العودة إلى تفاصيل المؤلَّف التمثيل الصوري للتجرّد والزيادة في الفعل في اللغة العربية

التمثيل الصوري للتجرّد والزيادة في الفعل في اللغة العربية

Formal Representation of the Morphological Structure of the Arabic Verb

محمد بلبول *

Mohammed Balboul *

الملخّص

تبين الدراسة كيف تتوفّق النظرية المتبنّاة في التعبير عن الاطرادات الاشتقاقية من خلال التمييز بين الاشتقاق المعجميّ والاشتقاق التصريفيّ على أسس صورية مُبرّرة نظريا وتجريبيا. أمّا الأوّل فلا يقتضي أخذ فرع من أصل بل تحكمه قيود إرضاء مواقع هيكل الفعل، الذي يُعَدّ أساس تكوين جميع الأفعال العربية. وأمّا الثاني (الاشتقاق التصريفي) فأساسه علاقة ربط أصل بفرع انطلاقا من نظرية الصرف الأبوفوني، حيث تؤدي التناوبات الحركية وظيفة تمييزية فتتيح تمييز معان وظيفية (البناء، الزمن، الجهة).تثير المقالة في قسمها الأخير أسئلة عديدة متعلّقة بطبيعة الهيكل العروضي وبتمظهرات التوافقات بين البنية العروضية وبين البنية الصرفية في اللغات الطبيعية، ومنها العربية.

Abstract

Abstract: This study, which draws on substantial knowledge of formal models adopting the hypotheses of generative Grammar, aims to achieve the following goals: to provide a critical account of the analysis based on bare radicals and affixation, by showing its descriptive limitations; to argue that the triliteral radical (mujarrad) is characterized by a morphological complexity, which can be accounted for by the auto–segmental approach based on the morpheme; to expose a formal theory of derivation allowing a distinction between lexical derivation and inflectional derivation on categories independently motivated. The first type does not need to extract a derived item from the radical; rather, it is a relation between representations. The second type (inflectional derivation) is a process that involves deriving an inflected from another inflected one by apophonic ablaut. In the last section the paper will raise some issues that concern the nature of prosodic template and the relationship between the morphological level and the phonological level.

الكلمات المفتاحية:
  • نموذج صوري
  • الصيغ المجردة
  • الجذر
  • الهيكل
  • العروض
  • الاشتقاق الأبوفوني
Keywords:
  • Formal Model
  • Triliteral Radical
  • Root
  • Derivation
  • Prosody
  • Template
  • Apophony

Formal Representation of the Morphological

Structure of the Arabic Verb

خال التمييز بين الاشتقاق المعجمي والاشتقاق التصريفي على أسس صورية مُبرّرة نظريًا

وتجريبيًا. أمّا الأوّل فا يقتضي أخذ فرع من أصل بل تحكمه قيود إرضاء مواقع هيكل الفعل

الذي يُعدّ أساس تكوين جميع الأفعال العربية. وأمّ ا الثاني (الاشتقاق التصريفي) فأساسه

عاقة ربط أصل بفرع انطاقًا من نظرية الصرف الأبوفوني، حيث تؤدي التناوبات الحركية وظيفة تمييزية فتتيح تمييز معان وظيفية (البناء، الزمن، الجهة). تثير الدراسة في قسمها الأخير

أسئلة عديدة متعلّقة بطبيعة الهيكل العروضي وبتمظهرات التوافقات بين البنية العروضية والبنية الصرفية في اللغات الطبيعية، ومنها العربية.

مقدمة

توصّلنا في كتابنا بنية الكلمة في اللغة العربية: تمثيات ومبادئإلى خاصات أساسية تفيد

أن البنية الصرفية للغة العربية خاضعة وتابعة لقيود العروض. يظهر هذا جليًا في صياغتنا

لمعالجات تنتصر لنظرية فونولوجية تعرّف الكلمة بمعايير العروض، فتتحدث عن الكلمة العَروضية

word Prosodic وعن قيود الكمّ العَروضي ودورهما في الاشتقاق. وساهمنا في تلك الدراسة التي

أزعم أنها لم تفقد راهنيتها في سياق الدراسات العربية الحديثة في إعادة النظر في بنية الكلمات التي صنّفها التقليد اللغوي العربي القديم أسماء مصادر، كما قدّمنا تحليلً مُثلويًا يأخذ بفرضيات النظرية

المثلوية Theory Optimality لبنية الاسم المنسوب بإلصاق الياء المشدّدة، حيث أبرزنا هيمنة قيد الاستهال Principle Onset على القيود المنافسة. ومن الأهمية الإشارة إلى أن وقوفنا عند نظرية الصرف الأبوفوني من خال تطبيقاتها على الاشتقاق في النظام الصرفي للفعل العربي، حكمته اعتبارات التأريخ للمقاربات والنظريات المتنافسة. أما في هذه الدراسة، فإننا نعود إلى هذه النظرية التي لم تنضب خصوبتها الإجرائية من منطلق توضيح رؤية نظرية، لا من وجهة نظر تقترح تحليلً نسقيًا لظاهرة تجريبية. فما كُنه هذه الرؤية؟ يكمن الجواب عن هذا السؤال في استحضار فكرتين أساسيتين لم نتطرق إليهما في دراساتنا السابقة: أولاهما أننا نميل في هذه الدراسة إلى بسط تصوّر معجمي للكلمة Approach Lexicalist لا تصوّر

عَروضي، يتيح رصد الطابع التأليفي لنظام صرف العربية وفق نظرية صورية للتمثيل النحوي مؤسسة على المورفيم. وكان السؤال أو الهاجس الذي يثوي خلف تحبير هذه الدراسة هو البرهنة على أن العربية لغة تأليفية وليست دمجية، وأنّ نظرية مورفيمية تسعف في تجلية الاطّرادات البنيوية في هذا المستوى التمثيلي، بمعنى أن اللغة العربية تطاوع تحليلً مورفيميًا يختلف من مناحٍ كثيرة عن التحليل

الدمجي الذي أفرزته مقاربات اللسانيات التاريخية المقارنة. واتخذنا من نظرية الصرف الأبوفوني تعلّة لتوضيح المنحى الوظيفي للمقاربة التراثية للبنية الصرفية. وتبنّينا في مقابل ذلك مقاربة صورية ترى

أن التماثات الصيغية بين الاسم والفعل، كما طُرحت في النحو التقليدي مُضللة، وتوهم بتماثات

بنيوية غير موجودة أصلً، ومثّلنا لذلك بالمقابلة بين فَعل الاسمية وفَعل الفعلية. أما الفكرة الثانية التي تبرزها الدراسة، فمرتبطة بأهمية إبراز الأبعاد النظرية والتجريبية للتحولّات التي قضت بالانتقال

من هيكل « س ح »، إلى هيكل بمواقع غُفل slot – x إلى هيكل عَروضي خالص مشكّل من وحدات العروض. ونزعم أن هذه الإشكالات جديدة على الإبيستمي اللساني العربي، وبدا لنا طرحها في السياق الإشكالي المشار إلى مامحه أعاه، مناسبًا، إن لم نقل ملحًّا. للخروج من الطابع التجريدي لإشكالات المطروحة، ارتأينا أن نتطرق إليها في ثنايا إثارة إشكال التجريد والتعقيد في مستوى الوحدة المعجمية الفعلية (النسبة إلى الفعل)، لتعلّقه بأبجدية أو أوّلية

العناصر المعتمدة في التحليل اللساني، وعاقتها بصوغ التعميمات. بمعنى آخر، يمكن القول إن الحديث عن مقولات التجريد الصرفي أو الصيَغ المجردة، وكذا المزيدة، مترتّب بالضرورة عن طبيعة

الأوليات التي تُعدّ مادة التأليف، وأن إعادة النظر في هذه الأوليات مفضية بالضرورة إلى إعادة النظر

في التصانيف الموروثة عن تحليل يأخذ بمسلّمات مغايرة. ونقدم في ما يلي تحليلً صوريًا يمكّن

من رصد التجريد والتعقيد في البنى الصرفية، بالاعتماد على رؤية معجمية مورفيمية للكلمة في اللغة العربية.

