهدت الفترة المعاصرة صعود الخطاب الديني سواء كان وعظًا وإرشادًا أو تعبئة. وبناء عليه، كان لزامًا دراسة هذا المحدد وتأثيره في الفعل الاجتماعي. لذا انخرطت عدة مقاربات في فهم الدين وأنواع التدين ومظاهره؛ من شعائر وطقوس ولباس وخطاب وغيرها. ومن هذه المقاربات كانت المقاربة النفسية الوجودية التي ابتدأت مع الفيلسوف الدنماركي سورن كيركگورد، قبل أن تظهر المقاربة الهرمينوطيقية المهتمة بالنص والخطاب الديني. وعلى الرغم من أهمية هذه المقاربة وراهنيتها، فإنها وقفت على ظاهر التدين ومنطوق خطابه، فاصلةً إياه عن باطنه، وهو الحالة النفسية للمتدين؛ أي معتقداته وتصوراته وإيمانه... إلخ، الذي يحرك سلوكه ويوجه شعائره وأفعاله. وكل قطع لهذا الجانب يجعل من الصعب فهم الدين؛ لذا نعتقد أن المقاربة النفسية الوجودية الممثّلة للخطاب الفلسفي لها الكثير من المبررات، نتبينها في ما يلي: • أننا ننطلق من قناعة تفيد أن الفكر الفلسفي انخرط في دراسة أوجه الاجتماع البشري واستشكاله، كذلك إكراهاته وتحدياته، مبتعدًا عن التأمل في عالم الماوراء، بعد أن تم اتهامه لعقود طويلة بالعيش في إطار الجمهوريات الحالمة. • إذ نتخذ من مجال الدين مجالً للدراسة والبحث، نؤكد راهنية الفكر الفلسفي وقدرته المتواصلة على البقاء داخل الحضارة الإنسانية فلا يغادرها، بخلاف بعض التصورات التي أعلنت موته وبشّرت بقرب نهايته. • أننا شبه مقتنعين بجدارة الحل الفلسفي لأزمة التدين ليسهل ضبطها وتوجيهها، بعدما استنفدت الحلول الاقتصادية والسياسية وغيرها نجاعتها، بل زادت من ارتفاع معدلات القتل والإجرام وتشتيت الإنسانية؛ دينيًا أو ثقافيًا أو إثنيًا... إلخ. ولسان حالنا يقول: لم لا نسمع الخطاب الفلسفي ونمكّنه

من فرصته كاملةً لعرض وجهة نظره وتقديمها، أوَ ليس الفيلسوف مواطنًا ينتمي إلى مجال المدينة؟ يثبت هذا أن للخطاب الفلسفي اليوم أدوارًا اجتماعية، فكما أكّد قدرته على تحليل الخطاب السياسي، وطرح قضايا الاجتماع البشري، ومساءلة التاريخ والتأمل في اللغة... إلخ، في إمكانه أيضًا أن يباشر عرض وجهة نظره في الشأن الديني. ولعل هذا بالضبط ما حاولنا القيام به في هذا المقال انطلاقًا من فيلسوف وجودي لم يفصل فكره عن حياته، بل جعل منها محاولةً للإجابة عن قضايا الدين، فلم يجد حرجًا في نقد الخطاب الكَنسي المتشدد الذي مزّق أوروبا كما يفعل اليوم. ومنتقلً من مرحلة

(((يمكن العودة إلى المقاربة الهرمينوطيقية وقراءتها للدين، من خ لاا بعض المراجع: جان غراندان، المنعرج الهرمينوطيقي

للفينومنولوجيا، ترجمة عمر مهيبل (بيروت/ الجزائر: الدار العربية للعلوم/ منشورات الاخت ف، 2007)؛ هانس غيورغ غادامير،

فلسفة التأويل: الأصول، المبادئ، الأهداف، ترجمة محمد شوقي الزين، ط 2 (الجزائر/ الدار البيضاء/ بيروت: منشورات الاختلاف/

المركز الثقافي العربي/ الدار العربية للعلوم، 2006)؛ بول ريكور، صراع التأويلات: دراسة هرمينوطيقية، ترجمة منذر عياشي، مراجعة

جورج زيناتي (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحد، 2005)؛ بول ريكور، من النص إلى الفعل: أبحاث في التأويل، ترجمة محمد برادة وحسان بورقية (القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 2001). ونشير أخيرًا إلى أن مقاربات أخرى درست

الظاهرة الدينية كالمقاربة السوسيولوجية والأنثروبولوجية والقانونية التشريعية وغيرها.

وصف هذا الخطاب إلى تحليله واستشكاله، ثم تقديم حلول مفترضة باعتبارها أشكالً للإصلاح؛ إنه الفيلسوف الدنماركي سورن كيركگورد (1855-1813). فكيف حضر الدين في فكر كيركگورد؟ هل حافظت الكنيسة على رسالة المسيح أم حرّفتها؟ هل يمكن

الخلاص من الكنيسة واستبدالها بتدين جديد؟

أولا: المسيحية: من رسالة روحية إلى مؤسسة شعائرية

يتشكل الوجود البشري من تناقضات تمثّل قوامه وحقيقته، وتعزى إلى التعالق بين المتناهي واللامتناهي، الزماني والسرمدي، العلم والجهل، الخطيئة والغفران، الحياة والموت، الوجود والعدم، الله والإنسان... إلخ. ويبث هذا في النفس لواعج القلق والاضطراب واليأس، ويضعها دائمًا في

مفترق طرق، فتقف حائرةً من دون موجّه أو مغيث، فتنبثق الذات وتنتفض لترجّح اختيارًا على باقي

الاختيارات، وتوقف نزيف القلق، لتحقق معه ذاتها في الواقع؛ وتحملها من طور العدم (الوجود بالقوة) إلى طور الوجود (الوجود بالفعل). وتتبلور فيه الذات الفردية المفردة التي عارضها هيغل ومحاها في ما سمّاه الروح المطلق، ولم يكتف بذلك، بل قضى قضاءً مبرمًا على الحياة عندما سكن تناقضاتها

وأذابها في المرحلة الثالثة من مراحل المنهج الجدلي؛ وهي مرحلة التركيب التي قوّضت إمكانية

الحرية والاختيار، وحبست حركة التاريخ في بلوغ المطلق، متغافلةً عن الحضور القوي للخطيئة في العالم متمثّلة في مسألة الشر. تتأسس الخطيئة على مسألة الحرية والاختيار؛ فحينما أخطئ أثبت جهلي وأتحمل مسؤولية ما أضعت من فعل حسن، فأتوب عن خطئي وخطيئتي، وأعيد المحاولة من جديد، وأنا أعلم أن الإله أكثر تسامحًا، فبه أحارب إمكانية انسحاقي أمام الملال (الملَل). يقول كيركگورد: «أصاب الملال الآلهة

فخلقوا الإنسان. وأصاب الملال آدم لأنه كان وحيدًا فخلقت حواء. وهكذا دخل الملال في العالم، وازداد بقدر ازدياد عدد السكان. كان آدم في ملال وحده، ثم أصاب الملال آدم وحواء معًا، ثم أصاب الملال آدم وحواء وقابيل وهابيل كأسرة، ثم ازداد عدد السكان في العالم، فأصبح المجموع في حالة ملال بالجملة كجماعة». فالملل عنصر محرك للخلق، لذا تستمر حياة الموجودات بالخلق والكدح، الفعل أو العمل بلغة حنا أرندت، وتتوقف فنواجه الموت عند تكلس الفعل وجموده. يدخل الملل إيجابيًا في حياة الإنسان ليمنحه مزيدًا من التجدد والتغاير والحركية، فهو لا يريدنا كائنات ساكنة مترفعةً

عن حقيقة وجودها، متزهدةً تكتفي منه بأقل القليل، فمن لا يملّ لا حياة له، لا تكرار له، يعيش وفق نظام الغريزة والرغبة أحرى به عيشة الحيوان من عيشة البشر. لذا لا يُعرف دور للخطيئة في حياته، والتي تشكّل عماد المرحلة الدينية، وتتموقع بعد المرحلتين: الحسية الجمالية والأخلاقية.

(((عبد الرحمن بدوي، دراسات في الفلسفة الوجودية (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1980)، ص.58 (((حنا أرندت، ما السياسة؟ ترجمة زهير الخويلدي، تحقيق سلمى الحاج مبروك (الرباط/ الجزائر/ بيروت: دار الأمان/ منشورات الاختلاف/ منشورات ضفاف، 2014)، ص.38 (((لنا عودة إلى هذه المراحل وعلاقتها بالتدين، في هذا المقال.

