قراءة في كتاب : المشكلان الأساسيان في نظرية المعرفة لكارل بوبر
Book Review The Two Fundamental Problems of the Theory of Knowledge by Karl Popper
الملخّص
عنوان الكتاب في لغته : The Two Fundamental Problems of the Theory of Knowledge . المؤلف: كارل بوبر. ترجمة: نجيب الحصادي. الناشر: جداول للنشر والترجمة والتوزيع، بيروت. سنة النشر: 2018. عدد الصفحات: 606 صفحات. أكد الباحث في مراجعته على أن ثراء نص كارل بوبر، المشكلان الأساسيان في نظرية المعرفة، من الناحيتين التأسيسية والسّجالية وكذلك من حيث النقاشات الإبستيمولوجية التي أثارها لاحقا والمتعلقة خاصة بطبيعة المعقولية العلمية تجعل من هذا الكتاب نصا جديرا بالدراسة في حد ذاته وينفي عنه إمكانية اعتباره مجرد مسوّدة تمهيدية لمِؤلَّف بوبر الأشهر والشديد الأهمية ،دون ريب، أعني منطق الكشف العلمي.
Abstract
The Two Fundamental Problems of the Theory of Knowledge.
- نظرية المعرفة
- منطق الكشف العلمي
- كارل بوبر
- الإبستمولوجيا
- العلم
- المنطق
- Theory of Knowledge
- The Logic of Scientific Discovery
- Karl Popper
- Epistemology
- Science
- Logic
عنوان الكتاب في لغته:
المؤلف:
كارل بوبر. ترجمة:
نجيب الحصادي. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:
606 صفحات.
Book Review
The Two Fundamental Problems of the Theory
of Knowledge
by Karl Popper
جداول للنشر والترجمة والتوزيع، بيروت.
Professor of Logic, Philosophy of Language and Philosophy of Science, University of Tunis-Manar and University of Tunis.
صدرت عن دار جداول في بيروت (2018) ترجمة لمؤلَّف كارل بوبر
Die beiden Grundprobleme der
Erkenntnistheorie (1979)، وهي ترجمة نهض لها نجيب الحصادي كما نهض لترجمة مؤلفات كثيرة أخرى في فلسفة العلم. ويتبوأ هذا الكتاب مكانة بالغة الأهمية في فلسفة العلم عند بوبر؛ وذلك لاعتبارين أساسيين: أولهما أن هذا المؤلَّف، الذي هو عبارة عن مسوّدات دوّنها بوبر
خلال الفترة 1933–1930، يهيئ للكتاب العمدة der Forschung Logik (1934) الذي بلور فيه بوبر، على نحو نسقي، فلسفته في العلم، وثانيهما أن لهذا المؤلَّف قيمة بيداغوجية كبرى؛ بالنظر إلى التفاصيل الكثيرة التي يشتمل عليها بخصوص الجانبين التأسيسي والسجالي من فلسفة العلم البوبرية. وليس الغرض من هذه القراءة لمؤلَّف بوبر رصد مواطن التواشج والتخارج بينه وبين الكتاب العمدة لعام 1934، رغم اعتقادنا أن رصد هذه المواطن قد يُشكّل دربًا مهمًا لعرض ما
تضمنه من أطاريح وما يستدعيه ذلك، من الناحية السجالية، من دحض لأطاريح إبستيمولوجية وفلسفية أخرى؛ لعل أهمها تلك التي يدافع عنها أنصار النزعة الاستقرائية Inductivism وشيعة
المواضعتية Conventionalism.
