مراجعة في كتاب : خطاب الكرامة وحقوق الإنسان لرجا بهلول
Book Review: The Discourse of Dignity and Human Rights By Raja Bahlul
الملخّص
عنوان الكتاب : خطاب الكرامة وحقوق الإنسان . المؤلف : رجا بهلول. الناشر : المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة/ بيروت. سنة النشر : 2016. عدد الصفحات : 160 صفحة. أكد فيها الباحث زواوي على أن كتاب رجا بهلول: خطاب الكرامة و حقوق الانسان، يعد إسهاما تأسيسيا لهذا الموضوع الحيوي في ثقافتنا العربية المعاصرة. و يتألف الكتاب من سبعة فصول أو عناصر، و توطئة، و مقدمة أولية ذات دلالة رمزية عنوانها: في مقام المقدمة: الكرامة و بائع الخضروات المتجول.
Abstract
Professor of Contemporary Philosophy, Department of Philosophy, Kuwait University.
Professor of Philosophy at the Doha Institute for Graduate Studies and Editor of Tabayyun: Journal for Cultural Studies and Critical Theory.
- خطاب الكرامة
- حقوق الإنسان
- الفكر العربي المعاصر
- The Discourse of Dignity
- Human Rights
- Contemporary Arab Thought
عنوان الكتاب:
خطاب الكرامة وحقوق الإنسان. المؤلف:
رجا بهلول. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:
160 صفحة.
Book Review:
The Discourse of Dignity and Human Rights
By Raja Bahlul
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة/ بيروت.
لا نملك في فكرنا العربي المعاصر تنظيرًا فلسفيًا لمسألة حقوق الإنسان،
بقدر ما نملك محاولات لتسويغها وإخضاعها لميراثنا، وتقاليدنا، وتطلعاتنا، ولِما أصبح يعرف بهُويتنا. ومن هذا الباب، يُعد كتاب رجا بهلول
خطاب الكرامة وحقوق الإنسانإسهامًا تأسيسيًا
لهذا الموضوع الحيوي في ثقافتنا العربية المعاصرة. يتألف الكتاب من سبعة فصول أو عناصر، وتوطئة، ومقدمة أولية ذات دلالة رمزية عنوانها: «في مقام المقدمة: الكرامة وبائع الخضروات المتجول». ولقد عرض المؤلف موضوعه بلغة واضحة ودقيقة معززة بكثير من الأمثلة، وبأسلوب جدلي، ناقش من خلاله أهم الآراء المشكِّلة للموضوع، سواء تلك التي أراد تفنيدها أو تلك التي دافع عنها، مع توجه نقدي واضح، وحرص على استخلاص النتائج الأساسية. وابتداء من الصفحة الأولى من التوطئة، يطلعنا المؤلف على أطروحته ونوعية مقاربته. وتتمثل الأطروحة في ما سمَّاه بالتكافؤ المنطقي بين الكرامة والحقوق: «مَن له كرامة له حقوق، ومَن له حقوق له كرامة» (ص. 7). وأما المقاربة، فتظهر في تأكيد «مركزية مفاهيم الحاجات والرغبات والانفعالات البشرية، كالتعاطف والمقاومة والغضب والاحترام، في تأسيس مفاهيم الحقوق والكرامة والمفاهيم الأخلاقية عمومًا» (ص. 8) وعملً على تحقيق هذا التوجه، طرح المؤلف في
(((يتكون الكتاب من العناصر الآتية: توطئة بعنوان: الكرامة وبائع الخضروات المتجول، 1. سؤال الكرامة وحقوق الإنسان، 2. الإنسانية والكرامة والحقوق من منظور تاريخي،.3 التأسيس العقلاني للأخلاق،.4 التعاطف، 5. الاحترام، 6. قيم الحياة والحياة الأخلاقية، 7. مصالحة العقل والوجدان، إضافة إلى المراجع، وفهرس عام.
