العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مراجعة في كتاب:« الذات في الفكر العربي الإسلامي» للمؤلف محمد المصباحي

مراجعة في كتاب:« الذات في الفكر العربي الإسلامي» للمؤلف محمد المصباحي

Book Review The Self in Arab-Islamic Thought by Mohammed Al-Mesbahi

يوسف بن عدي

Yusuf bin Uday

الملخّص

إنّ كتاب «الذات في الفكر العربي الإسلامي» لمحمد المصباحي قد حقق أمرين أساسين: الأمر الأول هو قدرة فائقة للمؤلف على المواجهة بنصوص الفلاسفة والمتصوفة من مختلف المذاهب والنحل في مسألة الذات على أساس النقد والمراجعة. والأمر الثاني فهو يتعلقُ في بيان محدودية تفكيرنا في الذات، سواء كانت الذات الأنطولوجية و العمرانية أم الدلالية، فهذه السمة، أي المحدودية، هو مطلب فلسفي وتاريخي وذلك لنتكمن من الانخراط في زمن الحداثة وعالم الحرية. وهذا كلّه، برؤية فلسفية وخلفيات نظرية قوية تتوسل بأدوات ومفاهيم من قبيل: المادة والصورة و الفعل والانفعال والعقل والوجود...إلخ، تستحضر أفق استراتيجيات الدلالية المختلفة والمتنوعة(التواطؤ، التشكيك والمشترك). وعلى هذا، يكون حضور الأفقين(القدامة والحداثة) في مؤلف الدكتور المصباحي هو كمن يسلخ الشاة لبيان التمييز بين جلدها ولحمها، بين جوهرها وعرضها، بين وحدتها وكثرتها، وبين امكانها وفعلها.

Abstract

Mohammed Mesbahi’s The Self in Arab-Islamic Thought has accomplished two important feats. The first is illustrating the author’s ability to bring the writings of a wide range of Sufi mystics and other Muslim thinkers on the self under scrutiny. The second feat is that the book illustrates how limited our erstwhile conceptions of “the self” have been, whether on an ontological or semantic level. This limitedness was a necessary consequence of the desire to engage in the world of modernity and liberties. These earlier philosophical efforts utilized a specific set of tools, namely: material, image, action and mind. Al-Mesbahi’s book allows readers to see the crystallization of these differences in stark contrast, showing how the modern world can be cleaved away entirely from the pre-modern world.

الكلمات المفتاحية:
  • الذات
  • الفكر العربي
  • الفلسفة الإسلامية
  • التصوف
  • الحداثة
  • العقل
Keywords:
  • The Self
  • Arab-Islamic
  • Thought
  • Sufi mystics
  • semantic

عنوان الكتاب: المؤلف:

محمد المصباحي. الناشر: تاريخ النشر: عدد الصفحات:

048 صفحة.

Book Review

The Self in Arab-Islamic Thought

by Mohammed Al-Mesbahi

الذات في الفكر العربي الإسلامي.

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

Moroccan researcher in the field of Arab philosophical thought.

أولًا: سؤال الذات على مرمى الأفقين: القدامة والحداثة

جاء كتاب الذات في الفكر العربي الإسلامي، الدكتور محمد المصباحي، موزعًا ما بين مقدمة، وستة عشر فصلً، وخاتمة،

ولائحة للفهارس. وهو كتاب في النظر الفلسفي لمسألة الذات ولواحقها؛ العقل والفرد والزمان والوجود والحرية... إلخ. وتتأسس فرضية الكتاب على القول إنّ الذات في الفلسفة الإسلامية العربية تتأرجح بين البحث عن الذات، عبر البحث عن العقل والوجود، وبين تغييبها على حساب الموضوع؛ ما يؤدي، تبعًا لذلك، إلى ضرورة الخروج من هذا

الأفق الميتافيزيقي إلى أفق التنوير والحداثة. يرِد مفهوم الذات في معرض هذا الكتاب بمعنيين؛ المعنى الفلسفي القديم الذي يفيد أنّ الذات تشير إلى الجسم والنفس والعقل والموجود والإنسان في سياق العلاقات المتبادلة بينها، والمعنى الثاني الذي يدلّ على الحرية والمسؤولية، وعلى العقلانية والهوية الثقافية. بناءً عليه؛ نبّه المؤلف إلى أنّ هذه الذات وأنحاءها

