في الميتا-بيوإيتيقا: نحو تأويل أنطولوجي وإيتيقي للوجود الجسدي للإنسان
On Meta-Bioethics: Towards an Ontological Interpretation and Ethic for the Bodily Human Existence
الملخّص
حاول هذا البحث إثارة الأبعاد الفلسفية والنظرية التي تثيرها المسائل المطروحة في مبحث البيوإيتيقا، وذلك انطلاقًا من فرضية أن النقاش البيوإيتيقي هو نقاش له أسسه الفلسفية والنظرية، ويستبطن في العمق رؤى أنطولوجية وميتافيزيقية وميتا-أخلاقية يرتكز عليها، بحيث يُمكّنُ استجلاؤها من الكشف عما يمكن تسميته بـ "ميتا بيوإيتيقا" أو "ميتافيزيقا بيوإيتيقية". ومن هذا المنظور فإن البحث يتعلق بتأويل فلسفي لعلاقة الإنسان بالتطور بالبيوتقني، ومسألة الماهية الجسدية للإنسان، والمنزلة الأنطولوجية والإيتيقية لهذه المسألة، والإشكاليات المرتبطة بها، والتي يطرحها أو يحيل عليها ضمنًا النقاش الفلسفي الراهن.
Abstract
Abstract: This paper tackles some of the ethical considerations related to the broad question of bioethics. Throughout the research, the assumption is made that bioethics is founded on clear philosophical and theoretical foundations and that discussions of bioethical questions can be informed by ontological, metaphysical and ethical bases. This allows the researcher to investigate these visions in terms of what can be referred to as «Meta-Bioethics» or «Metaphysical Bioethics». The paper concerns itself with the philosophical interpretation of the human relationship with evolution in biotechnologies and the physical nature of man. It is concerned also with the ontological and ethical status of biotechnological developments, and the associated problems, which are referred to or implied by the present-day philosophical debate.
- الأنطولوجيا
- أخلاق الحياة
- الميتافيزيقا
- التأويل
- Ontology
- Bioethics
- Metaphysics
- Hermeneutics
On Meta-Bioethics: Towards an Ontological
Interpretation and Ethic for the Bodily
Human Existence
مبحث البيوإيتيقا، وذلك انطلاقًا من فرضية أن النقاش البيوإيتيقي هو نقاش له أسسه الفلسفية والنظرية، ويستبطن في العمق رؤى أنطولوجية وميتافيزيقية وميتا-أخلاقية يرتكز عليها، بحيث
يُمكّنُ استجلاؤها من الكشف عما يمكن تسميته ب «ميتا بيوإيتيقا» أو «ميتافيزيقا بيوإيتيقية».
ومن هذا المنظور، فإن البحث يتعلق بتأويل فلسفي لعلاقة الإنسان بالتطور بالبيوتقني، ومسألة الماهية الجسدية للإنسان، والمنزلة الأنطولوجية والإيتيقية لهذه المسألة، والإشكاليات المرتبطة بها، والتي يطرحها أو يحيل عليها ضمنًا النقاش الفلسفي الراهن.
مقدمة
أصبحت العلوم البيولوجية تحتل اليوم مكانة إبستيمولوجية مهمة، تتمثل في تبوئها منزلة الريادة في الثورة العلمية المعاصرة. وقد وصلت إلى ذلك بفعل استثمارها لنتائج الثورتين الصناعية والإلكترونية اللتين نقلتاها إلى عصر البيوتقنية biotechnologie. وقد وفّرت هذه المكانة التي أعطاها العصر البيوتقني للإنسان القدرة على تفسير الحياة، والكشف عن أسرار الوجود، والعمل على التحكم فيهما، وتغييرهما على نحو يستجيب لرغبته. على إثر هذا التطور البيوتقني المذهل، برزت الحاجة إلى الفلسفة مُجددًا من أجل أن تتأمل هذا الواقع المستجد، وتكشف عن الرهانات التي تحيط بتطوراته، ومن أجل صياغة موقف إيتيقي نظري يُقوّم
الفعل، ويسدد السلوك إزاءه، والعمل انطلاقًا من ذلك على دعم موقف سياسي يوجه الفعل الإنساني، لمواجهة ما يفترض أن يخلفه هذا التطور ونحوه من لاكتشافات العلمية الجديدة من استغلال للإنسان، وهذا يؤكد أن الحاجة إلى الفلسفة قائمة باستمرار، إذ إن الحاجة «إلى الفلسفة اليوم إنما يمليها أيضًا الحاضر ومشاكله، والمستقبل وتوقعاته». من هذا المنطلق، فإن الفلسفة، من خلال مساءلتها لتقنيات البيولوجيا الطبية، ونتائجها على الإنسان؛ تعمل من منظور أفقين مزدوجين: الأفق الأول يعمل على تحديد نمط الوجود الخاص بالإنسان ومحيطه، وما يمكن أن يَكُوناه وقد أضحيا إمكانيتين تقنيتين لهما ضروبهما المختلفة. والأفق الثاني يعمل على صياغة موقف إيتيقي نظري يسعى إلى تأسيس مرجعية عملية للإنسان، في عصر تفككت فيه المرجعيات التقليدية الناظمة للفعل وللدلالة. سنحاول في هذا البحث تناول هذه الإشكاليات من خلال التطرق إلى مسألة الماهية الجسدية للإنسان في النقاش الفلسفي الراهن، والمنزلة الأنطولوجية والإيتيقية لهذا الإشكال.
أولا: طبيعة الإنسان: من ماهية الروح إلى ماهية الجسد
يبدو جليًا أن أمر تحديد طبيعة الإنسان يبقى على الدوام شأنًا فلسفيًا يستجد في كل عصر، وهو يُطرح
اليوم من جديد انطلاقًا من قدرة البيولوجيا الطبية على تغيير البنية الجسديّة للإنسان. فعلى الرغم من ثبات حصر تعريف الإنسان في بعده العقلي والروحي لفترة طويلة، فإن تجدد النقاش حول تعريفه مجددًا بسبب من إمكانية التغيير الجذري في ماهيته الجسدية؛ يعكس أن كلَّ التعريفات كانت محكومة برِهان فلسفة كلّ عصر، كما نبّه إلى ذلك نيتشه عندما قال: إن «أحكام الفلاسفة على الإنسان ليست في
الحقيقة سوى رأي في الإنسان مدىً من الزمان محدودًا جدًّا». تحيل الطبيعة الإنسانية هنا على كل الخصائص البيولوجية والفسيولوجية التي تميّز الكائن البشري،
وتمثّل خاصيّة وجوده الأساسية، ومن ذلك ما يراه جان فرانسوا ليوتار أننا باسم «الطبيعة يجب أن نضع
(((عبد الرزّاق الدواي، حوار الفلسفة والعلم والأخلاق في مطلع الألفية الثالثة (الدار البيضاء: المدارس، 2004)، ص.18 (((يوحنا قمير، نيتشه: نبي المتفوِّق (بيروت: منشورات دار المشرق، 9861)، ص 9.5
أيضًا كلّ مكونات الذات الإنسانية: نظامه العصبي، شفرته الجينية [...] وتنظيمه للحياة في جماعة»، بل هي بالضبط ما يتحدد كشيء وراثي كما ذهب إلى ذلك فوكوياما بقوله: إن «الطبيعة البشرية هي مجموع السلوك والخصائص التي تميز النوع البشري على نحو نمطي والنابعة من عوامل وراثيّة
وليست بيئية». لقد فتحت نتائج البيولوجيا الطبيّة جدلً واسعًا حول مسألة الطبيعة الإنسانية، وذلك بالنظر إلى أن
البيوتقنيات وضعت معنى وجود الإنسان موضعًا نظريًا جديدًا. فالسؤال الجذري المطروح هو: ماذا
سنفعل بوجودنا الإنساني في ظل الإمكانات الهائلة لتغيير البنية الجسدية والوراثية للإنسان؟ وما الذي تعنيه طبيعة الإنسان انطلاقًا من ذلك؟ وهل أصبحت طبيعة الإنسان متعلقة ببنيته الجسدية وليس فقط بقواه الروحية والعقلية والثقافية كما كان سائدًا من قبل؟ وإلى أيّ مدىً يمكن أن تكون هناك هويّة ثابتة
للطبيعة البشرية في ظل هذه المتغيرات؟ وهل أصبح من الممكن ومن المشروع الحديث عن «ما بعد الإنسان»؟ إن السؤال اليوم عن الإنسان لم يعد يستهدف البحث عن خصائص هذا الكائن فحسب، أو رصد المقومات التي تميزه أنطولوجيًا وأنثروبولوجيًا بوصفه كائنًا ذا هوية ثابتة؛ يراد استكشافها أو حصرها،
وإنما أصبح سؤالً ذا وضع مخصوص يتعلق بالسؤال عن الماهية أو الماهيات المحتملة، التي يمكن أن تصبح للإنسان، على ضوء إمكان تغيير طبيعته إلى أنواع شتى. وفي سبيل ذلك أصبح من غير الممكن أن يُفصَل المُشكل الأنثروبولوجي عن بُعْدَيْهِ الإيتيقي والأنطولوجي، والسؤال: ما الإنسان؟
هو سؤال ميتافيزيقي وأنثروبولوجي، وقد أصبح مُشْكلً وذا أبعادٍ عملية وأخلاقية. إن التقنيات البيوطبية، وفي افتراض ما يمكن أن تقوم به مستقبلً، فرضت إعادة النظر في مفاهيم «الطبيعة الإنسانية»، ومُشكل «الهوية البشرية». وبفعل ما أحدثته من تدخلات على بنية الإنسان، وبفعل
قدرتها على لاستجابة في هذا المجال للخيال العلمي وفضول العلماء؛ أصبح في الإمكان ظهور تغيرات فجائية في النوع الإنساني، فما يشكل جوهر بشرية الإنسان أصبح في الإمكان تنويعه إلى الأبد. وقد أكد إنغلهارت Engelhardt في هذا الصدد أنه قد «اتضح أن طبيعتنا ناتجة عن الصدفة [...] ومنذ أن أصبح الطب والبيولوجيا الطبيعية بشكل متزايد وسَائِلَ لتعديل وإعادة صياغة الطبيعة
البشرية؛ صرنا مَعْنيِينَ ليس فقط بما يجب أنْ نصير إليه، وإنما بالطّريقة التي يمكن لنا بوساطتها أن
نعدّل من أنفسنا. مثل هذا لاختيار يضمن قيمًا أخلاقية وجمالية وغيرها [...] وكذلك رؤى حول ما
هو طبيعي وغير طبيعي [...] (و) سوف تتنامى قدرتنا على إخضاع الطبيعة البشرية والتلاعب بها وفقًا لأهداف موضوعة بوساطة أشخاص».
