الأرسومات الزّجاجيّة العربيّة وتعالق الصّورة والكتابة (من خلال المدوّنة التّونسيّة)
Arabic Glass Graphics Image-Text Entanglement (The Tunisian Blog)
الملخّص
يتعرّض هذا المقال إلى مباحثة طبيعة العلاقة ما بين الصّورة والنّصّ المكتوب في المدوّنة التّراثيّة لفنّ الرّسم على الزّجاج بالعالم العربي إنطلاقا من حالته بتونس، قبل مجيء المعمّرين الغرب. وعليه، كان لا بدّ من التّعرّض إلى منزلة الكتابة داخل فنّ المَصوَرَة التّـقليديّة لرصد وظائف الرّسالة المكتوبة المرافقة للصّورة السّرديّة. ويلعب هذا الخطاب الكتابي، كأحد المكوّنات البنائيّة للصّورة نفسها، دورَ تأمين النّقلة من تراث حكائيّ شفويّ إلى خطاب بصريّ تصويريّ. ويلامس الموضوع مختلف رهانات تجربة الفنّ الحديث بالعالم العربي وخاصّة بُعَـيد تأسيس الدّولة الوطنيّة، حيث كان لمفاهيم الهويّة والأصالة والتّراث المحلّي حضور مؤثر في صياغة إشكاليّات الحداثة الجماليّة وظهور الأساليب الفنيّة.
Abstract
Abstract: This article explores the nature of the relationship between the image and written texts in the Arab tradition of drawing on glass before Western Colonization. To this end, the status of writing within the art of traditional imagery was examined in order to detect the functions of the linguistic message accompanying the narrative picture. This written discourse, which is one of the structural components of the image itself, plays a transition role between an oral narrative heritage and a visual one. This subject extends into the various manifestations of Arabic modern art, particulary just after the independence state, where the concepts of identity, authenticity and local cultural heritage had an influential role in shaping the questions of aesthetic modernity and the emergence of artistic styles.
- المَصوَرة
- الكتابة والخطّ
- التّرقين
- الجهاز التّأويلي
- Imagery
- Calligraphy
- Illuminated Manuscript
Arabic Glass Graphics
Image-Text Entanglement
(The Tunisian Blog)
التراثية لفن الرسم على الزجاج بالعالم العربي انطلاقًا من حالته في تونس، قبل مجيء المعمّرين
الغربيين. وبناء عليه، كان لا بد من التعرض لمنزلة الكتابة داخل فن المَصورَة التقليدية لرصد
وظائف الرسالة المكتوبة المرافقة للصورة السردية. ويؤدي هذا الخطاب الكتابي، بصفته أحد المكونات البنائية للصورة نفسها، دورَ تأمين النقلة من تراث حكائي شفوي إلى خطاب بصري
تصويري. ويلامس الموضوع مختلف رهانات تجربة الفن الحديث بالعالم العربي، وخاصة بُعَيد تأسيس الدولة الوطنية؛ إذ كان لمفاهيم الهُوية والأصالة والتراث المحلي حضور مؤثر في
صياغة إشكاليات الحداثة الجمالية وظهور الأساليب الفنية.
تولوز 2 – فرنسا.
Professor of Aesthetics and Theory of Arts at the Institute of Arts and Crafts, University of Sfax, Tunisia - Researcher at LARA Laboratory, University of Toulouse 2, France.
مقدمة
تعدّ مدونة الرسم على الزجاج فصلً مهمًا من فصول ثقافة الصورة في التراث العربي الحديث،
منذ منتصف القرن التاسع عشر إلى بداية القرن العشرين. ومن أبرز أغراضها تحويل الذاكرة الشعبية من المجال الشفوي إلى مجال الصورة. وارتبطت هذه الذاكرة بثوابت الوعي الجمعي والنماذج التفسيرية في مجال القَصص النبوي والبطولات ولانتصارات والملاحم المحكية والطقوس الصوفية والصراع التراجيدي بين قوى الخير وقوى الشر في المتخيل الشعبي (الصورة.)1 وقد بدت مثل هذه الظاهرة الثقافية على وجه الخصوص بكل من سورية (دمشق، بصفة أخص) وتونس (صفاقس، وتونس العاصمة، والقيروان، وبنزرت بصفة أخص). بل إن كلً من المضمون السردي والكون السيميولوجي الذي يشمل منظومة العلامات المعتمدة، وبعضًا من المقومات البنائية للفضاء التصويري، قد امتد إلى الصورة الورقية المطبوعة التي انتشرت بالعالم العربي في منتصف القرن العشرين (الصورة 7). ذلك أن المطابع التقليدية التي انتشرت بالعواصم العربية عملت على إعادة إنتاج هذه المدونة التصويرية بتقنيات غرافيكية، ساعدت على تسهيل استنساخ هذه المضامين ونشرها على أوسع نطاق، وعلى تسويقها بأقل تكلفة مما كان عليه الأمر مع هذه الأرسومات في حالتها الزجاجية. الصورة (1) «أرسومة عنتر بن شداد»، بداية القرن العشرين، مجموعة خاصة (واحدة من تنويعات مختلفة لموضوع عنترة)
المصدر: زجاجيّة من رصيد الفضاء التاريخي الثقافي «أكروبوليوم قرطاج»، انظر:
Mohamed Masmoudi, Ali Bellagha (Tunis: Edition Cérès Production, 1990), p. 24.
وقد ارتأينا أن نتطرق إلى هذه المدونة الزجاجية المعنية، من خلال ما بقي من الرصيد التراثي التونسي في هذا المجال، أساسًا، وذلك نظرًا إلى المحرضات والبواعث التالية: • مدى تغلغل هذا التراث في الحياة الشعبية المدينية، بوصفه عنصرًا مرافقًا لمختلف الفضاءات الحية،
ومتممًا لبنية الديكور التقليدية والأثاث في المحلات والدكاكين والبيوت والمكتبات والمؤسسات بالمدن التونسية. • الأهم من ذلك، لأن هذه الأرسومات أكثر من متممات تزويقية، بل مرجعية سردية تسند طرائق التفكير، وتؤدي دورًا إيكونوغرافيًا في الربط بين المتخيل الشعبي ومنظومة القيم الرمزية والدينية
والثقافية، وتثبيت هذا الربط من خلال الصورة. وهو ما نجد صداه في المواد القصصية والحكائية التونسية التي تندرج اليوم ضمن أدب الطفل، وتقدم للأطفال في شكل عروض حكائية مباشرة، في المدارس ونوادي التنشيط الثقافي والإعلام الإذاعي. • ما أخصبه هذا التراث الرمزي في تونس، على مستوى التصوير المسندي الحديث (فن اللوحة الزيتية والمائية والمحفورة... إلخ)، من رؤى إبداعية، راهنت على ربط الفعل التشكيلي الحديث بالتمثلات التراثية للعالم، بوصفها مصادر إلهامية يمكن أن تؤتي أكلها في معالجة إشكالية الهوية؛ وهو مُتجَه شديد التواتر والوضوح في النشاط التشكيلي التونسي. • ما يزال «صدى» هذه المدونة التراثية ملحوظًا في الأسواق التونسية للمنتجات الحرفية إلى اليوم. ففي إطار إحياء العديد من الصناعات والحِرف ضمن برامج تنشيط لاقتصاد السياحي وضمن توجيهها إلى التراث المحلي، يقع اليوم، في العشريات القليلة الأخيرة، استئناف صناعة الرسم على الزجاج ب لاعتماد على استنساخ أهم النماذج المتبقية أو إعادة تنفيذها بتقنيات جديدة. ويتجلى ذلك في «الصالون السنوي للصناعات التقليدية بالكرم (إحدى الضواحي الشمالية لمدينة تونس) الذي تشرف عليه الدولة. وليس غريبًا أن نجد عشرات الأرسومات المتباينة، من حيث المعالجة التقنية للموضوع
نفسه، ولكن لحِرفيين مختلفين ومتباعدين من حيث المكان والجيل. كل يضفي على الموضوع المتواتر إضافات جديدة، قد تطالعنا بعناصر تخييلية جديدة. ومن ذلك موضوع «سفينة نوح» التي قد تتسع أو تضيق بحسب رغبة رسامها، أو موضوع «سيدي علي» الذي تارة ينتصر على «الشيطان» وتارة على «الغول» وتارة على «الوحش» الذي قد يميل إلى شكل التنين المستورد من الثقافة الصينية. وفي ظل هذا الثراء الذي عرفته المدونة، يتلون الموضوع بملامح ثقافية وتخييلية متنوعة، هي نتيجة نوع التثاقف أو على الأقل نتيجة الإفادة من تاريخ الفن شرقًا وغربًا. • أغلب النصوص العلمية والتاريخية المتوافرة حول هذه المدونة، وهي قليلة جدًّا، إن لم تكن صادرة بتونس، تفرد على الأقل مكانة مهمة للمدونة التونسية، على نحو ما ذكر أكرم قانصو من أنّ «الرسم
(((إذ وقع التعرض لموضوع من جانب تراث المدينة، انظر: رضا القلال وخليل قويعة، « البلاد العربي» بصفاقس: قصة 12 قرنًا من
الحضارة، تقديم العجيلي التليلي ورجب اللومي (صفاقس: إشراقات، 2017)، ص.102–98
تحت الزجاج تشتهر به تونس وسورية أكثر من أي بلد عربي آخر [...] حيث يباع الإنتاج في الأسواق للسياح والأجانب ويعلق على جدران المنازل والحوانيت. نلاحظ في هذا المجال أن المدن التونسية (بنزرت، صفاقس، قيروان، العاصمة) هي أكثر المناطق شهرة بهذا الفن». ونلاحظ كيف أن الباحث لم يذكر مدنًا سورية على غرار المدن التونسية التي ذكر، وهو ما يرجح القول إنّ هذه المدن التونسية هي الأشهر بهذا الفن في العالم العربي، وليس في البلاد التونسية فحسب. ولم تطالعنا النصوص التاريخية بمصادر نهائية لهذا الفن على نحو تام، ولكن من حين إلى آخر، يشير الباحثون إلى المرجعيات الجمالية والتقنية التي تستند إليها المدونة التونسية للرسم على الزجاج أو التي يحتملها الأثر الفني عند قراءته. فمحمد المصمودي يرى إمكانية الرجوع إلى العهد الفاطمي للبحث عن جذور هذا الفن؛ إذ كانت هناك بوادر للتشبيهية (أو التشخيصية Figuration) في أفريقيا وصقلية. ويمثّل كل من خزف صبرا وسقف كنيسة بلاتين Platine بب لارمو دعمًا لهذه المقاربة. كما يرجح أن نشأة هذا الفن تعود إلى إحياء ميْل قديم إلى الفن التمثيلي، على الرغم من ظاهرة «تحريم الصورة» أو مقاومتها. وهو ما تجلى كذلك
في فنون المنسوجات والتطريز والرسم الجداري. وفي مقام آخر، يؤكد المصمودي تأثيرات المنمنمات الفارسية في تراث الرسم على الزجاج في تونس (فضلً عن مرجعيات أخرى)، على الأقل من خلال تجانس بعض أنماط اللباس لدى الشخوص المرسومة في المدونتين. ويؤكد الناصر البقلوطي وجود مصادر خارجية وافدة من إيطاليا، وقد دخلت مع الحضور العثماني؛ إذ إن الرسم على الزجاج مرتبط، بحسب ما يبدو، بتقدم صناعة البلور وانتشارها، كما ورد في دليل معرض «الرسم على الزجاج» الذي أقيم في فرنسا (بمرسيليا) عام 9681، «وكان المنطلق من البندقية بإيطاليا في القرن الخامس عشر. ثم انتشر هذا الفن بأوروبا الوسطى [...] وفي تونس ازدهر فن الرسم على البلور في القرن التاسع عشر الميلادي». لكن تاريخ هذا الفن ليس تاريخ خامة البلور وصناعتها، بل يؤكد البقلوطي أن الرسم على الزجاج
(((أكرم قانصو، التصوير الشعبي العربي، سلسلة عالم المعرفة 203 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1995)، ص.37 (((لا تزال النصوص المتعلقة بفن الأرسومات الزجاجية قليلة جدًّا. وقد اعتمدنا في هذا المبحث على أبرز ما كُتب في هذا الشأن،
ومن أهمها وأقدمها ما كتبه الراحل محمد المصمودي الذي يُعدّ أول من فتح باب البحث في فن الرسم على الزجاج وأول من أرخ
له، على اعتبار أنه كان مؤرخًا للفنون والحِرف ومديرًا ل «متحف دار الجلولي» بصفاقس، قبل إدارته ل «الديوان القومي للصناعات
التقليدية» بتونس ثم «دار سيريس للنشر».
(4) Mohamed Masmoudi, «Une peinture sous verre à thème héroïque,» Cahier des Arts et Traditions Populaires , 1 ère année, no. 2 (1968), p. 12. (5) Mohamed Masmoudi, «La peinture sous-verre,» La Revue Française De l’Elite Européenne, no. 244 (Juillet-Aout 1971), pp. 43-47.