المعرفية والأنطولوجية ظلت ملتبسة بفعلها وموضوعها؛ ومردّ ذلك إلى هيمنة نظرية العقل على الفكر العربي الوسيط، والذي لم يُسعفنا

في الحداثة اليوم، إذ حوّلت الحداثةُ الذات إلى

ذات مفكرة وناقدة ومسؤولة وحرة ومبادرة، تضع الحدود بين الطبيعة وما بعد الطبيعة. يسعى المُؤلِّف في هذا الكتاب، وغيره من

المؤلفات، لاعتبار النصوص الفلسفية والصوفية والكلامية الخميرة الأولى، والتربة الخصبة، لتجديد النظر في القول الفلسفي؛ إذ من غير الممكن الإدلاء بقولٍ في مجريات الحداثة وما بعدها عندنا، نحن العرب والمسلمين، من دون معرفة العقل وتجلياته في تراثنا الفلسفي القديم.

وهذه هي السبيل لبيان محدودية التفكير في التراث، والعمل «على إعادة بنائها لجعلها قادرة على المساهمة في تطوير مشروع الحداثة في اتجاه أكثر إنسية وتنويرًا» (ص. 31) من المفيد القول إنّ النظر في الذات في الفكر العربي الإسلامي لا يتحصل للدكتور المصباحي إلا من خلال تاريخ الميتافيزيقا العربية والإسلامية، والتي تعد الجذور الصلبة والحقيقية للمنطق والكلام والتصوف والفقه والأصول والفلسفة. يقول المصباحي: «بوسعنا أن نتكلم على وجود إرهاصات قبل حداثية للكوجيتو بأنحاء مختلفة متحجبة أحيانًا وسافرة أحيانًا أخرى، ولكن كان يزاحم هذا التيار الشغوف بالبحث عن الذات تيار آخر مضاد له كان همّه الوحيد تغييب حضور

الذات ومحو تجلياتها كلّها» (ص. 435). ونتيجة ذلك، كان إثبات الذات مع أبي الوليد بن رشد مرتهنًا بمعرفة العالم، إذ لا وجود للعقل من دون أن يكون أحد موجودات العالم؛ ف «انفتاح الذات على العالم يدلّ أولً على أنّ القول الفلسفي في الذات كان يشتغل داخل فضاء الوجود [...] ويدلّ لانفتاح ثانيًا على أنّ معرفة العالم

هي التي تسمح للعقل فينا بالرجوع إلى ذاته لتعقلها» (ص 7 34). ولمّا كان سؤال الذات

(((قارن بقول محمد المصباحي: «ومعنى ذلك أن البشر عندما يتصلون بالعقل فإنهم إنما يتصلون بالوجود، لا لأن العقل واحد مع الوجود فحسب، ولكن أيضًا لأنّ العقل هو الوجود وقد صار

واعيًا بذاته وقابلً لأن من يقرأ مِن قبل الإنسان».

انظر: محمد المصباحي، تحولات في تاريخ الوجود والعقل:

بحوث في الفلسفة العربية الإس مااية (بيروت: دار الغرب الإس مااي، 9951)، ص 0–293؛ «توالت موجات الذاتية بعد الموجتين الديكارتية والكانتية المدشنتين لفلسفة الذات

الحديثة. هكذا نجد مثلً بول ريكور يقترح مفهومًا إيتيقيًا للذات

هو عبارة عن مشروع للحياة يقوم على فهم حضور الذات

بتوسط الفعل»، محمد المصباحي، الذات في الفكر العربي

الإس مااي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي ل بأأحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص.438

