في البحث عن مشترك أخلاقي كوني يحقق شَرطي الأخلاقية والإنسانية نظرية بتنام كتجسير للعلاقة بين نظريتي هابرماس وطه عبد الرحمن
Towards a Common Universal Ethic: Putnam, Habermas, and Taha Abdurrahman
الملخّص
تستهدف هذه الدراسة تسليط بصيص من الضوء على ثلاث نظريات أخلاقية تنتمي إلى بيئات ثقافية مختلفة، وتَحْكمها منظومات فكرية متباينة، يتعلق الأمر بنظريات كل من هيلاري بتنام ويورغن هابرماس وطه عبد الرحمان، وهي نماذج أو مقاربات تعترف جميعها بحاجة المجتمع المعاصر الملحّة إلى "تهذيب أخلاقي" جديد، وبحاجته إلى أخلاق مشتركة تُقيم توازنا متعقلا بين مطلب الكونية وبين الاعتراف بالحدود السياقية التي تؤثر فيه. ولئن اختلفت حول السبيل الذي يقود إلى تحقيق هذا المبتغى، فإن روادها لم يَفُتْهم أن ساكنة المعمورة جميعهم يشكلون جزءا من الإنسانية وأن خصوصيتهم الأخلاقية وإن اختلفت عن خصوصية غيرهم إلا أنها ليست خصوصيات جامدة بل وقائع متحركة يمكنها، إذا ما حضرت الإرادة، أن تلتقي في بوثقة واحدة تجسد مشتركا كونيا يتعالى على هذه الخصوصيات دون أن يلغيها.
Abstract
Abstract: This paper explores three different ethical theories rooted in different cultures and determined by distinct intellectual systems. These models or approaches were put forward by Putnam, Habermas and Taha Abdurrahman, acknowledging the urgency of ethics for contemporary society. All of these approaches are keenly aware of both the cultural contexts which limit ethics in specific societies and also the need for universalist ethics. Insistent on both this universality as well as specificities pertaining to particular cultures, all of these authors emphasize the possibility of a universal ethics which could transcend - if not totally obliterate - these specificities.
- الأخلاق
- الموضوعية
- الكونية
- بتنام
- هابرماس
- طه عبد الرحمن
- Ethics
- Objectivity
- Universality
- Putnam
- Habermas
- Taha Abdurrahman
بتنام وهابرماس وطه عبد الرحمن
Towards a Common Universal Ethic:
Putnam, Habermas, and Taha Abdurrahman
هابرماس وطه عبد الرحمن، وهي نماذج أو مقاربات تعترف جميعها بحاجة المجتمع المعاصر
الملحّة إلى «تهذيب أخ قااي» جديد، وإلى أخ ق مشتركة، تُقيم توازنًا متعقً بين مطلب
الكونية ولاعتراف بالحدود السياقية التي تؤثر فيه. ولئن اختلفت حول السبيل التي تقود إلى
تحقيق هذا المبتغى، فإن روادها لم يَفُتْهم أنّ سكان المعمورة جميعًا يمثلون جزءًا من الإنسانية،
وأن خصوصيتهم الأخ قااية، وإن اختلفت عن خصوصية غيرهم، فهي ليست خصوصيات جامدة، بل وقائع متحركة يمكنها، إذا ما حضرت الإرادة، أن تلتقي في بوتقة واحدة تجسد
مشتركًا كونيًا يتعالى على هذه الخصوصيات من دون أن يلغيها.
مقدمة
مما لا مِراء فيه، أننا أمسينا اليوم شهودًا على عصر يمور بالأحداث الجسام التي فاقت كل تصور وتجاوزت كل توقع؛ تقدمٌ تقني ورفاهيةٌ ماديةٌ تخلب الألباب، تَدفَّقَ سيلها في الأرض، وخواء قيمي صادم، يعكسه ارتفاع منسوب الحقد والكراهية في العالم وما تشهد به ح لات العنف المسجلة في السنوات الأخيرة، فضلً عن تشرذم سياسي لا تخطئه العين، وتباين ثقافي واسع الهوة بين الحضارات، كل ذلك دفع البعض إلى الحديث عن «صدام الحضارات». وأمام هذا الوضع، وجد الإنسان المعاصر نفسه مطالبًا باستقطاع لحظة لالتقاط الأنفاس ومساءلة
وضعه الأخلاقي والتفكير في مآله. وقد تعددت الرؤى الأخلاقية وتباينت التأويلات القيمية، لكن معظمها أدرك أن الطريق نحو أخلاق مشتركة، تُبلسم جروح العصر وتعيد إلى علاقة الإنسان بالإنسان وبالعالم لانسجام المفقود، يمرّ حتمًا عبر الحوار بوصفه «الصوت الوحيد القادر على توحيد عالم
فقد كل مرجعياته»، والقادر كذلك على تعرية الثقافات من نرجسيتها وأنانيتها وأوهامها، ودفعها إلى استغلال تلك القوة النقدية التي تحملها في داخلها على النحو الذي يجعل منها عاملً مهمًا في تضييق الهوة بين الثقافات ومنطلقًا يفضي إلى تكوين «مشترك أخلاقي» يمثل «أخلاقًا مفتوحة» تسري مقتضياتها على مجمل الإنسانية ويتوقف عليها «مصير البشرية بأسرها، ما دامت هي وحدها التي تفتح أمام التطور البشري أفقًا واسعًا لا نهائيًا». ذلك أنه لما كان عصرنا عصرًا متشابكًا يشهد تعددية غير معهودة وحدودًا مشرعة انتقلت بنا من عصر
الحضارات المتوازية المنفصلة إلى عصر الحضارات المتلاقية المتداخلة، فإنه ما عاد سائغًا ولا مقبولً أن تتمترس جهة ما، بصرف النظر عن طبيعتها: أمة، قبيلة، قومية، دين... إلخ، خلف نسقها القيمي الذاتي خوفًا عليه من أن ينحل ويتفتت أو يداخله الوهن من جراء اصطدامه بأنساق قيمية مغايرة، بل بات مطلوبًا منا جميعًا أن ندرك أننا تدانينا مكانيًّا لنعي ما بيننا من فروق وما بيننا من تقاطعات وقواسم
مشتركة، وأنه لم يعد يعصمنا من أمر الكوارث التي يمكن أن تنجم عن لُهاثنا خلف العقل الأداتي وتبعاته إلا الخوف، و«العقل عاصم ومحرر بالحقيقة لا بالخوف». والحقيقة تُلزمنا أن نموضع قيمنا الأخلاقية في ميزان العصر، ونعيد فتح نقاش عالِم بخصوصها يُمَكننا من إيجاد «مشترك أخلاقي» يرقى بالقيم من ضيق الخصوصية إلى سعة الكونية. وقد ارتأينا، من أجل ذلك، أن نقترب من ثلاثة نماذج أخلاقية، أو لِنَقُل: ثلاث مقاربات لسؤال الأخلاق، تعترف جميعها بحاجة المجتمع المعاصر الملحة إلى «تهذيب أخلاقي» جديد، وبحاجته إلى أخلاق مشتركة تقيم توازنًا متعقلً بين مطلب الكونية وضرورة لاعتراف بالأنساق القيمية المحلية، لكنها
(((حسن مصدق، يورغن هابرماس ومدرسة فرانكفورت: النظرية النقدية التواصلية (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2005)، ص.141 (((زكريا إبراهيم، مشكلات فلسفية معاصرة 2: المشكلة الخلقية (القاهرة: مكتبة مصر، 9691)، ص.97 (((حسن صعب، الإسلام وتحديات العصر، ط 6 (بيروت: دار العلم للملايين، 9831)، ص.55
تختلف حول السبيل التي تقود إلى تحقيق هذا المبتغى. ومسعانا أن نجعل من موقف هيلاري بتنام، مِهادًا نوطئ به الحديث حول سؤال الموضوعية في الأخلاق وحول أوجه اختلافها وتقاطعها مع الموضوعية التي نعثر عليها في العلوم الدقيقة، كما نقف فيه على الشروط والمقومات التي يراها هذا الفيلسوف كفيلة بتحقيق رؤية موحدة ومشتركة حول الحُكم الخُلقي، تصلح لأن نتخذها منطلقًا نقرّب
من خلاله الفجوة بين النظرية الأخلاقية الهابرماسية الداعية إلى أخلاق ما بعد عُرفية، تأخذ شكل معايير تتبلور انطلاقًا من وجهة نظر محايدة وموضوعية تحتكم إلى المبررات المحفزة عقليًا، وبين المنظور
الأخلاقي الطاهوي (نسبة إلى طه عبد الرحمن) الذي لا يعتد بغير الأخلاق المستلهمة من الدين (الإسلامي تحديدًا)؛ لأنها، في اعتقاده، هي الوحيدة القادرة على إمدادنا برؤية أكمل قيمة وأكثر حركة، تجمع بين شَرطي الأخلاقية والإنسانية.
هيلاري بتنام: نحو تأسيس موضوعية خاصة بالقيم الأخلاقية (توطئة)
يُعد مفهوم الموضوعية من المفاهيم الملتبسة التي يكتنفها الغموض من جرّاء تعدد تعريفاتها وتلوّنها
بلون المباحث التي توظف فيها. ويكفي أن نشير إلى أنه داخل المجال الفلسفي وحده وقف اللند، في سياق تتبعه أهم التعريفات التي نُسجت حول هذا المفهوم منذ الفلسفة السكولائية حتى حدود الفترة المعاصرة، على ستة تعريفات متباينة، يحار الباحث في المفاضلة بينها، وفي ترجيح كفة تعريف منها، نظرًا إلى ما يشوبها من التباس عبّر عنه اللند نفسه بقوله: «ملتبسة هي كل هذه لاستعم لات
للكلمة». بَيد أن اللند، وإن استبدت به الحيرة في البداية مثلما استبدت بنا، سرعان ما تخلص منها بأن أبقى على التعريف الثالث وأعرض عن التعريفات الباقية، وقد بنى اختياره على مسوغات ضمّنها المقتطف
التالي: «نقترح عدم استعماله [يقصد مفهوم الموضوعية] إلا بالمعنى (ج)، أي بالرد الدائم لتعارض الذاتي والموضوعي إلى تعارض الأفكار أو الغايات الفردية فقط، والأفكار أو الغايات الصالحة عمومًا [...] فهذا التعارض واضح، مركزي، مطابق لاستعمال المؤرخين والعلماء، إنه يسمح بتمييز الذاتي من الموضوعي، في معظم الأحوال، بواسطة معيار اختباري ثابت». نخرج من هذا التعريف الذي استقر عليه رأي اللند في النهاية بخصيصتين لمفهوم الموضوعية؛ الأولى: أن ما نحكم عليه بأنه موضوعي ينبغي أن ينطبق على العقول جميعًا؛ والثانية: أنه ينبغي إخضاع هذا الحكم لمعيار اختباري ثابت حتى نتأكد من عدم تلبّسه بأي إسقاط ذاتي. وهما
خصيصتان/ شرطان إن تيسر لنا أن نطبقهما على المج لات الفكرية التي ترتبط بوقائع أو موضوعات
(((أندريه الالند، الموسوعة الفلسفية، تعريب خليل أحمد خليل، مج 1، ط 2 (بيروت: منشورات عويدات، 2001)، ص 988 وما يليها. (((المرجع نفسه، ص.893 (((المرجع نفسه، ص.895
تمثّل مراجع يمكن الإحالة عليها، فإن الأمر لا يتسم بالقدر نفسه من السهولة فيما يتعلق بمجال القيم، التي يكاد يُجمع على عدم توفرها على مضمون معرفي يمكن أن يُحكم عليه بالصدق أو الكذب، فضلً عن اصطدامها بعقبة أخرى لها صلة بالرهانات الأخلاقية والإنسانية التي دُفع بها إلى أقصى مداها في الفترة الراهنة، والمتمثلة بنزوع الأفراد نحو التعددية في القيم، وبحثهم الدائم عن جرعات أكبر من الحرية، ونفورهم، في المقابل، من كل تعميم ينمط سلوكاتهم ويفرغها في قالب واحد، حتى لو ارتدى هذا التعميم ثوب موضوعية أخلاقية تستهدف خير الجميع ومصلحتهم. إن هذهالصعوبات لم تغب أبدًا عن ذهن بتنام، فقد كان على وعي تام بأن النزعة الذاتية في الأخلاق هي الأكثر استساغة والأقرب إلى القبول، ما دامت تنسجم مع الثقافة الليبرالية الديمقراطية، وتسير على خطى الحداثة، ثم بحكم أنها تسمح بتعايش مواطنين اعتقاداتهم وأخلاقهم مختلفة، فستحافظ بذلك على مطلبين عزيزين على دعاة الحداثة، هما: التعددية الأخلاقية، والحرية الفردية. لذلك، وحرصًا منه على تجاوز هذه المآخذ على «الموضوعية الأخلاقية»، ارتأى بتنام أن الموضوعية التي يريد الدفاع عنها في الأخلاق هي أقل صرامة من الموضوعية المتعارف عليها كلاسيكيًا، إنها
موضوعية مرنة لا تشترط أن تكون اعتقاداتنا مسوغة في استقلال عن السياق الحاضن لها، كما لا تشترط أن تكون هذه لاعتقادات نهائية وثابتة. لهذا وقرَ في نفسه أن يتصدى لأصل المشكل، بأن
يعمل، كخطوة أولى، على تقويض التفرقة التي أضحت مسلمة لدى البعض بين الوقائع والقيم، حتى إذا تأتّى له ذلك، انتقل، في خطوة ثانية، إلى تبيان شروط الموضوعية ومقتضياتها التي يريد إرساءها في مجال القيم الأخلاقية، والتي يريدها أن تكون موضوعية مرنة تنزل منزلة وسطى بين النزعة النسبية والواقعية الميتافيزيقية.