(((الناصر البقلوطي، «الأرسومات الشعبية بين النص والصورة. تحليل للوحتين»، المأثورات الشعبية، العدد 26 (نيسان/ أبريل 9921)، ص.26
فن إسلامي يرجع إلى فن تزويق الكتب، أو بالأحرى فن الترقين Enluminure أو كذلك فن الكتاب الذي لمع على يد الواسطي في مقامات الحريري، و « قد استعمل تقنيات بالغة الدقة صارت دارجة في فن المُنمنَمات». وهكذا، فنحن إزاء مصدرين اثنين، الأول شرقي (العراق وبلاد فارس، وخاصة في القرن السابع الهجري وما بعده)، ويتعلق بالمضامين المصورة والمكتوبة. والثاني غربي (إيطاليا منذ أواخر القرن الرابع عشر الميلادي)، وقد وصل عبر الطليان والأتراك، ويتعلق بالخامات البلورية والمواد التقنية. في حين يرى خالد الأصرم أن التأثير الإيطالي وارد على مستوى الزخارف الزهرية والأفاريز النباتية – الطبيعية التي لم تمر عبر أسلبَة هندسية تجريدية Stylisation. أمّا التأثير العثماني، فيتجلى في حضور
الخط العربي مثل الثلث والطغراء على وجه الخصوص. ولئن بدأ الرسم على الزجاج بتونس منذ بداية القرن التاسع عشر، فإنه تواصل حتى بُعيد الحرب العالمية الثانية. ولعل هشاشة الخامة الزجاجية وتعرضها للكسر، قد حال دون وصول العديد من اللوحات الزجاجية القديمة إلينا. فأقدم قطعة في هذه المدونة المعنية بالدرس توجد بمتحف «دار الجلولي» بصفاقس، وتعود إلى عام 1888. ومهما يكن من أمر، فإن مدونة الرسم على الزجاج نشأت من خلال رافدين أساسيين: الأول يتعلق بالمضامين والمفردات وقاموس العلامات، وهو الرافد العربي الإسلامي. وفي هذا المستوى لا اختلاف في كون هذا الفن امتدادًا شرعيًا لفن تزويق الكتب والمنمنمات. أمّا الرافد الثاني، فيتعلق
بالمحمل الزجاجي وبعض الخامات المستعملة. وفي هذا المستوى، كان للتقليد الإيطالي حضوره الذي اتسع ليشمل بعض المفردات الزهرية والنباتية المستفادة من التزويق الإيطالي، مثلما كان للورق المُذهّب الذي جُلب من تركيا دور مهم في تنشيط بعض الأرضيات الزخرفية للوحة، بحسب ما يرى المصمودي، على نحو ما يتجلى بوضوح في أعمال محمود الفرياني (الصورة 2).
(((المرجع نفسه، ص.26 (((«يتمثل الترقين [...] في رسم صوَر تشخص مشاهد ومواقف تتخلل النصوص السردية مثل المقامات، وقد ازدهر في القرن
السابع هجري والقرون التي تلته [...] فأفرز إنتاجًا جماليًا مبهرًا، تجلى في أبهى مظاهره على يد الواسطي الذي رقن مقامات
الحريري»، انظر: الناصر البقلوطي، صناعات تقليدية وحِرف صغرى من صفاقس (صفاقس: نشر العربية ودار محمد علي الحامي، 2017)، ص.34 (((«يبدو أن فن الرسم على الزجاج مرتبط بتقدم صناعة البلور ورواجها، وقد كان المنطلق من البندقية بإيطاليا [...] بين القرنين الرابع عشر والخامس عشر، وتحتفظ اليوم متاحف كل من مورانو وتورينو وروما بإيطاليا وكذلك متحف فيكتوريا وألبرت في لندن
بأهم مجموعات الأرسومات البلورية، وكانت أغراضها دينية في معظمها»، انظر: البقلوطي، صناعات تقليدية، ص 5–34.3
(10) Khaled Lasram, «Iconographie symbolique des sous verre et approche plastique contemporaine,» in: Rachida Triki (ed.), Patrimoine et Création. Arts plastiques tunisiens contemporains (Tunis and Lyon: Beit Al– Hikma/ Edilis, 1992), pp. 31-32.
(((1 قانصو، ص.40
(12) Mohamed Masmoudi, La Peinture Sous Verre en Tunisie (Tunis: Cérès Production, 1972), pp. 18-20; Masmoudi, Cahier des Arts , p. 12.
الصورة (2) أحد نماذج البُراق، القرن التاسع عشر
المصدر: من أعمال محمود الفرياني، متحف دار الجلولي، صفاقس، تونس.
وهكذا، لم يكن التأثير الإيطالي تقنيًّا فحسب، بل شمل المجال الأسلوبي. مثلما لم يكن التأثير
العثماني أسلوبيًا فحسب، بل فضلً عن القاموس الخطي اتسع إلى مجال الخامات الخلفية الملازمة
للبلور. بينما تعود الخامات اللونية المستعملة إلى تقاليد حرفية محلية ضاربة في القدم، تعتمد على التراكيب اللونية الطبيعية مثل مادة القرمز وأبيض الزنك واللازوردي والملكيت الأخضر والكركم الأصفر والقرمز والفوة ولم يستخدم الزيت بل الصمغ العربي مادةً مثبّتة. كما أنه لا اختلاف في تلازم فن الرسم على الزجاج مع فن الخط العربي. وهو المفصل الرئيس الذي ينقلنا من البحث في النشأة التاريخية إلى النظر في الخصوصيات الجمالية لهذه المدونة ومقاصدها الفنية من داخل ثقافة مخصوصة، تميّز بها هذا الفن دون سواه من الفنون الحرفية التونسية. وهو مدار
اشتغالنا. فكيف نفسر هذا التلازم بين الخط والرسم، والكتابة والصورة؟
(13) Masmoudi, La Peinture , p. 18.
أولا: دلالة الصورة بين غموض ووضوح
لا ريب في أن مفاتيح القراءة في الأثر الفني لا تستند إلى التبادل الإحساسي – الجمالي، بين ذات الرسام وذات المشاهِد أو القارئ. وهو شأن تعالق الكتابة والصورة في الفنون السردية القديمة مثل الفن المصري الفرعوني، حيث تمثّل الأشرطة تتابعًا سرديًّا يتدرج بين الكتابة والصورة. فالقراءة في هذه الفنون السردية مغلقة وملتزمة بمضمون واحد وليست حرة؛ لأن الدلالة تحتكم إلى حقل ثقافي – مرجعي مشترك بين الناس في الوعي الجمعي والذاكرة الشعبية. ومثل هذه المدونة بمنزلة حديثنا عن اللغة بوصفها، بحسب رولان بارت Barthes Roland، مؤسسة اجتماعية ونسقًا من القيم التعاقدية، ولكن على أساس مضامين القول الديني. وهكذا، سعى الرسام الشعبي إلى التحكم في الدلالة حتى يقاوم الداللت المفاجئة؛ أي تلك التي تخرج عن النسق الفكري المتوارث، فتتمرد على سكونية الوعي المعتاد والنماذج التأويلية السائدة. كما أن غياب التمثيلية الواضحة في الصورة أدى إلى ما يُسمّى «جمالية الغموض»، على نحو ما طالعتنا به بعض مقاربات الفن الإسلامي، وما قدمه ألكسندر
بابادوبولو بوجه خاص في كتابه الإسلام والفن الإسلامي؛ إذ تستند الصورة، سواء تعلق الأمر بتشخيص أو بتجريد، إلى خلفياتها اللامرئية لما لها من شحنات رمزية. ولنا أن نبحث في حضور فن الخط والكتابة عما يفسر هذا المنحى. إذ إن «فن الخط العربي بما هو فن لا تشخيصي قد غزا كل الفنون الأخرى بما فيها الرسم التشخيصي نفسه!»، بحسب ما يرى الباحث اليوناني الفرنسي بابادوبولو، ومن ذلك فنون الخشب والمعادن والمنسوجات والزجاج المطلي كما ذهبت الباحثة الأميركية آن ماري شيميل إلى القول إن فن الخط العربي، منذ بواكير نشأته الأولى مع النوع الكوفي، قد توزع في شتى الأغراض لاستعمالية والعناصر التي تتصل بالديكور الداخلي، ومن ذلك المفروشات المنسوجة. وفي هذا السياق نفسه، قالت الباحثة الفرنسية المغربية تارازا بن جلون تويمي إن الفن الإسلامي، من حيث هو تجريدي بالماهية وليس تجريديًّا من باب لاعتباط، إنما لا يعبّر عن تعالي الإنسان بل
يؤكد محايثته لعالم الأرض والحياة وانخراط مصيره بين حركة الزمن والنبأ المقدس parole La؛ إذ إنّ «الحروف المخطوطة يمكن، بفضل القلم، أن تشكل أغراضًا Objets – طيورًا، زوارقَ [...] ذلك لأن الحرف لا يعني دلالة فقط، بل يرمز أيضًا. فنحن نجده متشكلً مع وحدات زهرية ورسوم هندسية في تجريدات الرقش Arabesques والزخارف سواء في المعمار أو في الزرابي وغيرها من المنسوجات المفروشة، كما في المنحوتات الخشبية أو في أشغال الجص والفخار والخزف». وهكذا يتأرجح الفن العربي الإسلامي في نموذج الخط العربي بين روحانية الكلمة (الحَرف)، النص
ومنتجات الحِرف الفنية من أغراض استعمالية، في حين أن التجريد ليس فصلً للشكل عن منظومة
(((1 «اللسان نظام من القيم التعاقدية [...]. فهو يقاوم التعديلات التي يجريها الفرد الواحد، وهو بالتالي مؤسسة مجتمعية»، رولان
بارت، مبادئ في علم الأدلة، تعريب محمد البكري (اللاذقية: دار الحوار للنشر والتوزيع، 9871)، ص.35
(15) Alexandre Papadopoulo, L’Islam et l’Art Musulman (Paris: Mazenod, 1976), pp. 165-189. (16) Annemarie Schimmel, Calligraphy and Islamic Culture (New York: New York University Press, 1984), p. 11. (17) Thérèse Benjalloun Touimi, «L’art islamique et l’universel,» Les Cahiers de l’Islam (Novembre 2014), accessed on 23/12/2017, at: http://bit.ly/2BCdmtU
الأغراض المستعملة في الحياة اليومية؛ فهو يعيش فيها، وبينها. ولكن إذا كان المراس التجريدي والهندسي في مثال فن الرقش يستدعي الناظر إلى التأمل والتفكر والنظر في نظام الخلق وإيقاع المفردات الزهرية وتناسجها، فهل كان لزامًا أن تُرفَق الصورة بنص مكتوب يفسرها ويُثبت فيها المعنى المقصود؟ بل إنْ تعلق الأمر بصورة تشبيهية غير دقيقة، في مثال الرسم على الزجاج الذي نحن بصدده، يريد الرسام الشعبي من خلالها إبلاغًا دقيقًا، ألا تؤدي الحال إلى جهد قد لا تكون لنا من ورائه حاجة؟ ألا يبدو لنا في هذا المستوى من لافتراض أن الصورة تستنجد بالرسالة المكتوبة لإجلاء مضامينها، خصوصًا عندما تتحول فرشاة الرسام نفسها إلى أداة للكتابة، فيختلط الرمز وما يرمز إليه تحديدًا أمام
العين الناظرة؟ وأي جدوى للتأمل والتفكر عندئذٍ، وقد اتحد الدال والمدلول في نوع من التماهي المطلق؟ هل تأتي الكتابة لتدارك هذا التوجس من النقص الدلالي، ورغبةً في تأمين وضوح الرسالة الإخبارية والسردية والوصفية للصورة؟ نسوق هذا السؤال، خصوصًا في ظل نقص المقومات الإيكونوغرافية الواضحة للصورة وعناصرها التي تمكّن من الإحالة على مرجعياتها في الذاكرة المحكية والأسطورية، على نحو مباشر (الصورتان 3 و.)4 وإذا استثنينا بعض العلامات المتواضع عليها، والتي تحيل مباشرة على مقاصدها المرجعية، فهل تبقى عناصر الصورة في حاجة إلى تنصيص لمعرفة مرجعياتها داخل المدونة الشفوية Identification؟ بل حتى إن وُجدت عدة مفردات متواترة، مستفادة من القاموس الرمزي الشعبي، فداللتها المباشرة غير جاهزة أمام الناظر وتستدعي جهازًا تأويليًا. وهكذا، يستدعي غموض الصورة واختلاط مفردات القاموس الرمزي العفوي، وهو يخوض رحلته من السجل اللغوي الشفوي إلى فن المَصْوَرة بنوع من التدرج، وجود مستندات موضوعية ترتكز
عليها المقاصد التواصلية للصورة، وهي تروم تخطي عتبة الغموض نحو الوضوح الدلالي، إنتاجًا
وتلقيًا. فهل كان لا بد من شحن الصورة بالنص المكتوب للتنصيص على الدلالة المقصودة واستعادة
مرجعيتها داخل النص الديني والمأثور، لمنحها شرعية روحية وكونية وربانية، داخل الفضاء المصور؟ ما وظائف الرسالة اللغوية المرافقة للصورة؟ وما منزلتها داخل الفضاء التشكيلي؟ وهل يعني وجود الكتابة المرافقة عدم اكتفاء الصورة الفنية بذاتها وعدم «استقلاليتها الجمالية»؟ أيعود ذلك إلى قصور في قدرات الصورة على التبليغ تشكيليًا أم إلى خصوصية المنظومة السيميولوجية التي
يتحرك فيها هذا الفن؟ وبالمقابل، هل يؤدي استئصال العناصر الكتابية من اللوحة إلى بتر جهازها التواصلي، ومن ثمّ، إلى إحداث إعاقة تعبيرية؟
(((1 مثل هيئة البراق النبوي الشريف من خلال ملاك طائر في شكل حصان ذي جناحين، أو مثل السيف المزدوج ذي الذ بابتين لسيدنا علي وهو يصارع «رأس الغول»، أو سفينة نوح وقد ازدحمت بالكائنات، أو الوجه الزنجي لعنترة بن شداد، أو الشوارب المفتولة لبوزيد الهلالي... إلخ. (1((مثل رمزية الأسد التي تحيل على شخصية الولي الصالح بن عيسى، قاهر الحيوانات الضارية والأشرار والحشرات اللادغة والمتحكم فيها كما في لوحة «العيساوية.»
الصورة (3) أرسومة «عنتر وعبلة»، إعادة إنتاج حديثة (حيث التنصيص واضح بالأسماء: هذه عبلة وذاك عنتر بن شداد)
المصدر: من إنجاز خليفة الجلاصي.
