العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الذات الكيركغاردية في مواجهة الذات الهيجلية

الذات الكيركغاردية في مواجهة الذات الهيجلية

On the Subject: From Hegel to Kierkegaard

شابحة بوعراب *

Chabha Bouarab *

الملخّص

لم يكن تأسيس الفيلسوف الدنيماركي سورين كيركغارد لنظريته عن الذات سوى ثورة على الفلسفة الهيجلية محاولا بذلك انقاذها من النسق، لهذا تستحق هذه الذات وقفات يتأمل فيها المرء حقيقتها ومراحل تطورها في الوجود، بدءا من المرحلة الجمالية مرورا بالمرحلة الأخلاقية، وصولا إلى المرحلة الدينية أين يتم التحقق الأصيل للذات الحقة وهذا لن يكون إلا إذا استجابت للإله، عن طريق الإيمان باعتباره إيمانا بالمفارقة التي هي هزيمة للعقل، ففي المرحلة الدينية يصبح الفرد مسيحيا، هذا هو الوجود الأصيل عند كيركغارد، الذي يتحقق في اللحظة التي توجد فيها أمام الإله باعتباره لحظة المعرفة الذاتية.

Abstract

Abstract: Kierkegaard’s theory of the «subject» was merely an attempt by the Danish philosopher to undo the Hegelian vision of the subject; to save Hegelian philosophy from itself. This paper tries to probe the evolution of the Kierkegaardian subject, beginning with its earliest roots in aesthetics, from morality to the religious conception of the subject. According to Kierkegaard, true self-realization is only possible with outright surrender to God, a fact which presupposes the triumph of faith and a subjugation of rationality and the mind.

الكلمات المفتاحية:
  • الفكر
  • الذات
  • الوجود
  • الوثبة
  • المفارقة
  • الإيمان
Keywords:
  • Subjugation
  • Existence
  • Paradox
  • Leap of Faith

على الفلسفة الهيغلية، محاولً بذلك إنقاذها من النسق. لهذا تستحقّ هذه الذات وقفات يتأمل

فيها المرء حقيقتها ومراحل تطورها في الوجود، بدءًا من المرحلة الجمالية مرورًا بالمرحلة

الأخلاقية، وصولً إلى المرحلة الدينية؛ إذ يتم التحقق الأصيل للذات الحقة. وهذا لن يكون إلا إذا استجابت للإله عن طريق الإيمان بوصفه إيمانًا بالمفارقة التي هي هزيمة للعقل، ففي

المرحلة الدينية يصبح الفرد مسيحيًّا. هذا هو الوجود الأصيل عند كيرككَورد الذي يتحقق في

اللحظة التي توجد فيها أمام الإله بوصفها لحظة المعرفة الذاتية.

مقدمة

تعود أصول الحركة الفلسفية المسماة تسميةً يداخلها لاضطراب والجدل «الفلسفة الوجودية» إلى فترات بعيدة في تاريخ الفلسفة، ونعني بها تلك المحاولات التي قام بها الإنسان في سبيل توضيح الغموض الذي يكتنف وجوده ليصل إلى فهم نفسه. ولعل هذا هو ما قصده سقراط في قوله: «اعرف نفسك بنفسك». ولهذا الأخير أهمية كبيرة في تكوين فلسفة الوجود التي تحوّل فيها لاهتمام

من الطبيعة إلى الإنسان، وبذلك أصبح السؤال عن الذات الإنسانية هو منهج الفلسفة، ومعرفة هذه الذات هي غاية الفلسفة. ويظهر هذا لاهتمام بالإنسان بوضوح أشدّ لدى الفلاسفة الذين تأثروا بسقراط أو لدى من ينتسبون روحيًّا إلى عائلة الفلاسفة المعروفين بالإشراقيين، فضلً عن أولئك الذين يحتل البعد الديني مكانة

مرموقة في تأملاتهم واشتغ لاتهم الفكرية، على غرار القديس أوغسطين Augustin Saint والمفكر الحديث الأبرز بليز باسكال Pascal Blaise. والمتحقق من تاريخ المفاهيم الفلسفية في الأزمنة المتأخرة يرى أن الفيلسوف الدنماركي سورن كيرككَورد kierkegaard Soren هو أحد الذين استطاعوا قلب كثير من المفاهيم الفلسفية من خلال مقولاته عن الحياة اليومية، وأسسوا بكل وعي وتمكن سبيل لانصراف عن المفاهيم الميتافيزيقية والتفكير النظري المجرد، للعودة إلى مواجهة الأسئلة التي تمس صميم الإنسان من حيث هو كيان قائم بالذات. هذه الذات التي لم تجد متسعًا لها في فلسفة النسق والعقلانية والمثالية المطلقة التي هيمنت بنيتها على مشهد الفكر الفلسفي في تلك اللحظة الحرجة التي اقتحم فيها كيرككَورد تجربة السؤال الفلسفي عن الذات، وما يساورها ويعتمل في أركانها من خارج ما تقتضيه جدلية النسق وإرهاقاته العقلانية الموغلة في التجريد. فنظرية الذاتية عند كيرككَورد ليست مستقاة من سقراط فقط، بل نجد لها كذلك خلفية هيغلية؛ إذ رأى كيرككَورد أن الفلسفة النظرية قد بلغت قمّتها عند هيغل Hegel، الذي شيَّد بناءً فلسفيًّا عقليًّا شامخًا

تتألف مواده من مفاهيم وتصورات عقلية مجردة، يربط بينها منطق محكم هو الجدل، ويطغى عليه الروح المطلق الكلي. لهذا لا يمكن معرفة الذات البشرية بطريقة نظرية تصورية، فحاول بذلك إدراكها أو معرفتها من خلال أوصاف متعددة ذاتية من دون الوصول إلى نظرة شاملة تحيط بها؛ فاتسمت فلسفته بطابع الذاتية، وكانت في أساسها صورة حية وترجمة صادقة عن حياته الشخصية وتجاربه الذاتية، وبها مهَّد الطريق لتيار جديد في الفلسفة، وهو المعروف بفلسفة الوجود في مقابل المثالية والعقلانية. لذلك لم يكن تأسيس كيرككَورد نظريته عن الذات سوى ثورة على الفلسفة الهيغلية، محاولً إنقاذها من النسق Système. لهذا تستحق هذه الذات وقفات يتأمل فيها المرء حقيقتها ومراحل تطورها في الوجود. ومن أجل توضيح هذه المسألة أكثر، ارتأينا تحليل الإشكالية التالية: كيف يحقق الإنسان الذات الأصيلة بحسب كيرككَورد؟ فهل يحققها في المرحلة الجمالية عن طريق الإحساس؟ أم في المرحلة الأخلاقية عن طريق القرار ولاختيار؟ أم في المرحلة الدينية؟

(1) Hélène Politis, Le vocabulaire de kierkegaard (Paris: Editions Ellipses, 2002), p. 57.

وقبل التطرق إلى تحليل كيرككَورد الذات الإنسانية، لا بد لنا أن نعرج على موقف هيغل حول الذات، بوصف نظرية كيرككَورد عن الذاتية ردة فعل على النظرية الهيغلية.

