الفن في خطاب النقد الثقافي:
Art Criticism in Cultural Discourse Reading in Edward Said’s On Late Style
الملخّص
تتأطر دراسة الفن في خطاب النقد الثقافي ضمن المدار الدينامي لهذا الخطاب المقترن بكشف مفهوم الفن في الخطاب النقدي لإدوارد سعيد، كما ظهر في منجزه النقدي "عن الأسلوب المتأخر: موسيقى وأدب عكس التيار"، حيث درس الفن وطبيعته وميزته وإنسانيته، وأبرز أبعاده ودلالاته من زاوية النقد الثقافي. لهذا، تتصل الدراسة بالخطاب النقدي الذي بلوره سعيد، والمنصب على الأنواع والتعابير الفنية المختلفة، قصد توضيح مفهوم للفن بصفة عامة. وبهذا المعنى، فإن الدراسة تقترن بمحاور تستقي أساسها من الخلفية الإبستيمولوجية الضابطة لنقد النقد، بوصفه خطابًا مرتبطًا بدراسة النصوص النقدية بما يلائم محمولاتها ومكوناتها الفنية والجمالية وأنساقها المضمرة. كل هذا من أجل إبراز طبيعة الفن في الخطاب الثقافي لسعيد، خاصة في كتابه عن الأسلوب المتأخر.
Abstract
Abstract: Art criticism constitutes an important aspect of cultural criticism discourse in Edward Said’s work. His On Late Style reveals his deepest view of art as a cultural and humanistic accomplishment. This work should be approached within the framework of Said’s endeavor to uncover the nature of different modes of artistic expressions. The present study aims at discovering the principles underlying aesthetic and cultural modern criticism.
- الفن
- التأخر
- الأسلوب
- الخطاب الثقافي
- Art
- Lateness
- Style
- Cultural discourse
والجمالية وأنساقها المضمرة. كل هذا من أجل إبراز طبيعة الفن في الخطاب الثقافي لسعيد، خاصة في كتابه عن الأسلوب المتأخر.
مقدمة
يكشف الحديث عن مفهوم الفن، في كينونته النوعية وميزته الثقافية، من خال التجربة النقدية للناقد والمفكر المقتدر إدوارد سعيد، عن ثاث قضايا أساسية مترابطة؛ إذ تهم القضية الأولى الفن باعتباره تجربة إبداعية مميزة وتعبيرية خاصة، يستطيع النقد الثقافي أن يكشف الكثير من مضمراتها وأبعادها الخفية. وتخص القضية الثانية التجلي الأنطولوجي للعمل الفني، خاصة الفن الأدبي القائم على بناء نوعي في صيغه التعبيرية ومستويات تشكله، والفن الموسيقي المتسم بتركيبة خاصة أداتها الإيقاع والنغم. وتمس القضية الثالثة نموذجًا متميزًا للناقد المساهم إدوارد سعيد، ضمن
الصيرورة الخاقة للنقد الأدبي الحديث، في تشييد خطاب نقدي تحكمه خلفية معرفية وإستراتيجية تنظيمية، وتؤطره آليات منهجية ومنظومة مفاهيمية خاصة، مما أسهم في إنتاجية نقدية مغايرة للمألوف في قراءة الأدب والفن. يظهر أن إبراز مميزات التعبير الفني، ومنه الفن الموسيقي، مرهون بكشفها وتحديدها، كما يبينها المنجز النقدي لسعيد، وخاصة منجزه النقدي عن الأسلوب المتأخرOn late Style. بهذا المعنى، يصير الخطاب النقدي، الكاشف مفهوم الفن، ناشدًا، في سيرورته، دينامية نقدية فعالة. لهذا، ترتبط إستراتيجية الكشف النقدي لطبيعة الفن؛ انطاقًا من تبين الكينونة الثقافية لهذا المفهوم، أي الفن بوصفه فنًا إنسانيًا نوعيًا، يفصح عن أفكار وقضايا تخص الكائن البشري في وجوده الدنيوي. هذا يوضح أن
الدراسة الثقافية للفن قادرة على تغيير التصور المعرفي المألوف حول التعبير الفني، ومساعدة في كشف المضمر الفكري لذلك النمط التعبيري الفني، بعد تبين المميزات النوعية لمفهوم الفن في التجربة النقدية لسعيد؛ بوصفه نموذجًا نقديًا متميزًا ممثلً للنقد الثقافي. ساهمت تجربة سعيد النقدية، إذًا، في كشف الثراء الدلالي والفكري الذي تولده الدراسة الثقافية للأعمال الفنية. لقد نتج من هذه المساهمة إغناء دلالات التعبير الفني الموسيقي، وتعميق الوعي بأبعاده المتنوعة والمتعددة، وكشف المضمر والغائب في مفهوم الفن. لهذا، سنقف عند الإطار المنهجي الذي تحكم في هذه الدراسة من جهة، وعند المفهوم المركزي الذي قام عليه منجزه النقدي في كتابه المذكور من جهة ثانية.
المنهج والمفهوم
تتوخى الدراسة تحليل مفهوم الفن عند إدوارد سعيد، انطاقًا من كتابه النقدي عن الأسلوب المتأخر. لهذا، تعتمد الدراسة، منهجيًا، على الضوابط المؤطرة لنقد النقد، باعتباره كفيلً بتحليل المؤلفات
النقدية ودراستها وفقَ إطار منهجي معرفي يراعي خصائصها البنائية وانتظامها المعرفي. من هنا، فإنّ الدراسة ارتبطت بالمنجز النقدي عن الأسلوب المتأخر الذي يكشف الفن وطبيعته وميزته وإنسانيته، ويبرز أبعاده ودلالاته من زاوية النقد الثقافي.
