العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مراجعة في كتاب : مِــــــل للمؤلف: فريدرك روزن

مراجعة في كتاب : مِــــــل للمؤلف: فريدرك روزن

Book Review:Mill by Frederic Rosen

أحمد قاسم حسين *

Ahmed Qasem Hussein *

الملخّص

كان مِل فيلسوفًا عقليًا راديكاليًا ومن كبار فلاسفة المذهب الوضعي، و لا يستطيع أحد أن ينكر مكانته كفيلسوف من فلاسفة التحرر في القرن التاسع عشر، وإذا كان بعض الشراح يذهبون إلى أن آراءه لم تعد الآن ملحة كما كانت في الماضي، مع الإشارة إلى أنه لا يمكن الحكم على أفكاره اليوم لأنها تتسم بنوع من الرجعية، خاصة أن مِل عاش ضمن فضاءات ثقافية وفكرية اعتمدت في دراسة التاريخ من مقترب نظريات الأعراق والسلالات البدائية، و انزلقت البحوث التاريخية نحو عنصرية مركزية تنظر إلى الآخر من موقع الأعلى إلى الأدنى وتربط الحضارات بنوعية الأعراق وتقرأ للاختلاف من زاوية طبيعة السلالة ولونها ودرجة تطورها، إذ لم يوفق في حصر مبدأ الديمقراطية في شعوب أوروبا الشمالية وأميركا. إلا أن أفكاره تبقى ضرورية في فهم تطور الأفكار السياسية حول النظم الديمقراطية ومسألة الحرية الفردية.

Abstract

Researcher in the Arab Center for Research and Policy Studies, specialized in International Relations.

الكلمات المفتاحية:
  • المذهب الوضعي
  • جون ستيوارت مِل
  • المنطق
  • الحرية
  • الديمقراطية
Keywords:
  • Frederic Rosen
  • Mill
  • democracy
  • Western philosophy

مراجعة كتاب:

للمؤلف: فريدريك روزن

مِل.

الكتاب: المؤلف:

فريدريك روزن. ترجمة:

عاطف يوسف سليمان. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:

744 صفحة.

Book Review

(Review of the Arabic Translation)

M ill

by Frederic Rosen

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

مقدمة

صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في سلسلة «ترجمان» كتاب مِلللمؤلف فريدريك روزن، وقد ترجمه إلى اللغة العربية عاطف يوسف سليمان. يقع الكتاب (744 صفحة من القطع الوسط) في ثاثة عشر فصلً، موزعة على ثاثة أقسام، تسبر الفلسفة الاجتماعية والسياسية عند جون ستيوارت مِل، الذي يُعدّ واحدًا من أهم فاسفة بريطانيا في القرن التاسع عشر. تأثر مِل بجيرمي بنثام وجوزيف بريستلي، وعاصر في شبابه الفيلسوف ديفيد هيوم، واطّلع على منهجه التجريبي وما تركه من تأثيرات في جميع الفاسفة في أوروبا، وتحديدًا إيمانويل كانط.

في نسق المنطق

قدّم الكاتب في القسم الأول من الكتاب «المنطق» قراءات مِل لكتابات هوتيلي وفرانسيس بيكون. ومن بين الأفكار والقضايا التي اجتذبت مِل دفاع هوتيلي عن القياس المنطقي الذي عدّه ركنًا مهمًا في المنطق التقليدي، ولاستكشاف

الحرية، لا سيما أن مِل فيلسوف تجريبي لا يعتقد في وجود معلومات مؤكدة على نحو

(((جون ستيوارت م ل John Stuart Mill: فيلسوف واقتصادي إنكليزي، ولد في لندن في 806/5/201، وترعرع على مبادئ

والده جيمس مِل، كما تأثر بفكر جيرمي بنثام. درس اليونانية وهو في الثالثة من عمره، واللغة الاتينية في الثامنة، والاقتصاد والمنطق في الثانية عشرة، ويُعدّ من كبار دعاة مذهب النفعية. لم

تقتصر كتاباته على النظرية السياسية، بل شملت أيضًا المنطق والإبستيمولوجيا. وكان لنظرياته السياسية عن الحرية والمرأة والعدالة والحكومات النيابية شأن في إعطاء دفعة تجاه مبدأ

التسامح وفكرة المساواة. لمعرفة المزيد عن جون ستيوارت مِل

انظر: فردريك كوبلستون، تاريخ الفلسفة، مج:8 من بنتام إلى

رسل، ترجمة محمود سيد أحمد، مراجعة إمام عبد الفتاح إمام (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 0092)، ص 84–21.

