تعقيب أحمد الريسوني على دراسة فوزان سامي الكريع
«Genomics from an Islamic Perspective: Difficult Questions» First Response
الملخّص
هذا التعقيب ليس إجاباتٍ أو فتاوى فقهيةً مطابقةً لما أثاره بحث فوزان الكريع من أسئلة أو استشكالات واستفتاءات؛ فأنا لست مفتيًا، والمقام مقام بحث ونظر وتداول للرأي، وليس مقامَ إصدار الفتاوى. فأنا الآن أسهم فقط في التفكير والتوضيح والنقاش، ببعض الإضاءات الأصولية والفقهية، وذلك من جانبين متكاملين: جانب أصولي منهجي، وجانب فقهي تطبيقي.
Abstract
This comment is not intended to give jurisprudential responses or fatwas corresponding with the issues raised by Dr. Alkuraya's paper. I am not a Mufti. This is a matter for discussion and exchange of opinions, not for issuing fatwas. As such, for the moment I am only participating in thinking, explaining and discussing by casting light on certain matters of principle and of jurisprudence, from two complementary angles: a methodological principles-based approach, and an applied jurisprudential approach.
- علم الجينوم
- أصول الفقه
- الشريعة الإسلامية
- الفحص الجيني
- Fatwas
- Genomics
- Jurisprudence
- Applied Jurisprudence
هذا التعقيب ليس إجاباتٍ أو فتاوى فقهيةً مطابقةً لما أثاره بحث فوزان الكريع من أسئلة أو استشكالات واستفتاءات؛ فأنا لست مفتيًا، والمقام مقام بحث ونظر وتداول للرأي، وليس مقامَ إصدار الفتاوى. فأنا الآن أسهم فقط في التفكير والتوضيح والنقاش، ببعض الإضاءات الأصولية والفقهية، وذلك من جانبين متكاملين: جانب أصولي منهجي، وجانب فقهي تطبيقي.
أولا: مقدمات أصولية
نبدأ بما نعدّه مقدمات منهجيةً ضروريةً للخوض في هذا الموضوع وترشيد فقهه، وهي بمنزلة إجابات عامة، قبل تقديم بعض الآراء أو الإجابات التفصيلية. – يُعدّ النظر الشرعي والبحث الفقهي في هذا الموضوع من باب «الاجتهاد فيما لا نص فيه»؛ لكونه موضوعًا مستجدًا، جملة وتفصيلً. فلا غضاضة إذا قلنا إن مجمل مسائله ليس فيها نص مباشر تندرج فيه، ولا نصٌّ قريب تقاس عليه، ولا اجتهاد قديم تُخرَّج عليه. فالمجتهد فيه لن يجتهد في ثبوت النصوص، ولا في دلالاتها والاستنباط المباشر منها. ولن يجتهد عن طريق القياس أو التخريج الفقهي، لأن قضيتنا، في مجملها وفي معظم مسائلها التفصيلية، ليس لها أشباه ونظائر تقاس عليها. فلم يبق إلا الاجتهاد لها بناء على المصالح والمقاصد والقواعد. وقد تناول عبد الوهاب خلاف، في كتابه مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه، المصادر غير النصية للتشريع الإسلامي، فأورد منها: القياس، والاستحسان، والاستصلاح، والعرف، والاستصحاب. مع العلم أن القياس فيه نوع من الاجتهاد المتعلق بالنصوص؛ لكونه يتوقف على صحة النص المقيس عليه، ويحتاج إلى النظر الفاحص المقارن في معناه وعلته. وأما الأدلة الأخرى التي ذكرها عبد الوهاب خلاف، فهي لا تخرج عما أسميته: المصالح والمقاصد والقواعد. فهذه الكلمات الثلاث هي العمدة والعدة للبحث والاجتهاد في مجالنا وموضوعنا «الجينوم البشري واستعمالاته». – قال الشاطبي: «الاجتهاد إن تعلق بالاستنباط من النصوص، فلا بد من اشتراط العلم بالعربية، وإن تعلق بالمعاني من المصالح والمفاسد، مجردة عن اقتضاء النصوص لها، أو مسلَّمة من صاحب الاجتهاد في النصوص؛ فلا يلزم في ذلك العلم بالعربية، وإنما يلزم العلمُ بمقاصد الشرع من الشريعة – جملة وتفصيلً – خاصة». ومعنى هذا أن المجتهد في هذه الأمور إنما يلزمه أن يكون على دراية بمقاصد الشريعة، وعلى خبرة بالمصالح والمفاسد، والمنافع والأضرار، الناجمة عن كل خطوة في هذا المجال؛ وأن يقدر المصالح والمفاسد بناء على مقاصد الشريعة ومعاييرها المصلحية، وبناء على قواعد الموازنة والترجيح بين المصالح والمفاسد. – تتلخص المقاصد والمصالح الشرعية فيما أجمع عليه العلماء من أن «الشريعة جاءت لجلب المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها»، وأن أمهات مقاصدها ومصالحها هي: حفظ الدين،
وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال. ويختصر بعضهم مقاصد الشريعة في عبارة مناسبة لما نحن فيه، وهي قولهم: «حفظ الأديان، وحفظ الأبدان». – ومن القواعد المفيدة في موضوعنا، وما يثار فيه من إشكالات وتساؤلات، قاعدة: «الأصل في المنافع الحِل، وفي المَضارِّ التحريم». وبمقتضى هذه القاعدة، فكل ما يعتبره عموم الناس نافعًا لهم، ويرغبون فيه ويستفيدون منه، ويسد حاجاتهم، فهو على أصل المشروعية والإباحة، إلا ما ورد التنصيص الشرعي على ذَمِّه وتحريمه. في الآية الكريمة: ﴿وقَدْ فَصّلَ لَكُمْ مَا حَرّمَ علَيْكُمْ إِلَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (الأنعام: 119). وكل ما يتضرر منه الناس تضررًا محققًا، في أبدانهم ومعاشهم ومعاملاتهم، فالأصل فيه أنه محرم شرعًا، ولو لم يَرِدْ فيه نص خاص بالتحريم، للحديث: «لا ضرر ولا ضرار»، ولغيره من الأدلة المتضافرة في هذا المعنى. قال الشاطبي: «فإن الضرر والضِّرار مبثوث منعُه في الشريعة كلها، في وقائع جزئيات، وقواعد كليات».... – تشمل المصالح والمفاسد المعنية والمرعية في موضوعنا، مصالح المريض المعالَج، ومصالح طالبِ الفحص ونتائجِه، وتشمل المصالح المتعلقة بحفظ النسل خصوصًا وعمومًا، وكذلك مصالح الجماعة والمجتمع، وتشمل مصالح البيئة الطبيعية التي فيها ومنها معاشنا، وتشمل التأثيرات العائدة على هؤلاء جميعًا بالنفع أو بالضرر، حالً أو مآلً. فكل واحد من هذه الأبعاد المصلحية، له نصيبه وله اعتباره في تقييم الأبحاث والفحوص والاستعمالات المختلفة المتعلقة بالجينوم البشري، وعليها وعلى حساباتها ينبني الموقف الشرعي. – يرجع تقدير المصالح والمفاسد – بأنواعها ومقاديرها، وأولوياتها وتداعياتها، ونسبة احتمالها، ونسبة نفعها وضررها... إلخ – بالدرجة الأولى إلى أصحاب الاختصاص والممارسة والخبرة، بأفرادهم في الحالات الفردية، وبعمومهم ومؤسساتهم فيما يتعلق بالقرارات والاختيارات العامة. وعلى أقوالهم وتقديراتهم تُبنى الفتاوى الفقهية والتدابير التنظيمية، وليس العكس. – لا يصح جحود الحقائق والنتائج المحصَّلة تحصيلً علميًا يقينيًا، مهما كانت، ورفضها باسم الدين؛ فكل ما كان بهذه الصفة، يجب التسليم به والبناء عليه. ودأبُ علمائنا التعويلُ على المدركات الحسية والتجارب القطعية والأخذُ بمقتضاها. وبها حكموا بإبطال عدد من الأحاديث الموضوعة، وبها خصصوا العديد من الآيات القرآنية، وبناء عليها يقررون ما لا يحصى من الأحكام الفقهية والمصالح الشرعية. وإذا كان بعض علماء الدين قد ينكرون أو يتحفظون من بعض الحقائق العلمية الثابتة، كما قال الزركشي: «ومن جهل شيئًا أنكره»، فتجدهم يتشككون ويتهيبون ويتوجسون، خيفة من كل جديد؛
ففي المقابل نجد أيضًا بعض المتخصصين في مختلف العلوم – ومنها العلوم الطبية – قد يتحمسون ويبالغون في اكتشافاتهم ونتائج أبحاثهم وتجاربهم، ويتسرعون في الجزم بها وإغلاق بابها. ونجد منهم أيضًا من يتجاوزون حدود البحث العلمي الصرف والمحايد، ويندفعون إلى إعطاء تفسيرات فكرية وفلسفية «ماورائية»، يستكملون بها نتائجهم ويَسدُّون بها ثغراتهم، أو ربما يروجون بها نزعاتهم ومعتقداتهم المذهبية. وفي هاتين الحالتين، فإن «أهل الاختصاص» هؤلاء، لا بد أن يؤخذ منهم ويردُّ.