عند الفلاسفة المسلمين يتطلع إلى فهم الوجود وتحولاته من حضورها، فإنّ طريق أهل العرفان والذوق هو الإمعان في تغييبها؛ وهذا ما يعبر عنه قولهم «وجودي أن أغيب عن الوجود». وقد ترتب على هذا، أنّ سؤال الذات في التراث الفلسفي العربي القديم ظل سؤالً مقلقًا بين تحقيق لاتصال الأنطولوجي بين العقل الإنساني والذات الإلهية وبين تحويل العقل الموجود فينا (الإنسان) إلى أحد موجودات العالم؛ إذ لم يكن في مقدور الفكر العربي الإسلامي أن يتصور ذاتين في فضاء وجودي واحد (ص. 24). ولا نستبعد أنّ الأمر يعود إلى اختيار الذات الحداثية مطلب البرهان على مطلب الماهية والحد، ولعل هذا ما دفع المصباحي إلى القول «[...] طلب الماهية بدل الوجود اللذين ح لا دون ظهور الكوجيتو في الفلسفة الإسلامية». إذًا، كيف حدث التحول ولانتقال من الذات الأنطولوجية إلى الذات العمرانية؟ إلى حد يمكن القول معه إنّ العقل الأنطولوجي (التراثي) حجب العقل الإنساني من حيث إنه أحد موجودات هذا العالم؟ هل السر في إنشاء الكوجيتو الديكارتي والذات الأخلاقية والبينية (المشتركة) هو تحويل العقل من الثقل الأنطولوجي إلى وظيفة معرفية وإبستيمولوجية؟

(((يقول المصباحي عن الغياب والحضور عند المتصوف

«هذا ما يفسر تعلق المتصوفة بتحقيق الغياب بدل من الحضور حيث تحقيق الواصل ذاته متى غاب عنها في فتنة الحبور

الغامر». المصباحي، الذات، ص 44.0 (((المصباحي، تحولات في تاريخ الوجود والعقل، ص.31 ويقول أيضًا: «وبمقتضى هذا التعريف يكون العقل هو ماهية

الإنسان، وبحكم جريان مضمون الماهية على كلّ فرد ينتمي

إليها، فسيكون من اللازم أن يحوز كل فرد عقلً يخصه ويشكل حقيقته التي يشترك بها مع نوعه البشري. إلا أنّ تعريف العقل سيذهب في اتجاه معاكس لتعريف الإنسان، اتجاه سلب العقل ل نإإسان بجهة ما [...] وهذه إحدى مفارقات تصور الإنسان

في فلسفتنا الوسطوية، مفارقة تضاد تعريفَي الإنسان والعقل». المرجع نفسه، ص.40–39

ثانيًا: القول الفلسفي في سؤال الذات: جدل الحضور والغياب

لا إخالُ قول الأستاذ محمد المصباحي بضرورة «إعادة بناء الذات الثقافية للمجموعة العربية لضمان المشروعية الثقافية لأي مشروع ثقافي جديد تحتل فيه حق الفلسفة في الوجود مكانة مرقومة» (ص. 433) إلا مربط الفرس في هذا المؤلف؛ فالنظر في الذات وتحولاتها في فكرنا لا يكون على جهة الأيديولوجيا ووظيفتها، بل يكون على جهة النظر الفلسفي؛ ذلك أنّ هذا الأخير إنّما ينتشلنا من أحادية العقلانية، ويدفعنا إلى إدراك التنوع في الذات وتجلياتها وصورها وأنماطها؛ شرط انفتاحها على الزمن الحاضر، إذ إنّ السكوت عن هذا التنوع ولاختلاف في الهوية الأندلسية يعد السبب الرئيس في فشل الخطاب الأيديولوجي العربي، وتعامله السلبي مع نصوص التراث وموجات الحداثة وما بعدها، وادعاء هوية أندلسية تتغذى بالقطيعة الشاملة مع الهوية المشرقية (ص. 06)4 في هذا الباب، يقول المصباحي جامعًا القول في هذا المعرض: «بات بمقدورنا أن نقول إن الذات العربية تعيش محنة مركبة؛ عقلها مقيد وحريتها مطوقة وجسدها ممتهن وولاؤها موزع بكيفية تراجيدية بين قطبَي التراث والحداثة»

(ص. 29). و«لم يعد بإمكان الذات في عالم اليوم أن تعيش منكفئة على فرديتها من دون الآخر؛ إذ

(((«على كل العق ناايات البرهانية والفقهية والتاريخية والعرفانية بحكم طابعه الحواري والجدلي والتاريخي يخلق مجال مشترك بينها. ومع ذلك كانت بعض التيارات الثقافية في العالم العربي المعاصر تشعر بأن لاستئناس بالأنموذج الأندلسي لا يكفي؛ إذ لا بد من لانفتاح على الزمن الحاضر»،