مسبق عن عالمنا، لذا في كتابه المنطق ميّز بين

الاستدلال المنطقي والاستدلال الواقعي؛ إذ إن الاستدلال المنطقي اللفظي لا يقدّم بحسب رأيه أي معلومات واقعية عن العالم. لقد شهد مِل نفور الفلسفة الحديثة والعلم بأكمله من القياس المنطقي، بوصفه لا يمتّ إلى الحقيقة بصلة؛ فالنتيجة المستخلصة من مقولة «سقراط فانٍ» كانت موجودة ضمنًا في عبارة «كل البشر فانون». وكان رفض الفاسفة المحدثين القياس المنطقي لمصلحة تأكيد الاستقراء، وعادة يعزى الفضل في ذلك إلى فرانسيس بيكون، من خال بحث الطبيعة بواسطة الاستقراء. في هذا الصدد رأى مِل أن بيكون لم ينبذ القياس المنطقي، لكنه انتقد الفاسفة المدرسيين في العرف الأرسطي؛ إذ إنهم يفتقرون إلى البحث في الطبيعة. بعبارة أخرى، إهمالهم المنطق الاستقرائي. وفي رأي مِل فإن المعرفة تأتي من التجربة، وكل برهان لا بد أن ينتقل بالضرورة من واقعة إلى أخرى. كما ينكر مِل الحقائق التي نعرفها والتي تأتي بصورة قبلية؛ لأن المعرفة تتكون من استقراءات التجربة. لقد بدأ مِل عام 8301 في كتابة أفكاره في المنطق، خصوصًا ما يتعلق بالمصطلحات والفرضيات ومغزاها، وتعمّق في مشكلة

الاستقراء، مؤجلًالاستنتاج، ومنطلقًا من أن الضرورة تقتضي حيازة مقدمات منطقية قبل أن يصبح المرء قادرًا على البرهنة عليها. والآن فإن الاستقراء، من حيث الأساس، عملية تحدث من أجل العثور على أسباب التأثيرات. فقد لاحظ مِل سريعًا أننا نصعد عن طريق التعميم انطاقًا

(2) John Skorupski, «Mill on Language and logic,» in: John Skorupski (ed.), The Cambridge Companion to Mill (Cambridge: Cambridge University press, 1998), p. 35.

من الجزئيات، فنصل إلى اتجاهات الأسباب مأخوذة كل على حدة، ثم نستنتج نزولً من تلك التوجهات المنفصلة، فنصل إلى أثر الأسباب نفسها عندما تجتمع. يحاول الكاتب تطبيق أفكار مِل عن الحقيقة وحرية التعبير وفهمه الحرية والديمقراطية في عملَيه عن الحرية وتأمات في الحكم النيابي. لذا يتناول الكاتب مفهوم مِل لمنطق علم الاجتماع والسياسة، على أن نقطة البداية فيه ليست المنطق نفسه، وإنما ما سمّاه الكاتب

«أسلوب مِل في الإصاح». وفي هذا الصدد يقول مِل: «شعرت أن السياسة لا يمكن أن تكون علم تجربة بعينها، وأن الاتهامات الموجّهة إلى النظرية البنثامية من حيث أنها نظرية، ومن حيث أنها تقدم نفسها ‘بداهة’ من خال منطقها العام نفسه بدلً من أن تخضع للتجربة البيكونية، تفضح جهلً كاملً بالمبادئ التي وضعها بيكون، وكذلك تفضح جهلً بالشروط الضرورية للدراسة التجريبية». لقد مثّل المحيط السياسي الذي عاش فيه مِل، والذي وُسِم بالتعارض بين القوى السياسية داخل البرلمان والأحزاب السياسية والتعامل مع أحوال العمال، عنصرًا