مقدمته التي جعلها مناسبة للتذكير ببداية أحداث ما أصبح يسمى «الربيع العربي»، سؤالًاخترق الكتاب من أوله إلى آخره، سواء من جهة تفنيد الاعتراضات، أو من جهة إثبات الأفكار، وهذا السؤال هو: «إذا كان الناس يغضبون ويثورون من أجل الحقوق والكرامة، فكيف يمكن إنكار العلاقة بين الحقوق والكرامة من جهة، وحياة الناس الوجدانية من جهة أخرى؟» (ص. 8) للإجابة عن هذا السؤال، ذهب المؤلف إلى القول إن تحليل الكرامة وحقوق الإنسان يقتضي تحليلً لمسألة القيم الأخلاقية عمومًا،
ومنها القيم المؤسسة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وبحثًا في الأساس الذي ترتكز عليه، وبخاصة الأساس الذي ترتكز عليه الكرامة. وبعد إشارة تاريخية، فضَّل المؤلف الفصل في النقاش وحصره في اتجاهين أساسيين: الاتجاه القائل إن الكرامة الإنسانية تتأسس على العقل، والاتجاه الذي يؤسسها على الوجدان والانفعال، أو التأسيس الطبيعي. يمثل الفيلسوف الألماني المعاصر يورغن هبرماس مع الفيلسوف الأميركي جون رولز الاتجاه الأول الذي عرضه في العنصر الثالث من الكتاب. وعلى الرغم من الاختلافات القائمة بين الفيلسوفين، فإنه «خلاف عائلي» (ص. 6)4 والسبب في ذلك هو أن «الشرعية عند رولز وهبرماس وأمثالهما لا تأتي من الشريعة الإلهية ولا من الطبيعة، فلم يبقَ لهما من مصدر إلا العقل الإنساني» (ص. 74)، ثم إنهما متجذران في الفلسفة الكانطية، ما يعني أن الاتجاه العقلي في الأخلاق يمثله كانط وأتباعه في الفلسفة المعاصرة. وعملً على نقد هذا الاتجاه العقلي، اعتمد المؤلف على التحليلات النقدية التي قدمها فلاسفة
معاصرون ينتمون إلى مشارب نظرية مختلفة منهم، على سبيل المثال لا الحصر، الفيلسوف ألسدير ماكنتاير، حيث خلص إلى إقرار نتيجة مؤداها أن «الأسباب المرشحة لعقلنة السلوك كثيرة، لكنها ليست مقنعة دائمًا» (ص. 56) خصّص المؤلف الفصل الرابع لموضوع التعاطف الذي يعد جزءًا من الدوافع والمشاعر
والأحاسيس والرغبات والانفعالات على وجه العموم، وفيه رأى أنّ الأخلاق يمكن أنْ تتأسس على نوعين من المشاعر الأساسية؛ الأولى هي التعاطف، والثانية هي الاحترام أو الاعتراف، وقد خصها بالفصل الخامس. حدد النوع الأول بالشعور: «الذي ينبع طواعية من شخص تجاه شخص (أو كائن آخر) في وضع بائس، أو في حالة معاناة، ويؤدي في كثير من الأحيان إلى أداء عمل ما لتخفيف الألم أو تحسين الوضع البائس» (ص 68 وتتكون). بنيته من عناصر زوجية من نوع: «أحب – أكره»، «يؤلمني – يمتعني»... إلخ، وهنالك تاريخ تأسيسي لهذا الشعور يمثله فلاسفة أمثال ديفيد هيوم، وجون جاك روسو، وبخاصة عند الفيلسوفين آدم سميث الذي استعمل مفهوم (المشاعر الأخلاقية)، ومارثا نوسباوم التي وظفت مفهوم القدرة على التعاطف مع الآخرين. كما تعزز هذا التأسيس بالبحث العلمي المعاصر؛ سواء على مستوى علم الأعصاب، أو علم النفس السلوكي، أو ما يسمى علم النفس الوضعي. ولقد توقف المؤلف عند هذه الإسهامات الأساسية، وإن كان ذلك على نحو مختصر؛ لأن هدفه لم
(((انظر: ألسدير ماكنتاير، بعد الفضيلة: بحث في النظرية
الأخلاقية، ترجمة حيدر حاج إسماعيل، مراجعة هيثم غالب الناهي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.)2013