أولا: الذات ومسار الروح في نسق هيغل

1. الذات في نسق هيغل

إن ما تتسم به الكتابة الفلسفية في الأزمنة الحديثة هو انطلاقها من الذات وعودتها إليها. ومن خلال هذه المسيرة يتم التعبير عن الأشكال المتعددة للحياة، إذ يُعدّ الفكر من أهم الموضوعات التي تتخذها الذات موضوعًا لها بوصفها أساسًا للمعرفة الحسية والعقلية معًا، وهي بذلك تمثل العامل الجوهري في كل معرفة؛ ذلك أن الحديث عن الذات يعني ضمنيًّا انتساب الماهية إلى الذات. ف لانتساب إلى

الذات هو الذات أو الهوية التي ينبغي لاهتمام بها على أنها ماهية، «ولذلك لا تتصل هذه الماهية المتساوية وذاتها إلا بذاتها». فالذات موضوع مهم اهتم به كثير من الفلاسفة، وعلى رأسهم الفيلسوف الألماني هيغل الذي يرى أن الذات لا حدود لها، إذ «لا شيء يستطيع الوقوف في وجه الذات [...] إنها لا تحتفظ بجدية إلا بقدر ما تريد اجتياز كل الصعوبات لاحقًا». فالذات عند هيغل لا ترتاح حتى تكمل مسارها المعقد الطويل، والمتمثل بتحقيق مشروعها. وهذا المسار هو مسار الوعي بالذات كما تناوله هيغل في كتابه فنومينولوجيا الروح، ومن خلال هذا المسار لا تستسلم الذات إلا إذا توصلت إلى المستوى المطلق. فكل اهتمام هيغل يتجه نحو الروح أو المفهوم أو الفكرة أو المطلق بوصف ذلك ذاتًا جوهرية، أو الذات بوصفها جوهرًا، «إن المطلق ليس جوهرًا فقط بل هو ذات أيضًا». فما يطلبه هيغل هو اكتشاف طريق الوعي الطبيعي الذي يدفع إلى العلم الحقيقي، أو «طريق النفس التي تقطع سلسلة أشكالها باعتبار مراحلها الكامنة في طبيعتها حتى تبلغ صفاء العقل خلال تجربتها التامة عن ذاتها، فتصل إلى معرفة ما هو هي في ذاتها». وبهذا، فالسلسلة التي يقطعها الوعي على هذه الطريق من أشكاله الذاتية هي التاريخ التام لتكوين الوعي ذاته حتى يصبح علمًا. غير أن الوعي لا يعلم شيئًا إلا الماهية أو ما في ذاته، وهو كذلك ما في ذاته بالنسبة إلى الوعي. فالوعي يتضمن موضوعين هما:

(((فريدريك هيجل، فنومينولوجيا الروح، ترجمة وتقديم ناجي العونلي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2006)، ص.251 (((عبد الوهاب مطاري، مقدمة في الأنثروبولوجيا الفلسفية (الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 2011)، ص.127 (((فتحي المسكيني، هيجل ونهاية الميتافيزيقا (تونس: دار الجنوب للنشر، 9971)، ص.43 (((هنس زندكولر، المثالية الألمانية، ترجمة أبو يعرب المرزوقي وفتحي المسكيني وناجي العونلي، مج 1 (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2012)، ص.310

• ما في ذاته؛ أي الماهية. • هذا الذي في ذاته بالنسبة إليه، وهذا ليس إلا تفكير الوعي في ذاته. وهو تصور وليس موضوعًا؛ أي ليس إلا علمه بذاك الأول، إن «ما كونه بالنسبة إلى الوعي»، هذا الذي «ما في ذاته»، أو إن الحقيقي يعني أن هذا هو الجوهر أو هو موضوعه، وهذا الموضوع الجديد يتضمن «لا شيئية» الأول، إنه التجربة التي وقعت عليه. إن الحقيقي لا يكون حقيقة إلا بوصفه نسقًا، أو إن الجوهر بمقتضى جوهره ذات، والتعبير عن ذلك يكون بالتصور الذي يؤدي بالمطلق إلى التعبير عن نفسه بوصفه عقلً: «الحق يدرك ويقال لا كجوهر بل كذلك كذات». إنّ الوعي الذاتي هو الذي يعبّر عن ماهية الإنسان الحقيقية، يعبر عن لاتصال ولانفصال معًا. إنه «الوحدة في لاختلاف» على حد تعبير هيغل. هناك انفصال بين شيئين «ذات» و«موضوع»، عارف ومعروف، إلا أنه ليس انفصالً مطلقًا، بل انفصال داخل وحدة واحدة، أو هو تمايز في قلب لاتحاد. فالوعي الذاتي هو اللامتناهي الحقيقي الذي ترتبط فيه الذات بنفسها، أو تحديدها لذاتها، وتلك هي الحرية الحقة التي تعني التحديد الذاتي ولاستقلال الذاتي أيضًا، كما يمثل اللامتناهي الحقيقي الفكر الذي تكون فيه الذات والموضوع شيئًا واحدًا. وبما أن الفكر لا يرتبط إلا بنفسه ولا يحده سوى ذاته فهو كلي، ومن ثمّ، فالوعي الذاتي أو الفكر هو الماهية الحقيقية للإنسان؛ أي الكلي. والوعي بالذات عند هيغل نابع من الذات عن طريق تحولات الذات نفسها، لكن هذا الوعي الذاتي لا يوجد مباشرة، بل يظهر في مجرى الوعي وينمو إلى أن يصل إلى حقيقة كاملة، وتكون المراحل الأخيرة أكثر حقيقة من المراحل الأولى بوصفها تكشف عن الإمكانات الحقيقية الكامنة بطريقة خفية. هذا بعد مروره بثلاث مراحل، هي: • الميل الفطري أو الرغبة، وهي تعبير عن الحياة الحيوانية الخالصة. • الوعي الذاتي الذي يعترف بالذوات الأخرى. • الوعي الذاتي الكلي. وعند اكتمال هذه المراحل، يصل الوعي إلى العقل الذي يمثل القمة التي يبلغها أخيرًا.

(((المرجع نفسه، ص.314 (((هيجل، ص.129 (((إمام عبد الفتاح إمام، دراسات هيجلية (القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 9841)، ص.41 (((المرجع نفسه، ص.43 (1((المرجع نفسه، ص.46

2. مسار الروح في نسق هيغل

يُعدّ المنطق التطوري أساس الفلسفة التأملية؛ فهو منتج العملية التطورية التي تكون دائمًا أكثر تعقيدًا من نقطة البداية. فالفكرة الفلسفية في تطورها ليست تغييرًا وصيرورة إلى غيرها، وإنما هو نفاذها في

ذاتها وغوصها في عمق ذاتها، وبذلك يصبح الخطو إلى الأمام أكثر تحديدًا في ذاته بعد أن كان فكرة عامة غير محددة. إنّ الروح هو الذي يكوّن الغير بالنسبة إليه، فهو نفس ما هو غيره، ومن ثمّ، فهو عند نفسه في غيره، «فتطور الروح هو الخروج من الذات. إنه الوجود خارج الذات في الغير، وهو في آن واحد العودة إلى الذات». فالتطور في الطبيعة بحسب هيغل يكون فيه «ما هو في ذاته» و « ما هو لذاته» مفصولَين، بحيث يتكون مباشرة من دون حد ومن دون حائل بين المفهوم وتحقيقه ولا يستطيع أن يرغم شيئًا. أمّا في مجال الروح، فعملية التطور ليست مسألة تتحقق في الواقع الخارجي، وإنما الروح هو الذي يتجاوز مقاومة بعض وجوه ذاته عينها. وفي ضوء هذا، فالروح مناقض لذاته في ذاته، وعليه أن يتجاوز ما يعوق ذاته في ذاته. فالتطور في الطبيعة إنتاج ساكن يُكوّن في الروح معركة شديدة غير متناهية بين الروح وذاته؛ لأن ما يهدف إليه الروح هو البلوغ بذاته إلى مفهومها، إلا أنه يخفي ذاته عن ذاته، وهو ممتلئ ومستمتع بهذا لاغتراب عن ذاته. إنّ التاريخ هو عملية الروح الذي يصبو إلى معرفة ذاته، فالروح يحاول الوصول إلى حال يكون فيه في آن واحد في ذاته ولِذاته. والروح إذًا وعي حر تكون فيه البداية والنهاية متطابقتين، وهذه هي العملية التي تعطي للعالم معناه وللتاريخ دلالة ميتافيزيقية؛ فتاريخ العالم هو خلق للروح في الزمان مثلما تُخلق الفكرة في المكان، فهو إذًا أكثر من تحقيق الفكرة؛ إذ يمثل محاولات الروح ذاته للوصول إلى نقطة يكون فيها «عند ذاته في كونه في غيره». بيْد أن صفات الروح لا تقوم إلا بفضل الحرية، وهي

ليست إلا أدوات الحرية التي تحاول إنتاجها، وهكذا، فالروح لن يكون حرًّا إلا عندما يكون واعيًا

بطبيعته الذاتية. أمّا التاريخ فلا يمكن فهمه إلا بوصفه سلسلة مُجاهدات الروح للوصول إلى هذه النقطة؛ فتطور الصور المعقدة من مبادئ بسيطة لا يمكن فهمها إلا في الفلسفة التأملية، «في الفكر وحده تكون كل غربة

(((1 زندكولر، مج 2، ص.666 (1((المرجع نفسه، ص.667 (((1 المرجع نفسه. (((1 المرجع نفسه، ص.668–667 (((1 المرجع نفسه، ص.668