حول «فَعل» الفعلية و«فَعل» الاسمية

من المفيد الإشارة في مستهل هذه الدراسة إلى أنّ التحليل الصرفي الموروث عن الوصف اللغوي القديم، يقوم على وحدتين وظيفيتين أساسيتين: الصيغة والزوائد. نقول وظيفيتين غير صوريتين، لأن نهج القدماء في هذا الباب كان أقرب إلى ربط الموضوعات الصرفية (الصيغ والزوائد) بأنماط الدلالات الصناعية (أو الوظيفية باصطاحنا المعاصر)، وأبعد ما يكون عن المنحى التحليلي، وهذه مسألة لا تخلو من أهمية في نظرنا؛ إذ على أساسها نتمكّن من تجنّب الخلط بين وصفين لنظام صرف العربية: نسق المقاربات العربية القديمة ونسق المقاربات الصورية التحليلية المعتمِدة على مقولات مُسوّغة على نحو مستقل Independently Motivated. يزكّي هذا الطرح أنّ علماء التصريف القدماء لم يهتموا بالنظام التوليفي، وإنْ كُنّا لا نعدم إشارات، هنا وهناك، توحي بحدسهم وجودَه، بقدر ما أوْلوا العناية بردّ المسموع إلى بنى وظيفية ومَيْز الزائد من الأصلي، بناء على ما تُحدثه الزيادة من أثر

دلالي – وظيفي. حين أخذنا من اللسانيات الحديثة مفهوم «المورفيم» بوصفة وحدة لسانية دنيا دالّة، دلَفْنا، من حيث

لا نعلم، إلى «براديغم» مختلف أسميه براديغم «لسانيات الأنساق التوليفية التمييزيةُ » Discret. ونحن نعرف نتائج هذا التحوّل على جملة من القضايا المرتبطة أساسًا بمكوّنات هذا النسق التوليفي ومكانة الصرف فيه. ومن المعلوم أنّ اللسانيات الحديثة بشقيها البنيوي والتوليدي (إلى حدود سبعينيات القرن الماضي)، ظلت أسيرة موقف مسبق من الصرف، فقد نظرت إليه في حدود قابلية بعض مباحثه، لأن تُوزّع على المستويين التركيبي والفونولوجي ولم تمنحه استقالية، فكان أن اختُزلت القضية وقتئذ في مستويين: • الأول: بما أنّ الكلمات عبارة عن مورفيم أو ساسل مورفيمية، والجملَ ساسل مورفيمية أيضًا، فالأولى معالجة كا النمطين في مستوى واحد: هو المستوى التركيبي (على سبيل التمثيل لا الحصر موقف مارتينه وبلومفيلد وتشومسكي إلى حدود سبعينيات القرن العشرين). • الثاني: وبما أن الفونولوجية تتعرف إلى حدود المورفيمات وتسهر على تأمين إلصاقها على نحو لا يُخلّ بمتطلّبات التحقيق الصوتي للبنيات، فمن المشروع أن تعالج ظواهر التغييرات الصوتية

المُعلّلة صرفيًا في إطار الفونولوجية.

(((نتعمّد في هذا السياق التمييز بين الدلالي والوظيفي بغرض التنبيه إلى أنّ الدلالة يمكن النظر إليها على أساس أنها

لا تخلو من أن تكون إمّا دلالة معجمية (وهذا ما يطلق عليه في الاصطاح القديم «الدلالة اللفظية»)، وإمّا دلالة وظيفية تشمل

الدلالة الصناعية للزوائد أو الصيغ مثل المطاوعة والتعدية والصيرورة والانعكاس والمشاركة، وما إلى ذلك.

يمكن القول إنّ هذين العنصرين شكّا العمود الفقري للعقيدة العلمية للّسانيات الحديثة، ومازالا يثيران جدلً محمومًا في أوساط اللسانيين بمختلف ولاءاتهم النظرية. وبما أن المقام هنا ليس مقام تأريخ، سنقفز عن الكثير من الأحداث، لنخلُص إلى أنّ المعالجات الأولى الجادّة للنظر في الصرف العربي من منطلق أنّه نظام توليفي محكوم بمبادئ محض لسانية، تسري على سائر اللغات وإن كان ذلك بأساليب مختلفة، عرفت النور في خضم النقاش الذي نتج من النظرية الفونولوجية القطعية لتشومسكي وهالي. ومن أبرز نتائجه التشكيك في سامة خطّية التمثيات الفونولوجية. وتُعدّ أطروحة جون مككارثي التي تحمل عنوان: المشكات الصورية في الفونولوجية الساميّة وصرفها، عملً رائدًا، مكّن من التمثيل لصرف اللغة العربية من منظور توليفي مؤسّس على قطعة المورفيم. سنقف عند الفلسفة التي يقوم عليها هذا العمل بحكم أنّه أوّل عمل تصدّى لظواهر التكسير الصرفي في اللغة العربية من منطلقات صورية توليدية. وكان له تأثير كبير في مجمل الأعمال التي تلته، سواء أكانت مرتبطة باللغة العربية أم بلغات أخرى. قلنا في مستهلّ هذه الدراسة إنّ الوصف الصرفي للنُحاة العرب اعتمد مقاربة وظيفية لا توليفية، وأظن أن من الواجب، بعد هذه التوضيحات، شرح هذا التوصيف. فحين حصر الصرفيون العرب الفعل المجرّد في ثاثة أبنية « فعَل »، « فَعِل »، و« فَعُل »؛ استندوا في تصنيفهم هذا إلى مقياس الخلوّ

من الزوائد لا غير. ومن الصعب تأويل أقوالهم في هذا الباب على أساس أنّ البنية المجرّدة تعني

البنية البسيطة، بدليل أنّهم لم يعاملوا « فعَل » الفعلية معاملة « فعَل » الاسمية، من منطلق إدراكهم أنّ الصيغة المجرّدة الفعلية أكثر تعقيدًا من ناحية الدلالة الوظيفية، من «فعَل» الاسمية. وعبَّروا عن هذه

الفكرة من خال مفهوم «الثِّقَل»، فعَدّوا الفعل أثقل من الاسم: فهذا ابن يعيش في شرح الملوكي في التصريفيأتي على ذكر ثقل الفعل في مقابل خفة الاسم لتعليل حذف الواو الأصلية في مضارع الفعل المثال، فيقول: «والفعل نفسه أثقل من الاسم، وما يعرِض فيه أثقل ممّا يعرض في الاسم». تكمُن المفارقة في أنّ هذا التعقيد الوظيفي الذي ينتج منه الثقل، لا تعكسه البنية الصرفية للفعل

المجرّد في التحليل القديم، بمعنى آخر إن نحن سلّمنا بالتعقيد الوظيفي للفعل المجرّد، فإن هذا

التعقيد لا تعكسه صورة الفعل أو صيغته. وإنْ نحن يمّمنا وجهنا شطر البنيويين الذين كانوا صوريين في حدود تجنّب التحديدات بالماهية، فكانت صوريَتهم مختلفة، من حيث المنطلقات الإبيستمولوجية، عن صورية الأنحاء التوليدية، فإنّ

(((لمزيد من التفصيل، انظر:

Noam Chomsky & Morris Halle, The Sound Patterrn of English (New York, Evanston and London: Harper & Row,

(((لمزيد من التفصيل، انظر:

John McCarthy, Formal Problems in Semitic Phonology and Morphology (Cambridge: Massachusetts Institute of Technology, 1979).

(((يعيش بن علي بن يعيش الأسدي، شرح الملوكي في التصريف، تحقيق فخر الدين قباوة (حلب: المكتبة العربية، 1973)، ص 5.33

الحكم نفسه يجري عليهم، ذلك أنّهم لم يُوفَّقوا في التمثيل للتوافق بين التعقيد الوظيفي والبنية الصرفية التي يفترض أن تتوافق مكوّناتها مع عناصر بنية المعاني الوظيفية التي تضمّ الزمن والبناء Voice الجهة

Aspect. ويترتب عن هذا، بالتبعية، القولُ: إن الوصف الأمثل للنظام الصرفي للعربية يجب أن يُسند

إلى الكلمتين: ضرَب وجمَلتمثيلين بنيويين مختلفين، خافًا للتحليل الذي يستبطِن فكرة أنّ التأويل ليس تابعًا للبنية، فيُتيح له هذا أنْ يقول باتّحادهما في الصيغة، واختافهما باعتبار الدلالة الوظيفية.

إنّ لفتحة عين ضرَب، مثلً، دلالةً وظيفيةً (لأنه بها يُعرف وجه تمام الحدث)، بخاف الفتحة بعد ميم

جمَلالتي تدعو إليها ضرورة استكمال بناء القدم العروضي الترويشيFoot Trochaic. الظاهر من

هذا التحليل أنّ صيغة « فعَل » الفعلية تحيل إلى بنية متعدّدة المورفيمات. أمّا جمَلونظائرها من الأسماء

الأوَل، فليس ربطها ب «ُفعَل »، ممّا يدخل في الصرف بحكم كونها ذرة معجمية غير قابلة للتفكيك

المورفيمي، وتنطبق عليها صفة التجرّد. إنّ صيغة « فعَل »، في باب هذا المثال، وزنٌ عروضي به يُعرف

استيفاء الكلمة لقيود العروض التي تعمل إلى جانب قيود الصرف لضمان السامة النحوية للكلمات. بعد هذا التمييز، يجدر بنا أن نوجّه العناية إلى النسق التمثيلي الذي يُتيح رصدَ التعقيد البنيوي للفعل

الذي يعبّر عن تعقيد دلالته الوظيفية وامتزاجها بدلالته اللفظية. نستطيع التمثيل للكلمات المتعدّدة

الصرفيات بالاعتماد على فرضيتين: فرضية استقال المورفيمات في رفوف متوازية عموديًا (وهذا تمثيل ينسف مبدأ الخطية، فيصبح التمثيل الفونولوجي والصرفي متعدّد المستويات)، والفرضية القاضية بأن سامة التمثيل الصرفي تُؤمِّنه مبادئ الربط بين الرفوف المورفيمية، فضلً عن مبدأ المحيط الإجباري

OCP الذي يعمل قيدًا على بنية المورفيم، فيحظر تجاور قطعتين متماثلتين في رفّ مورفيمي، ما يمكّن من ردّ بنيات مثل «سَمّ» و«دَسّ» إلى جذور ثنائية. عاوة على هذا، تفترض نظرية الصرف