إذًا، للخطيئة دور مركزي في فكر كيركگورد وحياته، فلا غرابة أن سخّر حياته للاستغفار والتحرر من ثقلها، مشبهًا نفسه في كل مرة بسيزيف الذي يحمل صخرته على كاهله لا يستطيع التخلص منها. فبسببها مات إخوته تباعًا، وخُلق بجسد مشوه وقدم تقرمط كثيرًا، فكان يسخر من نفسه بالشوكة في

الجسم، ومرة بتشبيهها بقفزات الكنغر. بل فسّر تخليه وافتراقه عن حبيبته ريجينا أولسن Régina Olsen

بسبب الخطيئة التي ظلّت ساريةً في عائلته فخاف عليها من لدغ الخطيئة. كلما نمت الخطيئة، ازداد القلق واتسعت دائرة الحرية. وللخطيئة جانبان: أحدهما شخصي فردي وآخر عام شامل جماعي: الأول مكتسب والثاني فطري موروث. لذا فحياة المؤمن ووجوده من أجل الله. المرض والموت فيه متماسّان مع الخلود. إيمانه قوي إلى درجة لا يحتاج فيها إلى المعجزة لترسيخه، ويكتفي بمشاهداته ومعايناته للإعجاز في الكون. ثم إن المعجزة تخالف النظام العقلي المحكم في الطبيعة وتريد خرقه؛ لذا يصف كيركگورد متبعي المعجزة بالكسالى، قد عطّل الغباء عقولهم. يبيّن كيركگورد تناقض رجال الكنيسة بين أقوالهم وأفعالهم؛ فهم يدعون الناس إلى التزهد بينما يراكمون

الثروة، لذا لاحظ تغذّيهم على ضعف الناس وجهلهم وخوفهم من المجهول، فتضمن لهم مصيرًا

محمودًا، ينتهي بتخليصهم من مشاقهم ومعاناتهم. وكما أعلن نيتشه، فإن الكنسية تحفظ الأغنام في سلام، فالمسيحية الكَنسية مجال لتسطيح الوعي، وخلق وعي شقي متمرد على الحياة في الأرض ومتزهد فيها؛ الأمر الذي أسهم في اغتراب الإنسان المؤمن بالكنيسة عن العالم والحياة. والأشدّ بؤسًا أنها توغلت في الحياة والعالم بقدر إبعادها الناس عن العالم، فغالط رهبانها وقساوستها الدولة، كي لا يُمسوا موظفين يتقاضون أجرًا منها مقابل سهرهم على تنفيذ تعليماتها، وكأنه منطلق علماني من

كيركگورد يريد من خلاله الفصل بين الكنيسة المطلوب منها تدبير الشأن الديني، والدولة المنوط بها تنظيم الشأن الدنيوي. ويعتبر رفض كيركگورد للمسيحية الكنسية رفضًا لصيغتها الدنيوية الاستغلالية التي تمرغّ القداسة في الدناسة، وليس رفضًا للمسيحية الحقة الأولى الصافية والخالصة كما حملها المسيح وبشّر بها في بداية دعوته وصدح بها للخلق أجمعين. خرجت الكنيسة عن ميثاقها المقدّس، فأمست شركة دنيوية مجدبة ومهرطقة، تشتغل ضد المسيحية والمسيح، ورهبانها وقساوستها هم الأشد كفرًا وإشراكًا، يختزلون المسيحية في طقوس وتعبدات

خارجية مفتقدة الروح والإيمان. يقول كيركگورد «إن قبول المسيحية قبولً موضوعيًا يعد من قبيل

(5) Anne-Christine Habbard & Jacques Message, Søren Kierkegaard Pensée et problèmes de l’éthique (Paris: Presses universitaires du Septentrion, 2009), p. 19.

يقر الباحثان بتداخل فكر كيركگورد مع حياته، وعلى أساس هذا المبدأ يخلصان إلى مبدأ آخر وهو تداخل الأخلاق مع الدين، بل تأسيس الأخ قاا على الدين، عكس ما رامه كانط عندما أسّس الدين على الأخ قاا. راجع: المرجع نفسه، ص 246، 247، 248.

وعن حياة كيركگورد يمكن التوسع في:

Søren Kierkegaard, Etapes sur le chemin de la vie , F.Prion & M-H Guignot (trad.), (Paris: Gallimard, 1948).

(((برانت فريتيوف، كيركجورد، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1981)، ص.134 (((المرجع نفسه، ص.152 (((يوسف حسن، فلسفة الدين عند كيركجارد (القاهرة: دار الكلمة للنشر، 2001)، ص.28

الوثنية أو الخرافة [...] فالمسيحية طريقة حياة، وإذا قبلناها لمجرد طقوس، أو إذا قمنا بتفسيرها تفسيرًا

عقليًا، فإننا بذلك نحيلها إلى العبث». وبناء عليه، فإن الفعل التديني فعل فردي ذاتي، قائم على

الإخلاص ومطابقة القول العمل، يتجاوز ظاهر الطقوس إلى جوهرها؛ وفي هذا ربط للعقيدة والإيمان بالحياة والمعيش، وكأن كيركگورد يرسم تصالحًا وتواطؤًا بين الكنيسة والوثنية ضد إرادات الأفراد. ثم

يعود إلى فكرة أن الفرد لا يولد مسيحيًا على دين معين، بل يصير كذلك عن جدارة واستحقاق، بعد

طول مجاهدة وتأمل، لذا ظل سؤاله هو: كيف يمكن المرء أن يكون مسيحيًا؟ والإجابة هي التطابق

مع المسيح، لا محاكاة أفعاله من الخارج، وجعل تشريعاته وعباداته وأقانيمه وأفعاله وغيرها أوثانًا تُعبد من دون الإله. الديانة المسيحية في مكوناتها ديانة متناقضة، وكل رفع لتناقضاتها وتغليب أحد أطرافها من شأنه القضاء على المسيحية الحقة. ولنا مثل بفعل الخطيئة الذي يذكّرنا بواجباتنا تجاه الإله، ويذكّرنا بنقصنا وقلة حيلتنا، ولأن الإله يحب الإنسان فإنه يغفر خطاياه ويحمل عنه وزره. لذا تؤدي الخطيئة دورًا إيجابيًا في

ربط الإنسان بالإله، فلو لم يكن يخطئ لما تاب وبحث عن الغفران، وبهذا يعاد فتح الطريق وينتصب جسر الاتصال بينهما بعد أن قُطع بفعل الخطيئة. فعلى المؤمن الوعي بمفارقة الخطيئة (التي تحيل على الذات في ماضيها) والغفران (الذي يؤشر على الذات في مستقبلها). فالخطيئة إنسانية والغفران إلهي، فأي معنى للغفران في غياب الخطيئة؟ وأي دور للراهب بلا شيطان؟ فالخطيئة تولد القلق، أما الغفران فينتج الأمل، في الخطيئة نكون رأسًا لرأس أمام الإله. ويبشر الانتقال من أحدهما إلى

الآخر بحركة في الذات؛ من ذات جزئية متماسّة برغباتها وشهواتها وغرائزها إلى ذات كلية تجردت

من هيكلها الجسمي وغادرت سجنها الجسدي لتسمق وتتجرد روحيًا. هنا اختلط التاريخ البشري

بالتاريخ الإلهي، فهي فرصة جمع كيركگورد خلالها بين التاريخ المقدس والتاريخ الدنيوي من دون أن يغشى أحدهما الآخر ويلتهمه في جوفه، الأمر الذي فعلته المسيحية، فحوّلت المسيح إلى مسيحية، ثم

المسيحية إلى كَنسية، وجرّت المعتقد إلى مذهب مقيد بتأدية شرائع وطقوس. حافظ كيرككورد للتاريخين البشري والإلهي عن استقلالهما، وفصل بينهما؛ فما اهتم بقصة النبي إبراهيم من جهة متى كانت، وكم عاش من الوقت، ولا شخصياتها ولا أحداثها. بل اهتم بالنفس المقدس فيها من خلال توظيفه عملية تضحية إبراهيم بابنه وافتداء الإله له. إذ يفترض فعل التضحية جزمًا أن من الخطيئة المبالغة حب البنوة وإغفال الأبوة، فكانت التضحية بالابن من أجل الأب (الإله)

إثباتًا من إبراهيم النبي لخطيئته واستعداده للتوبة، أما افتداء الإله له بذبح بهيّ، فيؤشر إلى مغفرة الإله

وصفحه. تبنى كيركگورد علاقةً غير زمنية بين المقدس والدنيوي، فلا أفضلية للذي جاء في فترة المسيح أو بعده

(((المرجع نفسه، ص.31 ((1(المرجع نفسه، ص.51

(11) Soeren Kierkegaard, Traité du désespoir , Knud ferlov & Jean.J. Gateau (trad.), (Paris: Gallimard, 1849), p. 12. (12) Ibid., p. 74.

بقليل على الذين جاؤوا قبله؛ ذلك أن راهنية الإيمان وحيويته مرتبطتان بالزمان النفسي المقدس، لا بالزمان التاريخي الدنيوي، فنحن بصدد تدين نفسي وجداني يغلب عليه الطابع الوجودي. ويتميز الزمان الوجودي بتعاضده مع مفهوم الحرية، والتي هي اقتدار على الاختيار والتمييز بين الخير والشر. ولنتذكر في هذا الصدد حدث خلق الشجرة المحرمة، ومطالبة الإله آدمَ بالامتناع عن الأكل منها؛ إذ عاش آدم قبل الأكل منها زمنًا مقدسًا صافيًا، ديدنه البراءة الأصلية، ومنزعه الجهل البدئي والحرية

المطلقة. وبعد الأكل انجلت الخطيئة وتوغلت في حياته، ثم سرت في تقاسيم حياة الإنسان، وحملها في جوهره، فهو مطالب بتصحيح الأوضاع (هذا بحسب اللاهوت المسيحي) عن طريق الاستغفار والتوبة والإنابة والتضرع والإيمان، عسى الإله يعفو ويصفح عن خطيئته كما صفح عن خطيئة آدم، وتاب على إبراهيم، وسامح أيوب وغيرهم. يشير كيركگورد إلى كون المرحلة الدينية مرحلةَ معرفة ودراية ارتفع فيها حجاب الجهل، وإلا كيف علم آدم بخطيئته، وعرف سبل التخلص منها بالتوبة؟ إذ هي أفعال تشير إلى معرفته. والدليل الذي يسوقه كيركگورد أن آدم كان عاريًا قبل فعل الخطيئة وحين إتيانها، والجهل عري، لكنه لم يكتشف عريه إلا

لحظة أكله، فوعى فعله، وبناء عليه، اختار بحريةٍ، التوبة والاستغفار والإيمان باعتبارها منجيات له من مهلكات مقترفاته. ثم ضحى آدم أيضًا برغبته في الأكل من الشجرة حينما تاب؛ لأن التوبة وعد بعدم تكرار الفعل. لقد كان فعل آدم محفزًا ودافعًا لكيركگورد للتضحية بجمال محبوبته ريجينا أولسن من أجل الحب الإلهي، فيكتب: «إن خطبتي لريجينا أولسن وفسخ الخطوبة يصوران علاقتي بالله». كان حب أولسن مطيةً تمكنه من بلوغ الحب الإلهي، وجمالها يوجهه إلى الجمال الإلهي؛ إذ كل شيء فيها ينتمي إلى الإله، فكان الأولى أن يحب الإله، لذا لم يرد أن يرتبط بها بأيّ رباط بشري زائد ونسبي (الزواج، الخطبة)، فقد ارتبط برباط عشقي إلهي مقدس، إذ واجبات الرباط الأول أدنى من واجبات الرباط الثاني.