ثانيًا: نماذج من تساؤلات بحث فوزان الكريع
نشير في البداية إلى أننا دمجنا بعض الأسئلة مع بعض، وقدمنا لها جوابًا مركبًا موحدًا. وذلك بسبب تداخلها أو تشابهها من الناحية الفقهية. ولم نجب عن بعض الأسئلة الأخرى؛ إما لنقص لدينا في فهمها، وإما لأنه ليس لدينا بعدُ جواب لها. وفيما يلي ما تيسر لي تناوله والإجابة عنه: – في حالة الاكتشاف العرَضي لمعلومات غير مطلوبة؛ كالقابلية للإصابة بالسرطان، أو النوبات القلبية المميتة، هل يجب إطلْاع المرضى على هذه «النتائج الثانوية»؟ الجواب: طبعًا، إذا كانت المعلومات المكتشفة عرَضًا، من شأنها أن تسبب للمعنيين بها ألمًا أو حرجًا أو معاناة واضطرابًا، فلا يجوز كشفها لهم من دون طلبهم الصريح، وذلك بغض النظر عن الاستفادة المحتملة منها، كتبكير العلاج في الوقت المناسب مثلً. فعلى العموم، لا يدري الطبيب من يرغب في معرفة هذه المعلومات ومن لا يرغب، ولا يدري هل سيتأتى للمرضى فعلًالاستفادةُ منها؟ أم أن المعني بالأمر لا يستطيع بإزائها شيئًا سوى التضرر بها والتأذي منها؟ ولا يستطيع الطبيب أيضًا التكهن بالآثار النفسية والاجتماعية السلبية لتلك المعلومات؛ كالاكتئاب والطلاق والانتحار وغيرها، فلذلك يبقى أنّ الاستفادة منها مؤجلة وغير مؤكدة، بينما الأضرار معجلة ومؤكدة؛ فإخبارهم في هذه الحالة تعذيب لهم، من دون جدوى تذكر. لكن إذا كانت هذه المعلومات المكتشفة عرَضيًا تتطلب اتخاذ مبادرات ضرورية مفيدة، ومن الواضح أنها في متناول الأشخاص المعنيين، ففي هذه الحالة يجوز إخبارهم بها، وربما يكون ذلك واجبًا، إذا كان الخطر جسيمًا ومؤكدًا، وكان تلافيه ممكنًا لدى المعنيين بالأمر. وفي جميع الحالات، ومهما قلنا، فلا مفر من القول أيضًا إنّ كثيرًا مما يجب، أو لا يجب، إخبارُ المرضى أو ذويهم به، يصعب ضبطه؛ ولذلك يجب أن يكون تقديره وتصريفه وتقدير حساسياته، بيد الأطباء، وموكولً لحنكتهم ولباقتهم وفراستهم. – هل يجوز الكشف عن نتائج الفحوص المتعلقة بالأجنة أو الأبناء القاصرين، والتصرف إزاءها بما تقتضيه؟ الجواب: يكون الجنين والطفل القاصر، تحت المسؤولية الكاملة لأبويه أو لولي أمره. فهم المكلفون برعاية مصالحه والبتِّ في شؤونه الصحية والمالية والتعليمية، بما ينفعه حالً ومآلً. وأكثر من هذا،
وكما هو معلوم: فأبواه يجعلانه مسلمًا، أو يُهوِّدانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه؛ فكيف لا يسمح لهما بالاطلاع والتدبير لجانب من صحته ومصلحته البدنية؟ وبناء عليه، فالأبوان، أو من يقوم مقامهما، لهما كامل الصلاحية للقيام بما يرون في مصلحة الجنين أو الطفل القاصر، حتى لو كان ذلك يتعلق بمرحلة بلوغه ورشده. والحقيقة أن جميع ما يتخذه الآباء في حق أبنائهم، من الاختيارات والتدابير التربوية والتعليمية، وحتى العادات الغذائية، يستمر تأثيره الإيجابي أو السلبي بعد بلوغهم، وربما يستمر في كل حياتهم. ولذلك، فما يجوز أن يفعله الآباء والأمهات لأنفسهم يجوز لهم فعله لأبنائهم، ما دام ذلك لدواعٍ استصلاحية، بما في ذلك إجراء أي فحص والاطلاع على نتائجه. ومما يستأنس به في هذه المسألة أنّ بعض فقهاء الإسلام يرون أن الولي في الزواج لا