يكن عرض أفكار هؤلاء الفلاسفة وتحليلها، وإنما اعتماد مفاهيمهم للدفاع عن الطرح الوجداني في التأسيس الأخلاقي. يعترف المؤلف بصعوبة «طبعنة القيم الأخلاقية»، إلا أن الأمر غير مستعصٍ على الحل؛ لذا تقدم بفكرة قريبة من الأوامر المطلقة الكانطية التي انتقدها، والتي سنعود إليها لاحقًا، وهي تتمثل في تحول الميول والوجدان إلى أعراف وتقاليد يعززها القانون، معتبرًا أن ما كان قبل القانون
والعادة، ليس العقل وإنما الطبيعة، أو كما قال: «فينا قدرة على الشعور بألم الآخر، وهذه القدرة مبرمجة في كياناتنا الطبيعية» (ص. 79)، والهدف من هذا التحليل التاريخي هو الإقرار بأن مفهوم الوجوب، أو الواجب الذي يميز الأخلاق، لا يظهر «إلا في مرحلة يصل فيها تطور الحياة الاجتماعية درجة بلورة قوانين وأعراف أو مبادئ سلوك، بشكل واعٍ أو شبه واعٍ» (ص. 79)؛ ومن ثم يحدث ما سمّاه الفيلسوف الأميركي ريتشارد رورتي «تربية المشاعر». أما الشعور الثاني الخاص بالاحترام أو التقدير أو الاعتراف، فلم يحدده المؤلف من جهة الإنسان؛ من حيث هو «موضوع للعطف بسبب معاناته وسوء أحواله، [و] إنما باعتباره (ذاتًا) قادرة على التصدي لتلك الأوضاع التي تقلل من حظوظها الحياتية أو الأوضاع التي تشكل انتهاكًا (للحقوق)» (ص. 87). وبعد نقده لبعض مبادئ يورغن هبرماس وجون رولز حول «الشرعية» و«الخطاب» وذلك بحكم أن الاحترام جزء أصيل من هذه العملية، بيَّن دور الدين في تأكيد مبدأ الكرامة، مثلما عبرت
عن ذلك الآية القرآنية: ﴿ولقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدمَ﴾
(الإسراء: 70). وإضافة إلى هذه الحجة الدينية، هنالك من قدّم حجة الإنسان بوصفه كائنًا يقف
على قمة هرم التطور الطبيعي، ويتمتع بذكاء أعلى، مقارنةً ببقية الكائنات، مستندًا في ذلك إلى ما ذهب إليه الفيلسوف الأميركي رونالد دوركن (ص. 93)، معتبرًا في الوقت نفسه أن الإقرار بالصفة العقلية
للإنسان تماثل الذكاء، فضلً عن تمتعه بحرية الإرادة، وقدرته على تحديد الغايات، وبذلك يكون الإنسان هو الكائن الأخلاقي الوحيد؛ وهكذا يعتبر الاحترام، بحسب بعض المُنظّرين، قيمة لا تحتاج إلى التأسيس العقلي لأن كل الأجوبة التي تقوم على أساس الاعتبارات السابقة (حرية الإرادة، والقدرة على تحديد الأهداف... إلخ) ليست مقنعة، ومن ثمّ ينفتح المجال للتأسيس للاحترام على أساس وجداني (ص. 94) إن ما بسطه المؤلف من نظريات وآراء وحجج في هذا الفصل، الذي ميز فيه بين التعاطف والاحترام رغم صلتهما العضوية بالمشاعر، يعكس توجهه الفلسفي الذي يرى في الوجدان إمكانية لتأسيس الأخلاق، وبخاصة ما تعلق بالكرامة والحقوق. يؤكد هذا تحليله لبعض المشاعر أو ما سمَّاه الوقائع الشعورية الأصيلة والمتجذرة في الطبيعة البشرية، ومنها نزعة التصدي والمقاومة، ومشاعر الغضب، مبيِّنًا في الوقت نفسه أن الذين تنعدم فيهم
مثل هذه المشاعر هم أناس «لا يعيشون كما ينبغي أن يعيش الإنسان في الوضع الطبيعي أو الجيد، إن لم نقل المثالي. فهم لا يحققون ذواتهم الإنسانية ولا يبلغون غاية ما يمكنهم بلوغه كونهم بشرًا»
(ص. 99). ويعتبر الغضب بما هو شعور مشترك بين الحيوان والإنسان، مقدمة لتأسيس الاحترام، والسبب في ذلك أن الغضب يكشف أن الآخر يتمتع بحدود لا يجب تجاوزها. وردًا على الاعتراض القائل إننا قد نخاف الأسود أو غيرها من الحيوانات الضارية، إلا