ثانيًا: الخوف والرعدة: أساس التدين ومنطلقه

يمكن أن نفسر طلاق كيركگورد البائن من ريجينا أولسون أنه قطع لكل علاقة يمكن أن تجمعه بالأنوثة، بخوفه وقشعريرته الزائدتين، وحساسيته التي ورثها عن أبيه، من إله منتقم يريد استرداد مكانته ومكانه، بعد سبّ وشتم أبي كيركگورد له، من دون أن يعني هذا إمكانية تفسير كل فلسفة الرجل بناءً على

هذا المنطلق. فكما ضحى إبراهيم النبي بابنه إسحاق (في الإسلام إسماعيل) من أجل الإله، ضحّى كيركگورد بأولسن، وكما استشعر إبراهيم العقاب الإلهي وصبر، كذلك أحسن كيركگورد عملً بالابتلاء الإلهي على خطايا أبيه، فأوجب على نفسه التجلد. إذ بالصبر يمكن أن يضمن النجاة لأبٍ

((1(13 عبد الرحمن بدوي، الزمان الوجودي، ط 3 (بيروت: دار الثقافة للنشر،.)1973 (1((بيار مسنار، كيركجارد. ترجمة: عادل العوا (بيروت: منشورات عويدات،1983)، ص.93 ((1(حسن، ص.136

(16) Søren Kierkegaard, Post-scriptum aux miettes philosophique , Paul Petit (trad.), (Paris: Gallimard, 1949), p. 23.

أحبه بقوة، كما ضمن إبراهيم النجاة لابنٍ أحبه بقوة (ما قامت به الأبوّة عند إبراهيم تقوم به البنوّة عند كيركگورد)، وتستمر التشابهات بينهما، فكما صوّر إبراهيم نفسه أمام إسحاق «أنه ليس الأب الرحيم

ولا منقذًا، فيجب أن يجأر الابن للإله مباشرة»، صوّر كيركگورد نفسه لأولسن أنه شخص وقح منحط متكبر، يتلاعب بمشاعرها ليحملها على النفور منه وكرهه، ثم تركه عن طواعية، فنجحت خطته، ومعها فقد آخر خيط له على الأرض، وارتفعت نفسه لتجول في ملكوت الإله. يتكلم كيركگورد واصفًا حاله على لسان إبراهيم النبي: «هكذا ينبغي أن يكون الأمر، فمن الأفضل بعد كل هذا أن يعتقد أنني وحش ضار، وأن يلعنني لأنني كنت أباه، بدلً من أن يعرف أن الله هو الذي قضى بهذا الامتحان، فلربما ضاع رشده حينذاك، وربما صب لعناته على الله». لم يفقد إبراهيم حنوّ الأب، بل تركه في يد الإله الأب، ويوازي هذا الفعل ما تقوم به الأم عند فطام رضيعها. فرغم منعها ثديها عن ابنها، فإنها لا تمنعه حنانها وحبها. يريد كيركگورد بذلك أن نربط علاقة مباشرة بالله من دون وجود أي واسطة، فالواجب أن نزهد من هؤلاء الوسطاء المدّعين، ومن زخرف الدنيا وزينتها وبهائها الزائل، إلى التعلق بحب الإله اللامتناهي؛ فالإيمان بوجود المفارقة Paradoxe في الاعتقاد الديني بين الإله والإنسان، والمتناهي وغير المتناهي، من شأنه أن يعيد وصل ما انفصل، ويلمّ ما تشتت بينهما؛ ذلك أن الوجود يؤسَّس على الزوج اللانهائي والنهائي الذي يعطي الخلود. يزيد كيركگورد في تعديد خصائص هذا الترابط، فانتصار الإنسان في انهزامه أمام الإله، وقوة الفرد في ضعفه بجنب الإله، وحريته في عبوديته له التي تحوط به في عالم الروح الذي يصوره: «هنا يسود النظام الإلهي الأبدي، هنا لا تمطر السماء على العادل والظالم سواء، هنا لا تشرق الشمس على الطيب والشرير معًا. وأن من يحيا في قلق هو وحده الذي يجد الراحة». إن منطق عالم الروح مخالف لمنطق العالم السفلي المليء بقوى التناقض، والمهتجس بالتغاير والاختلاف. فيحاول الإله التقليل من هذا المنطق التغايري، بمنح الخيرات منحًا متوازنًا يضمن تكافؤ الفرص. فتشرق شمسه على كل خلقه، وتمطر سماؤه على مخلوقاته، وتعطى فرص العيش لكل ألوان البشر، ويسمح بعبادته لكل الأديان... إلخ. تتغلب الإرادة على العقل ويجتاح الحزن الذات، ليتوقف مفعول الألم، ويشتغل لهيب الأمل في قدرة الإله على التدخل لصالح المسلم المؤمن. يجب الإيمان بالإله القادر القوي حتى على إنجاز اللامعقول. فلو توقف فعله على المعقول لكان محدودًا ومتناهيًا، والحال ألّ حدود لقدرته ولا نهاية

(17) Ibid., p. 188. (18) Ibid., p. 314.

(1((سورين كيركجارد، الخوف والرعدة، ترجمة فؤاد كامل (القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1984)، ص.8 ((2(المرجع نفسه، ص.27

(21) Kierkegaard, Post-scriptum , p. 313, «L’existence est formée d’infini et de fini, l’existant est infini et fini, si donc une béatitude éternelle et son bien suprême.»

(2((كيركجاررد، الخوف والرعدة، ص.42

لها. لذا يتخيل كيركگورد أن المطلوب من المؤمن: «أن يقوم من المنصة بتلك الوثبة العظيمة التي يبلغ بها اللامتناهي وأن يكون ظهري أشبه بظهر راقص الحبال». الوثبة قفزة غير معقولة في هواء العدم، من المحدود إلى اللامحدود، ومن المتناهي إلى اللامتناهي، من عالم البشر إلى عالم الإله. إذ إن فعل هذا من شرائط الإيمان ومقومات الحب، فالحب لا يغير فقط الشخص المحب، بل يغير حتى طبيعته الخاصة. يسميها جيل دولوز المرايا المتحركة التي تعكس الصورة نفسها مشوهة. فالأمل مشروط بالإيمان، والإيمان يستلزم التسليم بالمفارقة؛ أي التفكير العقلي في وجود اللامعقول وتساكنه وتشارطه مع المعقول وتساويهما في الوجود الإلهي. إن الإله أراد للمعقول أخًا وحبيبًا

يؤانسه ويؤازره، فخلق الثنائيات استجابةً لهذا المنطلق، فلو بقي واحد منهما لانمحى الثاني من فوره. يعلق كيركگورد: «وهكذا أستطيع أن أدرك أن الأمر يتطلب القوة والطاقة وحرية الروح لكي نقوم بحركة التسليم اللامتناهي». فالتسليم اللامتناهي يفتح أمام المؤمن فجوات غير مفهومة في الكون يملؤها بالمعجزات، ومن خلالها يرى عظمة الإله وحسن نسجه وجميل إنشائه. ولو قوي إيمانه أكثر وزاد تسليمه، لما احتاج إلى المعجزات لإثبات قوة الإله وهيلمانه. وفي هذا المستوى تحايث المعقول واللامعقول، وتشابك المتناهي واللامتناهي، الأمر الذي يجعل المؤمن موزع الكيان وممزقًا، يلملمه في حالة إيمانه، فالإيمان رفع للمفارقة والتناقض. وكأن كيركگورد ارتفع بالإيمان فوق العقل، ويقر بهذا في تصريح غريب عجيب: «مهمتي مراقبة ومتابعة تجليات المفارقة في الكون، فأكسب كل شيء ولا أخسر شيئًا. أسير لحال زهد من تملك ما تحت يدي. أستشعر سكينة وسلامًا دائمين، حسبي أن أجد في نفسي الغربة عن العالم». وخير ما ينقل غربته ويسكن لواعجه من آلام الكون هما التهكم والفكاهة. فالتهكم بوصفه وجهًا للسخرية من مفارقات العالم، والتفكه والاستهزاء من اجتماعهما وتغالب طرفيهما، رغم بنوتهما لأب واحد. والأبوة والبنوة تذكراننا بقصة إبراهيم النبي عليه السلام الذي تنكشف فيه معاني المفارقة، مفارقة كفيلة بأن تحيل الجريمة إلى عمل مقدس يرضي الله، مفارقة أعادت إسحاق إلى إبراهيم. هذا إلى جانب مفارقات أخرى شكلت «العمود الفقري» لقصة إبراهيم. إن مفارقة الأخلاق بشكلها العام والكلي، باعتبارها غاية لكل فعل، تتحقق وتستوي حينما تنفي وتسلب الفردي والجزئي. إذ الأخلاقي نبذ للفيزيائي أو ضبط وتوجيه له، والمقصود أن الفعل الإنساني لا

((2(المرجع نفسه، ص.52

(24) Soeren Kierkegaard, Riens Philosophique , Knud ferlov & jean J. Gateau (trad.),)Paris: Gallimard, 1931), p. 29. (25) Gilles Deleuze & Félix Guattari, Mille Plateaux (Paris: Les Editions De Minuit, 1980), p. 44. (26) Kierkegaard, Riens philosophique , p. 69.