(((إدوارد سعيد، عن الأسلوب المتأخر: موسيقى وأدب عكس التيار، ترجمة فواز طرابلسي (بيروت: دار الآداب،.)2015
لا بد من الإشارة إلى أن الحديث عن الفن في خطاب النقد الثقافي يتأسس على تصور نقدي مؤطر بأمرين مهمين؛ فالأمر الأول مفاهيمي منهجي، ونعني به انبناء كتاب عن الأسلوب المتأخر على مفهوم مركزي هو «التأخر» Lateness، ومنطلق منهجي يتحدد في الاشتغال النقدي ب «فرضية» تقر بتحول نوعي يميز لغة كبار الفنانين (أفكارهم وكتاباتهم) مع اقتراب انتهاء مسارهم الوجودي. إن هذا ما يكشفه بوضوح قول إدوارد سعيد الآتي: «سوف أركز على كبار الفنانين وكيف اكتسى كامهم وفكرهم، في نهاية حياتهم، لغة جديدة، وهو ما سوف أسميه ‘الأسلوب المتأخر»’. أما الأمر الثاني فمجالي نوعي؛ ونقصد به التركيز على الفن في امتداد مجالي تحدده ثاثة أنواع فنية هي: الفن الموسيقي، والفن الروائي السينمائي، والفن الشعري المسرحي. هذا يعني أن سعيد يقرأ الفنون من زاوية التداخل والتفاعل، وليس من منطلق الانفصال والتباعد. غير أن كتابه المشار إليه هيمنت عليه الدراسة الموجهة للفن الموسيقي، مقارنة بدراسة فنون أخرى. ومن هنا، قد نستند إلى بعض الآراء والأفكار التي قدمها سعيد، ونقاد آخرون، في سياق آخر، من أجل تعميق الوعي بفهمه الفن ودراسته له، وتحليله الإبداع الفني بصفة عامة. يستدعي «التأخر»، الذي يُعد مفهومًا مركزيًا في كتاب عن الأسلوب المتأخر، الوقوف عند المعنى الذي يعطيه مؤلِّفه لهذا المفهوم. والمثير لانتباه أن التأخر اقترن بتجربة الكاتب النقدية والفكرية، فجسدَ كتابه نظريًا وعمليًا مفهوم التأخر. إنه كتاب فريد اقترن بالموت الفعلي لسعيد. لهذا، تقول
زوجته مريم سعيد في التقديم للكتاب: «كان إدوارد يؤلف هذا الكتاب عندما توفي صباح يوم الخميس في 25 أيلول/ سبتمبر 2003. لقد انشغل الناقد في مرحلة متأخرة من عمره بفكرة التأخر، فبُني فهمه »
لهذا المفهوم انطاقًا من التصورات التي بلورها ثيودور أدورنو Adorno Theodor. لهذا، حَدد سعيد «التأخر» بقوله: «التأخر هو أن تبلغ النهاية، بكامل وعيك، طافحًا بالذاكرة، ومدركًا أيضًا لحاضرك إدراكًا عميقًا (ولو أنه إدراك استباقي»). يظهر أن التأخر مقترن بسياق وجودي وتاريخي وثقافي؛ لأنه يشير إلى لحظة زمنية تمثل نهاية المسار الوجودي للإنسان (الموت). إن ذلك يعني استحضار التاريخ المنتهي عبر التذكر، فيصير التذكر كاشفًا وعيًا عميقًا بالسياق التاريخي والثقافي والحضاري
المحقق والمحتمل. يتضح أن سعيد نظر إلى الفنان المتأخر، بناء على فهم أدورنو للموسيقار المرموق بتهوفن، بوصفه الفنان المنشغل بالفن خارج إطار نفعي مادي، والمشغول بمأسسة الوعي الجماعي، مما يحرمه لذة الراحة والاستراحة، المفضية إلى إنتاج معرفة بناءة، عبر فن خاق في صيغته البنائية والتعبيرية، فتكفل له التأثير في شريحة اجتماعية واسعة: «أن تكون متأخرًا يعني، إذًا، أن تتأخر عن (وأن ترفض) العديد من المكاسب الموفرة للراحة داخل المجتمع، وليس أقلها شأنًا أن يقرأك وأن يفهمك بسهولة عدد كبير
(((المرجع نفسه، ص.39 (((المرجع نفسه، ص.29 (((المرجع نفسه، ص 50.
من الناس». ولتعميق فكرة التأخر يربطها سعيد بالمنفى، فيتجلى «التأخر» مقترنًا بالمنفى؛ الذي يتعين جوهريًا بالاختيار والمغايرة والاستمرارية: «التأخر نوع من المنفى الاختياري بمنأى عما هو مقبول عمومًا، ولاحقًا عليه، ومستمرًا بعد انقضائه».
الفن: كينونة إبداعية ثقافية
يعد الفن كينونة ثقافية، فتقوم حمولته على التعدد الدلالي والفكري، وتتأسس أدواته على التنوع والاختاف. من هنا، ينبني العمل الفني على المزج بين سلطة الفن، وقوة المعرفة، فتتجاور في كينونته الثقافة في حدودها الذاتية، المرتبطة بالمبدع والنوع الفني، والثقافة في وجودها العام. بهذا المعنى، يتبدّى العملُ الفني، بامتداداته النوعية المختلفة، باعتباره «شكلً ثقافيًا». لهذا، يتضمن
تأكيد الطابع الثقافي للعمل الفني تجاوزًا للذات الفردية، بمعناها التجريبي، في الحديث عن إنتاج هذا العمل وإبداعه. هكذا، فإن الفنان يختط «الأسلوب» النوعي والمميز لتجربته، بما يوافق التركيبة الجمالية للعمل الفني، ويائم كينونته المركبة الكاشفة لتشكله وفق عناصر متعددة يتداخل فيها الفردي والتاريخي والثقافي؛ إذ «إن أي أسلوب فني يتضمن بادئ بدء عاقة الفنان بزمنه، أو بالحقبة التاريخية والمجتمع والأساف. فالنتاج الجمالي، على الرغم من فرديته غير القابلة للنقض، يبقى جزءًا من
العصر الذي أنتجه وصدر فيه، والمفارقة هي أن لا يكون جزءًا منه». يسعف هذا الفهم في قراءة العمل الفني وفق منظور نقدي مركب؛ لأن التحليل النقدي يتخذ طابعه الإجرائي من «تفسير» فردانية العمل على مستوى الإنتاجية أولً، و«تفسير» سياقه التاريخي الحضاري الذي يفرض استدعاء «بنيته» الثقافية ثانيًا. بهذا المعنى، تستدعي القراءة النقدية للإبداع الفني، عند
سعيد، التجلي الدال لمبدع العمل، والسياق الشامل لعناصر زمنية واجتماعية تاريخية. ومن هنا، فإن القراءة النقدية للعمل الفني ترتهن بالوعي السياقي، ثم تبلور خطابًا نقديًا يفتح الفن على الغائب والمضمر والمسكوت عنه، فيلتفت الناقد للتفاصيل والجزئيات، بنفس القدر الذي يهتم فيه ب «الإطار الثقافي العام» للعمل الفني. لهذا، فإن المؤلف حين يفسر نقديًا التجربة الإبداعية الموسيقية للمؤلف الموسيقي الألماني ريتشارد شتراوس Strauss Richard، فإنه يضع تجربته في سياق ثقافي تاريخي، ثم يستنتج أن «هذا الإصرار على اعتناق صيغ القرن العشرين للغة القرن الثامن عشر وأشكاله، والعودة إليها، هو ما يميز أسلوب شتراوس إذا ما نظرنا إليه في إطاره الثقافي الأوسع، في زمن أنتجت فيه الحركة الحديثة في الموسيقى دفعة واحدة تلك الأساليب الأكثر تقدمًا أو الأكثر واقعية، التي ننسبها إلى التسلسلية وتعدد الدرجات أو إلى مؤلفين أمثال فاريز و‘الموسيقى المحددة»’.