أننا لا نحترمها، فإن المؤلف يعتمد مفهوم الاحترام الذي قدمه ستيفن دار وال (ص. 103)، والذي يتسم بطابعه الواسع الذي يشمل الأشخاص والقوانين والمؤسسات والطبيعة والكائنات الطبيعية. ويتكون مضمون هذا التعريف من فكرة ضرورة أخذ جوانب محددة من أي كائن في الاعتبار، خلال تصرفنا أو سلوكنا أو تعاملنا معه، ومراعاة تلك الجوانب أثناء سلوكنا نحوه. وبكل موضوعية، يعترف المؤلف أن الرد ليس حاسمًا، وأن للاعتراض وجاهته، لذا وجب
الإقرار بأن «الخشية من اختراق الحدود المحفوفة بالمخاطر تشكل بداية متواضعة للاحترام» (ص. 103). وعملً على التعمق في المسألة، عرَّج على التأسيس الفلسفي الذي أجراه هيغل
في كتابه فينومينولوجيا الروح، باسم (ديالكتيك السيد والعبد)، كما قرأه فرانسيس فوكوياما في كتابه المشهور نهاية التاريخ وخاتم البشر (ص. 104) وفي تعقيبه على ما ذهب إليه هيغل، وعلى ما علق عليه فوكوياما، أكد رجا بهلول ضرورة الربط بين الاعتراف والمكانة من جهة، والقدرة على تلبية الحاجات من جهة أخرى، أو كما قال: «الإنسان الذي لا يحظى بالتقدير ولا مكانة له البتة في إطار جماعته لن يحظى بحياة جيدة، ولن تكون فرصه في الازدهار كبيرة» (ص. 105) يعتبر الاحترام، بعد تحليله، وبيان عناصره، بمنزلة المقدمة لتأسيس الكرامة؛ لأن الكرامة ترتبط بالاحترام، أو كما قال ربما: «تكونان الشيء نفسه» (ص. 107) بمعنى أن الكرامة تتجذر في الطبيعة. ويؤكد ذلك ما قرأه في ميراث بعض اللغات الأوروبية التي تشتق كلمة الكرامة من فعل الغضب الناجم عن فهل مهين، وهاتان الكلمتان
هما: Indignation / Dignity (ص. 108)، مفسرًا
عبارة (الكرامة الإنسانية) بأنها تعكس إصرارنا على «أن الإنسان لا يعتدى عليه ولا يترك من دون عون» (ص. 108). وفي الفصل السادس، ناقش: «قيم الحياة والقيم الأخلاقية»، ومنها قيمة الشفقة، وذلك بعد أن أبدى بعض التحفظات على قيمة التعاطف التي تخضع للتكيف الاجتماعي والثقافي؛ لذا رجع إلى أرسطو وتفسيره للشفقة، وبخاصة شرطها المتمثل في «استحقاق الشر الظاهر» (ص. 114) الذي يلازمها. كما عزز تحليله للشفقة بما ذهب إليه روسو. من أجل ذلك كلّه نراه يؤكد أن التعاطف على الرغم مما يقال من تحفظ حوله «لم يفقد البوصلة تمامًا» (ص. 115)، مستندًا في ذلك إلى ما ذهب إليه الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور (ص 121–117)، وإلى ما سبق أن بيَّنه
جون ستيوارت ميل. وفي هذا السياق، فإن الفكرة التي تبدو له أكثر جاذبية، وذلك بغرض الدفاع عن التأسيس الوجداني للأخلاق عمومًا، وللكرامة تحديدًا، هي الفكرة التي قال بها ماكدويل؛ الخاصة ب «الطبيعة الثانية». ومضمون هذه الفكرة هو أنه يجب ألّ تقتصر الطبيعة على مجال الضرورة، وإنما يجب أن تشمل كذلك مجال الإنسان، أو كما قال: «للإنسان طبيعة أولى بوصفه كائنًا طبيعيًا له نشأة طبيعية، لكنه أيضًا كائن طبيعي من
نوع خاص. فلديه من الاستعدادات والقدرات الطبيعية (ومنها العقل وملكة اللغة) التي لا تتحقق إلا من خلال التربية في جماعة بشرية، حيث يغدو إنسانًا، ويكتسب حينها طبيعة أخرى لا تختزل إلى طبيعته الأولى هي طبيعته الثانية» (ص 126–125).
