العودة إلى تفاصيل المؤلَّف موقف الأشاعرة من ابن رشد وكتاب الكشف في الأسباب الأشعريَّة لأُفول الرُّشدية

موقف الأشاعرة من ابن رشد وكتاب الكشف في الأسباب الأشعريَّة لأُفول الرُّشدية

The Ash’arite Attitude towards Averroes and his Kashf Book: Did Ah ’ arism Cause the Downfall of Averroism?

عزيز أبو الشرع

Aziz Abouchraa

الملخّص

إنَّ هذا القول، يَهدف إلى التخفيف من حدة الاعتقاد بربط النكبة بنهاية الرشدية، أي المعنى السياسي للنَّكبة المتضمن لمعنى الإبعاد والحصار، المبني أساساً على معنى السِّعاية التي تحمَّل وزرها فقهاء الوقت. إنَّنا نسعى إلى الكشف، عن أسباب معرفية لنهاية الفلسفة الرشدية أو ضعفها، عبر عرض الردود الكلامية الأشعرية على ابن رشد وكونها سبباً لاختفاء الدرس الفلسفي من الغرب الإسلامي، إن هو اختفى فعلاً. نفترض أنَّ هذه الاعتراضات الأشعرية، قد تكون الفعل الأقوى في إضعاف الفلسفة أكثر من أي نكبة قد تكون. هو الفكر يضرب الفكر.

Abstract

Abstract: This paper casts doubt on the dominant Arab trend of attributing the demise of Averroes’s philosophy to a «catastrophic» political, social and economic stasis (or Nakba). The author rather seeks to find and unravel the epistemological reasons behind the eventual withering away of Averroes’s philosophy through a discussion of the «Islamic scholastic» (Kalam) arguments made against Averroes by members of the Ash’ari school of thought. The premise of this paper is that Ash’arite objections were the most effective factor in attacking Averroes’ philosophy. An understanding of these arguments could be a better explanation of the ostensible demise of philosophy«an arguable assertion» from the Muslim West.

الكلمات المفتاحية:
  • ابن رشد
  • الأشاعرة
  • الغرب الإسلامي
  • علم الكلام
Keywords:
  • Averroes
  • Ash'arites
  • Kalam
  • History of Muslim West

The Ash’arite Attitude towards Averroes

and his Kashf Book: Did Ah ’ arism Cause the Downfall of

Averroism?

بالنكبة التي حلّت بابن رشد، أي المعنى السياسي للنكبة المتضمن معنى الإبعاد والحصار، المبني أساسًا على معنى السِّعاية التي تحمَّل وزرها فقهاء ذلك الوقت. إنَّنا نسعى إلى الكشف

عن أسباب معرفية لنهاية الفلسفة الرشدية أو ضعفها، عبر عرض الردود الكامية الأشعرية على

ابن رشد، وكونها سببًا لاختفاء الدرس الفلسفي من الغرب الإسامي، إنْ هو اختفى فعا.

نفترض أنّ هذه الاعتراضات الأشعرية، قد تكون الفعل الأقوى في إضعاف الفلسفة أكثر من أي نكبة قد تكون. إنه الفكر يضرب الفكر.

حول أشعرية ابن رشد نفسه

نفترض أنّ الأصل في بداية ابن رشد كانت الأشعرية. ولا حاجة إلى تأكيد أشعرية ابن رشد الجد (ت. 520 ه)، والأب (ت. 563 ه)، غير أنّ تلمذة أبي الوليد الحفيد لعياض (ت. 544 ه) الأشعري الكبير، وتعلُّق قلبه بأبي عبد الله المازري (ت. 536 ه) في شبابه، يكفيان لاستدلال على البداية الأشعرية لصاحبالكشف عن مناهج الأدلة. أمّا المتن الرشدي، فيمكن أن يُفيدنا بأشعرية ابن رشد المبكِّرة كما تظهر في كتابه الضروري في أصول الفقه أو مختصر المستصفى؛ إذ إنّ أسلوب ابن رشد، في هذا الكتاب، واستعمالاته الكامية، وإشاراته إلى أئمة الكام الأشعري لم تكن لِتختلف، في جملتها، عن طريقة غير ابن رشد من الأشاعرة المعروفة أشعريتهم. نقرأ في استهال الضروري، اعترافًا مبدئيًا بمكانة علم الكام، لا نجد مثيلً له فيما عقب ذلك من

مؤلفات أبي الوليد، إذ يقول: «إنَّ المعارف والعلوم ثاثة أصناف: إما معرفة غايتها الاعتقاد الحاصل عنها في النفس فقط، كالعلم بحدَث العالم، والقول بالجزء الذي لا يتجزأ وأشباه ذلك». ففي النص اعتراف صريح بالمعرفة الكامية، واعتبارها صنفًا من العلوم المهمّة، وأهم هذه المعارف إثبات حدوث

العالم ومسألة الجزء، وقد علمنا الجُهد الذي خصَّصه ابن رشد في الكشف عن مناهج الأدلة لإبطالهما. كما صار ابن رشد إلى مجاراة التقليد الرسمي في وصف متكلمي الأشاعرة بأهل السُنة، ونضرب مثالً على ذلك من خال مسألة الحسن والقبح العقليين، إذ يقول: «أما حدُّ الحكم عند أهل السُنة فهو عبارة عن خطاب الشرع إذا تعلق بأفعال المكلفين بطلب أو ترْك؛ فإذا لم يرد هذا الخطاب لم تتعلق بالأفعال

صفة تحسين أو تقبيح، فيكون الحُسن والقُبح على هذا ليس وصفًا ذاتيًا للأفعال. وذهبت المعتزلة إلى

أنّ الحَسن والقبيح وصفٌ ذاتي للأفعال». فالإشارة بصفة أهل السُنة هي إلى الأشاعرة الذين ذَكر في مواضع أخرى من الكتاب بعضهم بالاسم كأبي المعالي الجويني (ت. 744 ه)، وبعض مؤلفاته مثل الرسالة النظامية، بل ورد أيضًا ذكر إمام الأشاعرة نفسه، الذي حاه بالشيخ أبي الحسن الأشعري (ت. 324 ه). من جهة أخرى، لا يبدو من صنيع أبي الوليد في بداية المجتهد ونهاية المقتصد أي خروج عن التقليد الأشعري؛ إذ نجد استعمال مصطلح المتكلمين واردًا باعتبارٍ علميٍّ مرغوب وفاعل، كما أن قولهم في

الخاف معتبر، وخاصة في المسائل الأصولية، وهو أمر ينسجم مع ما سبق، بل أولى منه، إذا تعين أن تأليف بداية المجتهد يرجع إلى سنتَي 563 و 564، وهي مرحلة مبكرة من الحياة العلمية لابن رشد؛ فهو في هذه المرحلة إلى الأشعرية أقرب.

(((محمد بن رشد، الضروري في أصول الفقه، تقديم وتحقيق جمال الدين العلوي (بيروت: دار الغرب الإسامي، 9941)، ص.34 (((المرجع نفسه، ص.42 (((المرجع نفسه، ص.45 (((المرجع نفسه. (((جمال الدين العلوي، المتن الرشدي: مدخل لقراءة جديدة (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 9861)، ص 67–66.

نقرأ في بداية المجتهد، في سياق معالجة مسألة أصولية لها عاقة بالتكليف: «وقد بين ذلك المتكلمون كأبي المعالي وغيره». وقد علمنا أن البناء الذي سينشئه ابن رشد في الكشف عن مناهج الأدلة، إنما هو على أنقاض كتاب أبي المعالي، الذي كان عمدة أشاعرة المغرب في ذلك العهد، ما يعني أنه إلى حدود ذلك التاريخ، لا يزال ابن رشد، في أحضان الفكر الأشعري، أو على الأقل لم يتقرر عنده تهافته، أو لم يحن الوقت للكام فيه. في زمن ابن رشد، كانت الأشعرية قد امتدَّت إلى الغرب الإسامي، ولم يَشذَّ عن ذلك إلا آحادٌ، من القائلين ببعض المقالات المخالفة، أو من ذوي نزعات غير أشعرية، في بعض القضايا الكامية. فالدرس الكامي الرسمي في المدارس ومجالس العلم، إنما كان درسًا أشعريًا أساسًا. إنَّ تلمذة ابن رشد لعياض، وحتى بحسب رواية خلف بن عبد الملك بن بشكوال، صاحب كتاب الصلة (ت. 578 ه)، فهي تعني بالضرورة أنّه خرِّيج مدرسة أشعرية عريقة. فعياض هو تلميذ مباشر

ومُازم لأحد أركان الأشعرية المغربية، وصاحب مؤلفات تُعتبر مؤسِّسة في المغرب؛ هو أبو الحجاج الضرير (ت. 520 ه)، وقد روى عنه عياض تلك المؤلفات. بل إنّ هذا الاتجاه الكامي بلغ مع عياض نفسِه مرحلة جعلت صاحب ترتيب المداركيُفرد الإمام بترجمة حافلة في كتابه، وما كان لذلك من داعٍ، فهو غير مالكي أصلً. وكان أبو الفضل لَهِجًا بالثناء والاستشهاد بأعام المذهب ورموزه، كأبي بكر الباقاني (ت. 024 ه) ومحمد بن الحسن بن فورك (ت. 064 ه)، وغيرهما. وأمَّا المازري، فهو رجل حملته أشعريته على الرد على أعام كبار للأشاعرة، شذُّوا في أشياء، كالجويني نفسه، في مسألة الكليَّات، وغيرها. كما أن تاج الدين بن السبكي لم يردّ الموقف النقدي للمازري من

الغزالي (ت. 505 ه)، إلا إلى أسباب أشعرية تحديدًا، تجلَّت في حَيدة أبي حامد عن قول الأشاعرة في مواضع، وعدم تقيُّده المثالي بالاتجاه الأشعري. أما ابن بشكوال؛ فلم تكن أشعريته لتخفى وهو

يترجم لأعام الأشعرية على عهد المرابطين، مُشيدًا بتميُّز صناعتهم، مغرقًا إياهم ثناءً.