المستقل القطع وجود الصيغة كقطعة مورفيمية مستقلّة في رفّ؛ وهي عبارة عن متوالية من المواقع الزمنية (بمعنى أنها غير مربوطة بنغمة) التي تربط بها نغمات المورفيمات. وتحدّد الصيغة المدة الزمنية للنغمة من حيث القصر والطول. باعتبار أنّ السمات الفونولوجية لا تُحدّد مدّة القطعة، أي طولها. من بين التطبيقات التي اشتغلت على اللغة العربية باعتماد فرضيات هذه النظرية، عاوة على الأطروحة المؤسِّسة لجون مككارثي، نجد بحثًا لجان لوفينستام ومُحَند كرسال صاغا فيه نظرية اشتقاقية فرعية

جديدة تبرهن على وجود صرف أبوفوني Morphology Apophonic يرصد دور التناوبات الحركية في الاشتقاق، ويعدّ مكوّنًا من مكوّنات النظرية الصرفية المستقلة القطع في صيغة تختلف في جوانب

عدة عن الصيغة الأولى لنظرية مككارثي. من بين أوجه الاختاف أنّ نظرية الصرف الأبوفوني أدمِجت في نظرية تتبنى هيكلً عروضيًا، حيث المواقع مخصّصة بإحدى السمتين: س ح V) (C، يتشكّل

(((يميز مككارثي في دراسته لجمع التكسير في اللغة العربية بين القدم الإيمبي الذي يشرف على مقطعين: أولهما خفيف وثانيهما ثقيل /س ح س ح ح/ والقدم الترويشي الذي يكون إما على صورة مقطعين خفيفين: /س ح س ح/ وإما على صورة مقطع واحد

بوقعين: [س ح س (س)]، كما في كلمة بَيْت، حيث التاء قطعة خارج – عروضية Extraprosodic.

(6) Mohand Guerssel and John Lowenstamm, Classical Arabic Apophony (Paris: ms., UQAW & University Paris, 1993).

(((نرمز لموقع القطعة الساكنة أو الصامتية Consonant بساكن س، ونرمز لموقع القطعة الحركية أو الصائت بحركة ح Vowel. نستعمل الحرف الاتيني في كتابة الحركات الثاث فرسم الفتحة a) (ورسم الكسرة i) (والضمّة (u).

من مقاطع قصيرة. وتفترض أنّ المقطع الثقيل مُشتقّ من سلسلة مُكوّنة من مقطعين قصيرين، بموجب

مبادئ عاملية لمراقبة المواقع الفارغة في الهيكل المقطعي. أضف إلى هذا تخلّيها عن مواضعات الربط الخاضعة لاتجاهية Directionality، في الصورة التي اقترحها مككارثي، واستغناءها عن القواعد جملة وتفصيلً، بما فيها قواعد الماذ الأخير التي يُلجأ إليها لتعديل الربط. تفكّك هذه النظرية وحدة معجمية «مجرّدة» مثل «كتَب» إلى أربعة مورفيمات، يستقلّ كل واحد منها

بذاته في رفّ، وتنضّد المورفيمات عموديًا للتمثيل لكونها متقطّعة Discontinuous؛ ذلك أنّ أساس معظم المادة المعجمية مورفيم متقطّع نسمّيه جذرًا أو أصول المادة لمزية من الزوائد، ويجري هذا

الوصف على النغمات الحركية الوظيفية، فهي أيضًا متقطّعة. ويعدّ الهيكل العروضي القاعدة (بمعنى المنصة) التي تتيح الانتظام السلسلي للنغمات التي تتكوّن منها المورفيمات وفق شروط السامة المقطعية. وتوضح البنية التمثيلية (1) المكوّنات المباشرة لبنية الفعل البسيط. البنية التمثيلية (1)

تبرز البنية التمثيلية (1) التعقيد المورفيمي للفعل المجردّ غير المتصرّف، الخالي من لواح ق الشخص

والجنس والعدد. وتجسّد البنية (1) التحليلَ المؤسَّس على مقولة المورفيم، بمعنى أن التأليف الصرفي مبنيّ بوحدات دنيا تسمّى المورفيم، ذلك أن كلّ رفّ يستقلّ بقطعة صرفية مستقلة تسمّى مورفيمًا.

ويحسن التنبيه إلى أنّ مورفيم الهيكل في البنية (1) يمثّل الهيكلَ النواةَ الموسّع بمقطع الاشتقاق الذي. وعاوة على هذا، فإنّ كلّ نغمات المورفيم مربوطة بموقع

يظهر محصورًا بين معقوفين: [س ح] م ش في الهيكل باستثناء الفتحة المنتمية إلى رفّ القالب الحركي المعجمي التي تظهر غير مربوطة بموقع، فتكون بذلك نغمة «طافية»، وهي بهذا لا تتلقّى تأويلً صوتيًا، عملً بالمبدأ الذي يقضي بأن تؤوَّل

صوتيًا النغمات المسوّغة عروضيًا فحسب (أي تلك التي تُشبِع موقعًا في الهيكل). ونظير هذا في

(8) Jonathan Kaye, Jean Lowenstamm and Jean Roger Vergnaud, «Constituent structure and government,» Phonology , vol. 7, no.1 (May 1990), pp. 193–231. (9) Guerssel and Lowenstanm, pp. 4–14;

وانظر أيضًا: محمد بلبول، « المصدرُ والإلصاق »، في: محمد بلبول، بنية الكلمة في اللغة العربية: تمثيات ومبادئ (الرباط: منشورات

فكر،.)2008

التركيب أنّ الألفاظ غير المربوطة بموقع في البنية التركيبية لا تتلقّى تأويلً دلاليًا. إنّ السؤال الذي

يتعيّن الإجابة عنه، يتعلّق بالاستفهام عن الأساس الإمبريقي والنسقي الذي يبرّر افتراض وجود هذه

الفتحة الطافية في رفّ مستقلّ عن رفّ فتحة البناء للمعلوم عن يمين العنصر [ø] الذي يحتاج بدوره إلى تعليل.

الفتحة الطافية

من أجل فهم أفضل لمسوّغات وجود الفتحة غير المربوطة «الطافية» في البنية (1)، نحتاج إلى الإحاطة بما تقتضيه من فرضيات، نُجملها في ما يلي: • فتحة البناء للمعلوم مازمة لبنية الماضي والمضارع المعلومين، وليست دخْل Input لتناوب أبوفوني. • في إطار الفعل المبنيّ للمعلوم، يحصل التناوب الأبوفوني بين حركة عين الماضي وحركة عين المضارع من دون حركة البناء، وذلك كما هو مبيّن في البنية التمثيلية.)2(البنية التمثيلية (2)

يتبيّن من البنية التمثيلية (2) أنّ فتحة البناء للمعلوم (الفتحة السميكة) غير منخرطة في عملية التناوب الحركي بدليل أنّهما غير مربوطين أبوفونيًا (—.). وفي المقابل، فإنّ حركة عين الماضي التي يُشار إليها بوساطة عنصر افتراضي من دون محتوى صوتي ø) (تُعدّ سابقًا أبوفونيًا للكسرة التي تُحرّك عين

المضارع المعلوم؛ ما يعني أنّها متولّدة أبوفونيًا من العنصر الافتراضي ø) (الذي ينتمي للرفّ نفسه الذي تظهر في بدايته الفتحة الطافية. من المعروف أن الضمّة التي تحرّك فاء الماضي والمضارع المبنيين للمجهول عامة وظيفية، تُنبئ أنّنا في هيكل مبني للمجهول؛ وهي ليست ضمة أوّلية Primitive، بل وليدة اشتقاق تصريفي ينطلق من أصل يُفترض أنّه عبارة عن فتحة طافية، كما يظهر في البنيتين التمثيليتين (1) و (2)، تتولّد منها ضمّة، بموجب قانون التناوبات الأبوفونية المصاغ في البنية التمثيلية (3) الذي سنقف عنده لاحقًا، لشرح خلفياته النظرية والإمبريقية.