أليس التعامل مع هذا الفن، من داخل ثقافة نصية متداولة في الوعي الجمعي بين الذاكرة والمتخيل، قد أدى بنا إلى ضرورة التوسل بالكتابة حتى يقع العبور من الصورة الشفوية (الحكائية، الأسطورية) إلى البناء التشكيلي المستقل، على نحو متدرج، متمرحل في الزمن التاريخي لتكوينية الصورة الفنية، على نحو جمالي خالص؟ أليست التجارب الإبداعية الحداثية التي خاضت تأسيس خطابات الهُوية والتراث والمعاصرة، والتي بدأت في الظهور في النصف الثاني من القرن العشرين بتونس، وقد استلهمت قواميسها التشكيلية من مدونة الرسم على الزجاج، خلاصةً لمرحلة النضج في هذه النقلة من الذاكرة الشفوية إلى المَصْوَرة
التشكيلية plastique imagerie ’ L؟ فتجارب من جيل الرواد إلى الجيل الثالث قد أفصحت، صراحة أو إضمارًا، عن انشدادها إلى هذه المدونة التراثية، وبالقدر نفسه، عن مباحثتها سبلَ الكتابة الشخصية لتاريخ الفن الحديث، بما يضمن لها المساهمة في البناء التراكمي للوحة الحديثة وتمَثّل مكتسبات العصر. وهي تجارب تحديث العلامة التشكيلية، وقد نشطت جنبًا إلى جنب مع المنزع الحروفي
وانصهرت داخله في العديد من النماذج. وإلا كيف نفسر أعمال علي بالآغا، وحاتم المكي، وإبراهيم الضحاك، وعبد المجيد البكري، وخالد الأصرم، وعادل مقديش، وعلي ناصف الطرابلسي، على وجه الخصوص؟ وهي مدارات لفن ثقافي عارف وعاقل، يستمد مشروعيته الجمالية من اللوحة المسندية الحديثة، كما يستمد مضامينه الرمزية من مدونات التراث الحِرفي مثل فن النسيج أو «المرقوم»، والرسم على الزجاج والخط العربي ومعمارية المدينة العربية بتونس وفن الرقش... إلخ.
وهكذا، كان لا بد من وجود مرحلة كتابية ملازمة لتشكل الصورة الفنية، وهي تكابد ولادتها الجديدة ما بين السجل الشفوي (السردي، والخرافي، والعجائبي) والمدونة التشكيلية الخالصة. وهذه المرحلة الوسطى هي فن الرسم على الزجاج، تكون فيه للكلمة المكتوبة والمخطوطة مكانة مهمة ملازمة للعلامة البصرية؛ إذ هي عنصر تكويني داخل الفضاء الفني إلى جانب الأشكال والألوان والمؤثرات الشكلية. وليس من باب لاعتباط أن تبدأ هذه التجارب التحديثية من حيث انتهى المراس الفني في
مجال الرسم على الزجاج وأغلِق بابُ الإضافة والتراكم فيه. أما وقد ظهرت بعض الإسهامات في هذا
المجال منذ بداية الستينيات إلى مطلع التسعينيات من القرن الماضي، فهي في الحقيقة إعادة تمثلٍ بل
إعادة إنتاج حِرفي لما كان قد ظهر بعدُ داخل المدونة. الصورة (4) «سيدنا علي ورأس الغول»، إعادة إنتاج حديثة العهد
ثانيًا: وظائف الكتابة في الأرسومات الزجاجية
1. التفصيل الوصفي
يتعلق بإضافة تفاصيل وصفية واسمية سكتت عنها الصورة ولم تتسع لها. وبمقتضى هذه التفاصيل يقع التوحيد بين دال ومدلول بعينه، ومن ثم ربط الصورة المرئية بتمثلّاتها داخل الذاكرة الشعبية. ومثل هذه التفاصيل لاسمية تربط المضاف بالمضاف إليه وهو، في كثير من الح لات، ما لا يجد الرسام له
(2((خليل قويعة، «سؤال التراث والحداثة في زجاجيات محمد الفندري»، الحياة الثقافية، العدد 55 (9901)، ص.76
معادلات داخل قاموس العلامات التصويرية المعتمدة. وهكذا، يلجأ إلى الرسالة المكتوبة المصاحبة للصورة لتدارك هذا النقص الدلالي (مثلًالصورة.)11 فالمدونة السردية للرسم على الزجاج هي من طبيعة الفن العفوي والخام، ولا تعتمد الدقة التشريحية والسنوغرافية في توصيف أبطالها وأحداثها. ومن خصائص الفن العفوي أنه يعمد إلى معالجة عناصر المشهد بصفة مسطحة من دون لاعتماد على العمق أو البعد الثالث أو قوانين المنظور (تلك التي صاغها رواد الفن الكلاسيكي في عصر النهضة الأوروبية بإيطاليا مع ليوناردو دا فنشي على سبيل المثال)، وهي من خصائص المنمنمات في الفن العربي الإسلامي. وما تعجز عنه الصورة في المشروع السردي يتداركه النص المكتوب الذي يُمكن
من تعيين عناصر الموضوع وتحديده حتى لا يلحقه التشويش التأويلي أو لانزياح. وفي أرسومة «عبد الله بن جعفر»، فإن هذا الجواد المقصود هو «الجواد كحيلان» وهؤلاء الجنود هم «فوج الهنريق»، وهذا الكلب هو «سلوقية سيدنا عبد الله»، كما نصت عليه الكلمات المكتوبة بحروف صغيرة تتخلل الأشكال (الصورة.)5 الصورة (5) عبد الله بن جعفر والأميرة يامنة، أرسومة زجاجية
المصدر: متحف العنابي، تونس. (2((«لقد تبلورت (تقنيات المنمنمات) من خ لاا ذلك المد الفني لمبادئ جمالية وسمت الفن الإس مااي، يمكن اختزالها في
غياب المنظور الخطي الذي يبرز العمق والبعد الثالث، ويعوضه بتسطيح الأشكال وتنضيدها على مهاد الحامل، مُسْقِطَةً رؤيةً شاملة
ترصف الأشياء من كل جوانبها، بعيدًا عما تشاهده العين المجردة، وهذا ما نلاحظه تقريبًا على الأرسومات الزجاجية التونسية»،
انظر: البقلوطي، صناعات تقليدية، ص.34
الصورة (6) عبد الله بن جعفر والأميرة يامنة
نلاحظ حضور الكتابة لتسمية الحيوانات، كما نلاحظ ذلك على مستوى الإطار (الجانب السفلي) في شكل شريط كتابي محيط يمثل نصوصًا حكمية. مقتطع من الأرسومة (الصورة.)6 على أن سيطرة المادة لاسمية على هذه الرسائل الكتابية تختلف عما هو الشأن في الصور التشريحية التي تقدّم في شكل أرسومات زجاجية صغيرة، تصف أجسام الحيوانات من قبيل الخيول، وتعرّف
بأعضائها لغايات تعليمية – توضيحية. فمدوّنة الرسم على الزجاج المقصودة بالنظر هي منجز جمالي يختلف من حيث المقاصد. أمّا غياب الجملة الفعلية في هذه الرسائل المكتوبة (أو على الأقل ندرتها)، فيعزى إلى أن الفعل الوصفي في هذه المدونة من مشمولات هذا الفعل التصويري أساسًا، وإلا لم يكن لمثل هذه الأرسومات السردية من جدوى. فهي بالكتابة تعتمد على التفصيل الوصفي من دون التفصيل السردي. ومن ثم تغيب الأفعال في محتوى المقاطع المكتوبة، لتؤكد حضورها من داخل حركة الكون التصويري والتخييلي للأرسومة الزجاجية. على هذا النحو، يستدرك مسار الإنشاء الفني للعناصر الشكلية غياب الفعل في النص. أمّا الأفعال التي نادرًا ما قد يلجأ إليها الرسام، فعادة ما تكون عناوين مخطوطة أعلى الأرسومات. وهي أفعال في زمن مطلق لا يخضع لحركة الأحداث وتواليها الكرونولوجي، بل زمن مغلق يُفترض أن يكون سياقًا قوليًّا للتصريح بهذه الأفعال، ولا فائدة في البحث في سداده المنطقي أو في صحته
التاريخية، من قبيل «عبد الله بن جعفر يخطف (أو يهرب ب) الأميرة يمينة» أو «سيدنا علي يصرع (أو يقتل) الوحش» أو «عنتر يركب مع عبلة الفرس»... إلخ. وعادة ما تكون هذه الأفعال عناوين مخطوطة أعلى الأرسومات لتعوض هزائم الواقع بعناوين سعيدة، تبعث على لاطمئنان، وتبدد الأحزان والنكسات، وترفع الهِمَم. وهكذا لا نستغرب الحضور القوي لعنترة وهو يفوز بعبلة، يمتطي معها جوادًا رشيقًا قويّ البنية، يحمل بإحدى يديه سيفًا «لماعًا» وبالأخرى علم الإيالة التونسية، وفي بعض النماذج العلَم التركي! وبناء عليه، تمثّل الأفعال «يخطف»، و « يهرب»، و « يصرع»، و « يقتل»، و « يركب»، انتصارات كبرى؛ ليس للأبطال المجسدين فحسب، بل للضمير الشعبي عامة، ولمتلقي هذا الفن الذي يعيش في عصر آخر غير العصر الذي عاش فيه الأبطال. وهي مظاهر للتحدي لا بد من تأكيدها، كتابةً، لضمان وصول الرسالة. وفي ذلك نوع من التعويض Compensation، بلغة التحليل النفسي. الصورة (7) عنترة وعبلة والعدو
المصدر: أرسومة مطبوعة على ورق أوفسات، مجموعة المعهد الوطني للتراث، تونس (امتداد للأرسومات الزجاجية بتقنيات طباعية بعد رواج الطباعة بالألوان في العالم العربي).
نلاحظ أن لكل فنان حِرفي طريقته في تخيل الأحداث وتشخيصها، وفي هذا النموذج (الصورة) 7 توظيف لعنصر الجمل والهودج أو «الجحفة» التي تحمي العروس. كما نلاحظ كبر هامة عنترة بالرغم من أنه أبعد إلينا من حارسه الجانبي (نزعة تضخيم البطل على حساب قوانين الإبصار)، من الرسوم المطبوعة على الورق في منتصف القرن العشرين (إعادة إنتاج للرسم على الزجاج بمختلف العلامات التصويرية والخطية... إلخ. في حين تختلف عملية فرز الألوان المطبعية من حيث شحنة الإضاءة من الألوان المستخرجة من الخامات النباتية التي للأرسومات الزجاجية).
2. التشريع الثقافي
إن كتابة البسملة والشهادتين وبعض الحِكم والأشعار الصوفية والنصوص القرآنية، داخل الحيز التصويري (الصورة 8)، يمكن أن تساعد على إجلاء المرجعية الدينية التي تسند مقاصد الصورة والأرسومات عمومًا، حتى يتبرأ رسامُها مما قد يخطر من تآويل وقراءات مجانية أو منحرفة. وبالقدر نفسه، إنما يبرر الرسام أهدافه من الصورة ويشدها إلى السياق الروحي والعقائدي الذي يمثّل أفقًا انتظاريًّا مشتركًا يجمعه ب «جمهوره» أو لنقل بمستهلك الصورة. ويبدو هذا السياق لاعتباري والتبريري،
حتى في تصوير المشاهد غير الدينية، مثل أرسومات «عنتر وعبلة» و « بوزيد الهلالي»... إلخ؛ فثمة دائمًا خلفية دينية وراء كل ما يُرسم على الزجاج في هذه المدونة. وفي هذا المستوى يكون للخطاب الكتابي وظيفة التأطير الثقافي للصورة داخل مؤسسة اللغة القولية، خصوصًا عندما يؤطر النص الفضاء التصويري، كما في لوحة «عبد الله بن جعفر» (الصورة 6). إن من وظيفة النصوص المصاحبة للصورة تشريع مضمونها ثقافيًّا داخل النص الديني العام والسياق
الروحي والكوني. ومن ثم، يقع ترسيم الأرسومة وتسليحها بمقومات الصدقية ولانتماء إلى السجل الثقافي المشترك، حتى لا تبقى الصورة هائمة تبحث عن مؤول لها من أهل الراسخين في العلم والنظر، فتغيب عن أنظار عامة الناس. إذ إن المعنيين من ظهور هذا الفن الشعبي هم العامة، لا الخاصة أو النخب العالِمة. وإلا ما كان لهذا الإنتاج أن يغزو جدران البيوت والمقاهي والأسواق والدكاكين، ويصبح مُكونًا من مُكونات الفضاء اليومي المعيش وعنصرًا لإعمار واجهات الجدران الداخلية. الصورة (8) تركيب خطي وزخرفي تناظري، زجاجي
المصدر: متحف دار الجلولي، تونس.
والحِكمي والديني والعودة إليه.
المصدر: المعهد الوطني للتراث، تونس.