تشترط فيه العدالة؛ نظرًا إلى ما جُبل عليه من محبة وعطف ونصح لفائدة ابنته أو قريبته. فقد قال عز الدين بن عبد السلام: «ولاية النكاح لا تشترط فيها العدالة على قول، لأن العدالة إنما شرطت في الولايات لتزعَ الوليَّ عن التقصير والخيانة. وطَبْعُ الولي في النكاح يزَعهُ عن التقصير والخيانة في حق وليته، لأنه لو وضعها في غير كفء كان ذلك عارًا عليه وعليهم، وطبعه يزَعهُ عما يُدخله على نفسه ووليته من الأضرار والعار». وهذا النظر الفقهي يؤكد أن الآباء والأمهات مؤتمنون، ويعتبرون أمناء على أبنائهم، قبل الولادة وبعدها؛ وهم مفوضون في أداء هذا الواجب. وهذا نظر سديد، فيه ما فيه من الواقعية والتيسير على الناس في تحمل مسؤولياتهم وأداء أماناتهم. ومن المعلوم البَيِّن أن عامة الآباء والأمهات يحرصون على مصالح أبنائهم أشد مما يحرصون على مصالح أنفسهم؛ وبهذا لا يبقى معنى لهذه «الخصوصية» المفترضة والمبالغ فيها. – اكتشاف الأمراض والعاهات الخطيرة المزمنة بعد فحص الجنين، هل يبيح إجهاضه؟ ومتى؟ الجواب: الأحكام الفقهية للإجهاض، ومتى يجوز ومتى لا يجوز، منها المتفق عليه، ومنها المختلف فيه. فمن المتفق عليه أن الإجهاض بعد نفخ الروح لا يجوز أبدًا، إلا إذا كان إنقاذُ حياة الأم متوقفًا عليه بصورة مؤكدة لا بديل منها. وفيما سوى ذلك لا يجوز الإجهاض بعد نفخ الروح. والإعاقات والأعذار المرَضية لا تبيح قتل نفس بشرية، بعد أن اكتملت عناصرها. لكن متى يكون نفخ الروح؟ للفقهاء هنا قولان، أولهما: أن نفخ الروح يكون بتمام 120 يومًا، وهو قول الأكثرين قديمًا؛ ويرى القول الثاني (وله أيضًا سند في الحديث النبوي) أنّ نفخ الروح يكون بعد اثنين وأربعين يومًا. وقد قال به بعض الأقدمين، وفسروا على أساسه حديث المئة وعشرين يومًا. ويتزايد هذا القول اليوم القائلون به من الفقهاء المعاصرين، وكذلك من الأطباء، نظرًا إلى كون الطب يؤيده من
خلال إمكانات التعرف المباشر إلى تطور الجنين واكتماله الخَلقي عند الأربعين يومًا، فلا يبقى بعد ذلك سوى النمو؛ وهذا هو ما نقول به. وأما شدة الآلام والمعاناة المتوقعة مع الطفل المريض والمعاق، سواء له أو لذويه، فهي مقدرة ومتفهمة تمامًا، ولكنها لا تبيح الاستهانة بالأرواح بعد ثبوتها. ولو جاز إجهاض الجنين المكتمل لهذا السبب، لجاز أيضًا ما يسمى «القتل الرحيم»، خروجًا من الآلام الشديدة والمعاناة الطويلة. وأما قبل الأربعين يومًا، فالاختلاف قائم بين الفقهاء؛ فمنهم من يرخصون في الإجهاض لأي عذر معقول يراه ويعرفه الأبوان، كالحالة الصحية الضعيفة للأم الحامل، أو لقرب العهد بولادة سابقة تحتاج إلى فسحة تستفيد منها الأم ورضيعها؛ ومنهم من يشددون ويحتاطون، فلا يبيحون الإجهاض إلا للضرورات التي تبيح المحظورات، أو في حالات الحرج البيِّن، ومنها – بلا شك – الإعاقات والأمراض المزمنة التي تكشف عنها فحوص الأجنة، سواء كانت قطعية أو راجحة. فالمسألة هنا خلافية، يسوغ فيها الاجتهاد وترجيح أي من الرأيين. والقاعدة الأصولية تقول: «لا إنكار في مسائل الاختلاف». – أصبح من الممكن اليوم «زراعة» المادة النووية للحمض النووي من الوالدين البيولوجيين في بيضة بديلة غير ذات صلة تم تفريغها من نواتها سعيًا لضمان عدم حمل الجنين لأي من المكونات الخلوية المعيبة في بيضة الأم (خاصةً المُتقَدِّرَات)، ما يعدّ في يومنا هذا الخيار الوحيد لمنح هؤلاء الأمهات فرصة إنجاب طفل يتمتع بصحة جيدة. فهل يحق للزوجين اختيار نوع البييضات الملقحة التي يتم نقلها؟ الجواب: لا أجد مانعًا شرعيًا من هذه العملية، ولم يظهر لي شيء من المحاذير المانعة منها، ولذلك فهي جائزة على قاعدة «الأصل في المنافع الحِلُّ وفي المَضارِّ الحرمة». – السؤال: عندما يكون هذا التحليل مدعومًا من الحكومة، فهل من الأخلاقيّ عرض هذه العملية على الزوجين اللذين أنجبا بالفعل طفلً يتمتع بصحة جيدة أو أكثر، أم يجب توجيه الموارد أولً نحو من لم ينجبوا أطفالً أصحاء على قيد الحياة؟ الجواب: هذه مسألة تهم التشريع الحكومي، ولا تهم الطبيب. والدولة، متى أقرت هذا الدعم، يفترض أن تجعله منظمًا تنظيمًا عادلً ومفصلً، في كيفياته وشروطه وأولوياته. وأما الطبيب فالأسلم له ولمهنته ألّ يقحم نفسه في هذه الأمور. – بدأت بعض البلدان في إلزام الأطباء بإخضاع مرضاهم لتحاليل من أجل تحديد إمكانية إصابتهم بآثار جانبية خطيرة. فكيف ينظر الإسلام إلى ذلك في سياق «لا ضرر...»؟
الجواب: طبعًا هذا شيء محمود في ذاته؛ لكن يجب مراعاة تكلفته على المرضى وذويهم، وهل هي في مقدورهم؟ فإن كانت التكلفة عليهم، وكانت مجحفة بهم، فيجب أن تبقى على الخيار لهم ولأطبائهم. أما إن كانت الدولة نفسها، أو أي جهة أخرى، تتحمل التكلفة عنهم، فلها الحق في إلزام الأطباء به. – يعدّ علم الجينوم البيئي ناجع الفاعلية في تحديد مصدر سلسلة الانتقال في حالات تفشي العدوى، ما يعدّ ضروريًّا لاحتواء العدوى. فهل توجد أيّ قواعد إسلامية تنطبق على ذلك؟ الجواب: هذا أيضًا عمل مشروع، بل جيد ومطلوب، عملً بقاعدة «الأصل في المنافع الحِلُّ وفي المَضارِّ الحرمة»، وقاعدة «جلب المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها». – ما موقف الإسلام من تعديل الجينوم، وكيف يفرّق بين تعديل الجينوم الجسدي وتعديل الخلايا الجرثومية؟ الجواب: المسألة ما زالت غير واضحة عندنا، خاصة في تداعياتها المستقبلية المختلفة، سواء على الشخص الذي يخضع لتعديل الجينوم، أو على نسله في أجياله القادمة. فإذا أمكن تقديم إجابات طبية مؤكدة ومتفق عليها، فبناء عليها وعلى قاعدة «الأصل في المنافع الحِلُّ وفي المَضارِّ الحرمة»، يتحدد الجواب الفقهي والأخلاقي، وإذا كانت الإجابات ما زالت مشوبة بالغموض والاحتمالات المختلفة، فلا تجوز المخاطرة بحرمة الكائن البشري وسلامته الحالية والمستقبلية.
References
المراجع
ابن عبد السلام، أبو محمد عز الدين عبد العزيز. قواعد الأحكام في مصالح الأنام. راجعه وعلق عليه طه إبراهيم سعد. القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية،.1991
الزركشي، محمد بن بهادر بن عبد الله. البحر المحيط في أصول الفقه. تحقيق وتحرير عبد القادر عبد الله العاني. مراجعة عمر سليمان الأشقر. ط 2. الغردقة: دار الصفوة للطباعة والنشر والتوزيع، الشاطبي، إبراهيم بن موسى. الموافقات. تحقيق مشهور بن حسن آل سلمان. الجيزة: دار ابن عفان،