البنية التمثيلية (3)

وتوضح البنيتان التمثيليتان (4) و (5)، على التوالي، الربطَ الأبوفوني بين الماضي المعلوم والماضي المجهول من جهة، والربط الاشتقاقي بين الماضي المجهول والمضارع المجهول. ففي البنية التمثيلية (4) تعدّ الفتحة الطافية (غير المربوطة في الهيكل س ح)، في بنية الماضي المعلوم سابقًا أبوفونيًا

Antecedent Apophonic لضمّة فاء الماضي المجهول التي تُشكّل، بدورها، أساسَ اشتقاق ضمّة المضارع المجهول. البنية التمثيلية (4)

البنية التمثيلية (5)

وتدعّم البنية التمثيلية (4) ما يظهر في البنية التمثيلية (2) من كوْن فتحة البناء للمعلوم التي تستقلّ في رفّ خاص لا تنخرط في التناوب، خافًا للفتحة الطافية والعنصر الموجود معها في الرفّ نفسه. وفضلً

عن هذا، يقدّم الافتراض الأبوفوني تفسيرًا لاشتراك الماضي المجهول والمضارع المجهول في الضمّة،

باعتبار أنّ الضمّة تقبل أن تكون سابقًا أبوفونيًا لصورتِها كما في نحو فعُل / يفعُل. وبناء عليه، يتمكّن

الصرف الأبوفوني من تحديد اتجاه الاشتقاق التصريفي للفعل على أساس خوارزم المسار الأبوفوني المحدّد في البنية التمثيلية (3) الذي صاغه لوفينستام وكرسال انطاقًا من العربية الفصيحة. وتمّت

البرهنة على أنّه صيغة كلّية على المستويين الصوري والجوهري. ونجم عن هذا الافتراض، أنّ الصرف الأبوفوني في اللغات الطبيعية محكوم بالصيغة في البنية التمثيلية (3) بصرف النظر عن تنوّع الأنساق

الصائتية للّغات الطبيعية. فاللغات التي تشتمل على حركات مركّبة من عنصرين بسيطين أو أكثر، نذكر منها، للتمثيل لا الحصر، النسق الصائتي للفرنسية ونسق الألمانية، تراعي الصيغة الأبوفونية في البنية التمثيلية (3) التي تتنبّأ بأشكال التناوبات الحركية المعلّلة صرفيًا. وتعكس البنية التمثيلية (6) التصوّر

الأبوفوني لمسار الاشتقاق التصريفي للفعل في العربية الفصحى في مقابل البنية التمثيلية (7) التي تعكس تصوّرًا يفصل اشتقاقيًا بين الماضي المجهول والمضارع المجهول. البنية التمثيلية (6)

البنية التمثيلية (7)

Philipe Ségérale and Jean Lowenstamm, Une Théorie généralisée de l’apophonie , thèse de doctorat (Paris: Université Paris 7, 1995).

ما الذي يحدو بنا إلى تفضيل الاتجاه الاشتقاقي في البنية التمثيلية (6) على الاتجاه المنافس الوارد في البنية التمثيلية (7) الذي يقضي بأن المضارع المجهول مشتق من المضارع المعلوم؟ قد تقود المفاضلة المتسرّعة بين البنيتين التمثيليتين (6) و (7)، على أساس مدى مراعاة كلّ منهما قانونَ

الأبوفونيا، إلى استنتاج أنّ البنية التمثيلية (7) مكافئة للبنية التمثيلية (6). بمعنى أنّه سواء أقمنا باشتقاق المضارع المجهول من المضارع المعلوم، كما يبيّن الرسم في البنية التمثيلية (7)، أم اشتققنا المضارع

المجهول من الماضي المجهول، كما هو مبيّن في البنية التمثيلية (6)، فإنّ كا المسارين يراعي قانون

الاشتقاق الأبوفوني المصاغ في البنية التمثيلية.)3(لكن إنعام النظر يكشف أن الاتجاهية الاشتقاقية في البنية التمثيلية (7) لا تقوى على الربط بين المضارع المعلوم ونظيره المبني للمجهول أبوفونيًا في الصيغ

كلها، بل يأتي لها ذلك مع مجموعة محدودة من الصيغ المزيدة، هي: فَعّل (بتضعيف العين) وفاعَل وأفْعلوفَعْلل، وجميعها تشترك في أنّ مقطع حرف المضارعة يظهر فيها مضمومًا، متّصلً مباشرةبمقطع فاء الصيغة. أمّا الصيغ المزيدة التي يكون معها حرف المضارعة مفتوحًا فا تكون مضارعاتها المبنية

للمجهول مشتقّة أبوفونيًا انطاقًا من المضارع المعلوم؛ وذلك بسبب أنّ فتحة المضارع المعلوم تنتمي

لمقطع مفصول عن الجذع الفعلي بمقطع الإلصاق، وهذا سببٌ كافٍ لاستبعاد الاتجاهية الاشتقاقية

الوارد في البنية التمثيلية (7). أمّا الاتجاهية الواردة في البنية التمثيلية (6) التي تقضي بأن يُشتّق المضارع المجهول من الماضي المجهول، فتتيح اشتقاق جميع الصيغ الفعلية أبوفونيًا، والتنبؤ بحركة حرف

المضارعة على أساس صوري بنيوي. ولمزيد من التوضيح نورد البنية التمثيلية (8) التي يتحقق فيها الربط الأبوفوني بين الماضي والمضارع المبنيين للمعلوم في صيغة انفعل. البنية التمثيلية (8)

تستدعي البنية التمثيلية (8) إبداء ماحظتين: أولاهما أنّ مقطع الإلصاق [س ح] مربوط بنون المطاوعة، وأنّ حرف المضارعة (في بنية المضارع المعلوم) يظهر قبل مقطع الإلصاق، وهو لهذا السبب غيرُ منظور

من الفتحة الطافية، فيتعذّر عليها أن تكون في منزلة سابقِه الأبوفوني، ما يفسّر غيابَ المقابل الأبوفوني

للفتحة الذي هو الضمّ في مقطع المضارعة. إنّ الفتحة التي تحرّك حرفَ المضارعة ليست فتحة بناء

المعلوم، بل هي إذًا نسخة من الفتحة الطافية التي تُربط بمقطع خارجي يقع قبل مقطع الإلصاق، لأن فتحة البناء للمعلوم تُحرِّك الأصل الثاني من أصول الجذر (العين). إنّ سبب امتناع كون الفتحة الطافية

سابقًا أبوفونيًا لحركة حرف المضارع، يعود إلى أنّ مقطع [...] ربط ياء المضارعة وحركتها ليسا في

مدى ميدان التناوب الأبوفوني، ما يمنع الفتحة الطافية من أن تكون سابقًا أبوفونيًا، فا تظهر ضمة في

مقطع حرف المضارعة في البنية المقابلة. وفي المقابل تتناوب الفتحة الطافية أبوفونيًا فتُولّد الضمّة

مع حرف المضارعة متى ملأ هذا الأخيرُ مقطعَ الإلصاق [...]، أي المقطع المتصل مباشرة بمقطع فاء

الصيغة؛ وهذا ما يحدث مع صيغة يُفعّلومثياتها من الصيغ التي يكون فيها حرف المضارعة ملتصقًا بالجذع غير مفصول عنه بمقطع الإلصاق، فيأتي مضمومًا جرّاء التناوب الأبوفوني. الماحظة الثانية

مفادها أنّنا لو سلّمنا بأن المضارع المجهول مشتق من الماضي المجهول في البنيات التي يظهر فيها حرف المضارعة مربوطًا بمقطع خارجي [...] مثلما هو حاصل في البنية التمثيلية (8): نُفعِل، حيث تكون ضمّة الفاء متولّدة أبوفونيًا من الفتحة الطافية في الماضي المعلوم الموافق لها، فإنّ السؤال الذي

يطرح نفسه يتعلّق بمعرفة مصدر ضمّة ياء المضارعة في المضارع المجهول في هذه الحالة، هل هي آتية من ضمّة فاء الماضي المجهول؟ الجواب سيكون بالنفي، لأن المقطع الخارجي الذي يملؤه حرفُ المضارعة مقفل في وجه أيّ نشاط أبوفوني. وبهذا تكون الضمّة التي تحرّك حرف المضارعة نسخة من

الضمة الموجودة في الماضي المجهول. وذلك كما هو مبيّن في البنية التمثيلية.)9(البنية التمثيلية (9)

يتبيّن من البنية التمثيلية (9) أن الضمّة في مقطع الإلصاق، لا تربطها آصرة أبوفونية بضمّة ياء المضارعة

التي تُربط بالمقطع الخارجي، ما يُشار إليه بغياب الخط الرابط بين الحركات المتعالقة أبوفونيًا، لا

بسبب أنّ قانون الأبوفونيا يمنع التناوب الأبوفوني u / u – فهذا التناوب مقبول أبوفونيًا – بل بسبب رسُوّ

ياءِ المضارعة وحركتها في حيّز يوجد خارج مدى الربط الأبوفوني، كما أوضحنا سلفًا.

عناصر المسار الأبوفوني

بلْورنا في القسم السابق تحليلً يفكّك البنية الصرفية الداخلية للفعل العربي إلى مكوّناتها الصرفية المباشرة، وفق الشروط التمثيلية لنظرية الصرف المستقل القطع Theory Autosegmental، وفرضية الاشتقاق الأبوفوني Derivation Apophonic التي تزعم أن التناوبات الصائتية محكومة بالقانون المشار إليه في البنية التمثيلية (3)، وقدّمنا البراهين الصورية والتجريبية المتعلّقة بتحليل المعطيات التي

تبرّر وجود الفتحة «الطافية»، وربطنا وجودها بكيفية اشتغال الاشتقاق الأبوفوني في النظام التصريفي

للفعل العربي. فنظام التناوبات الحركية المعلّلة صرفيًا، يتيح الربط الاشتقاقي بين الصيغ المتصرّفة

للفعل، فضلً عن أنّه يربط الصيغ الفعلية المزيدة (باستثناء تفاعلوتفعّل) بالبنية الفعلية، كما في البنية التمثيلية (1) في إطار الاشتقاق المعجمي بموجب التناوبات الأبوفونية، كما في الشكل.)10(الشكل (10)

ولرفع الالتباس المتعلّق بالعنصر [ø] الذي يظهر مازمًا لجميع التمثيات الصورية السابقة، يحسُن

بنا أن نذكّر بالأسس التي يقوم عليها افتراض وجود هذا العنصر وحضوره في الرّف نفسه، إلى جانب

الفتحة الطافية.

