العودة إلى تفاصيل المؤلَّف غرامشي والنظرية السياسية لإريك هوبزباوم

غرامشي والنظرية السياسية لإريك هوبزباوم

* Translated by: Mahmoud Haddoud | ترجمة: محمود هدهود

إريك هوبزباوم

Ernest Hobsbawm

الملخّص

* طالب ماجستير في العلوم السياسية، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة.

Abstract

The importance of this paper lies in both the author and his reading of Gramsci, a pioneer of political theory from a revolutionary perspective. By emphasizing the concept of hegemony/dominance, Gramsci draws attention to access to power not being the endgame for political revolutionaries. Rather, their continued pursuit of hegemony, that is, society's acceptance of them as leaders rather than as de facto rulers, is the only way to overcome the old regimes, and immunize themselves against counter-revolution. He also advises the necessity of building a true socialist society in which socialism means more than mere economic planning accompanied by political alienation from the masses. Additionally, Gramsci points out that the creation of the nation is the first obligation for revolutionary forces because the nation is the carrier of any modern society. Hence, the centrality of politics is expressed in Gramsci's thought as the process of communication between human consciousness and the natural and social world. Gramsci can play a significant role in developing political awareness among the Arab elite to overcome the disappointments and impasses of the Arab revolutions.

الكلمات المفتاحية:
  • النظرية السياسية
  • المجتمع
  • الاقتصاد
  • الثورات العربية
  • الثورة المضادة
  • الهيمنة
  • غرامشي
Keywords:
  • Political Theory
  • Gramsci
  • Society
  • Economy
  • Arab Revolutions
  • Counterrevolution
  • Hegemony

Gramsci and Political Theory

عن أنطونيو غرامشي؛ ذلك أنه يمكن اعتباره رائدًا للنظرية السياسية من منظور ثوري. فعبر تأكيد

غرامشي مفهوم الهيمنة، ينبّهنا إلى أن الوصول إلى السلطة ليس نهاية المهمات السياسية للثوار؛

فعملهم المستمر على تحقيق الهيمنة، أي قبول المجتمع لهم بصفتهم قادة لا بصفتهم حكامًا

بالأمر الواقع، هو وحده الكفيل بتجاوزهم ترتيبات الأنظمة القديمة وسيطرتها؛ أي بناء حصانة

ناجعة ضد الثورة المُضادة، كما أنه ضروري لبناء مجتمع اشتراكي حقيقي لا تكون فيه الاشتراكية

تخطيطًا اقتصاديًا يصاحبه اغتراب سياسي من الجماهير. من جهة أخرى، يشير غرامشي إلى أن

خلق الأمّة هو المهمة الأولى التي على قوى الثورة أن تنجزها؛ لكون الأمّة هي وعاء أي مجتمع

حديث. من هنا، تظهر مركزية السياسة في فكر غرامشي، باعتبارها عملية الاتصال بين الوعي

البشري والعالم الطبيعي والاجتماعي، كما يظهر الدور الذي يمكن أن يضطلع به غرامشي في

تطوير الوعي السياسي لدى النخب العربية لتجاوز خيبات الثورات العربية ومآزقها.

المضادة، الهيمنة.

عن الترجمة

نُشرت هذه الورقة في مجلة الماركسية اليوم Marxism Today، في تموز/ يوليو 1977، وهي مجلة نظرية كانت يصدرها الحزب الشيوعي البريطاني بين عامي 1975 و 1991. وأصل الورقة، كلمة ألقاها المؤرّخ الإنكليزي إيريك هوبزباوم في مؤتمر عقد عام 1977 في لندن بمناسبة الذكرى الأربعين لرحيل المفكر والمناضل الإيطالي غرامشي. وقد قمت بترجمتها للنشر بناءً على إذن من مارتن

جاك، رئيس تحرير المجلة إلى حين توقف صدورها. العناوين الفرعية هي من وضع المجلة، أما الهوامش وما يرد في النص بين معكوفين [...]، فتعود إلى المترجم.

النص

رحل غرامشي عن عالمنا قبل نحو 04 عامًا، وعلى مدى السنوات العشر الأولى منها، كان غرامشي مجهولً بصفة فعلية، إلّ من جهة رفاقه القدامى في العشرينيات؛ ذلك أن نزرًا يسيرًا فحسب من أعماله

كان قد نُشِر أو تَوافر. لا يعني هذا أنه لم يكن مؤثِّرًا؛ إذ إن في إمكاننا القول إن بالميرو تولياتي Palmiro

Togliatti قد قاد الحزب الشيوعي الإيطالي على خطى غرامشية، أو على الأقل وفقًا لقراءته هو للخطى الغرامشية. وعلى الرغم من ذلك، وبالنسبة إلى الغالب الأعم من الناس في البقاع المختلفة، إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، حتى بالنسبة إلى الشيوعيين، لم يكن غرامشي أكثر من اسم. في العقد الثاني من تلك الأربعين، أضحى غرامشي معروفًا تمامًا في إيطاليا، وقد حظي بالإعجاب

حتى خارج الدوائر الشيوعية؛ إذ نُشِرت أعماله بكثافة في الحزب الشيوعي، بفضل إينودي Einaudi [ناشر إيطالي]، أكثر من أي شخص آخر. أيًّا كانت الانتقادات التي صدرت تباعًا على تلك الطبعات المبكرة، فإنها الطبعات التي جعلت غرامشي مُتوافرًا على نطاق واسع، وقد أتاح ذلك للإيطاليين تقدير

مكانته بوصفه أحد أهم المفكرين الماركسيين، وعلى نحو أعم، أحد أهم رموز الثقافة الإيطالية في القرن العشرين، لكن ذلك كان بالنسبة إلى الإيطاليين فقط؛ إذ إن غرامشي، على مدى هذا العقد، ظل لأسباب عملية غير معروف إلى حدٍّ ما خارج بلده، فهو لم يكن قد ترجمت أعماله فعليًا. في الواقع، كانت ثمّة

محاولات لنشر رسائل السجن الذائعة الصيت، على الأقل في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، ولكنها فشلت. وباستثناء حفنة من الناس كانت لهم صلات شخصية بإيطاليا وفي إمكانهم قراءة اللغة الإيطالية – كانوا في الغالب شيوعيين – ربما لم يكن لِيكون له وجود على تلك الناحية من الألب [تفصل جبال الألب بين إيطاليا وفرنسا]. خلال العقد الثالث، كانت الاستثارات الأولى للاهتمام به في الخارج. لقد حفَّز ذلك الاهتمامَ، بلا شك

نزعةُ محو الستالينية Destalinization، وخاصة التوجّه المستقل الذي قدّم تولياتي نفسه بوصفه متحدثًا

(((هي عملية ممتدة أطلقها نيكيتا خروتشوف سكرتير الحزب الشيوعي السوفياتي، بعد سنوات من وفاة ستالين، بهدف محو المنظومة السياسية التي كانت سائدة في عهد ستالين، وسيطرت عليها عبادة شخصية القائد ومعسكرات الجولاك للعقاب السياسي والسُخرة.

باسمه بعد عام 1956. وبين أحداث تلك الفترة، نجد الترجمة الإنكليزية الأولى لمختارات من أعماله، والنقاشات الأولى حول أفكاره خارج الأحزاب الشيوعية، وبما أنها وقعت خارج إيطاليا، فيبدو أن البلدان الناطقة بالإنكليزية قد كانت السابقة إلى تطوير اهتمام وطيد بغرامشي. وللمفارقة، ففي إيطاليا نفسها خلال العقد نفسه، صار انتقاد غرامشي بيِّنًا، وأحيانًا حادًّا، في إيطاليا نفسها خلال العقد نفسه، ونشأت

الجدالات حول قراءة الحزب الشيوعي الإيطالي لعمله.