انظر: المصباحي، الذات، ص.43

صار الآخر جزءًا من الذات ولا يمكنها لانفصال

عنه، ولا معنى لها من دونه» (ص. 27). وإذًا، يكون مركب تحصيل هذا المراد والغاية القصوى هو مركب القطيعة ولاستمرارية، بالرغم ممّا لهذا

الأمر من مخاطر معرفية ونظرية هائلة، غير أنّه مركب القول بلا ونعم في الوقت ذاته! إنّ قارئ الذات في الفكر العربي الإسلامي لا يتردد في استشفاف خلفية نظرية وفلسفية، تظهر في بيان تحولات الذات (العقل، الوجود، الجسم... إلخ) في التراث وفي ضوء منجزات الحداثة والمعاصرة. ولعل هذا هو مقصده من القول إنّ «تحرير الذات المعاصرة من الذات التراثية يكون بالتعامل مع هذه الأخيرة تعاملً حرًّا وعقلانيًا،

بناءً على حاجيات إنسان اليوم ومقتضياته»

(ص. 03)؛ فمن دون هذا الأمر، ستكون الذات «مهددة بأن تبقى زمنًا طويلً في وضعية الردة الثقافية نحو ما قبل الحداثة التي تعني اليوم ‘ما قبل التاريخ’ » (ص. 31) ومن الواضح أنّ انخراط الذات في عالم الحداثة والتنوير هو فحص لآليات تفكير كلّ من المتصوف والفيلسوف اللذين يشتركان في موضوع الذات ويختلفان في جهة النظر؛ فالصوفي يرى العالم والوجود كتجلٍّ للرحمن والحق، والفيلسوف يراه مصدر معرفتنا المحوّلة إلى صناعات وسياسات

وتدابير عمرانية وتاريخ (ص. 9)3 وبهذا، يكون ابن باجة وابن الطفيل قد أخفقا في لالتفاف

(((لا يحيدُ قول المصباحي عن مركب نعم ولا؛ «فالذات

لم تمت إنّما اتخذت هيئة جديدة وشكً أكثر رشاقة، شكً

متعددًا، شكً عنكبوتيًّا ينأى بها عن وحدتها (نيتشه) محوّلً

إياها من مقام المعرفة والوجود إلى مقام الخطاب واللغة ذي الطبيعة المتعددة (فوكو) أو إلى مقام المرآة التي يتساكن فيها الوجود واللاوجود. ولى زمن الذات المركزية، الذات، الوحدة، الذات الأنطولوجية، الذات حل محله زمن ذات الهوامش، الذات المتعددة، الذات لافتراضية». المرجع نفسه، ص.29

حول الذات ورصد مكوناتها وعناصرها على الجهة التي تشكل مدخلً لتحصيل الحق والحرية والذاتية بالمعنى الحداثي؛ لأنهما، أي ابن باجة وابن الطفيل، ناهضا التعريف الذي يجعل من الإنسان حيوانًا ناطقًا ومدنيًا بطبعه! لقد استطاع ابن خلدون، كتجربة فلسفية وتاريخية عربية فريدة، رصد الذات ومكوناتها؛ إذ شرع في استخدام مفهومَي لاتصال والحركة على نحو يُخلي الطبيعة والعالم من أي تحوّل وتراتبية

أنطولوجية واضحة. وقد ترتب على هذا اعتبار «الرتبة الإنسانية تتويجًا لمراتب الطبيعة، وتمهيدًا

لمراتب ما بعد الطبيعة، ما يُبوّئ الوجود البشري

مكانة الوسط العادل بين الوجودين الطبيعي والميتافيزيقي» (ص. 9)11 وبالرغم من أنّ التصور الخلدونيّ محفوفٌ بكثير من الخلط ولالتباس

فإنه حقق نوعًا من التطور في البحث عن الذات؛ يقول المصباحي في هذا: «على الرغم من لالتباس والتداخل اللذين يبدوان في كلام ابن خلدون، فلا نعرف هل يتعلق الأمر بتعاقب معرفي أو أنطولوجي، فإن كلامه على الإدراكات لطبيعة الجمع يميلُ بنا إلى أن نرى أن معناه أنطولوجي» (ص. 131). ويردف قائلً أيضًا: «إنّ انتقال الإنسان إلى هذه الأخيرة (الطبيعة الملكية) لا يعني انتقالً نوعيًا ودائمًا وإنما هو عودة على أصله الحقيقي»