(((المرجع نفسه، ص.62 (((المرجع نفسه، ص.52 (((إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، ترجمة وتقديم كمال أبو ديب، ط 2 (بيروت: دار الآداب، 1998)، ص 58. (((سعيد، عن الأسلوب المتأخر، ص.229 (((المرجع نفسه، ص.79
تبين القراءة النقدية للفن الموسيقي، من خال تجربة شتراوس، الأفق الثقافي المعرفي الذي يراهن عليه خطاب النقد الثقافي. إنه أفق يكشف جدلية التفكيك والبناء في الدراسة النقدية للعمل الفني، بوصفه إنتاجًا ثقافيًا، ويبرز طابعه التأثيري ضمن سيرورة إبداعية تقتضي إظهار ما كان خفيًا فيه. بهذا
المعنى، فإن العمل الفني تبنيه عناصر كاشفة تميزه، وتميُّزه يُعبر عن تأثيره في المتلقي. لهذا، فإن
إبراز تأثير العمل الفني قادر على إصدار حكم قيمة حوله؛ قد «يقدر» العمل الفني، فيعلي من شأنه؛ لأنه «لا يمكن تقدير الفن إلا عندما يتنبه المرء للوسائل التي يستخدمها الفن لإنتاج التأثيرات». إن كلمات مثل «التقدير» و«الانتباه» و«التأثير» تتطلب جهدًا معرفيًا في دراسة الفن، وكشف طابعه
الثقافي الخاق المفتوح على امتاء دلالي متعدد الامتدادات. وهذا ما يبرزه سعيد في تحليله النقدي، الذي تعمقه المقارنة النقدية، لأوبرا المؤلف الموسيقي الأميركي جون كوريغليانو Corigliano John «أشباح فرساي» (1991)، فيقول: «إن ‘أشباح فرساي’ عودة معاصرة إلى ماض قبل ثوري، غرضها تطمين الأمريكيين إلى أنه يمكن صرف النظر عن حدوث الانتفاضات السياسية، أو أنه يمكن معالجتها بواسطة غزو اعتباطي للماضي (وإن يكن متنافرًا جماليًا) بلغة موسيقية ودرامية لا تبدو مهمومة إلا
باستعراض قوتها. وبالمقارنة فإن أوبرات شتراوس وسترافنسكي وفايل وبريتن تتضمن موسيقى أعمق ارتباطًا بقضايا ذات أهمية معاصرة، تتوسطها منظورات شخصية إلى القرن الثامن عشر، ما يمكننا من نظرات نافذة جديدة إلى القرن بما هو رمز ثقافي». تعيد الأوبرا إنتاج ثقافة الخضوع الحافظة للنظام، فيصير الماضي مفتوحًا على تغريب الإنسان عن مواجهة الظلم ومقاومته الهادفة للتحرر. لهذا، لا يحضر الماضي ثقافيًا في أوبرا «أشباح فرساي» إلا
في صورة الخمول والاستكانة، بخاف عدة أعمال إبداعية موسيقية اقترنت ثقافيًا بزمنها، فبنت أفقًا
للتحرر والدينامية المنتجة. من هنا، تتجلى الموسيقى أداة لفهم الحاضر وفق مستويين مفارقين؛ في المستوى الأول يراهن الفن، الموسيقى هنا، على التفكير في الماضي المؤطر بثقافة الانتهاك من زاوية حفظه، ف «تصبح الجهود المبذولة لحفظه جدية أكثر فأكثر. إذ يجري تتحيفه museumified »، مما يفضي إلى تغريب الفعل الإبداعي عن محيطه الثقافي والحضاري، ويصير تجربة إبداعية محكومة بثقافة «اللعب والاستعراض». وفي المستوى الثاني يتجلى العمل الفني معبرًا عن زمنيته التاريخية،
وعن قضايا راهنة مهمة، من دون انفصال عن الماضي باعتباره ذاكرة ثقافية تفضي إلى التغيير، وتسعف في إدراك الماضي كزمن ثقافي مهم لفهم الحاضر. يظهر أن إدوارد سعيد ينظر إلى الفن الموسيقي باعتباره عملً فنيًا ومعرفيًا، وبوصفه تعبيرًا إبداعيًا شديد
الصلة بالواقع الثقافي المجتمعي والسياق التاريخي الحضاري. وما دام العمل الفني يؤسس تحققه
(1((نيكاس لومان، مدخل إلى نظرية الأنساق، ترجمة يوسف فهمي حجازي، مراجعة وتدقيق رامز ما (كولونيا/ بغداد: منشورات الجمل، 2010)، ص.198 (1((سعيد، عن الأسلوب المتأخر، ص. 82 (1((سايمون ديورنغ، الدراسات الثقافية: مقدمة نقدية، ترجمة ممدوح يوسف عمران، سلسلة عالم المعرفة 425 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2015)، ص.95
على مبدأ التميز النوعي، فإنه يسهم في تحقيق الوعي بالإنسان في كينونته المركبة. وهذا يشيد عاقة تفاعل جدلي بين الفن والحياة، في امتدادها الثقافي والوجودي؛ لأنه إذا كانت «الحياة تقلد الفن [...] فالفن يقلد الحياة والموت». لهذا، فالدور الثقافي للفن مهم جدًا، لأنه يثير التفكير في قضايا إنسانية متنوعة ومتعددة، ضمن مسار تاريخي (سيرورة) مفتوح على التحول المستمر والدائم (الصيرورة).