شفافة فتزول والروح يكون هنا علة التوجه نحو مطلق حر». وفي ضوء هذا، فالتاريخ لا يكون مفهومًا إلا بنظرة ملتفتة إلى الماضي. لهذا يمثل الروح أساس الأشكال الأخرى، ومضمونها أشكال وعيه بذاته التي تكون قد ارتسمت فيه، فينبغي إذًا أن يكون الروح موضوعيًّا في وعيه بذاته. والموضوعية هنا تتضمن ظهور الفروق بصورة

مباشرة بوصفها جملة الدوائر المختلفة من الروح الموضوعي عامة، بحيث لا تكون مثل الروح إلا عندما يتجمع نسق أعضائها في وحدته البسيطة الذي يُنتجُ الروح. لذلك روح الشعب ليس عينًا فردية في مسار تاريخ العالم الذي يمثل العملية المطلقة للروح في صورته الأسمى، ومن ثمّ، يبلغ الروح حقيقته ووعيه بذاته الذي يتبين تدريجيًّا من خلال تاريخ العالم. كذلك

تاريخ الروح يتجسد في سلسلة من الثقافات وأرواح الشعوب، شأنها شأن النباتات، تنمو وتموت. ومثل كل الكائنات الحية، تحفظ الأمم وحدتها لأنها مبدأ جوّاني، لكن الأمم، بالنسبة إلى الكائنات

العضوية، تحاول فهم هذا المبدأ وصوغها لِذاتها؛ ذلك أن الأشكال التاريخية الأشد حيوية فانية. وفي ضوء هذا، فالذات الحقيقية الفاعلة للتاريخ عند هيغل هي الروح التي هي قوة جوانية تفعل في كل الأشخاص الواعين، وهي التي تحدد مصائر الحضارات. لكن في الحقيقة، لا يفهم الأفراد كل أوجه الروح، وهذا لا يحد من حريتهم؛ لأن الفرد حرٌّ في أن يكون مُدركًا نتائج أفعاله إدراكًا تامًّا، وتأثير

الروح فيهم يكون في إطار حريتهم التي هي عين استقلالهم؛ إذ بالحرية الحقيقية تكون الذات محددة لِذاتها. ومن هنا نلاحظ أن المسار الذي أخذته الذات في الفلسفة الهيغلية ليس إلا تعبيرًا عن المسار الذي

أخذه التاريخ نفسه، وإذا، وجدت الذات سموها في الروح وأصبحت الذات عقلً.

ثانيًا: الوجود في مواجهة الفكر، أو في الخروج من ربقة النسق

لم تكن مواجهة كيرككَورد للفلسفة الهيغلية إلا دفاعًا عن الفرد ووجوده الذي ضاع في تجريدات المذهب، فتفسير هيغل للواقع تفسيرًا عقليًّا حوَّل هذا الواقع العيني الحي إلى مجموعة من التصورات

العقلية والمفاهيم المجردة التي تركها تتلاشى وتفقد نفسها بنفسها؛ لتؤدي إلى إلغاء الوجود نفسه الذي هو إلغاء الإنسان أيضًا عند هيغل؛ ذلك أن الفرد لا يمكن أن يوجد وجودًا عقليًّا ضروريًّا، بل هو وجود

ذاتي. فالوجود الحقيقي للفرد هو أن يعيشه لا أن يتعقله، تلك هي الحقيقة الأساسية للوجود الفردي. وهكذا انتقد كيرككَورد الفكر المجرد الذي يتجاهل ما هو عيني مشخص غافلًالتحقق الوجودي الإرادي، معلنًا بذلك ثورته على لاتجاه القائل إن الوجود هو الكل، فهو يرفض أن يكون حتى جزءًا

(1((المرجع نفسه، ص.669 (1((المرجع نفسه، ص.670 (((1 المرجع نفسه، ص.672

من هذا الكل، بوصفه فردًا موجودًا ترتبط أحواله بشيء لا يمكن إدراكه بواسطة العقل. فالوجود هو العيني الذي يضمن الفردية والصيرورة، وفي الحصيلة، يضمن المستقبل. إنه الوجود الذاتي المتزمن بالزمان، الذي لا يقبل لاندماج في مذهب، لهذا اقترح المفكر الذاتي في مقابل المفكر الموضوعي الهيغلي. فما هو حقيقي عند كيرككَورد هو «هذا الفرد»، إذ من خلال مقولة الفرد يتحدد محور المواجهة مع فلسفة هيغل في مختلف أبعادها، بدءًا من قضية «المذهب»، فالمذهب الوجودي شيء مستحيل؛

لأن المذهب مغلق بينما الوجود منفتح، المذهب متصل بينما الوجود منفصل، فكيف يلتقيان! وفي محاولة هيغل لإقامة هذا المذهب تعترضه عدة عقبات، هي: • «مسألة البداية» التي هي مطلقة من دون افتراضات سابقة، وهذا ما لا يمكن حدوثه عند كيرككَورد. • مسألة «نهاية المذهب» التي جعلها هيغل في الأخلاق، لكنه يتجه إلى الماضي ويلغي بذلك الأخلاق والمعرفة الحقيقية التي هي دينية أخلاقية. • بما أن البداية والنهاية ممتنعتان، فما يوجد في «وسط المذهب» ليس إلا أفكار لانتقال والعبور، وهي غامضة لا تفسر شيئًا، لهذا كل شيء في المذهب الهيغلي غامض ولا وجود للوضوح البتة. وهكذا نجد وراء الفلسفة الهيغلية هيغل الإنسان أو الفرد الذي يتوق إلى بناء مذهب يُقدم الدليل على

كذب المذهب كله بوصفه عقلانيًّا متطرفًا في عقلانيته، وجافًّا لإهماله جانب العواطف والمشاعر

الذاتية التي هي أساسية في حياة الفرد الوجودي. أما فيما يخص أهم الموضوعات التي اشتد حولها الخلاف بين كيرككَورد وهيغل، وهو موضوع الجدل أو الديالكتيك Dialectique، فرغم احتفاظ كيرككَورد بفكرة الجدل، فإنه يُصر على إبراز لاختلاف بينهما. فالجدل الهيغلي عند كيرككَورد هو جدل كمي Quantitative، يعتمد على مبدأين ينفر منهما كيرككَورد هما: مبدأ « لاتصال»، إذ كل شيء في الجدل الكمي مرتبط بشيء آخر ويسير في طريق متصلة. أما المبدأ الثاني فيتمثل ب «فكرة الرفع»، أي التناقض الحاد يزول في مركب أعلى عند هيغل، فالتنافر بين القضية والنقيض يحلان في فكرة جديدة أو يُرفعان، إلا أنه لا يمكن التوفيق بينهما عند كيرككَورد؛ إذ هناك صراع وكفاح مستمران دون أن يرفعا في مركب، لهذا قال: «عندي كل شيء جدلي»، معتقدًا في ذلك أن جدله الكيفي Qualitative سيحل محل الجدل الكمي الهيغلي، وفيه يكون التقاء الأضداد والمتناقضات مع الإبقاء عليها دون الرفع، عكس الديالكتيك الهيغلي بوصفه

(19) Jean Wahl, Etudes kierkegaardiennes (Paris: Edition Montaigne, 1938), p. 112. (20) Soren Kierkegaard, Post-scriptum aux miettes philosophiques (France: Editions Gallimard, 1949), p. 266. (21) Wahl, pp. 116-117. (22) Ibid., p. 117. (23) Politis, p. 16. (24) Wahl, p. 140.

