علم الجينوم من منظور إسلامي: التساؤلات العسيرة
Genomics from an Islamic Perspective: The Difficult Questions
الملخّص
يُعدّ علم الوراثة مجالًا حديثا نسبيًّا، أما علم الجينوم فهو مجال أحدث يشهد نموًا سريعًا جدًا، ولا تزال معاييره تشهد نقاشًا وشدًّا وجذبًا بين أهل المهنة. ولذا لا يثير دهشتنا أن نرى من لا يمتهنون علم الجينوم وهم يعانون ويكافحون في سبيل مواكبة أحدث التطورات في هذا العلم وما لها من انعكاسات وتبعات أخلاقية. ولا يمثل علماء الدين المسلمون استثناءً من هذه القاعدة، بل يفاقم من الفجوة المعرفية لديهم ندرةُ حصولهم على الفرصة لمناقشة التساؤلات الأخلاقية المثارة حديثًا مع خبراء رفيعي المستوى متخصصين في هذا الميدان الجديد المسمّى "علم الجينوم". ونظرًا إلى وزن الأحكام الدينية وتأثيرها في الجدل الأخلاقي الدائر بالبلاد الإسلامية، ووتيرة التطور الذي يشهده علم الجينوم واختراقه السريع لجوانب متزايدة من الصحة البشرية، فإن من الأهمية القصوى طرح نماذج إبداعية، تضمن مشاركة العلماء المسلمين في الوقت الملائم بعد حصولهم على معلومات كافية عن الخلفية العلمية ذات الصلة. وبناءً عليه، تستعرض هذه الورقة البحثية جوانب مهمة في علم الجينوم البشري تتعلق بالصحة والمرض، وتحاول تسليط الضوء على التساؤلات الأخلاقية المصاحبة لها، والتي نأمل أن تفضي إلى إطلاق نقاشات واسعة وطويلة المدى.
Abstract
Researcher at the genetics department, King Faisal Specialist Hospital and Research Centre, Riyadh, Saudi Arabia; Department of Surgery and Cellular Biology, Faculty of Medicine, Faisal University, Riyadh, Saudi Arabia.
- علم الوراثة
- علم الجينوم
- سؤال الأخلاق
- Genetics
- Genomics
- Ethics
- Islamic Perspective
- Infectious Diseases
- Genetic Diseases
Genomics from an Islamic Perspective:
The Difficult Questions
سريعًا جدًا، ولا تزال معاييره تشهد نقاشًا وشدًّا وجذبًا بين أهل المهنة. ولذا لا يثير دهشتنا أن
نرى من لا يمتهنون علم الجينوم وهم يعانون ويكافحون في سبيل مواكبة أحدث التطورات في هذا العلم وما لها من انعكاسات وتبعات أخلاقية. ولا يمثل علماء الدين المسلمون استثناءً
من هذه القاعدة، بل يفاقم من الفجوة المعرفية لديهم ندرةُ حصولهم على الفرصة لمناقشة التساؤلات الأخ قااية المثارة حديثًا مع خبراء رفيعي المستوى متخصصين في هذا الميدان الجديد المسمّى «علم الجينوم». ونظرًا إلى وزن الأحكام الدينية وتأثيرها في الجدل الأخلاقي
الدائر بالب داا الإس مااية، ووتيرة التطور الذي يشهده علم الجينوم واختراقه السريع لجوانب متزايدة من الصحة البشرية، فإن من الأهمية القصوى طرح نماذج إبداعية، تضمن مشاركة العلماء المسلمين في الوقت الملائم بعد حصولهم على معلومات كافية عن الخلفية العلمية ذات الصلة. وبناءً عليه، تستعرض هذه الورقة البحثية جوانب مهمة في علم الجينوم البشري
تتعلق بالصحة والمرض، وتحاول تسليط الضوء على التساؤلات الأخ قااية المصاحبة لها، والتي نأمل أن تفضي إلى إطلاق نقاشات واسعة وطويلة المدى.
التشريح وبيولوجيا الخلية، كلية الطب، جامعة الفيصل، الرياض، المملكة العربية السعودية.
developments and their ethical consequences. Muslim religious scholars are no exception to this general rule – indeed, their lack of knowledge is worsened by the lack of opportunities to discuss the ethical questions raised by the field with high–level specialist experts. Given the weight of religious rulings and their influence in ethical debates in Islamic countries, the fast pace of developments in the field of genomics, and the latter’s increasing relevance to human health science, it is of great importance to develop innovative models to incorporate Muslim scholars’ opinions when appropriate and after they acquire sufficient information about the related scientific background. This paper thus presents important aspects of genomics pertaining to health and sickness, and tries to cast light on the accompanying ethical questions that it is hoped will lead to broad and long–term discussions starting with the seminar held by the Research Centre for Islamic Legislation and Ethics.