بمثل هذا الترسيم، يتمّ الرجوع بعالَم الصورة إلى صورة العالم، كما هي متصورة داخل الوعي الجمعي
الذي يستمد أصوله المعرفية الخام من الثقافة الدينية وأخلاقياتها؛ بما تتضمنه من حِكم وقَصص ومن معجزات للأنبياء... إلخ. وهي مفاصل ثرية داخل الفكر العامي، مكنت من تعايش الحقيقة المكتسبة من خلال النص الديني والمأثور (القرآن والحديث)، مع الحقيقة المتنامية داخل المتخيل الشعبي، ومن ثم، مكّنت من تداخل المعقول والمنقول والمتخيل داخل الصورة القولية. بل إنّ هذه الصورة، بمرورها إلى المجال المرئي، احتاجت إلى الكثير من لانزياحات الرمزية والتأويلية التي تقتضيها لغة الأشكال والألوان والخطوط بطبيعتها؛ ما ضاعف فيها مستوى الخلط والغموض... إلخ. وهكذا، وتحسبًا من ضياع الرسالة المقصودة في زحمة هذه العوامل، يحتاج الرسام إلى التذكير بالسياق القولي
الصورة (9) من نماذج «سيدنا علي والوحش»
الصورة (10) من نماذج «سيدنا علي والوحش»
3. الذكر والتذكير
إن وظيفة التذكير من أهم وظائف النص المكتوب. وهو ما يمكن أن نعوّض به مفهوم الإثبات الذي سبق أن وقع تبنّيه وتداوله. لقد اعتمد بعض الباحثين على التمييز الذي قدمه رولان بارت بين وظيفتين للرسالة اللغوية المصاحبة للصورة الفنية؛ إحداهما الإثبات والأخرى التوضيح. والأولى هي الأكثر تواترًا في الصورة
الإشهارية والصحفية. وفي مدونة الرسم على الزجاج، يأتي الإثبات للتعرف إلى المرجعية الأصلية للشكل الفني التمثيلي كما وردت في السياق الحكائي الشفوي. وبفضل هذه الوظيفة الإثباتية يقع تفادي لاستثمارات الأيديولوجية والأخلاقية للصورة. إذ إن مثل هذه الكتابات المرافقة «ترسخ المعاني التي أراد الفنان إبلاغها عبر لوحته، وبذلك يتحد النص مع الصورة في مستوى القصة». وهو ما تؤدي إليه الوظيفة الإثباتية في الأرسومات الزجاجية ذات المحتوى السردي، مثل موضوع «خليفة الزناتي»، وموضوع «عنترة بن شداد وعبلة»... إلخ؛ ف «الكلمة تأخذ الصورة على عاتقها وتستوعبها وتوضح محتواها ومعناها». لكن السؤال الذي يُطرح في هذا المقام: إلى أي حدّ يمكن إخضاع علاقة الكتابة بالصورة، في مدونة الرسم على الزجاج، للنموذج البارتي الذي اعتمد على مجال آخر، مختلف تمامًا، وهو منزلة الكتابة في الصورة الإشهارية والصحفية؟ ومن ثم نعتمد، ههنا، التصنيف البارتي بشيء من التحفظ فيما يتعلق بوظيفتي الكتابة الإثباتية والتوضيحية لدراسة مدونة فنية ذات مضامين روحية ودينية وصوفية ورمزية، (الصورة 8)، أو مضامين ملحمية وفروسية متغلغلة في الذاكرة الثقافية (الصورتان 9 و 01)، غير الصورة الإشهارية وما يتصل بها من مقاصد استهلاكية، إخبارية، أيديولوجية وسلطوية... إلخ. ويبدو أن وظائف الكتابة في مدونة الرسم على الزجاج لا تنبثق إلا من هذه المدونة نفسها، ولا تتشكّل مقوماتها إلا من داخل مقاصد هذا الفن وخصوصياته الفنية والمخيالية والرمزية. وهو ما لا يتأكد إلا بأن يحتكم سياق النظر إلى الأثر الفني نفسه، قبل أن يتجه إلى النصوص السيميولوجية والمناهج الحديثة. من خلال النص المصاحب ل « أرسومة عنترة » الآتية نقرأ: «لئن أكُ أسودا فالمسك لونيَ وما لسواد جلدي من دواء عنترة فارس الفرسان»
(22) Roland Barthes, Rhétorique de l’Image (Paris: Seuil, 1964), p. 40.
((2(البقلوطي، «الأرسومات الشعبية»، ص.31 ((2(المرجع نفسه.
الصورة (11) أرسومة عنترة
المصدر: من مجموعة خليفة الجلاصي.
يبدو أن المسألة أكثر من أن تتعلق بإثبات مدلولات مبتكرة أو حافة لدوالٍ تصويرية على نحو مباشر. فالحقيقة المقصودة من هذا الخطاب مثبتةٌ بعدُ، إمّا داخل الثقافة الدينية ومنظومة التواصل نفسها وإمّا داخل الذاكرة الجمعية، إذا ما تعلقت بالمُنجَز السردي للبطولات والفروسية والسير الشعبية.
وما على الكتابة إلّ أن تذكّر بها وتعدّد قيمها لغاية التفكّر و لاعتبار. وهو ما يرجع إلى منزلة سجل الذكر والتذكير والأذكار في متون الثقافة العربية الإسلامية وحقلها الإيطيقي. فالرسام الشعبي ليس بمكتشف لحقيقة معرفية جديدة حتى يثبتها، وليس بمؤرخ يثبت الوقائع داخل نص برهاني. إنه كائن سارد ومذكِّر ومتخيّل، ينشط داخل سجل ثقافي موجود سلفًا ويشتمل على أجهزة تفسيرية متغلغلة
في الثقافة العربية الإسلامية، وفي هذا المستوى تكمن أهميته، وتتجلّى منزلته، ويكمن اختلافه عن الرسام الغربي في مجال اللوحة الزيتية الحديثة. وبغض النظر عن بعض التأثيرات التقنية والإخراجية الغربية التي لحقت المستوى الشكلي، يتجلى الرسم على الزجاج، بوصفه امتدادًا جماليًّا – تخييليًّا
لهذه الثقافة العربية الإسلامية التي نشأ فيها، والتي لمعت في مج لات الخط العربي والمنمنمات
والرقش والزخرف والعمارة وحرف فنية مختلفة (الصور 8 و 21 و.)13 ففي الشريط الكتابي السفلي لأرسومة «عبد الله بن جعفر والأميرة يامنة» (الصورة 6)، وهو جزء من الإطار الداخلي الذي يحيط بالصورة، نقرأ: الآيات القرآنية: «﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكرُوا اللّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأَصِيلً هُوَ
الَّذِي يُصَلِّي علَيْكُمْ وملَئِكَتهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وكَانَ بِالْمُؤْمنِينَ رَحِيمًا﴾ (الأحزاب:
–41.)43 صدق الله العظيم». وهذا النص تتمة لما ورد على يمين اللوحة: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أبَا أحَدٍ
مِنْ رِجَالِكُمْ ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخَاتمَ النَّبِيِّينَ وكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكرُوا اللّهَ
ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 01–4.)4 ومن ثم، فالمتعة الجمالية في هذا السياق ليست نتاج لاكتشاف
الذي يُراد إثباته، بل هي نتاج إعادة الإنتاج الوهمي والرمزي للأشياء قصد التذكّر والتفكّر. وقد ورد في حديث عبد الكبير الخطيبي ومحمد السجلماسي عن فن الخط: «في إطار النظرية الجذرية للكتابة، يجب أن يمرّ كل شيء عبر النص المقدّس ويجب أن يعود إليه. وهذا النص المقدّس هو
مبدأ محوري. والفنان المُسلم ينشئ الشيء إنشاءً وهميًّا، تمّت كتابته بعدُ (لأن الله وحده هو الذي
يخلق). وبواسطة هذه الإشارة يلتحق الفنان المُسلم بالوجود الخاص بكلّ فن، إذ يستحضر على نحو غير محدود كلّ ما هو موجود بعدُ. وتفتح هذه الإشارة المجال لرسم خفي يرسم النفس في طريقها لاحتواء الفراغ والإقامة فيه بفضل خطوط كتابية». الصورة (12) أرسومة زجاجية تقوم على الحضور الخطي والزخرفي، ذات تشكيلات تناظرية
المصدر: متحف دار الجلّولي، صفاقس، تونس.
(25) Abdelkabir Khatibi & Mohamed Sijelmassi, L’Art Calligraphique Arabe (Paris: Chêne, 1976), p. 232.
الصورة (13) أرسومة زجاجية تقوم على الحضور الخطي والزخرفي، ذات تشكيلات تناظرية
بالتوازي، تشمل وظيفة التذكير الأعمال الزجاجية التي يغلب فيها الخطاب الكتابي على حساب عنصر الصورة. ومن ثم، لا يمكن أن نكتفي بتصنيف أعمال مدونة الرسم على الزجاج ما بين تصوير سردي وآخر وصفي، اعتمادًا على تصنيفات علماء الجنس الروائي ومنظريه مثل ما ورد في نص جيرار جانات. فهذا التمييز يخص الأجناس الأدبية والروائية. فكأن التصنيفات النقدية لطبائع الجنس الروائي – الأدبي أصبحت المرجع الأساسي لتصنيفنا طبائع الأرسومات الشعبية في تونس، داخل مدونة الرسم على الزجاج. وما يبرر مثل هذا لاستدراك، هو، على الأقل، ما تطالعنا به أغلبية الأعمال التراثية المعروضة بمتحف التقاليد والفنون الشعبية «دار الجلولي» بصفاقس (وهو عنوان رئيس فيما يتعلق بمجموعات الرسم على الزجاج) من سيطرة الجانب الكتابي والخطي على الجانب السردي والوصفي، إلى حد أن رسام الزجاجيات يظهر لنا خطاطًا، أولً وقبل كل شيء، بتقنيات الرسم وخاماته. ولئن
((2(في مجال السرد؛ تصنف أرسومة عبد الله بن جعفر التي تصور اختطافه للأميرة يامنة. وفي مجال الوصف تصنف أرسومة مقام الولي محمد بن عيسى والطقوس العيساوية. البقلوطي، «الأرسومات الشعبية»، اعتمادًا على:
Gérard Genette, Figures II (Paris: Seuil, 1969), pp. 56-61.
((2(فمن جملة ما يناهز 25 لوحة، ليس هناك سوى لوحة «العيساوية» مجهولة الرسام، وهناك لوحتان تصوران «البراق النبوي الشريف» تنسبُ إحداهما إلى الفرياني. أما بقية الأعمال فهي خطية – زخرفية.
ظهرت بعض العناصر المصورة في هذه الفضاءات الكتابية، مثل الأقواس والقباب والشمعدان والزخارف النباتية، فهي عناصر فنية في خدمة التكوينات الكاليغرافية ومضامين نصوصها الدينية والقرآنية. بل كأن هذه العناصر التصويرية محاولات لتوضيح الداللت المكتوبة، وليس العكس. وهكذا يطرأ على بنية التعالق نوع من انقلاب الأدوار؛ بحيث تستدعي الكتابة الصورة وتستضيفها للإقامة فيها. إن سيطرة المتن الخطي على المدونة التونسية للرسم على الزجاج تؤكد لنا أسبقية النص المخطوط على الصورة، من جهة (وذلك في العديد من النماذج)، كما تؤكد سعي الفنان الشعبي إلى تشكيل عنصر الصورة، انطلاقًا من المادة الخطية، من جهة أخرى. وفي الحالتين تتربع سلطة الرسالة اللغوية المخطوطة، ذات الوظائف التذكيرية، على عرش هذه المدونة الفنية، لتولد وظائف أخرى جديرة بالفحص والتقصي.
4. النص بوصفه صورة
لقد سعى الفنان الشعبي في هذه المجموعة المعروضة إلى توظيف قدرات المادة الخطية (في الخط الثلثي خاصة ثم الطغراء والخطوط المغربية)، وإلى ترتيب فضاء الأرسومة بحسب القيم الجمالية للفن العربي الإسلامي؛ ومن ذلك التوازن، والتناظر، والإيقاع، والتأليف، والحركية، والوحدة البصرية... إلخ (الصور 8 و 21 و 13 و 14 و.)15 وهو من خلال ذلك يتعامل مع المادة الخطية من حيث قابليتها لليونة ويفتح آفاقها التشكيلية على احتم لات شتى في ترتيب مادة النص داخل الفضاء الفني. وقد احتاج الفنان إلى تضمين رمزية النور في هندسة توزيع النص القرآني، فعمد إلى استثمار صورة القنديل المشع في مركز اللوحة، كما عمد إلى صورة القوس والدائرة والشكل البيضوي والأشكال النجمية التي عُرفت في فن الرقش، لتأكيد علاقة الكلمة برمزية الكمال
(الدائرة) وقبة السماء (البعد الكوني) وعناصر المِعمار الإسلامي التي لا تخلو من رمزية التوق إلى العلو والكمال. وهو ما يحيلنا، من جديد، على تأرجح الفنان العربي الإسلامي بين عالمي الأرض والسماء – مادة الطبيعة وروحانية الطابع – مجال العمل ومجال النظر والتفكر – الجزء والكل. ومن ثم، ليس من باب لاعتباط رجوع مؤرخي الفن العربي الإسلامي إلى المتون الفلسفية أو الصوفية، سواء في دراسة المنمنمات أو فن الرقش أو فن الخط العربي أو المعمار الإسلامي. وقد ظهر ذلك في أبحاث غرابار أو كوراتولا، أو ماركت الذي يشير في شرحه لمسار الفنان الحِرفي في الفن العربي الإسلامي إلى النظرية الهيلومورفية، تلك التي اعتمدها المشائيون والأرسطيون العرب في تفسير تعالق الصورة والمادة الهيولية لحظة فعل الخلق، فيقول «باستخلاص صور Formes من فكره قصد وضعها في مادة، إنما يقلد الحِرفي كلً من الطبيعة والنفس العليا والعقل الفعال، بل وبعدُ، فإن هؤلاء الثلاثة يسندونه في فنه. وأكثر من ذلك، يمكن لعمله أن يُعتبر بمنزلة فعل مخصوص ومتفرد للنفس الكونية التي يُعد جزءًا منها».
(28) Yves Market, La Philosophie de Ihwàn al-Safâ (Paris: S.E.H.A./Archè, 1999), p. 300.
الصورة (14) الطغراء على أرضية زهرية
المصدر: من أرسومات الفرياني، متحف دار الجلّولي، صفاقس، تونس.