(((محمد بن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، تنقيح وتصحيح خالد العطار، إشراف مكتب البحوث والدراسات، ج 1 (بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 9951)، ص.140 (((عياض أبو الفضل، الغنية فهرست شيوخ القاضي عياض، تحقيق ماهر زهير جرار (بيروت: دار الغرب الإسامي، 9821)، ص.227–226 (((عياض أبو الفضل، ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعام مذهب مالك، ج 5، ط 2 (الرباط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسامية، 9831)، ص.30–24 (((يقول السبكي: «وكان مصممًا على مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه، جليلها وحقيرها، كبيرها وصغيرها،

لا يتعداها، ويبدع من خالفه، ولو في النزر اليسير، والشيء الحقير [...] والقوم أعني الأشاعرة، لا سيما المغاربة منهم يستصعبون

هذا الصنع، ولا يرون مخالفة أبي الحسن في نقير ولا قطمير»، انظر: تاج الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق محمود محمد الطناحي وعبد الفتاح محمد الحلو، ج 6، ط 2 (القاهرة: هجر للطباعة والنشر والتوزيع، 1413 ه)، ص.244 ونقرأ أيضًا قول الغزالي: «وإني رأيتك أيها الأخ المشفق والصديق المتعصب موغر الصدر منقسم الفكر لما بلغك طعن طائفة من الحسدة على بعض كتبنا المصنفة في أسرار معامات الدين وزعمهم أن فيها ما يخالف مذهب الأصحاب المتقدمين والمشايخ

المتكلمين، وأن العدول عن مذهب الأشعري ولو في قيد شبر كفر ومباينته ولو في نزر ضالٌ وخُسر»، انظر: أبو حامد الغزالي، فيصل

التفرقة بين الإسام والزندقة، تحقيق حكة مصطفى، ترجمة إدريس الناقوري (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 9831)، ص.1

من جهة أخرى، وعلى عكس ما كرَّسه المرحوم محمد عابد الجابري من الجُهد في التضخيم من

جدوى «فتوى التشويش» الواردة عن ابن رشد الجَد في التأسيس لموقف سلبي من الأشعرية،

كان أبو الوليد الأكبر من الأشاعرة المصرِّحين بمذهبهم في غير ما موضع من مؤلفاته وفتاواه، فكان

لذلك – ولا شك – الأثر المباشر في تعريف الحفيد بتراث الأشاعرة، وكذا تَنشئته على ذلك، إضافة إلى أبي القاسم نفسه والد ابن رشد الذي كان، من دون شك، من هؤلاء المغاربة المتشبِّعين، إلى جانب

مذهبيتهم المالكية، بتراث أبي الحسن الأشعري. غير أننا، مع كل الذي قدمناه، نؤكد أننا لا نصبو إلى إثبات أشعرية الفيلسوف ابن رشد، وليس ذلك هو الغاية، وإنما القصد إثبات النشأة الأشعرية لأبي الوليد لا غير، أمّا التحول عنها، أو عدم الانصياع لجميع جزئياتها، فهو أمرٌ لا يكاد يخفى في الكتابات الرشدية الأولى ذاتها، التي اتخذنا بعضها مصدرًا

لإثبات نشأة ابن رشد على مذهب قومه. ففي مسألة التحسين والتقبيح التي أوردناها آنفًا؛ حيث سرَد

المؤلف اختاف أهل السُنة والمعتزلة، عاد ليصرِّح بعدم أفضلية أيٍّ منها على الآخر: «والقول في هذه

المسألة ليس من هذا العلم الذي نحن بسبيله. ويشبه ألا يكون في واحد من هذين القولين كفاية في الوقوف على هذه المسألة»، مع أننا لا نفهم من عدم الكفاية عدم الفضيلة. ولا يفوتنا أن نشير إلى أنّ لابن رشد تأليفًا بعنوان: مقالة في الجمع بين اعتقاد المشائين والمتكلمين من علماء الإسام، قد نفهم منها أنه مرَّ بمرحلة ثالثة، هي مرحلة التوسط بين الفاسفة والمتكلمين، قبل

الخاص إلى الموقف المعلوم من الأشعرية أو بعده، وما يمنعنا من اعتقاد ذلك أنَّ النص مفقود، مع عدم المعرفة بتاريخ تأليفه. ولكنّ المؤَكد أن المسألة الكامية كانت شاغلة لأبي الوليد، وأنها استغرقت منه جهدًا في التأليف والتفكير، وفي مشروعه الفلسفي.

ابن رشد بين التبرُّؤ من الأشعرية والدخول في «الأمر العزيز»

هل كان ضروريًا، بالنسبة إلى ابن رشد أن ينسلخ من أشعريته التي نزعم أنّه نشأ عليها، لكي يكون

فيلسوفًا؟ بعبارة أخرى؛ هل هناك تعارض بين علم الكام في وجهة الأشعري وبين الخطاب الفلسفي وصل بابن رشد إلى حدِّ التأليف في نقض الكام الأشعري، والتشنيع على الأشاعرة خاصةً، من دون المصنفات الأخرى التي ذكرها في الكشف عن مناهج الأدلة؟ من حيث المبدأ؛ على الرغم من أنّ الخِطاب الكامي مُحايث للفلسفة من جهة اعتمادِ العقل أساسًا

للنظر، وكذا من حيث الاشتراك الموضوعي في جملة من القضايا، فإنّ الأمر يتعلَّق بجنسين من القول

(1((نقصد بذلك فتوى ابن رشد الجد في موضوع التحذير من إقحام العوام في علم الكام، المتضمَّنة في فتاواه، والتي

استخدمها الأستاذ الجابري في الاستدلال على أن موقف ابن رشد الحفيد من علم الكام قد يكون تأثرًا بموقف الجد، انظر

محمد بن رشد (الجد)، فتاوى ابن رشد، تحقيق وتقديم المختار التليلي، ج 2، ط 3 (تونس: دار الغرب الإسامي، 0112)، ص 972–966؛

محمد بن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 0072)، ص.45 (((1 ابن رشد، الضروري في أصول الفقه، ص.42 (((1 في هذا الشأن، انظر: محمد بن عبد الملك المراكشي، الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة، تحقيق بشار عواد وإحسان عباس ومحمد بن شريفة، ج 4 (تونس: دار الغرب الإسامي، 0122)، ص 23، وقد استشكل العلوي هذا الأمر، انظر: العلوي، ص.37

يختلفان من حيث المبدأ والغاية. ثم إنّ المتكلم، مهما كان مذهبه، يسعى جُهده، رغم ذلك، إلى التميُّز

من الفيلسوف، إضافة إلى أنّ جزءًا من علم الكام هو في الواقع نقضٌ وردٌّ على الفاسفة، ودفاعٌ عن

جوهر الملّة وعقيدة الأمَّة. وحتى لا نذهب بعيدًا في البحث عن أسباب النقد الرشدي للأشعرية، فإنّ ابن رشد يصرِّح في الكشف

عن مناهج الأدلة، كما هو معلوم، بعدم جدوى هذا العلم لكونه غير برهاني، وكأنه يضع نفسه موضع المدافع عن العقائد الإيمانية، وموضع حفظها من مغامرة المتكلمين، وردعهم عن إقحام العوام في علم الكام. وهو أمرٌ، مع كونه مُفيدًا في تفسير هذا الإعراض الرشدي عن عقائد الأشياخ، غير كافٍ في

فهم ذلك الحماس الكبير الذي تجده في الكشف عن مناهج الأدلة، والتشديد على المتكلمين الذي بلغ درجة التخوين، وعلى رأس هؤلاء أبو حامد الغزالي نفسه. إن السؤال الذي نريد أن نستثمره في سبيل تكميل هذا التفسير القاصر، والفهم غير المكتمل لخلفيات هذا العمل الكبير الذي قام به أبو الوليد ضد الأشاعرة، هو: هل كان للمناخ السياسي، والتغيير الذي طال البناء المعرفي المغربي بسبب ذلك، دورٌ في التوجه الرشدي الجديد؛ المخالف للمسطَّر في مختصر المستصفىوغيره. من الناحية التاريخية، يبدو أنّ أمرًا ما ليس متوفرًا، لنفهم الأمور على نحو أدق، وأقرب إلى الواقع؛

فابن رشد الذي ألَّف كتاب الكشف عن مناهج الأدلة في تاريخ محدَّد (575 ه)، كان حينها قد دخل في خدمة الموحدين، وبدأ المشروع الفكري القائم أساسًا على التعاون والتشارك مع دولة بني عبد المؤمن التي عُرفت تاريخيًا بدولة الأشاعرة. ومحمد بن تومرت (ت. 524 ه) الذي أسَّس البناء الفكري والمعرفي

لهذا الكيان السياسي هو نفسه المعروف بدوره في نشر الأشعرية، ومؤلَّفه الشهير المرشدة التي كان لها من الرواج والتدارس والشروح ما هو معلوم، حتى بعد أفول دولة الموحدين. بعبارة أقرب؛ بما أنّ ابن تومرت إمام الموحدين أشعريٌ منافحٌ عن الأشاعرة، متولٍ أمر نشر مذهبهم في المغرب، بحسب رأي من يرى ذلك، فإنه لا يمكن أن يُساير القول إنّ ابن رشد، وهو أحد رجالات الباط الموحدي، يأتي على بنيان المذهب الأشعري من القواعد. لسنا نحتاج إلى تأكيد أنّ موضوع عاقة فكر ابن رشد وفلسفته بالمناخ السياسي المعاصر حينها، هو موضوع قديم في الدراسات الرشدية، ولا يمكننا في هذه المناسبة الوقوف عند تحقيق تلك المذاهب، وتمحيصها. غير أننا يمكن أن نسجل موقفًا نعتبره جريئًا، مع الاعتراف بأنه غير مُوفٍّ بتأويل هذا الأمر. وفي سبيل ذلك نتوسل بالوقفات التالية: الوقفة الأولى (حول شرح ابن رشد لعقيدة ابن تومرت): اشتهر ابن تومرت ب  المرشدة، وهي المتن الذي وضعه الداعية الموحدي لأتباعه في باب الاعتقاد، ورأى الكثيرون أنه السبب في انتشار الأشعرية في المغرب، وهو أمر لا قيمة له على الإطاق؛ لا سيما بعد ظهور الكثير من النصوص التي وضعها أشاعرة ينتمون إلى عصر الطوائف، وآخرون ينتمون إلى العهد الموحدي، فضلً عن أمور أخرى لا حاجة إلى

التطويل بها؛ من أجل ذلك يذهب الاعتقاد إلى أن ابن رشد شرح هذا المتن (المرشدة) لما ورد في فهرس الإسكوريالأنه شرح عقيدة المهدي، فهل تعني عقيدة المهدي بالضرورة المرشدة فحسب؟ في الواقع، رغم وضوح عبارة ابن عبد الملك، التي مفادها أنّ ابن رشد له تأليف؛ هو شرح العقيدة الحمرانية، فقد صار الدارسون لمتن ابن رشد إلى عدم الانشغال بالأمر فيما يشبه التجاهل، وأحيانًا إلى استبعاده، أو عَدّ أنه لا يكاد يعني شيئًا. وقد أسهم، في تعقيد الأمر ما أورده صاحب المرقبة العليا، وجاء مصحَّفًا في نشرة بروفنسال، ومن جاء بعده من الناشرين، حيث ورد لفظ «الحمدانية» بدلً

من «الحمرانية». غير أنّ اكتشاف الأستاذ محمد بن شريفة، بإشارة من المختار السوسي في خال جزولة، لما يُفترض أنه نسخة لشرح ابن رشد على الحمرانية، جعل ما كان مسطورًا من قبلُ ومظنونًا

واقعًا ليس بيننا وبينه إلا نشر النسخة الوحيدة الموجودة عند بعض الخاصة. وقد أورد بن شريفة في السيرة التي وضعها لابن رشد طرفًا من هذه العقيدة، لم يبقَ معه مجال للتأويل، وأن المقصود بعقيدة المهدي التي شرحها ابن رشد هو الحمرانية، والتي سُميت بذلك لاستهالها بقوله و«عن حمران»، وهو

مولى الخليفة الثالث عثمان بن عفان.