جزء من عالمنا الفكري

أخيرًا، في العقد الأخير، أمسى غرامشي هو نفسه تمامًا. ففي إيطاليا نفسها، تمَّ نشر أعماله على أسس

علمية مُرضِية للمرة الأولى بالطبعة الكاملة لخطابات السجن (1965)، ونشر مجموعة متنوعة من كتاباته

المبكرة والسياسية، وفوق كل شيء، نشر نصُب [فالنتينو] غيرانتانا Gerrantana التاريخي: النشرة المرتبة زمنيًا لكتاب دفاتر السجن (1975). أصبحت سيرة غرامشي ودوره في تاريخ الحزب الشيوعي الآن أكثر

وضوحًا بكثير، ويرجع الفضل في ذلك إلى الاشتغال التاريخي المنظَّم بالسجلات الأصلية الذي حظي

بدعم الحزب وتشجيعه. استمرت النقاشات، وليس هنا الإطار الملائم لحصر الجدل الإيطالي حول غرامشي منذ منتصف الستينيات. فقد توافرت الترجمات الخارجية لكتابات غرامشي للمرة الأولى في مختارات جيّدة، أبرزها

مجلدا لورانس وويشارت Lawrance & Wishart [ناشر إنكليزي] اللذين حرَّرهما هور ونويل سميث.

كما توافرت ترجمات لأعمال مهمة عنه مثل حياة فيوري [كتاب «حياة ثوري: أنطونيو غرامشي» لجوزيبي فيوري] (1970). مرة أخرى من دون محاولة لإحصاء الأدبيات المتزايدة بلغتنا حوله – التي تمثل وجهات نظر مختلفة، لكن مقدَّرة تمامًا – يكفي القول في الذكرى الأربعين لوفاته إنه لم يعد ثمَّة عذرٌ لأن يكون

غرامشي مجهولً. ما هو أهم أنه صار معروفًا حتى بالنسبة إلى الذين لم يقرؤوا كتاباته فعليًا؛ فالمصطلحات

الغرامشية ك «الهيمنة» Hegemony صارت مُستخدَمة في النقاشات الماركسية، وحتى غير الماركسية،

حول السياسة والتاريخ، بالعفوية نفسها، وأحيانًا بالاستسهال نفسه الذي استُخدِمت به المصطلحات الفرويدية بين الحربين. أصبح غرامشي جزءًا من عالمنا الفكري، وصارت مكانته، بوصفه مفكرًا ماركسيًا أصيلً – في نظري –

المفكر من هذا النوع الأكثر أصالة في الغرب منذ عام 1917، مُعترَفًا بها بامتنان بصفة عامة. لكن ما الذي

قاله؟ ولماذا هو مهمّ؟ إنّ ذلك ما زال أمرًا غير معروف على نطاق واسع بقدر معرفة الحقيقة البسيطة نفسه:

إنه مهمّ. سأحاول هنا أن أكشف سببًا لأهميته: نظريته في السياسة.

(((دعا تولياتي إلى ما أسماه «تعددية المراكز» Polycentrism، وهي دعوة إلى استقلال الأحزاب الشيوعية في مختلف البلدان عن

القيادة السوفياتية والعمل وفقًا لظروف كل قُطر على حدة.

(3) Antonio Gramsci, Selections from Prison Notebooks , Q. Hoare & J. N. Smith (eds. & trans.), (New York: International Publishers, 1971).

بشأن ترجمة هذا الكتاب إلى العربية، انظر: أنطونيو غرامشي، دفاتر السجن، ترجمة عادل غنيم (القاهرة: دار المستقبل العربي،

إنها مقولة أساسية للماركسية؛ مفادها أنّ المفكرين لا يخترعون أفكارهم تجريديًا، وإنما يمكنهم فحسب

أن يُفهموا في السياق التاريخي والسياسي لأزمانهم. وإذا كان ماركس قد أكَّد دائمًا أن البشر يصنعون

تاريخهم، أو، إذا أردت، يبتكرون أفكارهم، فإنه أيضًا أكَّد أنهم يتمكنون من فعل ذلك فحسب (إذا ما اقتبسنا فقرة شهيرة من الثامن عشر من بريميير) ضمن الشروط التي يجدون أنفسهم فيها آنيًا، وضمن

الشروط التي هي معطاة وموروثة. إن فكر غرامشي مختلف إلى حدّ ما. لقد كان ماركسيًا، وفي الحقيقة

لينينيًا، ولا نيّة لدي في أن أضيع أي وقت في الدفاع عنه ضد الاتهامات من مختلف المتعصبين الذين

يزعمون أنهم يعرفون بالضبط ما هو ماركسي وما هو ليس كذلك، وأنّ لديهم خاتمًا في نسختهم الخاصة

من الماركسية. لكن بالنسبة إلى تلك النسخ الخاصة بنا، نحن الذين ترعرعنا في التقليد الكلاسيكي للماركسية قبل عام 1914 وبعد عام 1917، فإنه غالبًا كان بالأحرى ماركسيًا مُدهِشًا. وبصورة واضحة،

فإنه كتب قليلً حول التطور الاقتصادي، وكثيرًا حول السياسة، مُستَدمِجًا كتابات حول مُنظّرين من أمثال

بنديتو كروتشه، وسوريل، ونيقولو مكيافيللي، وبمصطلحاتهم، وهم من لا يظهرون كثيرًا في العادة، وربما

لا يظهرون إطلاقًا، في الكتابات [الماركسية] الكلاسيكية. كذلك من المهم اكتشاف إلى أي حدّ تُفسِّر

خلفيته وخبرته التاريخية أصالتَه؛ ولا أحتاج إلى أن أضيف أن هذا لا يقلل بحال من مكانته الفكرية.

الخلفية والتطور التاريخي

عندما دخل غرامشي معتقل موسوليني، كان قائدًا للحزب الشيوعي. كان لدى إيطاليا القائمة في لحظة غرامشي عدد من الخصائص التاريخية التي شجّعت على قيام تحولّات أصيلة في الفكر الماركسي،

سأعمل على سردها باختصار: (1) كانت إيطاليا كما لو كانت عالمًا مصغَّرًا من عالم الرأسمالية؛ كونها احتوت، في بلد واحد الميتروبول

والمستعمرات كليهما، المناطقَ المتقدمة والمتخلفة. ساردينيا التي انحدر منها غرامشي مثَّلت الجانب المتخلِّف، إن لم نقل الأثري وشبه المستعمَر، من إيطاليا؛ تورين بمصانع فيات FIAT فيها، حيث أصبح

غرامشي قائدًا للطبقة العاملة، مثَّلت آنذاك، كما الآن، المرحلة المتقدمة جدًّا من الرأسمالية الصناعية والتحويل الهائل للفلاحين المهاجرين إليها إلى عمّال. بطريقة أخرى، كان غرامشي ماركسيًا إيطاليًا ذكيًا

في وضعية أفضل وغير اعتيادية تمكّنه من الإمساك بطبيعة عالم الرأسمالية المتطور والعالم الثالث كليهما، وتفاعلاتهما، خلافًا للماركسيين في البلدان التي تنتمي بأسرها إلى أحد هذين العالمين. وهكذا يكون من الخطأ لهذا السبب أن ننظر إلى غرامشي ببساطة على أنه أحد مُنظّري «الشيوعية الغربية»؛ ففكْره لم يكن

مُصمَّمًّا حصريًا للبلدان المتقدمة صناعيًا، ولا هو قابل للتطبيق حصريًا عليها. (2) إحدى تبعات الخصوصية التاريخية الإيطالية أن حركة العمل الإيطالية حتى بعد عام 1914 كانت صناعية وزراعية في آن معًا، وقائمة على البروليتاريا والفلاحين كليهما. ومن تلك الناحية، فإنها كانت تقف وحيدة إلى حدّ كبير أو صغير في أوروبا قبل عام 1914. ليس ذلك هو ما يجعل تلك الواقعة مهمّة مع ذلك، فما زال هنالك توضيحان بسيطان سيُظهران أهميتها. لم تكن مناطق النفوذ الشيوعي

(((الشيوعية الغربية Western Marxism هو تعبير وضعه ميرلوبونتي للإشارة إلى المفكرين الماركسيين الأوروبيين الذين امتازوا بعناية أكبر بالجوانب الفلسفية والإنسانية للماركسية. وقد اعتُبر المفكر المجري جورج لوكاتش، بأثر رجعي، رائدًا لذلك الاتجاه.