أولا: تقويض الثنائية واقعة/ قيمة
استأثرت التفرقة بين الواقعة Fact والقيمة Value، أو بين «ما هو كائن» و«ما ينبغي أن يكون»، باهتمام الفلاسفة، وأثارت بينهم نقاشًا عميقًا وخصيبًا انتهى بهم إلى طائفتين؛ طائفة ترى أن هناك هوة لا يمكن
ردمها بين الواقعة والقيمة؛ فالأولى ذات طابع تقريري، تمتلك مرجعًا (الواقع) يمكننا العودة إليه للتثبت من صحتها ومن ثَم من موضوعيتها، أما الثانية فهي ذات طابع تقديري، لا تمتلك واقعًا ماديًا يُمَكّن من تحديد درجة صدقيتها وتقدير موضوعيتها؛ وترى طائفة ثانية أن التناقض بين الواقعة والقيمة هو تناقض ظاهري فحسب، إذ يصعب، كما سيأتي بيانه، الفصل بسهولة بين ما يعود إلى الوقائع وما يعود إلى القيم، أو أن نجزم على نحو قاطع بموضوعية الأولى وذاتية الثانية. وقد انحاز بتنام إلى جانب الفئة الثانية؛ فهو وإن كان يعترف بأن بين القيم والوقائع اختلافًا وتمايزًا، فإنه يرفض أن نَقطع بينهما، أو أن
(((الواقعية الميتافيزيقية هي منظور يرى العالم «مؤلفًا من مجموعة من الأشياء المستقلة عن العقل، وأن هناك بالضبط وصف واحد وكامل لطريقة وجود العالم، فالصدق يشتمل على نوع من علاقة تماثل بين الحدود أو العلامات الفكرية والأشياء الخارجية والمجموعات من الأشياء. وبتنام يدعو هذا المنظور بالمنظور الخارجي، لأن وجهة نظره المفضلة هي وجهة نظر
العين الإلهية»، انظر: هيلاري بتنام، العقل والصدق والتاريخ، ترجمة حيدر حاج إسماعيل (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2012)، ص.91
نعدّهما زوجًا متعارضًا تعارضًا حاسمًا، لأن «كل حقيقة واقعية محملة بالقيم، وكل واحدة من قيمنا تؤدي إلى حقيقة واقعية ما»، إنهما تقعان على خط واحد متواصل، ولاختلاف بينهما هو اختلاف درجة فقط لا اختلاف نوع. وآية ذلك أن العلوم التي تعَد مضرب مثل في الموضوعية، لا تخلو بدورها من قيم، يسميها بتنام «قيمًا إبستيمية» value Epistemic، تختلف بكل تأكيد عن القيم الأخلاقية، إلا أنها تظل، مع ذلك، قيمًا تؤثر في العلم من خارج العلم، وتملي على الباحث ما يجري عدّه وصفًا ملائمًا للواقع، مثل قيم: لاتساق المنطقي، والمعقولية، والعقلانية، والبساطة الوظيفية... إلخ، تقدم الدليل على أن أحكامنا العلمية، مبنية في النهاية تبعًا لاختياراتنا؛ فنحن لسنا موجودات عقلية محضة تتولد كل معتقداتنا عن اقتناع عقلي وبداهة منطقية (كما أن الصدق لم يعد فكرة بسيطة، أو نسخة سلبية عن الموجود «الواقعي» المستقل عن العقل، والمستقل عن الخطاب)، بل إن عامل « لاختيار Option هو الذي يحدد اعتقادنا Blief إلى حد بعيد، ومعنى هذا أن طبيعتنا غير العقلية تؤثر بوضوح في معظم آرائنا ومعتقداتنا، بل إننا حتى إذا اعتقدنا أن هناك حقًّا، وأن عقلنا ميسّر لإدراك هذا الحق، فإن هذا لاعتقاد نفسه، إن هو إلا تعبير عن رغبة وجدانية تدخل فيها بعض عناصر إرادية وأخرى اجتماعية». وقد أورد بتنام مثالً على ذلك، عدّه حجة دامغة على تحكم القيم الذاتية في انتقاء النظريات العلمية وترجيح كفة إحداها على الأخرى، مفاده أن الجماعة العلمية المكلفة بالتحكيم بين النظريات العلمية وانتقاء النظرية الأصدق بينها أو التي تستجيب للشروط العلمية المطلوبة، اختارت نسخة ألبرت أينشتاين Einstein. A حول نظرية النسبية وفضلتها على نظرية وايتهد Whitehead طوال خمسين سنة قبل أن يجري تخيل تجربة تسمح بالمفاضلة بين النظريتين، وقد تمثلت الحجة التي بنت عليها لجنة لانتقاء حكمها آنذاك، بتوافر ميزتين في نظرية أينشتاين غابتا عن نظرية وايتهد، هما البساطة والملاءمة، جاءتا متّسقتين مع نظرية حفظ الحركة التي جرى إقرارها والتصديق على صحتها حينها. وقد كانت غاية بتنام من وراء إدراجه هذه الحجة، أن يثبت، على عكس ما يدّعيه الوضعيون المناطقة، أن العلم يستند بدوره، في اشتغاله وبلورته لنتائجه، إلى قيم، وأنه لا يصف العالم من وجهة نظر محايدة كما ترسخ في الأذهان، بل يرتهن بدوره بمصالح القائمين على شؤونه وقيمهم. وما دامت القيم، إجمالً، ذات طبيعة ذاتية كما يدّعون، فإن العلوم ستكون بدورها متلبسة بالذاتية، إلا إذا تفادينا
(((المرجع نفسه، ص.309
(9) Hilary Putnam , The Collapse of the Fact/value Dichotomy and Other Essays (Cambridge and Massachusetts and London: Harvard University press, 2002), p. 30. (10) Ibid., p. 31.
(((1 بتنام، ص.209 1(((زكريا إبراهيم، دراسات في الفلسفة المعاصرة (القاهرة: مكتبة مصر، 9681)، ص.40
(13) Hilary Putnam, Ethics without Ontology (Cambridge and Massachusetts and London: Harvard University press, 2002), pp. 67-68.
ذلك بأن نعترف لمفردات القيم [الأخلاقية] بنوع من التطبيق الموضوعي، وبنوع ما من شروط التسويغ الموضوعية، على الأقل. ولا يقف رهان بتنام من وراء استدلاله عند هذا الحد، بل يتعداه نحو إثبات أن العلم ليس أفضل نظام لوصف العالم، وإنما هو واحد من بين توصيفات أخرى ممكنة للعالم، واختزال العقلانية في العقلانية العلمية وحدها هو ضرب من المصادرة على المطلوب، ولا جرم أن هذا ما حدا به إلى تبني فكرة كانط حول النزعة التصورية التعددية التي ترى أنه لا يمكن عند وصف العالم تأليف نسخة مطابقة عنه في الذهن، بما أن العالم يقبل توصيفات تختلف وتتباين من دون أن يلغي بعضها بعضًا، وقد أعاد بتنام صياغتها ليتمكن من القول بأن العالم في ذاته ليست له بنية تصورية ملازمة له، وادعاء عكس ذلك يفضي إلى القول بأن العالم يمتلك لغته الخاصة، وهذا محال، فنحن نبني العالم بفضل مفاهيمنا وتصوراتنا الخاصة، يمكننا أن نُشَكله بطرق مختلفة من دون أن يكون في إمكان أي طريقة أن تزعم أنها تصف العالم كما هو، ف «أفكارنا عن الأشياء ليست نسخًا عن الأشياء المستقلة عن العقل». لكن ألا يحق لنا أن نرتاب في أمر هذه النتيجة التي توصل إليها بتنام، والتي بقدر ما تبعدنا عن منظور الواقعية الميتافيزيقية، تلقي بنا في أحضان النزعة النسبية التي لا تعترف بإمكان وجود حقيقة مطلقة أو موضوعية، بل ترهن الصدق بخلفيتنا العقلية؟ ذلكم ما تصدى له بتنام عند صوغه الموضوعية المرنة التي ينافح عنها، وسنتبينه بعد حين. وما تجدر الإشارة إليه هنا، هو أن تقليص الفجوة بين الوقائع والقيم، وإثبات أن العلم والأخلاق يشتملان على قيم وإن اختلفت طبيعتها بين المبحثين، مثلّا إستراتيجية ذكية من طرف بتنام، أسعفته في بلورة موضوعية على مقاس القيم الأخلاقية، مباينة بكل تأكيد للموضوعية بمفهومها الكلاسيكي، لكنها مكنت من إعادة الجدية للتناول البحثي لموضوع الأخلاق وهيأت الأرضية للارتقاء بالدراسة الأخلاقية نحو آفاق تسمو بها نحو العلمية.