(((سمية بيدوح، فلسفة الجسد (تونس: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2009)، ص.109 (((فرانسيس فوكوياما، مستقبلنا بعد البشري: عواقب الثورة التقنية الحيوية، ترجمة إيهاب عبد الرحيم محمد (أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث لاستراتيجية، 2006)، ص 65.1 (((لوك فيري، الإنسان المؤله أو معنى الحياة، ترجمة محمد هشام (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2002)، ص.145 (((جيلبر أوتوا، «العلم التقني بين رهاب التكنولوجيا والولع بها»، ترجمة أنور مغيث، في: إيف ميشو: ما الحياة؟ ج 1 (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2006)، ص.319
فالتطبيقات البيوطبية الجديدة والمتعددة تمكّن عند الضرورة من القيام تقنيًا بتغيير طبيعة البشر جسديًا
وسلوكيًا، سواء كان ذلك على مستوى تكوينهم الفعلي، أو في تركيبتهم واستعداداتهم الوراثية،
وذلك لقدرتها على خلق جسد بشري وفق مواصفات عضوية غير معهودة؛ تعمل على تجاوز القول بأحادية البعد الطبيعي للجسد البشري، وإظهار البعد التقني المتعدد في بنيته. وهذا يعني تغيُّر القدَر
الأنطولوجي الذي كان يفصل بين نظامَي الإنسان والأشياء، وبين نظامَي الطبيعة والصناعة، لأنَّ «الحدود بين الطبيعة التي هي «نحن» والجهاز العضوي الذي نعطيه له قد تلاشى». ويُظْهِرُ هذا الأمر أن فلسفة اليوم في استشكالها لماهية الإنسان غدَتْ متعلقة أكثر بما ينبغي أن
يكونه الإنسان أكثر مما هو كائن، لكن مطلب ال «ما ينبغي» في هذا المستوى لا يتعلق فقط بالبعد القِيَمي الذي يعني ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان إيتيقيًا، وإنما يعني ما يتعلق بالبعد الأنطولوجي
والفسيولوجي الذي يجب أن يكون عليه الإنسان في وجوده الواقعي، أي في طبيعة وجوده الجسدي المُبْتغَى والمقبول أخلاقيًا وجماليًا. أي أنّ لاستشكال يستهدف البحث في ما يجب أن يكون عليه هذا
الكائن البشري لا في قِيَمهِ الأخلاقية والسلوكية كما كان فحسب، وإنما في ما يتعلق بقوَامِه الجسدي،
وبالهيئة المورفولوجية التي ينبغي أن يكون عليها، أو ما ينبغي له أن يتصف بها. إن تَغْيير الهوية النوعية للإنسان يعكس أن التقنيات البيولوجية طرحت بقوة تغيُّر علاقة الإنسان بجسده
وعقله، وذلك بتحويل الفعل العفوي للطبيعة الحيَّة إلى ممارسة تقنية؛ ما يخلخل التصور التقليدي
لمفاهيم «الخَلْق» و«تكاثر الكائن الحي»، وكذلك مفاهيم «العائلة» والعلاقات لاجتماعية. ويظهر هذا التغيُّر في بُعدين أساسين هما: البعد الفيزيائي – الأنطولوجي في شكل الوجود الجسدي والأساس
الأنطولوجي لذلك، والبعد لاجتماعي في شكل الهوية الثقافية، وارتباط ذلك بأساسها البيولوجي الوراثي. في مستوى أول؛ إنّ فرضية القدرة البيوتقنية على خَلْق جسد جديد أو تغيير تشكيل الجسد المعهود، وإعادة بناء شكله الخارجي والداخلي (من خلال تقنيات لاستنساخ، وتقنيات التجميل، وتقنيات صناعة الأعضاء وزراعتها، وتقنيات التحوير الجيني وإعادة ترتيب البنية الوراثية... إلخ)؛ تعني القدرة على «إزالة كل الفروقات التي تخلق روعة الأفراد العشوائية»، فضلً عن القدرة على خَلْقِ نوع بشري مُهجَّن مختلف في هويته النوعية البشرية عن النوع البشري المعهود، وتُمَثِّل تقنيات التكاثر بأشكالها المتعددة (الإنجاب المساعَد فيه طبيًا ولاستنساخ... إلخ)، وتقنيات التحكم (التحكم في الجهاز
العصبي) أكبر مدخل لهذا التغيير النوعي في الهويّة الطبيعية للبشر، فهذه التقنيات تثير غموضًا جوهريًا حول الحقيقة النهائية لطبيعة الوجود الإنساني، وماهيّته الجسدية والعقلية ولاجتماعية التي كانت
له منذ أن وجد بوصفه إنسانًا، وما يُمكن أن تكون عليه مستقبلً، وذلك بالنظر إلى ما تسمح به هذه التقنيات من تأثير في الإرادة والوعي المميزين لطبيعة الإنسان.
(((يورغين هابرماس، مستقبل الطبيعة الإنسانية: نحو نسالة ليبرالية، ترجمة جورج كتورة (بيروت: المكتبة الشرقيّة، 2006)، ص.20
(((جان بودريار، المصطنع والاصطناع، ترجمة جوزيف عبد الله (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008)، ص.174
وفي مستوى ثانٍ؛ إن تحول الإنجاب إلى تكاثر تقني غيَّر الماهية الجنسية للإنسان، فغيّر مفاهيم
اجتماعية مثل مفهوم العائلة والعلاقات القرابيّة، بزعزعته أسس هذه العلاقات القرابيّة، وهذا يعني
تغيير هوية الإنسان لاجتماعية والثقافية، وهي الهويّة التي شكلت خلفية ما يلائمها من نظم اجتماعية
وسياسية، وأيُّ تلاعب فيها سينجم عنه خلل في ذلك البعد لاجتماعي والسياسي، «فالطبيعة البشرية
مع الدين هما ما يحدد أهم قِيَمنا الأساسية، لذا فإن أيَّ تكنولوجيا لها القدرة على إعادة تشكيل ما نكونه
ستقود إلى عواقب وخيمة بالنسبة للديمقراطية اللّيبرالية، وبالنسبة لطبيعة السياسة ذاتها». هذه التحولات مجتمعةً تعني أن الثورة البيوتقنية وضعَتْ نهايةً لما كان أنصار المذهب الطبيعي
يسمونه ب « لاقتصاد الطبيعي، أي فكرةُ نظامٍ للطبيعةِ قائم منذ الأزل بالحكمة الإلهية [...] وقد كان هذا ‘ لاقتصاد الطبيعي’ يشكل جزءًا أساسيًا من ‘اللاهوت الطبيعي’ السائد يومئذ، والذي كان بوصفه
لاهوتًا مسيحيًا جيدًا يقيم الإنسان في قمة سلم الكائنات المخلوقة». وإذًا، فإن تغيير الهوية النوعية
الطبيعية (الجسدية والعقلية) ولاجتماعية؛ هو أمر يهدد مستقبل الإنسان، لأن تغيير الطبيعة البشرية سيدفع بالإنسان «إلى مرحلة ما بعد البشرية من التاريخ». على إثر هذا التدخل التقني البيولوجي في طبيعة الإنسان ظهرت أطروحة ما صار يعرف بنزعة «ما بعد الإنسانية» Post-humanité. وهي أطروحة تعني عند بعض الفلاسفة أنه أصبح في الإمكان تصور الإنسان على نحو جديد في شكل وجوده، فما تتيحه التطورات العلمية المعاصرة الفعلية والمحتملة وخاصة في مجالي البيولوجيا والكوزمولوجيا من قدرة على تغيير الطبيعة المعهودة في الإنسان والحياة في كل المستويات؛ هو من جملة «ما من شأنه أن يشرّع للحديث عن ‘ما بعد الإنسان’، سواء بوصفه
صيرورة بيولوجية (ما بعد الإنسان البيولوجي)، أو بوصفه كائنًا مستنسخًا بلا تاريخ أو قِيَم، أو بوصفه
صيرورة إيتيقية (ما بعد الإنسان إيتيقيًا)، أو بوصفه مشروعًا طامحًا للعيش ضمن كوكب غير الأرض،