ينبغي لنا أن نلاحظ بادئ الأمر أن المشكلان الأساسيان في نظرية المعرفة هو كتاب في ما صار يُعرف منذ كارناب بمنطق العلم، ما يعني،
سلبيًا، أنه لا يتعلق بتطور المعرفة العلمية بالمعنى
الدارويني الذي تضمَّنه كتاب المعرفة الموضوعية
Objective Knowledge (1972) لاحقًا، ولا هو يخص البعد الدياكروني التاريخي للمعرفة بالمعنى الذي نجده في فلسفة العلم التي يمارسها توماس كون وأشياعه. والمشكلتان الأساسيتان
اللتان تشغلان بوبر هما مشكلة الاستقراء ومشكلة رسم الحدود Demarcation. يُردُّ السؤال الأول إلى السؤال المتعلق بالتثبت من صلاحية Validity المنطوقات Statements الكلية التي تختص بها العلوم الخبرية Empirical. أما المشكلة الثانية وإليها تُردّ المشكلة الأولى، فتتمثل في ضبط معيار دقيق وكوني يُمكّن من التمييز، على نحو واضح، بين المنطوقات العلمية، أي منطوقات العلوم الخبرية، والمنطوقات الميتافيزيقية. ويفترض هذان السؤالان تمييزًا مبدئيًا جوهريًا أقامه كانط في مجمل فلسفته النقدية بين سؤال. Quid juris وسؤال الوجوب Quid facti الواقع فهذان السؤالان الأساسيان في نظرية المعرفة إنما هما سؤالان في التسويغ Justification أو الصلاحية؛ أي في المشروعية Legitimity، وليسا سؤالين ذوَي طابع نفسي أو تاريخي – تكويني، بمعنى أنهما لا يتعلقان بنشأة المعارف، وبذلك فإن بوبر يواصل تقليد النزعة المناهضة للنفسانية Antipsychologism التي هي موضوعة ثابتة في الفلسفة التحليلية في ثلاثينيات القرن المنقضي منذ غوتلوب فريجه وجورج مور، مرورًا ببرتراند رسل، ووصولً إلى لودفيغ فتغنشتاين. وفي هذا السياق، أعبّر عن اختلافي مع نجيب الحصادي في ترجمة مصطلح Demarcation» « الذي ترجمه ب «تأريف»؛ ذلك أنني أفضل ترجمته ب «رسم الحدود»، على الرغم من استجابة ترجمة الحصادي إلى أمرين محمودين؛ أحدهما الاقتصاد في اللفظ، وثانيهما تأصيل المصطلح في اللغة العربية. ويعود قرار الترجمة الذي اتخذتُه إلى الروح الكانطية البحتة لمصطلح Demarcation» « التي تتجلى بوضوح فيما يلي:
• يتحدث بوبر نفسه عن مشكلة رسم الحدود بوصفه عين «سؤال كانط حول حدود المعرفة العلمية». • هذا السؤال ترنسندنتالي Transcendental بالمعنى الكانطي؛ على جهة أنه سؤال النقد، ويتعلق بتسويغ المنطوقات. ويُؤكّد بوبر أنه «في
العمل الراهن أيضًا، تمّ استخدام مثل هذا المنهج
الترنسندنتالي مرارًا، دون ذكر اسمه». • إنّ المنهج الترنسندنتالي هو الذي يفرض نقد كلّ أشكال النفسانية Psychologism في تصور المعرفة على وجه العموم وتصور أساسها على وجه الخصوص. وهذه النفسانية تتجلى على نحو خاص في تصور الخبريين المنطقيين من أمثال رودولف كارناب Carnap Rudolf وأوتو نويراث Neurath Otto للمنطوقات البروتوكولية. فهذه المنطوقات التي Protocol statements هي في نظر أصحابها جملٌ بسيطة تعبّر عن
معطيات التجربة وتشكّل أساس العلوم الخبرية، لا تعدو أن تكون، من منظور بوبر، ترجمة منطوقات متعلّقة بالإدراك – ومن ثمّ فهي نفسية –
إلى تقارير متعلقة بالإدراك قام بها أشخاص فيزيولوجيون؛ وهكذا فإنها «إعادة بناء فيزيقانية
Psychologistic للمذهب النفساني Physicalist
الخاص بالقاعدة الإدراكية للعلوم الخبرية». وعلى هذا النحو يؤسس الخبريون المنطقيون لحلقة فيينا العلم على قاعدة أنانوية Solipsistic، ما يعني أن هذه القاعدة تُعوزها، في نظر بوبر،
(((كارل بوبر، المشكلان الأساسيان في نظرية المعرفة، ترجمة نجيب الحصّادي (بيروت: جداول للنشر والترجمة والتوزيع،
2018)، ص 56، 539. هذا التوصيف لمشكلة رسم الحدود يتردد في جميع مؤلفات بوبر اللاحقة. (((المرجع نفسه، ص.115 (((المرجع نفسه، ص 542 [الترجمة معدَّلة.]