(2((كيركجارد، الخوف والرعدة، ص.64 ((2(المرجع نفسه، ص.68 (2((يمكن العودة إلى بحث حول مفهوم التهكم عند كيركگورد، في: إمام عبد الفتاح إمام، مفهوم التهكم عند كيركجور، حوليات كلية الآداب، الحولية الرابعة (الكويت: جامعة الكويت، 1983)، خصوصًا الفصل الرابع المعنون: «كيركجور.. والتهكم السقراطي.» 3(((كيركجارد، الخوف والرعدة، ص 7.0

يحتكم إلى الغريزة والشهوة، بل إلى الضمير الأخلاقي الذي يتحرك داخل الفرد عند ملامسته للخطيئة، والتي هي مخالفة الجزئي للكلي، والفردي الخاص للجمعي العام، والفيزيائي للأخلاقي. وكأن الخطيئة سيطرة الفيزيائي الغرائزي على الأخلاقي القيمي، ومن ثمّ فإن الإيمان هو سيادة الأخلاق على الفيزيائي. فالعلاقة الأخلاقية تلزم إبراهيم النبي بحب إسحاق الابن، ولو توقفنا عند هذا المستوى لكان من الضروري قتل إبراهيم لارتكابه جرمًا أخلاقيًا، ولعاش مهانًا يؤنبه ضميره الأخلاقي. وبما

أن كيركگورد يعبر إلى المرحلة الدينية، فإن فعل القتل يمسي مشروعًا ما دام الإله الأرحم قد أمر به، فواجب الطاعة أسبق من واجب الأبوة. ومكمن المفارقة أن إبراهيم ممزق بين الواجب الأخلاقي والواجب الديني، ولم تستمر المفارقة لزمن طويل، بل حسمها إبراهيم لصالح طاعة الإله وانحاز إلى الدين على حساب الأخلاق، والمفارقة نفسها نجدها في الأساطير اليونانية. فمع أجاممون ويفتاح وبروتوس... إلخ، كلهم تجاوزوا الأخلاق، لكن إبراهيم يختلف عنهم بأنه لم ينقذ الشعب أو يحافظ على الدولة، بل أطاع الإله فحافظ على النظام العام للكون. يصف كيركگورد حاله: «فبينما يكون البطل المأساوي عظيمًا بفضل فضيلته الأخلاقية، فقد كان إبراهيم عظيمًا بفضل فضيلة شخصية بحتة».

علم إبراهيم أن الأمر يرتبط بالابتلاء الإلهي الذي يريد تمحيص صحة الحب الإبراهيمي وصدقه الذي يتجسد في الاستسلام والطاعة، وذلك عبر تخليه عن المتناهي (حب الابن) للظَّفر باللامتناهي (حب الإله الأب). ولقد لُعن إبراهيم من الناس الذين يحتكمون إلى معيار الأخلاق، وبورك من الإله الذي يقيس الأفعال بمقياس التقوى والطاعة الدينية. ولنا في مريم أم النبي عيسى خير مثل، باركها الإله ولعنها الناس. وكأن طاعة الله تستوجب مخالفة البشر. فهل يعني هذا أن الخطيئة هي في طاعة الناس؟

ثالثًا: الموت اللانهائي والحياة النهائية

يعتبر كيركگورد القدرة على اليأس من علامات الموت؛ لأن اليائس بدأ بفقد بوصلة الحياة واقترب من الموت، فكما الموت أمر عادي فإن اليأس أمر عادي. ورغم ذلك، يجب الشفاء منه لأنه مرض نفسي. يقول كيركگورد: «الشخص الذي يخلو من اليأس حقًا هو شخص نادر الوجود». فمن شأن اليأس أن يقربنا من الدين، ويمكننا من العودة إلى الإله ويعرفنا مدى حاجتنا إلى البقاء أمامه، لذا يظل سرًا

مخفيًا يؤثر في الحياة بصمت، ومقاومته تتم بالصمت نفسه، إذ يحتاج إلى كثير من الصبر والمثابرة،

ومزيد من الأمل، يحدوه التعلق باللانهائية. تشاغل الخطيئة المؤمن عن إيمانه، وتخدر وجدانه، وتقدم له نفسها تقديمًا مغريًا. وكبحًا لجماحها،

يطالبه كيركگورد بالصراخ في وجهها مثلما يصرخ في وجه الشيطان، قائلً: ابتعد أيها اللعين عني. وبه؛ سيجد المؤمن في نفسه جمالً وبهاءً، وقوة عزيمة وصلابة إرادة، مطابقة لطبيعته الخيرة التي تنفر

من وسواس الشيطان وأعماله الشريرة، إذ الضعف أمام الخطيئة يوهن الإرادة، ويفقد الذات اتساقها، ويَجعَلها تابعًا تتقلب في الحياة كتقلب السفينة في موج البحر أو تترنح كترنح ورقة تلاعبها الرياح.

(3((المرجع نفسه، ص.77 3(((سورين كيركجارد، المرض طريق الموات، ترجمة أسامة القفاش (القاهرة: مكتبة دار الكلمة، 2013)، ص.36

آمنت المسيحية، في نظر كيركگورد، بإمكانية غفران الخطايا، وصورت الخطيئة فعلً إيجابيًا إذا

ابتعد فاعلها عن اليأس؛ إذ الإله في تواصل مباشر مع الخطّاء يمحو آثامه، لكونه عارفًا بالطبيعة التي نسج منها الإنسان. والملاحظ أن فعل الخطيئة لم يعد أمرًا سلبيًا، كما هو الحال مع رجال الدين

الكنسيين الذين يستغلونها لمآرب أخرى، بل أمرًا إيجابيًا مثمنًا عند كيركگورد، يجعل الشخص

أقرب إلى الإله. فيصرح كيركگورد: «فما هو الوضع المسيحي في ما يتعلق بغفران الخطايا؟ حسنًا، في الواقع، حالة العالم المسيحي هي اليأس من غفران الخطايا، ولكن علينا أن نفهم هذا في إطار أن المسيحي هو حتى الآن حالة لا تظهر أبدًا على هذا الحال». وكأن الكنيسة مصدر من مصادر اليأس، ومحاربة اليأس تستلزم مقاتلة الكنيسة ذات الإيمان المسيحي الناقص. وكأن الإيمان المسيحي التام يستتبع وجود مكونين، إن سلمنا بأحدهما سلمنا بالآخر ضمنًا، فلو آمنا بالخطيئة لآمنا بالمغفرة. فقد احتفظ رجال الدين بالخطيئة ووسّعوها حتى آيسوا الناس من المغفرة،

وقطعوا علاقة الفرد الواحد بالإله، وجعلوا المسيحية دين الرهبان والقساوسة والإكليروس، دين جماعة من الناس بعد أن كانت دين الكل، وقطعوا علاقة السماء بالأرض بشائن أفعالهم، وصوروا الدين تجارةً رابحة. يقول كيركگورد: «صدق الخطيئة هو وجودها الواقعي في الفرد، سواء كان هذا أنا أو أنت». تعتبر الخطيئة من أصول المسيحية؛ فلولا الخطيئة لما ظهرت التشريعات التي تحاول تزويد الفرد بطرق الاستغفار والتخلص منها. وبناءً عليه، تتخذ الخطيئة صيغة المفرد لا الجمع، ويعني هذا أنها ليست

فطرية - فلو كانت فطريةً لاتخذت صيغة الجمع - ولا يمكن أن تكون فطرية، وإلا ألحقنا الظلم بالإله، فكيف عساه يحمّل الذنب كل الناس رغم اختلافهم؟ ولِم يحمّل الذنب شخصًا لم يقم به؟ فالإله هنا

مثل القاضي، لا يدين إلا من ثبت قيامه بالذنب ويعاقبه عليه. ومن ثمّ بات في الإمكان التخلص من الخطيئة بالمغفرة، بوصفها ترميمًا للذات من شوائب طالتها، فهي إعادة تنظيم وضبط وتوجيه، تناسب

الذات مع نظام الكون. وما الإله إلا هذا النظام، فكما يعلن كيركگورد «وتحقيقًا لهذه الغاية فهو [أي الإله] حاضر في كل مكان وفي كل لحظة». تعد الخطيئة انفصالً للإنسان عن الإله، والمغفرة إعادة وصل وجمع بينهما، وردم للهوة التي اختلقتها الكنيسة بين السماء والأرض. وبين الانفصال والاتصال تظل هنالك مسافة فاصلة تمنع مشابهة الإله ومماثلته بالإنسان، أو الإنسان بالإله. يقرر كيركگورد: «والآن في عصرنا هذا التنويري، تهاوت كل المفاهيم المشبهة أو المشخصة للإله». ففعل التشبيه تجديف؛ كونه يتسفّل بالإله إلى رتبة الإنسان أو يتصعد بالإنسان إلى رتبة الإله، فيقلب عاليه سافله وسافله عاليه، بل يخلط عناصر الوجود خلطًا غريبًا فيذهب نظامه. فالمشبِّه يؤله الإنسان ويؤنسن الإله. والمانع عن مثل ذلكم

(((3 المرجع نفسه، ص.170 (((3 المرجع نفسه، ص.175 (((3 المرجع نفسه، ص.176 (((3 المرجع نفسه، ص.179