(ص. 144). وبعد كلّ لاعتبارات والأسباب المتقدمة، تبقى الذات العمرانية الخلدونية أمام سؤال إشكالي محرج هو «هل يستطيعُ العقل الكشفي تحويل معانيه الحدسية والذوقية والذاتية إلى معقولات نظرية موضوعية قابلة للبرهنة وتقديمها إلى خصمه اللدود العقل النظري لينتفع بثمارها؟» (ص. 175)

لقد عرض كتاب الذات في الفكر العربي الإسلامي قولً في أفكار الغزالي وتصوره للعقل وللحق والعالم والذات أيضًا، عرضًا يقتفي مجرى البحث

الفلسفي والعلمي والأكاديمي، حتى كِدنا نقول إنّ المصباحي يتسم بحذر منهجي كبير، ويتحوط من أيّ حكم أيديولوجي مفلس. بهذا، كان نظر المؤلف

في نظرية الحق تجريبيًا للمفاهيم والأدوات، حتى

النظريات الفلسفية، لبيان مدى إقرار الغزالي بأن «ينظر إلى الإنسان في ذاته، وإنما من أجل الله، فتصبح أفكار الإنسان واعتقاداته وأفعاله وانفع لاته وسلوكه وأقواله وحقوقه وحتى نيّاته منذورة لله»

(ص. 203). فهو إذًا «برنامج الوجود البشري في هذه الدنيا من جهة حول محابة نسيان الله، لأنّ من نسي الله نسي نفسه، ومن جهة ثانية مواجهة نسيان الذات لأنّ من نسب أو جهل نفسه جهل الله» (ص. 209). ويتولد من هذا، أنّ الحق الذي يفكر فيه أبو حامد الغزالي هو الحق من حيث هو حق ديني (ص. 231). قام ابن رشد بتوزيع اللغة الدينية، من حيث هي تجلٍّ من تجليات الذات، إلى قسمين أو بالأحرى دلالتين؛ هما الإيمان البرهاني والإيمان التمثيلي، محاولة منه تخليص الشريعة من أزمتها واضطراب معناها وخروجها على الشريعة الأولى. يقول محمد المصباحي عن دواعي هذه القسمة الدلالية: «الهدف من كتبه الثلاثة فصل المقال، والكشف عن مناهج الأدلة، وتهافت التهافت، هو إخراج الإسلام من أزمته التي هي أزمة داللت وإشك لات، أي أزمة سوء فهم ومعرفة من جهة، وأزمة سوء تواصل بين فرق الإسلام المختلفة، وسوء تفاهم بين إيمان الجمهور وإيمان الخاصة» (ص. 334). لكن بالرغم من محاولات ابن رشد الدلالية والتأويلية، بقيت تلك الذات الإيمانية سجينة الأفق الوسطويّ.

وعلى غرار ذلك، ذهب ابن ميمون مذهب فيلسوف قرطبة ومراكش في منهج التعمية الدلالية لإخفاء الحقيقة والمعنى عن الجمهور (ص. 733)، رغم أنّ هذا الفيلسوف المتكلم الأندلسي المرموق لم يستثمر الدلالة كحيرة، وانحباس للفكر، بل أدت به إلى تجربة الشوق والعرفان. يقول المصباحي: «يفاجئنا ابن ميمون بفتح طريق آخر ليس إلى معرفة من نوع آخر للوجود الإلهي، وإنّما إلى ‘معرفة’ لا تنتمي إلى منظومة العلوم الطبيعية ولا إلى منظومة العلوم الدينية، وهي العرفان الصوفي الذي أدخل في باب تجربة الشوق والوجدان» (ص. 385). فتحولت الدلالة من نظر فلسفي وإستراتيجية في التفكير إلى الدلالة بوصفها مشاهدةً وذوقًا، وتلك هي المفارقة العجيبة! وليس بعيدًا عن هذا قول ابن ميمون بعرضية الواحد والوجود؛ ما يجعله يسقط، كما يقول المصباحي، في التفقير الأنطولوجي (ص. 395) وأمّا الذات كدلالة عند المتكلم الأشعري المكلاتي فقد ساقها في مركب الشبهات التي لا تعمل إلا على إفحام الخصم، وتهديم الحجج، وتحبيط الهمم على عكس مقالة الباء التي جاء أفقها فلسفيًا جدليًا رفيعًا (ص. 353)؛ ما أدى حتمًا