الموضوعية أو هي لا تخضع لرقابة بيذاتية. إنّ أشكال الوضعية ونموذجها الخبرية المنطقية، تحشُر، في ما يسمّيه بوبر «سياقات التسويغ»
Justification of Contexts، عناصر نفسية ينبغي
أن تقوم عليها المنطوقات الإدراكية. ويجترح بوبر منهجًا يسمّيه «منهج كانط – فريز» Kant-
Method Fries، ويعتبره كفيلً بتجاوز أشكال النفسانية من خلال إرساء تمييز منهجي مبدئي بين القضايا التي تعود إلى عملية استنباط منطقية صرف والمنطوقات الأساسية Statments Basic التي تعبّر عن معطيات التجربة؛ وبذلك فإنّ
نظرية المعرفة التي يروم بوبر إرساءها تربط بين النزعة الاستنباطية والنزعة الاستقرائية. بخصوص الأولى، يتحدّث بوبر عن «نزعة استنباطية
مفادهاConsistent Deductivism متسقة»
أنّ الاستقراء هو ضرب من الخرافة، وأنّ التعميم خطأ، وأنّ «الاستدلالات المشروعة الوحيدة التي تسير في اتجاه استقرائي هي استدلالات مودس تولنز Tollens Modus الاستنباطية». وتنتصب هذه النزعة الاستنباطية على طرفي نقيض من العقلانية الكلاسيكية لديكارت واسبينوزا التي تقوم على استنباط ذي نسيج هندسي (إقليدي) صرف. أما الخبرية التي تتضمّنها نظرية المعرفة
البوبرية، فتعني أنّ التجربة، من دون سواها، هي الكفيلة بالحسم في شأن صدق أي منطوق يتعلّق بالواقع أو كذبه. إنّنا ها هنا إزاء ما يسمّيه
بوبر «تصور استنباطي – خبري ». ويفرض هذا المذهب أن تكون القوانين العلمية، التي هي عبارة عن منطوقات كلية، قابلة للتكذيب
(((المرجع نفسه، ص 537. يسم بوبر موقفه، أيضًا، بأنه «نزعة استنباطية راديكالية»، المرجع نفسه، ص.60 (((المرجع نفسه، ص.537 (((المرجع نفسه، ص 61 [الترجمة معدَّلة.]