الفن: تجربة إبداعية إنسانية
لقد اقترن العمل الفني بمستجدات الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي، مما يستتبع تأثيرًا لهذا
الواقع المركب في الكينونة الإنسانية وتشكيل عناصرها، وذلك الاقتران أفضى إلى تأكيد ما ذهب إليه ديفيد هارفي Harvey David؛ أنه «بات للفنان دور خاق يلعبه في تعريف جوهر الإنسانية». لهذا، تحدث إدوارد عن صناعة الذات في السيرورة الوجودية، بناء على عاقة الترابط القوية بين «الحالة الجسمانية» condition bodily للإنسان و«الأسلوب الجمالي» style aesthetic للفنان، فقال: «لمجرد كوننا كائنات واعية، فكلنا منشغلون باستمرار في التفكير بحياتنا، وساعون لإعطاء معنى لها، ذلك أن صنع الذات هو إحدى قواعد التاريخ، الذي هو في جوهره نتاج العمل البشري». يظهر أن قول إدوارد سعيد ينطوي على ثاث أفكار كبرى؛ الفكرة الأولى قائمة على مركزية الذات؛ كينونتها ووجودها وبنائها، في التفكير الإنساني. والفكرة الثانية مبنية على رهان الذات الإنسانية لتحقيق وجود فعال؛ باعتباره وجودًا ضامنًا لاستمرارية رمزية، قد يكون الإنتاج الفني أحد العناصر الضامنة لها، فيصير إنتاجًا بانيًا لتاريخ الذات النوعي والخاق. والفكرة الثالثة مؤسسة على الصراع الدائم للذات
مع الوجود؛ وفق رؤية مؤطرة بطموح تحقيق «إنجاز نوعي» في الحياة، قبل أن ينهي الموت الإنسان وأحامه ومشاريعه. وكأنه لا معنى للكائن البشري ولا قيمة له وجوديًا إلا بإنتاج رمزي، كالإنتاج الفني
والفكري المتسم بخاصية أسلوبية نوعية ومميزة، مما يكفل للإنسان المبدع (الفنان والمفكر) التأثير والاستمرارية في الزمن؛ أي، كما يقول مايكل وود Wood Michael، على اعتبار أن «الأسلوب ليس كائنًا فانيًا والأعمال الفنية لا حياة عضوية لها لتخسرها». يكشف الوجه الآخر لهذه الفكرة أن الإنسان الفنان متجه إلى فناء كينونته البشرية المادية، بينما يستمرّ
الفن المعبر عن الكينونة الرمزية للإنسان، القائم على «أسلوب» التميز النوعي، في وجوده. من هنا، فإن إنتاج الفن، باعتباره فعلً ضامنًا للوجود الرمزي للكائن الفنان، رغم انتهائه الوجودي الفعلي (الموت)، يظل مقترنًا بالوجود الإنساني في التعبير والتأثير. وبعبارة أخرى؛ تظل النزعة الإنسانية مؤطرة لكل تجربة إبداعية فنية، ومعبرة عن وجود الإنسان الفعلي والرمزي، كما تكشفها تلك التجربة في لحظة التخلق والتحقق، وفي زمن الاستمرار والصمود في الوجود، بالرغم من انتهاء الإنسان الفنان وجوديًا.
(1((سعيد، عن الأسلوب المتأخر، ص.164 (1((ديفيد هارفي، حالة ما بعد الحداثة: بحث في أصول التغيير الثقافي، ترجمة محمد شيا (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2005)، ص.37 (1((سعيد، عن الأسلوب المتأخر، ص.33 ((1(المرجع نفسه، ص.18
بهذا المعنى، إذا كانت «دراسة الموسيقى هي إحدى أفضل الوسائل للتعرف على طبيعة الإنسان»، فإن سعيد، أثناء دراسته لموسيقى بتهوفن، يكشف أنه «في ‘أوبرا فيديليو’ التي تنتمي إلى صميم أعمال الفترة المتوسطة، تتجلى فكرة الإنسانية على امتداد العمل، ومعها فكرة العالم الأفضل». تبرز المعطيات الظاهرة في خطاب سعيد، في أن الإبداعي الفني، الفن الموسيقي هنا، يظل مازمًا للكائن البشري، فيرتقي في سلم القيم الفنية. إن ذلك لا يتحقق بالصياغة الجمالية للفن وحدها، الممثلة في وسائط خاصة ومائمة، بل بحمولته الإنسانية المقترنة بالإنسان المتعالي على شرطَي الزمن والمكان. بهذا المعنى، تكشف المعطيات المضمرة في خطاب الناقد قضايا متشابكة ومتعلقة بوظيفة الفن والفنان. أولً: قضية «التزام» الفنان بالأمور الإنسانية، فيكون جهده الإبداعي موجهًا لخدمة الكائن البشري، ضمن سيرورة إبداعية خاقة ثائرة على كل قيم سلبية، وسلطات ضاغطة على الإنسان؛ مما «يمكّن من تسميته بالفنان أو المثقف المقاوم résistant intellectuel ’ l ou artiste ’ l ». ثانيًا: قضية
انفتاح الإبداع الفني على الإنسان في انتمائه الكوني، فيصير إنسانًا محددًا بمقولات الامتداد والفعل والإيجاب (الأفضل). هذا يعني أن بعض الأعمال الفنية، الموسيقية هنا، تتأسس على فلسفة التعدد الذي يحرر الفن من أي انغاق ثقافي أو عرقي. تتبدّى عدة أعمال موسيقية، إذًا، منفصلة عن أي نزعة إقليمية ضيقة، في نظر سعيد، بل تتجلى أعمالً مخترقة للهوية الوطنية المغلقة. ومن هنا، فإنه يبلور، في قراءته الثقافية لأوبرا «مصير الفاسق» لإيغور سترافنسكي Stravinsky Igor، فكرة نقدية مفادها أن «‘مصير الفاسق’ عمل دولي أو كوزموبوليتي (ألفه لاجئ روسي ومواطن إنكليزي، وعرض لأول مرة في البندقية، فا يصح أبدًا أن له وطنًا، إنْ جاز التعبير»). أما حين يقارب سعيد نقديًا عملين أوبراليين، متمثلين في «بيتر غرايمز» لبنجامين بريتن Britten Benjamin، و«أوبرا القروش الثاثة» لكورت فايل Weill Kurt، فإنه يقول: «على الرغم من أن ‘بيتر غرايمز’ عرضت للمرة الأولى في دار أوبرا ‘سادلرز ويلز’ في لندن، فإن العمل تخيله أصل مغترب بريطاني، اشتراكي، مثلي، ومن أنصار السام في نيويورك، واكتسب سيرة مهنية على الفور تقريبًا. أما ‘أوبرا القروش الثاثة’، فإن سجل تغيرها وتحولها وانقابها يبعث الدوار حقًا؛ فبالرغم من
أنها موطّنة في مناخ برلين العشرينيات، فإنها أيضًا عمل يتجاوز الحدود القومية، على الرغم من محليته المربكة غالبًا». يتمرد الفن على الانغاق الثقافي، ويصير عملً إبداعيًا عابرًا للثقافات والهويات. وكأن سعيد يبرهن
(1((إدوارد سعيد ودانيال بارنبويم، نظائر ومفارقات: استكشافات في الموسيقى والمجتمع، ترجمة نائلة قلقيلي حجازي، تنقيح وتقديم أرا غوزيليميان (بيروت: دار الآداب، 2005)، ص.46 (1((سعيد، عن الأسلوب المتأخر، ص.49
(19) Martin Megevand, "Edward W. Said, ‘Une énergie en mouvement’: Musique et Littérature," Société & Représentation , no. 37 (2014), p. 113.