(((1 الصغير عبد المجيد، «في الحاجة إلى تاريخ نقدي لعلم الكام بالمغرب»، في: مجموعة مؤلفين، ندوة الاتجاهات الكامية في

الغرب الإسامي، تنسيق على الإدريسي، سلسلة ندوات ومناظرات 041 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 0052)، ص 4–13.1 وفي رصد الدراسات المغربية حول الموضوع، والتنبيه على محورية سؤال البحث في علم الكام في الغرب الإسامي،

انظر: محمد أيت حمو، فضاءات الفكر في الغرب الإسامي: دراسات ومراجعات نقدية للكام (بيروت/ الجزائر: دار الفارابي/ منشورات الاختاف، 0112)، ص.17–10 يُعد هذا الفقيه المرابطي صاحب مدرسة مغربية في الكام، وإمامًا من أئمة الأشاعرة في المغرب، تخرَّج على يده أعام كبار نشروا

مذهب أبي الحسن، وهي مدرسة جوينية تعتمد الإرشاد في تدريسها ومناظراتها، وإليها ينتمي أئمة كبار كالصقلي (ت. 934 ه)

صاحب الحدود الكامية، والسالجي (ت. 574، وابن نموي (ت ه) صاحب البرهانية. 612 ه)، وابن الكتاني (ت. 595 ه)، ثم

عنهم أخذت الطبقة التي تليها، والتي ينتمي إليها المكاتي نفسه الذي رد على الفاسفة في لباب العقول. وتُعَدّ هذه المدرسة

الأشعرية التي كانت على عهد المرابطين وكان هؤلاء الأعام، ومنهم المرادي أصحاب مناصب عليا منها القضاء (الحضرمي محمد بن الحسين، ت. 894 ه)، أكبر دليل على أن الفقهاء المرابطين الكبار كانوا أشاعرة، وليس العكس كما أراده بعض مؤرِّخي

الموحِّدين وتبعهم على ذلك بعض المعاصرين. ومن أوائل من اهتم بالمرادي سامي النشَّار الذي تولى نشر كتابه السياسة، ثم

الأستاذ عبد المجيد الصغير في مقالاته، وبعده محمد عال البختي في تحقيقه لعقيدته، انظر: أبو بكر المرادي، السياسة أو الإشارة

في تدبير الإمارة، تحقيق سامي النشار (الدار البيضاء: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 981 1)؛ جمال البختي، عقيدة أبي بكر المرادي

الحضرمي، تحقيق وتقديم جمال عال البختي (الرباط: منشورات الرابطة المحمدية للعلماء/ مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات

والبحوث العقدية، 012 2)؛ أبو بكر محمد الصقلي، الحدود الكامية والفقهية على رأي أهل السنة الأشعرية ومعه مسألة الشارع في

القرآن، تحقيق وتقديم محمد الطبراني (تونس: دار الغرب الإسامي، 0082)، ص.22–20 (((1 المراكشي، ج 4، ص.23 وقد وقع أمر غريب عند الأستاذ بن شريفة، وهو سهو منه ولا شك وسبق قلم لا غير؛ إذ اعتبر أن

الموجود في الذيل والتكملة: هو شرح العقيدة «الحمدانية»، هكذا محرفًا، بينما الموجود بالراء، والمحرَّف هو الواقع في المرقبة، ثم

ذهب إلى أن الموجود في المرقبة العليا «شرح عقيدة المهدي»، بينما توجد هذه الأخيرة في فهرس الإسكوريال، لا في المرقبة، انظر:

محمد بن شريفة، «ظهور تأليفين لابن رشد الحفيد»، مجلة الأكاديمية، المملكة المغربية، العدد 19 (0022)، ص 06.2 1(((أبو الحسن النباهي، المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة، ط 5 (بيروت: دار الآفاق الجديدة، 9831)، ص.111 1(((يستغرب المرحوم جمال الدين العلوي مما ورد في الذيل والتكملة والمرقبة العليا، انظر: العلوي، ص 3.0 1(((المختار السوسي، خال جزولة (تطوان: المطبعة المهدية، [د.ت.])، ص.116–114 1(((محمد بن شريفة، ابن رشد الحفيد: سيرة وثائقية (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 9991)، ص 8–474؛ بن شريفة، «ظهور تأليفين لابن رشد»، ص.206

إن أهم سؤالٍ يَرِد علينا هو: إذا كان ابن رشد مهتمًا – ولا بد – بما يكتبه «الإمام المعصوم»، فلماذا لم

يشرح أهم ما كتبه في باب الاعتقاد، وهو المرشدة، وعدل عنه إلى جزء بسيط من أعز ما يطلب، وهو الحمرانية التي هي عبارة عن مجموعة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية؟ يذهب الأستاذ محمد بن شريفة إلى أن هذا المؤلَّف قد يكون أول ما ألّفه ابن رشد، أي بمجرد التحاقه بخدمة الموحدين، وأنَّ مضمون هذه العقيدة هو تمهيد لما سيجيء به ابن رشد في الكشف عن مناهج الأدلة وفصل المقال، أي إن تاريخ تأليف الحمرانية قد يرجع إلى نحو سنة 548 هجريًا. ولا مانع عندنا إلى ما ذهب إليه بن شريفة، غير أنّه غير مُوفٍّ بما نحن فيه، وهو سبب الحمل على الأشاعرة؛ إذ لم يكن، في جميع الأحوال، مشروعًا مصرَّحًا به عند الإمام. صحيح أن ابن تومرت، عند

التحقيق ليس أشعريًا مُخلِصًا، غير أنه في جميع الأحوال، مُتكلمٌ، لم يجاهر الأشاعرةَ بالعداوة ولا النقد، كما صنع ابن رشد. ثمّ إن أهم ما يمكن تسجيله في هذه النقطة هو: لماذا الحمرانية وليس المرشدة؟ علمًا أن الحمرانية ذات اتجاه أثري ظاهري قريب من روح الكشف عن مناهج الأدلة، والمرشدة ذات اتجاه كامي أميل ما يكون إلى الأشعرية، وهو تحديدًا ما كان هدف ابن رشد بالنقد والعتاب. الوقفة الثانية (حول دخول ابن رشد في أمر الموحدين وتأليفه في ذلك): ورد في قائمة مؤلفات ابن رشد عند ابن عبد الملك مقالة في كيفية دخوله في الأمر العزيز وتعلمه فيه وما فضل من علم المهدي، غير أنه ورد في فهرس الإسكوريال بعنوان مقالة في كيفية دخوله في الأمر العزيز [...] من علوم الإمام، بمعنى أنّ إمامة المهدي جاءت مصرحًا بها. إنَّ هذا كتاب، على أننا لا نعلم عنه شيئًا، ينبئنا بانخراط ابن رشد في أمر الدعوة الموحدية، أي الاعتراف بالسلطة الروحية للرجل الأول فيها والاعتقاد الرسمي بعصمته، وهو أمر مثيرٌ لاستغراب

عن رجل لطالما رفض أمثال هذه التوجهات المغرقة في الباطنية؛ كما صرح بذلك في غير ما موضوع في الكشف عن مناهج الأدلة، وغيره. وكنا نستطيع أن ندفع عن ابن رشد مثل هذا الزعم، لولا أنه قد يصرِّح بنفسه بما يُفهم منه أن له ميولات موحدية مهدوية، فلننظر مثلً في قوله متشكيًا أمر شيوع الأهواء

الفاسدة والاعتقادات المحرفة: «وقد رفع الله كثيرًا من هذه الشرور والجهالات والمسالك المضات

بهذا الأمر الغالب، وطرق به إلى الكثير من الخيرات، وبخاصة على الصنف الذين سلكوا مسلك النظر، ورغبوا في معرفة الحق، وذلك أنه دعا الجمهور من معرفة الله سبحانه إلى طريق وسط، ارتفع عن حضيض المقلدين، وانحط عن تشغيب المتكلمين، ونبه الخواص على وجوب النظر التام في أصل الشريعة. والله الموفق والهادي بفضله».

(1((المرجع نفسه، ص.210 (2((المراكشي، ج 4، ص.24 (2((برنامج أبي الوليد بن رشد، مخطوط رقم 884، الإسكوريال، مدريد، ورقة 83 و. (((2 محمد بن رشد، فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، تقديم وتعليق ألبير نصري نادر، ط 8 (بيروت: دار المشرق، 0002)، ص.58

ويحسن بنا أن نضيف أمرًا له عاقة بطبيعة النظام السياسي القائم في عصر ابن رشد؛ هو نظام ضم

العقيدة إلى السياسة، واستعمل فكرًا أقرب ما يكون إلى الإلجاء في التعامل مع النخبة العلمية خاصة،

في سبيل إخضاعها، وقد أورد ابن عبد الملك ما يلي: «معتقد آل عبد المؤمن وطائفتهم قديمًا وحديثًا

أن كل من خرج عن قبائلهم المُعتقِدة عصمة مهديهم وعصمته فَهُم عبيد لهم أرِقَّاء». ولعل هذا المبدأ السياسي الديني، يُفيد في تفسير كثير من الظواهر الفكرية والسياسية على عهد الموحدين، بما فيها فهم بعض آراء ابن رشد ومواقفه الغامضة، بل لعله يفيد في فهم أمر النكبة نفسها، إذ هي مصير كل معترض على أمر العصمة، وأمر الدولة. الوقفة الثالثة (حول اكتشاف نسخة جديدة من كتاب الكشف عن مناهج الأدلة): يرجع الفضل إلى الباحث الفرنسي مارك جيوفروي، في لفت الانتباه إلى وجود نسخة، أو بالأحرى نسختين جديدتين، لكتاب الكشف عن مناهج الأدلة موضوع هذه الدراسة؛ وذلك خال أبحاث كان بصدد إنجازها في خزائن إسطنبول. بالنسبة إلينا، فإن الأمر واضح في فهرس مخطوطات كوبريلي (مجموعة فاضل أحمد باشا)، حيث الإشارة إلى النص بعنوان مخالف: «رسالة في مطابقة ظاهر الشرع مع الحكمة (رسالة في الظاهر من العقائد التي حمل الشارع الجمهور عليها مع تحري مقصد الشارع في ذلك) تأليف أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد المتوفى سنة 595 ه». ومن خال العبارة الأخيرة التي وضعها المفهرس شارحة بين قوسين، لا يبقى لمن يعرف ابن رشد شك في أنه كتاب الكشف، ثم بعد مقارنة بداية النص، التي أوردها المُفهرس ببداية الكشف عن مناهج الأدلة