في مثل هذه النماذج يبدو الحرف المادة الأساسية للتصوير الفني، في اتجاه نقل المضمون الروحي للكلمة القرآنية إلى صورة ذات حيز مكاني محسوب ومدقق، تساعد على استجلاء معنى النص بواسطة العين المتذوقة، قبل اكتشافه بواسطة النظر الذهني والعقلي والتفسيري. وهكذا، كأن الأمر يفضي، في هذا المستوى، إلى الحديث عن وظائف الصورة الكامنة في الرسالة اللغوية، ويمكن أن نسوق، إلى هذا الحد، وظيفة الإبهار ولاعتبار. فجمالية الإخراج الخطي وتوزيع عناصره وتوازنها، إنما تؤدي دورًا
مزدوجًا. فهي افتتان ذوقي بقيم التناسق والإيقاع والتوازن والجودة، وب لاقتصار على هذا المستوى
البصري تصبح قيمة خالصة ومنزهة عن منفعة عملية وغاية لذاتها؛ إذ إنّ التشكيلات الخطية في الخط العربي (مثل «الطغراء» بصفة خاصة) يمكن أن تثير حتى ذائقة من لا يفقهون قراءة اللغة العربية، كما قال بابادوبولو. وهو الدور المباشر لهذه الجمالية. ولكنّ لهذه الجمالية أيضًا دورًا آخر؛ هو دور المحفز
المُمكن. إذ هي، بمقدار متانتها وحضورها، قد تحث الناظر على مزيد التمعّن في داللت النص
والإيمان بمضامينه. وفي هذا المستوى لم يعد الجمالي غاية لذاته، بل ينتهي إلى غائية تعليمية – شبه بيداغوجية؛ فمن خلال التذوق التشكيلي قبل القراءة اللغوية يمكن تحفيز النفس إلى تخطي عتبة المعنى المخطوط والتعامل مع مستوى آخر؛ هو جمالية النص وبنية مدلولاته المخطوطة. فالدال الجمالي الذي نقاربه في مستوى النظر البصري يؤدي إلى مدلول نقاربه في مستوى النظر الفكري الروحي. إن هذا التعالق إلى حد التماهي بين النص والصورة، شكلً ومضمونًا، يمكن أن يكشف لنا عن الوظيفة التصويرية – التشكيلية للمادة الخطية؛ وذلك فضلً عن أن العديد من التراكيب الخطية في هذه المدونة لم تُخط بواسطة القصبة والمداد أساسًا، بل رسمت رسمًا بواسطة الفرشاة والأصباغ. ومن ذلك نفسر
ظاهرة هذا لازدواج في وضعية Statut الفنان الحرفي؛ فهو رسام وخطاط في الوقت ذاته. ومن ذلك هذا التماهي الضروري التقليدي الذي كان يربط فن «التشكيل» بفن التصميم الخطي ضمن تصور
شامل للفنون الغرافيكية. إذ فضلً عن علاقته القديمة بمادة الخط Ligne، فإن للرسام الحرفي علاقة أساسية بفن الخط Calligraphie. الصورة (15) تشكيلات خطية وزخرفية تناظرية (مقتطع)
المصدر: متحف دار الجلّولي، صفاقس، تونس.
5. الوظيفة الاستعاضية
في بعض النماذج السردية يكف الرسام – الخطاط عن التصوير بواسطة التشكيل الغرافيكي (الرسم الخطي)، ليركز اعتماده على الفعل الكاليغرافي (فن الخط) دون سواه. وفي ذلك رجوع بالكلمة إلى مدلولها اللغوي الخام بصفة مباشرة، فلا يحملها غاية التصوير. ففي لوحة «البراق النبوي الشريف» لمحمود الفرياني (الصورة 61)، يستحي الرسام من رسم صورة الرسول، صلى الله عليه وسلم، على ظهر البراق (وهو ملاك في هيئة حصان طائر ذي جناحين، الصورة 18)، فيخط عوضًا عنها اسم محمد في شكل تركيب متناظر بالخط الثلثي (الصورة 7.)1 وفي هذا النموذج، كأننا بالخطاط – الرسام يستعيض بالكلمة عن الصورة. فتبدو الكلمة «ممتطية» ظهر البُراق، في حين يبدو النظر إلى الصورة مرتبطًا ب «قراءة» الكلمة، ملازمًا لها. أو كأن «المقروء»
يُعوض المنظور اللامباح ليؤكد أن صورة الرسول، صلى الله عليه وسلم، أكبر شأنًا وأوسع دلالة من
((2(وذلك ما يفسر أنّ الثقافة الغرافيكية أقدم من الثقافة التشكيلية بالعالم العربي. فقد كان رواد الحركة التشكيلية العربية، أساسًا،
رسامين غرافيكيين ومنمنماتيين؛ مثل محمد راسم بالجزائر، وشاكر حسن آل سعيد من العراق، وحاتم المكي من تونس. وفي تونس،
على مستوى المؤسسات والجمعيات، كان «اتحاد الفنانين الغرافيكيين» سابقًا من حيث تأسيسه في الستينيات من القرن العشرين، مقارنة ب «اتحاد الفنانين التشكيليين» الذي لم تتبلور ملامحه النهائية إلا في الثمانينيات.
قدرات تشكيلها داخل حيز الأرسومة، لما تحتمله من عناصر الكمال في الخلق. فالفنان الشعبي المسلم لا يرسُم الكمَلات؛ نظرًا إلى نقصان العين المباشرة وعدم تهيئها للنفاذ إلى جواهر الكلمة قصد
تشخيصها. وفي هذا المستوى، يضمر الفنان الحِرفي، من خلال بنية ثقافية قديمة ذات أسس صوفية، استعادة اختزال الوجود والخلق في الكلمة والحَرف. بل إنّ المِخيال التصويري الشعبي، في مثل هذه
الحدود، يتوقف على عكس الإيكونوغرافيا المسيحية التي أوغلت في رسم صورة مريم العذراء على عرشها ولابن على ركبتها اليسرى Maestà ومشاهد السيد المسيح crucifixion La وهو مصلوب أو جريح، ولم تتجه إلى لاهتمام ببطولات الناس وتضخيمها. الصورة (16) أرسومة «البُراق النبوي الشريف»، القرن التاسع عشر
لا ريب، أننا إزاء استنطاق السر في الحروف واختزال عناصر الوجود في الكلمة/ لاسم؛ ما يؤدي إلى تراجع العلامة البصرية لصالح العلامة السيميائية المرقومة، وفي ذلك تأويل وترميز. فالرسول حامل للرسالة والرسالة من الحق، فلا يمكن أن تختلط بالخلق في مجرد حيز تصويري يجعل من عناصر الخليقة أركانًا له. وبناء عليه، لا يتم تمثيل شخصية الرسول بمواد من جنس المخلوق المحسوس؛
(3((تلك هي المواضيع الشائعة في التصوير الإيطالي منذ نشأة مدرسة فلورنسا وازدهارها في القرن الثالث عشر مع سيمابو Cimabue على سبيل المثال. بل إن هذه المواضيع قد امتدت إلى أواخر العصر الكلاسيكي في تاريخ الفن بأوروبا، من مارتيني S. Martini ودوشيو دي بونينساغنا D. Di Buoninsegna في القرن الرابع عشر ولورانزو موناكو L. Monaco، وباليني J. Bellini في القرن الخامس عشر، وحتى الغريكو Le Greco في أواخر القرن السادس عشر وغيرهم.
إذ لا بد من أن تمرّ عبر التمثيل الرمزي ضمن فعلٍ تأويلي. وهو ما يمكن أن يحيلنا على ثنائية أبعاد
الوجود في تحليل هنري كوربان لتأويل الوجود الروحي لدى ابن عربي، على سبيل المثال، والذي اختزل العالم في حروف مرقومة. أمّا الحراك التخييلي المبدع، فيكمن في تحويل Transfert هذا الوجود الروحي إلى كيانات رمزية ذات قوة اختزالية؛ إذ إن هذا الفكر الحاضر في النفس يثير في ما لعضو الإبصار، لدى الكائن البشري، القدرة على تحويل كل الأشياء إلى رموز وإعادة صياغتها. وتسترجع نظرية التخيل إشكالية الخلق نفسها لدى ابن عربي. وبما أن الخلق لم يكن من عدم nihilo Ex، بحسب كوربان، بل خلقًا نورانيًا Théophanie، فإن «كل تخيل مبدع هو خلق نوراني»
لا محالة. بل «يبقى التخيل محركًا للتأويل الذي هو صعود مستمر للنفس». وفي هذا السياق الصوفي المخصوص، فإن العملية التخييلية الأصلية تقوم على فعل «التمثيل» Typifier. وهو تمثيل عكسي (تمثيل المحسوس في المجرد)، أي بعد تمثيل الوقائع اللامادية والروحية في أشكال خارجية محسوسة، تصبح الأخيرة، في حد ذاتها، «ترقيمًا» لما تعمل على إجلائه من كيانات. وهكذا، فصورة كلمة «محمد» وطوبوغرافيتها في الحيز الفضائي التصويري ليست سوى تمظهر بصري محسوس ولكنه، أيضًا، «تمثيل» تجريدي لشخصية الرسول. وفي ظل هذا التصور الميتافيزيقي المثنوي للوجود، والمتغلغل في طرائق التعامل مع الصور في الثقافة الفنية والحِرفية العربية الإسلامية، إنتاجًا وتأويلً، لنا أن نلاحظ متانة الوصل بين مجال صناعة الصور
في الأرسومة الزجاجية والمجال التأويلي والرمزي، الديني والصوفي. وذلك من جهة أن هذا الوصل ناتج من تحوّل المعرفة التأويلية إلى منظومة شاملة للقيم، يتحتم على كل إنتاج رمزي أن ينضوي
تحتها. وهو ما يمكن أن يمثّل ضمانة لشرط التواصل بين هذا الضرب الفني ومتلقيه أو «مستهلكي» الصورة بصفة عامة، في هذا السياق الإبستيمي. كما لنا أن نلاحظ من ثم أن بنية الحروف هذه وإن كانت تجريدًا، فإنها ليست تمثيلً جامدًا لشخصية حية، بل تحظى بخصائص الحياة، على نحوٍ ما. فإذا كانت الحروف فائضة عن الفكر الأسمى الذي نظمها، فتعمل عندئذ على ترتيب ملمح للوجود بات مخفيًّا، وعلى إجلائه وتمييزه، فإن ابن عربي
قد ذهب إلى الأبعد؛ إذ تصور الحروف حية من نفسٍ تتنفس animées Lettres، عندما قال في الفتوحاتإنها جماعة من بين الجماعات التي إليها اتجه الكلام أو «النبأ العظيم » parole La وإليها عُهِدَ التكليف.
(31) Henry Corbin, L’Imagination Créatrice dans le Soufisme d’Ibn’Arabi (Paris: Flammarion, 1958), p. 160. (32) Ibid., p. 160. (33) Ibid., p. 155.
(((3 يقول هنري كوربان في صياغة هذه المثنوية: «باختصار، نظرًا إلى أن هناك تخيل، فهنالك تأويل، ولأن هناك تأويل، فهنالك
رمزية، ولأن هناك رمزية، فهنالك بُعدان في الموجودات». ومن ذلك نذكر: الحق والخلق/ الناسوت واللاهوت/ الباطن والظاهر/
السر والمرئي، انظر:
Ibid.
(((3 محي الدين بن عربي، الفتوحات المكية، تحقيق أحمد شمس الدين، ج 1 (بيروت: دار الكتب العلمية، د. ت.)، ص.58
الصورة (17) مقتطع من أرسومة البراق، المركب الخطي التناظري المعكوس
أما مُركب الحروف الناتج من معالجة اسم الرسول بالخط الثلثي، فهو من أكثر الصياغات تواترًا لهذا
الموضوع الكاليغرافي. ومثل هذا التواتر البصري جعل من هذا التركيب مترمزًا بفعل التراكم، وقد تحوّل إلى صورة غرافيكية تحيل مباشرة على مدلولها، بإدراك جشطلتي، من دون الحاجة إلى قراءتها
أو تتّبع حروفها أو تبيّن حركاتها ومتمّماتها الشكلية التي تتخلل الفراغات في الخط الثلثي. ومن ثم،
فارتقاء هذا المركب إلى مستوى الرمز قد مكنه من ترسيخ إظهار تمثّلي لما يتعذّر إدراكه على نحو مباشر. وفي هذا المستوى، يكون الرمز علامة محسوسة تستحضر الغائب عن الإدراك المباشر، وهو التعريف الذي قدمه أندريه اللند في قاموس المصطلح التقني والنقدي للفلسفة. وقد اعتمد عليه جيلبار ديران في التخيّل الرمزي. على أنه حريّ بنا أن نورد هذه الإحالة بتحفظ، إذ ليس للرمز (مركب
بالخط الثلثي) مقومات التمثيل الطبيعي أو التناسبي Analogique. وما يهمنا في هذا المستوى هو الوظيفة الأساسية للرمز تحديدًا، من حيث إنه يجعل الموضوع المخفي والمحجوب مرئيًا، على نحو
(36) André Lalande, Vocabulaire Technique et Critique de la Philosophie , 16 ème ed. (Paris: P.U.F, 1988), article «symbole», pp. 1079-1081.
(المعنى أ – «ما يمثّل شيئًا آخر بمقتضى تعالق تناسبيّ...»، المعنى ب– «نظام متواصل من المفردات التي يمثّل كلّ منها عنصرًا من
نظام آخر...»).
ما. وهكذا، فإن الرمز كما يُصرح ديران نفسه، ليس سوى هذا التمثّل الذي يقوم بإظهار ما كان سرًا خفيًّا، عصيًّا عن الظهور والإدراك. الصورة (18) مقتطع من أرسومة البُراق (معالجة توضيحية)
6. الوظيفة الشكلية
من مميزات الأرسومات الزجاجية حشر الفضاء الفني على نحو مسطح، ومقاومة الفراغات التي تخلل العلامات التصويرية والخطية. وهي امتداد لمميزات المنمنمات أو الفن العربي الإسلامي تجريدًا وتشخيصًا. وفي هذا المستوى، تأتي العناصر الكتابية في العديد من النماذج التصويرية إلى جانب العلامات الشكلية والزخرفية والعناصر الرمزية التي تزدحم بها القطعة الزجاجية؛ قصد إدراج الكتابة ضمن هذا التوجه. فالعديد من النصوص المكتوبة حول الشخوص والحيوانات وغير ذلك من العلامات ليس لها وظيفة بيانية على نحو ما ذكرنا في التفصيل الوصفي، بل هي تساعد على سد الفراغات الناجمة ما بين الأشكال من جهة، وعلى دعم النسيج البصري للبنية الخطية، من جهة أخرى. وليس من باب لاعتباط أن نجد هذه النصوص غامضة، بحيث لم يُولِ الفنان شروطَ مقروئيتها أهميةً.
(37) Gilbet Durant, L’Imagination Symbolique (Paris: P.U.F, 1964), p. 3.