(إيميليا، وتوسكاني، وأومبريا) هي المناطق الصناعية، ودي فيتّوريو، القائد العظيم بعد الحرب لحركة اتحاد العمال، كان جنوبيًا وعاملً زراعيًا. لا تقف إيطاليا وحيدة إلى حدّ ما بخصوص الدور المهمّ غير

الاعتيادي الذي اضطلع به المثقفون في حركتها العمالية، وخاصة المثقفين من الجنوب شبه المستعمَر

والمتخلِف. ومع ذلك، تستحق الظاهرة الانتباه؛ إذ إنّ لها دورًا مهمًا في فكر غرامشي.

إيطاليا: مختبر لتجريب الخبرات السياسية

(3) الخاصية الثالثة هي الطابع الخاص جدًّا للتاريخ الإيطالي أمّةً ومجتمعًا برجوازيًا. مرة أخرى هنا، لا أريد

أن أدخل في التفاصيل. دعوني أذكركم فحسب بثلاثة أشياء: (أ) أن إيطاليا حازت ريادة الحضارة الحديثة والرأسمالية قبل سائر البلدان بعدة قرون، إلا أنها لم تكن قادرة على الحفاظ على إنجازها وانجرفت إلى نوع من الحمأة بين عصر النهضة والريزرجيمنتو [توحيد إيطاليا خلال الفترة 1860–1815]؛ (ب) خلافًا لفرنسا لم تؤسس البرجوازية مجتمعها بثورة منتصرة، وخلافًا لألمانيا لم تقبل حلً تأليفيًا عرَضتْه الطبقة

الحاكمة القديمة من فوق. لقد قامت بثورة جزئية؛ إذ تحققت الوحدة الإيطالية جزئيًا من فوق، بواسطة

كافور، وجزئيًا من أسفل، بواسطة غاريبالدي؛ (ج) وكذلك، فشلت البرجوازية الإيطالية بمعنى ما، أو

فشلت جزئيًا، في تحقيق مهمتها التاريخية المتمثلة بخلق الأمّة الإيطالية. كانت ثورتها غير كاملة، ولذلك

سيصبح الاشتراكيون الإيطاليون، مثل غرامشي، واعين – على نحو خاص – بالدور المحتمل لحركتهم، بصفته حاملً للتاريخ القومي. (4) كانت إيطاليا بلدًا كاثوليكيًا، ولكنها لم تكن كذلك فحسب مثلها مثل بلدان أخرى كثيرة، بل كانت بلدًا

فيه الكنيسة مؤسسَة إيطالية خاصة، كانت نوعًا من الحفاظ على حكم الطبقات الحاكمة من دون جهاز

الدولة ومنفصلً عنه. كانت أيضًا بلدًا سبقت فيه ثقافة النخبة القومية نشأة الدولة القومية؛ لذلك سيصبح الماركسي الإيطالي أكثر وعيًا من غيره بما أسماه غرامشي «الهيمنة» Hegemony؛ أعني الطرق التي

تحافظ بها السلطة على استمراريتها من دون أن تكون قائمة ببساطة على القوة القسرية. (5) لأسباب متنوعة – قد قدّمت بعضها للتوّ – كانت إيطاليا، نوعًا ما، مختبرًا لتجريب الخبرات السياسية.

ليس هناك أي نوع من المصادفة في أن يكون لهذا البلد، على مدى طويل، تقليد قوي من الفكر السياسي – من ميكيافيللي في القرن السادس عشر إلى باريتو وموسكا في القرن العشرين؛ وحتى بخصوص الرُوَّاد

الأجانب لما صرنا نسمّيه الآن علم الاجتماع السياسي، فقد كانت لديهم أيضًا ميول إلى الارتباط بإيطاليا

واشتقاق أفكارهم من الخبرة الإيطالية – يحضرني هنا أشخاص كسوريل وميتشلز. لذلك ليس مدهشًا أن يكون الماركسيون الإيطاليون على وعي خاص بالنظرية السياسية بصفتها مشكلة. (6) أخيرًا، ثمة حقيقة دالّة جدًّا. كانت إيطاليا، حتى عام 1917، بلدًا تبدو فيه الشروط الموضوعية

وحتى الذاتية للثورة الاجتماعية موجودةً، أكثر حتى مما كان في بريطانيا وفرنسا، وأدّعي، أكثر مما في ألمانيا. لكنّ هذه الثورة لم تندلع. على النقيض، أتتْ الفاشية إلى السلطة. لقد كان من الطبيعي أن يكون

(((كافور Cavour هو رئيس وزراء مملكة ساردينيا، جنوب إيطاليا، التي قادت توحيد إيطاليا. أمّا غاريبالدي Garibaldi، فكان

زعيمًا شعبيًا، قاد جيشًا من المتطوعين، وأدى دورًا محوريًا خلال عملية تحرير إيطاليا وتوحيدها.

الماركسيون الإيطاليون فحسب هم من يتصدون لتحليل سبب فشل ثورة أكتوبر الروسية في الانتشار إلى أوروبا الغربية، وما ينبغي أن تكون الإستراتيجية والتكتيكات البديلة للانتقال إلى الاشتراكية في مثل تلك البلدان. هذا، بالطبع، هو ما انطلق غرامشي للقيام به.

رائد النظرية الماركسية في السياسة

يأخذني هذا إلى النقطة الرئيسة، تحديدًا كون إسهام غرامشي الرئيس هو ريادة النظرية الماركسية في السياسة. ذلك أن ماركس وإنجلز على الرغم من أنهما كتبا كمًّا هائلً حول السياسة، كانا خلافًا لذلك

غير مهتمّيْن بتطوير نظرية عامة في هذا المجال؛ ذلك بالأساس – كما أبان إنجلز في خطاباته المتأخِّرة

الشهيرة التي يُدبِّج فيها المفهوم المادي للتاريخ – لأنهما رأيَا أن الأهم هو كشف أن «العلاقات القانونية،

كما هي أشكال الدولة، ليس من الممكن فهمها من داخلها، وإنما عبر جذورها في الظروف المادية للحياة» Preface to Critique of Political Economy. ولذلك فقد ركَّزا، قبل كل شيء، على «اشتقاق المفاهيم السياسية والقانونية وغيرها من المفاهيم الأيديولوجية، من الحقائق الاقتصادية التحتية»

. To Mehring Engels

لذا كانت نقاشات ماركس وإنجلز الخاصة لموضوعات كطبيعة الحكم وبنيته، وتكوين الدولة وتنظيمها، وطبيعة الحركات السياسية وتنظيمها، في أغلبها، تتخذ صورة الملاحظات المنبثقة من التعليق الجاري، والطارئة بصفة عامة على الحجاجات الأخرى، عدا – ربّما – ما يخص نظريتهما عن الأصل والسمة