1. العناصر الأولية للنظام الصائتي في العربية

من المعلوم أنّ النسق الصائتي للعربية يتكوّن من ثاثة صوائت (أو حركات أوّلية) تُؤسّس قاعدة جميع

الأنساق الحركية في اللغات الطبيعية، وهي الفتحة والضمة والكسرة. من وجهة نظرية صرفية تتيح الحركات الثاث التناوبات المبيّنة في البنية التمثيلية (11) لاشتقاق المضارع المعلوم من الماضي

المعلوم. البنية التمثيلية (11)

تُبرز هذه البنية كيفية ارتباط فتحة الماضي (والمقصود حركة العين) بالكسرة والضمة في صف المضارع. وبعبارة أخرى يتبيّن من البنية (11) أنّنا بصدد اشتقاقين بدخْل واحد Input One وخرْجين

Outputs Two مختلفين: i / a و u / a. ولئن سلّمنا بمسار اشتقاقي معاكس ينطلق من المضارع، فلن يؤدي هذا إلى التخلّص من واقع وجود دخْل واحد مربوط بخرجين؛ إذ سنجد أنّ ضمّة عين المضارع

تتناوب تارة مع الفتحة، كما في نحو يَكتُب/ كتَب، وتارة أخرى مع الضمة: يكْبُر/ كَبُر. وتمثّل البنية

التمثيلية (12) وما يترتب عنها من أمثلة لاستغاق الأبوفوني Opacity الذي يكون كلّما قبل التحليل

الوضع الممثل له في البنية التمثيلية (11)، ووضّحنا أن تغيير اتجاه المسار الاشتقاقي من حالة ماض/ مضارع إلى مضارع/ ماض، لا يخلّصنا من هذا الاستغاق، وذلك كما هو موضّح في البنية التمثيلية (12 أ، ب). البنية التمثيلية (12)

فمثال (12 أ) ضرَب/ يضرِب، كتَب/ يكْتُب، ومثال (12 ب) يكتُب/ كتَب، يَكْبُر/ كَبُر. وإلى جانب الاستغاق، يُبْدي التناوب الحركي في الماضي والمضارع حالة استقطاب Polarity تنأى بالاشتقاق

الأبوفوني عن الشفافية المتوخّاة. فسواء أكان منطلق الاشتقاق حركة عين الماضي أم حركة عين المضارع، فإنّ الحاصلَ لا يتغير: ضربَ/ يَضْرِبُ، عَلِمَ/ يَعْلَمُ، يَضْرِبُ/ ضربَ، ويَعْلَمُ/ عَلِمَ. ونورد في البنية التمثيلية (13) ما يمثل لاستقطاب المعاين في عاقة الماضي بالمضارع بصرف النظر عن اتجاه مسار الاشتقاق. البنية التمثيلية (13)

يتجلّى الاستغاق الأبوفوني في وجود نسق يولّد أربعة فروع من ثاثة أصول: / i a u /، ما يعني أن النسق، المُمَثّل له من خال البنية التمثيلية (11) يشكو من علّتين: الاتناظر العددي بين النغمات الدخْل والنغمات الخرْج، والاستقطاب الذي يتجسّد في كون الفتحة والكسرة تتناوبان في الاتجاهين

المعاكسين، وذلك ما تظهرُه البنية التمثيلية (13). اهتدى جان لوفينستام وكرسال، في إطار تقيّدهما بمقتضيات الصياغة الصورية للنحو في جميع

مستوياته التمثيلية، إلى افتراض عنصر رابع إلى جانب الدخول الثاثة، يتيح رفع الاستغاق، المبيّن

في البنيتين التمثيليتين (11) و (12 أ)؛ ويمكّن من التخلّص من الاستقطاب القائم بين الفتحة والكسرة الذي تبرزه الاتجاهية الاشتقاقية في البنية التمثيلية (13). ففي حال وجود هذا العنصر الرابع – ولنرمز له، مؤقتًا، بالعامة x – يُرْفع التباس (12 أ)، فيفكّ ارتباط دَخْلٍ واحد بخرجين، ونُصبح بصدد نظامين

شفّافين، لا يشوبهما استغاق واستقطاب. ويتعيّن اختيار أحدهما بناء على تعليل مقنِع. ونمثل في

البنية التمثيلية (14 أ) و (14 ب) للبنيتين المتنافستين الناجمتين عن إضافة العنصر المجهول القيمة: x – العنصر الرابع المفترض – في التناوب الأبوفوني. البنية التمثيلية (14)

تخلو البنية (14 أ)، مقارنة بالبنية (14 ب)، من الاستقطاب المشار إليه في البنية التمثيلية (13) ما دام التناوب a / i في البنية (14 أ) لا يسير في اتجاهين متعاكسين، بيد أن (14 ب) تبرز الوضع غير المرغوب فيه والمشار إليه في البنية التمثيلية (13)؛ حيث تتناوب الفتحة والكسرة أبوفونيًا في اتجاهين متعاكسين.

ولئن فرضنا أن الاشتقاق الأبوفوني يتخذ من المضارع أصلً لاشتقاق الماضي، فإنّ النظام لن يتجنّب الاستقطاب المستهجن بين الفتحة والكسرة، وذلك كما هو مبيّن في البنية التمثيلية (51)، حيث منطلق

التناوب حركة عين المضارع لا الماضي. البنية التمثيلية (15)

يُبيّن فشل البنية (14 ب) والبنية (51) في التخلّص من وضع الاستقطاب الممثّل له في البنية (13)، أن

العنصر x) (يتناوب حصريًا مع الكسرة، وأنّ الفتحة لا يمكن أن تكون أصلً لاشتقاق الكسرة. وبهذا ينتظم نسق التناوب الأبوفوني وفق عاقة توافق محكومة بمبدأ «واحد بواحد» One To One. ويعتبر هذا حجة لصالح كون الماضي أصلً لاشتقاق المضارع. يترتب عن تبني البنية (14 أ)، أن فتحة عين كتَب، المتصرّف في الماضي، التي تتناوب أبوفونيًا مع

الضمة بحكم وجود يكتُبوانتفاء يكتِب (بكسر العين) ويكتَب (بفتح العين)، مختلفة عن الفتحة التي في ضرَب، والتي يقابلها الكسر في المضارع: يضرِب. ففتحة عين ضرَبفتحة لا تظهر في التمثيل

الصرفي على أساس أن التمثيل الصرفي سابق للتأويل الأصواتي، وهي متحقّقة في مستوى التمثيل النطقي، من طريق انتشار فتحةِ فاء الفعل. ومعلوم أن مسوّغ هذا الانتشار هو خلو العنصر Ø) (من المحتوى الصوتي. وبناء عليه يأتي التمثيل الصرفي العميق لفعل «ضرَب» على النحو الوارد في البنية

التمثيلية.16 البنية التمثيلية (16)

تتيح البنية التمثيلية (61) تحديد قيمة X) (، حيث Ø = X، وبالاستناد، إذًا، إلى البنية (61)، نحصل على التناوبات التي أوردناها في البنية التمثيلية (3)، ونذكّر بها في القاعدة (7.)1 القاعدة (17)

تحدّد المتتالية التناوبية صيغة ما يُطلق عليه قانون الأبوفونيا الذي يتكوّن من أربعة عناصر تتيح أربعة تناوبات. بقيت مشكلة أخيرة يتعيّن النظر فيها تتعلّق بالقطعة المورفيمية [ø – a] التي تتكوّن من الفتحة

«الطافية» (غير فتحة البناء التي تبرُز في طابق مستقل)، فضلً عن العنصر الفارغ ø) (. يُعدّ هذا المورفيم

أساسَ الاشتقاق الأبوفوني، فجميع الصيغ الفعلية المكسورة العين، مجرّدة أم مزيدة، مشتقّةٌ، على نحو

ما، من البنية المورفيمية القاعدية، كما في الشكل (8.)1 الشكل (18)

] ø – a [

مورفيم الهيكل

في ضوء ما تقدّم يمكن القول إنّنا ركّزنا تحليلنا على تسويغ القطعات المورفيمية النغَمية Melodies، ونعني التعليل البنيوي للفتحة الطافية (غير المربوطة بموقع في الهيكل س ح V) C، ولفتحة البناء

للمعلوم وللعنصر الفارغ صوتيًا [ø]، لكنّنا لم نقل شيئًا عن مورفيم الهيكل العَروضي Prosodic

Template، وهو مفهوم لساني لا تجوز ترجمته بالصيغة كما وردت في تحليل النُحاة العرب القدماء، لأنه افتراض أعمّ، يستقي مسوّغات وجوده من القيود العامة على البنية الفونولوجية للغات الطبيعية، ولا يُعدّ تمثيلً وصفيًا نابعًا ومبرّرًا بمعطيات لغة خاصة. سأسعى في الصفحات التالية إلى أن أوضح

الأبعاد النظرية والإمبريقية المتعلّقة بهذا التمثيل والنقاش المتمخّض عن التباين في أسلوب التمثيل له صوريًا.