بل في كثير من الأحيان تأتي هذه النصوص زائدة عن حاجة الرسالة اللغوية المرافقة للصورة؛ بحكم ما تمثله من إسهاب أو تكرار. إذ ما الفائدة في أن أخطّ بجانب صورة اللبوة كلمة «لبوة»، أو بجانب صورة العقرب كلمة «عقرب»، أو بجانب صورة الزكار كلمة «زكار»، كما في أرسومة «مقام الولي محمد بن عيسى» (الصورة 9.)1 فالأمر هنا لا يتعلق بوظيفة التفصيل الوصفي؛ نظرًا إلى اقتصار الكتابة على الوحدة الجنسية دون الوحدة الشخصية أو العددية، على خلاف ما ورد في نص «الملك برقان سلطان الجان » الذي يخر صريعًا في لوحة «سيدنا علي ورأس الغول»، أو في نص «الجواد كحيلان» في أرسومة «عبد الله بن جعفر»، مثلما لا يتعلق بتسميات الشخوص من خلال العناصر المكتوبة من قبيل «سيدنا الزبير»، و « عبلة»، و«عنترة»، و«شيبوب»، و«أبو زيد الهلالي»؛ وهي عناصر كتابية تسهّل عملية تقديم الشخوص بالنسبة إلى الرسام وعملية تمثّل الموضوعات بالنسبة إلى المُشاهِد – القارئ. الصورة (19) أرسومة «مقام الولي محمد بن عيسى» (العيساوية)
وهكذا، فمثل هذا الإسهاب لا يؤخذ من جانب قدرة الرسالة اللغوية على مضاعفة قوة الدلالة في الصورة، «أو الإدلاء بمعلومة بعض منها أو كلها موجودة بالصورة». فكل ما لا يضيف يُنقص بعض الشيء من القيمة، في حقيقة الأمر. بل غاية هذا الإسهاب خلق حجة لتكرار حضور الأحرف وتشابكها (الصورة 20)، بما هي مادة تشكيلية قادرة على سد الفراغات وتنشيطها ودعم توازن النسيج البصري للفضاء المرسوم (وليس دعم النسيج الذهني في تمثّل المادة السردية).
(((3 البقلوطي، «الأرسومات الشعبية»، ص.31
الصورة (20) مقتطع تفصيلي من أرسومة العيساوية، حيث تبدو للعيان بعض الكتابات المصاحبة للعلامات التصويرية
ثالثًا: الخطاب الكتابي في المنجز التشكيلي الحديث بتونس
نحن في هذا المستوى نباحث في الخطاب الكتابي هجرته ما بين مدونتين ثقافيتين، مختلفتين من حيث الرؤية الجمالية والمقومات التاريخية والمقاصد والمضامين. أي من مجال «اللوحة» الشعبية، وتحديدًا الأرسومة الزجاجية، إلى مجال آخر هو اللوحة المسندية، أي اللوحة التي ظهرت مع النهضة الأوروبية بإيطاليا والتي ترسم على مسند Chevalet. ونورد هذا التصنيف من دون إضمار أي «أفضلية» معيارية لأحدهما على الآخر. فانتقال الفعل التصويري إلى منظومة الفن الغربي الحديث، من جهة الفنانين التونسيين، ليس تنكرًا للتراث الحِرفي المحلي التقليدي، بل هو انخراط في منظومة ثقافية للتعبير الفني
مختلفة وإسهام فيها. ويذهب البقلوطي إلى القول إن الصناعات الحِرفية، بوصفها تعبيرًا ثقافيا ماديًا
وغير مادي، «تساعد بحكم تنوعها وخصوصيتها المحلية على تجسيد ذلك لاستثناء (الثقافي)، ما يؤكد دور الفعل الثقافي الذي ما انفك يتعاظم في مجهود التنمية ويسهم في تقارب الشعوب وتفاهمها بدلً من الهيمنة لاقتصادية وتوحيد الثقافات وتنميطها [...] لأن العالم على ثراء وتنوع ثقافيين ليس لهما حدود، وربما نحن أمام تحد معاكس، إذ بقدر ما تتقلص المسافات، بقدر ما يتسنى لنا التعرف بيسر على ثقافات الآخر وندرك ما يفرق بينهما وما يقرب». المجال الأول شرقي الأصول شكلً ومضمونًا، ويستمد شرعيته التاريخية من فن المنمنمات وتزويق
(3((المرجع نفسه، ص.15
الكتب، في حين تتعلق بالثاني تحولات الشكل الفني عبر التاريخ، والتي نشطت من داخل بنية الثقافة الغربية منذ عصر النهضة إلى الفن الحديث، بما في ذلك تحولات الفن ما بين أسسه الأكاديمية، وبين المنعرجات التي أسست لتباين مشاربه الأسلوبية التحديثية، وخاصة منذ أواخر القرن التاسع عشر. إذ لم تعد قيمة اللوحة نتيجة لمدى تطابقها مع مرجعيتها الواقعية أو الطبيعية، بل صارت نتيجة لمدى اكتشاف الذات لمرجعياتها الرؤيوية، المستقلة، داخل الكون الذاتي. فنحن، ههنا، إزاء لانتقال من رؤية إلى أخرى، الأولى عفوية خام ذات طبيعة سردية تراهن على تثبيت نماذج تفسيرية داخل الوعي الجمعي والمِخيال لاجتماعي، في حين تتمسك الثانية بتراكماتها الثقافية العارفة savante Culture نظريًّا وتطبيقيًّا، فتراهن على منطق القطيعة والتجاوز من أجل إجلاء كون ذاتي،
ذي أجهزة أسلوبية متفردة تسعى لإعلاء جانب لاستقلالية الجمالية فيها. إن الفن طريقتي لصنع العالم (نلسون غودمان)، وبالفن أرى العالم على نحو ما أنا عليه، وليس على نحو ما هو عليه (بول إيلوار). وهكذا، ففي الرؤية الأولى يعمل الفنان الشعبي على سد باب التأويل أمام الناظر. وذلك بمنزلة شرط أساسي لنشاطه، تحسبًا من ظهور قراءات محظورة أو غير مباحة. في حين يسعى الفنان الحديث جاهدًا
إلى فتح آفاق أعماله الفنية على تعددية الداللت والقراءات، وينتظر من القدرات التأويلية أن تضيف قيمًا جديدة إلى الشكل الفني، بصفتها شرطًا أساسيًّا لضمان خصوبته الإبداعية وتأكيدها. ولعل ذلك
هو ما أدى إلى صمود اللوحة المسندية الحديثة واستمرارها في شكل حياة متجددة، حتى من داخل ثقافة الفن المعاصر التي خرجت بالشكل الفني من الإطار لافتراضي للوحة المسطحة، في اتجاه إكسابه مقومات المحسوسية Concrétion، وإدماجه في الفضاء الحي – المعيش، أو في اتجاه إكساب الصورة الفنية مقومات مفاهيمية داخل التصور الذهني. بل إنّ اللوحة الحديثة ما زالت هي الأساس الأنطولوجي للحوار لافتراضي الذي تمارسه الصورة من خلال فن – النات Net Art، وذلك أفق آخر. ظهرت اللوحة المسندية في تونس عام 9418، من خلال «الصالون التونسي السنوي الأول» الذي أذن ببعثه المُقيم العام زمن لاستعمار الفرنسي. ثم انتشرت ثقافة اللوحة الحديثة في بداية القرن العشرين، من خلال الرسامين الفرنسيين والطليان والروس والمالطيين الذين وفدوا مع لاستعمار لتصوير مفاتن البلاد التونسية (المدينة العتيقة، والمشاهد الطبيعية، والمعالم المعمارية، وحلق الوادي) وتحويلها إلى محرضات استشراقية واستيطانية. وكانت قد تكونت عام 9481 جماعة «مدرسة تونس لفن الرسم»، على غرار «مدرسة باريس»، على يد الرسام الفرنسي بيار بوشارل، المولود بتونس (988–18941)، وعلى يد رفاقه. وكانت الجماعة متشبعة
(40) Nelson Goodman, Manières de faire des Mondes , Marie-Dominique Popelard (trad.), Collection Folio, essais no. 483 (Paris: Gallimard, 2006), Reprise in: Nelson Goodman, L’Art en Théorie et en Action , Jean-Pierre Cometti et Roger Pouivet (trad.), Collection Folio, essais no. 511 (Paris: Gallimard, 2009), p. 170. (41) «Citation Monde & voir,» Le Parisien, accessed on 28/12/2017, at: http://bit.ly/2C1zDWn
4(((خليل قويعة، بنية الذائقة وسلطة النموذج في ظاهرة الاقتناء الفني العربي (الشارقة: دائرة الثقافة والإع ماا، جائزة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي، 2013)، ص.108-88
بالتأثيرات الواقعية الطبيعية ولانطباعية والتكعيبية وغير ذلك مما هو صدى لما كان قد ظهر وازدهر بعد بباريس. أما عام 9561، إثر لاستقلال التونسي، فقد وقعت تَوْنسة رئاسة هذه الجماعة، لكنّ توجهاتها
الفنية العامة وتراكماتها المعرفية والأكاديمية والجمالية بقيت مُخالطة لسياقها القديم، حتى في حال
إدراج الأعضاء التونسيين الجدد مقولاتٍ جديدةً، مثل مقولة «الأصالة» لدى كل من عبد العزيز القرجي (2008–1928)، وزبير التركي (2009–1924)، على سبيل المثال. أما فترة الستينيات، فقد كانت لحظة حاسمة في تبلور خطاب الهُوية والحداثة من خلال ظهور فاعلين في المشهد التشكيلي من جيل الشباب. ذلك أنه تم تكوين جماعات فنية جديدة، مثل «جماعة الستة» (9631)، ومعرض «جماعة الخمسة» (9661)، منحت مفهوم «الأصالة» مضمونًا جدليًا وزمنيًّا،
وسعت لتخليصه من تداولاته لاستهلاكية والسطحية. فقد ناهض هؤلاء «الشبان» لانخراط الأعمى في المَصْورَة التقليدية التي نُعتت ب «الفولكلورية» و « لاستغرابية Exotisme ». وبالقدر نفسه، قالت
بضرورة لاستلهام من مدونات التراث الوطني الخالص من التوظيفات، وبكل ما يحتمله من شحنات ثقافية ومرجعيات متنوعة (بربرية، وعربية – إسلامية... إلخ)، ولكن من داخل فن اللوحة الحديثة. وذلك لمقاومة لاغتراب الماضوي من جهة، ولاغتراب داخل الأنماط الفنية السائدة في الغرب، من جهة أخرى. «أما الأصالة، فهي أن تكون في حالة وفاق مع الفترة التاريخية التي تعيشها، ومع أغلبية أفراد المجتمع الذي تتعامل معه، ومع طبيعة الأرض التي أنبتتك. فإذا كنت وفيًا لهذه المعطيات، كان
إنتاجك أصيلً». وفي هذا السياق التحديثي لمعت تجربة نجيب بلخوجة (2007–1933) الذي «استفاد» من تراث الخط العربي ومعمار المدينة الإسلامية والتراث النسيجي في الزربية و«المرقوم». كما لمعت تجارب لطفي الأرناؤوط الذي قدم رؤية جديدة لفن الرقش، والناصر بالشيخ الذي نادى (ممارسة وتنظيرًا)
بأهمية الفن العفوي الشعبي والفطري وقدرته على أن يكون رافدًا خصبًا للمِخيال التشكيلي لدى
الرسام التونسي الحديث. كما برزت في الستينيات تجربة نجا المهداوي في مجال الحروفية. في حين استمرت حركات التحديث والتأصيل من خلال تكون الجماعات الفنية مثل «ارتسام» و«جماعة السبعين» وجماعة «المفردة التشكيلية» وتأسيس «رواق شيم» عام 9871 ومعرض «رؤية.. آفاق» منذ
(43) Amor Guizani, «Interview avec Naceur Ben Cheikh. Le peintre doit se sentir concerné par la finalité de son œuvre,» L’Action (Journal) Supplément Culturel (Tunisie), (Samedi 30 Sept. 1972), p. 8.
وفي المرجع نفسه، يقول الناصر بن الشيخ أيضًا: «إن فعل الرسم هو التزام بأعمق أبعاد الوضع الإنساني [...] ليس الفن ملكًا لأحد،
إنه إنتاج الجميع. وعندها لن نتحدث عن رسام ومُشاهِد بل نتحدث عن الفن كأداة حوار موضوعية بين أفراد المجتمع من شأنه أن
يدعم التضامن بين كل الأفراد، حتى لا يكون الفن بضاعة مشيأة فاقدة لكل قيمة «تواصلية» (ترجمة المؤلف). (((4 خليل قويعة، عمارة الرؤية، في مدينة الرسام نجيب بلخوجة (محاولة في رصد تكوينية الشكل الفني وتحولاته)، (تونس: منشورات MIM، 2007)، ص 1–34.4 (((4 انظر: نجا المهداوي، نصوص نزار قباني، د. عفيف بهنسي، د. شربل داغر، الأستاذ خليل قويعة (تونس: Grafi’ Center، 9981)، ص.6
(46) Naceur Ben Cheikh, Peindre à Tunis, Pratique Artistique Maghrébine et Histoire (Paris: L’Harmattan, 2006), pp. 212-244.
عام 9991، وغير ذلك من الجماعات. في مثل هذه التجارب التحديثية، يتخلى التراث عن كونه قوة جاذبة ليكون قوة دافعة، داخل معركة تحرير الشكل الفني، من مخلفاته الحكائية والتزويقية في الذائقة السائدة (التي كان الفنانون المعمرون قد ساهموا في تكريسها). إذ لا شك في أن رؤية الفنان هي ما يؤسس في الأشياء بعدها الجمالي، وليس للجميل وجود في حد ذاته خارج منطقة الرؤية الخلاقة. فالفنان هو من يكتشف في الشيء جماليته، ويؤسس فيه موضوعًا لمتعة فنية ممكنة يظل يلهث وراءها طوال حياته. ولكن، لن يتسنى لتفعيل التراث أن يتحقق من دون تمثل أشكال التراث داخليًا، وهضمه في ثنايا الأنا
الذاتية للفنان. وهو أن يصبح الهمّ التراثي منطلقًا لإثارة هاجس حداثي متوثّب، وحالة من ح لات الذات التي تهيم داخل المنظومات الرمزية – الموروثة، وتعيد إنتاجها استيهاميًّا داخل المناطق
اللامغزوة للذات، قبل إنشائها فنيًّا وجماليًّا. وفي هذا السياق راوح الخطاب الكتابي في اللوحة المسندية بين غياب وحضور، وكلاهما مبَرر من
داخل ثقافة اللوحة الحديثة أولً، ومن داخل الأنموذج التصويري الخاص الذي يرتب اختيارات الفنان الأسلوبية وخطوط رؤيته الفنية، ثانيًا.