التاريخية للدولة. شعر لينين بالحاجة إلى نظرية نسقية أكبر للدولة والثورة، تكفي منطقيًا للفترة التي تسبق تبوُّءَ السلطة،

لكن كما نعلم جميعًا، وقعت ثورة أكتوبر قبل أن يتمكَّن من إكمالها. وسوف أوضِّح أن النقاش المكثف

حول بنية الحركات الاشتراكية وتنظيمها وقيادتها، الذي تطور في عهد الأممية الثانية، كان حول أسئلة عملية. كانت تعميماته النظرية طارئة ومُعيَّنة، عدا – ربما – في مجال السؤال القومي؛ حيث اضطر خلفاء

ماركس وإنجلز إلى البدء فيه من الصفر. إنني لا أقول إن ذلك لم يؤدِّ إلى إبداعات نظرية مهمّة، كما

حدث مع لينين؛ على الرغم من أنها كانت للمفارقة عملية وذريعية الطابع أكثر منها نظرية، ومع ذلك فقد أثْرَت التحليل الماركسي. فإذا قرأنا النقاشات حول مفهوم لينين الجديد للحزب على سبيل المثال، فإننا

سنندهش من ضآلة الدور الذي أدته النظرية الماركسية في ذلك الجدل، بالرغم من الدور الذي اضطلع به ماركسيون معروفون بحجم كاوتسكي ولوكسمبرج وبليخانوف وتروتسكي ومارتوف وريزانوف. إن نظرية للسياسة كانت كامنة بالفعل في تلك النقاشات، لكنها كانت في مخاضها الأولي فحسب. ثمة أسباب متنوعة لتلك الفجوة. فأيًّا كان الأمر، لم يكن يبدو أن نظرية للسياسة أمر يعني كثيرًا حتى

أوائل العشرينيات. لكِنْ لاحقًا، كما سأطرح، أضحى الافتقار إليها ضعفًا خطيرًا على نحو متزايد. فخارج

روسيا، فشلت الثورة أو لم تحدث أصلً، وأضحت مراجعة نسقية أمرًا ضروريًا، ليس لإستراتيجية الحركة

لنيْل السلطة فحسب، بل أيضًا للمشكلات الفنية المتعلقة بالانتقال إلى الاشتراكية، التي لم تكن محلّ

اعتبار قطّ، بوصفها مشكلة راهنة وصلبة قبل عام 1917. في الاتحاد السوفياتي، نشأت مشكلة السؤال حول كيف يُفترَض أن يبدو المجتمع الاشتراكي، وفقًا لمعايير البنية والمؤسسات السياسية، مجتمعًا مدنيًّا؛

ذلك أن السلطة السوفياتية قد انبثقت من نضالات متفرقة لضمان ديمومتها. وبالأساس، هذه هي المشكلة التي أعاقت الماركسيين في السنوات الأخيرة، وهي المسألة العالقة بين الشيوعيين السوفيات، والماويين، والشيوع–أوروبيين، إضافة إلى أولئك الذين هم خارج الحركة الشيوعية.

الفعل السياسي

أودّ أن أؤكِّد أنني هنا أتحدث عن مجموعتين مختلفتين من المشكلات السياسية: الأولى هي إستراتيجية

المجتمعات الاشتراكية، والثانية هي طبيعة تلك المجتمعات. حاول غرامشي أن يُمسِك بكلتيهما، على

الرغم من أن بعض المعلِّقين يبدو لي أنهم قد ركَّزوا على نحو مُفرِط على إحداهما، تحديدًا المسائل

الإستراتيجية. لكن أيًّا كانت طبيعة تلك المشكلات، فقد صارت قبل زمن بعيد، وبقيت وقتًا طويلً، ليست

محلّ نقاش داخل الحركة الشيوعية. في الواقع، ربما يكون في إمكان المرء القوْل إن غرامشي تمكَّن من

اقتحامها في كتاباته فقط لأنه كان في السجن، في عزلة عن السياسة في الخارج، وكاتبًا ليس للحاضر

ولكن للمستقبل. لا يعني هذا أنه لم يكن يكتب في السياسة وفقًا للظرف القائم في العشرينيات وأوائل الثلاثينيات. في الواقع، إحدى صعوبات فهم عمله هي أنه اعتبر الألفة بتلك الظروف والنقاشات التي لم تعد الآن معروفة لأغلبنا أو صارت منسية، أمرًا بديهيًا. لذلك ذكَّرنا بيري أندرسون أن الفكر المميز لغرامشي ينبع من نقاشات

الأممية الثالثة في أوائل العشرينيات، ومنها يصطنع معالمه. قاده، على كل حال، إلى وضع أسس لنظرية سياسية شاملة في إطار الماركسية، وربما كان أول ماركسي يقوم بذلك. لن أحاول أن ألخّص أفكاره، وقد تناول روجر سيمون قريبًا بعضها إلى حدٍّ بعيد في الماركسية اليوم (آذار/ مارس 1977). سأحاول عوضًا

عن ذلك التقاط خيوط قليلة وإبراز ما يبدو لي أنه يعطيها الأهمية. إن غرامشي مُنظّر سياسي بقدر ما يعتبر هو نفسُه السياسةَ «نشاطًا مستقلً» (دفاتر السجن، ص 134)

ضمن السياق والحدود الموضوعة بواسطة التطور التاريخي، ولأنه على نحو خاص انطلق من فحص «الموضع الذي يشغله علم السياسة، أو ينبغي له أن يشغله، في تصور نسقي (متسق ومنطقي) للعالم» في الماركسية (ص. 136). لكن ذلك عنَى أكثر من كونه أدخل إلى الماركسية نوعًا من النقاشات وُجِد لدى

بطله، ميكيافيللي؛ الرجل الذي لم يُذكَر غالبًا على الإطلاق في كتابات ماركس وإنجلز. إن السياسة بالنسبة إليه هي لُبّ، ليس فقط إستراتيجية انتصار الاشتراكية، وإنما الاشتراكية نفسها. إنها

بالنسبة إليه، كما يكشف هور ونويل سميث عن حق، «النشاط الإنساني المركزي؛ الوسيلة التي يُستحضَر

بها الوعي الفردي للاتصال بالعالم الطبيعي والاجتماعي في صوره كافة» (دفاتر السجن، xxiii). باختصار، إنها لديه أوسع من المصطلح الشائع الاستخدام؛ أوسع حتى من «علم وفن السياسة» بالمعنى الضيق عند غرامشي نفسه الذي يُعرّفه بأنه: «بنية من القواعد العملية للبحث في الواقع الفعَّال، ومن

الملاحظات المفصَّلة المفيدة في بعث الاهتمام به، وفي استثارة بصائر سياسية أشدّ صرامة وأكثر حيوية»

(ص. 176)–175

(((«الشيوع–أوروبية» هو تركيب لفظي من الشيوعيين الأوروبيين (انظر: الهامش رقم.)4

إنه مُتضمَّن جزئيًا في مفهوم الممارسة Praxis نفسه: إن فهم العالم وتغييره هما شيء واحد. والممارسة

أو التاريخ الذي صنعه البشر بأنفسهم، وإنْ في ظروف تاريخية متطورة مُعطَاة، هو ما يقومون به، لا

الصيغ الأيديولوجية التي يصير بها البشر واعين بتناقضات مجتمعاتهم؛ هو [أي التاريخ الذي صنعه البشر بأنفسهم]، إذا ما اقتبسنا ماركس، سيرة كفاحهم ضد تلك التناقضات: باختصار، إنه ما يمكن أن ندعوه الفعل السياسي Action Political The. لكنَّه أيضًا جزئيًا اعتراف بواقعة أن الفعل السياسي نفسه هو نشاط

مستقل، حتى إن كان «يتأسس على الحقل ‘العضوي’ و‘الدائم’ للحياة الاقتصادية».