مقدمة
يحتوي الجسم البشري نحو 80 عضوًا، تتشكل مما يزيد على 30 تريليون خلية، إلى جانب 04
تريليون خلية ميكروبية أخرى تعيش علينا وداخلنا. وعلى الرغم من وجود 200 نوع مختلف على الأقل من أنواع الخلايا، فإنها تشترك جميعًا في التصميم الأساسي، وهو عبارة عن غشاء يحيط بمادة جيلاتينية يوجد داخلها النواة وعُضيّات أخرى تؤدي كلٌّ منها مجموعة محددة من الوظائف،
إضافةً إلى عدد لا يحصى من «روبوتات» البروتين المتناهية الصغر التي تنفذ مهمات في غاية التعقيد بتناغم تامّ (الاستتباب أو الاتزان الفسيولوجي). ويمكن القول على سبيل التعمق إن جميع مكونات الجسم البشري، حتى المكونات دون الخلوية غير المرئية، بمنزلة «الأجهزة» التي جرى ترميزها باستخدام «البرمجيات» التي تمثلها المواد الوراثية في الحمض النووي. وقد تعجب الفلاسفة والعلماء والأطباء على حد سواء من بدائع تصميم الجسم البشري وخواصه، فإذا كانت هذه هي مجرد الأجهزة، فلا غرو أن تثير البرمجيات المستخدمة لبنائها قدرًا مماثلً من الإعجاب على أقل تقدير. يتكون الحمض النووي من سلسلة قواعد نيتروجينية تستند إلى دعامة من السكر والفوسفات. ويوجد أربعة أنواع رئيسة للقواعد النيتروجينية (أدينين، وثيمين، وغوانين، وسيتوزين، أو A و T و G و C)؛ ويمكن النظر إلى ترتيبها على جديلة الحمض النووي باعتبارها «كودًا» يتكون من A و T و G و C، ويوازي الكود 0 و 1 المستخدم في برمجة الكمبيوتر. وعلى وجه التحديد، تشكل كل ثلاثة «أحرف» ما يسمى «رامزة» تقوم بالترميز لحمض أميني معيّن. وتعدّ الأحماض الأمينية لبنات بناء البروتينات. وعلى
غرار الحمض النووي، يحدد الترتيب الخطي للأحماض الأمينية التكوين النهائي للبروتينات. ويعتبر استنباط «سلسلة» البروتين من سلسلة الحمض النووي أمرًا مباشرًا، أما توقع تكوينه ووظيفته النهائية
فيظل من أكثر المهمات هولً في البيولوجيا الحاسوبية. ونحن نعرف، استنادًا إلى عدة تجارب رائدة (منها التوليف الكامل لحمض نووي لأحد الكائنات الحية الدقيقة في المختبر واستخدامه لاستبدال هوية كائن حي دقيق آخر على نحو كامل)، أن كل سمة بدنية للحياة جرى ترميزها عن طريق الحمض النووي. ولكننا لا نزال نفتقر إلى المعرفة المفصلة بكيفية الربط بين كل مكون في تركيب الخلية ووظيفته بمقاطع محددة في الحمض النووي. وقد تمكن الرواد الأوائل في مجال الوراثة من استخدام الأدوات المحدودة المتاحة في زمانهم لإظهار التأثير الملحوظ للجينات في السمات المرئية بدراستهم لكل جين على حدة. كان هذا التوجه وليد الضرورة وليس الاختيار؛ لأنّ التكنولوجيا المعيارية المتاحة في زمانهم، والتي تتضمن التكنولوجيا التي استخدمت لقراءة الحمض النووي البشري كاملً في مشروع الجينوم البشري، لم يكن في إمكانها إلا تحديد تسلسل نتفة ضئيلة من الحمض النووي لكل تفاعل تسلسلي. وكان على النظرة الشاملة إلى المادة الوراثية بكاملها أن تنتظر حتى تتمكن التكنولوجيا من إنتاج التسلسل الكامل لجينوم كائن حي، على نحو سريع ومنخفض التكلفة. وفيما يخص الإنسان، كان ذلك بمنزلة الإعلان
(1) Cf. D. G. Gibson et al., «Creation of a Bacterial Cell Controlled by a Chemically Synthesized Genome,» Science , vol. 329, no. 5987 (2010), pp. 52–56.
عن بروغ فجر «علم الجينوم البشري» الذي يُعدّ مجالً شديد التسارع، وقد تطور سريعًا من كونه
مشروعًا دوليًا كان يستهدف مجرد التوصل إلى تسلسل الجينوم البشري إلى حق امتياز اخترق بسرعة
جميع مجالات الطب على مستوى الأفراد والجماعات. ولكن ليست جميع جوانب علم الجينوم البشري مستعدة بعدُ لتسليط الأضواء الإعلامية عليها. ولعل من الأمثلة الدالة على ذلك أننا لم نمتلك حتى الآن فهمًا جيدًا للعوامل الوراثية التي تؤثر في
«السمات المعقدة». ونعني بذلك السمات (البدنية، والكيميائية الحيوية، والباثولوجية، وما إلى ذلك) التي تمثل التشابك المعقد بين «البرمجيات»؛ أي تسلسل الحمض النووي ذاته، والعوامل الإضافية التي تراوح من الطريقة التي ينتظم بها الحمض النووي، وينضبط ماديًّا، إلى الهواء الذي
نتنفسه ومقدار ما نؤديه من تمارين رياضية (البيئة). ونحن على دراية بأن حدوث تغييرات في البرمجيات يؤثر في استعدادنا للسمات المعقدة، مثل خطر الإصابة بالسكري، ولكن نادرًا ما تكون
هذه التغييرات كافية للتسبب المباشر في حدوثها. وبعبارة أخرى، لا تستطيع حتى أكثر توجهاتنا «العلمية» تطورًا التنبؤ بتطور سمات معقدة، بأي قدر من اليقين لدى الأغلبية العظمى من البشر.
وأفضل ما يمكنها فعله لا يتعدى إمداد الأفراد بخطر احتمالي مقارنةً بمتوسط الخطر لدى السكان؛ أي على سبيل المثال زيادة معدل خطر الإصابة بالسكري بنسبة 10 في المئة أعلى من متوسط الخطر لدى السكان. وحتى في هذه الحالة، أوضحت دراسات حديثة أن تعديل الخطر البيئي يستطيع التأثير على نحو بليغ في الخطر النهائي للإصابة بأمراض معقدة، حتى لدى من يوجد لديهم استعداد وراثي مرتفع. فعلى سبيل المثال، توصلت دراسة رائدة أجريت مؤخرًا، وشارك فيها أكثر من
50 ألف فرد، إلى أنه على الرغم من ارتفاع خطر الإصابة بمرض الشريان التاجي بنسبة 91 في المئة لدى الأفراد أصحاب أعلى نسبة خطر وراثي، فإن التزام أسلوب حياة صحي (الامتناع عن التدخين، والتمتع بوزن صحي، وممارسة التمارين الرياضية بانتظام، واتباع نظام غذائي صحي) صاحبه انخفاض هائل في خطر الإصابة بالمرض لدى هؤلاء. وعلى الرغم من مسؤولية السمات المعقدة عن معظم الأمراض التي يواجهها الطبيب العام على مدار حياته المهنية، فإن علم الجينوم البشري وجد بالفعل مكانًا لنفسه في العديد من المجالات الطبية. وأحد هذه المجالات هو الأمراض المندلية التي تحدث الإصابة بها مباشرة نتيجة عوامل خلل في البرمجيات (كان يطلق عليها في السابق مصطلح طفرات، أما اليوم فيشار إليها بالمتغيرات المسببة للمرض). وعلى الرغم من ندرة معظم الأمراض المندلية، فإنها تمثل – من حيث هي مجموعة – حصة لا يستهان بها من إجمالي عدد المرضى، خاصة في المجموعات العمرية للأطفال. كما يزيل علم الجينوم البشري صفةَ التخمين التي كانت تشوب إجراءات التشخيص الخاصة بالمرضى الذين كانوا تحت رحمة معرفة طبيبهم السريري بالأمراض الشديدة الندرة التي أصيبوا بها. وهكذا بات
(2) Cf. A.V. Khera et al., «Genetic Risk, Adherence to a Healthy Lifestyle, and Coronary Disease,» New England Journal of Medicine , vol. 375, no. 24 (2016), pp. 2349–2358.