ثانيًا: الموضوعية المرنة: موضوعية على مقاس الأخلاق
تُعد موضوعية بتنام «موضوعية مرنة»؛ لأنها لا تشترط أن تكون اعتقاداتنا مسوغة في استقلال عن السياق، كما لا تشترط أن تكون هذه لاعتقادات نهائية وثابتة، والحال أن المرء ليصعب عليه تصور
(((1 بتنام، ص.219 (((1 المرجع نفسه، ص.308 (1((المرجع نفسه، ص.109 1(((لا ينظر بتنام إلى الأخ قاا بوصفها علمًا، ولا يرغب البتة في ذلك، بل يعدها معرفة عملية. ومناط لاخت ف بين العلم
والمعرفة العملية، في اعتقاده، أن المعرفة العملية تشبه المعرفة المتعلقة بمجال الطبخ، فقد نهتدي إلى وصفة أخلاقية تسعفنا في حل مشكلات أخلاقية تؤرقنا، ولكننا لا نستطيع أبدًا لادعاء أن ما اهتدينا إليه يصلح لأن يتخذ وصفة علمية تنجح في الظروف جميعها
وفي مجابهة وضعيات مشابهة، انظر:
Hilary Putnam, Meaning and the Moral Sciences (Boston and London and Henley: Routledge/ Kegan Paul, 1978), p. 85.
«موضوعية» تساير السيرورة الطبيعية للسياقات الثقافية وتتغير بتغيرها، لكن بتنام لا يَعدم مسوغات
تعضد موقفه، من جملتها، أن المقبولية العقلية، فيما يراه، هي منتوج مرتبط بسياقاتنا التاريخية ومُدرج
داخل الزمانية وتدفقها المستمر، بما أننا محكومون بثقافتنا التي لا تمثل ماهية قارة منغلقة على ذاتها، بقدر ما هي نسق من لاعتقادات تتولد عن تفاعل روافد عديدة وظروف مختلفة، لكنها تبدو متسقة منطقيًا ومتسمة بدرجة معينة من المعقولية في لحظتها الزمانية؛ ويكفينا دليلً على ذلك، أنه قد جرى
لاعتقاد، في القرون الوسطى، أن النظام المَلكي هو الشكل الطبيعي والملائم للحُكم. وقد بُني ذلك
لاعتقاد في حينه على معتقدات واقعية، لا يمكن إلا أن تُستهجن الآن، من جملتها، أن الديمقراطية لن
تفضي إلا إلى الفوضى والطغيان حتمًا. وها نحن اليوم نستبدل هذا المنظور الذي كان «معقولً»
في ذلك الوقت بمنظور مغاير يرى في الديمقراطية النظام الأنجع للحكم والأشد ملاءمة. بَيد أن ربط المقبولية العقلية بالسياقات الثقافية لا يفيد بأي حال تبنّي أطروحة النزعة النسبية؛ لأن
هذه الأخيرة تتسم، بحسب بتنام، ب لاعتباطية والفوضوية، في حين أنه من الممكن، وفق المنظور البراغماتي للموضوعية الأخلاقية، تقديم تبرير عقلاني للمواقف الأخلاقية المغروسة في السياق؛ فنحن عندما نريد معرفة ما إذا كانت ممارسة ما جيدة من منطلق يستند إلى القيم الرائجة داخل سياقنا الثقافي، فإن ذلك لا يعني البتة أننا ننغلق داخل نسق القيم الخاص بسياقنا، لأن التبرير وإن كان متجذرًا سياقيًا فإنه يتطلع نحو صلاحية بأفق كوني. كما أن تَأثُّر أحكامنا الأخلاقية بالسياق الثقافي
الذي يمثل خلفية حاضنة لنا، لا يجعل منا سجناء داخله، وإنما نستلهمه في البحث عن الأفضل والأنجع. ولهذا لا يجد بتنام غضاضة في القول بأنه ليس من الضروري أن يكون وصفٌ ما للعالم خاليًا من أي طابع ذاتي حتى يكون موضوعيًا، بل إنه يكفي أن تقوم بهذا الوصف ذات تامة العقلانية
لكي ننعته بالموضوعي، على اعتبار أن هذا الوصف وإن كان منطويًا على شيء من ذاتية الواصف،
فإنه يعد وصفًا ذاتيًا أشدّ مثالية. وهذا ما حدا ببتنام إلى أن ينظر إلى الحقيقة بعدّها معادلة للحكم
المضمون؛ ذلك أنه لما كان كل وصف نُقْدم عليه متولدًا من النسق الداخلي لتصوراتنا، فإننا لا نستطيع الجزم بصحة توصيفاتنا من خلال مقارنتها بالعالم المستقل عنها، بل إن أقصى ما يمكننا فعله، أن نرفع عنها طابع لاعتباطية بأن نجعلها خاضعة لمسوغات معقولة، وبتعبير آخر، إننا حين نقول: إن «س صحيحة»، فإن هذا يكافئ قولنا: «نحن نملك مبررات كافية للاعتقاد في س»، ولا شيء أكثر. أما ما يتيح هذا العبور من الذاتي إلى الموضوعي في مجال القيم، ويضمن ألا تتحول المقبولية العقلية إلى وثوقية عمياء، فهو، بحسب بتنام، مستلهمًا في ذلك وجهة نظر جون ديوي Dewey،
«التقييم النقدي»؛ والذي يُمَكننا من المساءلة المستمرة لوجهة نظرنا الأخلاقية، والوقوف على
جوانبها الإيجابية والسلبية، ورصد مدى قدرتها على «الصمود أمام النقد العقلي»، كما يسعفنا
(((1 بتنام، ص.248
(19) Putnam, The Collapse , p. 106. (20) Ibid., p. 103.
((2(بتنام، ص.173
في موضعتها بالمقارنة بباقي المواقف الأخلاقية الأخرى، وموازنة المبررات التي يسوقها كل موقف والأخذ بأجودها وأصلبها... إلخ. لكن، هل يكفي النقد وحده لإيصالنا إلى الموضوعية الأخلاقية التي نصبو إليها؟ وأين نعثر على المعيار الذي يوجه هذا النقد ويمنعه من أن يحيد عن مجراه؟ يرى بتنام أن النقد يمثل أداةَ مراجعةٍ لا غنى عنها في تحقيق الموضوعية في القيم الأخلاقية إذا ما
أجدنا توجيهه وقيادته، ومعيار التوجيه هذا وجده بتنام عند ديوي في صورة نقاطٍ ثلاث، لا مناص من استحضارها عند بلورتنا أي وجهة نظر أخلاقية؛ تكمن أولاها في رفض فكرة مسح الطاولة القائمة على
الشك المنهجي الديكارتي التي تقضي بأن ننطلق في مجال الفكر من بدايةٍ غُفلٍ، لأن هذه الفكرة، وإن بدت متسقة فكريًا وذات غاية نبيلة، متعذرة التحقق في الواقع في اعتقاد بتنام ومن يسير في ركبه
من البراغماتيين، ما دامت خبرتنا هي حصيلة التفاعل الذي يجري بين الكائن وبيئته، وهذا التفاعل لا يمكن تفكيك عناصره وتبيان حدود الكائن فيه وحدود التجربة. لذلك علينا أن نبحث عن معايير تقود نقدنا من داخل نسق اعتقاداتنا المنغمس في السياق المتحكم فينا وليس من مكان خارجه؛ فَعبثًا نبحث عن «نقطة ارتكاز أرخميدية» محايدة وخالية من أي تصور أو اعتقاد، لأنه لا وجود لها فعليًا،
بل كل ما هو موجود إنما هو مواقف واعتقادات وتصورات تخضع لعمليات مستمرة من التحويل والتعديل والهدم والبناء، في سيرورة إنماء تستمر ما استمر الإنسان في الحياة. ثانيًا، إن معيار الحقيقة
ليس رهنًا بالفلسفة وحدها، فهي لا تحظى بأي امتياز معرفي يجعل منها المالكة زمام الحقيقة في
المعرفة، بناء عليه، إن في إمكان المباحث المعرفية جميعها وأشكال الخبرات الأخرى كلّها، أن تسهم في بلورة المعايير الكفيلة بإنتاج الحقائق. ثالثًا، إننا، وإن لم نعثر على طريقة دقيقة وثابتة في قيادة نقدنا ومنه بحثنا، لا نكون على الرغم من ذلك أمام رؤية ضبابية تمامًا؛ إذ لدينا تجربة في مجال
البحث تسمح لنا بأن نَميز السبل الأشد إخصابًا وإنتاجًا من غيرها، وبذلك ندرك أن ما يقود البحث
الأخلاقي ويوجهه، مثله في ذلك مثل أي بحث آخر، ليس طريقة مقعّدة (علمية) على نحو دقيق،
نهائية وحاضرة باستمرار، وإنما إحساس نقدي يقظ وتطلع دائم نحو التحسن.
استخلاص
لعل من جملة ما يحسب لبتنام أنه ظل مُصرًا طوال اشتغاله بمجال القيم على أن هذه القيم يمكنها أن
تكون موضوعية، ولم يجعلها موضوعية صلبة تحتفظ بمنظور وتغلق الباب في وجه البقية كما يحصل في العلم، بل جعلها موضوعية مرنة، تُبقي باب النقاش مشْرعًا أمام كل الرؤى والخبرات؛ لكي تنخرط في حوار إنساني حقيقي، يجمع بين المسؤولية الفردية والمسؤولية الجماعية في إطار عقلانية مفتوحة أردناها همزة وصل بين منظوري هابرماس وطه عبد الرحمن، من حيث رفعها مجموعة من العوائق التي تَحول دون مد جسور التواصل بين موقفيهما، وفي مقدمتها الحسم في منطلق التأسيس للأخلاق: هل هو العقلانية المجردة أم العقلانية الإيمانية؟ وقد أبان بتنام عن أن هذا العائق لا يعدو أن يكون عائقًا
(22) Putnam, The Collapse , p. 104.
وهميًا؛ لأن كل أنواع الخبرات من حقها أن تدلي بدلوها في الموضوع، وأن تقدم وجهة نظرها الخاصة،
شرط أن يجري ذلك من خلال حوار حقيقي بنّاء قوامه لاستعداد الدائم للإنصات للآراء الأخرى، والتحلي بالجرأة والشجاعة اللازمتين لامتحان الآراء كلّها واختبار صحتها أو تهافتها أمام الملأ. لكن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا الصدد هو: هل في إمكان الحوار أن يفضي إلى نهاية مثالية؟ وهل في إمكان مفاهيمنا حول الصدق، حتى لو قنّناها بشروط وسيّجناها بقيود وضوابط، أن تسعفنا في
بلورة أخلاق صادقة صدقًا كونيًا يحظى بإجماع ساكنة المعمورة، أم أن علينا أن نقبل مع هابرماس وعبد
الرحمن، بكونية مرنة كما قبلنا مع بتنام بموضوعية مرنة؟
يورغن هابرماس: أخلاقيات المناقشة بوصفها رؤية لتأسيس معايير أخلاقية كونية (توطئة)
بحث هابرماس عن السبيل التي تمكنه من توحيد الأمم قاطبة حول رؤية أخلاقية كونية، فلم يجد غير المناقشة سبيلً والحوار منهجًا، للتأليف بين مختلف مكونات المجتمع الكوني وحفْزِها على التفكير
المتعدي العلني القائم على الحجاج، والمستند إلى معايير كونية، لإيجاد حلول مشتركة للصراعات والتشنجات الأخلاقية التي تصاعدت حدتها في الآونة الأخيرة في مجتمع امّحت فيه الحدود وارتفعت
القيود، حتى صار كل حدث يطرأ في مكان لا بد حتمًا أن تصل شظاياه إلى مختلف بقاع الأرض. وقد
جسد رؤيته هذه فيما اصطلح عليه ب «أخلاقيات المناقشة»؛ بوصفها نموذجًا لعقلانية من طبيعة عملية
تطمح إلى أن يشترك في وضعها أمم الأرض جميعًا، على اختلاف ثقافاتها وعاداتها، وفق منظور يجعل
التفكير تفاكرًا والعقل تعاقل في أفق بلورة رؤية أخلاقية «موضوعية» و«كونية» تستند إلى معايير
أخلاقية كلية وقبلية، من شأنها أن تدعم لاندماج بين الشعوب على الصعيد العالمي. وقبل أن نتعرف إلى الشروط التي وضعها هابرماس لتحقيق هذه الكونية الأخلاقية في زمن التعددية، سنعرج بداية على مفهوم «أخلاقيات المناقشة»؛ لنقف باقتضاب شديد على ماهيته ونحدد بعض مقوماته. فما الذي تعنيه أخلاقيات المناقشة؟ يُعد هذا السؤال أول ما استهل به هابرماس الفصل الأول من كتابه De l’éthique de la discussion،
وقد أوضح فيه أن نظريته هذه تمثل امتدادًا للنظريتين الكانطية والهيغلية معًا، أو لِنَقُل، توخيًا للدقة، إن
هابرماس قد استفاد من النقد الذي وجّهه هيغل لكانط ليخرج منه بمنظور أخلاقي أقامه على افتراضات
ترانسندنتالية تقع «على تخوم الشعور الفينومينولوجي»، وقد حدد لهذا المنظور أربع خصائص هي: الخاصية الديونطولوجية، والخاصية المعرفية، والخاصية الصورية، والخاصية الكونية.