تأسيس الاشتراكية

ينطبق هذا على تأسيس الاشتراكية كما ينطبق على أي شيء آخر وربما أكثر. ربما في إمكان المرء القول إن ما يؤسِّس الاشتراكية، في نظر غرامشي، ليس التحوّل الاشتراكي بالمعنى الاقتصادي – أعني الاقتصاد

المخطَّط والمملوك للمجتمع – على الرغم من أن ذلك هو بوضوح أساسها وإطارها، وإنما ما يؤسسها هو

التحول الاشتراكي بالمعنى السياسي والاجتماعي؛ أعني ما قد أطلَق عليه عملية تشكيل عادات الإنسان الجمعي التي ستجعل السلوك الاجتماعي تلقائيًا، وتنفي الحاجة إلى جهاز خارجي يفرض تلك القيم:

أي على نحو تلقائي، لكنْ واعٍ أيضًا. عندما يتحدث غرامشي عن دور عملية الإنتاج في الاشتراكية، فإنه لا يتحدث عنها ببساطة بصفتها وسيلة لخلق مجتمع الوفرة المادية، على الرغم من أننا قد نلاحظ فيما يمرّ بنا أنه لم يكن لديه شك في أولوية

تعظيم الإنتاج (ص. 242). ذلك أن مكانة الإنسان في عملية الإنتاج كانت في القلب من وعيه في ظل الرأسمالية؛ لأن خبرة العمال في مصنع كبير كانت المدرسة الطبيعية لهذا الوعي. فقد اتجه غرامشي إلى أن يرى – ربما في ضوء خبرته المتعلقة بتورين – في المصنع الحديث الكبير ليس بالأساس مكانًا للاغتراب، وإنما مدرسة للاشتراكية. لكن المسألة كانت أن عملية الإنتاج في الاشتراكية لم يكن ممكنًا معالجتها ببساطة على أنها مشكلة اقتصادية وفنية منفصلة؛ فقد كان يجب أن تعالج فورًا، ومن وجهة نظره، مبدئيًا، باعتبارها مسألة تعليم

سياسي وبنية سياسية. وحتى في المجتمع البرجوازي الذي كان متقدمًا في هذا الجانب، كان مفهوم

العمل مركزيًا في التعليم؛ لأن «اكتشاف أن الأوامر الطبيعية والاجتماعية يتوسطها العمل، أي نشاط

الإنسان النظري والعملي، هو ما يضع الأسس الأولى لحدس العالم خاليًا من السحر والتعالي. إنه يزوّدنا

بأساس للتطور اللاحق لتصورنا التاريخي والجدلي للعالم الذي يرى عالمنا المعاصر مركبًا من الماضي،

من كل أجيال الماضي التي تضع خططها في المستقبل. كان ذلك الأساس الحقيقي للتعليم الأساسي» (ص 534–). وقد نلاحظ فيما يمر بنا سمة ثابتة لدى غرامشي: اتصال التطور الإنساني عبر الثورة، أي وحدة الماضي والحاضر والمستقبل.

مفهوم الهيمنة

تأتي المعالم الرئيسة للنظرية السياسية عند غرامشي بارزة في خطابه الشهير في أيلول/ سبتمبر:1931 «إن دراستي للمثقفين هي مشروع هائل [...] إنني أمدّ مفهوم المثقفين مدًّا كبيرًا وراء المعنى الحالي

للكلمة. تقودني تلك الدراسة أيضًا إلى تحديدات معيّنة للدولة. فإن تلك عادة ما تفهم باعتبارها المجتمع

السياسي (أعني ديكتاتورية جهاز قمعي لفرض امتثال جماهير الشعب إلى نمط الإنتاج والاقتصاد المهيمن في لحظة محددة) وليس كاتزانٍ بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني (أعني هيمنة جماعة سياسية على مجمل المجتمع الوطني متحققة عبر ما يُدعى المؤسسات الخاصة كالكنيسة والاتحادات العمالية والمدارس [...] إلخ). إن المجتمع المدني تحديدًا هو الحقل الخاص لممارسة المثقفين». الآن، لا يعدّ مفهوم الدولة باعتبارها اتزانًا بين مؤسسات القمع ومؤسسات الهيمنة (أو اتحاد كليهما إذا أردت) جديدًا، على الأقل بالنسبة إلى أولئك الذين ينظرون واقعيًا إلى العالم. يبدو واضحًا أن الطبقة

الحاكمة لا تعتمد على القوة القسرية والسلطة فحسب، ولكن على القبول المنبثق من الهيمنة، ما دعاه غرامشي «القيادة الأخلاقية والفكرية»، الممارسة بواسطة الجماعة الحاكمة، و«التوجيه العام المفروض على الحياة الاجتماعية بواسطة الجماعة الأساسية المهيمنة».

غرامشي والحزب

تقع هنا أهمية الحزب – «الأمير الحديث» (ص 129) لدى غرامشي؛ إذ إنه بعيدًا إلى حدٍّ ما عن الدلالة التاريخية لتكوين الحزب بصفة عامة في الحقبة البرجوازية – ولدى غرامشي أشياء لافتة لقولها عن ذلك – فهو يدرك – أعني من وجهة نظره – أن الطبقة العاملة تطور وعيها وتتجاوز مرحلة «المندمج – الاقتصادي» العفوي والاتحاد العمالي، عبر حركته وتنظيمه. ففي الواقع، كما نعلم، أينما كانت الاشتراكية منتصرة، فإنها أدّت إلى تحول الأحزاب إلى دول وتحققت عبره. وغرامشي هو تمامًا لينيني في رؤيته العامة لدور الحزب، ولكن ليس بالضرورة في رؤاه حول ما ينبغي أن يكون عليه تنظيم الحزب في وقت معيّن أو حول

طبيعة حياة الحزب. مع ذلك، فإن نقاشه لطبيعة الأحزاب ووظائفها، في نظري، يتجاوز ما وراء رؤية لينين. بالطبع، كما نعلم، فإن مشكلات عملية معتبرة تنبع من حقيقة أن الحزب والطبقة، وإن كانا متطابقَيْن

تاريخيًا، ليسا الشيء نفسه، وربما يفترقان خاصة في المجتمعات الاشتراكية. كان غرامشي واعيًا تمامًا

بكليهما، كما كان واعيًا بمخاطر البيروقراطية... إلخ. كنت أتمنى أن يكون في إمكاني القول إنه قد طرح

حلولً كافية لتلك المشكلات، لكنني لست متأكدًا من أنه قد طرح شيئًا أكثر مما طرحه الجميع إلى حدّ بعيد. على الرغم من ذلك، فإن ملاحظات غرامشي حول المركزية البيروقراطية رغم كثافتها وصعوبتها (كما في ص 189–188) تستحق دراسة جادة.

عن المثقفين

ما هو جديد كذلك هو تأكيد غرامشي أن جهاز الحكم، بكلا وجهيه، وجه الهيمنة، وإلى حدّ ما وجه السلطة، يتكون بالأساس من «مثقفين». إنه لا يُعرِّفهم بوصفهم نخبة خاصة أو فئة، أو فئات اجتماعية

خاصة، ولكن بوصفهم نوعًا من الاختصاص الوظيفي في المجتمع من أجل تلك الأغراض. بتعبير آخر،

(((«الأمير الحديث» هو عنوان أحد دفاتر السجن، حيث رأى غرامشي أن ميكيافيللي كان قد أراد أن يدفع الأمير في فلورنسا إلى التحرك لتوحيد إيطاليا، وأن الحزب هو الأداة الحديثة التي يمكن أن تقوم بذلك، وتحديدًا الحزب الشيوعي، لذلك أطلق عليه «الأمير الحديث.»