المرضى يخضعون لفحص واحد لكامل الجينوم لتحديد المتغير المسبب للمرض الذي أدى إلى الإصابة بالمرض، حتى لو كان الطبيب نفسه لم يسمع بالمرض؛ ما يعني أن علم الجينوم البشري قد أحدث ثورة في مجال تشخيص المرض لدى هؤلاء المرضى، بل يمكن إخضاع الأفراد للاختبار حتى قبل ظهور هذه الأمراض لديهم؛ ما يعني حلول عصر جديد للطب التنبئي. اخترق هذا التطبيق الجديد لعلم الجينوم البشري سريعًا مجال التشخيص أثناء الحمل؛ فأضحى إجراء فحص لجينوم الجنين، بحثًا عن مجموعة كبيرة من الأمراض، من الإجراءات الروتينية في أنحاء كثيرة من العالم. كما شهد مجال السرطان أيضًا ثورة حقيقية بفضل علم الجينوم البشري؛ حيث يستطيع مرضى السرطان اليوم الحصول على تشخيص أدق، وكذلك تلقي علاج أكثر خصوصية للأورام التي أصيبوا بها. ويستطيع الأطباء كذلك، بفضل علم الجينوم البشري، تجنب التخمين عند اختيار الأدوية التي يفترض أن تؤتي أكُلَها في عدد متزايد من الحالات، وكذا تفادي وصف أدوية قد تؤدي إلى حدوث آثار جانبية مضرة. صحيحٌ أننا بتنا نجني فوائد «قراءة» الجينوم البشري، غير أن هناك إمكانات هائلة ل «كتابة» بعض
جوانبه، أي تعديل الجينوم من أجل منع الأمراض وعلاجها. فعلى سبيل المثال، تم إثبات سلامة وفاعلية «تعديل» الجينوم البشري لخلايا المناعة الخاصة بالمرضى المصابين بعدوى فيروس نقص المناعة البشرية المكتسب؛ لكي تتمكن خلايا المناعة من مقاومة الفيروس. وإضافة إلى ذلك، ظهرت عدة دراسات تستفيد من «تعديل» الجينوم البشري لخلايا المناعة لدى مرضى السرطان؛ لكي تجعل هذه الخلايا أكثر فاعلية في مقاومة السرطان، ولمنعه من العودة. تمثل بعض التطورات الطبية المذكورة آنفًا نقلة نوعية حقيقية، بينما يمكن وصف بعضها الآخر بأنها «معرقلة»؛ لأنها تعمل بالفعل على قلب أصولٍ راسخة في أسلوب ممارسة الطب. ومن شأن هذه التغيرات العميقة والشديدة السرعة أن تثير تساؤلات (على شاكلة «أهذا صحيح أم خاطئ؟») يناقشها عادةً علماء الأخلاق والجهات المعنية الأخرى. لطالما حرص العلماء المسلمون على استشارة الأطباء عند تقديم توصيات للمسلمين على مدار التاريخ الإسلامي؛ غير أن الطب الحديث طرح قضايا جديدة تمامًا اضطرّت العلماء المسلمين
المعاصرين إلى النظر فيها من دون الاستعانة بهدي من سبقوهم ولم يسبق لهم مواجهة هذه القضايا. فعلم الجينوم البشري يزخر بمجموعة خاصة من التحديات الأخلاقية. ومن منطلق أن المسلمين يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على فتاوى العلماء المسلمين عند مناقشتهم القضايا الأخلاقية، فلا بدّ من
مناقشة التحديات الأخلاقية (الحقيقية والمتوقعة) التي تصاحب تطور علم الجينوم البشري في مجال
(3) Cf. P. Tebas et al., «Gene Editing of CCR5 in Autologous CD4 T Cells of Persons Infected with HIV,» New England Journal of Medicine , vol. 370, no. 10 (2014), pp. 901–910.
(((من أجل مطالعة استعراض جيد لهذا الموضوع تحت عنوان «العلاج المناعي»، انظر:
R. H. Rouce et al., «Recent Advances in T–cell Immunotherapy for Haematological Malignancies,» British Journal of Haematology , vol. 176, no. 5 (2017), pp. 688–704.
الطب في الوقت الملائم مع الخبراء في هذا المجال، لكي يستطيعوا تقديم توصيات مستنيرة. وفيما يلي قائمة بالتطبيقات المختلفة لعلم الجينوم في الطب وما يصحبها من قضايا أخلاقية.