1. سيطرة العناصر التصويرية (أو القيم التصويرية الجديدة والاستقلالية الجمالية)
إن ظاهرة مقاومة الصورة للمتن الكتابي الذي كان يلازمها تتجلى بوضوح لدى الفنانين التونسيين، من جيل الرواد الذين سعَوا للاستلهام من مدونة الرسم على الزجاج أو إحيائها داخل فن اللوحة الزيتية huile à Peinture أو المائية Aquarelle أو التلصيقية Collage أو حتى المحفورة Gravure. فمع علي بالآغا (2006–1924) وحاتم المكي (2003–1918) وإبراهيم الضحاك (2004–1932)، وقع لاشتغال بالتراث التصويري لمدونة الرسم على الزجاج، فوقع التعامل مع العلامة الشكلية إبداعيًّا
وتحويلها داخل منظومة من العلامات التصويرية picturaux Signes، بعد تخليصها من خلفياتها الرمزية ومضامينها الملحمية والدينية والروحية. فمقتضيات الإنشاء الفني للفضاء التصويري من داخل اللوحة الحديثة تركز قيمة العمل في كياناته الشكلية، لتستبعد غيرها من العناصر الميتا – بصرية مثل النصوص المُصاحِبة. إذ المعنى في عُرف ثقافة التشكيل الحديث نتاج تصريف إبداعي لمقومات اللغة التشكيلية من خطوط وألوان وتراكيب وتوزيع ضوئي.
4(((الخطّ العربي بين العبارة التشكيلية والمنظومات التواصلية، إدارة خليل قويعة، إشراف عبد الوهاب بوحديبة (تونس: ﺍﻟﻤﺠﻤﻊ التونسي ﻟﻶﺩﺍﺏ ﻭﺍﻟﻌﻠﻭﻡ ﻭﺍﻟﻔﻨﻭﻥ، بيت الحكمة، ووزارة الثقافة والمحافظة على التراث، 2008)، مساهمات علمية جماعية أنجزت بمناسبة أيام الخط العربي الدولية الثانية، عن المجمع. «يؤكد هذا الفن (الخط العربي) يومًا بعد يوم، قدرته على إخصاب لغة
التعبير التشكيلي المعاصر، وذلك لما يتيحه من أبعاد مخيالية وما يتضمنه من ليونة إبداعية خصبة، على نحو مما بدا في العديد من
التجارب التشكيلية المحدثة، منذ بول كلي (914 1) وصولً إلى الحروفيات العربية المعاصرة، وإلى تلك التي ألقت بضفافها داخل المج لات الأنفوغرافية الرقمية في مج لات التصميم الغرافيكي والحركي»، انظر: المرجع نفسه، ص.203
الصورة (21) تشكيل نحتي، خشب وريزين
المصدر: علي الناصف الطرابلسي.
نقرأ على اللوحة: «الحبّ لا تحلو نسائمه إلا إذا غنّى الهوى ليلى». على الرغم من أن مدونة الرسم على الزجاج تمثّل منطلقًا رئيسًا من المنطلقات المرجعية لعلي بالآغا بعد عودته من باريس (إلى جانب «الختمة» أو الألواح القرآنية التي تُكتب لتعليم القرآن في الكتاتيب)، فإن أعماله التي أنجزها بتقنيتي الحفر على الخشب والدهن الزيتي تقوم على إعادة تشكيل الصورة السردية، ب لاعتماد على مقوماتها التصويرية. فالنزوع التركيبي والبنائي في معالجة الفضاء الفني الذي يُعلن صراحة أو إضمارًا عن إفادته من التكعيبيين أدى إلى لاعتماد على تعبيرية الشخوص، وهي تتحول إلى كتل متداخلة تغزو الفضاء التشكيلي وتبتلع أرضيته (الصورة 2.)3 ولئن وظف علي بالآغا ظاهرة «حشد الفضاء» (حتى لا نقول «رعب الفراغ»)، في المنمنمات والرسم الشعبي، فحشد المساحة
(((4 خليل قويعة، «شجرة الفن في أعمال علي بالآغا»، الحياة الثقافية، العدد 031 (آذار/ مارس 9991)، ص.81
التصويرية بالعلامات المتجاورة والمتراكبة (مثلما وظف الخطوط السوداء المطوقة للأشكال في الرسم على الزجاج، بل عمل على تأكيدها فحفرها حفرًا في لوحاته الخشبية، الصورة 33)، فإنه لم يجد مُبررًا لتوظيف الكتابة. وذلك بغض النظر عن بعض أعماله الحروفية التي يستفيد فيها من الخطوط المغربية والقيروانية خاصة، ولا تمت بصلة إلى المدونة التي نحن بصددها؛ إذ تطرق إلى آفاق إبداعية أخرى. وهو شأن حاتم المكي أيضًا الذي قدّم أعمالً مستفادة من التراث الشعبي – الأسطوري مثل لوحة «سفينة نوح» (الصورة 22) التي استلهمها من مدونة الرسم على الزجاج على نحو ما فعل علي بالآغا في أحد أعماله. وقد أفاد المكي من عفوية التعابير الغرافيكية وحضورها الأساسي في هذا التراث، ومن توزيع بنية الشخوص على امتداد اللوحة، مع أن هذا الفنان يولي تعالقَ الكتابة والصورة في تصميماته للطوابع البريدية التونسية منزلةً مهمة، من خلال تناوله مواضيع الأمثال والحِكم والطرائف الشعبية. وهو ضرب آخر من إنتاجاته في غير اللوحة الفنية الصورة (22) سفينة نوح، ألوان مائية على الورق
المصدر: حاتم المكي،.1953
أما إبراهيم الضحاك، فبعد عودته من إيطاليا في مستهل الستينيات، وجد هو الآخر في مدونة الرسم على الزجاج ما وجّه اهتمامه إلى التراث الشفوي لحكايات الجازية الهلالية الصورتان 23 و 24)، على نحو ما ورد في تصريحاته. ولكنه، على العكس من عادل مقديش الذي تعامل مع هذا التراث السردي نفسه، كابد عملية لانتقال من الصورة المحكية إلى الصورة المرئية من دون لالتفات إلى المتن الكتابي المصاحب. ومثل هذا التغييب المبرر يمكن أن نجده حتى في التجارب التي اعتمدت على قاموس العلامات التراثية في أنسجتها التشكيلية، مثل تجربة الرسام خالد الأصرم (الصورة.)25
4(((للاطلاع على شهادات صوتية مسجلة في الشريط السينمائي الوثائقي، انظر: إبراهيم الضحاك، نقش في ذاكرة الشكل، نص خليل قويعة، إخراج حميدة بن عمار (تونس: إنتاج وزارة الثقافة/ مؤسسة «أومني فيلم»،.)2000
الصورتان (24–23) محفورتان طباعيتان
المصدر: إبراهيم الضحاك، من مجموعة السيرة الهلالية،.1973
على هذا النحو، تزيح العناصر التصويرية الحضور الكتابي من فضاء اللوحة. فهل يتسنى لهذا الخطاب أن يؤكد شرعية وجوده داخل توجه آخر؛ هو المعالجات الحروفية، لدى جيل لاحق من الفنانين، حتى يُجسم خصوبته الإبداعية؟ فعلً، وفي هذا المستوى، يتحول العنصر الكتابي إلى معالجة تشكيلية تتدبر العلامات الخطية بوصفها عناصر حركية وإيقاعية للوحة من خارج سياقاتها النصية المقروءة. الصورة (25) هروب عبد الله بن جعفر بالأميرة يامنة
المصدر: خالد الأصرم،.1986
2. تحولات الخطاب الكتابي
إن عودة ثلة من الفنانين إلى التراث الحكائي الشعبي من أجل صياغته تشكيليًا كان حافزًا لحضور
مدونة الرسم على الزجاج، بصفتها مرجعية ثقافية خلفية، تستحضر ملامحها الأساسية داخل المنجز التشكيلي للوحة الحديثة. ومن ثم، كان للخطاب الكتابي «حضورٌ ما» اقتضته شروط تعالق الصورة والحرف المكتوب. الصورة (26) امرأة وعمامة
المصدر: عادل مقديش،.1987
لم ينخ هذا الخطاب بكلكله على نحوٍ مباشر، بل وقع التعامل معه من خلال تحولات أسلوبية وجمالية أدّت به إلى أن يكون مُستندًا، أو حجة مرجعية لصياغات حروفية – تشكيلية خالصة. فلدى كل من عادل مقديش وعبد المجيد البكري وعلي الناصف الطرابلسي (2008–1948)، يُفضي مسار التفعيل التشكيلي لمادة الحرف إلى تحويلها أسلوبيًا لتصبح صورة في حدّ ذاتها أو عنصرًا بنائيًّا داخلها (الصورة
03، حيث تبدو الحروف كتلً منثورة) أو متممًا لها (حيث تبدو الحروف متناسجة في شكل ترس متمم للمشهد.) فعندما اتجه عادل مقديش من داخل تجربته السريالية إلى التراث الشفوي لملحمة الجازية الهلالية،
سنوات الثمانينيات، عمد إلى معالجة الحرف برشاقة وتنميق داخل فضاء إيروسي مُشبع بجمالية
الأنوثة والرمزيات التحليلية النفسية (الصورتان 26 و.)27 الصورة (27) بوزيد الهلالي والجازية (مقتطع من السيرة)
المصدر: عادل مقديش،.1989
لقد طوع مقديش الحروف ضمن نسيج غرافيكي، يتحرك بين بياض وسواد ويساهم في تنشيط الحركية البصرية لفضاء اللوحة. وذلك باعتماد أشرطة إيقاعية تراوح بين قيم الخلَاء والملَاء Vide - Plein، هي
بمنزلة أفاريز وعناصر بنائية تنخرط في بنية المشهد وتغذي فيه ملمحه العجائبي، الفنتازي. وقد يذهب الرسام بعيدًا في معالجة مادة الحروف وأسلبتها Stylisation تجريديًّا لتحيلنا على أصولها الزخرفية
في فن المُنمنَمات. مثلما قد تطالعنا تشكيلات العلامة الحروفية بهيئات لشخوص تنتظم داخل إيقاع
مستمر، يحتمل معنى الحياة وحضور الإنسان في هذه لاختزلات الخطية الحادة والصريحة ما بين بياض وسواد (الصورة 28، حيث تتجاوز العلامات التشخيصية وتنتظم مثل حروف في إفريز). الصورة (28) نداء
المصدر: عادل مقديش،.1988
ولئن توصلنا إلى إدراك ذلك لاتساق الجمالي داخل النظام السردي للعالم، فإن هذا الكون العجائبي يظل عصيًّا على التمثل الذهني، غير قابل لتفسير حاسم، ويبدو ذلك على الرغم من وضوح كتابته
الغرافيكية التي ترتب بنية العلامات التشخيصية والتخييلية وبنية العلامات الحروفية، فتصل بينهما من خلال بناء الفضاء وتوزيع عناصره. ولعل اللوحة تستمد جماليتها من هذا الغموض الدلالي. فتذوقنا للوحة مقديش ينطلق من تذوقنا للشكل الفني بوصفه لغزًا؛ فيبدو الكون السيميولوجي للوحة، ههنا، قائمًا على بنية علائقية للعلامات غريبة، تحيل على الحُلم والعجائبي؛ إذ إن الروابط التي تؤلف بين
الأشياء، في عرف السرياليين، لا تخضع لمنطق المعقول. وفي هذه المقاربة، تنخرط المادة الكتابية داخل هذه البنية الإيحائية الملغزة، بوصفها من المتممات الشكلية التي تُسند نظام المشهد. فقد تكون الحروف غير مؤدية إلى كلمات، وقد تستحيل إلى تشكيلات زخرفية، مثلما قد تتحول إلى كيانات تشخيصية مؤسلبة ضمن إيقاع متجانس المفردات يوحي ب لاستمرارية، ولكن بين هذا وذاك يمثل الخطاب الكتابي خادمًا لبنية الصورة ويتحول إلى عنصر من عناصرها التشكيلية (الصورة.)29 الصورة (29)
Pur – sang
المصدر: عادل مقديش، مجموعة السيرة الهلالية،.1989
وهكذا، يتكيف الخطاب الكتابي داخل مشروع الفنان، فيؤكد خصوبته التشكيلية داخل تكوينية الصورة. وذلك على نحو ما بدا في هذا النموذج، عندما تباحث سريالية مقديش في نظام العلامات فتنتَها العجائبية والتخييلية وتغازل قدرة لاستحالة من الأفق التذكاري إلى أفق ملغز ومن سطح مباشر إلى سطح حاف. مثلما تتماهى المادة الكتابية مع السياق الغنائي الحركي في نموذج أعمال عبد المجيد البكري، حيث تتحول الحروف كغيرها من العلامات التراثية والزخرفية إلى لمسات لونية تتشكل بفعل السرعة في الأداء... في اتجاه فضاء شبه متجانس.
الصورتان (30، 31) دهن زيتي على قماش
المصدر: من أعمال عبد المجيد البكري.