1. الهيكل (س ح) مقابل الهيكل (X)

برزت فكرة الهيكل بادئ ذي بدء، بوصفه مستوى من مستويات التمثيل للبنية الفنولوجية للغات الطبيعية، في النظرية الموسومة باسم النظرية المستقلة القطع Autosegment التي اقترحها جون غولدسميث في أطروحته، لحلّ معضلة التمثيل للتمديد التعويضي، وللظواهر فوق القطعية التي تؤدي وظيفة تمييزية، مثل ظواهر العلوّ النغمي Tonology. ويمكن القول إنّ افتراض الهيكل، بأشكاله الثاثة المختلفة، ساهم في توضيح الظواهر التي تستوجِب الإحالة إلى مفهوم الموقع الفونولوجي Position Phonological في عاقته بالمقطع، ونجملها في ما يلي: • فونولوجية الوزن: المقطع الخفيف في مقابل المقطع الثقيل. • فونولوجية الكمّ: الطول (التضعيف) في مقابل الحركات والصوامت القصيرة.

. Compensatory Lengthening • المدّ التعويضي

• المماثلة التامّة. • التخصيص الناقص للقطعات. • القطعات الكامنة. يعود لجون مككارثي فضلُ توظيف فونولوجية الهيكل لرصد مظاهر التكسير الصرفي في اللغة العربية، وكان قد لاحظ أنّ التعارضات العَروضية Constrat Prosodic مُنتِجَة صرفيًا، ويتعيّن بالتالي التمثيل

(11) John Goldsmith, Autosegmental Phonology (Cambridge: Massachusetts Institute of Technology, 1976).

(((1 من المفيد في هذا السياق التذكير بأنّ التمديد التعويضي Compensatory Lengthening ظل مستعصيًا على النظرية القطعية

لتشومسكي وهالي المعروضة في كتابهما The Sound Pattern of English (نمط الأصوات في اللغة الإنكليزية). لا يملك هذا النموذج الوسائل لرصد ظاهرة التمديد التعويضي التي تقتضي الحذف وتمديد الحركة لتشغل موقع العنصر المحذوف المحاذي لها. سيؤدي إدخال بنية المقطع في التحليل الفونولوجي في نظرية القطعات المستقلة التي تعتمد تمثيات متعددة الأبعاد إلى

التكفّل بظاهرة التمديد القطعي بوصفها ظاهرة عروضية Prosodic. (((1 لمزيد من التفصيات والأمثلة التوضيحية عن هذه الظاهرة، انظر:

Michael Kenstowicz, Phonology in Generative Grammar (Cambridge, Mass. and Oxford: Blackwell, 1994), pp. 395–

لها من خال متوالية من المواقع الزمنية المخصّصة؛ إما بالسمة س (= ساكن/ صامت)؛ وإمّا بالسمة ح (= حركة/ صائت). وبناء عليه، يتيحُ الهيكلُ المتصوّر على هذا النحو التمثيل للخصائص العَروضية Prosodic بإبراز كمّ أو مدّة القطعات من طول وتضعيف، بحكم أنّ هذه الخصائص تؤدي وظيفة تمييزية في المستوى الصرفي. لنقارن مثلً بين كتَب Katab وكَاتَب Kaatab، وبين كتَب وكتَّبْ Kattab. ويقترح مككارثي قاعدة حشوية تولّد جميع هياكل الفعل في اللغة العربية، ويصوغها على الشكل المبيّن في القاعدة.)19(القاعدة (19) أ.

ب.

تطرح القاعدة (91) مشكلتين: أولاهما أنها تولّد، إضافة إلى جميع هياكل الفعل المجرّد والمزيد، هيكلً غير مُعاين في طبقة الأفعال في اللغة العربية، ونقصد به الهيكل.)20(الهيكل (20)

[س ح س ح س ح س]

الهيكل (02) بنية لاحنة تُولّد بتفعيل الإمكان الثاني في توسيع أقصى اليمين (...) في القاعدة (91 أ)، أي باختيار [س ح] بداية بدلً من [س]، من دون تفعيل التوسيع الأوسط +[(قطعة]). فيكون الحاصلُ بنيةً لاحنةً، ما يُحتّم تدخّل الشق (ب) من القاعدة (91) الذي يتكفّل بحذف حركة المقطع الثاني لمنع توالي ثاثة مقاطع قصيرة داخل الجذع المعجمي. إنّ اللجوء إلى المصفاة (91 ب) يُضعِف، في نظرنا، القاعدة (91) برمّتها لأنها عملية توليد غير مقيّدة بمبدأ نحوي عام موضوع على الهيكل، فهذه العملية مسيّرة بالمنطق الداخلي للآلة الصورية أكثر ممّا هي منبثقة من قيد نحوي تفسيري، على الرغم من إجرائيتها وما تتيحه من اقتصاد وأناقة في الوصف. أمّا المشكلة الثانية، فتتمثّل في وجود موقع في الهيكل غير مخصّص بإحدى السمتين، وهو الموقع +[قطعة] الذي يحتمل أنْ يُفَعّل بقطعة (س) إذا حصل الاشتقاق بتوسيع داخلي، وذلك بانتشار قطعة صامتة من صوامت الجذر نحوَه، كما في

« فعّل»، ويحتمِل الموقعُ أن تُسند إليه قيمة ح (صائت)، إذا تمّ الاشتقاق بانتشار حركة، كما في«فاعل». ولتوضيح هذا الإجراء نستعين بالتمثيل التالي، حيث نعوض +[قطعة] بالرمز X، حيث X = ح، س.

البنية التمثيلية (21)

انبثاق نظرية الهيكل ذي المواقع الغُفْل

تُبدي هذه البنية ما سبقت الإشارة إليه، ومُفاده أنّ الموقع غير المخصّص: +[قطعة] الذي عوّضناه بالرمز) X (يقبل أنْ يُربط بحركة، كما يقبل أن يُملأ بقطعة ساكنة، ما يُتيح له رصدَ الطول القطعي، بصرف النظر عمّا إذا كانت نغمتُه حركةً (صائت) أم ساكنًا (صامت). ومن المفيد التنبيه إلى أنّ البنيتين لا تتحقّقان بصورة تزامنية بسبب قيد يمنع أن يُربط الموقع الواحد في الهيكل بنغمتين في البنية الواحدة. وجليّ

أن التمثيل (21) موضوع لأغراض التوضيح ليس إلا، وليس تمثيلً ممكنًا في الإطار الصوري المتبنّى.

إنّ افتراض مواقع فونولوجية غير مُخصَّصة بإحدى السمتين القِطْعِيَتين إلى جانب مواقع مخصّصة أمرٌ

مَعيب؛ لأنّه مخلّ بمزيّة تجانس ألف باء التمثيل. وحدا هذا الخلل بكوكبة من اللسانيين إلى اقتراح هيكل في صورة متوالية من المواقع الزمنية الغُفْلslots) – X (X. نذكر منهم على وجه الخصوص جونثان كاي وجان لوفينستام وجولييت لفين، بذريعة وجود حالات لا يُعرف فيها ما إذا كان الموقع في الهيكل ساكنًا أم حركة. من ذلك ما يبرزه التمثيل (21) بخصوص اشتقاق « فاعل» و« فعّل». وتقدّم العبرية الطبرانية Hebrew Tiberian المثال النموذجي لفشل الهيكل (س ح) ونجاعة الهيكل الغُفل X. ففي هذه اللغة الساميّة تسلك أداة التعريف سلوكين مغايرين: فتنسخ القطعة الأولى من الاسم

الذي تدخل عليه فينتج من ذلك تضعيف، كما في نحو [melek – ham] «الملك»، وفي حالة كون القطعة الأولى من الجذع المعجمي ساكنًا حلْقيًا؛ فإنّ التضعيف يُكبَح ليتيح لحركة الأداة أن تتمدّد،

وذلك كما في نحو [iir?haa–] «المدينة». إنْ نحن افترضنا أنّ هيكل الأداة متوالية غفل بثاثة مواقع [x x x]، فإنّ مواضعات ملء المواقع بالنغمات الموافقة ستتم على نحو سلِس؛ بمعنى أن الموقع الثالث يحتمل أن يُربَط بقطعةِ بدايةِ جذعِ الكلمة إذا كانت القطعة التي يُستهل بها الجذع مُخصّصة بالمصفوفة: +[صامت، – حلقي]، أما إذا كانت القطعة: +[صامت، + حلقي]، فإنّ النواة الحركية للأداة هي التي تنتشر نحو الموقع الثالث. وتوضّح البنية التمثيلية (22) هذا الأمر.

(((1 من معاني كلمة غُفل في اللغة أنها تأتي لوصف ما لا عامة فيه، لا سمة عليه. وبدا لنا هذا اللفظ مائمًا لترجمة مفهوم الهيكل

غير المخصّص المواقع بإحدى السمتين س أو ح.

(15) Jonathan Kaye and Jean Lowenstamm, «De la syllabicité,» in: F. Dell et al. (eds.), Forme sonore du Langage (Paris: Hermann, 1984)

البنية التمثيلية (22)

يعود لجولييت لفين فضلُ اقتراح تمثيل بنيوي للمقطع يُطابق التمثيلَ للمقولات التركيبية الكبرى

وفْق مبادئ نظرية س–خط bar – X، على نحو يُتيح للمقطع أن يكون إسقاطًا لرأسه، أي نواته، ويُعدّ

الاستهال Onset بمنزلة مُخصِّص للرأس، ويكون ذيلُ المقطع Coda نظيرًا للفضلة في التركيب.