(2((سعيد، عن الأسلوب المتأخر، ص.88 ((2(المرجع نفسه.
على أن حقيقة الفن العميقة ثقافيًا هي التعدد والاختاف، وليس الوحدة والائتاف. بهذا المعنى،
يكتسب العمل الفني أهميته من قدرتِه على خلق التنوع والتداخل، ومن أفقه الإنساني المقاوم لكل وجود إنساني زائف يدفعه إلى فقدان آدميته وإنسانيته. ومن هنا، يتجلى الفعل الإبداعي في كينونته الثقافية قائمًا على مبدأ التفاعل الفني والإنتاجية القيمية (النزعة الإنسانية)، فيرتبط الفن الأدبي بالفن
الموسيقي وفق هذا المبدأ المزدوج في تصور سعيد النقدي؛ لأن «سعيد يقرأ نقديًا الموسيقى والأدب في
اقترانهما، حيث يتعلق أحدهما بالآخر: فبالرغم من تباينهما هيكليًا، واختافهما إيقاعيًا، فإنها متّحدان
عبر بؤر المقاومة ضد التجريد من الإنسانية déshumanisation، وضد أي احتواء contiennent ».
الفن: دنيوية التعبير
جسد الإنسان نموذجًا للكائن النوعي، لأنه يوجه فكره لتأمل الوجود البشري؛ بوصفه وجودًا مفتوحًا
على الامتاء الدال. إنها رؤية إبستيمولوجية موجهة لسعيد، في مطلع الفصل الأول من الكتاب، جعلته يقول: «لمجرد كوننا كائنات واعية، فكلنا منشغلون باستمرار في التفكير بحياتنا، وساعون لإعطاء معنى لها، ذلك أن صنع الذات هو إحدى قواعد التاريخ، الذي هو في جوهره نتاج العمل البشري». يكشف خطاب الناقد عن مركزية الحياة، بما هي وجود مفتوح على التعقيد والتركيب، وأهمية الذات، بوصفها كائنًا بشريًا في وجوده الدنيوي المطلق، في التفكير الإنساني. إن الإنسان، إذًا، ينزع لفهم ذاته،
والانشغال ب «حياته» في امتداداتها المتنوعة والمختلفة. وهذا يدفع إلى التساؤل: هل في إمكان الفنان، باعتباره «كائنًا واعيًا»، أن يوظف الفن في كشف الحياة الإنسانية، ويساهم في إعطائها معنى؟ ينفتح الجواب على الإقرار بإمكانية تحقيق الفنان لتلك المهمة. لكن سؤالً آخر يتولد هنا: بأي أفق فكري، وبأي طريقة بنائية يكشف الفنان «الدنيا»، الخاصة أو العامة، المتصلة بالكائن البشري في عموميته؟ يتضمن السؤال إشارات ضمنية كاشفة عن دنيوية التعبير الفني. إنها دنيوية قد تصير وجود الفن، برهاناته الإبستيمولوجية الهادفة إلى التغيير، متصلً ب «مقاومة ما أطلق عليه أدورنو ‘أنطولوجيا الأوضاع الخاطئة»’. من منظور الوعي الممكن، قد يكون هذا الطموح مثاليًا، لكنه طموح يؤكد العاقة
النوعية التي يشيدها الفن مع المجال السوسيولوجي الثقافي. إنها العاقة التي تنقض صورة بعد الفنان عن «الواقع»، مما ترتب عليها تصور خاطئ يعزل الفن والفنان عن هذا «الواقع» (أسطورة البرج العاجي)؛ بالنظر إلى تمثل موقع البعد الذي يقيم فيه الفنان. ضمن هذا السياق، يقف سعيد عند الامتداد الدنيوي لتجربة شتراوس الموسيقية، مقارنة بتجربة بتهوفن، فيقول: «إن شتراوس من بدايته حتى النهاية ليس يقدم الادعاء العاطفي الذي يحق له ادعاؤه، وخافًا لأسلوب بيتهوفن المليء بالتصدعات والشظايا، تجده صقيلً ناعمًا، كاملً من الناحية التقنية، ودنيويًا، ومطمئنًا بما هو موسيقى في عالم موسيقي كامل».
(22) Megevand, p. 124.