أو بوصفه أيضًا احتمالً مفتوحًا على الزوال (الكائن ما بعد الإنسان»). وتؤكد هذه الأطروحة حول الإنسان واقع أن الثورة البيولوجية «لا تغيّر ذواتنا الفسيولوجية فقط، وإنما تغيّر طريقة تفكيرنا في أنفسنا
وفي الآخرين» كما عبر عن ذلك ليغر Legre. يتم النقاش في الفلسفة البيوإيتيقية حول مسألة الطبيعة البشرية من منظورين مختلفين: ينطلق أحدهما من القول بوجود طبيعة إنسانية ثابتة، ويدافع عن واجب الحفاظ عليها كما هي معهودة، من منطلق حق الإنسان في «طبيعة ثابتة» (هانس يوناس ويورغين هابرماس). وينطلق المنظور الثاني على عكس ذلك
(((فرانسيس فوكوياما، نهاية الإنسان: عواقب الثورة البيوتكنولوجية، ترجمة أحمد مستجير (القاهرة: سطور، 2002)، ص.34 1(((دومنيك لكور، فيم تفيد الفلسفة إذن؟ ترجمة محمد هشام (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2011)، ص.248 (((1 المرجع نفسه، ص.31 1(((عائشة الحضيري، « ما بعد الإنسان »، في: علي عبود المحمداوي (مشرف)، خطابات ال «ما بعد»: في استنفاد أو تعديل
المشروعات الفلسفية (الرباط: دار الأمان، 2013)، ص.34 (((1 ناهد البقصمي، الهندسة الوراثية والأخ قاا، سلسلة عالم المعرفة، العدد 741 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 9931)، ص.82
من القول بعدم وجود طبيعة بشرية ثابتة، ويدافع عن حق الإنسان في البحث عن «طبيعة مناسبة» وفق رغبته، والعمل على اكتساب نوع تلك «الطبيعة» التي يريدها (بيتر سلوتردايك، وإنغلهارت، وأوجين فينك). وقد طُرح هذا الإشكال باختلاف سابقًا مع جورج كانغليهم وأوغست كونت. وكان كونت من الذين يرون «أن الطبيعة البشرية محددة مسبقًا في البنية أو التركيبة البيولوجية للإنسان، وتجد التعبير الأمثل عنها في الحياة لاجتماعية، فيما ذهب كانغليهم إلى لاعتقاد بعدم وجود حقيقة أو طبيعة بشرية مسبقة لدى الإنسان، وإنما سيرورة الحي الإنسان ومآله المتجدد نتيجة حواره ونزاعه المستمر مع الوسط؛ الذي يخلق فيه في كل مرة قوى وملكات جديدة، ولذلك يبقى بحسبه كل تعريف للإنسان ظرفيًا ومؤقتًا أو هو مؤجل». وفي إطار رؤية الفريق الأول يرى هابرماس أن البيوتقنيات ومن خلال التعديل الوراثي تمسّ في
الصّميم قضايا «هويّة الإنسان النوعية»، وذلك بمسّه فهم الإنسان عن نفسه من حيث هو كائن ذو «هويّة نوعيّة» ثابتة. وفي إطار «أخلاقية النوع البشري» يؤكد هابرماس أن «الهويّة النوعيّة» تعني أن «الإنسان
هو الإنسان بالرغم من كلّ التصورات الحضارية المختلفة عنه». ولكي لا يقع في دوغمائية محافظة يستدرك بإظهار اشتراطات للقول بوجود هويّة نوعيّة ثابتة، وذلك من خلال التنبيه إلى أن لاختلاف بين
الإنسان البدائي والإنسان الحديث يُبَيِّنُ أن الإقرار بأن للإنسان طبيعةً بيولوجية قارَّة ضربٌ من الهذيان؛
ما يعني أنه «لا يتوجه نحو تقديس طبيعة معينة للإنسان، ولكن تدفعه الحاجة إلى قانون يقي من العبث بالمحتويات البيولوجية للإنسان المتعارف عليها». في نفس المعنى يذهب هانس يوناس إلى أن ما يجب أن يتم في أخلاقيات البيولوجيا هو منع كل التحويرات العضوية والوراثية التي يمكنها أن تمسَّ صورة الإنسان، لأن ما هو موضوع رهان في نظره
الآن هو طبيعة الإنسان ذاته وصورته اللتان أصبحتا مهدَّدتين، وهذا يستلزم مسؤولية جماعية للمحافظة على النوعية البشرية. هذا الموقف الفلسفي المحافظ يوافق من حيث الهدف موقف الرؤى الدينية التي توجِبُ «الحفاظ على الطبيعة وعدم التعدي عليها أو التدخل فيها، لأن ذلك ينطوي على تدخل
في المشيئة الإلهية». ومن الفريق الثاني؛ يرى سلوتردايك أن ليس للإنسان من حيث هو إنسان «هويّة نوعية» محددة وثابتة، لكونه محض «إمكان مفتوح». ويرى إنغلهارت أن الشخص لا يتحدد بشكل فيزيائي معين مثل الجسد على سبيل المثال، أو بالشكل الإنساني الخاص بأعضاء النوع البشري. ولهذا السبب فإن الشخوص
(((1 رشيد دحدوح، إبستمولوجيا العلوم الطبية والبيولوجية عند جورج كانغي ماا (الجزائر: ابن النديم للنشر والتوزيع، 2013)، ص.574–573 (((1 محمد الشيخ، «في طبيعة البشر: المجادلة بين هابرماس وسلوتردايك»، في: محمد المصباحي (تنسيق)، فلسفة الحق عند
هابرماس (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2008)، ص.59 1(((حسن المصدق، «يورغن هابرماس ورهانات مستقبل الطبيعة الإنسانية»، في: خطابات ال «ما بعد»، ص 31.2 (1((بيدوح، ص 110 (((1 عادل عوض، الأصول الفلسفية لأخلاقيات الطب (الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة، 2011)، ص.226
والجماعات المكونة بحرية يمكنها تمامًا جعل الأجساد البشرية موضوعات، وتقوم بتعديلها لمصلحة أفراد يقبلون مثل هذه العمليات بل يطالبون بها. في خضم الموقف الرافض لوجود طبيعة ثابتة للإنسان، «عبّر العالم البيئي بول إيرليخ عن أمله في أن
يهجر الناس الحديث عن الطبيعة البشرية تمامًا وإلى الأبد، نظرًا لكونها مفهومًا غير ذي معنى».
ويفسر هذا لاتجاه عمومًا موقفه بالقول إن المظهر الخارجي والملامح الجسدية للإنسان، وحتى حالته النفسية والسلوكية، هي أمور تتشكل بفعل تأثير البيئة، وليس بسبب التركيبة الوراثية. بناء عليه، فإنَّ ما يؤكده عادةً مؤيدو مفهوم الطبيعة البشرية ليس أمرًا محتومًا. ويصدر موقف هذا لاتجاه عن تقليد
فلسفي لا يعترف بماهية ثابتة للإنسان، ومن أشهر تلك المواقف الفلسفية موقف جان بول سارتر الذي يرى أن الوجود يسبق الماهية، وأن «لا وجود لطبيعة إنسانية». وتستند هذه لاختلافات في فهم طبيعة الإنسان على اختلاف أعمق حول ما هو «طبيعي» عمومًا في الإنسان وفي الطبيعة من حوله، فالسؤال يُطرح هنا حول ما إذا كان من الممكن أن يُعدَّ ما هو طارئ على بنية الإنسان المعهودة أمرًا طبيعيًا أم لا؟ وهل يمكن وصف ما هو حيوي بالصناعي أم لا؟ وهل
يمكن تسجيل براءة لاختراع في المجال البيوتقني أم لا؟ وعلى نحو عام ما الذي يميز الصناعي عن الطبيعي؟ إن محاولة تمييز الفرق بين الطبيعي والإبداعي وبين الخَلقي والصناعي وبين الطبيعي والثقافي وبين الأصلي والطارئ، ليست جديدة في الفكر الفلسفي؛ فقد كان هذا موضوعًا فلسفيًا منذ أن تم عرضها
في محاورات أفلاطون. تنقسم وجهات النظر فلسفيًا حول تحديد ما هو «طبيعي» بين اتجاهين: أحدهما طبيعي والآخر ثقافي.