أولا: الأمراض الأحادية الجين (المندلية)
على الرغم من أن هذه الفئة هي التي تخطر على البال عندما يتحدث المرء عن الأمراض الوراثية، فإنه من المهم تأكيد وجود دور للوراثة في جميع الأمراض تقريبًا؛ ولذلك من الأجدى الإشارة إلى الأمراض
التي تتسبب فيها طفرات جينية أحادية بصفة مباشرة، باعتبارها أحادية الجين (تعرف كذلك باسم المندلية) إذا أردنا تحري الدقة. تراوح هذه الأمراض في شدتها من شديدة الحدّة، مثل الأمراض المسببة للوفاة أثناء الحمل، إلى شديدة اللطف مثل عدم وجود بصمات الأصابع؛ وتعدّ بعض هذه الأمراض شديدة الندرة إلى درجة أن المرضى ينتقلون عادةً من طبيب إلى آخر حتى يعثروا على طبيب يعرف هذا المرض تحديدًا. وعلاوة على ذلك، لا يندر وجود جينات كامنة غير معروفة لهذه الأمراض؛ أي حتى لو تم التشخيص السريري السليم للمرض، فلا يوجد تحليل وراثي متاح. تغيّر كل ذلك مع دخولنا عصر علم الجينوم البشري؛ إذ أدى تسلسل الجينوم بالكامل إلى إتاحة
تشخيص حالات هؤلاء المرضى على نحو أكبر، حتى لو لم يستطع أطباؤهم القيام بالتشخيص الملائم، كما يمكن الآن تحديد حالة «الناقل» لأي مرض وراثي. ونظرًا إلى أن العديد من الأمراض
الوراثية لا تحدث إلا إذا تزاوج رجل ناقل مع سيدة ناقلة، فإنّ هناك إمكانًا كبيرًا لتفادي الأمراض
الوراثية، خاصة بين المجموعات السكانية التي ينتشر فيها زواج الأقارب؛ لأن هذا النوع من الزواج يزيد فرص نقل الوالد والوالدة للطفرة نفسها المسببة للمرض. وتثار بشأن الأمراض الأحادية الجين التساؤلات الأخلاقية التالية: 1. يستطيع التحليل الجينومي الكشف عن معلومات لم يكن التحليل يقصد كشفها. فعلى سبيل المثال، يستطيع الكشف عن الاستعداد للإصابة بالسرطان أو النوبات القلبية المميتة؛ فهل يجب حينئذ إطلاع المرضى على هذه «النتائج الثانوية»؟ 2. تعدّ العديد من الأمراض أحادية الجين من أمراض الأطفال في بداية ظهورها. فما مقدار المعلومات الذي يحق للآباء والأمهات الحصول عليه عند خضوع الأطفال للتحليل؟ وهل يحق لهم معرفة «النتائج الثانوية» حتى لو اقتصر أثرها على الطفل بعد وصوله إلى مرحلة البلوغ والاستقلال التام؟ 3. أثناء تشخيصٍ لأحد الأطفال متمثّل بحالة مرضية وراثية ناتجة من طفرة أسرية، فإن ذلك يُعَدّ فرصة لمنع ظهورها لدى أفراد آخرين في الأسرة لم يكونوا يعرفون بحالة «الناقل» لديهم. ويمثل إبلاغ الأقارب
(((جرت مناقشة هذه القضايا الأخلاقية أثناء الندوة الدولية التي نظمها مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق، خلال الفترة 5–3 نيسان/ أبريل 2017، بالدوحة، قطر.
بهذه المعلومات المهمة خلافًا بين الرغبة في إفادتهم وحق المريض ووالديه في الخصوصية؛ فكيف يمكن حل هذا الخلاف من منظور أخلاقي إسلامي؟
ثانيًا: التشخيص قبل الولادة
حتى وقت قريب، لم يكن يمكن معرفة إصابة الأجنّة بأمراض خطِرة إلا عن طريق مشاهدة الجنين باستخدام «تصوير الأمواج فوق السمعية» («السونار») و«التصوير بالرنين المغناطيسي»، وهما وسيلتان تقدمان الإجابات بعد فوات الأوان أثناء الحمل. أما اختبارات الفحص باستخدام الواسمات في دم الأم، فهي محدودة الحساسية والتحديد. ولا يمكن الحصول على التشخيص الحاسم، إلا بالتحليل المباشر لأنسجة الجنين عن طريق استخدام تقنيات باضعة تمثل مخاطرة حقيقية – ولو ضئيلة – متعلّقة بفقدان الحمل. وعلى الرغم من معرفتنا، منذ عقود طويلة، أنه يمكن الحصول على الحمض النووي للطفل من دم الأم، فإنه لم يكن ممكنًا إدراك الإمكانات الهائلة التي تتيحها هذه الظاهرة الطبيعية أمام التشخيص غير الباضع أثناء الحمل، لأننا كنا نفتقر إلى التكنولوجيا التي تتيح لنا فهم هذا الحمض النووي المبعثر على نحو كبير في الدورة الدموية للأم. ولكن مع ظهور علم الجينوم، يمكننا الآن اختبار الحمض النووي للجنين الذي يتسرب إلى الدورة الدموية للأم، ومن ثمّ البحث عن مجموعة كبيرة من الأمراض بداية من الأسبوع العاشر للحمل (الأسبوع الثامن بعد التخصيب تقريبًا) بدرجة عالية من الدقة والتحديد (تبلغ نحو
99.9 في المئة). وتثار بشأن التشخيص قبل الولادة التساؤلات الأخلاقية التالية: 1. على الرغم من شيوع إجراء التحليل في البلدان الإسلامية ذات الدخل الأعلى على نحو متزايد، فإنه لم ينجح سوى في طرح القضية الشائكة لرأي الشريعة الإسلامية في الإجهاض الطبي. ولذلك تؤكد مجتمعات أهل الاختصاص ضرورة تأكيد نتائج التحليل الإيجابي، الذي يتم بواسطة تسلسل الجينوم غير الباضع لدى الأم، قبل مطالبة الزوجين بالاختيار. ولكن حتى عندما يتأكد التشخيص من دون وجود أي شكٍ معقول، فإن غياب المبادئ التوجيهية القانونية والدينية الواضحة في العديد من البلدان الإسلامية أجبر كثيرًا من الأزواج والزوجات على اللجوء إلى عيادات الإجهاض غير المنظمة، على
الرغم من المضاعفات التي قد تصل إلى حد وفاة الأم. ولذا وجب الحصول على توجيهات واضحة من المشاركين في الندوة حول هذا الموضوع تحديدًا. فعلى سبيل المثال، تختلف آراء العلماء اختلافًا كبيرًا حول نوع الأمراض الجنينية التي تبرر الإجهاض
حتى خلال أول 120 يومًا بعد الإخصاب. ويصرّ بعضهم على وجوب أن يكون المرض مميتًا، بينما
يحسب آخرون حسابَ المعاناة الرهيبة التي يجلبها المرض إلى الجنين، أو الوالدين، أو كل منهم.