(2((سعيد، عن الأسلوب المتأخر، ص.33 (2((ستيفن إريك برونر، النظرية النقدية: مقدمة قصيرة جدًا، ترجمة سارة عادل، مراجعة مصطفى محمود فؤاد (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2016)، ص.38 (2((سعيد، عن الأسلوب المتأخر، ص.106
يفصح قول سعيد عن الكينونة المركبة للإبداع الفني، الفن الموسيقي هنا، كما يكشفها تكوينه وغايته. ويتصل عنصر التكوين بالتعبير عن «قضايا» الشعور والفكر، بوسائط جمالية وتقنية مائمة قائمة، ضرورة، على التماسك الدال. ويرتبط عنصر الغاية بتأكيد الاتصال بالحياة الإنسانية، بمختلف امتداداتها، المعبرة عن توغل الفن في دنيوية worldly الكائن البشري. ومن ثم، فإن العاقة بين تكوّن الفن وغايته الدنيوية، لكن وفق قواعد صارمة يستدعيها تشييد العمل الفني، تبيّن الاتصال
القوي بين التعبير الفني والعالم الإنساني بمكوناته الاجتماعية والثقافية والحضارية. إن الاتصال، بهذا المعنى، وضع حتمي، وليس مجرد فعل محتمل. إنه إقرار برفض، مؤطر بوعي نقدي ثقافي، انعزال الفن عن العالم، بما هو «نص ثقافي» في مجمله. لهذا، فإن تأكيد دنيوية التعبير الفني يرتهن بتجاوز ما يسميه سعيد «العزلة الثقافية والجمالية»isolation aesthetic and cultural التي تقلقه؛ ما دامت تسهم في عزل الفن عن الحياة الإنسانية والثقافية، «مثل عزل الموسيقى عن العالم الاجتماعي والثقافي». يكشف قول سعيد، المتصل بتعريفه الموسيقى، والمقترن بالتحذير من عزلها، عن فكرتين مهمتين؛ إذ تبرز الفكرة الأولى أن العمل الفني مؤسس على تعقيد نوعي مميز لهويته وكينونته، لذا ينفتح هذا العمل على تعدد في الدلالة، ما يجعله لا يكشف معانيه بيسر وسهولة، ومن هنا، يتبدّى الفن فعلً منفتحًا
على الكثير من المعاني والأبعاد، ومتصلً بعدة أفكار ومعارف. أما الفكرة الثانية، فهي تبين أن العمل الفني يجدد المعرفة، ويضاعف منسوبها؛ لأنه عمل تولد ضمن إستراتيجية تفكير عقاني، وصار دالً ومعبرًا بحكم الطابع الرمزي الذي يؤطر كينونته بعد تحققه. بهذا المعنى، يفضي التحليل الحصيف
لطبيعة الفن الصناعية، ونظام عاقته المتينة بالمحيط الثقافي والاجتماعي، إلى استحضار عمق فكرة مارتن هيدغر Heidegger Martin عندما يؤكد أن «العمل الفني شيء مصنوع، ولكنه يقول شيئًا آخر غير الشيء المجرد في حد ذاته [...] العمل الفني رمز». تثير رمزية العمل الفني تعددًا في الاحتمالات الدلالية، بناءً على القراءة التأويلية لعوالمه. لكن جعل
الإنسان، بما هو كينونة ثقافية ورمزية، أس المعنى والدلالة يظل مركزيًا، إن لم نقل موجهًا لقراءة التعبير
الفني في التفكير النقدي لسعيد. لهذا، فإنه يؤول العمل الفني الموسيقي من موقع ارتباطه الشديد بالإنسان، في دنيوية مركبة ومعقدة، ضِمنَ سيرورة قرائية تتوقع الوجود الممكن لهذا الإنسان المشكل رمزيًا في العمل الفني: «المؤكد في رأيي أن موزار Mozart حاول أن يجسد قوة مجردة تدفع البشر
بواسطة الوكاء (في «مدرسة العشاق») أو بواسطة قوة الاستمرار (في «دون جيوفاني») بالضد من عقليتهم أو إرادتهم في معظم الأحيان». قد يعني قولُ سعيد، مؤكدًا أهمية الفن الموسيقي لدى موزار، أنها أهمية نابعة من تشييد فكرة الدفع
((2(سعيد وبارنبويم، ص.61 ((2(المرجع نفسه. (2((مارتن هايدغر، أصل العمل الفني، ترجمة أبو العيد دودو (كولونيا: منشورات الجمل، 2003)، ص.62 (2((سعيد، عن الأسلوب المتأخر، ص.111
المميزة لعاقة الإنسان بوجوده. وبهذا المعنى، فإن تفاعل الإنسان مع الحياة، كما تكشفه رمزية الأعمال الأوبرالية لموزار، يتأطر برؤية دينامية. لهذا، فإن إلزام الكائن البشري وإجباره على القيام بفعل معيّن، أثناء تفاعله الحيوي مع مكونات الوجود المختلفة والمتعددة، يتحقق عبر وضعين: الأول
تنتجه الذات بتفكيرها وإرادتها الخاصة، والثاني يبلوره الآخر الضاغط على الذات بقوة الإكراه. وبهذا المعنى، يتبدّى الإبداع الفني شديد الاتصال بالوجود الإنساني؛ وجود مركب متصل بالحياة الثقافية والاجتماعية، وبالمكون النفسي المعقد للكائن البشري. لهذا، فإن «الاتصال الثقافي والجمالي» الذي يمارسه الفعل الإبداعي قد يتصل بمكون فكري تجريدي، كما هو الشأن مع الأيديولوجيا التي يعبر عنها الإبداع الفني. يقول سعيد في هذا الصدد، متحدثًا عن أعمال جان جينيه Genet Jean المسرحية: «ألف كتابيه الأخيرين بما هما عمان ملتزمان جهارًا، ‘الستائر’ ملتزمة بتأييد الثورة الجزائرية في ذروة
النضال المناهضة للكولونيالية، و‘الأسير العاشق’ تعبير عن دعمِه للمقاومة الفلسطينية من أواخر الستينيات إلى حين وفاته عام 1986، بحيث لا يجد المرء أي مجال للشك في موقف جينيه. وكان لغضبه على فرنسا ولعدائه لها أصول في سيرته». يكشف الموقف عن أيديولوجيا الانتماء، ويظهر الموقف المبني في النص الفني، بما يائم مكوناته الدلالية والجمالية، فلسفة إبداعية تعبر عن ارتباط الفن القوي بقضايا الإنسان. وبهذا المعنى، لا تتبدّى دنيوية التعبير الفني في الوجود التجريبي للكائن البشري، بل إنها تظهر في قدرة الفن، عبر صيغ التمثيل والترميز، على تشييد مواقف فكرية وأيديولوجية، متحققة صوريًا في ذهن الفنان، ومجسدة رمزيًا