ولاتجاه الطبيعي يقوم على نظرة محافظة ترى أن الطبيعي بما هو نتيجة للفعل العفوي والبريء للطبيعة أو بما هو خَلْقٌ من الله بالتعبير الديني، يختلف جذريًا عن غير الطبيعي الذي تدخل في عمله الممارسة الإنسانية، ذلك لأن هناك فرقًا كبيرًا في الدرجة والنوع بين الطبيعي والصناعي يفصل بينهما أنطولوجيًا
وأخلاقيًا، ويعطي منزلة وجودية أشرف وأهلية أخلاقية أرفع للطبيعي على الصناعي. ويذهب هذا لاتجاه
المحافظ المُؤكِد قيمة الطبيعي أنطولوجيًا وأخلاقيًا إلى إدانة كلِّ توجهٍ يحاول المساواة بين الطبيعي
والصناعي، ويحاول محو الفوارق بينهما نظريًا وعمليًا وتطبيقيًا. ولهذا السبب يرفض هابرماس الممارسة
التقنية التي تعمل على إخفاء الحدّ بين الطبيعة والأداة العضوية التي يصنعها الإنسان. وهو الموقف نفسه الذي تتبنّاه مواقف دينية ترى أن هذا الموقف يفرضه إيمان بواجب المحافظة على خَلْقِ الله.
(1((أوتوا، ص.321 (2((فوكوياما، مستقبلنا بعد البشري، ص.165 (2((جان بول سارتر، الوجودية منزع إنساني، تعريب محمد نجيب عبد المولى وزهير المدنيني (تونس: دار محمد علي الحامي للنشر، 2012)، ص.31 ((2(هابرماس، ص 2.3
يحاول لاتجاه الثقافي أن يعطي مكانة للصناعي إلى جانب الطبيعي، من خلال إعادة لاعتبار إلى الآلة والصَنعة، والنظر إلى التقنية كبُعْدٍ من أبعاد الثقافة التي تسمح للفرد أن يحقق طبيعته الإنسانية.
وقد ذهب سلوتردايك إلى أهمية ذلك، وبيّن في هذا المجال أن ازدراء الصنعة في الثقافة التقليدية،
و « الخوف من التقنية في ثقافتنا» يؤديان إلى «إحياء البرامج الدينية القديمة القائلة بالخَلق (لا يخرج من بين يدي خالق كامل إلا خَلقٌ لا عيب فيه) المعادية للصنعة المنتجة لبناءات مفتعلة، وليس ثمارًا طبيعية». من وجهة نظره، فإن ما هو صُنْعيٌ لا يقل منزلة أنطولوجية ولا جدارة أخلاقية عما هو
طبيعي، لأنه لا فرق بينهما في الجوهر؛ أو لنقل لا وجود للجوهر، لأن «التقنية ذاتها تبدَّلَتْ وما عادت تُضادُ الطبيعة allotechnique ’ l، وإنما صارت تتَشبَّهُ بالطبيعة homéotechnique ’ l. والمشكلة أننا نحيا
اليوم حياة تقنية ونفكر بطريقة مختلفة عن فهم التقنية. فالهنات الصُنعية أو الصنعيات أمور مستهجنة الوجود غير مشروعة الحضور». يرى الفيلسوف الطبيب الفرنسي فرانسوا داغوني أنْ «لا وجود لشيء طبيعي حقًا، وما يبدو لنا طبيعيًا
هو في أكثر الأحيان اصطناعي»، لتدخل الإنسان في الطبيعة على مرّ التاريخ، وإذًا، فإنَّ الحديث عن
الطبيعة ليس إلا «أيديولوجيا لدى البعض من أجل إدانة التغييرات». ويُبَرِّرُ داغوني هذا التصور
بالقول إن المدرسة الثقافية أثبتت «أن الطبيعة أسطورة»، وأن «الإنسان يُعرّف بقدرته الخلاّقة على تغيير
كل شيء، وعلى تجديد كل شيء، وعلى إعادة تركيب كل شيء»، ومن ثم، فإنَّ الذين يسعون إلى الحد من هذه الشجاعة باسم الطبيعة والمحافظة عليها «يخوضون معركة خاسرة مسبقًا». وتنسجم هذه النظرة مع ما يريده العلماء من تأكيدهم أن القول ب «كمال الخَلق» هو مضمون أسطورة «لا تكف البيولوجيا عن الوقوف في وجهها، منذ اللحظة التي قاطعت فيها اللاهوت الطبيعي». إن هذين الموقفين المتناقضين حول «الطبيعة البشرية»، وحول ما هو «طبيعي» عمومًا، يَرْشَحانِ في
العمق عن نظرتين مختلفتين هما: نظرة تقليدية تنسجم مع التصور الديني في معناه العام، فالطبيعي فيها هو ما يتفق دومًا مع إرادة الله، وهذه هي الرؤية التي يتبناها أصحاب المواقف الدينية والرؤى الفلسفية المحافظة. أما النظرة الثانية فتنسجم مع النظرة الدنيوية بما هي نظرة متحررة من الأفكار الدينية والتقليدية، إذ تؤكد أن طبيعة الإنسان لا تتحدد إلا عندما يمارس قدرته على لابتكار. ويمكن القول إن الموقف الديني والفلسفي المحافظ ينطلقان من الطبيعي، بينما الموقف الدنيوي ينطلق من الثقافي. وانطلاقًا من هاتين النظرتين حول الفرق بين الطبيعي والصناعي ترسم الفلسفة البيوإيتيقية في اتجاهات
((2(الشيخ، ص.58 ((2(المرجع نفسه. (2((كاترين هالبرن، «فرانسوا داغوني، التّفكير في الحيّ، حوار مع الطّبيب الفيلسوف فرانسوا داغوني»، ترجمة المنتصر الحملي،
في: رجاء بن سلامة (محررة)، البيوطيقا (دمشق: دار البتراء للنشر والتوزيع، 2010)، ص.127 ((2(داغوني، ص.127 (2((كلود دوبرو، الممكن والتكنولوجيات الحيوية، مقالة في فلسفة العلوم، ترجمة ميشال يوسف (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، د.ت.)، ص.31
(28) Patricia Palermini, Misère de la bioéthique (Bruxelles: éd Labor espace de liberté, 2002), p. 83.
مختلفة رؤاها ومواقفها من القضايا المطروحة حول الإنسان بفعل التطور البيوتقني، وما يرتبط بذلك من تصورات أنطولوجية وإيتيقية وأخلاقية.
ثانيًا: الوجود الإنساني: من الجسد الطبيعي إلى الجسد الصناعي
توحي كل التصورات الفلسفيّة والدينيّة والثقافيّة حول الجسد بوضعية المكانة الثانوية الممنوحة للجسد
في الفكر الديني وفي الفلسفة وتاريخها أنطولوجيًا وإبستيمولوجيًا وأخلاقيًا. أي أنهما كانا يقومان على
إقصاء الجسد من مركز اهتمامهما وجعله أمرًا ثانويًا. منذ الفلسفة الأفلاطونية؛ قسمت الفلسفة المثالية الوجود الإنساني تراتبيًا إلى بعدين هما: الروح
والجسد. وأعطت الأولوية للروح على الجسد أنطولوجيًا ومعرفيًا وأخلاقيًا؛ ففي المستوى الأنطولوجي
إن وجود الروح هو الأسبق على وجود الجسد، مثلما هو أبقى لخلوده وفناء الجسد. وهذا الشرف الأنطولوجي يتأكد أيضًا بالنظر إلى الطبيعة والأصل الإلهيين للروح، خلافًا للأصل والطبيعة المادية والأرضية للجسد، «فالروح على أشد ما يكون الشبه بالإلهي وبالخالد وبالمعقول وبذي الصورة الواحدة وبغير المتحلل، وبغير المتحول، والجسد على أشد ما يكون الشبه بالإنساني وبالفاني وبغير المعقول وبذي الصور المتعددة وبالمتحلل وبالمتحوّل». لقد أولت الفلسفة المعاصرة الجسد مكانة خاصة، ورفعت من قيمته الأنطولوجية بأن جعلته ينتمي على نحو مزدوج إلى عالم الذات والموضوع، وذلك على نحوٍ يقيم الترابط والتعالق المتساوي بين ما هو روحي وجسدي. فذهب ميرلوبونتي مثلً إلى تجاوز الثنائية بين الجسد والنفس «بواسطة فهم يجعل الوعي (النفس) ليس منفصلً عن وجوده الجسدي، فساوى بين الوجود الإنساني والجسد الذي يجد هذا الوجود نفسه متجسدًا فيه». وفي مستوى آخر، تتجلى المنزلة الأنطولوجية والأخلاقية للجسد من خلال العلاقة بين الجسد ونفسه انطلاقًا من التمييز بين نوعين منه هما: الجسد الطبيعي والجسد الصناعي، وما يترتب على ذلك من منزلة للجسد الصناعي من حيث طبيعته وغاياته وقيمته ثم أخلاقيات التصرف فيه، وذلك بالنظر إلى أن الرغبة في الحصول على صورة جسدية مُرضِيَة دفعت إلى العمل على استبدال الجسد الطبيعي
بآخر اصطناعي، لتلبية طموح الفرد في إطار ما يعرف ب «حضارة الجسد»، لأنَّ الصورة الجسدية التي يصنعها المرء لنفسه انطلاقًا من متطلبات المعايير لاجتماعية والثقافية هي التي أصبحت تحكم الشكل المرغوب للجسد. ويرجع هذا إلى أنه لم يعد للجسد في هذا التصور نمط واحد مقبول لدى الجميع، إذ «لم يعد هناك ‘شكل جيد’ كونيًا ينطبق على جميع الأفراد، بوصفه طبيعة أو بوصفه علامة الصحة،
(2((حبيب الشارني، فكرة الجسم في الفلسفة الوجودية، ط 2 (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2005)، ص.219 3(((علاء مصطفى أنور، علاقة الفلسفة بالعلوم الإنسانية دراسة في فلسفة ميرلوبونتي (القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1994)، ص.32
لأن الحدود بين المعياري والمرَضي أصبحت نسبية». ولهذا فإن إنتاج جسد مثالي؛ صحيًا [وجماليًا]
يستند على نحو ما إلى الإنتاج التقني المساعد للجسد البشري خاصة في صحته. إنَّ ثقافة لاستهلاك قد رافقها نمط جديد من ثقافة رفض الجسد، باعتباره حملً ثقيلً يجب التخلص منه، لكن هذا الرفض الجديد للجسد ليس هو ذلك الرفض الذي كان يتمُّ في الماضي باسم الحقيقة
والفضيلة، وإنما يتمُّ باسم السلطة ومؤسساتها الضبطية وباسم الحرية الفردية ونزواتها الإستاطيقية.