ويتجلى ذلك في أوضح صوره في حالة الإعاقة الذهنية، فهذه الحالة لا تسبب الوفاة ولا تحدث ألمًا
بدنيًّا، ولكن المعاناة النفسية للوالدين قد تكون رهيبة. ومن المحبط هنا أن يدلي بعض علماء الدين
بتعليقاتٍ تبدو غير عابئة بالمعاناة النفسية؛ لأنهم لم يتعاملوا شخصيًّا مع أسر لديها أطفال مصابة بهذه
الأمراض، ونأمل أن يؤدي عرض بعض القصص الواقعية على المشاركين في ورشة العمل إلى مساعدتهم في تقدير ما يوجد على المحك عند مناقشة قضية الإجهاض الطبي.
2. يعدّ اختيار جنس الجنين مصدرًا آخر للقلق، إذ تفضل المجتمعات ذات السيادة الذكورية إنجاب
الذكور؛ ولذا من المقلق أن ينهي الزوجان الحمل بسبب جنس الجنين لا أكثر. 3. يخشى الكثيرون من المنحدر الزلق لتدخل علم الجينوم في التشخيص أثناء الحمل. فالتكنولوجيا تتيح حاليًا تشخيص الأمراض الحادة، ولكنها تستطيع من حيث المبدأ تشخيص جميع الأمراض
الوراثية، بما في ذلك الاختلافات العادية التي لا تعدّ أمراضًا. فهل يحق للوالدين معرفة كل هذه المعلومات عن طفلهما المستقبلي؟ وما وجهة النظر الإسلامية بخصوص حق الجنين في الاستقلالية؟.4 عند تحليل جينوم الجنين، يمكن كذلك اكتشاف أورام لدى الأم عن غير قصد. وقد يمثل ذلك فرصة للتدخل المبكر لعلاج الأورام لدى الأم، لكنه يمثل كذلك تحديًا أخلاقيًّا من حيث إخراج نتيجة
للتحليل لم تكن مستهدفة في الأصل. 5. على خلاف التحاليل الطبية الأخرى، قد يكشف التسلسل الجينومي حتى في سياق الأمراض المندلية المباشرة نتائج غير واضحة. فعلى سبيل المثال، بينما قد ينتج من تغير التسلسل توقع تغير حاد في البروتين، فإن بعض التغيرات تمثل تحدياتٍ أكبر كثيرًا؛ لأن التغير المتوقع في البروتين لا يمكن
الحكم بكونه مَرضيًا أم غير مرضيٍّ. وتزداد التحديات عندما يرتبط ما يبدو كأنه تغير مرضي بجين
«جديد»، أي جين من آلاف الجينات التي لم يعرف عنها حتى الآن تسببها في أمراض بشرية. ويفتح هذا الباب أمام إمكان تأثر الجنين بمرض مدمر أو أن يكون طبيعيًّا تمامًا. أيكون لزامًا وجود اليقين
لاتخاذ قرار الإجهاض أم يمكن بناء القرار على الاحتمالية؟ وفي الحالة الثانية، ما الاحتمالية التي تعتبر مقبولة من منظور الفقه الإسلامي؟
ثالثًا: التشخيص الوراثي السابق للانغراس
عندما يُعرف عن زوجين أنهما معرضان لخطر إنجاب طفل مريض، ولا يرغبان في القيام بالتشخيص
أثناء الحمل، نظرًا إلى أسباب عديدة منها تفادي الإجهاض، يمكن في هذه الحالة تقديم التشخيص
الوراثي السابق للانغراس. وتطابق هذه العملية التلقيح الصناعي، ولكنها تشتمل على خطوة إضافية حيوية هي اختبار البييضات الملقحة للتخلص من تلك التي قد ينتج منها جنين مريض. من الناحية التاريخية، كان يمكن اختبار وجود مرض واحد أو أمراض قليلة جدًّا كل مرة، ولكن مع حلول عصر علم الجينوم، أصبح من الممكن – نظريًّا – تحليل الجينوم كاملً؛ بحثًا عن أي مرض
وراثي. وفضلً عن ذلك، بات من الممكن اليوم «زراعة» المادة النووية للحمض النووي من الوالدين البيولوجيين في بييضة بديلة غير ذات صلة تم تفريغها من نواتها، سعيًا لضمان عدم حمل الجنين لأي
من المكونات الخلوية المعيبة في بييضة الأم (خاصةً المُتقَدِّرَات)؛ ما يعدّ في يومنا هذا الخيار الوحيد
لمنح هؤلاء الأمهات فرصة إنجاب طفل يتمتع بصحة جيدة. وتُثار بشأن التشخيص الوراثي السابق للانغراس التساؤلات الأخلاقية التالية: 1. هل يحق للزوجين اختيار نوع البييضات الملقحة التي يتم نقلها؟ وإن كانت الإجابة «نعم»، فعلى أي أساس؟ وإن كانت «لا»، فلماذا؟
2. عندما يكون هذا التحليل مدعومًا من الحكومة، أيكون من الأخلاقيّ عرض هذه العملية على
الزوجين اللذين أنجبا بالفعل طفلً يتمتع بصحة جيدة أو أكثر، أم يجب توجيه الموارد أولً نحو من لم ينجبوا أطفالً أصحاء على قيد الحياة؟ 3. على غرار التشخيص أثناء الحمل، هل يحق للوالدين معرفة كل هذه المعلومات عن طفلهما المستقبلي؟ وفي هذه الحالة، ما هي وجهة النظر الإسلامية بخصوص حق الجنين في الاستقلالية؟.4 ما المنظور الإسلامي حول إنجاب طفل مادته الوراثية النووية مستمدة من الوالدين البيولوجيين، ومُتقَدِّراته مأخوذة من شخص غير ذي صلة؟ صحيحٌ أن الطفل الناتج من هذه العملية يحمل مادة الحمض النووي من ثلاثة أفراد (الوالدان البيولوجيان، والمتبرعة بالبييضة البديلة)، إلا أن مادة الحمض النووي المأخوذة من المتبرعة بالبييضة البديلة (الحمض النووي المتقدري) بحسب ما هو معروف لا تساهم في أي شيء بيولوجيًّا عدا مساعدة المُتقَدِّرَات على تأدية وظائفها على نحو سليم. ومن
الأسئلة المرتبطة بذلك: بما أنه لا يمكن إلا للإناث نقل مُتقَدِّرَاتها (مع الحمض النووي المتقدري) إلى أطفالها، فهل يجعل ذلك الأمر أكثر قبولً من الناحية الإسلامية، إذا اقتصرت هذه العملية على اختيار المواليد الذكور؛ بحيث لا ينتقل الحمض النووي المتقدري «المزروع» إلى أي فرد آخر في ذريته؟
رابعًا: علم جينوم السرطان