ديالكتيكًا مطردًا ومتجانسًا. أما الديالكتيك الحقيقي فهو ديالكتيك الوجود الحي القلق الذي يتعمق في

نفسه، فهو منقطع مليء بالوثبات التي هي بمنزلة الفكرة الرئيسة في الديالكتيك الكيرككَوردي. ومن هنا نلاحظ أن النقد الكيرككَوردي للديالكتيك الهيغلي يقوم أساسًا على فكرة ألا وهي الوجودية

التي تقتضي الذاتية، والذاتية تقتضي التوتر الذي يقوم على التفرد والكيفية، إذ من هذه النواحي الثلاث ينقد كيرككَورد الديالكتيك من هيغل بوصفه تعبيرًا عن الوجود وليس فرضًا يفرض عليه. كما لم يغفل كيرككَورد الناحية الدينية عند هيغل الذي حاول إقامة صرح نصفه دين ونصفه الآخر فلسفة، وكانت النتيجة إدخال لاضطراب على الفلسفة واللاهوت؛ إذ لم يستطع تفسير الدين ولا تفسير الإنسان، خاصة تلك المشاعر التي هي لا عقلية ولا موضوعية، ومن ثمّ، لا تستطيع هذه الفلسفة أن

تكون له عونًا في الوصول إلى غايته؛ لأن كل شيء مرتبط بالتفسير العقلي. أمّا في المسيحية فالفكرة

الأساسية هي المفارقة Paradoxe، التي تهزم العقل الذي لا يستطيع تفسيرها بوصفها موضوع إيمان لا موضوع معرفة. فالإيمان ملازم للمفارقة، إنه قفزة في اللامعقول. والإيمان يزداد كمالً وسموًّا كلما

ازدادت معارضته العقل؛ إذ لم يجعل الدين فوق العقل، بل جعله مضادًّا له، وبهذا تكون طريق الإيمان هي هزيمة للعقل والحياة التي تعطي أملً للروح هي ضد أمل العقل. ومن هنا رأى كيرككَورد نفسه المعول الذي سينهال على الهيغلية ويجعلها رمادًا، وإذًا، يكون فاتح حقبة جديدة للفكر بعد المثالية الألمانية؛ ذلك أن الفلسفة وصلت إلى نهايتها مع النسق الهيغلي، ليظهر بعد ذلك شيء جديد أو شيء آخر غير النسق.

ثالثًا: مقولة الذاتية عند كيرككَورد

لقد استبعد كيرككَورد كل فلسفة عقلانية؛ لأن التصور المحوري الفلسفي لديه يتمثل بالذات، والذات التي يتحدث عنها وجعلها محور أفكاره هي الذات الفردية العينية الشخصية، بكل ما يعتريها من انفع لات وعواطف. لهذا نرى مهمة الفيلسوف الذاتي تكمن في إعادة الفرد إلى مكانه في التاريخ، بوصفه ذاتًا فاعلة، التي هي في تصور كيرككَورد إمكانية تسعى باستمرار نحو الكمال من أجل تحقيق الإمكانات الكاملة فيها، «فالذات في حالة صيرورة وتشكّل وتكوّن مستمر». والفرد عند كيرككَورد

لا يكون مطابقًا لماهيته منذ اللحظة الأولى من حياته، وإنّما تتشكل ماهيته فيما بعد، لهذا نجد حركة الفرد مستمرة في طريقه من وضع إلى وضع آخر.

1. مفهوم الذات وانبثاق الذاتية

عندما يتحدث كيرككَورد عن الذات البشرية لا يقصد بها الإنسان بصفة عامة أو بطريقة مجردة، بل الإنسان الفرد، الموجود العيني، أو الذات البشرية التي يحاول إدراكها أو معرفتها من خلال أوصاف

((2(إمام، ص.185

(26) Paul Ricœur, Lecteurs: la contrée des philosophes , vol. 2 (France: Editions du seuil, 1999), p. 30. (27) Soren Kierkegaard, La maladie à la mort (France: Editions Nathan, 2010), p. 86.

متعددة ذاتية من دون الوصول إلى نظرة شاملة تحيط بها. ومن ثمّ، تكون الذات نتيجة أو نهاية وليست بداية نبدأ منها، وهي نهاية لأنها مركب لا يوجد وجودًا مباشرًا منذ ولادة الإنسان، وإنما يصنعه بنفسه، لهذا يقول: «الإنسان روح، لكن ما الروح؟ الروح هو الذات، لكن ما الذات؟ الذات هي علاقة تربط نفسها بذاتها، أو ملكية هذه العلاقة بنفسها لكن الذات ليست هي العلاقة، وإنما تعتمد هذه العلاقة على ربط نفسها بذاتها. الإنسان مركب من المتناهي واللامتناهي، من الزماني والأزلي، من الحرية والضرورة. باختصار هو مركب، والمركب علاقة بين عاملين، وإذا نظرنا إلى الإنسان من هذه الناحية فلم يصبح ذاتًا بعد. في العلاقة بين هذين العاملين، تكون هذه العلاقة هي الحد الثالث، بوصفها وحدة سالبة، والعاملان يرتبطان بالعلاقة، وفي العلاقة، وبواسطة العلاقة، وكذلك في تحديد النفس، والعلاقة القائمة بين النفس والبدن هي العلاقة، على العكس إذا كانت العلاقة تربط نفسها بذاتها الخاصة، عندئذ تكون هذه العلاقة حدًّا ثالثًا إيجابيًّا، تلك هي الذات». فالذات عند كيرككَورد مركب من علاقات أو مجموعة من العوامل الأنطولوجية التي تدخل في نسيج وجودها؛ لأن الإنسان لا يولد ذاتًا، وإنما يصير كذلك.

2. الذات وأنماط وجودها: المسار الارتقائي والأطوار البنائية

تتألف الذات عند كيرككَورد من الناحية الوجودية من خمس صيغ: • الذات مركب من المتناهي واللامتناهي: أي تحقيق مركب عيني من هذين العاملين من دون أن يطغى أحدهما على الآخر، وهذا المركب يتحقق في لحظة لانفعال الطاغي لدى الفرد. • الذات مركب من النفس والجسد: إذ يمثل الجسد العامل المتناهي، بينما تمثل النفس العامل اللامتناهي، وهذا المركب لا يمكن تصوره إذا لم يتحد كلا العنصرين في حد ثالث ألا وهو الروح. • الذات مركب من الواقع والمثال: إن الذات تتضمن جانبين، جانبًا واقعيًّا وآخر مثاليًّا، يجمع بينهما

مركب ألا وهو الوعي الذي يدرك وجود الذات، لكنه ليس لحظة في تطور الروح، بل هو نشاط إيجابي بين الواقع والمثال. • الذات مركب من الضرورة والإمكان: إذ يؤدي غياب أحدهما إلى المرض الذي يسميه كيرككَورد اليأس. فالضرورة تتمثل بتلك الأحرف الصماء التي لا يمكن النطق بها من دون الأحرف المتحركة للفكر والإمكان، بوصف الفكر أثقل المقولات جميعًا عند كيرككَورد؛ إذ عن طريق ارتباطه بالحرية يؤدي إلى تحقيق أعظم شيء في الوجود، «فالذات هي الحرية، وهي الحركة الجدلية بين الإمكان والضرورة».

(28) Ibid., p. 67. (29) Ibid., p. 80.

• الذات مركب من الزماني والأزلي: في هذا المركب بين الزمان والأزل تحقق الذات الأزلية، وهذه اللحظة حاسمة وقاطعة بوصفها مليئة بالأزلي، لهذا تستحق اسمًا خاصًّا بها ألا وهو امتلاء الزمان. ومن هنا نرى أن الذات البشرية عند كيرككَورد تتألف من عنصرين يقفان في تعارض وصراع وتوتر دائم، إذ يجد الفرد نفسه في كل الأحوال في موقف تاريخي، وفي مكان محدد وزمان معين؛ لأن الحقبة التاريخية التي يوجد فيها والموقع والمكان، وكذلك الأسرة، وحتى القدرات الطبيعية كلها مكونات تؤثر في وجود الفرد.