فضبط «الجسد والسيطرة عليه يتم من خلال العناية بالجسد التي تعمل على إعادة تصميم مظهره؛ عبر الأنظمة الغذائية والتمارين البدنية والجراحة التجميلية [...] فالجسد يجب أن يكون سليمًا ورشيقًا
وجميلً ومرغوبًا ومغريًا. وهكذا، ووفق هذه الخلفية فإنَّ الجسد المُعْتنَى به ليس فقط رمزًا للجمال
الجسمي، لكن [هو] أيضًا خلاصة النجاح لاجتماعي والسعادة والكمال». وهكذا فإنَّ الجسد المصطنع أيْ الجسد المُجمَّل يُمْنح قبولً ومنزلة أعلى من منزلة الجسد الطبيعي. في إطار لاهتمام الكبير بصناعة الجسد وإعادة تشكيله، فإن الجسد الصناعي لم يعد ذلك الجسد الذي يحافظ على تماهيه مع الجسد الطبيعي بنيةً وشكلً فحسب، وإنما الجسد الأمثل أصبح ذلك الجسد الخارج عن المألوف في الجسد الطبيعي، من خلال ما يظهر به من نماذج وأوصاف، وهذا الجسد الصناعي هو تجسيد لثنوية الجسد الجديد بين الطبيعي والخيالي. وقد أطلقت دونا هاراوي على هذا النمط الجسدي اسم ال «سيبورغ» Syborg، والذي هو عبارة عن مخلوق وهمي في الخيال العلمي مكون من الدمج بين الإنسان والآلة والرقمية، وجعلت منه أداة تسمح لها بطرح نظرية جديدة حول الجسم. يتحالف الخيال العلمي في هذا المجال مع الفنَّيْن التشكيلي والسينمائي المعاصرين اللذَيْن جعلا من
الجسد غرضًا فنيًا جاهزًا، وقادرًا على عرض هويته الصُنْعِيَّة الجديدة التي لا تخضع لقرارات الطبيعة،
ولا للمصادفة أيضًا، «وفي هذا الصدد اتجهت الرسامة الفرنسية أورلان Orland إلى إظهار أن الجسد الذي أنتجته الطبيعة أصبح مهجورًا، لأن كل فرد له الحق بتعديل جسمه، وبأن يفرض على العِلْم الهوية
التي يَختارُها»، كما قدمت سينما ديفيد كرونينبرغ مثالً آخر ل «الجسد المُتحَوِلِّ»، من خلال دمج
الإنسان والآلة، «أي إضافة أشياء إلى الجسد حيث تندمج الآلات مع الأعضاء، فتتحول الأعضاء إلى آلات وبالعكس». هكذا، فإن منزلة الجسد أصبحت أكثر حضورًا من ذي قبل، بسبب التحولات الثقافية والحضارية، كما
(31) Gilbert Hottois, Essais de philosophie bioéthique et biopolitique (Paris: Vrin, 1999), p. 65. (32) Bruno Cadore, L’expérience bioéthique de la responsabilité (Montréal: Fides, 1994), p. 72
(((3 ميشيلا مارزانو، فلسفة الجسد، ترجمة نبيل أبو صعب (بيروت: مجد، 2011)، ص.26
(34) Hottois, pp. 64-69.
(((3 مارزانو، ص.96 (3((المرجع نفسه، ص.38 (3((المرجع نفسه، ص 97
أصبح بفعل التطورات العلمية ذا طبيعة تقنية وفنية أكثر إحكامًا. وكل هذه الأسباب ولّدت الحاجة إلى نمو خطاب فلسفي أخلاقي حوله، يجعل الجسد حقيقة قائمة ذا قيمة أنطولوجية، ويجعل من هذه الحقيقة؛ حقيقة طبيعية وصناعية كما هي واقع، مساويًا بين الطبيعي والصُنعي، كما تم تسوية الجسد مع الروح في فكر ما بعد الميتافيزيقي.
ثالثًا: البيوإيتيقا: من أخلاق الروح إلى أخلاقيات الجسد
ظهرت البيوإيتيقا بوصفها تأسيسًا أخلاقيًا جديدًا لعلاقة الإنسان بجسده. والبيوإيتيقا بما هي «تأمل
نسقي معياري أو أخلاقي؛ حول المشاكل المطروحة من قبل العلوم البيو – طبية؛ في تعاملها مع الجسد ومظاهر الحياة، نقلت الفلسفة الأخلاقية من شكلها النظري إلى شكلها التطبيقي. لأن توجه الفكر الإيتيقي والأخلاقي لم يعد يقتصر على معالجة مسائل أخلاقيات الروح فحسب، وإنما أصبح يتخطاها إلى معالجة أخلاقيات الجسد، فالبيوإيتيقا تطبيق وتجذير لأخلاقيات الجسد، التي «لا تفصل الجسد عن الأخلاق، كما هو شأن الميتافيزيقا الأخلاقية؛ والتي تجعل الأمر الأخلاقي مفارقًا للجسد، مما يعني تطويع الجسد ذاته أخلاقيًا». إن الأخلاق التي كانت تهتم فقط بتهذيب النفس أو الروح من خلال مجموعة من المعايير الخلقية الضابطة للسلوك الإنساني وتصرفاته، أصبحت من خلال البيوإيتيقا أخلاقًا تهتم بوضع ضوابط ومعايير السلوك الإنساني وتقويمه في إطار مخصوص جدًا، يتمثل في كيفية التعامل مع الجسد الإنساني؛ بما هو موضوع للعلم والتقنية في مجالي الطب والبيولوجيا، وفي الممارسات العيادية والمخبرية الناتجة منهما. وذلك لأن تطبيقات هذه العلوم وتقنياتها أبرزت اتساع مجال قدرة تحكم الإنسان في الجسد البشري، منذ لحظة تكوينه الأولى إلى آخر لحظات عمره، وهو أمر اقتضى «البحث عن معايير أخلاقية، هدفها الحفاظ على الطابع الإنسي الأصيل». نجد أن البيوإيتيقا بما هي إيتيقا جسدية حاضرة راهنًا إلى جانب صياغات أخرى متعددة للإيتيقيات الجسدية الموجودة اليوم. وقد اتجهت تلك الإيتيقيات إلى طرح مسائل حقوق الجسد المقموعة، من خلال مقتضيات الثقافات المجتمعية الدينية أو لاجتماعية، إذ إنه «على مستوى الممارسة أصبح الجسد محطّ اهتمام قطاعات اجتماعية واقتصادية متنوعة، جعلت منه موضوعًا للعرض والمشاهدة، وبضاعة للاستهلاك أحيانًا، وحوّلته أحيانًا أخرى من جسم مكبوت، سقيم ومتألم، إلى جسم متحرر،
سليم ومتلذّذ». وكان ميشيل فوكو قد بيّن أفق تلك الإيتيقيات من خلال مفاهيم لانهمام بالذات، فقد أصبح واضحًا
«أن الممارسات الرياضية والتقنيات الجسدية المختلفة ليست الغاية منها خدمة العقل أو العناية بالحياة
(((3 عبد العزيز بومسهلي، في تجربة الجسد أو الحق العيني للوجود البينجسداني (مراكش: مطبعة وليلي، 2010)، ص.16 (3((فيري، ص.58 4(((جلال الدين سعيد، فلسفة الجسد، ط 2 (تونس: دار أمية للنشر، 9931)، ص.7
الروحية، ولا هي لانتصار على النفس أو التعود على المقاومة وتجاوز الذات لذاتها، وإنما الغاية الحقيقية منها هي التمتع بما عبرّ عنه جورج فيغاريلّو ب «النشوة الباطنية». نجد أن تلك الإيتيقيات المتعلقة بالعناية بالجسد لم تسلم من النقد الأخلاقي والديني نظرًا إلى ما
حملته في طياتها من قيم الممارسة «المتعية» و«الإباحية» بالمعنى الواسع للكلمتين، فقد رفضت الأخلاق الدينية إعطاء قيمة مطلقة للحياة الجسدية وفق فهم المقاربات «المُتَعيّة»، على الرغم من