الصنيع هو إحساس الإنسان بالخطيئة وسعيه للاستغفار منها لإله لا يشبهه في شيء، على الأقل لا خطيئة له، بل هو الغافر. ويصرح كيركگورد، الفيلسوف الدنماركي: «الله والإنسان فئتان تفصلهما هوة سحيقة من الفروق الكيفية اللانهائية التي لا يمكن عبورها». فعلى هذه الشاكلة يرى المؤمن العلاقة بينه وبين الإله، فيحفظ المسافة ويباعد بين الإنسانوية والإلهوية، من دون سقوطه في الفصل النهائي بينهما، سواء كان تشبيهًا أو تعطيلً. وتتقوّم تلك المسافة أو التماسف بشعيرة الحب، بوصفه

تضحية بكل شيء في سبيل من نحب، فهو قدرة على التخلص من ثقل الذات وتمركزها، لنسمح لها بالسفر في عوالم اللانهائية الإلهية. والخفة هنا تخلص من الإنسانية في شكل اعتراف بالذنب والخطيئة. ولنتذكر قصة إبراهيم النبي مجددًا مع ابنه إسحاق اللذين غالبهما الحب النهائي، فضحيا به طلبًا للحب اللانهائي، فحب الإله أولى من حب الابن. فالأب تخلى عن الأبوة الصغرى لبنوة

كبرى فأطاع الإله، والابن تملص من بنوة صغرى سعيًا لبنوة كبرى فأطاع أباه. تعلمنا قصة النبي

إبراهيم ألا حب من دون تضحية، وأن الحب لحظة عبور من المحدودية والنهائية البشرية إلى اللامحدودية واللانهائية الإلهية. فلولا الحب لما تقاربت الأجناس في الكون: الذكورة والأنوثة، الألوهة والأنوسة، اللامحدود والمحدود، اللانهائي والنهائي، عالم السماء وعالم الأرض...إلخ، فالحب بمعنى من المعاني عبور للهوة وقفز فوق ظلام الخطيئة، لذا كان نداء المسيح الأخير: «فليختبر كل إنسان نفسه». بعد أن دعا سقراط الإنسان إلى المعرفة، وتحولت المعرفة إلى اهتمام بالنفس مع الفلسفة الأبيقورية والرواقية. ها هو المسيح يقيم محكمة للنفس أسُّها اختبارها ورسم حدودها، ومعرفة خطيئتها التي

تذكرنا بمحدوديتها وتزمنها ونهائيتها، بينما من شأن تملّي غفران الإله وتسامحه أن يذكرها بلامحدوديته ولانهائيته وتدهرنه. فيجلي الاختبار تناقضاتها ومفارقاتها، لكنها تناقضات ومفارقات تخلق التوازن وتصون الانسجام الذاتيين. وتلكم هي حالة الإيمان؛ حالة متذبذبة متحركة منفلتة، قادرة على التعدي والمجاوزة بنوعيها الإيجابية والسلبية، البنائية والهدمية. ولنذكّر هنا بمنطق هيغل الجدلي، أو وجودية سارتر القائمة على التجاوز المستمر لكل الوضعيات، إذ المعرفة الإنسان مشروع حر منفتح، متوجه نحو... عدو التجاوز والتعدي والجدل هو اليأس. وما اليأس إلا إحساس وشعور بالدوار، ينتج من فقدان علاقة التوازن والتكامل بين الجانبين: النفسي والجسدي، المتناهي واللامتناهي، الحرية والضرورة، الإلهية والبشرية. يقول كيرككَورد: «فقط من خلال العلاقة مع هذا الآخر يمكن أن يكون في حالة توازن». فهل بمقدور التكرار خلق هذا التوازن؟

(((3 المرجع نفسه، ص.185 (((3 حسن يوسف طه، «الحب والإيمان عند كيرككور»، قضايا إسلامية معاصرة، العدد -5556 (صيف وخريف.)2013 (((3 كيركجارد، المرض طريق الموات، ص.188 4(((يمكن العودة إلى: ميشيل فوكو، تأويل الذات، ترجمة الزواوي بغوره (بيروت: دار الطليعة،.)2011 4(((راجع في هذا الباب: إمام عبد الفتاح إمام، المنهج الجدلي عند هيغل، ط 2 (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر،.)1982

(42) Jean Paul Sartre, Critique de la raison dialectique)Paris: Gallimard, 1960), p. 95.

(((4 كيركجارد، المرض طريق الموات، ص.208

رابعًا: فعل التكرار مؤشر على حياة نفسية بلا يأس

يشير كيركگورد إلى إمكان القضاء على اليأس وزرع بذور الإيمان في الذات، عن طريق فعل نفسي يطلق عليه «التكرار». فالتكرار حركة تنقل مستمرة من كذا وإلى كذا، سفر يتجنب الحدود المنطقية العقلية القائمة على الثنائية القيمية إما... أو...، إذ التكرار صيغة جديدة مثمنة، محتواه القضية اللامنطقية اللاعقلية: إما... أو... أو...، وهو البعد الثالث الذي يوازي بين الأمكنة ويساوي بين الأزمنة، ويمنع التراتبات والتفاضلات التي تخلق الفرقة. فلا مكان يفضل مكانًا، ولا زمان أحسن من زمان، حيث يتم تأويج مقولة الهوية وتغليبها على باقي المقولات. علاوة على أن التكرار لا يؤمن بالحدود الجغرافية المنصوبة للجسد والروح، فيتحدى الموانع ويتجاوز المعيقات، ويصير التكرار علاجًا وترياقًا، ميسمًا يمكن تجرعه ضد اليأس. يشابه التكرار التذكر؛ فالتذكر استعادة للذكرى من الماضي واستقدامها إلى الحاضر، وكأنها جزء منه تناسلت من رحمه وعادت إليه. فالتكرار بدوره استعادة للفعل الماضي وكأنه حصل الآن، فهو يجعلنا آنيين أكثر حضورًا وتمكنًا، نعيش الحاضر في حظوته الممتدة في الزمان. الخلود هنا، والآن هو شعار التكرار، يحضر من دون أن يمضي، ويقدّرنا على ملء الحاضر الذي يُحضر في جبته الماضي.

التكرار إعادة ترتيب لبيت الزمان، هو إيمان «أن كل أشكال الحياة هي تكرار». التكرار عود على بدء أو بدء على عود. النهاية بداية والبداية نهاية. الزمان دائري منفتح، واللحظات في إمكانها أن تتكرر. فكل ما يُتذكر ويستعاد يخلق السعادة، فالسعادة استعادة. يقول كيركگورد، فيلسوف

كوبنهاغن: «إن تكرار الحب هو في الحقيقة الحب السعيد الوحيد». هنالك تفاضل وتراتب بين الفعل والاستعادة؛ فاستعادة الفعل أفضل من الفعل، وتذكر الحب أحسن من الحب. إن التذكر والتكرار بعيدان عن القلق. فالقلق من الجديد، والأمل في الجديد الذي قد لا يأتي. أما التكرار فقدرة ذاتية على استعادة الفعل. فعندما أنظر إلى جمال سطوع الشمس وغروبها، تتكرر حركتها كل مرة، ومع ذلك لا ينتابنا شعور بالملل أو اليأس، بل نُقبل عليها في كل حين بنفس منشرحة منبسطة، كإقبالنا على الخبز والأكل والشرب. كل يوم يكرر الحياة في جزئياتها وفي كلياتها من دون كلل أو ملل، وبذلك يظهر

(44) Søren Kierkegaard, Ou Bien... Ou bien , F. et O. Prior & M.H. Guignot (trad.), introduction de F. Brandt (Paris: Gallimard, 1943), p. 76. (45) Ibid., p. 55. (46) Ibid., p. 103.

(((4 جيل دولوز، الاختلاف والتكرار، ترجمة وفاء شعبان، مراجعة جورج زيناتي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص (((4 المرجع نفسه، ص 191-190. يقول دولوز فيه: «لا يحيلنا التذكر ببساطة، من حاضر راهن إلى حواضر قديمة، ومن أشكال حبنا الراهنة إلى أشكال حب طفولية، ومن عشيقاتنا إلى أمهاتنا. هنا أيضًا لا تأخذ الصلة بين الحواضر التي تمضي، بعين الاعتبار، الماضي المحض الذي يستفيد منها لصالح هذه الحواضر»، ص.191 (((4 سورين كيركجارد، التكرار مغامرة في علم النفس التجريبي، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد (القاهرة: مكتبة دار الكلمة للنشر والتوزيع، 2013)، ص.32 (5((المرجع نفسه، ص.33