3. الأحوال الوجودية الكبرى للذات

يرى كيرككَورد أن الفرد يمر في حياته بثلاث مراحل مختلفة يسميها مراحل حياة أو مدارج الوجود، وهذا ما يظهر في قوله: «توجد ثلاث مراحل: المرحلة الجمالية، والمرحلة الأخلاقية، والمرحلة الدينية، لكنها متمايزة على نحو مجرد بوصفها المباشرة والتوسط ومركب لاثنين، أو هي بالأحرى متمايزة على نحو عيني في تعينات وجودية بوصفها استمتاعًا، وضياعًا، وفعلً، وانتصارًا، ومعاناة». إن الأحوال أو المراحل الوجودية الكيرككَوردية تنقسم إلى ثلاثة أقسام، هي: أ. المرحلة الجمالية Sphère esthétique إن الفرد الجمالي هو ذلك الذي يعيش من أجل تحقيق رغباته أو سعادته؛ فمتعة السعادة المباشرة تتطلب درجة عالية من الوعي الذاتي الذي يعبّر عن التناقض الوجودي في الشكل الجمالي. ومن هنا

يمكن رؤية الحياة الجمالية بنظرتين مختلفتين: إما على شكل حياة تسيطر عليها الرغبة الحسية، وإما نموذج للوجود الإنساني يسيطر عليه الفكر الموضوعي، فهي إذًا مركبة من طرفين متناقضين هما: الحسية المباشرة، والجمالية التأملية. المرحلة الحسية المباشرة يُشبّه كيرككَورد هذه المرحلة في تطور الذات بمرحلة الطفولة التي تسيطر عليها رغبة طبيعية تهدف

إلى سعادته. وهنا لا تختلف ذاته عن البيئة الطبيعية المحيطة به، والوسيط الوحيد الذي يستطيع أن يُعبّر على نحو كافٍ عن هذه المرحلة هو الموسيقى، إذ تكون الذات على علاقة بالموضوع. وهنا يعود

كيرككَورد إلى موسيقى موزارت Mozart من خلال ثلاثة تعبيرات موسيقية، هي: الغلام في فيجارو، وبابا جينو في موسيقى الناي، ودون جوان.

(30) Soren Kierkegaard, Miettes philosophiques , Knud Ferlov & Jean jacques Gateau (trad.), (France: Editions Gallimard, 2013), p. 53. (31) Georges Gusdorf, Kierkegaard , P. H. Tisseau (trad.), (Paris: Edition Seghers, 1963), p. 78.

3(((أمل مبروك، فلسفة الوجود (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2011)، ص.129

(33) Marguerite Grimault, Kierkegaard: par lui-même (Paris: Editions de Seuil, 1962), p. 57.

الغلام في فيجارو Figaro: في هذا الطور تكون الرغبة غير محددة بوصفها رغبة، بل وجودها يكون على نحو لا نهائي، لهذا يرمز إليها كيرككَورد ب «الغلام في فيجارو»، الذي يظهر على أنه رمز أسطوري في رغبته الكامنة التي ليست في اعتقاد كيرككَورد سوى حلم ممتع. بابا جينو في موسيقى الناي Geno Papa de enchantée flute La: إنّ شخصية بابا جينو في موسيقى الناي عند كيرككَورد تعبّر جدليًّا عن لحظة الرغبة من أجل ذاتها؛ إذ هنا تستيقظ الرغبة من الوعي الحالم

لتلاحق بكل حرية الموضوع الذي تتوق إليه. فعند بابا جينو موضوعات متنوعة تستيقظ من خلالها الرغبة، «تغيب موضوعات الرغبة عن النظر فجأة وتظهر ثانية لكنها لا تزال قبل كل اختفاء متعة ولحظة اتصال حاضرة، لكنها عذبة سريعة الزوال، بوصفها ومضة برق ناعمة كلمسة فراشة». دون جوان Juan Don: إنّ الهدف الجدلي للمرحلة الحسية المباشرة عند كيرككَورد يظهر في هذا الطور الذي يسميه دون جوان، إذ تبلغ فيه الرغبة ذروتها، وتصبح مليئة بالتعين من خلال اتحادها بموضوعها العيني، لهذا يقول: «أمّا في الطور الثالث فتتحدد الرغبة في دون جوان على أنها رغبة. إنها

بمعنى أشمل المركب المباشر للمرحلتين السابقتين»، فالرغبة في دون جوان هي رغبة مطلقة، «رغبة في ذاتها من أجل ذاتها». والفرد في المباشرة لا يستطيع معرفة ذاته عند كيرككَورد؛ نظرًا إلى غياب الوعي الذاتي الناتج من التأمل

الذي يجعل من هذا الوعي فعلً تأمليًّا. لهذا بلا تأمل لا يوجد وعي ذاتي، وبلا وعي ذاتي لا وجود

لحرية، وبلا حرية لا يوجد فهم ذاتي. المرحلة الجمالية التأملية هنا تتحطم الحسية المباشرة مع نمو قدرة الطفل على الفكر المعرفي؛ أي استخدام الطفل الفكر واللغة ليتطور الوعي الذاتي الذي يتضمن خاصيتين أساسيتين، هما: • تميز الذات عن البيئة المحيطة: هنا يبدأ فعل التمييز الذي تصبح من خلاله الذات واعية بذاتها، بوصفها شيئًا يختلف جوهريًّا عن البيئة والظروف الخارجية. • تميز الذات عن ذاتها: هنا يتم إلغاء الحسية المباشرة، وهذا من خلال انبثاق الطرف التأملي للمرحلة الجمالية وقدرته على استخدام اللغة التي تؤدي إلى تطور الوعي الذاتي، الذي يتضمن تميز الذات عن عالمها من جانب، وعن ذاتها من جانب آخر. غير أن الخروج من هذه المرحلة الجمالية عند كيرككَورد يتم عن طريق « لاختيار» الذي له إمكانية

(34) Soren Kierkegaard, Ou bien… Ou bien , F et O Prior & M.H. Guignot (trad.), 6 ème ed. (France: Editions Gallimard, 1943), p. 65. (35) Ibid., p. 68. (36) Ibid.

(3((مبروك، ص.174

ذات معنى بالنسبة إلى الفرد، وهو بمنزلة وعي ذاتي يسعى لتحقيق بعض الغايات التي تعطي لحياة الفرد هدفًا.

ب. المرحلة الأخلاقية

يقول كيرككَورد: «الذات الحقة ليست هي الذات العارفة، وإنما هي الذات التي توجد على نحو أخلاقي». تتسم المرحلة الأخلاقية éthique Sphère بسمة أساسية ألا وهي انبثاق القرار، بوصفها مقولة مهمة عند كيرككَورد، يميز فيها بين مستويين، هما: • ما يطلق عليه كيرككَورد اختيار الذات. • هو حالة أساسية للمستوى الأول، إذ يعبّر عن عزم الفرد على الكفاح من أجل تحقيق هدفه

الأخلاقي. فانتقال الذات من المرحلة الجمالية إلى المرحلة الأخلاقية، يكون عن طريق التهكم Ironie من الحياة الخالية من القيم. لكن هذه الذات غير موجودة في هذه المرحلة، بل هي في حالة إمكان، لهذا كانت مهمة المرحلة الأخلاقية هي تحويل ما هو موجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، عن طريق معرفة الفرد لنفسه أو «اختياره لذاته»، إذ من خلال هذه المعرفة يبدأ ظهور الفرد الحقيقي؛ ذلك أن لاختيار هو تعبير عن قدرة الفرد على أن يصير ذاتًا، فالذات الأخلاقية عند كيرككَورد يتم اختيارها عن طريق معرفة هذه الذات. ومهمة الفرد إذًا في المرحلة الأخلاقية أن يفهم معنى مقولة: «على المرء أن يختار ذاته»، التي تعد تحديثًا للمقولة اليونانية الشهيرة لسقراط: «اعرف نفسك». ولهذا يرتبط اختيار الفرد لنفسه بمعرفته لذاته. إلى جانب المقولتين في المرحلة الأخلاقية يتعرض كيرككَورد ل «مسألة الحب» الذي يتحول إلى واجب أخلاقي عند الزواج بوصفه النموذج الأمثل للحياة الأخلاقية. فالتزام الفرد المثل الأخلاقية العليا سوف يجعله مخلصًا لها؛ فبالقرار تظفر الذات بالوحدة ولاتصال، لكن هذا لا يتم إنجازه مرة واحدة،

بل يجب العمل على تكراره طوال حياته، وهذا هو العنصر التاريخي في الواجب وفي الذات. فممكنات الفرد تتحقق من خلال الممارسة الحرة للإرادة باتخاذها القرار. لهذا نرى أن انتقال الفرد من الجمالية إلى الأخلاقية لا يعني أن رغباته قد استُبعدت أو استؤصلت على نحو كامل، بل وضعت في مكانها الخاص؛ لأن الذات لا تتجه نحو الرغبة، وإنما الرغبة هي التي تصبح خاضعة لسيطرة إرادة

(38) Kierkegaard, Post-scriptum aux miettes philosophiques , p. 251.

(3((مبروك، ص.186

(40) Kierkegaard, Ou bien… Ou bien , p. 456.

الفرد، لكن هذا الفرد لا يحقق توازنًا داخل ذاته في هذه المرحلة، لهذا تصبح الطريق مفتوحة أمام المرحلة الدينية.