أساسيًا في صياغة مبادئه والإصاحات التي

اقترحها في كتابه التأمات؛ إذ استخدم التعارض ما بين الليبراليين والمحافظين، كي يبيّن أن

المواقف المتناقضة التي يبدو أنه لا سبيل إلى التوفيق بينها يمكن على الرغم من كل شيء

(((جون ستيوارت مل، سيرة ذاتية، ترجمة الحارث النبهان (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 0152)، ص 5.12 (((فريدريك روزن، مل، ترجمة عاطف يوسف سليمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 0172)، ص.23 (((مل، سيرة ذاتية، ص.124

أن تتعايش، وأن يتحقق الإصاح السياسي، خصوصًا أن السياسة بحسب اعتقاده لا بد أن تكون علمًا استنتاجيًا. زد على ذلك أن منهج مِل في الإصاح يبدأ بتهيئة الجماهير كي تتلقى الإصاح الجاري وتدعمه؛ إذ رأى أن أفكار النخبة المثقفة من جيلٍ ما هي ما سيهيّئ أذهان الجماهير

عمومًا كي تتحقق من منافع الإصاح والتقدم وفوائدهما في مؤسسات وممارسات بعينها. كما يعرض الكاتب التصورات النقدية التي قدّمها مِل لمفهوم علم السياسة التقليدي، ويركّز على التغيرات الدستورية المجردة مثل الملكية، والأرستقراطية، والديمقراطية. وقد أورد مِل في كتاب المنطقفقرة ينتقد فيها بشدة الحالة التي كان عليها علم السياسة؛ إذ قارن دراسة الشؤون السياسية بتلك المتعلقة بالطب، قبل أن تُدرج الفيسيولوجيا والتاريخ الطبيعي فروعًا في المعارف العمومية، فكتب: «ولهذا حاول طاب السياسة أن يدرسوا علم الأمراض ‘باثولوجيا’ وعلم مداواة الجسم المجتمعي، قبل أن يرسوا القواعد الضرورية لفيزيولوجيته، كي يعالجوا المرض من دون أن يستوعبوا قوانين الصحة. وقد كانت النتيجة ما يحدث عندما يحاول الناس – حتى ذوو القدرة منهم – أن يتناولوا القضايا المعقدة قبل أن تؤسس حقائقها الأكثر بساطة وبداهية». انتقد مِل على نحو خاص أولئك الذين تحاشوا الدراسة المتأنية للتداعيات الشاملة في السياسة، واتجهوا رأسًا إلى تطوير المبادئ الشاملة المبنيّة على تطبيق شكل

واحد للحكومة وعلى المجتمعات كلها وفي

(((المرجع نفسه، ص.126 (((روزن، ص.122

الأزمان كلها. لذا ركّز عنايته في كتاب التأمات على أفضل التدابير التي من شأنها أن تيسّر

للمجتمع مهمة تحقيق الأهداف التي أوردها في بحثه، باعتبارها أهدافًا مثالية لأي مجتمع، وهي الأهداف المنطوية على تطوير الفضيلة والعقل في الشعب. أمّا نوع الحكم الذي يكون أشدّ ماءمة لتحقيق ذلك الغرض فإنه يختلف، بحكم الضرورة، بين مجتمع وآخر، بالنسبة إلى مدى تطور المواطنين. ورأى مِل أن نظام الحكم النيابي هو أفضل الأنظمة لتنمية مصالح الشعب والدفع بها إلى الأمام، على أن يعمل نظام الحكم النيابي على صياغة حقوق جميع مكونات المجتمع.