تأكيدها ضرورة احترام الحياة الجسدية، وجاء في أحد تعاليم الكنيسة المسيحية الكاثوليكية أن ما تعارضه الأخلاق الدينية ليس إلا «مفهومًا وثنيًا جديدًا يرمي إلى تعزيز عبادة الجسد، والتضحية بكل
شيء في سبيله، وعبادة الكمال الجسدي والنجاح الرياضي»، لأن «هذا المفهوم باختياره المميز بين الأقوياء والضعفاء؛ يمكن أن يؤدي إلى فساد العلاقات الإنسانية». يطرح في سياق أخلاقيات الجسد التي تهتم بها البيوإيتيقا الكثير من القضايا والإشكاليات المتعلقة بالتعامل مع الجسد، وتتمحور أساسًا في أبعادها الكبرى حول قضايا: • الحق في ملكية الجسد وجواز التدخل والتصرف فيه تغييرًا وتخليقًا، والحدود المقبولة في ذلك
التدخل والتصرف. • الرهانات الموجهة إلى لانتفاع من الجسد وأجزائه وكذلك طرق استغلاله. • قيمة الجسد الصناعي مقارنة بالجسد الطبيعي وأخلاقيات التصرف فيه. ويتم النظر في كل ذلك من منطلق ضرورة توْجيه الرهانات حول الجسد وِجْهَةً أخلاقية مقبولة؛ لأن
الأمر اليوم كما يقول لوك فيري «لم يعد يتعلق بتحرير الجسدية فينا، بقدر ما أصبح يتعلق بحفظها من الأضرار المحتملة؛ الصادرة عن القوى المضاعِفة للعلم والصناعة والتجارة». إنَّ التدخل في الجسد البشري لم يُترك على إطلاقه في الأخلاق الكلاسيكية كما في الأخلاقيات الجديدة، فهناك دومًا حدود توضع لبيان ما هو مقبول وما هو غير مقبول، فيما يتعلق بالتدخل والتصرف في الجسد، سواء كان حيًا أو ميتًا. إن الأخلاق الدينية ترى أنَّ التدخل في الجسد الحي يجب أن يكون
لأهداف علاجية، وأن يُبْقِيَ ذلك التدخل على الوضع البيولوجي الطبيعي المعهود للإنسان، أي فيما
هو معهود للنوع البشري، وفيما هو معهود لهذا الفرد أو ذاك، لأن التصرف في ذلك الوضع المعهود تغيير في خَلْق الله، وهو أمر غير جائز، ولهذا اتجهت المواقف الأخلاقية الدينية إلى رفض الكثير من تقنيات التجميل أو قبولها بشروط وضوابط معينة. أما فيما يتعلق بالتدخل في الجسد الميت، فإنَّ الأخلاق الدينية تذهب إلى تأكيد المبدأ العام والأساسي
(((4 المرجع نفسه، ص.94 4(((مجموعة مؤلفين، أخلاقيات طب الحياة: دراسات أخلاقية، ط 2(جونية: المكتبة البولسية، 2006)، ص.37 (((4 فيري، ص.141
المتعلق بحرمة الإنسان وكرامته وضرورة الحفاظ على الجسد سواء كان حيًّا أو ميتًا، فالأخلاق
الدينية المسيحية في القرون الوسطى «فرضت عدم المساس بأجساد الأموات، واعتبرت كل عمل تشريحي للجسد يشكل تعرضًا للكرامة الإنسانية، وذلك إيمانًا بأنَّ الجسد يبقى مصانًا كاملً حتى يوم الدينونة». وبناء على اشتراك الديانات السماوية في اعتبار أن الجسد أمانة، وعلى صاحبه حفظه وصيانته، فإنَّ الخلايا الجسمية هي الأخرى تمتلك حرمة مماثلة لحرمة الجسد الآدمي في شموليته، فحرمتها تنبع من حرمته. ينطلق هذا الموقف الأخلاقي الديني من فكرة أن الجسد ملك لله، وليس ملكًا للإنسان الذي يحيا به، وإذًا، فليس له الحق في التصرف فيه بحسب هواه، وبما أن الحياة شأن إلهي، وهبة من الله للإنسان وليست ملكًا له، فإنَّ الجسد الحامل لها هو كذلك ملك لله ويجب الحفاظ عليهما معًا. وهذا التأكيد لقدسية الإنسان الحيّ والميت معًا، يقود إلى تأكيد قدسية الجسد أيضًا، ومن خلال هذه التصورات فإنَّ
أخلاقيات التعامل مع الجسد تختلف وتتناقض فيما بين البيوإيتيقيات الدينية والبيوإيتيقيات الوضعية أو الدنيوية، على نحو يذكِّر بالخلاف القديم حول تشريح الموتى، والذي «كان يؤدي إلى حدوث تصادم بين الرهبان المشتغلين بالطب والأطباء الذين لم يتلقوا تعليمًا دينيًا أو الذين لم يكن الدين
أساسَ أحكامهم في مجال الطب، ومن ثمَّ كانوا يعتمدون على حُسن الأخلاق». انطلاقًا من هذه الخلفية اللاهوتية تتموضع الأخلاقيات الدينية والوضعية من مسألة ملكية الجسد الإنساني، ومن الحالة التي يجب أن تكون عليها العلاقة بالجسد سواء على الصعيد الشخصي أو على الصعيد العام، وما يرتبط بذلك من مسألة التصرف فيه. ومن المعروف أن التصرف في الجسد وأجزائه أصبح يساعد في تحقيق الكثير من المنافع الصحية للإنسان، وتحسين شروط حياته الجسدية. لكنَّ التدخل والتصرف في الجسد الإنساني (خصوصًا في ح لات عمليات تبادل وزرع الأعضاء، والأجنة والخلايا) تسبّبا في ظهور شكل من المسلكيات اللاأخلاقية، تمثلت في لاستغلال لاقتصادي
البشع لجسد الإنسان، بفعل الأهداف لاحتكارية والتجارية التي ظهرت في حقل الممارسة البيوطبية. والأدهى من ذلك هو أن تجارة الجسد الإنساني قد تتم في شكل تجارة غير قانونية كتهريب الأعضاء البشرية بصورة سرية، «وهي تجارة خطرة على الذي يؤخذ منه العضو، وعلى الذي يستقبله، لأن القيام بذلك لا يتم دومًا في الظروف المطلوبة»، وكل هذه الأبعاد تعمق مجتمعة ومنفردة ظاهرة تشييء الإنسان، الذي أوجدته موضعة الإنسان من طرف التقنية والعلوم الدقيقة، ومن طرف المظاهر المتعددة لبنية العقلنة الشاملة.
(((4 روجيه الجاويش، الأخلاقيات في الطب: مدخل إلى مقاربة فلسفية (بيروت: دار نوفل، بيروت، 2008)، ص.64 (((4 تمام اللودعمي، الجينات البشرية وتطبيقاتها: دراسة فقهية مقارنة (فيرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإس مااي، 2011)، ص.317 (4((البقصمي، ص.41
(47) Annie Clèdes, «Greffes et dons d’organes: l’homme reconstruit,» in: Michel Pierson et al., initiation à l’éthique médicale, préface de Jean- Françoise Mattei , 2 ème (Paris: Vuibert, 2002), p. 107.
تُطرح اليوم في قلب النقاش البيوإيتيقي هذه القضايا المتعلقة بالتدخل والتصرف في الجسد البشري تغييرًا وتخليقًا (تصنيعًا)، وفي هذا السياق، نجد أنَّ الرؤى والمواقف البيوإيتقية تنقسم إلى ثلاثة
اتجاهات أساسية: تتمايز بينها بمنازعها المثالية والواقعية والنفعية. • الاتجاه المثالي: وهو اتجاه يرى أن الجسد هو الشخص ذاته، وله نفس المنزلة التي يَحوزُها، وهو
بذلك جدير بالإجلال والتقديس، ومن ثم؛ يجب عدم المساس به أو التصرف فيه لا كليًا ولا جزئيًا.