ج. المرحلة الدينية

إنّ الفرد يحقق ذاته في المرحلة الدينية religieuse Sphère، وهذا من خلال معرفته التفرقة بين الإله والعالم، أو بين الإله والذات، مع لاهتمام بتحقيق سعادته الأبدية، وذلك عن طريق اعترافه ب لاعتماد الأنطولوجي للذات على الإله. وانطلاقًا من هنا، نجد كيرككَورد يقسم هذه المرحلة إلى مرحلتين أساسيتين هما: المرحلة الدينية «أ»، والمرحلة الدينية «ب». المرحلة الدينية «أ» إن السمة الأولى للمرحلة الدينية «أ» Religiosité A» « تتمثل بتمييز الوعي بين الإله والعالم بصفة عامة، وبين الإله والإنسان بصفة خاصة، والتي يظهر فيها لاعتراف ب لاعتماد الأنطولوجي للذات على الإله، وذلك عن طريق الإيمان بأن الإله هو الخالق وأن الإنسان مخلوق، وبهذه الخطوة تتقدم المرحلة الدينية على المرحلة الأخلاقية. والصورة الأولى للمرحلة الدينية «أ» ظهرت عند كيرككَورد في كتابه خوف ورعدة الذي يميز فيه بين الإلزام الخُلقي والواجب تجاه الإله، اللذين كانا متحدين في الفرد الأخلاقي وهما في صراع وتعارض، إذ يسميه كيرككَورد «التعليق الغائي للأخلاق» Éthique ’ l de téléologique Suspension؛ لأن الأمر الأخلاقي عند الفرد يُعلَّق أو يتوقف بسبب علاقة مطلقة مع غاية أعلى هي الإله، وهذا يحدث في ح لات استثنائية، يميز فيها كيرككَورد بين نوعين أساسيين هما: البطل المأساوي، وفارس الإيمان. البطل المأساوي tragique Héros Le: يقدم عنه كيرككَورد ثلاثة أمثلة أساسية هي: المثل الأول: أخذه من الميثولوجيا اليونانية، إذ هنا يستعين كيرككَورد بقصة أو موقف البطل الإغريقي أجاممنون القائد الأعلى للحملة اليونانية التي ذهب فيها إلى تدمير طروادة، إلا أنّ أسطوله لم يتمكن من الإبحار من أوليس بسبب رياح قوية، لكن السبب بحسب أحد العرافين يرجع إلى أجاممنون الذي أهان الإلهة أرتميس التي أرسلت رياحًا معاكسة لمنعه من الإبحار، ولن تغفر له إلا إذا قدم ابنته إيفجنيا

قربانًا وتكفيرًا لهذه الإهانة. وهكذا، إذًا، ضحى أجاممنون بابنته وتخلى بذلك عن أحد الواجبات

الأخلاقية الذي يتمثل بحب الأب لابنته والمحافظة عليها في سبيل غاية أعلى. المثل الثاني: يتمثل بقصة يفتاح الجلعادي، أحد قضاة بني إسرائيل الذي قاد قومه في حرب ضد بني

(((4 إمام عبد الفتاح إمام، كيركجور: رائد الوجودية (القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 9861)، ص.270

(42) Politis, p. 55.

(((4 سرِن كيركجور، خوف ورعدة، ترجمة فؤاد كامل (القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 9841)، ص.85 (((4 المرجع نفسه، ص.75

عمون، إذ في هذه المعركة نذر يفتاح في حال انتصاره أن يقدم إلى الرب أول من يلقاه بعد عودته، فاستجاب الرب لدعائه وانتصر في الحرب، لكن لسوء حظه كان أول من خرج للقائه بعد عودته ابنته الوحيدة التي لا يملك سواها، ولما رآها مزق ثيابه وقال: آه يا ابنتي! قد أحزنتني حزنًا. أما هي فطلبت منه أن يتركها شهرين لتبكي عذريتها هي وصديقاتها، وبعد ذلك رجعت، وفعل بها أبوها نذره الذي نذر، ليتخلى بذلك عن ابنته في سبيل غاية أعلى. المثل الثالث: أخذه من التاريخ الروماني، ويتمثل بموقف بروتس من أبنائه الذين شاركوا في مؤامرة لإعادة الملك الذي طردته روما عندما كان أبوهم قنصلً، فكان واجب بروتس بوصفه حاكمًا يُحتّم عليه أن يأمر بإعدامهم. نستخلص من الأمثلة الثلاثة خاصية مشتركة بينها تتمثل بأن الأب يجد نفسه دائمًا في موقف يضطر فيه إلى التخلي عن التزامه الأخلاقي نحو أبنائه في سبيل غاية أعلى، وهي أخلاقية أيضًا. فالصراع هنا ليس صراعًا بين الإله والعالم، وإنما بين غاية أخلاقية وغاية أخلاقية أعلى منها، وهذا ما يؤدي بالبطل المأساوي إلى الدخول في قضايا عامة، إذ تصبح فيها الأخلاق العامة في صراع مع الأخلاق الخاصة. لهذا يقول كيرككَورد: «البطل المأساوي يظل في دائرة الأخلاق. إنّه لا يفعل شيئًا سوى أن يُقدّم تعبيرًا عن غاية أخلاقية في صورة غاية أخلاقية أعلى، وهو بذلك إنما يرد العلاقة الأخلاقية بين الأب وابنه أو بين الأب وابنته إلى عاطفة تقع جدليتها في علاقتها بفكرة الأخلاق العملية، ومن ثم فها هنا ليس ثمة مجال للسؤال عن التعليق الغائي للأخلاق ذاتها». إذًا، في حالة البطولة المأساوية تقوم الغاية الأخلاقية الأعلى بتبرير الأخلاق الخاصة أو توقيفها، وذلك بردّها إلى مرتبة العاطفة المحض. لكن الأخلاق بما هي كذلك لم تعلّق بعد؛ ذلك أن تعليقها بمنزلة تعليق لمبدأ الأخلاق ذاته؛ أي أن تتخلى الأخلاق عن المركز لتصبح نسبية وتحل محلها غاية أعلى ومطلقة، وهذا ما لا يمكن تحقيقه إلا عند فارس الإيمان. فارس الإيمان foi la de Chevalier Le: إن لاختلاف المطلق بين الإله والعالم لم يظهر في حالة البطل المأساوي، هذا حتى لو انتقل إلى غاية أخلاقية أعلى، فإنه يظل حبيسًا في دائرة الأخلاق. لهذا لم نجد عنده تعليقًا حقيقيًّا للأخلاق، وأفضل مثال أتى به كيرككَورد لتوقيف الأخلاق يتمثل بقصة

إبراهيم، إذ يقول: «يا إبراهيم خذ ابنك وحيدك الذي تحبه، واذهب إلى أرض المريا، وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك».

(((4 المرجع نفسه، ص.76 (4((المرجع نفسه. (4((المرجع نفسه، ص.77–76 (((4 المرجع نفسه، ص.91 (4((المرجع نفسه، ص.26

فمحبة إبراهيم لابنه هي إلزام أخلاقي فُرض عليه، ويظل قائمًا حتى في مواجهة الأمر الإلهي بقتله، الذي يسبب الخوف والرعدة، لهذا لم يعد الأمر الأخلاقي مثلً أعلى ينبغي تحقيقه، وإنّما تحوّل إلى غواية منعت إبراهيم عن الأمر الإلهي، إلا أنه يعود تائبًا إلى الأخلاق ويعترف بأن الأمر كان كله خطأ

مرعبًا. وبما أن طبيعة الإلزام الأخلاقي كلية فيمكن أن يفهمه الناس؛ لأن حالة البطل المأساوي الذي اضطر إلى أن يضحي بابنه أو ابنته من أجل مصالح الدولة يفهم موقفه الشعب ويقدر تضحيته، لكن الأمر مختلف بالنسبة إلى إبراهيم؛ لأن موقفه هنا يتمثل، بحسب كيرككَورد، بعلاقته المطلقة بالمطلق، أي بعلاقة فردية بالإله. ومن هنا تكون تضحيته بابنه ليس من أجل غاية أخلاقية أعلى، وإنما تتم لسبب واحد فقط، هو أن الإله أمر به. وهذه إحدى النتائج الجدلية التي استخلصها كيرككَورد من قصة إبراهيم التي تتحول فيها الجريمة إلى عمل مقدس يرضى عنه الإله. ونتيجةً للوعي بالتفرقة بين الإله والعالم يصبح الإلزام الأخلاقي نسبيًّا في المرحلة الدينية، ولاهتمام