((2(التفاكر يعني تبادل الآراء والأفكار في أمر ما، أما «التعاقل» فيفيد، وفقًا للمعنى الذي خصه به طه عبد الرحمن، اشتراك الواحد
مع الآخر في عقل أمر ما، أي تعاونهما معا على إدراكه، انظر: طه عبد الرحمن، سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة
الغربية (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2000)، هامش الصفحة.107
(24) Jürgen Habermas, De l’éthique de la discussion , Mark Hunyadi (trad.), (Paris: Les Editions du Cerf, 1992), p. 16.
(2((جون مارك فيري، فلسفة التواصل، ترجمة عمر مهيبل (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2006)، ص.99
أما الخاصية الديونطولوجية فتعني أن الأحكام الأخلاقية تفسر الوجه الذي يمكن من خلاله ضبط التضارب بين الأفعال على أساس توافق عقلاني. وبمعنى أرحب، إنها تفيد تبرير الأفعال التي نأتيها استنادًا إلى معايير صحيحة، أو على ضوء مبادئ تحظى ب لاعتراف، وتقضي الخاصية المعرفية، من جانبها، بأن هذا التصور الأخلاقي يرفض أن تكون الأحكام الأخلاقية انعكاسًا للأحاسيس والإملاءات
الذاتية المحضة، ويرى، في مقابل ذلك، أنها تمتلك دقة في المعايير والتوجيهات تقترب من الصدق الذي تنطوي عليه القضايا التقريرية، من دون أن يذهب بنا لاعتقاد إلى أن «الصدق» الأخلاقي الديونطولوجي يمكنه أن يتسم بالدقة المعيارية ذاتها التي تنطوي عليها القضايا الوصفية، وإلا طابقنا بين العقل النظري والعقل العملي. أما الخاصية الصورية فتفيد أن أخلاقيات المناقشة توجه تركيزها نحو الجانب الإجرائي الذي لا يهتم بإنتاج مضامين أو معايير معترف بمشروعيتها، وإنما يقتصر دورها على فحص صلاحية المعايير المقترحة. ونأتي اللحظة إلى الخاصية الكونية التي تمثل منتهى ما تصبو إليه أخلاقيات المناقشة، وتفيد أن ما نحكم عليه بأنه مبدأ أخلاقي كوني، لا ينبغي أن يأتي تعبيرًا عن حدوس ثقافة معينة أو يكون محض رجع
صدى لحقبة ما، وإنما عليه أن ينبثق عن إرادة الثقافات كلها ويسري مفعوله عليها جميعًا، فما عادت الأخلاق مع هابرماس ورواد فلسفة التواصل النقدية «نهيًا ولا أمرًا ولا سلسلة محرمات وإكراهات، أو
مجرد إيمان أعمى بمعتقدات ومُثل وقيم، بل [صارت أخلاقًا] تخضع قواعدها للمجادلة والمحاججة المنطقية بهدف استنباط جملة معايير تضمن لها سبل تنظيم التواصل في المجتمع [...] وهي بذلك تطمح للكونية على أساس تداولي وقابل للتعميم». وقد راهن هابرماس في أجرأة منظوره الأخلاقي الحامل لهذه المواصفات على اللغة في بعدها التداولي الحواري، بوصفها الأداة الأقدر على تحقيق التواصل «البين–ذاتي»، ومن ثم بلورة فهم مشترك «يعيد الصلة بين أطراف هذا العالم متقطع الأوصال، [الذي] فقد كل مرجعياته ونقاط ارتكازه، وانقطعت صلته الحميمة بالإنسان». إلا أن طموح هابرماس هذا، على أهميته، واجَهته مجموعة من التحديات
واصطدم بعديد من الصعوبات، بعضها له صلة بمشكلة التأسيس وعلاقتها بمقتضيات الواقع، وبعضها الآخر له صلة برهانات هذه النظرية من حيث قدرتها على أن تقيم توازنًا متعقلً بين مطلب الكونية من جهة، ولاعتراف بالحدود السياقية التي تؤثر فيه من جهة ثانية.
1. أخلاقيات المناقشة، أخلاق المرحلة ما بعد العرفية
لقد أدى ظهور التعددية الثقافية وما أفرزته من تحديات أمام المجتمعات، إلى حدوث نوع من لارتباك لدى الباحثين، حول إيجاد الصيغة التي من شأنها أن توازن بين منظور قيمي موحد يمكنه أن يُتخذ إطارًا
(26) Habermas , De l’éthique, p. 17. (27) Ibid. (28) Ibid.
((2(مصدق، ص.12 (3((فيري، ص.19
مرجعيًا يصلح للجميع، وبين الأنساق القيمية المحلية التي يمتلك كل منها إيتوسًا Ethos خاصًا، يزعم
أنه وحده صاحب المنظور الصحيح، وأنه لا وجود لحقيقة في المجال الأخلاقي غير تلك التي ينطوي عليها نسقه. وقد كان هابرماس واحدًا من الفلاسفة الذين انبروا لرفع هذا التناقض «المزعوم»، معتبرًا أن
في إمكاننا إيجاد صيغة أخلاقية كونية تنطلق من السياقات وتتعالى عليها في الوقت نفسه؛ لأن وعينا وإن كان نسبيًا، بحكم أنه وعي تاريخي في المقام الأول، بمقدوره بلوغ لحظة فوق سياقية. وقد دفعه
هذا إلى التفكير في أخلاق تتجاوز «المشكلات المتعلقة بالحياة الطيبة وتوجه نظرها صوب الجوانب الديونطولوجية القابلة لأن تعمم، من منطلق أنه لا يدوم من الطيب إلا العادل»، وذلك في أفق الظفر بما هو ثابت داخل التغير الذي يسم السياقات. من هنا كانت أولوية العدل على الخير قاعدة أساسية في بلورة أخلاقيات يريدها هابرماس أن ترضي الجميع، وتُمكن من تجاوز معضلة التشرذم الأخلاقي الملحوظ في صورة «أخلاق عرفية» متباينة حد التناقض أحيانًا. بناء عليه، إن المشكلة في نظر هابرماس لا تتعلق بما إذا كان من الممكن أن يمثِّل مبدأ الكونية ضربًا لقيم التعددية، مادامت هذه التعددية قائمة لا محالة، بل كيف يمكن أن نخرج من هذا الزخم القيمي الذي يكشف عنه راهننا، بمبادئ تصلح لأن تكون كونية؟ بمعنى آخر كيف يمكننا أن ننتقل من صيغة «أنا أفَضل» المتعددة إلى «نحن نفضل» التي تنم عن وجود حاجات مشتركة مقبولة كونيًا؟ُ لقد مثّل الربط بين العالم المعيش ومبدأ الكونية، أو بين التاريخ والعقل هاجسًا لازم هابرماس في معظم كتاباته. وإذا كان قد راهن في صياغته لنظريته حول الأخلاق وتحديد مقوماتها، على الإرث الأخلاقي الكانطي، كما هو بادٍ في مؤلفاته، فإنه سرعان ما وجد في مواجهته نظرية أخرى لها قيمتها وأهميتها، يتعلق الأمر بالنظرية الأخلاقية الأرسطية التي تمثل المصدر الرئيس لمطلب التعددية الذي أضحى ماهية الديمقراطيةوأحد أهم شروط الحداثة؛ وذلك بحكم أنها نظرية لا تستهدف عدلً كونيًا،
بل تجاهد لتحديد شروط «الحياة السعيدة» انطلاقًا من تقاليد متنوعة، مغرقة في المحلية والخصوصية. وقد سعى هابرماس لتجاوز هذا التعارض العقيم القائم بين نزعة كونية مجردة ونزعة نسبية تناقض نفسها، بالتفكير في بلورة وجهة نظر أخلاقية تمكن من تقويم الأسئلة الأخلاقية من دون تحيز، في أفق بلورة منظور أخلاقي يصلح لمواجهة قضايا الواقع العالمي الراهن، وما يحفل به من متغيرات لم تشهد المجتمعات البشرية نظيرًا لها في السابق، وقد تبين له أن أخلاقيات المناقشة هي المنظور
الأخلاقي الذي في إمكانه مسايرة هذه المرحلة، ولاستجابة لمقتضيات «الحداثة السائلة» المخترقة بالتعددية، والطافحة بالتصدعات ولانشقاقات والصراعات وتفشي الحروب العرقية والطائفية. وآية ذلك أن هذه الأخلاق تعيد إلى الفضاء العمومي مكانته، وتجعل منه فضاءً «للتواصل الدائم بدلً من
اتصال المصادفة العابر، فضاء للحوار والنقاش والمواجهة ولاتفاق»، يوفر لكل الذوات العاقلة
(31) Jürgen Habermas , Morale et communication, Conscience morale et activité communicationnelle , Christian Bouchindhomme (trad.), (Paris: Cerf, 1986), p. 23.
3(((زيغمونت باومان، الأخلاق في عصر الحداثة السائلة، ترجمة سعيد البازعي وبثينة الإبراهيم (أبوظبي: مشروع كلمة، 2016)، ص.48
سبل المشارَكة الواعية في تقرير المصير المشترك، والمساهمة الفاعلة في صوغ إرادة عامة تحظى بالإجماع وتشكيلها، بعيدًا عن أي وصاية، كيفما كان نوعها أو مصدرها، منطلقها في ذلك من أن ما يهم «ليس ما أدعيه أنا أو أنت من حقائق، بل ما نستطيع الوصول إليه معًا ونتفق عليه بشأنها». وبذلك تغدو الحقيقة التي يتوق هابرماس إلى تحقيقها في مجال الأخلاق متجاوزة العلاقة البسيطة (وعي–عالم)؛ لأنها تستلزم الدخول في حوار مع ذوات واعية أخرى، تسعى من جهتها لأن تنسج مع العالم علاقة ما على طريقتها. وهذا ما جعل الباحثين ينعتون أخلاقيات المناقشة بنظرية «الفهم البين–ذاتي» القائم على التفاعل بين الذوات والذي يستهدف حلً وسطًا بين الأنا المتعالية المتموضعة خارج هذا العالم الأرضي، والذات التجريبية المتموضعة داخله، حل يقع في نقطة ما بين المثالي والواقعي، يتجاوز ابتذال الواقع من دون أن يسقط في طوباوية المثال.