الافتتان بكونت

تتجلى في القسم الثاني من الكتاب أهمية عالم الاجتماع الفرنسي وصاحب الفلسفة الواقعية أوغست كونت Comte Auguste في فكر مِل بصفة عامة؛ إذ يركّز على دراسة المراسات المتبادلة بين مِل وكونت. فقد بحث مِل لدى كونت عن منظومة فلسفية تمكّنه من دحر المنظومات الميتافيزيقية المستوحاة من الألمان، أو مذهب الحدسية الذي كان يدعم أكثر الأعمال الفلسفية وقتها في بريطانيا. من هنا نبعت أهمية الاتفاق بين الاثنين على ماهية الفلسفة الوضعية بوصفها منظومة فلسفية. وبناء عليه، فإن المراسات بين مِل وكونت تحتوي على جوانب عديدة جديرة بالاهتمام والعناية؛ إذ يمكن أن تُعدّ عملً أدبيًا

في حد ذاتها، كتبها الفيلسوفان خال عدد من السنوات من دون نية واضحة منهما لإنتاج عمل

(((جون ستيوارت مل، الحكومات البرلمانية، ترجمة إميل الغوري (الدوحة/ بيروت: المركز العربي ل بأأحاث ودراسة السياسات، 0172)، ص 5.2

مشترك. وهي نص فريد بفضل التأثير المتبادل غير المعتاد بين كونت ومِل، وهو ما يستحضر إلى الذهن صيغة المحاورات الأفاطونية، عدا أن انتصار «سقراط» ممثلً في مِل لا يتناغم مع «أفاطون» كونت. أضف إلى ذلك أنها تزودنا برؤية ثاقبة لمدخل فلسفة مِل، وعلى نحو خاص كتاباته الفلسفية؛ إذ يعبّر مِل في أولى الرسائل عن فضل كونت على

كتاباته الفلسفية والفكرية، وقد أشار إليها بكثير من الإكبار. وكان مِل قد انتهى حينها من كتاب المنطق، لكنه لم يكن متحمسًا لنشره، رغبةً منه في

عدّه عملً مؤقتًا يائم الشخصية الإنكليزية وقتها، وتفرغًا من أعمال كونت التي عرفت علم الفلسفة المدركات الحسية الوضعية. لا سيما أن مِل طالع المجلد الأخير من كتاب كونت المحاضرات، فاقتفى أثر كل ما وجده ذا قيمة فيه، وضمّنه في

آخر أجزاء كتاب المنطقعن علم الاجتماع. وبالنظر إلى الفروق العديدة بين الفيلسوفين، ما إن نشر مِل كتاب المنطق، حتى بدا أقل تحمسًا

للمساهمة في حركة كونت، وألهمه احترافه الاقتصاد السياسي مشروعًا فكريًا ليس من

الضروري ربطه بعمل كونت، فضلً عن ذلك فقد مكّنه ذلك من العودة إلى جذوره الأولى المتمثلة في أفكار بنثام وأبيه جيمس مِل. وفي هذا الصدد يقول مِل في مذكراته: «كان اشتغالي على ‘الاقتصاد السياسي’ أكثر سرعة من اشتغالي على كتاب ‘المنطق’، بل كان في واقع الأمر أكثر سرعة من عملي على أي موضوع آخر يتسم ببعض الأهمية. بدأ العمل في خريف العام 8451 ثم صرت جاهزًا للدفع به إلى المطبعة قبل نهاية العام »1847.

(((مل، سيرة ذاتية، ص.183

مبادئ الاقتصاد السياسي

عرّج الكاتب في هذا القسم على «مبادئ

الاقتصاد السياسي» في فكر مِل، وبداية انشقاقه عن كونت وعودته إلى حظيرة بنثام، فقد حقّق كتاب المبادئ نجاحًا باهرًا، وعكس رغبة

الجمهور في كتاب من هذا النوع، وأنه كان مستعدًا له؛ فقد اشتملت الطبعة الأولى عام 8481 على ألف نسخة بيعت كلها في أقل من عام، ثم صدرت نسخته الثانية في ربيع عام 8491، وأعقبتها في عام 8521 طبعة ثالثة من 5012 نسخة. وكان كتابًا مرجعيًا يستشهد به،