وهذه القيمة التي للجسد تصدر عن واقع أن الشخص الإنساني (وجسده) ليس موضوعًا من ضمن الموضوعات وليس شيئًا من ضمن الأشياء، وهكذا؛ لا «يمكن أن يكون موضوعًا للاتفاقات، إنه خارج عن المتاجرة. وبلغة قانونية فإنه خارج دائرة المنافع حتى في صيغة المجانية، إنه خارج أي فعل للتملك». تتأسس هذه النظرة المثالية والمُقدِّسة للجسد على مرجعية دينية تقوم خلفيتها اللاهوتية على القول
بأن التصرف في الجسد مما يُحرَّمُ مطلقًا، وذلك انطلاقًا من ثلاثة معتقدات دينية: أولها؛ القول بأن
الجسد الإنساني خارج البتّة عن أي تملُّك إنساني، إذ إن الجسد ليس إلا أمانة من الله عند الشخص، أو هو هبة من الطبيعة في لغة الديانات الطبيعانية وتصوراتها؛ ما يعني عدم إمكان التصرف فيه لغياب
شرط المِلْكية الحقوقي. وثانيها؛ القول بأن الجسد مما يجب المُحافظة عليه سَليمًا كما هو حتى يوم
الدينونة. وثالثها؛ هو القول بأنَّ التصرف في الجسد يدخل في مجال تغيير خلق الله. وتلتقي في هذا الموقف الرافض للتصرف في الجسد، على نحو متفاوت ومع اختلاف المرجعية الفكرية الآراء المبنية على لاعتقادات الدينية وتلك المبنية على رؤى فلسفية مثالية. • الاتجاه الواقعي: وهو لاتجاه الذي يرى أنَّ الجسد البشري، نظرًا إلى خصوصيته الإنسانية المكرّمة؛
ليس ملكيّة خاصّة على نحو مطلق، وليس كذلك موضوعًا من ضمن الموضوعات، وليس شيئًا من
ضمن الأشياء. بناء عليه لا يمكن التصرف فيه على نحو مطلق وعلى أي نحو اتفق، وإنما فقط يمكن التصرف فيه في حدود مضبوطة ووفق شروط معينة، أي أنه يكون متاحًا للتصرف فيه عندما يكون ذلك
بهدف الحفاظ على الحياة، أو المساهمة في تطوير طرق إنقاذها، سواء أكان ذلك من خلال عمليات نقل الأعضاء والخلايا، أو من خلال إجراء التجارب العلاجية على الإنسان، وإذًا، يرى هذا لاتجاه أنَّ هناك إمكانية في التصرف في الجسد، ولذا يمكن أن يكون «موضوعًا للاتفاقات، عندما يكون ذلك
مرهونًا فقط بالفائدة العلاجية للآخر». تتأسس هذه النظرة أولً: على مرجعية تشريعية وفقهية دينية تحيل على إمكانية التصرف في الجسد، بناءً على غايات ومقاصد مشروعة؛ يرخصها الدّين نفسه، باسم المالك الحقيقي للجسد الذي هو
الله، فالعلاقة التي تربط الشخص بالجسد هي «علاقة المودَع [له] بالوديعة، المُطالَب بالمحافظة
على ما ائتمن عليه من كل ما قد يؤدي إلى الإضرار به، ويمكن تصور هذه العلاقة في مجرد حق
(48) Michela Marzano, L’éthique appliquée , 2 ème éd. (Paris: PUF, Mars 2010), p. 31. (49) Ibid., p. 31.
لانتفاع؛ الذي يجب أن يتمَّ على الوجه المحدد من طرف المالك، وفي إطار المنهج الذي رسمه هذا
الأخير». يعني هذا أن التصرف في الجسد وفق المنظور الديني يكون مشروعًا كلَّما كان متعلقًا بضرورة علاجية
وصحية عمومًا، فضلً عن الح لات التي يتم فيها التصرف في الجسد من أجل إقامة الشعائر الدينية
نفسها، ولهذا فإن الأديان تؤكد «وجوب احترام الجسد وتقديسه كقاعدة أخلاقية ثابتة». وتتأسس ثانيًا على خلفية رؤية فلسفية واقعية ترى ضرورة أن تتم لاستفادة من قدرة العلم والتقنية على
التصرف في جسد الإنسان بما يحقق فائدةً للإنسانية، ويحفظ في نفس الوقت كرامة الإنسان. • الاتجاه النفعي: وهو اتجاه يرتكز على الفلسفات الوضعية والنفعية، ويرى أن الجسد ليس إلا موضوعًا من ضمن الموضوعات، أو شيئًا من ضمن الأشياء، وليست له أيّ قدسية كما تزعم التوجهات
الدينية والمثالية، كما يرى هذا لاتجاه أيضًا أنَّ الشخص هو المالك لجسده على نحو أحادي مطلق، وله وحده حق إقرار التصرف فيه كيفما يشاء، لأن «الحقوق هي شكل الملكية الخاصية» كما يرى روبرت نوزيك. ف لاتجاه النفعي كما هو عند الفيلسوف إنغلهارت المتأثر بنوزيك يرى أن الشخص بما أنه هو المالك لجسده فإنه يستطيع التصرف فيه على أي نحو أراد، ويمكنه منحه أو بيعه للاستفادة منه بحسب رغبته، ولهذا فإنهما يريان أن مطلب تجارية الجسد البشري يتواءم مع حق الملكية على الجسد الخاص، انطلاقًا من مبدأ احترام لاختيار الحر للأفراد. يُبنى هذا الرأي عند هذا لاتجاه على قاعدة أن الشيء الأهم عند كل إنسان هو إمكانية لاختيار الحر
والتصرف غير المشروط فيما يحق له، لأنَّ لاستقلالية الفردية لا تكتمل إلا عندما تكون كلّ ذات، بما هي ذات أخلاقية، هي صاحبة السيادة على نفسها، وإذًا، إلزاميّة أن تحوز حقها الكامل في أن تتملّك
ذاتها وجسدها، فبالنسبة إلى الفيلسوف إنغلهارت وغيره من «المدافعين عن لاستقلالية الفردية، فإن كل ذات أخلاقية هي صاحبة سيادة على نفسها، أعضاؤها هي ملكها الخاص، وتفعل بها ما تشاء، ولا يمكن أن يفرض عليها مَنْحَها أو بيْعها، كما لا يمكن أن تمنع من ذلك إن هي أرادت». تطرح مسألة لاتجار بالأعضاء مشكلة كبيرة في النقاش البيوإيتيقي في مستوياته الفقهية – الدينية والقانونية، نظرًا إلى أبعادها الأخلاقية والأنطولوجية في التعامل مع جسم الإنسان والنظر إليه. وإذا كان
التيار السائد في التشريعات الدينية والقانونية هو تأكيد مجانية الحصول على الأعضاء البشرية ومنع أي صورة من المتاجرة بها، فإنَّ بعض علماء الدين والقانون يذهبون إلى القول بجواز الحصول على
5(((عبد الحميد السحبان، زرع الأعضاء البشرية بين التطور الطبي والشريعة الإسلامية، سلسلة المعرفة للجميع، العدد 8 (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 9991)، ص.91 (((5 جوزيف معلوف، الأخلاق والطب (جونية: المكتبة البولسية، 9971)، ص.129
(52) Max Fresen & Jean-Noël Missa, «Libéralisme», in Gilbert Hottois, & Jean Noel, Nouvelle encyclopédie de bioéthique (Bruxelles: De Boeck université, 2002), p. 571. (53) Marzano, p. 32.
نفع مادي مقابل التصرف في الجسد، كنوع من التعويض عن الأضرار والخطر الذي يتعرض من يتم التصرف في جسده، كالمتبرعين بأعضائهم، أو من تُجرى على أجسادهم تجارب طبية وعلمية، فبعض الفقهاء المسلمين مثلً رأى «أن الأمر جائز»، بينما اشترط آخرون لذلك «شروطًا معينة». ولاتجاه التشريعي الديني والقانوني الذي يقبل ب لانتفاع المادي والحصول على الربح للتصرف في الجسد في كل مج لاته (تبادل الأعضاء والخلايا البشرية، نقل الدم، كراء الأرحام... إلخ) ينطلق هو الآخر في تبرير موقفه من القول باحترام الحرية الشخصية للأفراد، لأن التصرف في النفس أمر خاص بالشخص نفسه؛ من غير نيابة ولا حَجْر. ولهذا لاعتبار فإنَّ «حرمان الشخص من حقه في بيع أعضاء
جسمه يتعارض مع حقه بالتصرف في بدنه»، ومثلما يُبرر التيّار النفعي الدنيوي والفلسفي رؤيته
بمبدأ الحريّة ولاستقلالية الفردية، فإن التيّار المصلحي الديني يُبرر رؤيته كذلك بنفس المبدأ؛ حتى لو
اختلفت الخلفيات النظرية والأخلاقية الأساسية للفريقين. يمكن أن نميز بين تلك الخلفيات النظرية عندهما بالنظر فيما يركزان عليه كأساس لمبررات لانتفاع بالجسد، فالتيّار المصلحي الديني يركز على المبررات التي تَبقى دومًا في حدود لاستعمال الأخلاقي
والمشروع دينيًا وقانونيًا للجسد، كأساس لمبررات لانتفاع من الجسد في السياق البيوطبي، خلافًا
للتيار النفعي الدنيوي الذي لا يهتمّ بالتفريق بين استعمال أخلاقي للجسد واستعمال غير أخلاقي له. فالفريق الأول يتحرّى في قياساته على الممارسة المقبولة أخلاقيًا، بينما الفريق الثاني يستشهد في
قياساته بكل الممارسات حتّى غير المقبولة أخلاقيًا. تطبيقًا لتلك المنطلقات؛ فإن نظرة لاتجاه النفعي الدنيوي حول المتاجرة بالجسد ولانتفاع منه، تبرر نفسها بما تبرر به كل استفادة من استخدام الجسد بأي عمل سواء أكان مشروعًا أو غير مشروع، وبأي طريقة كانت، ولهذا فإنَّ بعض أنصار هذا التيار مثل جون هاريس الذي يماثل بين لاتجار بالأعضاء البشرية والدعارة، يرى «أنه لا يوجد أيّ فرق بين استخدام الجسد في الدعارة، واستخدامه لمكاسب مادية أخرى مثل الرياضة والأعمال اليدوية». بينما يهتم الفريق المصلحي الديني بإظهار أن الدافع إلى بيع العضو الجسدي والتعويض المادي في عملية منح الأعضاء والتصرف في الجسد عمومًا؛ «لا يختلف عن الدافع إلى مزاولة أيّ عمل آخر يتسم بالخطورة، وأن الفرد في الحالتين يهدف إلى توفير الدخل من المصادر المشروعة»، أي أن المتاجرة بالجسد يجب أن لا تخرج عن ضوابط ما هو مقبول ومشروع أخلاقيًا. إن التيّار النفعي ومن خلال نظرته للجسد ميتافيزيقيًا (ملكيّة الذات الكاملة والمطلقة لجسدها)
وأنطولوجيًا (موضوعيّة الجسد البشري وتشييئه) وأخلاقيًا (مقبولية كل تصرف واعٍ واختياري على
(((5 فضيلة إسمي، «الإطار القانوني للنقل الأعضاء»، رسالة ماجستير، جامعة الجزائر، الجزائر، 2002، ص.73–71 (((5 بابكر الشيخ، المسؤولية القانونية للطبيب (عمّان: دار الحامد، 2002)، ص 238 عن: المرجع نفسه، ص، نقلً.72 (5((البقصمي، ص.168 (5((الشيخ، ص.72
الجسد)؛ شرَّعَ البُعدَ التجاري ولاقتصادي للتصرف في الجسد، بحيث أصبح مثل كلّ الأشياء الطبيعية
يمكن لانتفاع منه، بطريقة تبادلية تجارية ربحية بيعًا وشراءً، من أجل تحصيل النفع المشترك بين
الأشخاص، حتّى إن اختلفت سياقات ذلك وخلفياته بين التيار المصلحي ذي المرجعية الدينية والتيار النفعي ذي المرجعية الدنيوية.