2. رهان تحقيق أخلاق كونية في زمن التعددية
تمثل أخلاقيات المناقشة نموذجًا للعقلانية، يختلف عن النموذج الذي تقدمه الوضعية العلمية ذات النزوع «الموضوعي المحايد قيميًا»، كما يختلف عن نموذج العقلانية الأداتية، وما تولد منها من تنميط
للفهم، جرى اختزاله في منظور أحادي الجانب قاد إلى تسطيح كوني أصاب الوعي الحديث بأعطاب وتشوهات، لا يقوى على علاجها وإنعاشها سوى العقل التواصلي بما هو عقلانية عملية، تَبرز في النشاط التواصلي، وتهدف إلى بلورة أخلاق تعدّ تجليًا لمجهود تشاركي يقوم على تواصل «ينبني على
معايير أخلاقية كلية وقبلية تنزل من كل خطاب منزلة شرائط الإمكان أو شرائط الصحة». ومن هذا المنطلق نفهم حرص هابرماس الدائم على التذكير بأن مبحث أخلاقيات المناقشة لا يعدُّ مبحثًا أخلاقيًا
بالمعنى المتداول للكلمة، وإنما هو «مبحث إجرائي قعّد فيه للإجراءات الضرورية لتنظيم مناقشة عقلانية تمكننا من التوصل إلى إجماع حول معايير أخلاقية مشتركة ذات طابع كوني». وهذا ما حدا به إلى رفض كل معيار يتخذ من حجة السلطة متكأ له، مهما كان مصدر هذه السلطة، واعتبر أنه لا بد من المرور عبر مناقشة فعلية تجمع بين الأطراف المعنية، وتستند إلى مبررات عقلية تُشحذ فيها الحجج والحجج المضادة للوصول إلى معايير تحظى بقبول المشاركين جميعًا. ولعل هذا ما يجعل من أخلاقيات المناقشة مشروعًا تبريريًا في الدرجة الأولى، فهي ليست نظرية أخلاقية بقدر ما هي نظرية حول الأخلاق، تستهدف صلاحية كونية تتجاوز لاتفاقات العرفية والمعايير لاصطلاحية. إلا أن الكونية المستهدفة هنا ليست تلك القائمة على وجهة نظر تقع خارج العالم لا دخل لها في صراع المصالح ونزاعات السلطة وتشوهات التواصل الحقيقي، بل يتعلق الأمر بكونية تداولية لا تتجاهل
(((3 مصدق، ص.14 (((3 يورغن هابرماس، القول الفلسفي للحداثة، ترجمة فاطمة الجيوشي (دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 9951)، ص.455 (((3 عبد الرحمن، ص.126 3(((محمد الأشهب، أخلاقيات المناقشة في فلسفة التواصل لهابرماس (عمّان: دار ورد، 2013)، ص.16
(37) Habermas, Morale , p. 118.
سياق التفاعلات الواقعية ولا تضرب صفحًا عن قناعات الأفراد واعتقاداتهم، بقدر ما تفك العزلة عنها
وتفتح أمامها فرص إثبات صحة ادعاءاتها تبعًا لسلطة العقل وسلطة أفضل حجة، وذلك انسجامًا مع
مطلب التنوير الداعي إلى رفع الوصاية عن العقل، وإعادة لاعتبار إلى الإنسان من دون لالتفات إلى جنسه أو عقيدته أو لغته... إلخ، وانسجامًا، كذلك، مع المنظور الهابرماسي الذي يرى أنه لا يمكننا
إنقاذ كونية الأخلاق إلا إذا أمكن للأسئلة العملية استهداف الحقيقة، أي إلا إذا استطعنا، عبر حجج قوية، أن نتوحد عقليًا حول ادعاءات الصلاحية المعيارية، مع الإشارة إلى أن الحجاج عند هابرماس
لا يخلق المعايير، بل يختبر من بين المعايير المتنازعة أنجعها وأقواها على إقناع الأطراف المعنية في نقاش فعلي؛ فبدلً من أن أفرض على الجميع قاعدة أريد أن تصير كونية، مثلما فعل كانط في الأمر الأخلاقي الأول، ينبغي أن أضع هذه القاعدة أمام الجميع ليتناقشوا حول ادعاء صلاحيتها الكونية. وبذلك يكون هابرماس قد غير نقطة لارتكاز: فعوضًا من انطلاقنا مما يرغب كل واحد في الدفاع عنه، من دون أن يُعترض عليه، كما لو كان ما يعرضه قاعدة كونية، سننطلق مما يعترف الكل بإجماع على أنه
كوني. وارتباطًا بذلك يقول: «إن الإستراتيجية الخاصة بأخلاقيات المناقشة والمتمثلة في التوصل إلى أخلاق كونية انطلاقًا من المقتضيات العامة للمحاجّة، تعد خصيبة بالنظر إلى مكانة المناقشة
داخلها كشكل تواصلي دقيق، يتجاوز أشكال التواصل التي نصادفها في حياتنا اليومية. إنه صيغة تواصلية حيث مقتضيات الفعل الموجهة نحو التفاهم المتبادل تكون معممة، مجردة ومفتوحة. بمعنى أنها ممتدة نحو جماعة تواصلية مثالية تتضمن كل الذوات القادرة على الكلام وعلى الفعل». ولهذا لاعتبار، تعد المناقشة العملية آلية ضرورية لصياغة حجاجية للإرادة من شأنها أن تضمن عبر المقتضيات الكونية للتواصل، صحة كل اتفاق معياري ممكن. وهذا الدور الذي تؤديه المناقشة لا يتأتى لها إلا بفضل المقتضيات المثالية التي يلجأ إليها المشاركون فعليًا في ممارستهم الحجاجية
والتي تجعل من هذه المناقشة العملية سيرورة من التفاهم المتبادل الذي يستدعي من المشاركين كلهم تبني الدور المثالي، بوصفه إجراءً يكفل انطلاق كل مشارك في عملية المحاجة من ذاته، شريطة أن
يظل، على الرغم من ذلك، مشدودًا إلى أفق كوني. بناء عليه، يرى هابرماس أن صلاحية المعايير المتنازع حولها، لا تتموضع إلا ضمن منظور ال «نحن» لأن ادعاءات الصلاحية المعيارية ترتهن باعترافنا؛ لهذا لا يفيد تجاهل سياق التفاعلات المموسطة عبر اللغة ولا إقصاء منظور المشاركين في المناقشة عمومًا، في التوصل إلى وجهة نظر غير متحيزة،
بل إن الأمر يستدعي، خلافًا لذلك، فك العزلة عن المنظورات الفردية للمشاركين، حتى يتمكن كل واحد من وضع نفسه في مكان الآخرين لأجل حصول الفهم، لأنه لا أحد في إمكانه الولوج المباشر لشروط صلاحية غير مؤوَّلة، ما دام الفهم، ومن ثم التأويل، ليس سلوكًا ذاتيًا معزولً، بقدر ما هو
(38) Habermas , De l’éthique , p. 123. (39) Habermas, Morale , pp. 88-89. (40) Habermas, De l’éthique , p. 22. (41) Ibid., p. 19.
نتاج مشترك لعلاقة متشابكة بين أنماط الفهم المختلفة، وممارسة تضرب بعمقها في صميم كينونة الإنسان.
3 استخلاص
لقد كان المسعى الذي خطه هابرماس لنظريته الأخلاقية، مسعى نبيلً وواعدًا بالنظر إلى إنزاله الحوار، القائم على الحجاج والهادف إلى تكوين حُكم أخلاقي محايد حول صلاحية المعايير، منزلة الدواء الذي يشفي من داء الفرقة والخلاف الذي استشرى في أوصال مجتمعاتنا الحالية. لكن منظوره هذا، على أهميته وقيمته العلمية، لم يَسلم من انتقادات، ومن جبهات عديدة، يهمنا منها في هذا المقام، النقد الذي صدر عن طه عبد الرحمن، والذي جعله على مستويين؛ أبرزَ في أولهما، قصور نظرية هابرماس عن إدراك حقيقة ظاهرة التواصل وواقعها؛ فمن حيث الحقيقة، يرى عبد الرحمن أن الإجماع الذي يخرج به المتناظرون من نقاشهم لا يعادل الظفر بالحق، وإنما مَبلغه الظفر بالصواب «والصواب غير الحق، لأنه ينزل منزلة الظن الغالب والرجحان، بينما الحق ينزل منزلة القطع الجازم والبرهان». ولما كان الأمر كذلك، فإنه لا شيء يضمن أن ما يتمخض عن المناقشة هو الحقيقي بعينه وليس مجرد رأيٍ رجّحَتْه حُجَجُه فجعلته يبدو في صورة حق قاطع؛ أما من حيث الواقع، فقد تبين عبد الرحمن أن التواصل في مدلوله الحالي قد نأى عن التواصل الحي المباشر الذي كانت تُعبر عنه في القديم «المجالس» القائمة على التعاون وتبادل لاعتبار، وأخذ صورة جديدة مختلفة، استبدلت طلب الحقيقة وفهم الواقع بالدعاية وتقديم المصالح، فنجم عن ذلك تشويه للتواصل وإفساد لعقل الإنسان وروحه. ولسنا نجد ههنا تفسيرًا لهذا لاعتراض الثاني الذي أبداه عبد الرحمن على التواصل في
صيغته الهابرماسية، لأن هابرماس بدوره يلح على أن تكون المناقشة حية وفعلية تجري بين أشخاص واقعيين يُرافع كل منهم عن موقفه متوسلً بالحجج التي يراها تدعم موقفه، مثلما بينّا سابقًا. في المستوى الثاني من لاعتراضات، تبيَّن لعبد الرحمن أن النظرية الأخلاقية الهابرماسية تزعم أنها
سنّت لنفسها تعقُّلً أظهرته للعالم بوصفه تعقلً متفردًا أتى على غير مثال، والحال أنه لم يختلف عن التعقل الذي أخذت به الأخلاقيات التقليدية ذات الأصول اليونانية، إلا فيما تعلق بمنهجية التدليل لا غير، إلى جانب أن هذه النظرية لم تَحِد عن المنحى الذي ابتدعته الأخلاقيات العلمانية إلا من حيث أن هذه الأخيرة أنكرت الأصل الديني للمعاني والقواعد الأخلاقية التي أخذت بها، في حين أن أخلاقيات التواصل تنكرت لها، وبوادر هذا التنكر تجلوها مراوحتها بين عدم اهتمامها المباشر بقطع الصلة بالأخلاق المتفرعة عن الدين، وتجاهلها، من جهة ثانية، أوصاف التسديد والتأييد التي تسمو بالقيم الروحية للإنسان.