فلم يكن كتاب علمٍ مجردٍ فحسب، بل تطبيقيًا،

تعامل مع الاقتصاد السياسي على أنه جزء من كلٍ أكبر: فرع من فروع الفلسفة الاجتماعية. استخدم مِل المنطق الفلسفي ليرسم معالم نظرياته الاقتصادية. وما يميّز الكتاب هو قدرة

مِل على الجمع والتوفيق بين النظريات ورؤى عدد من المفكرين أمثال آدم سميث وديفيد ريكاردو وتوماس مالتوس، إضافة إلى تأثره بسان سيمون، وبرودون، وفورييه. ومن الواضح أن مل قد ارتكز في كتاب المبادئ على هؤلاء المفكرين لرسم معالم نظريات اقتصادية ذات سمات تقدمية واشتراكية لا شك فيها. لقد طوّر مِل فكرة مختلفة عن الحرية في كتاب

المبادئ، ومثّلها في صورة دائرة تحيط بكل إنسان، الهدف منها تقليص ما سمّاه «تدخل الحكومة الاستبدادي» مع السماح بتطوير «التدخل غير الاستبدادي»، وصاغ هذه الصورة

(1((المرجع نفسه، ص.184 (((1 إبراهيم العريس، «مبادئ الاقتصاد السياسي لستيوارت

ميل: نحو تثبيت الدولة»، الحياة،:016/4/132، في

https://goo.gl/qCWyFj

بالتوفيق بين رأيين متعارضين فيما يتعلق بمبدأ عدم التدخل الذي يعني حرية الحكومة في التدخل في الحالات التي يرجى منها فائدة، وأن دائرة تدخل الحكومة تحددها بصرامة حماية الشخص وممتلكاته ضد العنف والاحتيال. كما يعرض الكاتب مدخل مِل إلى الحرية المدنية التي يمثّل الأمان مؤشرًا عليها، وهي فكرة

استقاها من بنثام؛ إذ كانت فكرة بنثام تشمل الحرية الفردية في الفعل التي يحميها القانون والحكومة، ما دامت لن تؤدي إلى الإضرار بالآخرين. ففي نقاشه حول الحرية في كتاب المبادئ، أدخل مِل مصطلح الأمان في سياق مناقشته المؤشرات المحددة لإنتاجية في مجتمع ما، وبعد تناوله الشروط الطبيعية وقدرة العمال ومستوى معارفهم ومهاراتهم، والذكاء والمستوى الأخاقي والصدقية في المجتمع، كتب مِل في هذا الإطار: «وإنما أعني بالأمان اكتمال الحماية التي يسبغها المجتمع على أفراده، وهي تتكون من الحماية التي تكفلها الحكومة، والحماية من الحكومة ذاتها، إنما الأخيرة هي الأهم». كما تناول رحلة مِل الفكرية إلى الاشتراكية، فإذا كانت الحرية المدنية تفضي إلى الديمقراطية النموذجية، التي يأمن الناس فيها على حيواتهم وممتلكاتهم باختيارهم ورفضهم حكامهم، فإن الحرية الاجتماعية تؤدي إلى صورة غير مألوفة من الاشتراكية. يقول مِل في مذكراته: «كان لا بد لتوجهاتي الجديدة من تأكيد في بعض النواحي ومن تعديل في نواحٍ أخرى. على أن التغيرات الأساسية التي كانت آرائي ماضية إليها كانت متصلة بالسياسة، ومؤلّفة مما يختص بالآفاق