درج المختصون تقليديًّا على تصنيف السرطان بحسب ظهوره الميكروسكوبي، ليتبع ذلك الخضوع لبروتوكولات من أجل العلاج الكيميائي والإشعاعي، وينصح بذلك بحسب نوع السرطان ومرحلة تطوره. ومن المعروف منذ فترة طويلة أن هذا التوجه «المناسب للجميع» يعتبر محدودًا؛ نظرًا إلى عدم استجابة كثير من المرضى للبروتوكول «المعياري». أما اليوم، فيتيح التحديد النمطي الجينومي توفير توصيفٍ أدق كثيرًا للورم، كما يتيح ترشيح أنواع علاج بالغة التخصص. وأكثر من ذلك، يسمح علم الجينوم بدرجة أعلى من الدقة والحساسية في الكشف عن عودة الورم، فضلً عن وجود إمكانات كبيرة لاستخدام علم الجينوم في مراقبة الأشخاص الأصحاء أنفسهم للكشف عن الإشارات الأولى لتطور السرطان. وتثار بشأن علم جينوم السرطان التساؤلات الأخلاقية التالية: 1. يثير علم جينوم السرطان مخاوف الكثيرين فيما يخص المساواة. وحاليًا لا تستطيع إلا كبرى المراكز
في البلدان الغنية تحمّل تكلفة التحديد النمطي الجينومي والعلاج الشخصي بسبب تكلفتهما المرتفعة. أما في البلدان التي تم فيها تطبيق اشتراكية الطب، فكيف ينظر الإسلام إلى التزام الحكومة بتوفير هذه الخيارات التشخيصية والعلاجية هائلة التكلفة، على الرغم من كونها أكثر فاعلية لقطاع أشدّ تأثيرًا في المجتمع دون غيره من القطاعات الأخرى، أو التفرقة بين المجموعات المختلفة مثل «المواطنين» و«المقيمين»؟
(((يتعين الإشارة هنا إلى أن مصطلح «الأطفال المولودون من ثلاثة أشخاص» يُعتبر أمرًا مضللً عند مناقشة هذه القضية.
2. على الرغم من توجيه معظم التركيز على علم جينوم السرطان إلى التصنيف السليم للسرطان وإضفاء الطابع الشخصي على العلاج، يجب ملاحظة أن علم الجينوم ينطبق على الوقاية الأولية من السرطان أيضًا. ويتجلى ذلك في مجال اختبار القابلية الوراثية للإصابة بالسرطان. وعلى الرغم من وجود عدد متزايد من الطفرات يعرف عنها التنبؤ بحدوث السرطان، فإن معدل الخطر نادرًا ما يصل إلى 100 في المئة. ونظرًا إلى جسامة القرارات القائمة على هذا التحليل، مثل الاستئصال الاحترازي الكامل للثديين
والمبيضين في حالة اكتشاف الطفرتين 1 BRCA و 2 BRCA، فما وجهة النظر الأخلاقية الإسلامية بخصوص اعتماد هذه المشكلات الصحية الكبرى على احتمالات متفاوتة وليس على اليقين الكامل؟
خامسًا: صيدلة الجينوم
لطالما عرف الأطباء أن جميع الأدوية لا تؤثر في جميع الأشخاص تأثيرًا متساويًا، وأن الآثار الجانبية
تحدث لمجموعة محدودة ممن يستعملون الدواء فقط. لكن علم الجينوم وسّع كثيرًا حصيلتنا من
المتغيرات الجينية التي تؤثر في طريقة تفاعل أجسامنا مع تعرضها للأدوية. وتثار بشأن صيدلة الجينوم التساؤلات الأخلاقية التالية: • بدأت بعض البلدان في إلزام الأطباء بإخضاع مرضاهم لتحاليل من أجل تحديد إمكان إصابتهم بآثار جانبية خطِرة. فكيف ينظر الإسلام إلى ذلك في سياق «لا ضرر»؟ وهل يكون من عوامل التوصل إلى رأي في هذا الموضوع حقيقة أن علم الجينوم يقدم أفضل وسيلة لتوقع الآثار الجانبية حتى الآن، مقارنة بالأدوات التقليدية للفحص؟
سادسًا: الأمراض المعدية
تشخص الأمراض المعدية حاليًا عن طريق وضع السوائل البدنية المناسبة في مزارع من أجل
الحصول على الكائنات الحية الدقيقة المسببة للمرض (العامل المُمرض). ولا تعتبر هذه الطريقة بأي حال من الأحوال حديثة، كما أنها لم تتغير فعليًّا منذ بدايات الطب الحديث. وتعتبر هذه
الطريقة بطيئة وغير عملية أحيانًا؛ حيث يصعب نمو العوامل الممرضة، أو الوصول إلى الأنسجة المصابة، وما إلى ذلك. ولذا، يعدّ علم الجينوم البيئي (وهو تقنيًّا ليس علم جينوم الإنسان، ولكنه
يناقش هنا في سياق علم الجينوم الطبي عمومًا) مجال دراسة جينوم الكائنات الحية في البيئة، بما في ذلك تلك التي تعيش في الجسم البشري. ويجدر هنا ملاحظة أن جميع الكائنات الحية المسببة للأمراض لا تُعتبر غريبة عن الجسم البشري، وأن كثيرًا من الأمراض يمكن أن تحدث بسبب
الكائنات الحية التي تعتبر جزءًا من الجسم البشري في الأوضاع الطبيعية (تعرف كذلك باسم
«ميكروبيوم»). كما يعدّ تسلسل جينوم الكائنات الحية الدقيقة في سوائل الجسم أدق وأسرع كثيرًا
في التوصل إلى تشخيص، فضلً عن اقترابنا كثيرًا من أجهزة «نقاط الرعاية» التي تسمح للأطباء
بتحديد الكائن الحي المسبِّب أثناء زيارة المرضى لعياداتهم. ويثار بشأن الأمراض المعدية التساؤل
الأخلاقي التالي:
• يعدّ علم الجينوم البيئي ناجع الفاعلية في تحديد مصدر سلسلة الانتقال في حالات تفشي العدوى؛ ما يعتبر ضروريًّا لاحتواء العدوى. فهل توجد أي قواعد إسلامية تنطبق على ذلك؟
سابعًا: تعديل الجينوم
لا يعتبر تعديل الحمض النووي من المفاهيم القديمة، كما يشكل قاعدة الانطلاق نحو تكنولوجيا الحمض النووي المأشوب والهندسة الحيوية. ولكن ظهرت، منذ عدة أعوام، تكنولوجيا جديدة تسمى CRISPR–Cas9» « وفتحت المجال أمام عصر جديد من تعديل الجينوم؛ نظرًا إلى كفاءتها ونجاعتها
العالية، إلى جانب سهولتها وتيسرها نسبيًّا. بعبارة أخرى، في حين كانت التقنيات السابقة صعبة جدًا