(4((فيري، ص.31 (((4 عبد الرحمن، ص.127 (((4 المرجع نفسه. (((4 المرجع نفسه، ص.131
وقد خلص عبد الرحمن إلى أن هذين لاعتراضين كافيان لإسقاط زعم الشمولية والكونية عن أخلاقيات التواصل، من حيث إنهما يكشفان عن محدوديتها المتمثلة بضيق أفقها وقِصر أثرها. وارتأى أنه لا بديل من الأخذ بأخلاق الإسلام؛ لأنها الكفيلة بتحقيق إطلاق كوني يتجاوز الإطلاق الغربي الذي انحصر في الأشخاص والمجتمعات والأمم، نحو إطلاق أرفع درجة لا يتعلق بالبشر وحدهم، وإنما بكل الموجودات التي يضمها العالم، سواء أكانت عاقلة أم غير عاقلة. فما المسوغات التي اعتمدها طه عبد الرحمن في دفاعه عن أطروحته القاضية بأنه لا أخلاق غير أخلاق الإسلام تصلح لأن تكون أخلاقًا كونية؟
طه عبد الرحمن: أخلاق الإسلام، أخلاق الكون (توطئة)
لم يتوجه عبد الرحمن مباشرةً نحو بلورة الرؤية الأخلاقية التي استقرت عليها قناعته وقبلها عقله إلا بعدما عمد، مثلما عوّدنا على ذلك في معظم كتبه، إلى مساجلة أبرز النظريات الأخلاقية، الغربية على
وجه التحديد، مُلتزمًا قدر الإمكان بشرائط المناظرة والحوار، ومتقيدًا بما يفرضه «البرهان الساطع»
والحجج الدامغة على العقل. وبعدما استقام له ذلك، انتقل إلى الكشف عن المنظور الأخلاقي البديل الذي يطمح إلى تشييده، والذي يستقي مقوماته من داخل المجال التداولي الإسلامي الذي يرفض عبد الرحمن أن يفكر خارجه بأي حال من الأحوال، بناء على قناعة مبررة راسخة لديه، بأنه ليس هناك أقدر من الدين الإسلامي على تقديم أخلاق أكمل قيمة وأكثر حركية، تعد عصارة ما حققه من تراكم ناتج من خاتميته وتتميمه لمكارم الأخلاق. وقد استهل عبد الرحمن الخوض في موضوع الأخلاق بالكشف عن بعض جوانب القلق الذي لاحظه عند فلاسفة الأخلاق الغربيين بخصوص مجموعة من المفاهيم والقضايا تتصل، على سبيل المثال لا الحصر، بالتباين في المواقف الأخلاقية حول موضوع الأخلاق ذاته وما تناسل منها من تيارات فلسفية، والتباين في التسمية (موراليا أو إيتيقا) وما نجم عنه من تفريق بين «طريقة الحياة» و« لامتثال للواجب» وبين «الأخلاق النظرية» و«الأخلاق التطبيقية»... إلخ. وقد ربط تفسيره هذا القلق المذكور بوقوف الفلاسفة الغربيين في تحديدهم لمفهوم الأخلاق عند حدود ما هو إنساني معنوي، وإهمالهم الجانب الغيبي الذي يكفل للمفاهيم الأخلاقية الثبات في المعنى ولاستقرار في المقام والإقامة على الحال. لهذا عقد العزم على أن يضم للأخلاق ما فات غيره، فجعل من الجمع بين الأخلاق والدين أصل الأصول الذي أرسى عليه دعائم منظور أخلاقي، أراد له أن يكون بلسمًا يصلح لمداواة الندوب
التي خلفتها الحداثة المعطوبة على الإنسان المعاصر، وسد الفراغ القيمي الذي يمزق أوصال هويته؛ فما عاد الوضع الراهن يسمح بالتقوقع ولانكفاء، وإنما أضحى يتطلب الدخول في لجة الأحداث والمساهمة في إيجاد الحلول للمشكلات والقضايا الأخلاقية المطروحة. على أن الدخول المطلوب
(4((المرجع نفسه، ص.275 4(((طه عبد الرحمن، الحوار أفقًا للفكر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2013)، ص.63 (((4 عبد الرحمن، سؤال الأخلاق، ص.25
هنا ليس دخول المقلد الذي يقتدي بالغرب في كل شيء ويسقطه على واقعه من دون مراعاة الفارق في المجال التداولي، وإنما دخول المبدع المجدد الذي يؤمن بأن «للروح تطبيقات لا متناهية» تفرض على المسلمين لاندماج في زمانهم لا في زمان غيرهم. وأحد أوجه هذا لاندماج أن يعمدوا إلى إحياء نظامٍ للقيم خاص بهم، يستمد مقوماته من عقلانية إيمانية تكفل لها النصوص الدينية المؤسِّسة يقينيتها،
وتعرج بها نحو اللامتناهي وتمنحها عمقًا لا نجد له مثيلً في أخلاق التناهي التي تحصر ذاتها في أفق سطحي يورثها التذبذب وعدم لاستقرار. فما الذي يعنيه عبد الرحمن بأخلاقيات العمق؟ وما شروط استيفائها؟
1. من أخلاقيات السطح إلى أخلاقيات العمق
يرى عبد الرحمن أن أخلاق الغرب هي نتاج حداثتهم المعطوبة التي شُيدت على عقلانية مجردة أفضت إلى حضارة «ناقصة عقلً وظالمة قولً ومتأزمة معرفة ومتسلطة تقنيًا»، لذلك لزم التفكير في
مصدر آخر للأخلاق ينأى عن السطح الذي وقفت عنده الحداثة الغربية ويغوص في أعماق الحياة وأعماق الإنسان، وقد وجد أن ليس أفضل من الإسلام محققًا لهذا المطلب، من حيث إنه يفيض بالمعاني الخُلقية التي تكفل وصلَ عاجلِ الحياة بآجلها وظاهر الإنسان بباطنه، فضلً عن أنه يستبدل سلطان اللوغوس القائم على العقل والقول بسلطان الإيتوس القائم على الخُلق والفعل. بَيد أن رهان عبد الرحمن على استبدال الأخلاق التي وُلدت في مجملها بتربة غربية، وأطرتها رؤى أيديولوجية متباينة، بل متضاربة أحيانًا، حددت لها مبادئها وأسبغت عليها رداءها، بأخلاق إسلامية تجعل من الأخلاق والدين وجهين لعملة واحدة، لا يستقيم أمر أحدهما إلا في حضور الآخر، لا يجعل من هذه الأخيرة أمرًا مستحدثًا أو مسألة طارئة، جاءت لتبزّ هذه الأخلاق الغربية في اختصاصها
وتزاحمها في مجالها، وإنما العكس هو الصحيح، لأن أخلاق الدين، في نظره، هي الأصل، وما الأخلاق المذكورة في حقيقة أمرها إلا فروع، اقتبست مقوماتها من الدين، على نحو مباشر أو غير مباشر، ثم عمدت إلى تورية اقتباسها وإخراجه عن وصفه الديني الأصلي؛ لأنه قد ثبت، بما لا يدَع مجالً للشك، أن الهوية الإنسانية هي في أساسها وفي حقيقتها هوية دينية. وعلى هذا الأساس رسم عبد الرحمن للإنسان معالم الطريق الأخلاقي الملائم لإنسانيته من حيث هو كائن يتشبث بحريته وينصاع لإرادته ويرفض في المقابل تلقي الأوامر والنواهي، وهذا الطريق ليس
4(((عبد الرحمن، الحوار أفقًا للفكر، ص.87 (5((ينظر طه عبد الرحمن إلى العقلانية المجردة التي شيدها الفكر الغربي وأقام عليها صرح حضارته، باعتبارها الرتبة الدنيا من رُتب العقلانية (تعلوها رتبة العقلانية المسددة ورتبة العقلانية المؤيدة) وبأنها امتداد للغريزة في الإنسان لا تتعدى إدراك المحسوس
ولا مبارحة عالم المادة. (((5 عبد الرحمن، سؤال الأخلاق، ص.145 (5((المرجع نفسه، ص.26 (((5 المرجع نفسه، ص.146 (((5 المرجع نفسه، ص.149
سوى طريق لاعتبار، الذي يجعل الأخلاق ملازمة لتاريخ تشكّل الإنسان، ومحايثة لأفعاله الحية في شكل إشارات وأحداث غنية بالداللت، تدعوه إلى تأملها ولاعتبار بها، حتى يتسنى له الوقوف على الوقائع التي مكنت من الجمع بين العقل والشرع وبين العقل والقلب، ثم بين العقل والحس، وإدراك أنه لا تعارض ولا فصل بين هذه الأزواج، مثلما روجت ذلك العقلانية الغربية، وسارت في ركبها العقلانية الإسلامية من غير فحص ولا تمحيص. فبمقتضى الزوج الأول (العقل/ الشرع) يدعو عبد الرحمن إلى ضرورة استعادة الميثاق الأول الذي تعهد بموجبه الإنسان لربه بأن يسلك بعقله وفق ما يوافق الشرع ويخالف الهوى. لأن هذا الميثاق، في اعتقاده، وحده الكفيل بتزويد الإنسان بما من شأنه أن يصون هويته من التزلزل والتمزق. وقد حدد للأخلاق التي ينتجها هذا الميثاق جملة من المواصفات؛ أولها أنها أخلاق مؤسَّسة، والذي يؤسسها ليس العقل كما اعتقد دعاة العقلانية المجردة، لأن هذا العقل يُداخله القصور والتقلب، بل الشرع بما يحوزه من ثبات دائم وفائدة راسخة لا يضيرها التقلب، ما دام الشارع هو الذي يضمنهما. ثانيًا، أن هذه
الأخلاق لا تستهدف فردًا واحدًا أو أمة بعينها، بل تبتغي صلاحية كونية تعم البشرية قاطبة، وهي من أجل ذلك «ترفع همة الإنسان إلى أن يأتي أفعاله على الوجه الذي يجعل نفعها يتعدى نفسه وأسرته ووطنه إلى العالم بأسره». ثالثًا، أن هذه الأخلاق لا تشمل بعضًا من أفعال الإنسان وتغض الطرف عن بعضها الآخر، وإنما تشمل كل الأفعال التي يأتيها، وتستعيض عن العقل المنفصل الذي ينسب السيادة إلى نفسه بالعقل المتصل الذي ينظر إلى كل حركة أو سَكنة في هذا الكون بوصفها آية تشهد على سيادة الخالق، فتكون بذلك «الأخلاق الكونية بحق وليس سواها». ولا يلزمنا سوى أن نُعَرف غيرنا بها ليكون على بينة من أنه ما من أخلاق غيرها قادرة على تجديد هوية الإنسان ومواجهة نوائب هذا الزمن المتقلب. وبمقتضى الزوج الثاني (العقل/ القلب) عاد عبد الرحمن إلى حادثة شق الصدر التي وقعت للرسول عليه السلام، فطهّرت قلبه من الهوى، جاعلة منه محلً للعقل في أسمى صوره وأجلاها، مصيّرة
«عقلانية الإسلام أسمى عقلانية ممكنة»، ومن الأخلاق التي تبنى عليها أخلاقًا أصيلة باطنة لا تقف عند القشور، بل تمتد إلى الجذور، فتكون وحدها المخولة تجديد أعماق الإنسان ووقايته من شر الفراغ الأخلاقي الذي أتى على الأساسيات والمرجعيات. أما فيما يتعلق بالزوج الثالث (العقل/ الحس) فقد توصل عبد الرحمن إلى أن المحسوس لا يمثل غاية في ذاته، وإنما هو إشارة تنقل الإنسان من الظاهر الحسي للشيء إلى باطنه المعنوي، وأن كمال التخلق
(((5 المرجع نفسه، ص.157 (5((المرجع نفسه، ص.158 (5((المرجع نفسه، ص.159 (((5 المرجع نفسه. (5((المرجع نفسه، ص.162
إنما يرتهن بقدرة المرء على أن يستخلص أن المعنى المعقول مبثوث في كل شيء محسوس، فضلً عمّا للوعي بهذا الأمر من دور في إخراج الناس من ضيق المكان الذي يتحيزون فيه إلى فسحة العالم وما أتاحه من توافق في لاتجاه والسلوك، خرج بهم من وجهاتهم الخاصة المتصدعة، ووقاهم شر السقوط في التشتت وفقدان الوجهة التي يعيشها أغلب الأفراد اليوم. ولئن كان ما قدّمه طه عبد الرحمن حول موضوع الأخلاق عمومًا، وموضِع أخلاق الإسلام داخله، خصوصًا، ومدى قدرتها على أن تجعل من نفسها أخلاقًا للكون، يتصف بالجِدة ودقة التناول، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ههنا، والذي لم يغب عن ذهن هذا المفكر، بل استحضره في خطته التي رسم معالمها في معظم كتبه، والقاضية باستباق لانتقادات المحتملة والحجج المضادة والتفكير في صياغة أجوبة لها قبل أن تَعِنَّ لأصحابها، هو:
2. هل تقبل العقول الجديدة أخلاقًا مستندة إلى الدين الإسلامي؟
يُطلعنا الواقع اليوم على أن النظام القيمي الغربي يبسط نفوذه ويمارس هيمنته على الصعيد العالمي معتمدًا في ذلك على آليات عديدة (في مقدمتها وسائل الإعلام) في ترويج نفسه وجعلِ قيمه تتسرب بهدوء وانسيابية إلى سلوك الأفراد والمجتمعات ووجدانها في سائر أنحاء العالم، بينما يعرف النظام الأخلاقي الإسلامي في المقابل مشقة وعنتًا شديدين في الإعلان عن نفسه، وتقديم ذاته كنظام قادر على المساهمة الإيجابية في حل بعض المشكلات والأزمات الأخلاقية المستجدة. ولا يخفى أن محنته هذه هي، بكل تأكيد، جزء من محنة الفكر الإسلامي المعاصر الذي يلاقي صنوفًا من الحصار والتضييق، وضعَنا عبد الرحمن أمام ثلاث صور لها، نقف عندها باقتضاب فيما يلي: الحصار الأول خارجي، تقيمه القوى الخارجية المهيمنة على الإسلام، وتكمن أبرز تجلياته في تعمد هذه القوى الإساءة لهذا الدين، لإقناع العالم بأنه خطر حضاري يُروج قيمًا تخالف قيم الحضارة الغربية (الكونية)، ومن ثمّ وجبت محاربته أو في أقل الأحوال التضييق عليه وكبح توسعه. أما الحصار الثاني فهو داخلي، ويرتبط بمجمل أنواع التضييق التي تشمل دعاة رجوع الإسلام من داخل بلدانهم، إما بإيعاز من جهات غربية، وإما نتيجة التنافس على الزعامة بين الخاصة من دعاة العودة إلى الإسلام، وإما، أخيرًا، بفعل شرخ يحصل بين العامة والخاصة من أصحاب الدعوة ينتهي باتخاذ تدابير حصارية
رادعة. أما الحصار الثالث فهو من طبيعة ذاتية، بحيث إن الداعية نفسه هو من يضرب الحصار على ذاته باتباعه أساليب تحيد عن التنوير والتحرير في صورتهما الربانية، إما نتيجة تسييسٍ للدعوة، يقتل في النفس القيم الروحية ويستبدل مكانها قيمًا مادية تنظر إلى العاجل ولا تلتفت إلى الآجل. أو نتيجة
((6(المرجع نفسه، ص.166 ((6(المرجع نفسه، ص.167 ((6(المرجع نفسه، ص.177 ((6(المرجع نفسه، ص.178 ((6(المرجع نفسه، ص.179
أخذ الداعية بالعقل المجرد المستعار من الغرب وإهماله العقل المؤيد، الذي ينجم عنه تضييق لأفق الدعوة الإسلامية أو إخراجها إلى نقيض مقصودها. فهل نجزم بعد هذه التضييقات وهذه الأصناف من الحصار أن الإسلام بات مغلوبًا على أمره، وأن قيمه الأخلاقية ستجد صعوبة في الانتشار بين صفوف المسلمين أنفسهم فما بالك بغير المسلمين؟ أم أن في إمكان القيم الإسلامية أن تكون طرفًا فاعلً وفعالً في الحوار الأخلاقي المعاصر؟ لا يخفى على عبد الرحمن أن الحضارة الغربية تعيش أوج ازدهارها المادي، مثلما لا يغيب عنه أيضًا أنها تعيش، من جراء ذلك، فراغًا قيميًا مهولً، جعلها أشبه بجسد مثير وجذاب لكنه بلا روح، وهو
يعزو هذا الأمر إلى انحصار الحداثة التي تبنتها هذه الحضارة في عقلانية لا تتعدى التمسك بالأسباب الموضوعية للأشياء، ولا تتسع إلا لصنع الآلات ودر الأرباح. عقلانية جمادية لا أمل لديها في بلورة رؤية قيمية جديدة تعيد إلى العالم «الغربي»، في الأساس، روحه المفقودة، إلا ب لاعتماد على «عقل قيمي» ينتج من تفكير متعدٍ، لأن المعيّة الفكرية هي رهان المستقبل، والمستقبل، بحسب عبد
الرحمن، مفهوم ديني لا غبار عليه؛ إذ إن «الدين هو الذي علّم [الإنسان] كيف يخرج من حاضره إلى مستقبله؛ وعلى هذا، تكون الأخلاق الدينية هي بحق الأخلاق التي تورث الإنسان الكمال، لأنها أصل الوعي بالمستقبل»، مع تشديد عبد الرحمن على أن هذا التخلق الإنساني الذي يتجه إلى تحقيق الكمال الإنساني لا يتحقق إلا في الزمن الأخلاقي الإسلامي وحده. وبذلك يكون هذا المفكر قد رهن تحقيق الكونية الأخلاقية بتبني المنظور الأخلاقي الإسلامي دون سواه، وهو ما يشي بأنه ما كان همه منذ البداية أن يصل إلى كونية أخلاقية يفرزها التفكير المتعدي كما ذكر، وإنما كان هاجسه أن يجعل من الخصوصية الأخلاقية الإسلامية أخلاقًا كونية تبسط رداءها على العالم بأسره، من منطلق ألّ عقلانية أسمى من عقلانية الإسلام، وأنه «ليس في جميع الأمم، أمة أوتيت من صحة العقيدة وبلاغة اللسان وسلامة العقل مثلما أوتيت أمة العرب، تفضيلً من الله». كما أن عبد الرحمن ما كان يستهدف تحقيق الموضوعية في الأخلاق، بما هي، في معناها الأكثر شيوعًا، عملية تقوم على فصل الذات عن الموضوع، بقدر ما كان يرغب في رفع منظور ذاتي مؤطر بالتراث، ومحكوم برؤية مرجعية، إلى مرتبة أخلاق موضوعية. ولئن عُد هذا المنظور الذي يؤسس له طه عبد الرحمن تجديدًا، بل تطويرًا للرؤية الأخلاقية الإسلامية،
فإنه من الصعب الإقرار بإمكان أن تتخلص الكونية التي يصبو إلى تحقيقها من طابعها لاستشرافي
((6(المرجع نفسه، ص.180 (6((طه عبد الرحمن، روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإس مااية (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2006)، ص.43 ((6(المرجع نفسه، ص.60 ((6(المرجع نفسه، ص.88 (6((عبد الرحمن، سؤال الأخلاق، ص.162 (7((طه عبد الرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث، ط 4 (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2012)، ص.252
المأمول، لتأخذ طابعًا واقعيًا محصولً يسري على الأمم قاطبة. والسبب في ذلك، أن هذه الكونية هي
في حقيقة أمرها «كونية قومية» ترفض الكونية عندما يدعو إليها الآخر «غير المسلم» وتراها قاصرة، بل عاجزة عن الإيفاء بكل الشروط التي يقتضيها مفهوم الكونية، وتُقبِل عليها متى كانت كونية إسلامية، وهي مفارقة دفعت البعض إلى التساؤل: ما دامت «المسألة ليست حُكمًا عقليًا ومنطقيًا صارمًا يستطيع
أن يكون كليًا وعامًا وكونيًا، وإنما هو حكم إيماني يخص صاحبه، ولا شك، فلماذا نمنح الأفضلية
للإيمان كي يؤسس للكونية، ولا نمحنه للعقل أيضًا، وهل لمبدأ التفضيل مبرر فلسفي في أن يكون الإسلام هو الأصلح والأقوم، وليس دينًا سماويًا أو وضعيًا آخر»؟ لا يعدم عبد الرحمن الرد على هذه الأسئلة، وقد سبق أن كشفنا عن موقفه من العقل المجرد الذي بنت عليه الحضارة الغربية حداثتها، إذ عدّه عقلً ناقصًا يقف عند حدود النظر من دون أن يرفقه بالعمل الديني، كما أنه يُقدّم الجانب المادي على الجانب الروحي، ودعا إلى استبداله بالعقل المؤيد الذي
يزدوج فيه النظر بالعمل دائمًا، كما يرى أن صلاحية الدين الإسلامي وأفضليته على غيره من الأديان هما
مسألتان بديهيتان، بالنظر إلى أن هذا الدين هو الدين الخاتم و«كل دين يبقى الزمان زمانه إلى أن يُنسخ
بدين غيره، والإسلام دين ناسخ غير منسوخ» وراهنيته راهنية دائمة. إن إصرار عبد الرحمن على أن يجعل من خلفيته الدينية الإسلامية بداية حتمية في مناقشة مختلف القضايا الراهنة، بما في ذلك المشكلات الأخلاقية، يجعل الوصول إلى مشترك كوني في الأخلاق أمرًا صعبًا إن لم نقل متعذرًا، فهو ما انفك يردد في معظم كتبه، على نحو صريح ومن دون مواربة،
أنه غير مستعد لأن يناقش أي موضوع يهم الإنسان من خارج انتمائه الإسلامي، وهو يعجب ممن يدعي القدرة على الوفاء بتمام الحياد في بحثه لقضايا الإنسان أو يزعم التجرد كليًا من خَفِيّ أذواقه
ومخبوء أحكامه. وليت الأمر يقف عند هذا الحد، بل إننا أحيانًا نكاد نجزم أن كل ما يتوسل به عبد الرحمن من استداللت وحجج وبراهين، لا يعدو أن يكون تحصيلَ حاصل، هو أشبه ما يكون بتزكية موقف مقرر منه بالدفاع عن موقف محتمل، دليلنا على ذلك تصريحه في أكثر من مناسبة بأنه يضيق بما يمليه عليه الغير «ولو كان ما يمليه حقًا لا مراء فيه»، وتشبثه في المقابل بقناعة تقضي بأن الحق الذي لا نقف عليه بأنفسنا (نحن المسلمين) ينبغي أن نعدّه باطلً حتى نقف عليه. ويكاد هذا الأمر يدفعنا أحيانًا إلى أن نعدّه شخصًا متعصبًا لولا أن المتعصب، فيما يقول ناصيف
نصار، لا يحب المناقشة، وعبد الرحمن يجري إليها ولا يهابها، والمتعصب يجعل من رأيه عقيدة وعبد الرحمن ليس كذلك؛ لأنه يطرح رأيه للمناقشة ويرى أنه إذا ما تمكن أحد من تفنيده فهو لن
(7((ورد في: جلول مقورة، فلسفة التواصل في الفكر العربي المعاصر: طه عبد الرحمن وناصيف نصار بين القومية والكونية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2015)، ص.226 (7((طه عبد الرحمن، الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2005)، ص.15 (7((طه عبد الرحمن، روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012)، ص.16 (7((طه عبد الرحمن، فقه الفلسفة 2: القول الفلسفي، كتاب المفهوم والتأثيل، ط 2 (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2005)، ص.17 ((7(المرجع نفسه، ص.17
يتردد في التخلي عنه، وهو يجعل من لاعتناق وسيلة للإقناع، والحال أن عبد الرحمن يتوسل بالحجج والبراهين. ومع ذلك، لا يخامرنا الشك في أن الكونية المشتركة التي يدعو إليها عبد الرحمن هي في حقيقة أمرها خصوصية تتشوّف إلى أن تصير كونية بدعوتها الآخر إلى تبني قيمها ومبادئها، وفق قناعة مزدوجة، تحط من قدر الغير وترى أن أخلاقه لا تصلح لأن تصبح كونية؛ بسبب قصور العقل الذي قامت عليه وبسبب طبيعتها اللائكية، وترفع، في المقابل، من قدر الذات وتبالغ في الإعلاء من قيمتها ولسان حال صاحبها يقول: إن المسلمين ليسوا في حاجة إلى الآخر في «أمور اجتماعهم المادي والمعنوي لأن في موروثهم الثقافي والعَقدي والحضاري ما يشبع حاجاتهم الحاضرة والمستقبلية فيَسْتكفون به عن طلب
غيره من غيرهم». وتبعًا لذلك، يكون عبد الرحمن قد كشف عن تبنيه، من حيث قصد أو لم يقصد، ما سماه هو نفسه ب «الهوية الصماء» التي هي هوية تنشأ عن «النظر إلى الذات بعين الذات والنظر إلى الغير بعين الذات أيضًا».