(((1 مل، سيرة ذاتية، ص.214

النهائية لسير البشرية صوب اشتراكية تليق ببني البشر». وفي الختام، سلّط الكاتب الضوء على بحث مِل إخضاع النساء، بوصفه واحدًا من أهم أعماله، ليس لأنه أكثرها راديكالية وعمقًا في الكتابة الاجتماعية فحسب، بل لأنه عمل جمع الأغلبية الغالبة من الأفكار المحورية لفلسفته في الأخاق. فقد أصر مِل على أن خضوع النساء هو في ضوء التاريخ، ببساطة، ليس إلا لونًا من ألوان الاسترقاق، وجاهد لتحطيم هذه المعتقدات. فقد انتهت الحرب الأهلية الأميركية قبل نشر بحثه إخضاع النساء بأربع سنوات فقط، ومن ثم ناقش العديد من التقاليد ذات العاقة بالعبودية، ولا سيما عبودية الأفارقة في العالم الجديد بعد إلغائها. ورأى مِل أن الوقت قد حان لإعادة النظر في الأعراف ذات الصلة بالاسترقاق التي تؤصل قيم استعباد النساء. وفي الفصل الأول من كتابهإخضاع النساء يعترف منذ البداية بصعوبة مناقشة قضية المرأة أو الحديث عنها؛ فهي قضية تتلخص في إدانة المبدأ الذي ينظم العاقات الاجتماعية القائمة بين الجنسين، والكشف عن أنه مبدأ فاسد من جذوره؛ لأنه يقوم على أساس تبعية أحد الجنسين «النساء» للجنس الآخر «الرجال»، وهو مبدأ يجب هدمه ليحل محله مبدأ المساواة الكاملة التي لا تسمح بوجود ميزة لجانب على آخر. يقول في مقدمة كتابه: «المبدأ الذي ينظم العاقات الاجتماعية بين الجنسين (الذكور والإناث) ويجعل خضوع أحد الجنسين للآخر عملً مشروعًا، هو مبدأ خاطئ في ذاته. كما أنه يمثل عقبة أمام التقدم البشري، ومن ثمّ ينبغي أن يزول ليحل محله مبدأ

(((1 المرجع نفسه، ص.150

ص 6.3

المساواة التامة، الذي لا يسمح بوجود سلطة أو ميزة في جانب وعجز وعدم أهلية في جانب آخر».

خاتمة

كان مِل فيلسوفًا عقليًا راديكاليًا ومن كبار فاسفة المذهب الوضعي. ولا يستطيع أحد أن ينكر مكانته، بوصفه فيلسوفًا من فاسفة التحرر في القرن التاسع عشر. وإذا كان بعض الشرّاح يذهبون إلى أن آراءه لم تعد الآن ملحّة كما كانت في الماضي، مع الإشارة إلى أنه لا يمكن الحكم على أفكاره اليوم لأنها تتسم بنوع من الرجعية، خاصة أن مِل عاش ضمن فضاءات ثقافية وفكرية اعتمدت في دراسة التاريخ مقاربة نظريات الأعراق والسالات البدائية، وانزلقت البحوث التاريخية نحو عنصرية مركزية تنظر إلى الآخر من موقع الأعلى إلى الأدنى وتربط الحضارات بنوعية الأعراق، وتقرأ الاختاف من زاوية طبيعة السالة ولونها ودرجة تطورها، إذ لم يوفق في حصر مبدأ الديمقراطية في شعوب أوروبا الشمالية وأميركا، إلا أن أفكاره تبقى ضرورية في فهم تطور الأفكار السياسية حول النظم الديمقراطية ومسألة الحرية الفردية، وتطور الحركة العمالية وحقها في تأسيس الاتحادات المهنية والنقابات العمالية، وتقليل تدخل الحكومة في شؤون الاقتصاد.

(((1  جون ستيوارت مل، استعباد النساء، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 0092)،

المراجع

العربية

ودراسة السياسات،.2017

عبد الفتاح إمام. مج 8. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2009

ودراسة السياسات،.2017

الأجنبية

References

روزن، فريدريك. مل. ترجمة عاطف يوسف سليمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث

كوبلستون، فردريك. تاريخ الفلسفة. من بنتام إلى رسل. ترجمة محمود سيد أحمد. مراجعة إمام

مل، جون ستيوارت. استعباد النساء. ترجمة إمام عبد الفتاح إمام. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر،

­________. الحكومات البرلمانية. ترجمة إميل الغوري. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث

________. سيرة ذاتية. ترجمة الحارث النبهان. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر،.2015

Skorupski, John (ed.). The Cambridge Companion to Mill. Cambridge: Cambridge University press, 1998.