كل الناس لدى غرامشي هم مثقفون، لكنهم ليسوا كلهم يمارسون الوظيفة الاجتماعية للمثقفين. إن هذا مهمّ، فهو يبرز الدور المستقل للبنية الفوقية في العملية الاجتماعية، أو حتى الواقعة البسيطة التي مفادها

أنّ سياسيًا من أصل عُمّالي ليس هو والعامل في صف واحد بالضرورة. وعلى الرغم من أنها غالبًا قد

ساعدت في الوصول إلى فقرات تاريخية لافتة في عمل غرامشي، لا أستطيع عن نفسي رؤية أن تلك الملاحظة لها الأهمية نفسها في نظرية غرامشي السياسية كما رأى هو نفسه بجلاء. أعتقد تحديدًا أن تمييزه بين ما يُسمَّى المثقفين «التقليديين» والمثقفين «العضويين» الذين تُخرجهم طبقة جديدة من رحمها، هو

على الأقل، في بعض البلدان، أقل أهمية مما يطرحه غرامشي. بالطبع قد يكون السبب في أنني أنا من لم يمسك تمامًا بفكرته الصعبة والمركّبة هنا، وينبغي لي أن أؤكد أن السؤال يحظى بأهمية كبرى بالنسبة إلى

غرامشي نفسه، إذا ما اعتبرنا حجم المساحة التي أخلصها إليه.

نظرية إستراتيجية

من ناحية أخرى، ليس فكر غرامشي الإستراتيجي فحسب ممتلئًا ببصائر تاريخية لافتة إلى حدٍّ ما كما هي عادته، ولكنه ذو أهمية عملية كبرى أيضًا. أعتقد أن علينا الآن أن نفصل إلى حدٍّ ما بين ثلاثة أشياء في هذا المركب: تحليل غرامشي العام، وأفكاره حول الإستراتيجية الشيوعية في حقب تاريخية خاصة، وأخيرًا، أفكار الحزب الشيوعي الإيطالي الفعلية حول الإستراتيجية في مختلف الأوقات، وهي الأفكار

التي استُلهِمت من قراءة تولياتي لنظرية غرامشي، ومن قراءة خلفائه. لا أريد أن أدخل في النقطة الثالثة؛ لأن مثل تلك النقاشات لا تتعلق بأغراض مقالنا الحالي. ولا أريد أيضًا أن أناقش الثانية بكُلّيتها؛ لأن حكمنا على غرامشي لا يقوم على تقديره لمواقف معينة في العشرينيات والثلاثينيات. من الممكن تمامًا أن نؤكد – ولنقل – أن كتاب ماركس الثامن عشر من بريميير هو عمل أساسي وعميق،

حتى إن كانت رؤية ماركس الخاصة لنابليون الثالث بين عامَي 1852 و 1870، وتقييمه للاستقرار السياسي

لنظامه، غير واقعييْن. لا يعني ذلك، مع ذلك، أي نقد لأي من إستراتيجيتَي غرامشي أو تولياتي. كلاهما

مبرّر. وبعيدًا عن تلك الموضوعات، أودّ أن أميز الأسس الثلاثة لنظرية غرامشي الإستراتيجية.

حرب المواقع

المسألة الأولى ليست أن غرامشي آثرَ إستراتيجية الحرب «المواقعية» أو الممتدة في الغرب كمقابل لما

أطلق عليه «الهجوم المباشر» أو حرب الحركة، وإنما كيف حاجّ عن تلك الخيارات. لقد كان غرامشي

مضطرًا إلى الاهتمام بإستراتيجية تُعنى بالغنيمة البعيدة، باعتبار أن ثورة أكتوبر أخرى في إيطاليا ومعظم

الغرب لم تكن مأمولة منذ مطلع العشرينيات وما بعدها؛ ولم يكن ثمَّة تطلّع واقعي إلى مثل ذلك. لكنه

لم يُلزِم نفسه في الواقع من حيث المبدأ بأي مُخرَج معيّن ل «حرب المواقع» Positions of War الطويلة

التي توقّعها وأوصى بها. ربّما قادت مباشرة إلى تحوّل إلى الاشتراكية، أو إلى مرحلة أخرى من حرب

الحركة والهجوم، أو إلى مرحلة إستراتيجية أخرى. إنَّ ما سوف يحدث ينبغي له أن يعتمد على التغيرات في كل ظرف محدد. ومع ذلك، فقد اعتنى فعلً باحتمالية واحدة قليل من الماركسيين الآخرين هم من قد واجهوها بالوضوح نفسه؛ هي – تحديدًا – أن فشل الثورة في الغرب ربما قد يُنتِج إضعافًا أكبر وأكثر

خطورة على المدى البعيد للقوى التقدمية عبر وسائل ما أطلق عليه «الثورة السلبية». فمن ناحية، قد تستجيب الطبقة الحاكمة لمطالب معيّنة لتدارُك الثورة وتجنّبها؛ لكن من ناحية أخرى، قد تجد الحركة

الثورية نفسها عمليًا (وإن لم يكن نظريًا بالضرورة) قابلة بأهميتها [تلك المطالب التي تمت تلبيتها] وقد

تتأكّل ويتم استيعابها سياسيًا في النظام (ص 106 وما بعدها). باختصار، كان من الضروري لحرب المواقع

أن تكون مفهومة نسقيًا على أنها إستراتجية قتال لا باعتبارها شيئًا يفعله الثوار ببساطة عندما لا يكون

هناك أفق لبناء المتاريس. لقد تعلَّم غرامشي بالطبع من خبرة الديمقراطية الاشتراكية، قبل عام 1914، أن الماركسية لم تكن حتمًا تاريخيًا. لم يكن انتظار التاريخ كافيًا ليأتي بالعُمَّال إلى السلطة تلقائيًا بطريقة ما.

الصراع من أجل الهيمنة

المسألة الثانية هي تأكيد غرامشي أن الكفاح لتحويل الطبقة العاملة إلى طبقة حاكمة كامنة، والصراع من أجل الهيمنة، يجب أن يتمَّا قبل الوصول إلى السلطة، وأيضًا، أثناءها وبعدها. لكن (وهنا لا يمكن للمرء أن يتفق مع كُتَّاب مثل بري أندرسون) هذا الصراع ليس بأسره أحد أوجه «حرب مواقع»، بل هو جانب مصيري في إستراتيجية الثوريين في كل الأحوال. وحيازة الهيمنة قدر الإمكان قبل انتقال السلطة هي بالطبيعة مهمّة، خاصة في البلدان التي يقع لبّ سلطة الطبقة الحاكمة فيها في تبعية الجماهير لا في القهر، وهذه

هي الحال في أغلب البلدان الغربية، أيًا كان ما يقوله أقصى اليسار، وعلى الرغم من الحقيقة الأكيدة في أن القمع، في التحليل الأخير، متوافر للاستخدام. وكما قد نرى في – ولنقل – تشيلي والأوروجواي، يصير بعد نقطة معينة استخدام القمع للحفاظ على استمرار الحكم متناقضًا جذريًا مع ادعاء وجود قبول حقيقي وجلي، ويضطر الحُكَّام إلى الاختيار بين بديلين: الهيمنة أو القوة، القفاز الحريري أو القبضة الحديدية. وعندما يختارون القوة، فإن النتائج لا تأتي عادة في مصلحة حركة الطبقة العاملة. على الرغم من ذلك، وكما قد نرى حتى في البلدان التي شهدت إطاحة ثورية للحُكَّام القدامى، كالبرتغال،

فإن الثورات، في غياب قوة مهيمنة، يمكن أن تسير إلى لا شيء؛ إذ إنها تظل مجبَرة على نيل دعم كافٍ