أمّا مع علي الناصف الطرابلسي، فتغادر المادة الكتابية تشكيلاتها الزخرفية المتممة للصورة الحكائية (كما في معرض الفنان بصفاقس – بمتحف دار الجلولي نفسه – عام 9871 وبرواق المرسى، تونس، عام 9981) شيئًا فشيئًا، بل إنها تغادر إطار الحيز التصويري الكلاسيكي، لتصبح تراكيب من العلامات النحتية (بواسطة الخشب ثم الريزين، الصورة 21)، وتتخلص من بنيتها المشهدية والحكائية، فتكتفي بذاتها وتتربع على عرش الصورة الفنية (معرض برواق «كالستاي»، تونس، عام.2005) وذلك وجه من الأفق المطلق الذي طبع حضور الخطاب الكتابي في جانب مهم من تحولاته الإبداعية. وفي هذا المستوى، لم نعد نتحدث عن علاقة تضايف أو تبادل أو تفاعل، بل عن خطاب حروفي يتلبس حيز الفضاء التصويري – النحتي ويبتلعه لحسابه الخاص، حتى تصبح الكتابة هي الصورة ذاتها (الصورة 21). ولكن ليس الأمر على شاكلة ما قدمه حِرفيو الرسم على الزجاج بتشكيلات خطية نمطية مثل «الثلثي»، بل هذه المرة، من داخل مسارات الإنشاءات التشكيلية الخالصة ورؤية إبداعية؛ إذ تتفاعل مع أدبيات الإرث الأكاديمي للوحة المسندية وتراكمات الحداثة التشكيلية، لتتجاوزها وفق آفاق الرؤية المستقلة واكتشافاتها المطردة. إن علاقة مثل هذه التجارب بالمدونة التراثية لفن الرسم على الزجاج علاقة كون واستحالة، وهي مسألة مصير ثقافي ينهل قيمته الإبداعية وشرعيته الجمالية من تحولاته الإنشائية وزمنية التجربة الفنية، ومن تجاوزه سطحية الوعي التصَاويري؛ وذلك من خلال إحداث فتوح جديدة وخصبة داخل الذاكرة المستهلكة نفسها. إن الصورة لم تكن مستقلة بذاتها، بصفتها شكلً جماليًا مرسمًا في منظومة التواصل البصري، في عرف
(5((مجموعة مؤلفين، «علي الناصف الطرابلسي، نشرة خاصة بمناسبة أربعينية الفقيد» (تونس: الشركة التونسية للنشر وتنمية فنون الرسم، 2008). «تناول الطرابلسي المواد المختلفة وعمل على تجميعها وتوزيعها [...] واستعمل تقنيات متنوعة كالتغليف والرش والتلصيق وتوظيف الحروف»، انظر: نص إبراهيم العزابي في المرجع نفسه، ص 0.1 (((5 خليل قويعة، «علي الناصف الطرابلسي»، في: الموسوعة التونسية (تونس: بيت الحكمة، 2011).
التراث الفني العربي وتحديدًا في التزويق والأرسومات العفوية الخام (مثلما في التراث الإيكونوغرافي الغربي القروسطي). وهو ما تأكد من خلال ذلك الحنين إلى سلطة الكلمة، وخاصة ما يتعلق منها بالنصوص الدينية والمآثر الحِكمية والنماذج التفسيرية الأسلوبية، حتى يقع من خلالها دعم المحتوى المضموني للصور ووقايتها من ازدواجية الدلالة أو تعدديتها Polysémie. والمسألة، ههنا، تتصل بالخطاب التواصلي الشعبي الذي يتطلب التدقيق من خلال «التنصيص». ولو كان لهذه الصور أن تتجه إلى النخب والراسخين في العلم من حُذاق التأويل البصري، لَما كان إيلاء الكتابة في الصورة مثلَ
هذه المكانة. بل كأنه تعذَّر، نظرًا إلى سلطان المرجعية الدينية على الحقول المعرفية والقِيمية، وجود مؤولين للمتون البصرية. فتأويلية الصورة الفنية من الأشغال التي ازدهر حضورها مع الحداثة، وتقتضي خبرة الرجوع بقوى الإدراك من المجال الذهني والمفاهيمي الذي تولد بداخله الصورة الذهنية، وينمو داخل مؤسسة العلامة اللغوية، إلى المجال الحسي للصورة البصرية. وهو رجوع من المنطوق، المنطِقي، النصي (داخل شبكة القضايا اللغوية والفيلولوجيا) إلى المنظور البصري (داخل إطار الفضاء الفني) مما لم يكن متيسرًا بمرونة في البنى الكلاسيكية شرقًا وغربًا. وما ارتباط الكتابة بالصورة في مدونة الرسم على الزجاج سوى امتداد لتراث المنمنمات الفارسي والعربي Enluminure , Miniature، حيث الكتابة تؤطر الزمن الحكائي داخل الصورة وتحدد الفاعلين فيه، بل إنها تزود الصورة بالمادة الحِكمية والمعرفية والعرفانية التي تتصل بأشكال تأويلها. الصورتان (33–32) آدم وحواء، عنترة
المصدر: من أعمال علي بالآغا.
قد يبدو هذا الوجه متماهيًا مع ظهور الصورة الدينية في التراثي الإيكونوغرافي، ولكنه في الحقيقة ينزع بحكم التراكم التاريخي وثراء مقاصده الفنية والحرفية إلى نوع من الخصوصية الجمالية. فلئن كانت الأيقونة الدينية تحتكم إلى التاريخ التفسيري والتعليمي والتوضيحي الذي تتحمله هذه الأيقونة لأداء وظائفها التي جاءت من أجلها، فإن مدونة الرسم على الزجاج تؤسس لنفسها تاريخًا جماليًّا وفنيًا،
تحدده المقاصد الحِكائية والآفاق التخييلية والأبعاد العجائبية والشعرية. وهو ما جعلها تُلقي بضفافها على الكثير من التجارب التصويرية الحديثة والمعاصرة، بصفتها مصدر استلهام، أو مستندًا لرؤية ثقافية مخصوصة. وما يظهر في المُنجز الفني لبعض الحداثيين والمعاصرين، من توظيف لأنماط كتابية داخل فضاءاتهم التشكيلية، لا يؤخذ على أنه رجوع أو حنين إلى ثقافة الكلمة النصية، بل هو اختيار جمالي داخل ثقافة اللوحة الحديثة لمباحثة جذور الهُوية الثقافية وإعادة تأكيدها، بديلً من نوازع مستوردة، وذلك ب لاستلهام من التراث المنمنماتي أو التراث العفوي لفن الصورة من داخل تاريخها الشرقي. ومثل هذا الأفق على نحو ما نجده في أعمال الطرابلسي ومقديش، إحياء لتقاليد الرسم على الزجاج، يمكن أن نستحضر فيه بعض الحساسيات الحروفية الأخرى التي لمعت في تجارب عربية مثل تجربة شاكر حسن آل سعيد (2004–1925) في بعض أعماله الأولى التي استلهمها من المدونات الحكائية الشفوية والأساطير الملهمة التي «تمتلك حضورها كديمومة للفكر»، في صيغ تعبيرات مستلهمة من التخطيطات العفوية ورسوم الأطفال والكتابات التلقائية على الجدران (الصورة.)34 كما يمكن أن نلحظ ذلك في تجربة زميله من جماعة «البعد الواحد» ضياء العزاوي الذي عمل على تأكيد التعالق بين الكتابة والصورة، في تعامله مع بعض النصوص الأدبية، إحياءً لسُنة الواسطي، وقد طالعته مسارات التجربة الإبداعية بآفاق اكتفى فيها الشكل المرسوم أو المحفور أو المنحوت بممكناته التعبيرية المكتفية بذاتها، خارج مجال تلازمه التأسيسي مع النصوص الأدبية التراثية والحديثة (ألف ليلة وليلة، نصوص غسان كنفاني، نصوص أبي القاسم الشابي... إلخ). وتلك روافد أخرى للموضوع.
5(((شاكر حسن آل سعيد، البحث في جوهرة التفاني بين الأنا والآخر: تأم ت ودراسات في الأسطورة واللغة والفن (الشارقة: دائرة الثقافة والإعلام، 2003)، ص.41 ويؤكد هذا الفنان، والمنظر أيضًا، قدرة الحكايات والأساطير على تشكيل التجربة الإبداعية الحديثة.
(53) Nizar Salim, L’Art Contemporain en Iraq (Baghdad: Ministère de l’Information de la République irakienne, 1977), p. 120.
(((5 شربل داغر، الحروفية العربية، فن وهوية (بيروت: شركة المطبوعات للنشر والتوزيع، 9901)، «ضياء العزاوي، اللوحة –
النص، حيث يتحدث عن «غنائية درامية» تصبح «رقيقة وصافية في كتاب ألف ليلة وليلة (كتاب للمحفورات)، حيث تسلس الخطوط تمامًا، لينة، مطواعة ومتمايلة، حد أن رسم الهيئات البشرية مختزل إلى خط واحد هو الخط الخارجي لتكوين الجسم البشري»،
المرجع نفسه، ص 02.1 وحول الحضور القوي للرسم على حساب الكتابة، يقول داغر: «العزاوي يعطي الأولوية – إذا جازت مثل هذه القسمة – للرسم على حساب الكتابة، بحيث باتت العلاقة بين عناصر اللوحة كأشكال ورسوم، سابقة في الأهمية (في قصد العملية الفنية وغرضها وكيفية إنتاجها)، عليها»، المرجع نفسه، ص.102 (((5 سعد القصاب، «حول معرض ضياء العزاوي لاستعادي بالدوحة»، مجلة فنون، العدد 15 (2015)، ص.26
المصدر: شاكر حسن آل سعيد.
المراجع
العربية
د.ت.
واللغة والفن. الشارقة: دائرة الثقافة والإعلام،.2003
علي الحامي، 2017.
(نيسان/ أبريل.)1992
على التراث، 2008.
الصورة (34) رسم لترقين حكاية ابن ملك صنعاء
References
ابن عربي، محي الدين. الفتوحات المكية. تحقيق أحمد شمس الدين. بيروت: دار الكتب العلمية،
آل سعيد، شاكر حسن. البحث في جوهرة التفاني بين الأنا والآخر: تأملات ودراسات في الأسطورة
بارت، رولان. مبادئ في علم الأدلة. تعريب محمد البكري. اللاذقية: دار الحوار للنشر والتوزيع،
البقلوطي، الناصر. صناعات تقليدية وحِرف صغرى من صفاقس. صفاقس: نشر العربية ودار محمد
________. «الأرسومات الشعبية بين النص والصورة. تحليل للوحتين». المأثورات الشعبية. العدد 26
الخطّ العربي بين العبارة التشكيلية والمنظومات التواصلية. إدارة خليل قويعة. إشراف عبد الوهاب بوحديبة. تونس: ﺍﻟﻤﺠﻤﻊ التونسي ﻟﻶﺩﺍﺏ ﻭﺍﻟﻌﻠﻭﻡ ﻭﺍﻟﻔﻨﻭﻥ، بيت الحكمة، ووزارة الثقافة والمحافظة
داغر، شربل. الحروفية العربية، فن وهوية. بيروت: شركة المطبوعات للنشر والتوزيع،.1990 قانصو، أكرم. التصوير الشعبي العربي. سلسلة عالم المعرفة 203. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون الآداب،.1995 القصاب، سعد. «حول معرض ضياء العزاوي لاستعادي بالدوحة». مجلة فنون. العدد).2015(15 القلال، رضا وخليل قويعة. « البلاد العربي» بصفاقس: قصة 12 قرنًا من الحضارة. تقديم العجيلي التليلي ورجب اللومي. صفاقس: إشراقات،.2017 قويعة، خليل. «سؤال التراث والحداثة في زجاجيات محمد الفندري». الحياة الثقافية. العدد 55
_______. «شجرة الفن في أعمال علي بالآغا». الحياة الثقافية. العدد 031 (آذار/ مارس.)1999 _______. عمارة الرؤية، في مدينة الرسام نجيب بلخوجة (محاولة في رصد تكوينية الشكل الفني وتحولاته). تونس: منشورات MIM،.2007 _______. «علي الناصف الطرابلسي». في: الموسوعة التونسية. قرطاج: بيت الحكمة،.2011 _______. بنية الذائقة وسلطة النموذج في ظاهرة الاقتناء الفني العربي. الشارقة: دائرة الثقافة والإعلام. جائزة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي،.2013 مجموعة مؤلفين. «علي الناصف الطرابلسي، نشرة خاصة بمناسبة أربعينية الفقيد». تونس: الشركة التونسية للنشر وتنمية فنون الرسم، 2008. المهداوي، نجا. نصوص نزار قباني، د. عفيف بهنسي، د. شربل داغر، الأستاذ خليل قويعة. تونس:
Grafi’ Center، 1998.
الأجنبية
Barthes, Roland. Rhétorique de l’Image. Paris: Seuil, 1964. Ben Cheikh, Naceur. Peindre à Tunis, Pratique Artistique Maghrébine et Histoire. Paris: L’Harmattan, 2006. Corbin, Henry. L’Imagination Créatrice dans le Soufisme d’Ibn’Arabi. Paris: Flammarion, 1958. Durant, Gilbet. L’Imagination Symbolique. Paris: P.U.F, 1964. Genette, Gérard. Figures II. Paris: Seuil, 1969. Goodman, Nelson. L’Art en Théorie et en Action. Jean-Pierre Cometti et Roger Pouivet (trad.). Collection Folio. Essais no. 511. Paris: Gallimard, 2009.
._______ Manières de faire des Mondes. Marie-Dominique Popelard (trad.). Collection Folio. Essais no. 483. Paris: Gallimard, 2006. Khatibi, Abdelkabir & Mohamed Sijelmassi. L’Art Calligraphique Arabe. Paris: Chêne,
Lalande, André. Vocabulaire Technique et Critique de la Philosophie. 16 ème éd. Paris: P.U.F, 1988. Market, Yves. La Philosophie de Ihwàn al-Safâ. Paris: S.E.H.A./Archè, 1999. Masmoudi, Mohamed. «Une peinture sous verre à thème héroïque.» Cahier des Arts et Traditions Populaires. 1 ère année. no. 2. 1968. _______. «La peinture sous-verre.» La Revue Française De l’Elite Européenne. no. 244 (Juillet-Aout 1971). _______. La Peinture Sous Verre en Tunisie. Tunis: Cérès Production, 1972. Papadopoulo, Alexandre. L’Islam et l’Art Musulman. Paris: Mazenod, 1976. Salim, Nizar. L’Art Contemporain en Iraq. Baghdad: Ministère de l’Information de la République Irakienne, 1977. Schimmel, Annemarie. Calligraphy and Islamic Culture. New York: New York University Press, 1984. Touimi, Thérèse Benjalloun, «L’art islamique et l’universel.» Les Cahiers de l’Islam (Novembre 2014). accessed on 23/12/2017. at: http://bit.ly/2BCdmtU Triki, Rachida (ed.). Patrimoine et Création, Arts plastiques tunisiens contemporains. Tunis and Lyon: Beit Al-Hikma/ Edilis, 1992.