في إبداعه الفني؛ تكشف مآزق الوجود المتنوعة، وتبرز مميزات التفكير المتعالق مع زمنية الانتهاك الكولونيالي (الجزائر وفلسطين). يعثر سعيد، إذًا، على ترابط متين بين التعبير الفني والحياة الإنسانية، ثم ينطلق لقراءة تلك العاقة من منظور ثقافي. لهذا، نظر سعيد إلى نص جان جينيه المسرحي الستائر من منظور «سياسة الهوية»، فقال: «ذلك أن عظمة المسرحية، بكل ما فيها من إخراج متوهج وصارم وفكاهي أحيانًا، هو تفكيكها المتعمد والمنطقي، ليس فقط للهوية الفرنسية – فرنسا الإمبراطورية، القوة، التاريخ – وإنما الهوية ذاتها أيضًا». يعمد سعيد إلى قراءة تفكيكية للإبداع الفني المسرحي، عند جينيه، فيكشف المسكوت عنه في التعبير الفني المؤسس على سياسة الاختاف عن الإبداع الإمبراطوري. إنه مدخل قرائي تأويلي أسعف في استحضار الخفي داخل الإبداعات الفنية، بوصفها تجارب تعبيرية قادرة على انتهاك مهمة الإسكات التي تقوم بها بعض الخطابات، كالخطاب السياسي والديني. ضمن هذه الدينامية القرائية، يتحدث سعيد عن تجربة غلين غولد Gould Glenn الموسيقية، فيقول: «يحمل غولد نفسه مهمة عسيرة ومفاجئة هي مهمة الجهر بمعتقد قوامه السعي نحو التماسك والانتظام والابتكار عند التفكير في الموسيقى، بما هي فن تعبير وتفسير [...] أضف إلى ذلك كرهه [غولد] لأي تماس حميم مع مسيرة الزمن، وتقديره للمؤلفين الذين لا ينتمون إلى زمانهم أمثال ريتشارد شتراوس، واهتمامه بتوليد حالة من
(3((المرجع نفسه، ص.151 (3((المرجع نفسه، ص.153
نشوة الحرية بواسطة عروضه وخالها، وانسحابه الكامل من الروتين العادي لحفات العزف [...] هذه كلها أثرت مشروع غولد العزفي المعجز والفريد». يظهر أن الفن الموسيقي، من منظور إدوارد سعيد الثقافي، يؤسس للعاقة بالحياة من زاوية التعبير بطابعه الدنيوي. إنه التعبير القائم على تشييد وعي مركب بالوجود الإنساني في امتداداته المختلفة، انطاقًا من وظيفة التخييل الإبداعي (مهمة الجهر)، وبناءً على مكوناته الدلالية وعوالمه الرمزية؛ كما يظهر في رمزية التشييد النوعي (التماسك)، والتركيب المائم (الانتظام) والتجديد الخاق (الابتكار، الانسحاب الكامل من الروتين العادي لحفات العزف)، والتقدير الأخاقي للآخر، والإعاء من القيم الإنسانية الرفيعة (الحرية)، والتميز المؤطر بالتمايز الظاهر (مشروع غولد المعجز والفريد). تدل دنيوية الفن، ضمن التصور التأويلي الثقافي لسعيد، على ارتباطه القوي ب «الواقع» الإنساني. إنه الارتباط الخاق الذي يبرز فاعلية الإبداع الفني من خال قدرته على كشف «الحياة اليومية» في هذا الإبداع. ذلك ما كشفه سعيد في قراءته الثقافية لمسرحية يوريبيديس الباخوسياتلما أخرجها إنغمار برغمان Bergman Ingmar في شكل أوبرا، فقال: «أما ‘باخوسيات’ برغمان، فنسخة مألوفة وأقل طقوسية عن رائعة يوريبيديس العظيمة، ضخمت رعب التدمير والحزن بسبب الانطباع الذي تركه؛ المتعلّق باختبار كل شخصية من الشخصيات على المسرح التجربةَ الديونيسوسية على انفراد. وكما في سائر أفامه، حوّل برغمان العناصر غير الشخصية والبطولة، بتخفيضها، إنْ جاز التعبير، إلى مصاف الحياة اليومية والأحداث العادية». إن الرهان الثقافي لإعادة إنتاج (إخراج) الخطاب الفني بتصور فني وفكري جديدين يظهر في تكريس الشعور بالمأساة على المستوى الفردي، مما يكشف حضورًا نوعيًا لسيكولوجية القلق المؤطر للإنسان في الحياة البشرية. فضلً عن ذلك، ساهم النص الفني في تغيير الخطاب الميثولوجي؛ لأنه حرر التجربة الفنية الديونيسوسية من عالمها الأسطوري، وجعل أحداثها منفصلة عن الخارق والغريب، ومتصلة ب «العادي» و«اليومي».
الفن: مغايرة المألوف
يقول أرثر أيزابرجر Barger Asa Arthur في كتابه النقد الثقافي: «الأعمال الفنية تساعدنا على أن نستعيد متعة الإثارة بما في الحياة، ونرى بذلك الأشياء المألوفة على نحو جديد». يبين هذا القول الوظيفة التأثيرية التي تضطلع بها الأعمال الفنية في الكائن البشري، فينزع إلى كشف الجوانب المضيئة في الحياة، ويعمل على دفع الإنسان إلى الاستمتاع بها في كليتها. بهذا المعنى، يسعف الفن في تغيير وعي الإنسان بالحياة، بانيًا رؤيته على التجديد المستمر فيها. وكأن وظيفة العمل الفني كامنة،
(3((المرجع نفسه، ص.216–215 (((3 المرجع نفسه، ص.241 3(((أرثر أيزابرجر، النقد الثقافي: تمهيد مبدئي للمفاهيم الرئيسية، ترجمة وفاء إبراهيم ورمضان بسطاويسي (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2003)، ص.73
في ما يسميه أدورنو تحديدًا، في «تعاليه على الوجود المجرد». إن هذا يجعل الفن مشبعًا بثقافة إدراك الحياة في صيرورتها (التحول)، ولا يبقى إدراكًا منحصرًا في الوعي بالبناء الجمالي للعمل الفني،
الذي ينفتح في محمولاته الفكرية الدلالية على الكائن البشري في سيرورته (الامتداد) الوجودية. ويظل ذلك مشروطًا بتجاوز الفن أي معيارية محتملة في إبداعه، فيصير الفن فعلً بانيًا لعالمه على أسس
الخرق البنّاء. يتحدث سعيد، ضمن هذا الأفق التشييدي الذي يراهن عليه مبدع العمل الفني، عن الأعمال الأوبرالية للمسرحي والموسيقار الأميركي بيتر سيللرز Sellers Peter، قائلً: «إن انتهاك القواعد هو تحديدًا ما تقوم به الأعمال الأوبرالية، من الناحية الثقافية، وما شدد عليه سيللرز في رؤيته للأوبرات الثاث هو الفحص المجهري الاستثنائي للقساوة الاجتماعية التي مارسها موزار». يتبدى، من زاوية جمالية ثقافية، أن الفن يؤسس وجوده على مبدأ الخرق الذي يتمرد على السائد والمعياري، فتصير إستراتيجية بناء الفن وتشييد عوالمه، بما يائم طبيعته وهويته وكينونته، قائمة على حضور الواقع الاجتماعي والثقافي في وعي الفنان أثناء تشييد إبداعه. ينبه سعيد، تعميقًا لقول سابق، إلى أن التجربة الفنية لا تلتقط «الواقع» بطريقة مباشرة، بل هي تجربة إبداعية صادرة عن تصور للحياة. إضافة إلى ذلك، إذا كان الفن مشيدًا بوسائط تجعله منفصلً عن أي تعبيرية مباشرة، فهذا يعني أن حقيقة الإبداع الفني القائم على تدمير المألوف في الخطابات النفعية، متولدة من بنائه الجمالي المؤسس ل «عالم» نوعي وخاص، وكاشفة لطبيعته المتعالية على أي حقيقة فردية واقعية تجريبية؛ لأن «الأمر لا يتعلق في العمل الفني بإعادة التعبير عن الموجود المفرد الحاضر في كل مرة، وإنما يتعلق الأمر على العكس من ذلك بالتعبير عن الجوهر العام للأشياء». تقوم مقولة التميز النوعي للعمل الفني على مبدأ الشمولية أولً، ومبدأ التعبير الذي يستدعي الكشف ثانيًا.