Falsification، لا للتحقّق Verification، كما
يرى لودفيغ فتغنشتاين والخبريون المنطقيون لحلقة فيينا. فمبدأ التحقّق الذي ورثوه عن فتغنشتاين مثّل موضوع نقد لاذع من جانب
بوبر في مجمل مؤلّفاته حتى في صيغته التي ما انفكّ كارناب يطوّرها في السنوات الّتي تلت نشر
Der logische Aufbau der Welt كتابه العمدة
(1928). إنّ إمكانية التكذيب Falsifiability هي عين معيار رسم الحدود بين ما هو علمي وما هو غير علمي. وتُعدّ فرضية (أو نظرية) قابلية التكذيب أو الدحض، على نحو خبري، إذا توافرت مجموعة من المنطوقات الخاصة بالملاحظة أو المنطوقات الاختبارية Test statements يدحض صدقها تلك الفرضية أو النظرية أو يُثبت كذبها. وبهذا المعنى يكون مبدأ
قابلية التكذيب في علاقة تناظر Asymmetry مع مبدأ قابلية التحقق Verifiability؛ من حيث إن المنطوقات الاختبارية تصلح لتكذيب النظريات الكلية، لا لتسويغها. ويؤدّي الجمع بين النزعة
الاستنباطية والخبرية إلى اعتبار المنطوقات الكلية، أي القوانين الطبيعية فرضيات وقتية أو، بحسب عبارات فيلسوف كانطي آخر هو هانس فيهنغار Vaihinger Hans، وهي عبارات يتبنّاها
بوبر، « تخييلات حقيقية »Fictions Genuine؛ على جهة أنها ستُعدُّ صادقة ما لم يتم تكذيبها. في نهاية هذه القراءة النقدية لكتاب المشكلان الأساسيان، أصوغ في اقتضاب شديد يفرضه ضيق المجال، احترازين يدوران على فهمه لمشكلة رسم الحدود عند كانط من ناحية،
(((انظر النقد الذي يوجهه بوبر إلى معيار المعنى عند فتغنشتاين والوضعية المنطقية: المرجع نفسه، ص.412–365 (((المرجع نفسه، ص 273 [الترجمة معدَّلة، والتشديد من عند
بوبر.]
وعلى نقده الثابت لما يعتبره نزعة استقرائية عند الخبريين المنطقيين لأفراد حلقة فيينا من ناحية أخرى؛ ما يعني أن هذا النقد الموجه إلى بوبر سوف يكون داخليًا، إذ هو لا يتناول نقدًا تفرضه
ممارسة أخرى لفلسفة العلم على غرار تلك التي نجدها عند توماس كون وفلاسفة العلم الكونيين Khunians، ومفادها أن بوبر إنما يهتم، شأنه شأن الخبريين المنطقيين، بالجوانب السانكرونية في نشأة النظريات العلمية مُغفلً دور السياقات التاريخية والثقافية والمؤسساتية في نشأة البرادايمات العلمية وتطورها. يمكن رد هذين الاحترازين إلى ما يلي: • يعتبر بوبر أن مشكلة رسم الحدود بين ما هو علمي وما هو غير علمي هي مشكلة كانط بحسب العبارات التي يستعملها في منطق الكشف العلمي (1934) في مقابل مشكلة الاستقراء التي هي، في نظره، مشكلة هيوم. لن نتناول ها هنا سوء فهم بوبر لمفهوم مركزي عند كانط هو مفهوم «الترنسندنتالي» Transcendantal الذي يميز نمط مقاربته للمشكلة الأساسية التي تشغله في نقد العقل المحض (1781)، بل سنكتفي بالإشارة إلى أن هذه المشكلة التي تشغل كانط في مؤلَّفه ليست التمييز بين العلم والميتافيزيقا، وإنما البحث في شروط إمكان وضع الميتافيزيقا على الدرب الملكي للعلم من خلال طرح «المشكلة الأساسية للعقل المحض»: كيف تكون أحكام تأليفية قبلية ممكنة، والميتافيزيقا التي يريد لها كانط أن تكون علمًا لا تتوفر على هذه الأحكام؛
(9) Karl Popper, The Logic of Scientific Discovery (London and New York: Routledge, 2002), p. 11. (10) Immanuel Kant, Critique of Pure Reason , Paul Guyer & Allen W. Wood (eds./trans.), (Cambridge: Cambridge University Press, 1998), p. 146.