أن فعل التكرار تهتجس به الحياة، ويتوغل في نسيجها، ما دعا كيركگورد إلى التساؤل: «حقًا، ماذا كانت ستصبح عليه الحياة إن لم يكن هناك أي تكرار؟ من ذا الذي يستطيع أن يرغب في أن يكون لوحةً يكتب عليها الزمن شيئًا جديدًا كل لحظة أو يكون مجلدًا من ذكريات الماضي؟». الملل كل الملل في غياب التكرار. ففي تصور كلل التكرار وتوقف حركته المتأنية، يعني تهافت الجديد وفقدانه لمعانه ورونقه، بل إصباغه على الحياة معاني المفاجأة واللامتوقع والمتسارع... إلخ، مع غياب المراكمة. والحال أن أساس كل جديد قديم نعيشه ونحاول تعديله بتطعيمه بالجديد. فكون الإله من أفضل الأكوان وأتمها وأرقاها، ورغم ذلك، فهو مسكون بالتكرار بوصفه سنة حياتية. فنحن حينما نكرر أشكالً حياتية نتناسب مع قوانين الإله، وننخرط في سننه، فنعبده ونؤمن به ونصدق بكونه، عندما نكرر حياتنا. لعل سبب هذا التحليل الكيركگوردي شخصيته السوداوية المتقلبة المزاج. فحبها لا يدفعها إلى الاقتراب ممن تحب، بل إلى التباعد عنه. يُفهم الاتصال بإمكانية الانفصال المتاحة، ويشابه مثل هذا الفعل الصباح والمساء، فبداية أحدهما إعلان لنهاية الآخر، ونهاية أحدهما بداية الآخر، يحضر فيهما التوازن الوقتي وتتساوى في إطارهما اللحظات، لتظل البداية نهاية، والنهاية بداية. فالتبادل محتمل ومرجح، والغلبة هي للتكرار الذي يحتاج إلى إصرار ومثابرة، وإلى مرء مقدام مقتدر على كبح جماح نفسه وترويض ميولها، من دون أن تحرفه الشهوات أو تقوده نزوات الحب، فإن استطاع إلجام نفسه أحبته المرأة وازدادت اهتمامًا به، لاقتداره على تكرار الاشتياق ومعاودته له والتفكر فيه، فتجمح ناحيته محاولة لفت انتباهه وإثارة اهتمامه. فهذه امرأة تحدد لقسطنطين قسطنطيوس (الشخصية الرئيسة لكيركگورد في كتابه التكرار) أنواع الرجال، وتعبر له عن تعلقها بالقوي المثابر الصابر على ميوله وشهواته، والذي يستطيع الظهور بمظهر غير المبالي وغير المهتم. تقر المرأة على لسان قسطنطين: «ن.ن هو شخص ممتاز لكنه لا يحتمل، ولكن ف.ف، هو مثير للاهتمام». ويعلق عليها كيركگورد: «يجب أن تخجلي، إنه لأمر مخزٍ بالنسبة لفتاة شابة تتحدث على هذا النحو. فإذا كان هناك رجل اشتط في الاهتمام، فمن ذا الذي ينقذه إن لم يكن فتاة؟». المسؤولية ملقاة على عاتق الفتاة، فهي التي استثارت اهتمامه، وجعلته يتعلق بها لما أبدته من مطاوعة. والآن، تصرفه وتدفعه بعيدًا عنها، فكان الأولى بها ألا تلفت اهتمامه منذ البداية. يستمر كيركگورد بسَوق مَثلٍ بفتاة شابة تقدمت له أثناء سفره، جاءته خائفة متوجسة، مرجحةً الاحتماء

به من الوحوش الضارية، راغبةً في السفر معه. وكان يعرف أن التعلق بها سيجعله خاضعًا دليلً لسلطان جمالها ورونق منظرها، ويعلم أنه إذا شرب من كأس حبها وارتوى سيسكره ويفقده التحكم في ذاته،

(5((المرجع نفسه، ص.34 (5((لم ينتبه كيركگورد بحسب دولوز إلى أن التكرار نوعان متمايزان متناقضان لا مبرر للخلط بينهما أو إغفال أحدهما، وهما التكرار المادي والتكرار الروحي. ويضيف إليهما التكرار الفيزيائي، انظر: دولوز، ص 189، 190،.533 (((5 كيركجارد، التكرار مغامرة، ص.57 (((5 المرجع نفسه.

ويقلل من قيمته أمام نفسه وأمامها، لذا سارع إلى قيادة عربته مبتعدًا عنها بنجاح، وقاد معها عربة نفسه وأخرجها من هذه المحنة، إلى درجة أنه ما إن وصل إلى وجهته حتى نسيها، رغم معاودتها الظهور في ذاكرته، ومفاكرتها السيطرة على حياته. يقول عنها: «لم أتساءل مطلقًا عمن تكون، أو أين تعيش، وما الذي يمكن أن يكون دافعًا للقيام بهذه الرحلة المفاجئة، ولكن بالنسبة لي كانت دائمًا ذكرى جميلة، ولم أسمح لنفسي بأي فضول». فيقفز كيركگورد عاليًا فوق الذكرى. ويقوم منهجه على الطفرة،

والتي تشبه سَيره الذي كان يقرمط؛ فكثيرًا ما سخر من نفسه بتشبيهها بالكنغر يقفز من دون أن يقدر

على المشي. يعتبر المشي توازنًا فوق الأرض، كما المعنى توازن في النص، والتكرار توازن في الحياة. والمشي محايثة للأرض وإثبات لإنسانيتنا ومواطنتنا عليها؛ فالذي قفز في إمكانه السقوط أكثر ممن يمشي. فالمشي هنا تكرار لحركة متوازنة اعتيادية، نفقد معها إمكانية التمييز بين أقدامنا والأرض التي نطأ - فنفهم لماذا رفض سقراط انتعال أحذية كونها تفارقنا عن الأرض - فأديم الأرض هو جلد القدم وبشرته، والقدم مأخوذة من معنى التقدم والإقدام، والتقدم حركة عبور فوق وجه الأرض. وللرِّجل

أيضًا معاني الترجل الذي يقصد منح الرجل مصافحة «وجنة» الأرض وتقبيلها، فأمست الأخيرة جسدًا كبيرًا لا يمثل جسم الإنسان إلا امتدادًا له، وبات فعل الرقص إقدارًا للجسم وترويضًا لملكاته وأعضائه

على تكرار القفز من دون السقوط. ترتهن الدربة على هذا الأمر بالرقص، في الرقص (مثلًالباليه) نكرر رفع القدم وإعادة الأخرى، نكسبهما معًا قدرةً على التوازن فوقها، بجعلها ركحًا لاستقبال دفقات الأقدام وألحانها. إننا ننقر فوق الأرض ونشكل برقصنا إيقاعًا موسيقيًا يعتصر تجربة جسمنا الذي يبوح

بأسراره للأرض؛ الأذن الكبرى. فالتكرار بهذا المعنى عمل فني راقص على أنغام الكون: صفير الرياح، خرير المياه، تلاطم أمواج البحر، زقزقة العصافير... إلخ، تمايل الأشجار، تدبدب الأفعى... إلخ، كل ما له صوت في الطبيعة يغني، وكل ما يعكس الصوت يلحن، وكل ما يحوز قدمًا يرقص. فعلى الإنسان تعلم توظيف أقدامه، وعلى الفلسفة أن تعلمنا الكتابة بالأقدام بدل الكتابة بالأقلام. الفلاسفة كائنات راقصة، تحررت قوائمها من الأنظمة الأخلاقية الحاجزة على الجسد، المنظمة لحركته بمقولات تحريمية ضبطية. جعلت الفلسفة الجسد يترنح ويتمايل كتمايل الرياح، ينساب مثل انسياب الماء وجريانه، يتطاير من قبيل تطاير يباب الفيافي، ينسلّ كانسلال النور من الظلمة أو الظلمة من النور. يعلمنا كيركگورد أن الجسم، رغم أنه شوكة في نظره، أكبر من أن يُحتوى في المضامين الأخلاقية، ويوجد دائمًا متمردًا شاقًا عصا الطاعة. فمشاركة الجمهور وتصفيقه للأعمال الفنية انخراط منه في هذا العمل ومنحه المشروعية

(((5 المرجع نفسه، ص.59

(56) Kierkegaard, Etapes , p..27 (57) Kleinhernbrink Arjen, «Art as authentic life deleuze after Kierkegaard,» accessed on 22/11/2017, at: http://bit. ly/2zspuAE

(((5 كيركجارد، التكرار مغامرة، ص.61

أمام القيم الأخلاقية. الفن فك للأسر الذي تمارسه المثل الأخلاقية، هو شباب البشرية ونقطة تجددها المستمر، والمانع من الرتابة والروتين، والقادر على إنجاز التكرار في الصور واللوحات والأشعار والأنغام. ألا نكرر المشاهد والأشعار والألحان بالمتعة والحبور نفسيهما، إن لم يزد منسوبهما؟ ألا تَرِين على مشاعرنا قوى السكر ونحن نكرع من كأس الفن نفسه مرات ومرات؟ لا نحس بالتكرار ومفاعيله كما لا يشعر بندول الساعة بالتعب والملل وهو يسابق الزمان لإعادة الأوقات داخل اللانهائية. يفتحنا التكرار على زمن الخلود. ولنا في قصة أيوب النبي خير مثل؛ نبي الصبر والمثابرة، أصيب في جسمه وماله وأقاربه، ظل يعاني وحيدًا، لم يزدد إلا عزيمة وقوة وصلابة، بسبب تكرار الألم والأوجاع؛ الأمر الذي أكسبه مزيدًا من الصبر وفتحه، على أمل استرجاع أيام الفرح وتكرارها. فالنبي أيوب عنوان العلاج من الألم عن طريق الصبر، وقصته توازي الفن التراجيدي في المأساة اليونانية التي أجادت تصوير حياة البطل في قالب مأساة ومعاناة صعبة المراس، تطلب مزيدًا من الترويض، عكس الكوميديا أو الملهاة التي تشكل الحياة في أقنوم فكاهي، يضحك من مجرياتها وعبثها ليخفف من قساوتها. التطابق والتماس والمخالفة مفاهيم تندمج داخل التكرار. فالتكرار إذًا هوية جديدة تخترق المبادئ الأرسطية: مبدأ الهوية، ومبدأ عدم التناقض، ومبدأ الثالث المرفوع، ومبدأ السببية. كما تجدد النظر في الجدل الهيغلي، لتمنحه قوته التامة، وتدفعه إلى حدوده القصوى. بعدما أوقفه في عملية التركيب synthèse التي تسبق بالأطروحة thèse ونقيضها antithèse. والحال أن الأطروحة تعاشر نقيضها في داخلها، ويقال الأمر نفسه على نقيضها. وبناء عليه، نحن بصدد توسيع فعل التفلسف مع كيركگورد، كي لا يقول ما لم يقل وما قيل في ثوب جديد. وهو فعل تنقيح لفعل التفلسف ينأى به عن فلاسفة «الصيانة» كما سماهم نيتشه، وقَمينٌ بإعادته إلى الماضي ومصالحته مع الحاضر وفتحه على المستقبل من دون إغفال لدور الفن وفاعليته في التعبير عن حياة إنسانية تسمو على التباينات الشكلية لتقف عند جذمور العمق الإنساني الثري، النابض بمشاعر الحب والألفة التي تجد لها تعابير سامية في ممكنات يتيحها العمل الفني بغض الطرف عن انتماءات الفنان. ففي مستطاع الفن القضاء على القلق، كما الدين، ودورهما علاجي ترياقي. فمزيد من التدين مع خليط من الفن يرفعان منسوب الاطمئنان النفسي. وعلى عادته، لم يجد كيركگورد حرجًا في الجمع بين ما يظهر أنهما متناقضان؛ أي الفن والدين، ولم يفصلهما كما الحال في فلسفة هيغل. فما العلاقة التي ربطته بهيغل؟