لقد آثرنا تثبيت هذا النص رغم طوله النسبي، لأننا نريد أن نتوقف عنده قليلً في تعقيبنا الذي سيأتي لاحقًا. ومع أن المؤلف، كما هو ظاهر، يميل إلى التأسيس الوجداني، بل كان هدفه هو إقامة الحجة على وجاهة هذا التأسيس، فإنه أبى في الفصل السابع إلا أن يدعو إلى: «مصالحة العقل والوجدان». فهل ثمة إمكانية للمصالحة بينهما؟ لم يتوقف المؤلف على التحفظ على العقل ولا على نقده، مؤكدًا أن قرونًا من محاولات التأسيس العقلاني لم تثمر إجماعًا (ص. 132)، ولكنه لم يتردد في الوقت نفسه في نقد الوجدان (ص. 133). وكأن لسان حاله يقول: إن أي عنصر تأسيسي، سواء كان عقلً أو وجدانًا، فإنه محدود؛ لذا رأى ضرورة التركيز على العلاقة التي تربط العقل بالوجدان في مجال الأخلاق، أو كما قال: «جل ما أردنا تحقيقه هو اللفت إلى حقيقة مفادها أن التأسيس الشعوري للأخلاق لا يتعارض مع القول إن العقل يؤدي دورًا في هذا المجال» (ص. 141)
تعقيب عام
مما لا شك فيه أن الانفعال (العاطفة، الوجدان، المشاعر)، قد أصبح موضوعًا للبحث العلمي
والفلسفي على حدٍ سواء. يؤكد هذا ما يُقدم في علم النفس، وعلم النفس الاجتماعي، وفي علم الأعصاب. ويكفي في هذا السياق التذكير بما أحدثه عالم الأعصاب أنطونيو دماسيو Damasio Antonio، في كتابه خطأ
ديكارت L’Erreur de Descartes، الصادر
عام 1995 من نقاش وجدل، والذي برهن فيه، على أن الانفعال ليس معطى نفسيًا فحسب،
بل هو معطى جسماني (أي طبيعي) أيضًا. كما قدمت دراسات اجتماعية وتاريخية تثبت هذه
الوجوه المختلفة للانفعال، لا يتسع المجال هنا لذكرها، تؤكد في مجملها ما ذهب إليه المؤلف رجا بهلول في الفصل الأخير من كتابه «مصالحة العقل والوجدان». ولكن النظر في هذه المصالحة، وفي ما جاء من تحليلات، اتسمت بقدر عالٍ من الصرامة، والوضوح، إلا أنها مع ذلك تطرح بعض الأسئلة، منها ما جاء في سياق عملية التأسيس للأخلاق على التعاطف والوجدان، إذ قال المؤلف: «نشير إلى أطروحة بسيطة متواضعة ينبغي ألا تكون موضوع خلاف كبير، ألا وهي أن الأخلاق لا تبدأ قبل أن يكون في إمكان الكائن أن ينظر إلى الكائن الآخر، لا بكونه وسيلة أو أداة يصنع بها ما يشاء، وإنما إنسانًا نقر بتكافئه معنا، فلا نتعامل معه بطريقة لا نقبلها لأنفسنا» (ص. 77). يبدو لي أن هذه الأطروحة تستعيد، بطريقة غير مباشرة، الأمر القطعي الكانطي القائل: اعمل دائمًا بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي أشخاص الآخرين بوصفها غاية، لا مجرد وسيلة. وإذا كانت هذه الاستعادة مطروحة للمناقشة، بما أن المؤلف انتهى إلى الدعوة إلى نوع من المصالحة بين الوجدان والعقل، فإن ما قاله بشأن مسألة غياب الإسناد إلى العقل، وأنها لا تزال تنتظر التحقق (ص. 50)، يبدو لنا أنه لا يستحضر شرطَي الضرورة والكلية، وهما – كما نعلم – أساس كل معرفة عقلية، ومنها، بالطبع، أخلاق الواجب. كما أنه من المعلوم أن كانط قد ربط بين الاحترام والواجب بما هو إرادة تظهر في القانون الأخلاقي، أو كما عبّر عن ذلك بقوله إن السلطة
الخاصة بالقانون، والشعور بالاحترام تجاهه، هما وجهان للعملة الواحدة.