ومن ثمَّ فهي لا تتوفر على صفة العلمية التي تُعدّ
الرياضيات والفيزياء نموذجًا لها؟ • ولكن تجدر الإشارة إلى أن القابلية للخطأ أو القابلية للتخطيء Fabillism التي تقر أن كل النظريات، بما فيها النظريات العلمية، لا تعدو أن تكون مجرد فرضيات وتخمينات Conjectures، ولا تُعدّ يقينية لانعدام كل شكل تسويغ لها
قبليًا كان أو استقرائيًا، إنما هي موقف يُشكّل
تطورًا حقيقيًا في تصور المعرفة مقارنةً بأشكال
التأسيسانية Foundationalism الكلاسيكية، سواء كانت ذات نسيج عقلاني أو ذات توجه خبري. فلا العقل عند ديكارت وليبنتز، ولا الانطباعات عند هيوم، ولا المنطوقات البروتوكولية عند الخبريين المنطقيين، بوسعها أن توفر أساسًا ثابتًا ويقينيًا للنظريات العلمية. ولا
تنفك خطئية بوبر عن عقلانيته النقدية Critical rationalism. فكل النظريات العلمية بوصفها تخمينات تصدر بدورها عن مشكلات بالمعنى العلمي إنما تخضع إلى نقد دائم؛ أي وفق تكذيبية بوبر، إلى اختبارات خبرية نسقية صارمة، الغرضُ منها تخليص النظريات من الخطأ؛ ومن ثم فهي تقود إلى جملة من النظريات وقع تعزيزها
. Corroborated
• يُشيّد بوبر نزعته الاستنباطية – الخبرية ومعيار
رسم الحدود لديه، أعني إمكانية التكذيب، من الناحية السجالية، على أنقاض تصور الخبريين المنطقيين لمعيار التحقق. لن نتوقف ها هنا عند الصعوبات المنهجية التي يواجهها معيار رسم الحدود ذاته، وهي صعوبات لم يُثرها فلاسفة علم يعلنون معارضتهم، على
نحو صريح، لتكذيبية بوبر؛ من أمثال وسلاي سالمون lmon. C. Sa W، وهربرت فيغل
Feigl H.، وبول فايرآبند Feyerabend. P، وألفرد آير Ayer. J. A، وهيلاري بوتنام Putnam. H، فحسب؛ إذ أثارها كذلك فلاسفة علم ينتصرون للميثودولوجيا البوبرية، مثل إمري لاكاتوس Lakatos. I، بل سنكتفي بالإشارة إلى أننا لا نرصد انزياحًا في الإشكالية عند بوبر
بالنسبة إلى ما يعتبره نزعة استقرائية عند الخبريين المنطقيين، ولا انزياحًا في ضرب معالجة
الإشكالية والموقف الإبستيمولوجي العام منها. ففي مستوى الإشكالية، يشترك بوبر مع الخبريين المنطقيين في البحث عن اجتراح منهج يجعل تسويغ المنطوقات الكلية، استنادًا إلى المنطوقات
الفردية التي هي المنطوقات البروتوكولية عند الخبريين المنطقيين والمنطوقات الأساسية عند بوبر، أمرًا ممكنًا. أما بخصوص الموقف
الإبستيمولوجي العام، فهو موقف خبري كما يشدد على ذلك بوبر نفسه. فعلى الرغم من أن التجربة تضطلع في النزعة التكذيبية البوبرية بدور سالب، لا بدور موجب، كما هو الشأن في مذهب الخبريين المنطقيين؛ على جهة أنها تصلح لتكذيب الفرضيات، فإنها تظل حاسمة في عملية تسويغ الفرضيات العلمية والقوانين الطبيعية. حري بنا أن نلاحظ، في هذا السياق، أن أطروحة
Experimentum crucis الحاسمة التجربة
يرفضها رفضًا كاملً أحد الخبريين المنطقيين وأكثرهم طرافة، أوتو نويراث، وهو ما يفسر نقده، بوصفه أحد ورثة النزعة المواضعتية الفرنسية عند بيار دوهام خاصة، معيارَ التحقق عند أفراد
حلقة فيينا ومعيارَ التكذيب عند بوبر على حد