يدل بطريقة بدهية على أنه هو. ومع ذلك، يظهر من صنيع الباحث أنه بذل جهدًا ليصل إلى أنه كتاب ابن رشد، ولأمر لا نعرفه لم يُشر إلى العبارة الموضوعة بين قوسين، حينما أثار وجود المخطوط في الفهرس الوصفي لمخطوطات فاضل باشا، مع أهمية هذه العبارة في كشف طبيعة الكتاب. لا تتجلى أهمية هذه النسخة الإسطنبولية لكتاب الكشفالتي اطلعنا عليها، على أهميتها، في إقامة النص فحسبُ، وإخراجه في صورة أفضل من الطبعات السابقة، ولا سيما نشرة مصطفى حنفي التي

أشرف عليها المرحوم الجابري، والتي وقف الباحث نفسه عند مواضع الاستدراك عليها باعتبار النسخ الجديدة في المقال المشار إليه نفسه، ولكن في كونها النسخة الوحيدة التي يرد فيها اسم

(((2 المراكشي، ج 4، ص.744 (((2 رمضان ششن وجواد إيزكي وجميل آفيكار، فهرس مخطوطات كوبريلي، ج 2 (إسطنبول: منظمة المؤتمر الإسامي/ مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسامية، 9861)، ص.311

(25) Marc Geofroy, «Ibn Rušd et la Théologie Almohadiste. Une Version Inconnue du Kit ā b al–Kašf ‘an man ā hi ğ al–’adilla dans deux manuscrits d’Istanbul,» Medioevo , no. 26 (2001), pp. 328–329. (26) Ibid., p. 327.

«الإمام المهدي» مصرَّحًا به في سياق أشد تعقيدًا وأقرب إلى الغموض، أي سياق نقد الأشعرية التي

هي مذهب صاحب أمر الدولة ومُلهمها الروحي، لا سيما إذا كانت هذه الدولة هي التي احتضنت

الفيلسوف ودعته إلى باطها ليفك العبارة وينشر الحكمة. بحسب نشرة الجابري، يقول ابن رشد في سياق الحديث عن الجسمية وسكوت الشارع عنها: «ولمّا

كان الوقوف على هذا المعنى من النفس [كونها غير جسمية]، مما لا يمكن الجمهور، لم يمكن فيهم أن يعقلوا وجود موجود ليس بجسم، فلمَّا حُجبوا عن معرفة اليقين علمنا أنهم حُجبوا عن معرفة هذا

المعنى من الباري سبحانه». ثم مباشرة بعد العبارة نفسها نقرأ في فهرس مخطوطات كوبريلي: «فإن قيل الإمام المهدي رضي الله عنه قد صرح بنفي الجسمية وكفَّر المتشبثين بها، فكيف قلتم أنتم إن [...] في الشرع أن لا يصرح فيها بإثبات ولا نفي، قلنا إنما حكيناه عن الشرع المنقول، فهو موجود فيه، أعني أنه لم يصرح بأنه ليس بجسم، لا في الكتاب ولا في السُنة، وأما ما حصله الإمام المهدي رضي الله

عنه من التصريح بذلك فهو الواجب بحسب زمانه، وذلك أن الناس لما اجتروا على الشرع وسألوا عما لم تسأل عنه الصحابة رضي الله عنهم، وهو هل هو جسم أم ليس بجسم، إذ هذا السؤال موجود في فطر الناس بالطبع، واشتهر هذا السؤال وفشى في الناس، وكان السبب فيه سؤال من دعا إلى الدخول في الإسام». يحتاج هذا النص إلى دراسة نقدية، تاريخية تبرر أمر وجوده في كتابالكشف عن مناهج الأدلة، لا سيما إذا علمنا أن هذه النسخة متأخرة جدًا، ومكتوبة بخط نسخي، وأن كاتبها ليس عربي اللسان ولا الضابط لقواعد اللغة، كما أشار إلى ذلك الباحث جيوفروي نفسه. ومع ذلك لا يبعد عندنا أن يكون ابن رشد قائل هذا الكام؛ فهو موافق لما في شرح الحمرانية المنقول سابقًا، غير أنه عند تأمل حقيقة موقف ابن رشد، يتبين أنه لا يعدو أن يكون مجاملة لإمام وأتباعه من طلبة الموحدين، حُرّاس

العقيدة الموحدية، وأركان الدولة المصمودية، ومن ثمَّ لا نرى لهذا النص أيَّ قيمة حتى في حالة ثبوته

عن ابن رشد في الكشف عن مناهج الأدلة، أو شرح الحمرانية، أو غيرهما. وبالجملة، مع إقرارنا بحاجة الموضوع إلى بحث أوسع، وبعد استعراضنا لتلك النقاط الثاث، فإنّ الذي لا شك فيه، أن ابن رشد يختلف عن المهدي في مسألة الموقف من الأشاعرة، بحيث إنّ الأول مُتكلم له اتفاق مع الأشاعرة في كثير من الآراء، والآخر فيلسوف لا يرى مكانًا للكام في المنظومة

الفلسفية ولا الدينية؛ ما يدل، في اعتقادنا، على أن ابن رشد وهو في خدمة الموحدين صاحب اجتهاد داخل تلك الدائرة، أو على الأقل كان مجانبًا للصدام مع التوجه الفكري العام لدولة «التوحيد»؛ ومن

ثمَّ وجب أخذ النقد الذي وجّهه ابن رشد إلى الأشعرية مأخذ الجد، على ما قد يتخلله من حضور

السياسة والأمر الغالب.

2(((ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة، ص.145 (2((كذا في المخطوط، والمراد «اجترؤوا.» (2((كذا في المخطوط، والمراد، «فشا.» 3(((محمد بن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة، مجموعة أحمد فاضل باشا، إسطنبول، مخطوط كوبريلي، ص.149–147

1. أبو عامر الأشعري، أول المعتنين بالانتصاف من ابن رشد ونقض كتاب الكشف

هو الفقيه أبو عامر يحيى بن عبد الرحمن بن ربيع (ت. 640 ه)، الأشعري مذهبًا ونسبًا، كما يَصفه

غير واحد، وكان أبو عامر هذا صدرَ علماء زمانه بالأندلس. أخذ عن أبي بكر بن الجد، وابن زرقون، وكاهما من المالكية المنحازين إلى المذهب، الممتحنين بسبب ذلك، في زمن المحنة المعلومة على عهد بني عبد المؤمن، كما أخذ عن الراوية ابن بشكوال، وغيره. له مؤلفات في علم الكام وُصفت بأنها جليلة ونبيلة. وقد صرَّح ابن الأبار بمواد الدرس الكامي لدى أبي عامر، التي هي في مجملها

جوينية، وأنه نوظر عليه في كتابَي أبي المعالي الجويني الشاملوالإرشاد. وقد أطبقت كُتب التراجم على إسباغ صفات العالمِية والنبوغ وإحكام المعارف المختلفة، على شخص أبي عامر، مع الالتزام بأخاق الحوار والمناظرة. يقول عنه في الإحاطة: «واحد عصره، وفريد دهره، كان، رحمه الله، علَمًا من أعام الأندلس، ناصرًا لأهل السُنة، رادعًا لأهل الأهواء، متكلّمًا دقيق النظر،

سديد البحث، سهل المناظرة، شديد التواضع، كثير الإنصاف، مع هيبة ووقار وسكينة». يتعلَّق الأمر بأوّل أشعري وصلنا اسمُه، انتبه لخطورة ما يقوم به الفيلسوف، الذي أعمل مِعول الهدم

في كيان البنية الأشعرية، ولا يتعلَّق فقط، بنظرٍ إلى مفكر حُر يسعى إلى التعبير عن رأيه، بل إنه يتعلق

برجل كان لا يرى في الأشعرية أفضل طريقة للدفاع عن الملّة، كما يراها الملتفون حول الإرشاد، الذي يُعَد صاحبُه الإمام بِلُغة المرحلة التاريخية، بل كان ابن رشد يرى، وهو الرجل الذي لا يمكن لأي

كان أن يُصادر على حق انتمائه إلى الديانة التي يدينون بها، رغم ما رُمِي به في المِحنة، أنّ الأشعرية

خطر على الدين نفسه؛ بحسب ما شرح أبو الوليد في الكشف عن مناهج الأدلة. فلم يَسُغ لرجل، مثل

أبي عامر، نشأ وتعلم منذ أول ما تعلَّم عن المشايخ الفضاء؛ أنّ أوّل واجب هو النظر الكامي الأشعري، أن ينظر بعين الرضا إلى ما يقوم به ابن رشد، لا سيما أنّه تقرر أيضًا أن على علم أصول الدين تقوم العلوم الأخرى، جملةً؛ فالمتكلم هو المسؤول بالطريقة المعلومة عن إثبات أصول الديانة نظريًا، حتى يسوغ النظر التفصيلي لباقي المشتغلين بعلوم الشرع عمليًا. هذا الاستفزاز، الذي قد يكون الرسالة التي تلقاها الأشاعرة المتحمسون للمذهب، الذي كان في أوجه حينها، جعل مثل هذا المتكلم المتضلِّع من صناعة النظر يُظهر الغضب من صنيع الفيلسوف الفقيه، ولم تكن مثل هذه الخطوة لتُستحسن عند أيٍّ كان، عندما نعرف مكانة ابن رشد في أسرته ودماثة أخاقه. لذلك، وبغضّ النظر عن القرار الرسمي الصادر في حق ابن رشد، فإننا لا نعلم ممّن

جعل ابنَ رشد بين عينيه غير أبي عامر هذا. يقول صاحب المرقبة العليا، والأصل عند غيره: «أخذ

(3((بشأن ترجمته، انظر: محمد بن الأبار، التكملة لكتاب الصلة، ج 4 (دمشق: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1994) ص.170–169 (((3 محمد بن الخطيب، الإحاطة في أخبار غرناطة، ج 4 (بيروت: دار الكتب العلمية، 9931)، ص.320 (((3 استأثر إمام الحرمين بهذا اللقب، منذ ظهور مؤلفاته وبروزه في المذهب الأشعري، حتى انتزعه منه، فيما بعد، فخر الدين الرازي الذي شاع هذا الاسم بشأنه إلى الزمن المتأخر.