الأساسي للفرد يكون متجهًا نحو الإله. فإبراهيم يضحّي بابنه الوحيد لأنّه يعتقد أن الإله يأمره بذلك، ومثل هذا لاستعداد للتضحية يسميه كيرككَورد « لاستسلام اللامتناهي» الذي يقوم به «فارس لاستسلام اللامتناهي». وهكذا يعلن الفرد اعتماده الكامل على الإله ب لاستسلام اللامتناهي، متخليًا بذلك عن

أشياء العالم ويعترف بأن وجوده لا يستمده من العالم ولا من ذاته الخاصة، وإنما يستمده من الإله الذي يتميز وجوده من العالم على نحو مطلق، وإذًا، فهو القوة الوحيدة التي تُكوّن الذات وتُدعّم وجودها. إنّ الذات، بحسب كيرككَورد، لا بد لها أن تدرك أنها ليست مكتفية بذاتها، وإنّما تعتمد في وجودها اعتمادًا كاملً على الإله، ولهذا تعدّ المرحلة الدينية «أ» اعترافًا ب لاختلاف بين الإله والذات، فهي إدراك أعمق للاعتماد الأنطولوجي للذات على الإله، الذي يتجسد في حياة الفرد من خلال لاستسلام اللامتناهي. المرحلة الدينية «ب» إن السمة الثانية للمرحلة الدينية تتمثل باهتمام الذات بسعادتها الأبدية، فالذات في المرحلة الدينية »«ب Religiosité B» « تملك السعادة الأزلية بوصفها خالدة. لكن هذا الخلود يضع الفرد في حالة توتر لأنه خالد وفانٍ في الوقت نفسه، أزلي وزماني، لهذا يكون المصير الحقيقي للفرد في خلوده وفي علاقته بالإله يقع داخل هذا التوتر.

(5((المرجع نفسه، ص.78 (((5 المرجع نفسه، ص.70 (5((المرجع نفسه، ص.97 (((5 إمام، كيركجور: رائد الوجودية، ص.284

وهنا تكون علاقة الإله الأزلي بالإنسان الفرد هي علاقة مفارقة؛ إذ يعترف المتدين بالمفارقة الموجودة بين الإله الأزلي والفرد الفاني، لكنه لا يتعرف إلى المفارقة المطلقة التي لا تتحقق إلا إذا تجسد الإله الأزلي في الزمان، وإقامة علاقة مع الذات التي تختلف اختلافًا كيفيًّا من حيث الخلق والإثم والخطيئة،

وهذه المفارقة هي المحور الأساسي في الفهم المسيحي للإله وللذات وللعلاقة بينهما. ومن هنا يرى كيرككَورد أن الذات لا تصل إلى تحققها الكامل أو غايتها إلا في المسيحية، وهذه هي عملية التفرد التي سار فيها التطور الجدلي للذات. يتم لانتقال بين هذه المراحل عن طريق « الوثبة » Saut؛ فانتقال الفرد من المرحلة الجمالية إلى المرحلة الأخلاقية يكون عن طريق التهكم، أما من المرحلة الأخلاقية إلى المرحلة الدينية فيكون عن طريق الفكاهة Humour. لهذا جعل كيرككَورد المرحلة الدينية تاج المراحل الثلاث وقمتها، التي ينبغي عنده: «أن تفهم لا من ناحية المتواليات الزمانية للتطور المتتابع، بل من ناحية الأوصاف الحاضرة معًا للذاتية».

رابعًا: الأبعاد الدينية في العلاج الكيرككَوردي لمسألة الذات

إن شفاء الذات وخلاصها يكمنان في الإيمان الذي يتطلب مجهودًا وعزمًا لا متناهيًا، فهو ليس حالً

يعثر عليه الإنسان منذ البداية، ولكنه يصير مؤمنًا. فالإيمان بمنزلة مشكلة أو همّ الفرد إلى ما لا نهاية

بوصفه سبيل الأبدية، وهذا الهمّ اللامتناهي في المخاطرة بكل شيء هو الإيمان الحقيقي. فنظرة كيرككَورد إلى المسيحية من وجهتها الدينية جعلته يرفض كل برهان عقلي على الإيمان؛ ذلك أن العقل البشري لا يستطيع أن يستوعب الإيمان الذي هو محطة الوقوف الضرورية للروح الذي لا يقبل أي تبريرات عقلية. فالإيمان هو الذاتية، والذاتية هي الحقيقة، والحقيقة هي الذاتية، لهذا تطلب الذاتية؛ إذ فيها تكمن حقيقة المسيحية التي هي منعدمة من الناحية الموضوعية. فالإيمان هو إيمان بالمفارقة بطبيعتها هزيمة العقل، وهي موضوع إيمان لا موضوع معرفة وتعقُّل، وهي كثيرة الأنواع، فالمفارقة الكبرى نجدها في المرحلة الدينية التي تتمثل بضرورة الإيمان بأن الفرد بوصفه فردًا هو أعلى من الكلي ويقف في علاقة مطلقة مع المطلق. كما نجد أيضًا مفارقة اللحظة التي يتم فيها التقاء الزمان بالأزل. أما المفارقة المطلقة فتتمثل بتجلي الإله الأزلي في لحظة معينة في التاريخ وتجسده في فرد يسوع المسيح، وهذه المفارقة هي التي جعلت الديانة المسيحية تحتوي على مفارقة؛ ذلك أن الإله والإنسان يختلفان اختلافًا كيفيًّا وعلى نحو مطلق. إن معالجة كيرككَورد مسألة الإيمان كانت من منظور فردي مشخص، محاولً بذلك أن يفهم ما يعنيه الإيمان في ضوء التجربة الذاتية؛ فاستعان بشخصيتين من شخصيات الكتاب المقدس هما أيوب وإبراهيم. فأيوب شخصية فقدت كل شيء وأصبحت في بؤس شديد، ورغم صلته الطيبة بالإله يناقضه

(54) Kierkegaard, Ou bien…Ou bien , p. 17.

(((5 عبد الرحمن بدوي، دراسات في الفلسفة الوجودية (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 9801)، ص.86

(56) Wahl, p. 291. (57) Ibid., p. 320.

الوجود، وهذه هي المفارقة المطلقة، فما عليه إلا تَقبُّل ما هو غير معقول، لهذا يتطلب الإيمان التسليم

الكامل، وهذا ما يعنيه ب «القفز في الهاوية». أما إبراهيم الذي رزقه الإله بصبي في سن متأخرة، وبعد فترة يطلب منه أن يضحي به بذبحه، إذ هنا يقدم الإله على معجزة منافية للعقل؛ بمولد ابنه، وبعد ذلك يريد أن يقضي على هذه المعجزة. وهذا هو الموقف الذي كان على إبراهيم تحمله والإقدام على فعله رغم ما فيه من مفارقة مطلقة، لهذا لا يمكن لاستغناء عن المفارقة في دائرة الإيمان الذي هو التخلي عن العقل من أجل الحصول على الإله. فتجسُّد الإله في صورة المسيح يقدّم للذات إمكان التكفير الذي يعدُّه كيرككَورد بمنزلة «غفران خطايا

الفرد»؛ ذلك أن يسوع هو تعويض عن خطايا الفرد، فهو يسترها على حد تعبيره. فالتجسُّد يجعل غفران

خطايا الفرد ممكنًا، لكنه لا يمحو الذات الماضية، وإنما يحتفظ بماضيه نظرًا إلى ما له من أهمية في

حياة الفرد. أما التكرار فيتضمن ميلاد الذات من جديد؛ فالإله عندما يخلق من جديد، فهو يجدد مرة أخرى إمكان خلاص الذات؛ إذ هنا يتم التحقق الكامل للذات الفردية التي وجدت في داخلها لاتزان والسعادة ولاطمئنان، وهذه هي الغاية من جدل الوجود عند كيرككَورد. إن الإيمان ليس برنامجًا منظمًا نستطيع التخطيط له مسبقًا. وليست هناك معادلة نفسية تقوم بتحويل

الفرد إلى مؤمن؛ لأن الفرد الذي يختار الخوض في المسار العقلي لن يكون في إمكانه العثور على الإله، فالفرد يصبح مسيحيًّا في المرحلة الدينية، وهذا لن يكون إلا بتضحية العقل. هذا هو الوجود

الأصيل عند كيرككَورد الذي يتحقق في اللحظة Instant التي توجد فيها أمام الإله بوصفها لحظة المعرفة الذاتية. لهذا أراد أن يجعل من مسألة الإيمان مسألة بحتة تقوم بين باطن الفرد وإله حي مُتعالٍ

من دون وساطة البابا أو رجال الكنيسة.