« Pseudorationalismus der سواء. ففي مقاله
Falsifikation» (1935)، يدافع نويراث عن أطروحة أساسية مفادها أن معيار التحقق عند الخبريين المنطقيين ومعيار التكذيب عند بوبر
إنما يُعبّران، على اختلافهما، عن «روح فكر
لابلاس»spirit s ’ Laplace الذي تحدوه رغبة لا تكلّ في البحث عن الدقة، وهذا البحث مطلب يوتوبي Utopist، وهو يصدر عما يسميه بوبر «عقلانية زائفة» Pseudo-rationalism تكافئ، في نظره، الوثوقية. ليست التجربة أو منطوقات الملاحظة حاسمة في التثبت من صدق منطوق علمي ما أو نظرية علمية مخصوصة، وإنما يعود ذلك إلى قرارات تتخذها جماعة علمية في فترة محددة من تاريخ تخصص علمي معين. يدافع نويراث عما صار يُعرف في فلسفة العلوم بأطروحة دوهام – كواين أو الكلانية Holism التي تقضي بارتباط صدق المنطوقات العلمية بالسياق الذي ينبغي أن يُفهم، عند نويراث، بالمعنيين السانكروني (أو السكوني) والدياكروني (أو التاريخي). فصدق المنطوق العلمي هو، من ناحية أولى، مسألة اتساق مع المنطوقات
(11) Otto Neurath, «Pseudorationalism of Falsification» in: O. Neurath, Philosophical Papers 1913-1946 , R.S. Cohen & M. Neurath)eds.(, (Dordrecht: Reidel Publishing Company, 1983), p. 121.
((1(لمزيد من التفاصيل بخصوص أطروحة نويراث هذه، انظر: 131 -.Ibid., p.121
المراجع
العربية
بوبر، كارل. المشكلان الأساسيان في نظرية المعرفة. ترجمة نجيب الحصادي. بيروت: جداول للنشر والترجمة والتوزيع،.2018
الأجنبية
Neurath, Otto. Philosophical Papers 1913-1946. R.S. Cohen & M. Neurath. (eds.). Dordrecht:
Popper , Karl. The Logic of Scientific Discovery. London and New York: Routledge, 2002. Kant, Immanuel. Critique of Pure Reason , Paul Guyer & Allen W. Wood (eds./trans.). Cambridge:
والنظريات العلمية الأخرى وهو، من ناحية ثانية، مسألة اتساق مع السياقات التاريخية والاجتماعية والثقافية لإنتاج المعرفة. ويُعبّر مفهوم «جمهورية
عند نويراث Republic of Scholars العلماء» الذي يُبشّر، على نحو خاص، بمفهوم «الجماعة
الشهير Scientific Community العلمية»
عند توماس كون عن انخراط النظريات العلمية واللغة التي تعبر عنها في التاريخ. يعني ذلك أن نويراث ينتصر لتصور اتساقي Coherentist للحقيقة ويناهض كل تصور للحقيقة كمطابقة Correspondence بين المنطوقات والوقائع، وهو تصور يشترك فيه بوبر مع الخبريين المنطقيين لثلاثينيات القرن المنقضي. إن ثراء نص بوبر، المشكلان الأساسيان في نظرية المعرفة، من الناحيتين التأسيسية والسجالية، وكذلك من حيث النقاشات الإبستيمولوجية التي أثارها لاحقًا، المتعلقة خاصة بطبيعة المعقولية العلمية، تجعل من هذا الكتاب نصًا جديرًا
بالدراسة في حد ذاته، ينفي عنه إمكانية اعتباره مجرد مسوّدة تمهيدية لمؤلَّف بوبر الأشهر ذي
الأهمية الكبيرة، من دون ريب، أعني منطق الكشف العلمي.
References
Reidel Publishing Company, 1983.
Cambridge University Press, 1998.