وقبول من التراصفات الطبقية التي لم تنفصل بعدُ عن الأنظمة القديمة. ليست إشكالية الهيمنة الأساسية، معتبرَة من منظور إستراتيجي، وهي كيف يأتي الثوار إلى السلطة، وإن كان هذا السؤال مهمًا جدًا؛ ولكن

المهم هو كيف يصيرون مقبولين، ليس فقط باعتبارهم الحكام القائمين سياسيًا ولا يمكن تجنبهم، ولكن

باعتبارهم المرشدين والقادة. ثمَّة وجهان اثنان واضحان لذلك السؤال: كيف ينالون القبول؟ وهل الثوريون جاهزون لممارسة القيادة؟ هناك أيضًا الظرف السياسي المحدد، المحلي والدولي، الذي قد يجعل جهودهم أشدّ فاعلية أو أشدّ صعوبة. فربما لم يكن الشيوعيون البولنديون عام 1945 مقبولين بصفتهم قوة مهيمنة، على الرغم من أنهم كانوا جاهزين أن يكونوا كذلك؛ لكنهم أسسوا سلطتهم بفضل الوضع الدولي. ربّما كان يمكن أن يكون الديمقراطيون الاشتراكيون الألمان عام 1918 مقبولين قوةً مهيمنةً، لكنهم لم يريدوا أن يتصرفوا باعتبارهم كذلك. ربما كان للشيوعيين التشيكيين أن يكونوا مقبولين بصفتهم قوة مهيمنة عام 1945 وعام 1968، وكانوا جاهزين لأداء هذا الدور، لكنهم لم يتمكنوا من أن يقوموا به. الصراع من أجل الهيمنة قبل التحول (أيًا كانت طبيعته وسرعته) وأثناءه وبعده يظل مصيريًا.

علاقات الطبقة والحزب

المسألة الثالثة هي أن إستراتيجية غرامشي تقوم على حركة طبقة منظمة دائمة، بصفتها لبّها. بهذا المعنى، تعود فكرته عن الحزب إلى مفهوم ماركس الخاص، على الأقل في آخر حياته، للحزب بافتراضه طبقة منظمةً، على الرغم من أنه أعطى مزيدًا من الانتباه أكثر من ماركس وإنجلز، وحتى من لينين، ليس بالأساس إلى التنظيم الرسمي، ولكن بقدر ما إلى صور القيادة والبنية السياسية ولطبيعة ما أسماه العلاقة «العضوية» بين الطبقة والحزب. آنذاك، أي في وقت ثورة أكتوبر، كانت أغلب الأحزاب الجماهيرية للطبقة العاملة ديمقراطية اشتراكية. وكان أغلب المنظّرين الثوريين، بما فيهم البلاشفة قبل عام 1917، ملزَمين بالتفكير فقط بمنطق الأحزاب

باعتبارها أطُرًا أو مجموعات الناشطين التي تُحرِّك الغضب العفوي للجماهير بقدر استطاعتهم وعندما كانوا يتمكنون من القيام بذلك. إذًا، إن الحركات الجماهيرية كانت إما غير مسموح بوجودها، وإما إصلاحية عادة. لم يكن في إمكانهم بعدُ التفكير بمنطق حركات الطبقة العاملة الجماهيرية المتجذِّرة والدائمة، وإن كانت الثورية في الوقت نفسه، مُؤدِّين بذلك دورًا رئيسًا في المشهد السياسي في بلدانهم. كانت حركة تورين التي شكَّل غرامشي فيها أفكاره، استثناءً نادرًا نسبيًا. وعلى الرغم من أن أحد الإنجازات الرئيسة للأممية الشيوعية هو خلق بعض الأحزاب الجماهيرية الشيوعية – ثمَّة علامات على سبيل المثال

إبان تشظي ما أُطلِق عليه «الحقبة الثالثة» – فإن قيادة الشيوعية الدولية (بخلاف الشيوعيين في بعض البلدان ذات الحركات العُمَّالية الجماهيرية) لم تكن مشكلات الحركات العمالية الجماهيرية التي قد نشأت على الطريقة القديمة مألوفة بالنسبة إليها. هنا يكون تأكيد غرامشي للعلاقة «العضوية» بين الثوار والحركات الجماهيرية مهمًا. فقد جعلت الخبرة التاريخية الإيطالية من الأقليات الثورية شيئًا مألوفًا له، وهي الأقليات التي لم يكن لديها توجه نحو تلك العلاقة «العضوية»، بل كانت مجموعات من «المتطوعين» تُحرِّك بقدر استطاعتها عندما يكون في إمكانها

القيام بذلك، «لا أحزابًا جماهيرية حقيقية إطلاقًا [...] بل معادلً سياسيًا لفِرَق الغجر والبدو» (ص –202 205). إن فرصة عظيمة للسياسة اليسارية، حتى اليوم، وربما خصوصًا اليوم، تقوم بهذه الطريقة، لأسباب مشابهة، ليس على الطبقة العاملة الحقيقية وتنظيمها الجماهيري، وإنما على طبقة عاملة قومية، أو نوع من الرؤية الخارجية للطبقة العاملة، أو أي جماعة أخرى قابلة للتعبئة. إن أصالة غرامشي هي أنه كان ثوريًا لم يستسلم قط لذلك الإغراء. إنَّ الطبقة العاملة المنظمة كما هي، لا كما ينبغي لها أن تكون في النظرية، كانت أساس تحليله وإستراتيجيته.

(((الحقبة الثالثة هي نظرية تبنّتها الأممية الثالثة (الكومنترن)، حيث رأت أن الرأسمالية بعد الحرب العالمية الأولى تمرّ بثلاث

مراحل: الأولى هي حقبة المدّ الثوري وهزيمة الطبقة العاملة مباشرة بعد الحرب، ثمّ حقبة التماسك الرأسمالي خلال العشرينيات،

وأخيرًا الحقبة الثالثة بداية من عام 1928، حيث تشهد انهيارًا اقتصاديًا واحدًا ومزيدًا من تجذُّ ر الحركة العمالية. وقد امتازت تلك

المرحلة بالانقسامات داخل الحركة العمالية؛ ما سمح بصعود الحركات اليمينية المتطرفة على حساب الحركات اليسارية.

الاتصال والثورة

كما أكدت بالفعل مرارًا، لم يكن فكر غرامشي السياسي إستراتيجيًا أو أداتيًا أو عمليًا فحسب. لم يكن

هدفه انتصارًا بسيطًا يبدأ بعده نظام ونمط تحليل مختلف. إن من الملاحظ جدًّا أن غرامشي يتّخذ مرارًا من

مشكلة أو حادثة تاريخية ما نقطة انطلاق له ثم يعمِّمها، ليس فقط فيما يخصّ سياسة الطبقة الحاكمة أو

مواقف مشابهة أخرى، ولكن فيما يخصّ السياسة عامة أيضًا. ذلك أنه واعٍ تمامًا بأن هناك شيئًا ما مشتركًا

في العلاقات السياسية بين الناس عمومًا، أو على الأقل، بين نطاق تاريخي واسع جدًّا من المجتمعات؛

من ذلك على سبيل المثال الاختلاف بين القادة والمقُودين الذي يروق له أن يستدعيه (ص. 144) لم ينسَ غرامشي قطّ أن المجتمعات هي أكثر من بُنى للسيطرة الاقتصادية والسلطة السياسية، وأن لها

قوامها الخاص حتى عندما تكون ممزَّقة بالصراعات الطبقية (وهي مسألة اكتشفها إنجلز منذ وقت بعيد)،

وأن التحرر من الاستغلال يمدُّنا بإمكانية تكوينها بصفتها جماعات حقيقية لناس أحرار. لم ينسَ قط أنّ