خاتمة
إنَّ الجسد بعدّه ظاهرة أساسية ومكانًا أصليًا للحياة، أضحى – بفعل تعدد المعارف حوله، وبفعل الإمكانات
التقنية المتعددة المطبقة عليه والمحتملة التطبيق عليه مستقبلً، وبفعل تنوع مستويات استخداماته واستغلاله واختلافها – ينطوي على كثافة دلالية وأنطولوجية وأخلاقية، فأصبحت البيوإيتيقا، بما هي أخلاقيات حول الجسد، نقاشًا فلسفيًا كبيرًا في أبعاده الميتافيزيقية والأنطولوجية والأخلاقية. تفتح الميتا – بيوإيتيقا الطريق نحو تأصيل نظري لمستوى من الأنطولوجيا الضمنية التي تطرحها الإمكانات التقنية المتعاظمة في خلق عوالم جديدة؛ بفعل تقنيات الخلق والتعديل التي تتيحها تقنيات البيولوجيا الطبية على مستوى جسد الإنسان والكائنات الحية على العموم، كما تفتح الطريق نحو إيجاد شكل من إيتيقا لانهمام بالذات في ثوب أخلاقيات ومسلكيات في التعامل مع الجسد من خلال فعاليات تغييره والتحكم فيه وبنائه. وبناء على ذلك فإن الميتا – بيوإيتيقا بما هي البعد الفلسفي للبيوإيتيقا في خلفيته الأنطولوجية والميتا – أخلاقية تطرح، كما رأينا، آفاقًا جديدة حول تصور الإنسان وطبيعته وماهيته، وذلك من حيث تغيير النظر في طبيعته وماهيته من صور النظر الكلاسكية لها والتي تحصرها في المجال العقلي والروحي إلى صور مستجدة تحملها إلى مجال الجسد الذي كان مقصيًا في النظر الفلسفي سابقًا. كما تطرح
أيضًا تصورًا للجسد نفسه تخرجه من التصور الطبيعاني الكلاسيكي له إلى تصور ثقافي يُتجاوز فيه الفصل الميتافيزيقي المعهود بين الطبيعي والصناعي، والذي قاد في الحصيلة إلى حمل الخطاب الأخلاقي حول الجسد إلى مسالك جديدة غير معهودة. ولعل الميتا – بيوإيتيقا هنا تدفعنا إلى التساؤل عن شكل فلسفة المستقبل التي تتفتح سبلها الآن، وعن طبيعة القضايا التي ستختص بها، وعلاقتها بتاريخ الفلسفة عمومًا والمعاصرة على وجه الخصوص.
References
المراجع
العربية
إسمي، فضيلة. «الإطار القانوني للنقل الأعضاء». رسالة ماجستير. جامعة الجزائر. الجزائر. 2003. أنور، علاء مصطفى. علاقة الفلسفة بالعلوم الإنسانية: دراسة في فلسفة ميرلوبونتي. القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 994.1
البقصمي، ناهد. الهندسة الوراثية والأخلاق، سلسلة عالم المعرفة. العدد 74.1 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 993.1 بن سلامة، رجاء (محررة). البيوطيقا. دمشق: دار البتراء للنشر والتوزيع،.2010 بودريار، جان. المصطنع والاصطناع. ترجمة جوزيف عبد الله. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،
بومسهلي، عبد العزيز. في تجربة الجسد أو الحق العيني للوجود البينجسداني. مراكش: مطبعة وليلي،
بيدوح، سمية. فلسفة الجسد. تونس: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع،.2009 الجاويش، روجيه. الأخلاقيات في الطب: مدخل إلى مقاربة فلسفية. بيروت: دار نوفل،.2008 الدواي، عبد الرزاق. حوار الفلسفة والعلم والأخلاق في مطلع الألفية الثالثة. الدار البيضاء: المدارس،
دحدوح، رشيد. إبستمولوجيا العلوم الطبية والبيولوجية عند جورج كانغيلام. الجزائر: ابن النديم للنشر والتوزيع،.2013 دوبرو، كلود. الممكن والتكنولوجيات الحيوية، مقالة في فلسفة العلوم. ترجمة ميشال يوسف. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، د.ت. سارتر، جان بول. الوجودية منزع إنساني. تعريب محمد نجيب عبد المولى وزهير المدنيني. تونس: دار محمد علي الحامي للنشر،.2012 السحبان، عبد الحميد. زرع الأعضاء البشرية بين التطور الطبي والشريعة الإسلامية. سلسلة المعرفة للجميع. العدد.8 الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،.1999 سعيد، جلال الدين. فلسفة الجسد. ط 2. تونس: دار أمية للنشر،.1993 الشارني، حبيب. فكرة الجسم في الفلسفة الوجودية. ط 2. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع،
عوض، عادل. الأصول الفلسفية لأخلاقيات الطب. الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة،.2011 فوكوياما، فرانسيس. نهاية الإنسان: عواقب الثورة البيوتكنولوجية. ترجمة أحمد مستجير. القاهرة: سطور،.2002 _____. مستقبلنا بعد البشري: عواقب الثورة التقنية الحيوية. ترجمة إيهاب عبد الرحيم محمد. أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث لاستراتيجية،.2006
فيري، لوك. الإنسان المؤله أو معنى الحياة. ترجمة محمد هشام. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2002 قمير، يوحنا. نيتشه: نبي المتفوّق. بيروت: منشورات دار المشرق،.1986 لكور، دومنيك. فيم تفيد الفلسفة إذن: من علوم الطبيعة إلى العلوم السياسية. ترجمة محمد هشام، الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2011 اللودعمي، تمام. الجينات البشرية وتطبيقاتها: دراسة فقهية مقارنة. فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2011. مارزانو، ميشيلا. فلسفة الجسد. ترجمة نبيل أبو صعب. بيروت: مجد،.2011 المحمداوي، علي عبود (مشرف). خطابات ال «ما بعد»: في استنفاد أو تعديل المشروعات الفلسفية. الرباط: دار الأمان،.2013 مجموعة مؤلفين. أخلاقيات طب الحياة: دراسات أخلاقية. ط 2. جونية: المكتبة البولسية،.2006 مصباحي، محمد (تنسيق). فلسفة الحق عند هابرماس. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،.2008 معلوف، جوزيف. الأخلاق والطب. جونية: المكتبة البولسية،.1997 ميشو، إيف (منسق). ما الحياة؟ القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2006 هابرماس، يورغين. مستقبل الطبيعة الإنسانيّة، نحو نسّالة ليبراليّة. ترجمة جورج كتورة. بيروت: المكتبة الشرقيّة،.2006
الأجنبية
Cadore, Bruno. L’expérience bioéthique de la responsabilité. Montréal: Fides, 1994. Clèdes, Annie. « Greffes et dons d’organes: l’homme reconstruit. » in: Michel Pierson et al. initiation à l’éthique médicale, préface de Jean- Françoise Mattei. 2 ème. Paris: Vuibert,
Hottois, Gilbert. Essais de philosophie bioéthique et biopolitique. Paris: Vrin, 1999. Hottois, Gilbert & Jean Noel. Nouvelle encyclopédie de bioéthique. Bruxelles: De Boeck université, 2002. Marzano, Michela. L’éthique appliquée. 2 ème éd. Paris: PUF, Mars 2010. Palermini, Patricia. Misère de la bioéthique. Bruxelles: éd Labor espace de liberté, 2002.