عود على بدء: من تعددية الأخلاق إلى أخلاق التعددية
وبعد، أي سبيل نسلك وأي مقاربة نتبنى، لتحقيق «رؤية أخلاقية مشتركة» موضوعية وكونية تمثل تجسيدًا لمعية فكرية لا مناص منها في زمن السماوات المفتوحة، ونحن لا نصادف إلا رؤى متباينة متوترة، وسبلً لا تلتقي إلا لتفترق من جديد؟ بداية؛ لا بد من الإشارة إلى أن المنظورَين كليهما؛ الغربي (مجسدًا هنا في بتنام وهابرماس) والإسلامي (مجسدًا في طه عبد الرحمن) ينطويان على مؤشرات إيجابية مشجعة على بلورة رؤية أخلاقية مشتركة، كما ينطويان على مؤشرات سلبية تنسف كل تقاطع ممكن وتزرع الفرقة حيث تلوح بوادر لائتلاف. أما المؤشرات الإيجابية، فهي، على قِلتها، تبقى وازنة وفاعلة، لعل أبرزها ركون الطرفين كليهما إلى العقل حَكمًا في تدبير لاختلاف، واستعدادهما معًا لمناقشة دعوييهما وفق مستلزمات الحوار البناء القائم على الحجج والبراهين. وأما المؤشرات السلبية فيمكن رصد بعضها فيما يلي: في حين ينطلق الموقف الغربي في بلورته مشروعه الأخلاقي من منظور يرى في العقل قوة إدراكية واحدة يتسم بها كل إنسان، أيًّا كان جنسه أو مجتمعه، يرى غيره أن العقل يختلف ويتعدد من إنسان إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى ومن زمان إلى آخر، وهي مسألة ما فتئ عبد الرحمن يرددها في معظم كتبه، مؤكدًا أن العقلانية ليست نمطًا واحدًا، بل هي عقلانيات، بينها اختلافات وتحكمها مقامات،
((7(مقورة، ص.230 (7((عبد الإله بلقزيز، العرب والحداثة: دراسة في مقالات الحداثيين (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007)، ص.19–18 (7((عبد الرحمن، روح الحداثة، ص.157
تبدأ بالعقلانية المجردة في أدنى السُّلم لتصل إلى العقلانية المؤيدة في أعلاه. وقد تمخض عن هذا لاختلاف بين الموقفين، بخصوص مفهوم العقلانية، نتيجة كانت حاسمة في إذكاء نار الفرقة بين لاتجاهين، تجلت في رهن المنظور الغربي للعقل بعالم الظواهر المشروط بلزوم التجربة الممكنة؛ ما نجم عنه إلغاء أي طابع ميتافيزيقي أو لاهوتي في بلورته الرؤية الأخلاقية الكونية التي يطمح إلى تحقيقها في الواقع، اعتقادًا منه أن التعالي على العقل مهما كان لاسم الذي يأخذه، هو العلة في التشرذم الأخلاقي الملاحظ بين ساكنة المعمورة، وفي المقابل تشبث لاتجاه الإسلامي بعقلانية مختلفة ترى في الإيمان شرطًا لا غنى عنه في بلوغ كمال الإنسان والسمو بتخلقه. من جهة أخرى، لاحظنا أن الطرفين، وإن اتفقا معًا على أن الكونية المطلوبة في الأخلاق ينبغي أن تكون كونية سياقية لا كونية إطلاقية، اختلفا حول طبيعة هذه الكونية؛ فالمنظور الغربي يرى أن السياق، وإن كان ضروريًا كنقطة انطلاق في أي مناقشة تستهدف صلاحية كونية، لا تتأتى صلاحيته إلا بتجاوز السياقات المحلية نحو منظور أرقى، يمثل ثمرة نقاش تتبادل فيه الحجج بين الأطراف المعنية وفق شروط قبلية محددة؛ أما المنظور الإسلامي فيعتبر أن الكونية السياقية المطلوبة في مجال القيم ينبغي أن تجمع بين صفتين أساسيتين: «إحداهما أنها لا تقطع القيم عن أسبابها في مجالها التداولي الأصلي؛ والثانية أنها تفتح الطريق لكل ثقافة في أن تنقل إلى الثقافات الأخرى قيمًا من إبداعها، تاركة لها حق إعادة إبداعها وتلوينها بلون مج لاتها التداولية الخاصة». ومن ثمّ، فالمنظوران، وإن اتحدا حول عدم وجود حياد مطلق، واتفقا، مقابل ذلك، على أنه لا بد لكل انتقاد من اعتقاد، فإن المنظور الغربي يجعل لانتقاد أداة لتجاوز لاعتقادات المخصوصة نحو اعتقاد كوني مشترك، في حين يجعل المنظور الإسلامي من لانتقاد مطية للحفاظ على لاعتقاد، ولارتقاء به إلى مرتبة لاعتقاد الكوني الذي لا يضاهيه في ذلك أيّما اعتقاد. بيد أن ما سبق ذكره لن يثنينا عن لاعتقاد مع بتنام (ولهذا جعلنا من منظوره صلة وصل بين المنظور الطاهوي والمنظور الهابرماسي) أن القيم الرائجة داخل سياق ثقافي معين، في إمكانها أن تتسم بالموضوعية وترقى إلى الكونية إذا ما استهدفت صلاحيةً وصحةً تتجاوزان سقف السياق الذي يحضنها، بمعنى أنها في حاجة إلى ما يسميه بول ريكور بالتماسف الذي هو «اللحظة النقدية التي تبقينا داخل عالم سبقنا، أي تبقينا في انتمائنا، ولكنها تسمح لنا بالتواصل مع الآخرين عبر المسافة وبفضلها [...] وهو الشرط الذي يعصم الباحث من الوقوع في فخ المركزية الإثنية»، كما هي في حاجة إلى المحاجّة وإلى الفحص النقدي، بوصفها دعاوى كغيرها لا تحوز على أي أفضلية مسبقة. ولا يهم في ذلك أن تكون النظرية الأخلاقية ذات مضمون معياري مثلما هو الشأن مع النظرية الأخلاقية التي يتبناها طه عبد الرحمن، أو تكون نظرية إجرائية محضة كما هي حال النظرية الأخلاقية التي ينافح عنها هابرماس، بل المهم أن يتمكن صاحبها من تسويغها وتقديم المبررات الكفيلة بجعلها تحوز
((7(المرجع نفسه، ص.66 8(((بول ريكور، الذات عينها كآخر، ترجمة جورج زيناتي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2005)، ص.48
على إجماع الأطراف المتحاورة، في أفق بلورة عقلانية جدلية تستوعب العقلين الإسلامي والغربي وتتجاوزهما، مُسهمة بذلك في إنهاء حالة التقاطب بينهما، ومذكرة إياهما بأن «الطاقة الإنسانية المهتدية بالعقل اهتداء سليمًا، بالغة في النهاية الهداية نفسها التي يدعو إليها عقل الله بالوحي». وعلى ذلك، يكون الأوان قد حان لأن يدرك الجميع أن الواقع المعاصر أصبح يقتضي، أكثر من أي وقت مضى، تجاوز التعايش المتوتر، أو التآلف التلفيقي، وتبني التكامل الخلاق الكفيل بجعل البشر ينتقلون من مرحلة التنافسية الضيقة بين الدول أو بين الأعراق أو بين الديانات لاحتكار الهيمنة، إلى مرحلة التضامن والتعاون لبلورة تاريخ مشترك لساكنة العالم جميعًا، تتحول بموجبه التعددية الأخلاقية إلى أخلاق مشتركة تستوعب التعددية الملحوظة في واقعنا المعاصر، تنفتح فيها الذات على الآخر وتزيد من تحقيق إنسانية الإنسان.
References
المراجع
العربية
إبراهيم، زكريا. دراسات في الفلسفة المعاصرة. القاهرة: مكتبة مصر،.1968 ________. مشكلات فلسفية معاصرة 2: المشكلة الخلقية. القاهرة: مكتبة مصر،.1969 الأشهب، محمد. أخلاقيات المناقشة في فلسفة التواصل لهابرماس. الأردن: دار ورد،.2013 باومان، زيغمونت. الأخلاق في عصر الحداثة السائلة. ترجمة سعيد البازعي وبثينة الإبراهيم. هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، كلمة،.2016 بتنام، هيلاري. العقل والصدق والتاريخ. ترجمة حيدر حاج إسماعيل. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،. 2012 بلقزيز، عبد الإله. العرب والحداثة: دراسة في مقالات الحداثيين. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2007 ريكور، بول. الذات عينها كآخر. ترجمة جورج زيناتي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2005 صعب، حسن. الإسلام وتحديات العصر. ط 6. بيروت: دار العلم للملايين،.1983 عبد الرحمن، طه. تجديد المنهج في تقويم التراث. ط.4 بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،
________. روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2006
(((8 صعب، ص.176
________. روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2012 ________. الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،
________. الحوار أفقًا للفكر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2013 ________. سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2000 فيري، جون مارك. فلسفة التواصل. ترجمة عمر مهيبل. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2006 اللند، أندريه. الموسوعة الفلسفية. تعريب خليل أحمد خليل. ط 2. بيروت: منشورات عويدات،
مصدق، حسن. يورغن هابرماس ومدرسة فرانكفورت: النظرية النقدية التواصلية. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2005 مقورة، جلول. فلسفة التواصل في الفكر العربي المعاصر: طه عبد الرحمن وناصيف نصار بين القومية والكونية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2015 هابرماس، يورغن. القول الفلسفي للحداثة. ترجمة فاطمة الجيوشي. دمشق: منشورات وزارة الثقافة،
الأجنبية
Habermas, Jürgen. Morale et communication. Conscience morale et activité communicationnelle. Christian Bouchindhomme (trad.). Paris: Cerf, 1986. ________. De l’éthique de la discussion. Mark Hunyadi (trad.). Paris: Les Editions du Cerf. 1992. Putnam, Hilary. Ethics without Ontology. Cambridge and Massachusetts and London: Harvard University press, 2002. ________. Meaning & the Moral Sciences. Boston and London and Henley: Routledge/ Kegan Paul, 1978. ________. The Collapse of the Fact/value Dichotomy and Other Essays. Cambridge and Massachusetts and London: Harvard University press, 2002