خامسًا: تديّن الوجدان والعقل أو كيرككَورد في مواجهة هيغل

بعد أن بسطنا القول في فلسفة الدين الكيركگوردية، وبما أنها حوار مع هيغل، صار في مكنتنا فتح حوار بين الرؤيتين، من زاوية أوجه الالتقاء والاختلاف. فلنبدأ بتعديد أوجه الاختلاف بينهما؛ لأنها الأبرز.

(((5 أحمد عثمان، الأدب الإغريقي تراثًا إنسانيًا وعالميًا، ط 2 (القاهرة: دار المعارف،.)1998

(60) Soeren Kierkegaard, Le concept de l’angoisse , Knud ferlov & Jean J.Gateau (trad.), (Paris: Gallimard, 1935), p. 56. (61) Ibid., p. 26.

1. أوجه الاختلاف

• في أوج أزمة الصراع الديني والانقسام الكنسي، اقترح هيغل تحويل الدين إلى فكر، ومعه تحول الإله إلى فكرة مطلقة، والوحي إلى حقيقة تامة، والتثليث إلى جدل، والمسيح إلى توسط... إلخ. فجرد هيغل الدين وجعله معطى عقليًا، عكس كيركگورد الذي تمسك بالدين باعتباره معطى نفسيًا

وجدانيًا يمس صميم الوجود الفردي. • اعتبر هيغل الجماعة الروحية الحقيقية (الكنيسة المسيحية) التعبير الأسمى عن الروح المطلق، وقد بلغ نهاية التاريخ واكتمل، على النقيض من كيركگورد الذي رفض تدخل الكنيسة في الدين، وحمّلها مسؤولية تخلف المجتمع. • ربط هيغل التدين بالتمذهب والتحزب للكنيسة واتباع طقوسها وشعائرها. يقول: «ولما كان الفرد قد ولد – هكذا - في الكنيسة، فإنه في التو مقدر عليه الأمر، وتأكدوا أن هذا بالرغم من أن عليه، لاشعوريًا،

أن يساهم في هذه الحقيقة ويصبح شريكًا فيها، فإنه مقدر عليه أن يعمل من أجل الحقيقة. و (الكنيسة) تعبر عن هذا في قداس التعميد». يمثل طقس التعميد رضا الكنيسة عن تابعها واستعداده للخضوع لها. أما كيرككود، فضديدًا له، يظن أن جوهر التدين ضد كل تمذهب أو تحزب لجماعة أو مؤسسة. وليست الكنيسة معبرًا صادقًا عن حقيقة، فكيف لها أن تمنح صك التدين وهي غير متدينة، ففاقد

المشروعية لا يمكنه أن يمنحها لغيره. فالكنيسة أساس الصلاح والإصلاح عند هيغل، وهي مأوى الفساد والإفساد بحسب كيركگورد. • بحث هيغل عن الخلاص الجماعي من خطيئة فردية ارتكبها النبي آدم، في حين أكد كيركگورد أن الخطيئة فردية كون مرتكبها يتحمل مسؤوليتها، لذا فالخلاص والخلود فرديان. • يعتقد هيغل أن المسيحية ديانة عليا بلغت أوجها في فترة الكنيسة، متجاوزة ديانات المشرق والهند والصين، بل حتى ديانات الرومان. بينما اعتقد كيركگورد، مخالفًا له، أن المسيحية في تراجع بسبب الكنيسة، ولم يميزها من باقي الأديان أو يعليها فوقها؛ لأنه اهتم بالدين في بعده الروحي النفسي العمودي، لا في إطاره الأفقي.

6(((فريدريك هيغل، محاضرات فلسفة الدين، الحلقة الأولى: مدخل إلى فلسفة الدين، ترجمة وتقديم وتعليق مجاهد عبد المنعم مجاهد (القاهرة: دار الكلمة، 2001)، ص 40،.41 (((6 فريدريك هيغل، محاضرات فلسفة الدين، الحلقة الثامنة: أدلة وجود الله، ترجمة وتقديم وتعليق مجاهد عبد المنعم مجاهد (القاهرة: دار الكلمة، 2004)، ص.9 (((6 المرجع نفسه، ص.12 (((6 فريدريك هيغل، محاضرات فلسفة الدين، الحلقة الخامسة: الديانة الروحية، ترجمة وتقديم وتعليق مجاهد عبد المنعم مجاهد (القاهرة: دار الكلمة، 2003)، ص 105،.106 (((6 المرجع نفسه.

• اختلف الرجلان أيضًا في مهمة فلسفة الدين والغاية منها. فأناط هيغل تبرير طقوس الكنيسة وعباداتها وممارساتها بالفلسفة والعقل، علاوة على الدفاع عن عقائدها ضد المبطلين. في ما عند كيركگورد، وظيفتها نقدية تعري أخطاء الكنيسة وترد شعائرها وطقوسها وممارسات رهبانها. «قام هيغل بتبرير الطقوس بكل ما فيها من حسية وخارجية [...] وقد رفض كيركيجارد كل هذا الجانب في المسيحية عندما لاحظ أنه ليس عن طريق طقس العماد يتخلص الرضيع من الشر، وليس عن طريق القداس الجماعي الأول يدخل الطفل حظيرة المؤمنين، وليس عن طريق الغفران الأخير يضمن الميت دخول الجنة». • جعل هيغل من نفسه عود لوثر كونه سعى في تخفيف المسيحية من الشعائر والطقوس الخارجية، وقرها من البعد الروحاني، لكنه لم يسمُ بها إلى البعد الوجودي، ليدخلها في صناعة الحياة وصياغة

السلوك الصالح للمؤمن. لذا اعتبر كيركگورد نفسه لوثر الثاني. ويمكن أن نلاحظ أيضًا أن فلسفة الدين عند كيركگورد أكثر ثوريةً منها عند هيغل الذي نزع إلى مهادنة الكنيسة والمحافظة على شعائرها، كما الحال عند ديكارت، بل اعتبرها أرفع درجات التدين وأكثرها إطلاقًا. والحال أنها أدنى درجات التدين في عقيدة كيركگورد. • المنهج الذي اعتمده هيغل في ترقي المؤمن إلى المطلق أو اللانهائية (الإله)، هو الجدل الذي يسعى لإيقاف التناقض لحظة ولوج الروح المطلق، وبلوغ نهاية تاريخ الأديان عند المسيحية التي نظمت نفسها في إطار الكنيسة. بينما الحال غير الحال عند كيركگورد، فالجدل يقتل التناقض ويدمر صلب الحياة، وينتصر لعنصر من العناصر فيفقد الدين توازنه. إن التناقض مثل القدمين للإنسان تحفظان توازنه وتمنعان وقوعه. لذا عوضه بمنهج الطفرة التي تحافظ على التعارض وتشجع على بقاء التناقض.

2. أوجه الالتقاء

ولا يعني حصر أوجه الاختلاف والاشتجار بين الرجلين أن لا أوجه التقاء بينهما. لذا سعينا لبسطها في ما يلي:

(((6 هيغل، مدخل، ص 49،.50 (((6 أكدت الثورات العربية صحة رؤية كيركگورد لأدوار الفلسفة والدين ووظائفهما، ما يثبت صدق المقاربة النفسية الوجودية وراهنيتها. (((6 حسن حنفي، «محاضرات في فلسفة الدين (لهيغل)» ص 164، موقع الحكمة، 29/6/2015، شوهد في:23/11/2017، في

https://goo.gl/QvuPQd

7(((محمد عثمان الخشت، أقنعة ديكارت العقلانية تتساقط (القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر، 1998)، ص 51، 52،.53 7(((انظر الانتقادات التي وجهها كيركگورد إلى هيغل وردود حسن حنفي عليها من خلال كتابه: في الفكر الغربي المعاصر، ط 4 (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1990)، ص.191-185 (7((المرجع نفسه، ص.200-199

• اعتبر كلاهما الدين فعلً فرديًا، قائمًا على الشعور والتسليم الذاتيين، مؤكدين فرديته من خلال

نموذج السيد المسيح الذي نزع إلى الفردانية التي تخالف الأنانية بوصفها اهتمامًا بالذات. • أكد الفيلسوفان إمكانية مغفرة الخطيئة، ورفضا ربط الشر بالإله الخير. • لليأس عندهما دور سلبي في الشعور الديني، متى لم نحسن التعامل معه أفقدنا بصيص الأمل، وفصلنا عن الإله وعن الأفق اللانهائي، ويجعل حياتنا أفقًا نهائيًا ومهددةً في كل مرة بخطر الانعدام