وجدير بالذكر أنّ القافية التي تنفي لفين أن تكون مكوّنًا كليًّا من مكوّنات المقطع، هي «العجرة» التي

تُهيمن مباشرة على الرأس (ن) (نواة)، أي ن–خط. وفي المقابل يساوي إسقاط العجرة المقطعية ن– خطين، ويُعدّ هذا ممّا يُدرج في الخصائص الكلية للمقطع. ودافعت الباحثة، وقتئذ، عن هيكل مكوّن

من وحدات زمنية غُفل ترمز لها بالرمز X وميّزت داخله بين مواقع جذرية ومواقع نووية مربوطة برأس

إسقاط المقطع، وذلك وفق ما سبق توضيحه في البنية التمثيلية (22). وتعكس التمثيات الواردة في البنية التمثيلية (23) الإسقاطات القصوى لمقاطع اللغة العربية وفق نظرية س–خط. البنية التمثيلية (23)

يُستنتج من التمثيات أعاه أنّ المواقع في الهيكل ليست في حاجة إلى تخصيص قبلي كما تفعل

نظرية الهيكل (س ح)، بل إنها تفترض أنّ السمتين س وح مستنبطتان من البنية الشجرية للمقطع المصمَّمة وفق نظرية س–خط. وُجّهت انتقادات كثيرة إلى نظرية الهيكل الغُفل، الأمر الذي حدا ببعض المدافعين عنها في أواسط

ثمانينيات القرن الماضي من أمثال لوفينستام وجونثان كاي اللذين كانا من أبرز المساهمين للتخلّي

عنها والعودة إلى الهيكل (س ح) من منظور نظرية جديدة في المقطع، لا تقرّ بوجود مقطع ثقيل،

وترى أن الوزن يُشتقّ من سلسلة مكوّنة من مقطعين قصيرين: [س ح س ح...]، ولعلّ هذا ما يفسّر أنّ

الهيكل المعتمد في الاشتقاق الأبوفوني للفعل العربي هو سلسلة من المواقع الزمنية المجمّعة تحت

عجر المقطع القصير، كما سبق وأن بيّنا. من بين الدواعي المؤدية إلى التخلّي عن الهيكل الغُفل، فشلُه

في معالجة المدّ التعويضي، الظاهرة التي كانت خلف التشكيك في كفاية الهيكل (س ح)، وسنعرض، في ما يلي، ما يبدو أنّه يكشف حدودَ نظرية الهيكل الغُفل لننتقل إلى الحديث، باقتضاب شديد، عن الهيكل من منظور النظرية الوقعية Moraic التي تقطع مع التصوّر القطعي للهيكل سواء لجأ إلى هيكل

س حأم اعتمد الصيغة المنافسة ذات المواقع الغُفل. لو عُدنا إلى البنيتين التمثيليتين في (22) اللتين تُلخّصان جوهرَ معالجة المدّ التعويضي من منطلق

فرْضية الهيكل الغُفل، فسيتبيّن بوضوح أنّ الموقع الذي يستقبل تارة التمديد الحركي وتارة أخرى

التمديد الساكني في هُيَيكل الأداة، يقبل تأويلين أصواتيين مختلفين: التأويل الصائتي في حالة

] haa– [، والتأويل الصامتي في حالة] ham– [، ويتعيّن أن يُسوّغ كلّ تأويل ببنية مقطعية خاصة، فالتأويل

الصائتي للموقع يجب أن تتيحه بنية مقطعية ذات نواة مفرّعة؛ كما هي الحال في البنية المقطعية

المُسْندة إلى [ما] في البنية التمثيلية (23)، في حين أنّ التأويل الصامتي مسوّغ ببنية مقطعية ذات ذيل

Coda، كما هو مُبيّن في التمثيل المقطعي المسند إلى [بَل]، حيث يظهر أن موقع الذيل لا يحتمل أن

يُربط بنغمة صائتية (أي حركة). لقد أثارت لفين المشكلة التي يطرحها تأويل الصائت (ح) المربوط

بموقع صامتي (س) في نظرية (س ح) لكليمنس وكيزر، في معرض انتقادها هذا النموذج، لكنّ المفارقة أن لفين تقترف هنَةً بإتيانها بما تُنكرِه على صاحبيها. ففي إطار نظرية المواقع الغُفل التي تتبنّى تمثيلً شجريًا للمقطع وفق هندسة س–خط للمقطع، يمكن تأويل المدّ التعويضي بوصفه سيرورة

انتشار النغمة الصائتية نحو موقع صامتي؛ بحكم أنّه مربوط بالمكوّن المقطعي الذيل الذي لا يقبل إلا

التأويل الصامتي. أما إذا كان الانتشار حركيًا، فإن الحركة تربط بالنواة المفرعة، وهذا الاختاف لا يبرزه

الموقع ذو المواقع الغفل، ما يدفعنا إلى القول: إننا لو نظرنا إلى النظريتين المتنافستين: نظرية (س ح) ونظرية الموقع – الغُفل، فسنلحظ أنّهما متكافئتان.

1. الهيكل الوقْعي

يمكن القول إنّ مجمل تصورات الهيكل التي عرضناها في هذه الدراسة تصدُر عن خلفية قِطعية، بمعنى أنّ الهيكلَ وِجاه Interface لتوافقات بين مستوى القطعات، بوصفها حزمة من السمات الأصواتية الواردة في التحليل اللساني، والمستوى فوق القطعي Suprasegmental الذي ينتظم وفق قيود البنية المقطعية. فسواء تعلّق الأمر بالهيكل (س ح) في صورته الأولى، على النحو المعتمد في مككارثي، أم تعلق بالهيكل وفق نظرية المواقع الغُفل، أم بهيكل لوفينستام الذي يتيح رصد التناوبات الحركية

George Clements and Samuel J. Keyser, CV Phonology: A Generative Theory of The Syllable (Cambridge: MIT press,

المشروطة صرفيًا، فإن النغمة، في النظريات الثاث يجب أن تربط بموقع فنولوجي زمني مُخصّص،

إما بسمة +[/– صامتي]، وإمّا عبارة عن موقع غير مخصّص، أي x) (، لتكتمل قِطعيتها. وأوْضحنا أنّ هذا الموقع ينتمي لرفّ الهيكل ومربوط بأحد مكوّنات المقطع. من زاوية نظر تأريخية، تُعدّ دراسة مككارثي وبرينس الموسومة باسم الصرف العَروضي، دراسة قطعت جذريًا مع التصوّر القطعي الذي ظل حاضرًا في النظرية المستقلة القطع. وتتمثّل هذه القطيعة

في رفض مستوى التمثيل الهيكلي بمختلف أشكاله التي تطرقنا إليها، لفائدة بنية مؤسسة على الوزن الذي يُرمزُ له بالوقْع أو المورا Mora. لم يعد مقبولً في هذه النظرية الحديث عن موقع قطعي في الهيكل، بل أصبح الحديث عن وقع مخصّص بمقولة عروضية µ (تشرف مباشرة على النغمات التي يجب أن تُسوّغ عَروضيًا ليتمّ تأويلها أصواتيًا. يبرّر الباحثان أسلوب التمثيل للهيكل بمقولات

عَروضية خالصة تبريرًا إمبريقيًا، وذلك بالإشارة إلى أن النحو الطبيعي للّغات البشرية لا وجود

فيه لعمليات فونولوجية تابعة لعدد القطعات في البنية التمثيلية، فموضوع التَّعداد ليس القطعات، بل الأوْقاع والمقاطع والأقدام، لأن تعداد القطعات مفتوحٌ، بيْد أنّه في العَروض مُقيّد بالمثنوية،

فالعمليات النحوية، بما فيها العمليات الفونولوجية، لا تَعُدّ أكثرَ من عنصرين. ويحسُن التنبيه

إلى أنّ للتَّعداد مظهرين: يتعلق المظهر الأول بكيفية اشتغال آلية العدّ في النحو. ويتعلق المظهر الثاني بمعرفة العناصر الخاضعة للعدّ. فبالنسبة إلى المظهر الأول، يبدو أن اشتغال التعداد مُقيَّد

بالمحلّية Locality، فانطباق قاعدة معينة يقتضي منها حصْرَ العنصر الذي تعتبره موضوع الانطباق،

وفحص العنصر المجاور بنيويًا. هناك وفرة في الأمثلة المبيِّنة أن أقصى ما يعتبر واردًا بالنسبة إلى

العملية، يتحدّد في عنصرين ينتميان لمحلّ واحد. فقاعدة برينس المعروفة باسم «قاعدة النهاية» End Rule تنطبق على طرَف Edge ميدان ما، وتأخذ في الاعتبار العنصر المتاخم للطَرف. ومجمل

القول إن العمليات لا تأخذ في الاعتبار، في أثناء اشتغالها، أكثر من عنصرين. أما بخصوص طبيعة الموضوعات المعدودة، فمن باب مسلّمات النظرية الفونولوجية أن القواعد لا تحسب القطعات. فالقواعد تتعرف إلى المقاطع والأوقاع والأقدام.