خاتمة

لقد رأى كيرككَورد أن الحضارة بعد الفلسفة المثالية البحتة تحتاج إلى إبراز الذاتية، إذ كانت هذه هي مهمته التي يُعارض فيها هيغل الذي جعلها سجينة النسق، وبهذا مهّد طريقًا جديدة في الفلسفة تهتم بالإنسان الفرد لا بالمجموع، وتتخذ أسلوبًا جديدًا في التفلسف يبدأ من الإنسان لا من الطبيعة، ويهتّم بالذات لا بالموضوع. ومن هنا نلاحظ أن فلسفة كيرككَورد غير منفصلة عن فلسفة هيغل، إذ لا نستوعب الفلسفة الذاتية عند كيرككَورد إلا بنقد الفلسفة العقلانية عند هيغل؛ إذ كلاهما يكمل الآخر، فكيرككَورد يركز على المفكر الذاتي بينما هيغل يركز على المفكر الموضوعي.

(((5 علي عبد المعطي محمد، سورين كيركجارد: مؤسس الوجودية المسيحية، ط 4 (الإسكندرية: منشأة المعارف، 2000)، ص.167

(59) Soren Kierkegaard, La reprise , Nelly Viallaneix (trad.), (France: Editions Flammarion, 2008), p. 87.

(6((محسن طلائي، «مقولة الإيمان عند كيركجورد»، قضايا إسلامية معاصرة، العدد 56–55 (2013)، ص.403

وعندما طرح كيرككَورد سؤاله: كيف يُحقّق الإنسان الذات الأصيلة؟ أي كيف يصل الإنسان إلى حالة الوعي التي يُحلّ فيها التعارض بين الذاتية والموضوعية؛ افترض النظرية الهيغلية؛ إذ لا يمكن أن يكون لسؤاله معنى إلا في سياق هذه النظرية. لهذا كان الموضوع الأسمى والمهم عند هيغل وكيرككَورد هو الإنسان المرتبط بالوجود. هذا الوجود الذي لا يمكن أن يحيا في نماذج مختلفة في آن واحد، لذلك قسّم كيرككَورد الوجود إلى ثلاث مراحل: مرحلة جمالية يحيا فيها الفرد مستمتعًا باللحظة الحاضرة، ومرحلة أخلاقية يحيا فيها الفرد في الزمان ملتزمًا تحقيق واجبه الأخلاقي العام، ليصل إلى أعلى المراحل إذ يكون الفرد على علاقة بالأبدي، وهي المرحلة الدينية. هذه المرحلة التي يصل فيها الفرد إلى الذات الحقة لا الزائفة، وذلك عن طريق الإيمان، فهو إيمان بالمفارقة بوصفها تجلي الإله في التاريخ، وهو المصير الوجودي الحقيقي عند كيرككَورد؛ لأنّه مصير ديني، فالذات لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال فاعلية الإله وتدخله المباشر، وليس بواسطة الفرد نفسه أو مجموعة من البشر، فالفرد يصبح ذاتًا لا جزءًا من المجتمع البشري، ولكنّه يصبح كذلك في

علاقته بالإله. لهذا كانت الذات بمفهومها الفردي العيني المشخص التصور الرئيس الذي شغل فكر كيرككَورد منذ بداية حياته إلى منتهاها، لذلك شيد عليها نظرية الذات الكبرى، وإذًا، علينا أن نُعلّم الفرد الطريقة التي لا يكون بها مفكرًا فحسب، بل الطريقة التي يكون بها كيانًا منفردًا أيضًا. فالذاتية في فلسفة كيرككَورد هي المنهج وهي الغاية معًا. لهذا يرى أنّه ينبغي للمرء أن يفهم ذاته وأن يفهمها من حيث إنّه يوجد، فأن يوجد معناه أن يكون فردًا، لكن أن يوجد معناه أيضًا أن يكون في عملية صيرورة وتغير. لهذا تُعدُّ فلسفته جهادًا في سبيل واقعية الفرد العيني؛ ف «الفرد» هو المقولة الأساسية عند كيرككَورد؛ إذ رأى في هذه المقولة الأهمية التي يمكن أن تعزى إليه بوصفه مفكرًا ذاتيًّا. وكانت

حاسمة لكل نشاطه الفكري والأدبي، حتى إنّه أوحى بأن تنقش عبارة «ذلك الفرد» على قبره؛ لأن الذات الإنسانية ليست هي الإنسانية بوجه عام، فالإنسانية لا توجد، وإنما الكائنات الإنسانية الفردية هي الموجودة. لهذا عُدّ كيرككَورد أحد أعظم الفلاسفة والمفكرين الدينيين؛ إذ لم يقتصر تأثيره على الجانب اللاهوتي وحده، وإنّما امتدَّ لكي يشمل فلسفات أخرى ذات طابع إلحادي، لهذا عدّه الباحثون أبًا للوجودية المعاصرة، سواء في جانبها الإيماني أو في جانبها الإلحادي. وبهذا تكون اللحظة الكيرككَوردية لحظة في غاية التمييز والطرافة من تاريخ الفلسفة في طوره المعاصر، بل لحظة يصح أن توصف بالفارقة بين عهدين أو نمطين من التفلسف، نعني بداية عهد الخروج عن مقتضيات النسق، وهو عهد بلغ غايته المتوهجة في فلسفات معاصرة لا تزال تشغل الناس إلى يومنا هذا، ولعل فلسفة هايدغر تأتي على رأسها.

المراجع

References

العربية

إمام، إمام عبد الفتاح. دراسات هيجلية. القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع،.1984 ________. كيركجور: رائد الوجودية. القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع،.1986 بدوي، عبد الرحمن. دراسات في الفلسفة الوجودية. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،

زندكولر، هنس. المثالية الألمانية. ترجمة أبو يعرب المرزوقي وفتحي المسكيني وناجي العونلي. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2012 طلائي، محسن. «مقولة الإيمان عند كيركجورد». قضايا إسلامية معاصرة. العدد).2013(56–55 كيركجور، سرِن. خوف ورعدة. ترجمة فؤاد كامل. القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع،.1984 مبروك، أمل. فلسفة الوجود. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع،.2011 محمد، علي عبد المعطي. سورين كيركجارد: مؤسس الوجودية المسيحية. ط.4 الإسكندرية: منشأة المعارف،.2000 المسكيني، فتحي. هيجل ونهاية الميتافيزيقا. تونس: دار الجنوب للنشر،.1997 مطاري، عبد الوهاب. مقدمة في الأنثروبولوجيا الفلسفية. الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية،.2011 هيجل، فريدريك. فنومينولوجيا الروح. ترجمة وتقديم ناجي العونلي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2006

الأجنبية

Grimault, Marguerite. Kierkegaard: par lui-même. Paris: Editions de Seuil, 1962. Gusdorf, Georges. Kierkegaard. P. H. Tisseau (trad.). Paris: Edition Seghers, 1963. kierkegaard , Soren. Ou bien… Ou bien. F et O Prior & M.H. Guignot (trad.). 6 ème ed. Paris: Editions Gallimard, 1943. ________. Post-scriptum aux miettes philosophiques. Paris: Editions Gallimard, 1949. ________. La reprise. Nelly Viallaneix (trad.). Paris: Editions Flammarion, 2008. ________. La maladie à la mort. Paris: Editions Nathan, 2010. ________. Miettes philosophiques. Knud Ferlov et Jean jacques Gateau (trad.). Paris: Editions Gallimard, 2013. Politis, Hélène. Le vocabulaire de kierkegaard. Paris: Editions Ellipses, 2002. Ricœur, Paul. Lecteurs: la contrée des philosophes. Paris: Editions du seuil, 1999. Wahl, Jean. Etudes Kierkegaardiennes. Paris: Editions Montaigne, 1938.