والانتحار، ويسلمنا مباشرة إلى اللامبالاة. واليأس، في نظرهما، عدو للدين. • اتفق الرجلان على رفض التوصيف الديني الذي قدمه سبينوزا، المعتمد على بحث الدين وثائقيًا

وتاريخيًا لترسيخ زيفه وإثبات تحريف عقائده وشعائره. وعلى أهمية هذا التوصيف وقيمته المضافة

التي قدّمها لفهم الدين، فإنه لم يلامس حقيقة الدين باعتباره تأملً باطنيًا، وإيمانًا داخليًا، وشعورًا

وجدانيًا. مثل هذا البحث يشكك في الإيمان ويخلص إلى العدمية. • يقسم هيغل الدين إلى ثلاث مراحل تشابه مراحل كيركگورد: الدين المحدد يطابق المرحلة الجمالية عند كيركگورد، وتعتمد على الحواس لإدراك الإله، وتكون العبادة فيها أكثر مادية. المرحلة الثانية، هي الفردية الروحية بحسب هيغل تماثل المرحلة الأخلاقية، يتقوى فيها المجتمع فيؤله عاداته وتقاليده، ويحيلها إلى واجبات تمثل شعائر وطقوسًا يجب اقتفاؤها. وأخيرًا المرحلة الثالثة، بوصفه دينًا مطلقًا

عند هيغل يشابه المرحلة الدينية بحسب كيركگورد، تؤدى فيها الواجبات الدينية لله خالصة من دون وساطة للطبيعة والحواس ولا المجتمع وعاداته.

الخاتمة

يمكن إدخال هذا المقال ضمن فلسفة الدين التي تهدف إلى مصالحة بين الفلسفة والدين، عبر إعادة لحم العلاقة بينهما. فالفلسفة فعل فهم، وآلية عقلية لاستيعاب الظواهر حتى الدينية، وليست عقيدةً أو مذهبًا يطابق أو يخالف الدين. وتلكم خلاصة من الخلاصات التي تضاف إليه، وهي: • الدين مسألة وجودية فردية، وعمق نفسي قبل أن يكون سلوكًا خارجيًا. لذا مطلوب من كل مقاربة

تميل إلى دراسته الانتباه إلى هذا الأمر.

(((7 باروخ سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم حسن حنفي، مراجعة فؤاد زكريا (القاهرة: مكتبة النافذة،.)2005 (((7 هيغل، مدخل، ص 4.0 (((7 حنفي، «محاضرات لهيغل»؛ وأيضًا للتوسع في هذه المراحل يمكن العودة إلى: فريدريك هيغل، محاضرات فلسفة الدين،

الحلقة الثانية: فلسفة الدين، ترجمة وتقديم وتعليق مجاهد عبد المنعم مجاهد (القاهرة: دار الكلمة، 2002)؛ فريدريك هيغل،

محاضرات فلسفة الدين، الحلقة الثالثة: الديانة وعبادة الطبيعة، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد (القاهرة: دار الكلمة، 2002)؛

فريدريك هيغل، محاضرات فلسفة الدين، الحلقة الرابعة: ديانة الطبيعة وديانة الحرية، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد (القاهرة:

دار الكلمة، 2003)؛ فريدريك هيغل، محاضرات فلسفة الدين، الحلقة السابعة: الله والفكرة الخالدة، ترجمة وتقديم وتعليق مجاهد عبد المنعم مجاهد. القاهرة: دار الكلمة،.)2004

• يصعب جدًا احتواء الدين، باعتباره شعورًا نفسيًا ومعتقدًا ذاتيًا ووجدانًا فرديًا، في مؤسسات وشعائر

وطقوس جماعية. • أسهم الخوف والرعدة، بحسب كيركگورد، في ظهور التدين وبقائه، لذا هما أساسه. • يحتوي كل فعل إيماني على بعد تناقضي يضمن استمراره. فالخوف من الموت اللانهائي سببه الحياة النهائية. • ينسف اليأس السلوك الإيماني؛ فيستسهل صاحبه الحياة ويقبل على الموت في تكرار للحياة الأولى المطلقة قبل هذه الحياة. • يعتبر تدين كيركگورد تدينًا وجدانيًا فرديًا ثوريًا، نقيض تدين هيغل العقلي الجماعي التبريري. • يعدّ تدين كيركگورد أكثر تسامحًا وانفتاحًا على كل الأديان والمعتقدات؛ لأنه لا ينظر إلى المظاهر

والسلوكات الخارجية، بل ينظر إلى جوهر الإيمان، وهذه العاطفة النفسية التي حبانا بها الإله، والتي تحاول أن تجد لها تعبيرات وصورًا ومرايا تتجلى فوقها.

المراجع

References

العربية

أرندت، حنا. ما السياسة؟ ترجمة زهير الخويلدي، تحقيق سلمى الحاج مبروك. الرباط/ الجزائر/ بيروت: دار الأمان/ منشورات الاختلاف/ منشورات ضفاف،.2014 إمام، إمام عبد الفتاح. المنهج الجدلي عند هيغل. ط 2. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر،.1982 ________. مفهوم التهكم عند كيركجور. حوليات كلية الآداب. الحولية الرابعة. الكويت: جامعة الكويت،.1983 بدوي، عبد الرحمن. الزمان الوجودي. ط.3 بيروت: دار الثقافة للنشر،.1973 ________. دراسات في الفلسفة الوجودية. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.1980 حسن، يوسف. فلسفة الدين عند كيركجارد. القاهرة: دار الكلمة للنشر،.2001 حنفي، حسن. في الفكر الغربي المعاصر. ط.4 بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.1990 الخشت، محمد عثمان. أقنعة ديكارت العقلانية تتساقط. القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر،.1998 دولوز، جيل. الاختلاف والتكرار. ترجمة وفاء شعبان. مراجعة جورج زيناتي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة..2009

سبينوزا، باروخ. رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم حسن حنفي. مراجعة فؤاد زكريا. القاهرة: مكتبة النافذة،.2005 طه. حسن يوسف. « الحب والإيمان عند كيرككور». قضايا إسلامية معاصرة. العدد -5556 (صيف وخريف 2013). عثمان، أحمد. الأدب الإغريقي تراثًا إنسانيًا وعالميًا. ط 2. القاهرة: دار المعارف،.1998 فريتيوف، برانت. كيركجور. ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.1981 فوكو، ميشيل. تأويل الذات. ترجمة الزواوي بغوره. بيروت: دار الطليعة،.2011 كيركجارد، سورين. الخوف والرعدة. ترجمة فؤاد كامل. القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع،.1984 ________. التكرار مغامرة في علم النفس التجريبي. ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد. القاهرة: مكتبة دار الكلمة للنشر والتوزيع،.2013 ________. المرض طريق الموات. ترجمة أسامة القفاش. القاهرة: مكتبة دار الكلمة،.2013 هيغل، فريدريك. محاضرات فلسفة الدين، الحلقة الأولى: مدخل إلى فلسفة الدين. ترجمة وتقديم وتعليق مجاهد عبد المنعم مجاهد. القاهرة: دار الكلمة،.2001 _______. محاضرات فلسفة الدين، الحلقة الثانية: فلسفة الدين. ترجمة وتقديم وتعليق مجاهد عبد المنعم مجاهد. القاهرة: دار الكلمة،.2001 _______. محاضرات فلسفة الدين، الحلقة الثالثة: الديانة وعبادة الطبيعة. ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد. القاهرة: دار الكلمة،.2002 _______. محاضرات فلسفة الدين، الحلقة الرابعة: ديانة الطبيعة وديانة الحرية. ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد. القاهرة: دار الكلمة،.2003 ________. محاضرات فلسفة الدين، الحلقة الخامسة: الديانة الروحية. ترجمة وتقديم وتعليق مجاهد عبد المنعم مجاهد. القاهرة: دار الكلمة،.2003 ________. محاضرات فلسفة الدين، الحلقة السابعة: الله والفكرة الخالدة. ترجمة وتقديم وتعليق مجاهد عبد المنعم مجاهد. القاهرة: دار الكلمة،.2004 ________. محاضرات فلسفة الدين، الحلقة الثامنة: أدلة وجود الله. ترجمة وتقديم وتعليق مجاهد عبد المنعم مجاهد. القاهرة: دار الكلمة،.2004

الأجنبية

Arjen, Kleinhernbrink. «Art as Authentic Life Deleuze after Kierkegaard.» at: www. kritike.org/journal Deleuze, Gilles & Félix Guattari. Mille Plateaux. Paris: Les Editions De Minuit, 1980. Habbard, Anne-Christine & Jacques Message. Søren Kierkegaard Pensée et problèmes de l’éthique. Paris: Presses universitaires du Septentrion, 2009. Hegel, Frederick. Leçons sur la philosophie de la religion. Gilbelin (trad.). 1 ére partie. Paris: Varin, 1959. Kierkegaard, Soeren. Traité du désespoir. Knud ferlov & Jean J. Gateau (trad.). Paris: Gallimard, 1849. ________. Riens Philosophique. Knud ferlov & jean J. Gateau (trad.). Paris: Gallimard,

________. Le concept de l’angoisse. Knud ferlov & Jean J. Gateau (trad.). Paris: Gallimard, 1935. ________. Post-scriptum aux miettes philosophique. Paul Petit (trad.). Paris: Gallimard,

________. Ou Bien... Ou bien , F. et O. Prior & M. H. Guignot (trad.). introduction de F. Brandt. Paris: Gallimard, 1943. Sartre, Jean Paul. Critique de la raison dialectique. Paris: Gallimard, 1960.