ومعدلات نجاحها متدنية، فإن نظام CRISPR–Cas9» « أسهل كثيرًا في الاستخدام ومعدلات نجاحه
أعلى كثيرًا. ومما يستحق الذكر هنا أن هذه التقنية آلية دفاعية تقوم بها البكتيريا لمقاومة الفيروسات
بصفة طبيعية؛ إذ يشمل جينوم البكتيريا على عناصر تشبه كثيرًا ما يقابلها لدى الفيروسات. ولكن هذه
العناصر تنفصل على مراحل منتظمة عن طريق عناصر تسلسل أخرى. و CRISPR–Cas9» « البكتيري هو إنزيم طبيعي يقطع الحمض النووي ويتعرف إلى هذه العناصر في الفيروسات، غير أنّ البكتيريا نفسها محمية بسبب هذه العناصر المبعثرة على نحو فريد في الجينوم البكتيري. وتكمن الإمكانات البارزة في هذا النظام الطبيعي في إمكان تعديله، لكي يُزرع باعتباره أداة لتعديل الحمض النووي،
يمكن التحكم فيها بدقة، وتوجيهها لتعديل هدفها بتحديد فائق. وقد تمّ إنتاج كثير من النماذج الحيوانية باستخدام هذه التكنولوجيا، وتجري التجارب السريرية على قدم وساق لاختبار مدى أمان هذه التكنولوجيا وفاعليتها في علاج الأمراض البشرية. وتثار بشأن تعديل الجينوم التساؤلات الأخلاقية التالية: • في حين ينظر معظم الممتهنين للمجال إلى تعديل الجينوم لمعالجة الأمراض باعتباره مسعى مشروعًا، يكاد يُجمع الكل على أن تعديل الجينوم بطريقة متوارثة يعتبر غير أخلاقي، حتى لو كان
غرضه الوحيد معالجة الأمراض. ويفرّق علماء الأخلاق بين تعديل الجينوم لعلاج الأمراض بطريقة لا
تؤثر إلا في المريض المستهدف (الجسدي) مقابل تعديل الجينوم الذي ستتوارثه ذرية الفرد الذي خضع لتعديل الجينوم لأغراض علاجية (الخط الجرثومي). فما موقف الإسلام من تعديل الجينوم؟ وكيف يفرّق بين تعديل الجينوم الجسدي وتعديل الخلايا الجرثومية؟
ثامنًا: تساؤلات أخلاقية متنوعة
فيما يلي قضايا أخلاقية إضافية غير محدّدة، أو قد لا تمسّ مباشرة أيًّا من التطبيقات المذكورة آنفًا
بخصوص علم الجينوم في الطب: 1. التطور: تشهد هذه القضية نقاشاتٍ حادة في دوائر دينية أخرى، ولكنها تحظى عامةً بتجاهل العلماء المسلمين الذين يميلون إلى إضفاء صبغة واحدة على قضية التطور بكاملها، ويعتبرونها مخالفة لتعاليم القرآن والسنّة. ومن الأسباب الداعية إلى ضرورة مناقشة هذه القضية انقسام علماء الجينوم المسلمين
بين مهنتهم التي تُظهر بوضوح مدى ارتباط الكائنات الحية بطرق لا يمكن تفسيرها منطقيًّا إلا من خلال
التطور من ناحية، والرأي الإسلامي السائد الذي يدين التطور من ناحية أخرى. وإلى جانب التبني القاطع للتطور في جميع مناحي علم الجينوم، سوف نذكر عددًا من الأمثلة الأشد وضوحًا على
الخلافات المحتملة: • يُعتبر استخدام التطور أمرًا روتينيًّا عند محاولة مدير مختبر الجزيئات تفسير حدوث طفرة. فعلى سبيل
التحديد، عندما يظهر تغيير في التسلسل، ينظر المدير إلى الكائنات الحية الأخرى ليحكم على درجة «حفظ» التسلسل المتأثر. ويكون الافتراض هو عدم حدوث تغيير في متغير مهم للوظيفة البيولوجية في أحد الجينات أثناء حدوث التطور. ومن الحقائق الثابتة أن أغلب الطفرات المسببة للأمراض لدى البشر تؤثر في بقايا محفوظة بدرجة كبيرة في الأنواع الأخرى. •تظهر الدراسات التي أجريت على جينوم الرفات البشري من العصور القديمة بوضوح أن البشر في العصر الحديث تزاوجوا مع أنواع قديمة شبيهة بالإنسان تعرف بالنياندرتال والدينيسوفا منذ عشرات الآلاف من السنين. كما تظهر أن البشر نشؤوا في أفريقيا قبل وقت طويل من العمر المقترح للسلالة البشرية، كما ورد ذكره بوضوح في الكتاب المقدس، وكما تم التلميح إليه في الحديث. 2. انقطاع صلة القرابة: يستطيع أي تحليل جينومي الكشف عن أن الأب المفترض ليس هو الأب الحقيقي. فما وجهة النظر الإسلامية بشأن كيفية كشف الطبيب لهذه النتيجة «العرضية» عند مناقشة نتيجة تحليل وراثي مع الوالدين؟ تتنامى على مستوى العالم المخاوف من أننا على الرغم من توفر التكنولوجيا لتسلسل الجينوم بالكامل، فإننا لا نمتلك بعد المعرفة التي تمكننا من تفسير التسلسل على نحو دقيق. وبالنظر إلى المعرفة المتوافرة حاليًا، لا مفرّ من أن نغفل عن بعض التغييرات في الجينوم، على الرغم من عواقبها الصحية
المهمة. فما مقدار مسؤولية عالم الجينوم الذي يتولى القيام بهذا التحليل إنْ قرر الفرد الخاضع للتحليل اللجوء إلى القضاء؟
References
المراجع
Gibson, D. G. et al. «Creation of a Bacterial Cell Controlled by a Chemically Synthesized Genome.» Science. vol. 329. no. 5887 (2010). Khera, A.V. et al. «Genetic Risk, Adherence to a Healthy Lifestyle, and Coronary Disease.» New England Journal of Medicine. vol. 375. no. 24 (2016). Rouce, R. H. et al. «Recent Advances in T-cell Immunotherapy for Haematological Malignancies.» British Journal of Haematology. vol. 176. no. 5 (2016). Tebas, P. et al. «Gene Editing of CCR5 in Autologous CD4 T Cells of Persons Infected with HIV.» New England Journal of Medicine. vol. 370. no. 10 (2014).