وعملً على التأسيس الوجداني للكرامة بوصفها أساس الحقوق، استعان المؤلف بمفهوم الطبيعة الثانية (ص. 126)، والسؤال الذي يُطرح بخصوص هذا المفهوم هو: أليست هذه الطبيعة الثانية مجرد اسم لما نسميه «الثقافة»، وأنه بدلً من الحديث عن التقابل بين الطبيعة والثقافة، أصبحنا نتحدث عن طبيعة أولى وأخرى ثانية يظهر فيها ذلك الشعور المرتبط بالكرامة؛ ألا وهو الشعور بالإهانة الذي قال عنه المؤلف نفسه: «الإهانة مفهوم لا وجود له خارج سياق المجتمع والأفكار والثقافة»؟ (ص). 138 وهكذا، فإن الطبيعة الثانية، ليست بالضرورة امتدادًا للثانية، وما ينطبق على الأولى لا ينطبق بالضرورة على الثانية؛ بما أن الأولى تحكمها الضرورة، والثانية تحكمها الضرورة والحرية في الوقت نفسه. ثم إن ما عرضه في موضوع الاحترام، وبخاصة ما أجراه من ربط تأسيس فلسفي كما ذهب إليه هيغل، مستندًا إلى تأويل فوكوياما، يفرض علينا الإشارة إلى أن قضية الاعتراف – انطلاقًا من جدلية السيد والعبد – قد أثارت في الفلسفة السياسية والاجتماعية المعاصرة جدلً كبيرًا، وأسهمت في
تأسيس نظريات كثيرة حول الاعتراف، ولست أدري لماذا توقف رجا بهلول عند فوكوياما، تاركًا أعمالً فلسفية تأسيسية ومتميزة في هذا المجال، وأخص بالذكر على الأقل أعمال جملة من الفلاسفة المعاصرين؛ منهم بول ريكور في كتابه سيرة الاعتراف، وتشارلز تايلور في كتابه التعددية الثقافية، الاختلاف والديمقراطية،
(3) Paul Ricœur, Parcours de la reconnaissance , Collection Folio essais (no. 459),)Paris: Gallimard, 2004(. (4) Charles Taylor, Multiculturalisme: Différence et démocratie (Paris: Flammarion, 1994).
والفيلسوف الألماني آكسيل هونيث في كتابه الصراع من أجل الاعتراف. كما يطرح المؤلف في موضوع التعاطف في صلته بالشفقة (ص. 138)، مسألةً لا يمكن تجاهلها، ألا وهي مسألة النقد الكاسح الذي أجراه فريدريك نيتشه ضد هذه الأخلاق. وإذا كان مؤسسو الأخلاق الوجدانية الأوائل (روسو، وهيوم، وسميث) غير مطالبين بالنظر في ذلك النقد، بحكم الفارق الزمني، فإننا اليوم لا نستطيع، في تقديري، تجاهل ذلك النقد، وبخاصة أنه يقلب المسألة رأسًا على عقب. تسمح هذه الأسئلة العامة بفتح مجال المناقشة حول ما قدمه الباحث رجا بهلول، وتمكننا من تطوير منظور متوازن بين الطرح الوجداني والعقلي، سواء كان ذلك في موضوع الكرامة والحقوق، أو في التأسيس الأخلاقي في فكرنا العربي المعاصر. وفي هذا السياق، وجبت الإشارة إلى أن الفكر العربي المعاصر قد ناقش مسألة التأسيس الأخلاقي على الوجدان والانفعال، وأخص بالذكر، ما قدمه المفكر اللبناني عادل ضاهر في كتابه الأخلاق والعقل.