تحمّل مسؤولية مجتمع ما، سواء كان قائمًا أو منتظرًا، هو شيء أكثر من العناية بالمصالح الآنية لطبقة

أو قطاع أو حتى للدولة؛ وأنها [أي المجتمعات] تفترض على سبيل المثال الاتصال «مع الماضي، ومع التقليد، ومع المستقبل» (ص. 146)؛ لذلك يُصرّ غرامشي على أن الثورة ليست ببساطة مصادرة مَن صادروا

ملكية الآخرين، بقدر ما هي أيضًا، في إيطاليا، خلق شعب، وإدراك وجود أمّة؛ أي نفي الماضي وإنجازه

في آنٍ واحد. تطرح كتابات غرامشي بالفعل المشكلة المهمة جدًّا، والتي نادرًا ما تمَّ نقاشها فما هو

بالضبط من الماضي ما يتمّ تثويره في الثورة؟ ما الذي ينبغي الحفاظ عليه؟ ولماذا؟ وكيف؟ أي مشكلة

الجدل بين الاستمرارية والثورة. لكن بالنسبة إلى غرامشي، فإن ذلك بالطبع ليس مهمًا في نفسه، وإنما بصفته وسيلة للحشد الشعبي

والتحول الذاتي كليهما، وللتغيير الأخلاقي والفكري، وللتطور الجماعي الذاتي بوصفه جزءًا من العملية

التي يُغيِّر الشعب نفسه عبر صراعاتها، ويضع نفسه تحت قيادة طبقة مهيمنة جديدة وحركتها (ص 133،

الفقرة 2). وعلى الرغم من أن غرامشي يشارك الارتياب الماركسي المعتاد في التأملات حول المستقبل الاشتراكي، فإنه خلافًا لهم، يسعى بالفعل نحو دليل له في طبيعة الحركة نفسها. وإذا كان غرامشي يحلل طبيعتها وبنيتها وتطورها بصفتها حركة سياسية، وحزبًا، بكثير من التفصيل والتمحيص، وإذا كان يتوخّى

على سبيل المثال، انبثاق حركة منظمة ودائمة، في مقابل «انفجار» سريع، وصولً إلى شعيرتها الأدق وعناصرها الجزيئية (كما أسماها)؛ فلأنه ينظر إلى مجتمع المستقبل باعتباره قائمًا على ما أسماه «تشكيل

إرادة جماعية» عبر مثل تلك الحركة، ولأن عبر هذه الطريقة فحسب يمكن للطبقة التابعة إلى الآن أن تحوِّل نفسها إلى طبقة مهيمنة منتظرَة – إذا شئت – أن تصير شرارة لبناء الاشتراكية. بهذه الطريقة فقط،

يمكنها عبر حزبها أن تصير بالفعل «الأمير الحديث»؛ المحرك السياسي للتغيير. وفي بنائها لنفسها، فإنها، بمعنى ما، ستؤسس بالفعل بعض القواعد التي سيُبنى عليها المجتمع الجديد، وبعض المعالم التي سوف

تظهر فيها وعبرها.

الأهمية الحاسمة للسياسة

دعوني أطرح سؤالً في الختام: لماذا اخترت في هذا المقال التركيز على غرامشي منظّرًا سياسيًا؟ لم

يكن الأمر ببساطة أنه منظّر مثير ومهمّ على نحو غير اعتيادي. وتحديدًا ليس لأن لديه وصفة للكيفية التي

ينبغي للأحزاب والدول أن تُنظَّم وفقها. إنه مثل ميكيافيللي، منظّر للكيفية التي ينبغي بها للمجتمعات أن تتأسس وتتحول، لا منظّر للتفاصيل الدستورية، إضافة إلى التفاهات التي تشغل مراسلي اللوبيات؛ ذلك أنه، من بين المنظّرين الماركسيين، هو الوحيد الذي قدّر بوضوح أكبر أهمية السياسة بصفتها بُعدًا خاصًا

للمجتمع، ولأنه أدرك أن السياسة تتضمن ما هو أكثر من السلطة. إنّ ذلك ذو أهمية عملية عظيمة، على الأقل للاشتراكيين. أوْلى المجتمع البرجوازي دائمًا، على الأقل في البلدان المتطورة، الإطارَ والآليات السياسية اهتمامًا كبيرًا،

لأسباب تاريخية ليس هنا محلّ تناولها؛ ذلك أن الترتيبات السياسية قد صارت وسيلة قوية لترسيخ الهيمنة البرجوازية، فشعارات من قبيل الدفاع عن الجمهورية، والدفاع عن الديمقراطية، والدفاع عن الحقوق والحريات المدنية، تربط الحكام والمحكومين معًا في سبيل منفعة الحكام بالأساس؛ لكن ذلك لا يعني

أنها لا تمس المحكومين. إنها لذلك أكثر كثيرًا من تجميل وجه القمع، أو حتى خداع بسيط. لقد ركّزت المجتمعات الاشتراكية، أيضًا لأسباب تاريخية مفهومة، على مهمات أخرى – على نحو

ملحوظ ما تعلق منها بتخطيط الاقتصاد – ولم تُولِ (مع استثناء السؤال الحاسم حول السلطة، وربما في البلدان متعددة القوميات، استثناء السؤال حول العلاقات بين الأمم المكوِّنة للبلد) المؤسسات والعمليات

السياسية والقانونية الفعلية سوى قليل من الاهتمام. لقد تُرِكت تلك لتعمل بصفة غير رسمية، وأحيانًا إلى حدّ مخالفة الأعراف المقبولة وأجهزة الحزب (مثلًالدعوة المنتظمة للمؤتمرات) والتي غالبًا ما تتم في

نوع من الغموض. في حالات متطرفة، كالصين في السنوات الأخيرة، تبدو القرارات السياسية الكبيرة التي تؤثّر في مستقبل البلد كأنها تنبثق فجأة من صراعات مجموعة صغيرة من الحكام في القمة، وتبدو طبيعتها الأساسية غير واضحة؛ ذلك أنها لم تُناقَش قطّ بصورة عامة. في مثل تلك الحالات، هناك على نحو واضح شيء خاطئ. كيف يمكنا إذًا، بمعزل – إلى حدّ ما – عن العيوب الأخرى لإهمال السياسة، خلق مجتمع اشتراكي (لا اقتصاد مُدار ومملوك اجتماعيًا) عندما تكون جماهير الشعب مستبعَدة من العملية السياسية،

وربما تكون متروكة حتى لتقع في اللاتسييس واللامبالاة نحو الشؤون العامة؟ لقد غدا واضحًا أن إهمال

ترتيباتهم السياسية من جانب معظم المجتمعات الاشتراكية يؤدي إلى ضعف خطير يجب أن يعالج. وربما يعتمد مستقبل الاشتراكية، سواء في البلدان التي ليست بعدُ اشتراكية أو في تلك الاشتراكية بالفعل، على دفع مزيد من الاهتمام إليها أكثر فأكثر [أي إلى الترتيبات السياسية]. في تأكيد غرامشي الأهمية المصيرية للسياسة، يوجه انتباهه نحو الجانب الحاسم في تأسيس الاشتراكية

كما في انتصارها. إنه ذِكرى ينبغي لنا أن نتوقف عندها، ومفكر ماركسي أساسي جعل من السياسة لُبَّ

تحليله، ولهذا – تحديدًا – يستحق اليوم القراءة والإبراز والهضم على نحو عميق.

(((«مراسلو اللوبيات» هو تعبير إنكليزي يشير إلى المراسلين الذين يقيمون وقتًا طويل في البرلمان بهدف النقل السريع للأخبار

السياسية.