إلى انسداد أفقه وانغلاق تصوراته؛ وذلك لأنه أقبل على الشبهات بدلً من النظر في الداللت والإشك لات. يمكن القول إنّ كتاب الذات في الفكر العربي الإسلاميقد حقق أمرين أساسيين؛ الأول قدرة

(((«إن دلالة الحائرين كتاب في الرحلة الروحية التي كان لا بد من أن ينتهي إلى ما انتهى إليه كتاب رحلة حي بن يقظان لابن طفيل وهي نهاية الفناء الصوفي»، انظر: المصباحي،

الذات، ص.384

فائقة للمؤلف على مواجهة نصوص الفلاسفة والمتصوفة من مختلف المذاهب والنحل في مسألة الذات، على أساس النقد والمراجعة. والثاني يتعلق ببيان محدودية تفكيرنا في الذات، سواء كانت الذات الأنطولوجية والعمرانية أم الدلالية. فهذه السمة، أي المحدودية، مطلب فلسفي وتاريخي يمكننا من لانخراط في زمن الحداثة وعالم الحرية، برؤية فلسفية وخلفيات نظرية قوية، تتوسل بأدوات ومفاهيم، من قبيل المادة، والصورة، والفعل، ولانفعال، والعقل، والوجود... إلخ، وتستحضر أفق الإستراتيجيات الدلالية المختلفة والمتنوعة (التواطؤ، والتشكيك، ولاشتراك). وعلى هذا، يكون حضور الأفقين (القدامة والحداثة) في مؤلف المصباحي، كمن يسلخ الشاة للتمييز بين جلدها ولحمها، وبين جوهرها وعرضها، وبين وحدتها وكثرتها، وبين إمكانها وفعلها. أعتقد أنّ سؤال الذات في الفكر العربي الإسلامي هو سؤال ملتبس بالعقل والوجود والإنسان ذاته؛ إذ يتقاطع في مدار هذه الذات القول الفلسفي البرهاني والقول الصوفي الذوقيّ، وكأنّ لالتباس

لم ينحصر فقط في الموضوع المفحوص بقدر ما امتدّ إلى الدلالة والمنهج؛ ليضعنا أمام لالتباس

المراجع

ابن رشد، أبو الوليد، تفسير ما بعد الطبيعة. تحقيق موريس بويج. ط 2. بيروت: دار المشرق،.1997 المصباحي، محمد. الذات في الفكر العربي الإسلامي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 ________. تحولات في تاريخ الوجود والعقل: بحوث في الفلسفة العربية. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1.995

المضاعف لدلالة الذات. وحسبنا القول، أيضًا، إنّ اختيار المصباحي عنوان مؤلَّفه قد يأتي لهذا الغرض وبدافع القصد الأول؛ أي مواضع التباس الذات، حتى ينطبق علينا قول ابن رشد: «إن وقوع ذلك الغموض متقدم على ارتفاعه والجهة التي منها يقع الغموض غير الجهة التي منها يرتفع الغموض والجهة». ومن ذلك أنّ سؤال الذات لم يكن غير سؤال العقل والإنسان، حتى صار القول إن من يدرك ليس الإنسان بل العقل؛ ما يجعلها تجربة ميتافزيقية هائلة. بناءً عليه،

نتساءل: هل يتطلب لانخراط في عالم الحداثة والتنوير تحويل العقل إلى ماهية الإنسان الفرد، وتحويل الإنسان إلى ذات مفكرة وحرّة على

المستوى المعرفي؟ أم أنّ الأمر يدعونا إلى أكثر من ذلك؛ أي إلى تحقيق القطيعة التامة، على حد قول عبد الله العروي، مع نظرية العقل الوسطوية، وطي صفحة الماضي؟ وإلى أيّ حدٍّ يمكن اعتبار

تغيير تصورنا للمعرفة والتاريخ والعلم والإنسان شرطًا مقوّمًا لعملية لانتقال من سؤال الذات في

الفكر العربي إلى سؤال العقلانية والحرية؟

(((أبو الوليد ابن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، تحقيق موريس بويج، ط 2 (بيروت: دار المشرق، 9671)، ص.169

References