الناس عنه واعتمدوه، إلى أن شاع عنه ما كان الغالب عليه في علومه من اختيار العلوم القديمة، والركون إليها. فترك الناس الأخذ عنه، وتكلموا، وممن جاهره بالمنافرة والمجاهرة القاضي أبو عامر يحيى بن أبي الحسن بن ربيع، وبَنُوه، وامتُحن بسبب ذلك، ومن الناس من تعامى عن حاله وتأول مرتكبه في انتحاله». هناك مسألة أساسية لا بد من استحضارها في نقد أبي عامر لابن رشد، تتعلّق بالخلفية المعرفية لهذا الفقيه الأشعري، الذي وُصف بأنّه «كان إمامًا في علم الكام، وأصول الفقه، ماهرًا في المعقولات». وعلى

هذه الأخيرة نعوِّل في أهمية نقد أبي عامر لابن رشد؛ ذلك أنّ عطف المعقولات على الكام وأصول الفقه يعني أنّ الأمر يتعلق بمعرفة ثالثة، فهل يعني هذا أنّ أبا عامر كان ممن عرف الفلسفة، ومهر فيها، أو على الأقل بعض أجزاء الفلسفة؛ كالمنطق، أو التعاليم؟ نقف عند هذه النقطة وقفات، هي: الوقفة الأولى: من أجل إثبات مشروعية السؤال المذكور آنفًا وإقامته، نزعم فيما ليس هذا محل إثباته، أنّه حتى عند افتراض أنّ المقصود بالمعقولات أصول الفقه والكام، فإنّ هذين العِلمين، تحديدًا، إنما عُرف بانتحالهما في الغالب منتحلو العلوم النظرية من منطق وفلسفة، وأما في الغرب الإسامي، فإنّ الأمر عندنا على إطاقه، وتعداد الأمثلة عليه لا يكاد ينتهي. الوقفة الثانية: أمر في غاية الأهمية، له ارتباط بالذي قبله، متمثّل بأنّ معرفة هذه المرحلة، مطبوعة بطابع جويني/ غزالي مكشوف، مبني على دراسة واختصار وتداول ل الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد) والمستصفى في علم الأصول، معًا. وقد ورد اسم الإرشاد صريحًا في ترجمة

أبي عامر الأشعري، واسم المستصفىمضمرًا، في عِداد المصرَّح به، فهو المقصود عند الإشارة إلى

التبريز في أصول الفقه، عند أغلب من انتحل هذا العلم في عصر الموحدين، بل منذ نهاية المرابطين على ما أثبتناه في غير هذا الموضع. وحتى لا نبتعد عن القصد الأول، الذي هو تحديد طبيعة المعرفة العقلية الموصوفة لأبي عامر، فإننا نزعم أنها من صميم المعرفة التي تشبّع بها ابن رشد نفسه، وأنها قامت بدور في تشكُّل المناخ الفكري

لمغرب القرن السادس الهجري، وهي المعرفة الغزالية، بما هي فلسفة وأصول وتصوُّف. والأخص من

ذلك أن نقول إنّ معرفة أبي عامر الجيدة، أو حتى غير الجيدة، بما كتب الغزالي: مقاصد الفاسفة، وتهافت الفاسفة، فضلً عن محك النظر في المنطقومعيار العلم في فن المنطق، واردة عند صاحبنا المتكلم الفقيه النَّظار. ومن ثمّ، فالنتيجة التي نخرج بها، هنا، في غاية الأهمية؛ وهي الانتباه إلى الحصار الذي مارسته الأشعرية في تعاضد مع الغزالية، على فلسفة ابن رشد، ودفاع الأشاعرة والغزاليين إنْ فرادى، أو مجتمعين، عن نسقهم الذي صار، أو يصير، نحو الهيمنة على المعرفة المغربية.

(((3 المراكشي، ج 4، ص 031–3؛ النباهي، ص.111 (3((بشأن ترجمته، انظر: ابن الأبار، ج 4، ص.169

وحتى نطّلع أكثر فأكثر على ما يُمكن أن يكون لنا عونًا على استجاء الصُّورة، نقف عند المؤلفات التي

أنشأها خصم ابن رشد في تصديه له، وتحطيم الأطر النظرية لكام ابن رشد، وتهافت القول الفلسفي لديه، بصفة عامة: – تحقيق الأدلة في قواعد الملّة، ودفع الشُبه المُضلة والأقوال المضمحلة: ليس يخفى على قارئ هذا العنوان، أنه مُشاكل للكلمات نفسها المستعملة في عنوان كتاب الكشف عن مناهج الأدلة، وأنه كان

يقصد بهذا التأليف مضاهاة كتاب ابن رشد ومعارضته. في الواقع، إنّ كُل جملة في عنوان أبي عامر تُحيل على أختها عند أبي الوليد، فابن رشد كتب من أجل الكشف عن مناهج الأدلة عن عقائد الملة؛ أي إنه يريد الكشف عن تهافتها، بحسب ما فهمنا، فتصدى له أبو عامر من أجل تحقيق هذه الأدلة، ودفع الشُبه المُضلة، إضافة إلى أنّ ما كتبه ابن رشد في نقض

النسق الأشعري لا يعدو أن يكون أقوالً مضمحلة. إن هذا الكتاب لو وُجد، هو الذي سيبين مدى القوة النظرية لعلم الكام الأشعري المغربي في نهاية

القرن السادس، وبداية القرن السابع؛ أي قبل دخوله المرحلة المتأخرة، بحسب تصنيف ابن خلدون، تلك المرحلة ابتدأت في المشرق بفخر الدين الرازي (ت. 606 ه)، الذي أدخل المباحث الفلسفية جنبًا

إلى جنب مع المباحث الكامية. – رسالة الاستيفاء لرسالة الإيماء في مسألة الاستواء: مع الأسف الشديد، فإنّ هذا الكتاب، كغيره من كُتب أبي عامر، لا نكاد نصل إليه اليوم؛ ولذلك لا نستطيع أن نقول شيئًا دقيقًا عن مضمونه. وفي المقابل، علمنا أنّ أبا عبد الله محمد بن خلف الألبيري (ت. 537 ه)، أحد أشهر المتصدين لاتجاه الغزالي على عهد المرابطين، ألَّف كتابًا في الرد على ابن رشد الجد، بعنوان الإيماء في مسألة الاستواء؛

كذا وردت في البرنامج مضمَّنة في رد أبي عامر. وعند ابن عبد الملك: الرد على أبي الوليد ابن رشد

في مسألة الاستواء الواقعة له في الجزء الأول من مقدماته. والمسألة المشار إليها بالرد هي قول أبي الوليد الجدّ، كما نقرؤها في المقدمات: «واختلفوا فيما وصف به نفسه من الاستواء على العرش [...] المغالبة والمقاهرة، والله يتعالى عن أن يغالبه أحد. وحمل الاستواء على العلو والارتفاع أولى ما قيل، كما يقال استوت الشمس في كبد السماء أي علت، ولا يمتنع أن يكون صفة ذات، وإن لم يصح وصفه تعالى بها إلا بعد وجود العرش، كما لا يوصف بأنه غيرٌ

لما غايره إلا بعد وجود سواه». كما هو واضح من النص، ومع أن ابن رشد الجدّ أشعري بالجملة، فإنّ عدم رضا هؤلاء الأشاعرة

(3((بشأن سرد تلك المؤلفات كاملة، انظر: علي بن محمد الرعيني (ت. 666 ه)، برنامج شيوخ الرعيني، تحقيق إبراهيم شبوح (دمشق: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، مطبوعات إحياء التراث القديم، 9621)، ص.73 (3((المراكشي، ج 4، ص.211 (3((ابن رشد (الجَد)، (أبو الوليد محمد بن أحمد ت. 520 ه)، المقدمات الممهدات، تحقيق محمد حجي، ج 1 (بيروت: دار

الغرب الإسامي 9881)، ص.21

المُصممين على أشعريتهم، هو بسبب فتحه باب الاختاف في المسألة ووضعه للنقاش، ثم ترجيحه

العلو وجنوحه إلى إثباته، وهو مؤول عند الأشاعرة، وهذا الرد على ابن رشد وإفراد ذلك بكتاب مستقل من قِبل أبي عبد الله الألبيري مبالغة لا ريب فيها، وهي مبنية على نزاع بين الرجلين حول الغزالية سببها انتصار الألبيري لشيخه أبي عبد الله بن حمدين (ت. 508 ه)، متولي كِبرَ إحراق إحياء علوم الدين. ولعل أبا عامر قد وجد مبتغاه في هذه الهفوة لابن رشد الجدّ، لمواصلة التشنيع على الأسرة الرشدية، ومحاصرتها، لا سيما أنّ الخَرق قد اتسع الآن على الراقع، بانتحال هؤلاء الرشديين الفلسفة وعلوم الأوائل، على يد أبي الوليد الحفيد، فتكون بذلك الطريق الأقرب إلى إسقاط أمجاد الأسرة الرشدية؛ التي ثبت من حيث الواقع التاريخي أنها في منافسة دائمة مع بني ربيع الأشعريين. – كتاب الوحدانية: يرى الأستاذ بن شريفة أنه قد يكون ردًا على كتاب شرح الحمرانية لابن رشد، ولم يأتِ بدليل على ذلك. ولعله راعى في ذلك مناسبة اللفظ للفظ، وقاس على الكتاب الأول الذي هو تحقيق الأدلة في مناسبة كتابالكشف عن مناهج الأدلة. نحن نرى أنه أقرب إلى أن يكون ردًا على ابن رشد في الفصل الذي يبتدئ بقوله في الكشف: «فإن قيل: فإن كانت هذه هي الطريقة الشرعية في معرفة وجود الخالق سبحانه، فما طريق وحدانيته الشرعية؟»؛ ذلك أنّ ابن رشد أتى في هذا الفصل بما هو مخالف للمسطور عند الأشاعرة، بل بما هو مهاجم لهم، فاستدعى ذلك رد أبي عامر. – الرد على من زعم أنّ العالم لا يقال فيه لا قديم ولا مُحدث: هذه المسألة رد مباشر على ابن رشد،

وقد ردّدها مرارًا، كما أن ابن رشد رافضٌ للتصريح بالنفي أو الإثبات لكثير من الأمور التي لم يأتِ بها

ظاهر الشرع، وأما هذا الأمر تحديدًا، فقد ورد فيالكشففي الفصل الذي وضع له الجابري عنوان: « استعمال لفظ الحدوث والقدم بدعة ». – الرد على كتاب البرهان القديم: قد علمنا أن عدة مؤلفات لابن رشد تشتمل في عناوينها على لفظ «البرهان»، فقد يكون ردًا على أحدها. – تحرير البرهان الجلي في إبطال الفعل الطبيعي: ناقش ابن رشد هذه المسألة في الكشف. – الحكمة البالغة والحجة الدامغة في الاعتقاد: لعله كتاب في الاعتقاد وضعه المؤلف على أساس بناء الأدلة فيه على نحو يستطيع من خاله تجنب الانتقادات الرشدية على الأشعرية؛ ولذلك فإنّ مراعاة المخالف حاضرة في هذا الكتاب، حتى وهو عمل إنشائي. – النجم الثاقب في استحالة تغير الواجب: هذه المسألة هي من صميم تعلّق الصفات بالذات، وهي من المسائل التي كان لابن رشد فيها رأي مخالف للأشاعرة.