(5) Axel Honneth, La lutte pour la reconnaissance , Collection Passages (Paris: Editions Cerf, 2002).
ناقشنا هذا الموضوع بإسهاب، انظر: الزواوي بغورة، الاعتراف:
من أجل مفهوم جديد للعدل، دراسة في الفلسفة الاجتماعية (بيروت: دار الطليعة،.)2012 (((عادل ضاهر، نقد الفلسفة الغربية: الأخلاق والعقل (عمَّان:
دار الشروق للنشر والتوزيع، 1990)، «الفصل الثالث: النظرية الانفعالية»، ص.116–79
المراجع
العربية
الطليعة،.2012
ثم إن موضوع الكرامة، موضوع قديم أسهم في تأسيسه فلسفيًا بعض أعلام النهضة الأوربية
الحديثة؛ منهم يوحنا بيكو دولا ميراندولا. وأخيرًا، أود تقديم ملاحظتين من الناحية الشكلية.
تخص أولاهما المثال الذي استقاه من الغزالي، ولكنه اعتمد على الترجمة الإنكليزية مع أن نص الغزالي متوافر بتحقيقات كثيرة، ومع ذلك ثبته ضمن قائمة المراجع العربية (ص. 145). والثانية متعلقة بالمثال الذي أورده عن الشفقة والخاص بتصريح رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير، ومفاده أن في وسعها، كما تزعم، الصفح عن العرب الذين قتلوا أطفالً يهودًا، ولكنها لا تستطيع الصفح عنهم لأنهم أجبروها على قتل أطفال العرب. ألا يمكن الشك في هذا التصريح المتسم بالطابع الإنساني المفرط؟ ألا يمكن اعتباره مجرد خطاب موجه إلى الاستهلاك السياسي؟ ربما بسؤالنا عن حقيقة هذه المشاعر وصدقها، وكيفية استقبالها وتلقيها، نكون قد طرحنا من جديد، مسألة جدوى التأسيس الوجداني للأخلاق وجدارته على حساب العقل.
(((يوحنا بيكو دولا ميراندولا، مناظرة في الكرامة الإنسانية، تحقيق بيار شيزاري بوري، ترجمة آمنة جبلاوي، سلسلة ترجمات (تونس: الديوان للنشر،.)2012 (((يقول الغزالي: «على أنه في حقنا لا نسلّم أن ذلك غير متصور، فإنّا نفرض تمرتين متساويتين بين يدي المتشوق إليهما
العاجز عن تناولهما جميعًا، فإنه يأخذ إحداهما لا محالة، بصفة
شأنها تخصيص الشيء عن مثله» انظر: أبو حامد الغزالي،
تهافت الفلاسفة، تقديم وضبط وتعليق جيرار جهامي (بيروت: دار الفكر اللبناني، 1993) ص.50–49
References
بغورة، الزواوي. الاعتراف: من أجل مفهوم جديد للعدل، دراسة في الفلسفة الاجتماعية. بيروت: دار
ضاهر، عادل. نقد الفلسفة الغربية: الأخلاق والعقل. عمَّان: دار الشروق للنشر والتوزيع،.1990 الغزالي، أبو حامد. تهافت الفلاسفة. تقديم وضبط وتعليق جيرار جهامي. بيروت: دار الفكر اللبناني،
ماكنتاير، ألسدير. بعد الفضيلة: بحث في النظرية الأخلاقية. ترجمة حيدر حاج إسماعيل. مراجعة هيثم غالب الناهي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2013 ميراندولا، يوحنا بيك دولا. مناظرة في الكرامة الإنسانية. تحقيق بيار شيزاري بوري. ترجمة آمنة جبلاوي. سلسلة ترجمات. تونس: الديوان للنشر،.2012
الأجنبية
Honneth, Axel. La lutte pour la reconnaissance. Collection Passages. Paris: Editions du
Ricœur, Paul. Parcours de la reconnaissance. Collection Folio essais (no. 459). Paris:
Taylor, Charles. Multiculturalisme: Différence et démocratie. Paris: Flammarion, 1994.
Cerf, 2002.
Gallimard, 2004.