استنتاجات وخلاصات

طرحنا في مستهل هذه الدراسة مشكلة أوّليات التحليل اللساني لبنيات اللّغات الطبيعية من خال ما يحدث في مستوى التكوين الصرفي للفعل العربي، وكان منطلقنا بسط نظرية صورية (نموذج صوري) تنطلق من المورفيم بوصفه قطعة مستقلة في رفّ يتوازى عموديًا مع رفوف مورفيمات أخرى منخرطة في التوليف. وحاولنا أن نُبرز التعميمات التي يُتيحها النموذج الصوري من خال البحث في مسوّغات النغمة العائمة (الفتحة الطافية) والعنصر الفارغ صوتيًا [ø] وخصائص الهيكل العَروضي. نريد أن

John McCarthy and Alan Prince, Prosodic Morphology 1986 (Cambridge: Linguistics Department Faculty Publication Series, Massachusetts Amherst, 1996).

نضيف، فحسب أنّ أوّليات النظرية في نحوٍ صوري بالمعنى التوليدي، أي نموذج للتمثيل للقدرة النحوية في قوالب متعدّدة، لا تُطرح بوصفها مُسلّمات Axioms، بل هي فرضيات حول البنية الداخلية للموضوعات النحوية، ومن ضمنها الموضوعات الصرفية التي لا نعرف على وجه اليقين حقيقة وجودها وطبيعة خصائصها وكيفية تفاعلها مع الصوت والتركيب والمعنى. وتستمد هذه الفرضيات مبرّراتها العلمية من عاقتها بالبيانات التجريبية وبحيثيات الصياغة الصورية التي يفترض أنها محايثة

للموضوع وليست مسقطة عليه. وبيّنا من خال التمثيات الصورية والنقاش النظري المحيط بها،

أنّ مقولتي المجرّد والمزيد لا يمكن أن تحيا إلى واقع تجريبي في ظل نظريات لسانية تُعيد النظر

باستمرار في طبيعة أبجديات التوليف والقيود الموضوعة عليه. وبيّنا أيضًا كيف تتمكن نظرية صورية

من التنبؤ بالبنية الصائتية لاصقة المضارع وفرزها عن فتحة البناء للمعلوم، والتنبؤ بحركة عين الصيغة، وكيفية نجاحها في ردّ جميع البنيات الفعلية إلى هيكل واحد يتضمن نواة وتوسيعات، وأن الاشتقاق الصرفي في اللغة العربية لا يتم بين الصيغ الفعلية المعجمية، بل بين الصيغ المتصرّفة للفعل. كما أننا

وقفنا عند الخلفيات النظرية والتجريبية التي أملت تصوّرات معيّنة للهيكل العَروضي في إطار نظرية

قطعية وأخرى عَروضية خالصة. بعد هذا التوضيح، يجدر بنا أن نلتفت إلى بعض المآخذ التي يمكن تسجيلها بخصوص تصوّر النظرية

الأبوفونية للهيكل، نذكر منها: أنّ الهيكل في هذه النظرية ليس بنية مُقيَّدة بما يكفي، وليست تجسيدًا

صوريًا لما يمكن أن تكون عليه الجذوع المعجمية، ففي هذا الإطار لا نرى طريقة واضحة لرصد

التمايز البنيوي بين الصيغتين السِلسليتين Concatenative « تفاعل» و« تفعَّل »، والصيغ الفعلية الأخرى

ذات البنية الدمْجية غير السِلسلية؛ إذ يشير الباحثان: كرسال ولوفينستام، في دراستهما إلى الطابع

السِّلْسلي للصيغتين، لكن الجهاز التمثيلي الذي يقترحانه لا يقوى على صوغ وصف بنيوي يعكس

هذه الخصيصة؛ ويستتبع هذا أنّ الهيكل في النظرية، يُسنِد للصيغتين المذكورتين تمثيلً لا يختلف

هيكليًا عن التمثيل المسند لصيغة «انفعل» التي تبدو سلسلية وما هي كذلك. فجميع الصيغ ذات

السابقة المعجمية، سواء أكانت سلسلية أم لم تكن كذلك، تملك في هذا الإطار هيكلً واحدًا (البنية التمثيلية 24) حيث مقطع الإلصاق مُعيَّن (غير شاغر). وثالثة الأثافي أنّ مقطع الإلصاق يمكن أن يُعيَّن

من أصل من أصول الجذر، فيكون له الوضع الصوري للسابقة من دون أن يكون سابقة، كما هي الحال في الصيغتين: افعوعَلوافعنلل. البنية التمثيلية (24) [س ح]م ص س ح [س ح]م ش س ح س ح أضف إلى هذا أنّ التوظيف الاعتباطي لكلٍّ من مقطع الإلصاق ومقطع الاشتقاق يترتّب عنه ظهور تمثيات صرفية برأسين صرفيين، ما يخرق قيدَ أحادية الرأس. فهذا القيدُ سرعان ما تُعلّق النظرية العمل به في حالات التمثيل لبنيات « استفعل» و« افعوعل » و« افعنلل »، حيث يُملأ مقطع الإلصاق ومقطع الاشتقاق بشكل متزامن، بدعوى أن جميع أصول الجذر يجب أن تُربط في الهيكل؛ حتى ولو اقتضى

الأمر ربط أحدها بمقطع الاشتقاق أو بمقطع الإلصاق. وينجم عن هذا أن المبادئ (بمعنى القيود) الساهرة على سامة التمثيات تبدو كأنها تطبق بصورة انتقائية. قد تبدو الإشكالات المعروضة والتحليات الصورية للمواكِب للمستجدّات متقادمة نسبيًا، مقارنة بما

يصدر حاليًا في هذا المجال، بحكم أنها إشكالات تنتمي إلى العقدين الأخيرين من القرن الماضي.

لكنّنا آثرنا إثارتها وعرضَها لسببين: أولهما أننا استعدنا التحليل الأبوفوني للفعل العربي في سياق إشكالي مغاير نسبيًا لما قمنا به في دراسة سابقة، يجدها القارئ معروضة في كتابنا: بنية الكلمة في

اللغة العربية: تمثيات ومبادئ؛ وثانيهما أن المتتبع للمستجدات في هذا الميدان، سيلمس أن راهِنيتها لم يمسسها خَدش في سياق البحث اللساني العربي الذي ما زالت سُلَطه تنظر بشيء من الريبة إلى اللسانيات الصورية والمعرفية وتعدّها ضربًا من الفلسفات التي تخرج عن سياقها، متى عَنّ لباحث عربي في اللغة أن ينظر فيها، والحال أن تأثيرها يتعاظم من خال تقاطع اهتماماتها بما تشتغل به العلوم المعرفية والمنطق الرياضي والفلسفة. وانتبه علماء علم الأحياء إلى هذا التماثل الوثيق بين مبادئ التأليف النحوي والتأليف الجيني، ما حدا بعالِم المناعة نيلز جيرني Jerne Niels إلى أن يقدّم عرضه العلمي في احتفال تسلّمه جائزة نوبل في عام 9841، بعنوان لا يخلو من دلالة: « The generative grammar of Immune system»، « النحو التوليدي لنظام المناعة». وقد ينتفض البعض ضد هذا المنحى بالقول إن اللغة ظاهرة اجتماعية، لكنّه ينسى ظاهرَ أنّها بشرية قبل أن تنقدح شرارة التنشئة الاجتماعية لتعطيها مضمونًا خاصًا. أسال الاستدلال على هذه الأطروحة مِدادًا كثيرًا، نجد عصارته في آخر مؤلّفات تشومسكي (0162)

الموسومة بعنوان لا يخلو بدوره من إشارات وتنبيهات: أي نوع من المخلوقات نحن؟ حين تصبّ دراسة الكلمات والعبارات اللسانية في مجرى البحث عن جواب لهذا السؤال، تكون اللسانيات قد تقدّمت في مضمار العلوم التفسيرية.

References

المراجع

العربية

بلبول، محمد. بنية الكلمة في اللغة العربية: تمثيات ومبادئ. الرباط: منشورات فكر،.2008 بن يعيش الأسدي، يعيش بن علي. شرح الملوكي في التصريف. تحقيق فخر الدين قباوة. حلب: المكتبة العربية،.1973

الأجنبية

Chomsky, Noam & Morris Halle. The Sound Patterrn of English. New York, Evanston and London: Harper & Row, 1968.

Clements, George and Samuel J. Keyser. CV Phonology: A Generative Theory of The Syllable. Cambridge: MIT press, 1983. Dell, François et al. (eds.). Forme sonore du Langage. Paris: Hermann, 1984. Goldsmith, John. Autosegmental Phonology. Cambridge: Massachusetts Institute of Technology,

Guerssel, Mohand and John Lowenstamm. Classical Arabic Apophony. Paris: ms., UQAW & University Paris, 1993. Kaye, Jonathan, Jean Lowenstamm and Jean Roger Vergnaud. «Constituent structure and government.» Phonology. vol. 7. no.1 (May 1990). Kenstowicz, Michael. Phonology in Generative Grammar. Cambridge, Mass. and Oxford: Blackwell, 1994. McCarthy, John and Alan Prince. Prosodic Morphology 1986. Cambridge: Linguistics Department Faculty Publication Series and Massachusetts Amherst, 1996. McCarthy, John. Formal Problems in Semitic Phonology and Morphology. Cambridge: Massachusetts Institute of Technology, 1979. Ségérale, Philipe and Jean Lowenstamm. Une Théorie généralisée de l’apophonie. thèse de doctorat. Paris: Université Paris 7, 1995.