3(((لاستزادة بخصوص هذا الموضوع، انظر: بن شريفة، ابن رشد الحفيد، ص.183–179 4(((ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة، ص.124–123 (((4 المرجع نفسه، ص.173–171 (((4 المرجع نفسه، ص.171–166

فهذا جُهد كبير صرفه هذا المتكلم، الذي علمنا أن له صلةً بالتصوف أيضًا، في معاندة ابن رشد

ورصد مؤلفاته وآرائه الفلسفية بالنقض والتبخيس، وتاه في ذلك آخرون من الأسرة نفسها، منهم ابنه عبد الله بن أبي عامر، الذي كان يدرِّس المستصفى، وأخذه الناس عنه، وقد أشرنا إلى أنّ كُتب الغزالي

عامة على إحكام منتحلها العلوم النظرية والميل إلى الاتجاه العقلي، وعن ابن أبي عامر هذا يقول صاحب صلة الصلة، وهو أحد تاميذه: «كان مشاركًا في علوم، محبًا في القراءة، وطيًا عند المناظرة، متناصفًا سنيًّا، أشعريّ النسب والمذهب،

مصمِّمًا على طريقة الأشعرية، ملتزمًا للمذهب المالكي، من بقايا الناس وجِلَّتهم، ومن آخر طلبة

الأندلس المشاورين الجِلّة، المتصنعين على مذاهب أهل السُنة، المنافرين لمذاهب الفاسفة المبتدعة

وأهل الزيغ». فأسرة ابن ربيع استمرت في مواجهة الفلسفة، بحكم تسلحها بالعلوم النظرية من كام وأصول ومعارف نظرية أساسها مؤلفات الغزالي. ولا نستطيع أن نتعرَّف الفاسفة الذين يُشار إليهم في زمن

عبد الله بن أبي عامر الذي عاش إلى سنة 666 هجريًا، غير أنه يبدو أن تأثير ابن رشد لا يزال موجودًا،

ولا مانع أن يكون الفاسفة المشار إليهم هم غير ابن رشد؛ سواء كانوا من تاميذه أو أقرانه، أو غيرهم.

2. المكلاتي والنقد المبطن لابن رشد: المدرسة الغزالية المغربية في مواجهة ابن رشد

إنّ أشهر فيلسوف عرفه القرن السادس الهجري، هو ابن رشد، ولذلك ينصرف بالنسبة إلينا كل رد على الفاسفة في هذا العصر مباشرة إليه، بالدرجة الأولى، لا سيما إذا كان صاحبه يقصد بذلك «الرد على المشائين»، ولم يلتفت إلى غيرهم من «الرواقيين»، وهذا بالفعل ما ينطبق على أبي الحجاج يوسف بن محمد المكاتي (ت. 626 ه). وكتابه لباب العقول، وهو كتاب في الرد على الفاسفة، يتعالى فيه صاحبه عن ذكر عميدهم، أو يتهرب من ذلك، ونقصد أبا الوليد ابن رشد كما سنقرأ في مطلع كتابه. في الواقع لم يكن أبو الحجاج مؤلف لباب العقولبِدعًا في أمر تجاهل اسم ابن رشد فيما كَتب، فقد عزَّ على الباحث كما هو معلوم أن يذكر اسم ابن رشد حتى عند الرد عليه، حتى إننا نستطيع القول إن الإصرار على تجاهل اسمه وإخفائه، لا نكاد نقطع فيه بقول ما إذا كان ذلك تحاملً على الرجل أو دفاعًا عنه. وإذا كان أمر التحامل وجيهًا وبديهيًا، لبادئ الرأي، نظرًا إلى كون الخصم ساعيًا دائمًا إلى

طمس مكارم الغريم ومآثره، فقد نزعم أنّ مع ابن رشد خاصة قد يكون تجاهل الاسم لأسباب هي في الواقع دفاع عنه، وعن مجده التليد، وإن شئت عن مجد الأسرة الرشدية بأجمعها. فربما يكون الاحترام الذي جمعه ابن رشد من جهة أنه الفقيه القاضي، ومن جهة أبيه وجدّه أيضًا، هو جعل الكثيرين يسعون إلى التغطية على نكبته بما كان سببًا فيها وهو الفلسفة، فا يُذكر إلا فقيهًا، وهو في الفقه مذكور، في

كل مقام.

(((4 أحمد بن إبراهيم الغرناطي، الصلة لابن بشكوال ومعه كتاب صلة الصلة لأبي جعفر أحمد بن إبراهيم الغرناطي، تحقيق شريف أبو العا العدوي، مج 3 (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 0082)، ص 07.1

غياب ابن رشد لا أثر له، إذًا، في كونه أول المعنيين بالرد على الفاسفة الذين كان إمامهم. وإن كنا لا ندري في أي الصنفين يمكن أن نضع المكاتي عندما أعرض عن ذكر ابن رشد بالاسم، فإنّ الذي لا شك فيه أنّ أبا الوليد أول خصوم المكاتي المعنيين بالنقد في لباب العقول. ولا بد من الإشارة إلى أنّ هذه الخصومة لا تعني بتاتًا انعدام الثقة والاحترام الازمين بين الرجلين، فقد دلَّ على ذلك نقلُ المكاتي من كتب ابن رشد نفسه. مع كل الاجتهادات والانفتاح على الفلسفة في حد ذاتها، لا يشك الناظر في أنّ كتاب لباب العقول هو كتاب أشعري، مؤلِّفه أشعري؛ مهما كانت اجتهادات صاحبه الكامية، ومناوراته الفلسفية، ومن ثمَّ

لا جرم أنّ لباب العقول ردٌّ أشعري على الفاسفة المشائين كما وُصف في المتن. وفيما يخص واقع

الغرب الإسامي، نستطيع أن نتساءل: لماذا لا يكون بشكل أخص، ردًا على الرشديين؟ وهو أنسب لأننا نعلم أن في هذا التاريخ المعاصر لابن رشد كان أصحابه، وغيرهم، ثم كان تاميذه، وعلى رأسهم يوسف بن طملوس (ت. 620 ه). ونقرأ في ديباجة لباب العقول: «أما بعد، فإنك ذكرت لي أيها الحَبر الأوحد أن المذاهب الفلسفية في

قُطركم مفرطة الشياع، وهي مشهورة البيع والابتياع، والاجتماع على التذاكر فيها، والتعظيم لمنتحلها منكشف القناع، وسألتني أن أضع كتابًا في الرد على الفاسفة [...] وقصدنا به الرد على أرسطاطاليس

ومن تبعه من فاسفة المشائين، ولم نلتفت إلى الرواقيين لبيان فساد مذاهبهم ووضوح سقوط أدلتهم». لسنا نريد المبالغة فنقول إنّ المقصود بمن تبعه من فاسفة المشائين، هو ابن رشد، ولكن نذهب مُطمئنين إلى أنّ ابن رشد داخل – ولا بد – في عموم المشائين، ممن تبعوا أرسطو. وإذ نستحضر لباب العقولبما هو رد أشعري، لا ننسى أن صاحب الكتاب ذو صناعة فلسفية، استعملها في مناقضاته للفلسفة، مما يُحيل على النموذج الغزالي في تهافت الفاسفة، وهو أمر واقع من خال

النزعة الغزالية عند المكاتي، ومن خال المنقول الغزير من كتاب أبي حامد، وكأنه استعاد الكرّة

لهذا الأخير الغائب حينها، والاقتصاص له من تهافت التهافت. استعمال التهافتين، وغيرهما من كُتب ابن رشد والغزالي، كاهما تصدى لتحليل صنيع المكاتي فيهما الأستاذ أحمد العلمي حمدان في أبحاثه المنشورة وغير المنشورة. غير أننا نؤكد أن استرجاع المكاتي للحظة الغزالية، ليس انصرافًا عن الكام إلى الفلسفة، بقدر ما هو مجاراة متكلم للفاسفة وتكليمهم بمقتضى اصطاحهم، تمامًا كما فعل أبو حامد. إنّ المكاتي،

(((4 يوسف بن محمد المكاتي، لباب العقول في الرد على الفاسفة في علم الأصول، تقديم وتحقيق وتعليق أحمد العلمي حمدان (فاس: جامعة سيدي محمد بن عبد الله/ مطبعة أنفو برانت، 0122)، القسم الأول، ص.71 4(((يوسف بن محمد المكاتي، يوسف بن محمد، لباب العقول في الرد على الفاسفة في علم الأصول، تقديم وتحقيق وتعليق أحمد العلمي حمدان، القسم الثاني، الفهارس التحليلية، وضعها بإشراف: محمد مساعد، محمد لشقر، حاتم أمزيل (فاس: مطبعة سيباما، 0162)، ص.236–211 (4((المكاتي [ط. /2012 016]2؛ العلمي حمدان أحمد، «استئناف وتجاوز النقد المشرقي للفلسفة: الكتاب الأول: مقدمات مواضع ونماذج»، أطروحة دكتوراه، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، فاس، المغرب،.2002

بحسب هذا الاعتبار، أشعري بالقَدْر الذي يمكن به اعتبار الغزالي أشعريًا كذلك، فهو النموذج المغربي من الغزالي المتكلم الأشعري المتجاسر على الفلسفة، والتجاسر هنا ليس غضًّا من أبي حامد ولا من المكاتي، ولكنه إشارة منا إلى ما نفهمه من أنّ الغزالي والمكاتي لم يكن انشغالهما بالفلسفة إلا انشغالً بالعَرض لا بالذات. ولا نبعُد إذا رأينا الغزالي نفسه رأى يومًا أنّ الاشتغال بالفلسفة هو من باب الخوض فيما لا يعنيه. مهما كان الأمر، فإنما القصد ترجيح، كون المكاتي أشعريًا من حيث المبدأ، ومن حيث السياق، وبنية الكتاب العامة. أمّا من الناحية التاريخية، وما يقتضيه التلقي عن الأشياخ، فإنّ المكاتي ينتمي، قطعًا، إلى مدرسة أشعرية معروفة المعالم والأعام، ديدنها الإرشاد لأبي المعالي، درسًا وتدريسًا، ثم كتاب البرهانية الذي يعتبر النسخة المغربية من الإرشاد، والذي صار صاحبه أبو عمرو السالجي شيخ مدرسة فاسية يُعد المكاتي أحد خريجيها الأبرزين، يتصل سنده الكامي بالسالجي عن طريق أبي عبد الله الكتاني الفندلاوي (ت. 595 ه)، وأبي الحجاج بن نموي (ت. 614 ه). وهو أمر لا يتعارض مع أنّ المكاتي، مع ذلك، يبقى فيلسوفًا ممتلكًا لآليات التفكير النقدي والخطاب البرهاني، غير أنه، كما لاحظ الباحث المتميز في الرشديات محمد المصباحي، وضع المعرفة الفلسفية والعلمية في خدمة قول خاص هو القول الديني، وهو الأمر الذي يدعو إلى الوقوف على مدى جِدية الأبحاث النظرية عند هذا الفيلسوف والمتكلم المغربي. يقول المصباحي: « لو نظرنا إلى ما قام به المكاتي من نقد للمبادئ العلمية والفلسفية التي كانت رائجة في زمنه من زاوية الفكر العلمي والفلسفي المعاصر، فقد نذهب إلى أنه كان نقدًا وجيهًا. لكنه لمّا كان قصده من وراء نقده هذا خدمة مذهبه الكامي ‘مذهب أهل الحق’ لا تغيير وجه العلوم، فإنّ نقده لم ينتج ثورة في العلم الطبيعي، على الرغم مما كان يحمله هذا النقد من بذور لتلك الثورة، ولذلك كان نقدًا لا غناء فيه». تتمثل أهمية هذا التفسير الذي يطرحه المصباحي في أنه لا يُجلي وجهًا من أوجه أفول الرشدية بفعل فاعل فحسب، وإنما يذهب أيضًا إلى الكشف عن إرادة حقيقية لدى بعض العارفين بالفلسفة في إفراغها من مضمونها وتوجيه «علوم الأوائل» إلى خدمة جنس من القول لا غير، هو القول الديني؛ ما أدخل الفلسفة في متاهة الاستعمال والتشغيل، بدلً من التفلسف والنظر العقلي المجرد الذي هو الأصل الوضعي للفلسفة، وهي قراءة أعمق تذهب بعيدًا في تحميل هذا النوع من النُّظار إضعاف المعرفة العلمية مجملةً، لا فلسفة ابن رشد فقط.