مراجع إضافية
Bianchi, D. W. «From Prenatal Genomic Diagnosis to Fetal Personalized Medicine: Progress and Challenges.» Nature medicine. vol. 18. no. 7 (2012). Biesecker, L. G. «Incidental Variants are Critical for Genomics.» The American Journal of Human Genetics. vol. 92. no. 5 (2013). Campbell, P. J. et al. «Identification of Somatically Acquired Rearrangements in Cancer Using Genome–Wide Massively Parallel Paired–end Sequencing.» Nature Genetics. vol. 40. no. 6 (2008). Cathomen, Toni & Stephan Ehl. «Translating the Genomic Revolution–Targeted Genome Editing in Primates.» New England Journal of Medicine. vol. 370. no. 24
Caulfield, T. et al. «Research Ethics Recommendations for Whole–Genome Research: Consensus Statement.» PLoS Biology. vol. 6. no. 3 (2008). Clayton, E. W. «Ethical, Legal, and Social Implications of Genomic Medicine.» New England Journal of Medicine. vol. 349. no. 6 (2003). Collins, F. S. The Language of God: A Scientist Presents Evidence for Belief. New York: Free Press, 2006. Hamburg, M. A. & F. S. Collins. «The Path to Personalized Medicine.» New England Journal of Medicine. vol. 363. no. 4 (2010). International Human Genome Sequencing Consortium. «Finishing the Euchromatic Sequence of the Human Genome.» Nature. vol. 431. no. (2004). Gibson, D. G. et al. «Complete Chemical Synthesis, Assembly, and Cloning of a Mycoplasma Genitalium Genome.» Science. vol. 319. no. 5867 (2008). Kaye, J. «The Tension Between Data Sharing and the Protection of Privacy in Genomics Research.» Annual Review of Genomics and Human Genetics. vol. 13. no. 415 (2012). Lander, E. S. «Brave New Genome.» New England Journal of Medicine. vol. 373. no. 1 (2015). Leary, R. J. et al. «Detection of Chromosomal Alterations in the Circulation of Cancer Patients with Whole–genome Sequencing.» Science Translational Medicine. vol. 4. no. 162 (2012). Lupski, J. R. et al. «Whole–genome Sequencing in a Patient with Charcot–Marie–Tooth Neuropathy.» New England Journal of Medicine. vol. 362 (2010). McGuire, A. L. et al. «Ethics and Genomic Incidental Findings.» Science. vol. 340
Ng, S. B. et al. «Exome Sequencing Identifies the Cause of a Mendelian Disorder.» Nature genetics. vol. 42 (2010). Pennisi, E. «Synthetic Genome Brings New Life to Bacterium.» Science. vol. 328
Pickrell, J. K. «Joint Analysis of Functional Genomic Data and Genome–Wide Association Studies of 18 Human Traits.» The American Journal of Human Genetics. vol. 94 (2014). Rosenberg, S. A. «Decade in Review–Cancer Immunotherapy: Entering the Mainstream of Cancer Treatment.» Nature Reviews Clinical Oncology. vol. 11 (2014). Saunders, C. J. et al. «Rapid Whole–genome Sequencing for Genetic Disease Diagnosis in Neonatal Intensive Care Units.» Science Translational Medicine. vol. 4. no. 154
Tenesa, Albert & Chris S. Haley. «The Heritability of Human Disease: Estimation, Uses and Abuses.» Nature Reviews Genetics. vol. 14. no. 2 (2013). Venter, J. Craig. A Life Decoded: MY Genome, MY Life. New York: Viking/ The Penguin Group, 2007. Virgin, Herbert W. & John A. Todd. «Metagenomics and Personalized Medicine.» Cell. vol. 147. no. 1 (2011). Wang, L., H. L. McLeod & R. M. Weinshilboum. «Genomics and Drug Response.» New England Journal of Medicine. vol. 364. no. 12 (2011). Wolf, D. P. et al. «Mitochondrial Replacement therapy in Reproductive Medicine.» Trends in Molecular Medicine. vol. 21. no. 2 (2015). Wray, N. R. et al. «Pitfalls of Predicting Complex Traits From SNPs.» Nature Reviews Genetics. vol. 14. no. 7 (2013). Yin, H. et al. «Genome Editing With Cas9 in Adult Mice Corrects a Disease Mutation and Phenotype.» Nature Biotechnology. vol. 32. no. 6 (2014). Yu, Joon–Ho et al. «Attitudes of Genetics Professionals Toward the Return of Incidental Results from Exome and Whole–Genome Sequencing.» The American Journal of Human Genetics. vol. 95. no. 1 (2014).