4(((العلمي حمدان أحمد، «دور فاس في التنظير لعقيدة المغاربة، المدرسة الفاسية في الكام»، في: فاس في تاريخ المغرب، القسم الأول، ندوة لجنة التراث والقيم الروحية والفكرية التابعة لأكاديمية المملكة المغربية، فاس، 0–182 كانون الأول/ ديسمبر 0082، سلسلة ندوات (الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، 0092)، ص 68–167.1 4(((محمد المصباحي، «التباس الوضع المعرفي لعلم الكام عند المكاتي»، في: مجموعة مؤلفين، الاتجاهات الكامية في

الغرب الإسامي، تنسيق علي الإدريسي (الرباط: منشورات كلية الآداب، 0052)، ص.231

3. ابن بزيزة و«ابن رشد المتأخر»: المدرسة الأشعرية الرازية المغربية في مواجهة الفلسفة

رغم قلة الكتابات عن ابن رشد، والردود الواضحة على فلسفته وكتابه الأكثر فضولً في الفضاء المغربي، الكشف عن مناهج الأدلة، فإنّ الأمر لا يدل على جهل الأجيال المتاحقة بابن رشد وفلسفته، ونقده للأشعرية ذلك النقد المدوِّي؛ إذ نعلم يقينًا أن اسم ابن رشد، وصفاته، وأعماله، كل ذلك كان

معلومًا عند جميع من اشتغل بالعلم، فا بد أن يعرف أحوال الفقيه القاضي ابن رشد الحفيد وأعماله.

ولا نستطيع الآن الجزم بشأن أسباب إعراضهم عن الرد على ابن رشد، على النحو الذي يكون كافيًا. بالنسبة إلى موضوع الرشدية وحضورها وغيابها ونقدها، فيما بعد ابن رشد، فإنّ كل شيء ينبغي التماسه في القرن السابع أساسًا، قبل أي عصر آخر؛ باعتباره، تاريخيًا، الزمن المناسب لوجود زُمرة من تاميذ

ابن رشد، الذي توفي في نهاية القرن السادس. فالبحث ههنا هو الذي يمكن أن يؤكد مدى حفاظ تاميذ ابن رشد على تراث أستاذهم من خال الدرس والتأليف والشرح، لكننا لا نزال ننتظر أكثر من الذي يظهر بين الفينة والأخرى من الشذرات والإشارات؛ لتجلية الصورة، وتفسير الوضع على نحو كافٍ. ومهما كان الأمر، فإن أحد أعام الأشاعرة في القرن الموالي لابن رشد، هو ابن بزيزة التونسي الذي انصرف إلى مجابهة الفاسفة بعد المكاتي، وتوجه بنقد إلى ابن رشد الذي سمّاه «المتأخر»، وذكر

أيضًا الكشف عن مناهج الأدلة. يُعد ابن بزيزة أحد أعام الأشعرية الكبار، الذين كان لهم الباع الطولى في العقليات، والاطاع الفلسفي؛

وذلك بفضل التأثير الذي مارسه فخر الدين الرازي في المغرب، ووصول كتبه إلى الغرب الإسامي، آنذاك. علمنا ذلك يقينًا من خال النصوص الرازية التي ظهرت في كتابالإسعاد الذي يرجع تاريخ تأليفه إلى سنة 644 هجريًا. يقول ابن بزيزة في معرض حديثه عن التحيز والجسمية والجهة: «ثم يجب

بعد ذلك التنبيه على مغلَّطة: ذهب القانسي من مشايخ الأشعرية إلى إطاق القول بأن الله تعالى في مكان دون مكان، وأنه في السماء، تمسُّكًا بظاهر ما ورد في الشرع ومذهب المحدِّثين؛ أنه في كل

مكان، ذهب إليه البخاري، وغيره من المتقدمين والمتأخرين، ومنع الأشعري من هذا الإطاق. والحق

أنه إن أريد به النسبة العلمية فإطاقه واجب، وإنْ أُريد به غير ذلك من لوازم الأجسام فهو مستحيل. وقد وَهمَ في هذه المسألة ابنُ رشد المتأخر، وزعم أنّ الواجب أن لا يصرَّح فيها بنفي ولا إثبات. وهذا

الذي قاله خطأ، لأنّ الشك في العقائد كُفر محض، والدلائل القطعية قاطعة، والظواهر الشرعية متأوَّلة.

وله في كتابه الصغير الذي سمَّاهمناهج الأدلة مواضع نبَّهنا عليها، وفيها غلط فاحش ». إنّ النص الذي يشير إليه هو الوارد عند ابن رشد في قوله: «فإنه قيل فما تقول في الجسمية؟ هل هي من الصفات التي صرح الشرع بنفيها عن الخالق سبحانه أم هي من المسكوت عنها؟ [...] والواجب عندي في هذه الصفة أن يُجرى فيها على منهاج الشرع فا يُصرَّح فيها بنفي ولا إثبات».

4(((عبد العزيز بن بزيزة، الإسعاد بشرح الإرشاد، مخطوط في خزانة القرويين، فاس، ص.136 (5((ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة، ص.139–138

ههنا مسألة ينبغي التنبيه عليها، وهي أن بعض الباحثين، وقف على هذه العبارة عند ابن بزيزة، في نصها أو بالوساطة، ففهم أنّ الإشارة من ابن بزيزة إلى كتاب يرُد به على ابن رشد، فتبعه على ذلك آخرون،

حتى شاع الاعتقاد أنّ لابن بزيزة كتابًا في الرد على ابن رشد. غير أننا لم نفهم ذلك من هذا الذي

نقرؤه عند صاحب الإسعاد، فهو يُشير إلى أنّ ابن رشد له مواضع غير مُرضِيَة في مناهجه، نبَّه عليها، أي

بشكل متفرِّق في الإسعاد نفسه، أو في الإسعاد وغيره، والإشارة في كامه إلى كتاب بعينه في الرد على

ابن رشد، بعيدة في اعتقادنا. وتبقى المواضع التي أشار إليها ابن بزيزة، غير معروفة حتى الآن تحديدًا،

سنتتبعها في دراسة خاصة. فكتابالإسعاد في حد ذاته سِفرٌ ضخم.

4. ابن خليل السكوني وفساد كلام ابن رشد في الاعتقاد

يُعد محمد بن خليل السكوني (ت. 717 ه) أحد أهم أعام الأشاعرة المتأخرين، وهو من الذين جمعوا

بين التعصب للمذهب والتضلع من مبادئه، مع قوة العارضة ورسوخ الملَكة في العقليات. حتى تجرَّأ على

انتقاد طائفة من الذين صار لهم حضور قوي ومشروع في الغرب الإسامي؛ كالغزالي، والرازي، وغيرهما. ليس في ذلك ما يدعو إلى البحث والنظر في حيثيات الرسوخ والانحياز الشديد إلى المذهب الأشعري؛ إذا علمنا أنّ بيت ابن خليل قديم من حيث تادة الانتساب العلمي والمجتمعي في إشبيلية، فقد اشتهر أبناء هذا البيت في التبريز في علم الكام خاصةً. وابن خليل السكوني هو صاحب مؤلفات دالة على تميزه، منها كتاب التمييز لما أودعه الزمخشري من الاعتزال في كتابه العزيز، وهو كتاب كبير الحجم كثير الفائدة. قبل الشروع في التمييز، وضع السكوني مقدمة في أصول الدين، وبيان فساد أصول المذهب الاعتزالي في الاعتقاد، وهو الكتاب المسمى مختصر في أصول الدين. ولعل عنايته بالتدريس دفعته إلى تأليف كتاب عيون المناظرات، لتدريب الطلبة على أصول النظر والحِجاج عن العقائد، كما دفعه الخوف على عقائد العوام إلى وضع كتابلحن العوام فيما يتعلق بعلم الكام، ولعل من المفيد أن نشير هنا إلى أنّ الزمان كان عصر فتن واضطراب، خاصةً في جزيرة الأندلس التي كانت تعيش آخر أيامها في ظل عقيدة التوحيد، وكان الزمان

عصر الهجرة عن الضفة الأخرى من المتوسط، كما هو شأن أسرة السكوني نفسه التي نزلت تونس قادمةً من إشبيلية. كتاب لحن العوامالمذكور أخيرًا، هو متن النص الذي انتقد فيه السكوني فيلسوف الغرب الإسامي

الأول، وحطَّ من قدره، على الأقل في باب الاعتقاد. وويل لمن انتقده السكوني في هذا الكتاب؛ فهو بحسب عنوانه ردٌّ، أو بالأحرى تنبيه على اللحن في أمور الكام الواردة على السُنة العوام. فحشَر، مع

العوام، في آخر الكتاب، أسماء كبيرة منها الغزالي وابن رشد.

(5((محمد محفوظ، تراجم المؤلفين التونسيين، ط 2 (بيروت: دار الغرب الإسامي، 9941)، ص.96 (5((أبو علي عمر السكوني، مختصر في أصول الدين مجموع من قطعيات كام المتقدمين من أهل الحق والمتأخرين، مخطوط في الخزانة الملكية رقم 8780؛ 5952، الرباط. (5((أبو علي عمر السكوني، عيون المناظرات، تحقيق سعد غراب (تونس: منشورات الجامعة التونسية،.)1976

يقول السكوني: «وليُحترَز أيضًا من كام ابن رشد الحفيد، لأنَّ كامه في المعتقد فاسد، وجدُّه من

علماء أهل السُنة، وهو صاحب البيان والتحصيل والمقدِّمات، تكلم في صدر المقدِّمات كامًا حسنًا

دل على إمامته وفضله». أوَّل ما يدلّ عليه هذا الحطّ الواضح من شأن ابن رشد، في باب الاعتقاد، والتشديد في ذلك، هو استمرار

الخطر الرشدي على المشروع الأشعري، رغم الانتشارية الكبيرة لهذا المشروع، بل ترسيمه التام بالنظر إلى أنه لا يزال قائمًا. وإنّ تأكيد صاحب لحن العوامعلى فساد كام ابن رشد في المعتقد يدل، أولً،

على المعرفة بما كتبه أبو الوليد في الموضوع، على غرار المخاطب الذي يبدو أنّ السكوني كان منشغلً بنُصحه وتحذيره، ثمّ إنه يدل، ثانيًا، على أننا لا نحتاج، في الواقع، في كل مرة إلى الاستدلال

على أنّ الكشف عن مناهج الأدلة كان معروفًا مطلوبًا متداولً في عصور لاحقة لوفاة ابن رشد، غير أنّ

هذه العبارة الواردة عند السكوني هي أحد هذه الأدلة. لقد حرص السكوني على توجيه النقد إلى ابن رشد في موضع محدَّد، هو باب الاعتقاد، مع الإشارة إلى أنّ الجَد من أهل السُنة، واستدل على ذلك بما سطَّره في صدر المقدمات؛ ما يعني أنّ الرجل كان

رصَّادًا للمواضع والأشخاص والنقاط، التي تُشوِّش على قوة المذهب الأشعري في القطر الغربي، غير

معنيٍّ بغير ذلك، على الأقل في لحن العوام. ننوه أيضًا، بأننا لم نستقصِ مؤلفات السكوني الكامية، وأنها مَظِنَّة لوجود نصوص أخرى لنقد

ابن رشد، لأنه كان رجل تحدٍّ، في وجه خصوم المذهب الأشعري، كما هو واضح في وجه المعتزلة في التمييز، وإنما لم يسعه المقام في لحن العواملتفصيل رده، على ابن رشد وغيره، بقدر ما كان مهتمًا

بالتحذير والتنبيه.

خلاصة

وبعدُ، فإن ما أوردناه من نصوص وإشارات لا يعدو أن تكون «غيضًا من فيض»، في بحر التراث الكامي في الرد على الفاسفة المشائين وزعيمهم ابن رشد الحفيد، وإلا فإننا نزعم أنّ الأمر يتعلق بباب من البحث بكر، يحتاج إلى الرصد والقصد والتتبع، فا يزال جُل النصوص الكامية المغربية

دفينًا، ينتظر من ينشره، ولا يزال الباحث اليوم في التراث المخطوط عاجزًا عن قراءة النصوص في أصولها، لا سيما إذا كانت بعض تلك النصوص تُعد في الكتاب الواحد بمئات الورقات، أو يُحال بينه

وبينها بصعوبة الولوج فيها أو كونها في خزائن بعيدة، شرقية أو غربية. من جهة أخرى، وكما أشرنا إلى ذلك في البداية، فإن غاية هذا البحث هي أن نُثبت على جهة التمثيل أن هناك أسبابًا أضعفت الفلسفة الرشدية، والمشروع الفكري الرشدي برمته، ليست السياسة وحدها كفيلة

بتفسيرها، ومن بين هذه الأسباب: المقارعة الفكرية لأرباب الأشعرية أسياد الأرض المغربية، في وجه الفلسفة عمومًا وفلسفة ابن رشد خصوصًا.

(5((أبو علي عمر السكوني، «لحن العوام فيما يتعلق بعلم الكام»، تحقيق وتقديم سعد غراب، حوليات الجامعة التونسية، العدد 12 (9751)، ص.213–212

ودعنا نستعجل ما نستعد لإثباته في أبحاث مقبلة؛ فإلى جانب قيام أشاعرة عصر ابن رشد بنقدٍ وحصار واضحين له ولفكره، فإن تتمة الحديث كانت بعد أن استقوى الكام المغربي بما استقوى به نظيره المشرقي، وهو الفلسفة السينوية، وذلك حينما دخلت المدرسة المغربية مرحلتها الرازية.

References

المراجع

العربية

ابن الأبار، محمد التكملة لكتاب الصلة. دمشق: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع،.1994 ابن الخطيب، محمد الإحاطة في أخبار غرناطة. بيروت: دار الكتب العلمية،.1993 ابن رشد، محمد (الجَد). أبو الوليد محمد بن أحمد (ت. 520 ه). المقدمات الممهدات. تحقيق محمد

حجي. بيروت: دار الغرب الإسامي.1988 ابن رشد، محمد (الجَد). فتاوى ابن رشد. تحقيق وتقديم المختار التليلي. ط.3 تونس: دار الغرب

الإسامي،.2011 ابن رشد، محمد. الكشف عن مناهج الأدلة. مجموعة أحمد فاضل باشا. إسطنبول. مخطوط كوبريلي.. الضروري في أصول الفقه. تقديم وتحقيق جمال الدين العلوي. بيروت: دار الغرب الإسامي،

. بداية المجتهد ونهاية المقتصد. تنقيح وتصحيح خالد العطار. إشراف مكتب البحوث والدراسات. بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع،.1995. فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال. تقديم وتعليق ألبير نصري نادر. ط. 8 بيروت: دار المشرق، 000.2. الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة. ط.3 بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 007.2 أبو الفضل، عياض. الغنية فهرست شيوخ القاضي عياض. تحقيق ماهر زهير جرار. بيروت: دار الغرب الإسامي،.1982. ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعام مذهب مالك. ط.2 الرباط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسامية، 983.1 أحمد، العلمي حمدان. «استئناف وتجاوز النقد المشرقي للفلسفة: الكتاب الأول: مقدمات مواضع ونماذج». أطروحة دكتوراه. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. فاس. المغرب..2002. فاس في تاريخ المغرب. القسم الأول. ندوة لجنة التراث والقيم الروحية والفكرية التابعة لأكاديمية

المملكة المغربية. فاس. 0–182 كانون الأول/ ديسمبر 008.2 سلسلة ندوات. الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، 009.2 البختي، جمال. عقيدة أبي بكر المرادي الحضرمي. تحقيق وتقديم جمال عال البختي. الرباط: منشورات الرابطة المحمدية للعلماء/ مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية،.2012 برنامج أبي الوليد بن رشد. مخطوط رقم 884. الإسكوريال. مدريد. بن بزيزة، عبد العزيز. الإسعاد بشرح الإرشاد. مخطوط في خزانة القرويين. فاس. بن شريفة، محمد. ابن رشد الحفيد: سيرة وثائقية. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 999.1. «ظهور تأليفين لابن رشد الحفيد». مجلة الأكاديمية. المملكة المغربية. العدد 2). 002(19 حمو، محمد أيت. فضاءات الفكر في الغرب الإسامي: دراسات ومراجعات نقدية للكام. بيروت/ الجزائر: دار الفارابي/ منشورات الاختاف، 011.2 الرعيني، علي بن محمد (ت. 666 ه). برنامج شيوخ الرعيني. تحقيق إبراهيم شبوح. دمشق: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، مطبوعات إحياء التراث القديم، 962.1 السبكي، تاج الدين. طبقات الشافعية الكبرى. تحقيق محمود محمد الطناحي وعبد الفتاح محمد الحلو. ط.2 القاهرة: هجر للطباعة والنشر والتوزيع، 4131 ه. السكوني، أبو علي عمر. مختصر في أصول الدين مجموع من قطعيات كام المتقدمين من أهل الحق والمتأخرين. مخطوط في الخزانة الملكية رقم 8780؛ 595.2 الرباط.. « لحن العوام فيما يتعلق بعلم الكام». تحقيق وتقديم سعد غراب. حوليات الجامعة التونسية، العدد.12 975.1 عيون المناظرات. تحقيق سعد غراب. تونس: منشورات الجامعة التونسية،.1976 السوسي، المختار. خال جزولة. تطوان: المطبعة المهدية، [د.ت.]. ششن، رمضان وجواد إيزكي وجميل آفيكار. فهرس مخطوطات كوبريلي. إسطنبول: منظمة المؤتمر الإسامي/ مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسامية، 986.1 الصقلي، أبو بكر محمد. الحدود الكامية والفقهية على رأي أهل السنة الأشعرية ومعه مسألة الشارع في القرآن. تحقيق وتقديم محمد الطبراني. تونس: دار الغرب الإسامي،.2008 الصلة لابن بشكوال ومعه كتاب صلة الصلة لأبي جعفر أحمد بن إبراهيم الغرناطي. تحقيق شريف أبو العا العدوي. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 008.2

العلوي، جمال الدين. المتن الرشدي: مدخل لقراءة جديدة. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.1986 الغزالي، أبو حامد. فيصل التفرقة بين الإسام والزندقة. تحقيق حكة مصطفى. ترجمة إدريس الناقوري. الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 983.1 مجموعة مؤلفين. ندوة الاتجاهات الكامية في الغرب الإسامي. تنسيق على الإدريسي. سلسلة ندوات ومناظرات 04.1 الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 005.2 محفوظ، محمد. تراجم المؤلفين التونسيين. ط.2 بيروت: دار الغرب الإسامي،.1994 المرادي، أبو بكر. السياسة أو الإشارة في تدبير الإمارة. تحقيق سامي النشار. الدار البيضاء: دار الثقافة للنشر والتوزيع،.1981 المراكشي، محمد بن عبد الملك. الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة. تحقيق بشار عواد وإحسان عباس ومحمد بن شريفة. تونس: دار الغرب الإسامي،.2012 المصباحي، محمد. الاتجاهات الكامية في الغرب الإسامي. تنسيق علي الإدريسي. الرباط: منشورات كلية الآداب، 005.2 المكاتي، يوسف بن محمد. لباب العقول في الرد على الفاسفة في علم الأصول. تقديم وتحقيق وتعليق أحمد العلمي حمدان. فاس: جامعة سيدي محمد بن عبد الله/ مطبعة أنفو برانت،.2012. لباب العقول في الرد على الفاسفة في علم الأصول. تقديم وتحقيق وتعليق أحمد العلمي حمدان. فاس: مطبعة سيباما،.2016 النباهي، أبو الحسن. المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا. تحقيق لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة. ط 5. بيروت: دار الآفاق الجديدة، 983.1

الأجنبية

Geofroy, Marc. Ibn Rušd et la Théologie Almohadiste. Une Version Inconnue du Kitāb al–Kašf ‘an manāhiğ al–’adilla dans deux manuscrits d’Istanbul. Medioevo. no. 26