من هنا، فإن سعيد يبرز الطابع النوعي للعمل الفني، بعد أن يؤكد الإشكال المتصل بالانشغال بأثر هذا العمل، وتجاهل كينونته الفنية الجمالية. لهذا، فإن الاشتغال النقدي بديكورات بعض الأعمال الأوبرالية لسيللرز دفع بسعيد إلى القول: «بسبب فكرة مشابهة الواقع التي تروج لها وجبة راسخة أكثر من الازم من الأوبرات الإيطالية ‘الواقعية’، نسينا أن ديكورات الأوبرا هي بالضرورة شاعرية ومجازية، وليست حقيقة على نحو آلي، ولا تسعى إلى تقليد الطبيعة». يلزم البناء الشاعري والمجازي لبعض مكونات العمل الفني الإقرار ب «إبداعية» كل عمل فني، مما يجعله ممارسة تعبيرية دالة ثقافيًا وفكريًا. بهذا المعنى، فإنّ الفن لا يطابق الواقع المرجعي، والواقع
التجريبي لا ينعكس ميكانيكيًا في الفن. لهذا، إذا كان الإبداع الفني يتأسس في جوهره، بلغة سعيد،
على «انتهاك القواعد» rules of Violation، فإن ذلك يفرض توفر إطار معرفي لتفكيك البناء الدال
3(((سعيد، عن الأسلوب المتأخر، ص.58 (((3 المرجع نفسه، ص.83 (3((هايدغر، ص 89. 3(((سعيد، عن الأسلوب المتأخر، ص.83–82
للعمل الفني المركب، وكشف عاقاته بالثقافة والمجتمع. من هنا، تبيّن الدراسة الثقافية للفن الموسيقي
أن الفن في عمومه معبِّر عن ثقافة دالة، فيرغب في تحقيق تفاعل مع الآخرين على قاعدة تميز الفن،
لكن من دون النظر إليه ضمن دائرة الثقافة النخبوية الممتلكة «عبقرية» نوعية، والمميزة مقارنةً بباقي الأشكال الثقافية الأخرى. يتضح أن فهم سعيد للفن، القائم على مغايرة المألوف، غايته «نقد المعيارية» standard the of Criticism، بلغة سايمون ديورنغ During Simon؛ ما دامت «المعيارية هي عبارة عن مجموعة من النصوص والأعمال الفنية... إلخ، التي ينظر إليها تقليديًا على أنها تمثل أرقى منجزات
الثقافة، والتي غالبًا ما تجري مناقشتها ونشرها على أنها كذلك ضمن المؤسسات الثقافية والتربوية ذات
المكانة الرفيعة». يفرض هذا الفهم التشديد على أهمية النظر للفن، عند سعيد، بوصفه فعلً داعمًا لتشييد المغايرة،
وباعتباره فعلً ثقافيًا يتشكل عبر نقض المألوف. لهذا، إذا كان الفن في كينونته الأساسية يعبر عن
«طريقة وجود وطريقة فعل»، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما المؤشرات الدالة على تحقق الفن على مبدأ المغايرة؟ يمكن الجواب بتحديد نماذج فنية يقرؤُها سعيد في سياق ديناميتها التجديدية الخاضعة لهذا المبدأ. أولً: لما قارب سعيد العمل الإبداعي الفهد، ركز على تحوله من رواية، كتبها الأرستقراطي الصقلي جيوسيبي توماسي دي لامبيدوزا Lampedusa di Tomasi Giuseppe، إلى فيلم روائي على يد المخرج الإيطالي المرموق لوتشينو فيسكونتي Visconti Luchino، فقد قال: «الفيلم يشتغل لا بالولوج إلى داخل الرواية وإنما بالخروج منها، فيمطّ، ويبالغ، ويضيف»، ثم تابع قائلً: «يستخدم فيسكونتي السينما ليضيف إلى رواية لامبيدوزا ما يشبه اللحن السينمائي المساير من عنديات بروست، وهو من انشغالات نهاية القرن بالوفرة الزائدة، والترف واللذة المفرطة لدى الطبقات ذوات الامتياز التي لا تأبه لثمن الأشياء أو لمتى ينفد ما لديها من مال». يظهر الفن، عند سعيد، تجربةً إبداعية مركبة، فا يتأسس هدفها على بناء تبسيطي قوامه تحويل فن سردي تعبيري (الرواية) إلى إنتاج فن آخر سردي بصري (الفيلم)، بل غايته مأسسة التجربة الفنية على الإبداعية الخاقة المولدة للتجاوز والإضافة. بهذا المعنى، فإنّ ما يميز الفن هو قدرته على توليد نوع فني ممكن من نوع آخر كائن محقق، ساهم السياق الحضاري والثقافي والاجتماعي في تشكله وانبنائه، وما يستتبع ذلك من دعم لإنتاجية فنية تسهم في التجدد الدائم للفن، ونقض كل فهم وفكر يحاول النظر إليه من زاوية تكريس المألوف وترسيخ المتداول. لهذا، فإن ميزة الفن عند سعيد تكشفها قراءة ثقافية تتجاوز الظاهر الجمالي نحو المضمر الفكري والثقافي. ثانيًا: حينما يتحدث سعيد، بلغة لا تخلو من إشادة وإعجاب، عن «العازف المعجز»، عازف البيانو
(3((ديورنغ، ص.316
(40) Christian Ruby, L’art Et La Règle (Paris: Ellipses, 1998), p. 14.
(4((سعيد، عن الأسلوب المتأخر، ص.194 ((4(المرجع نفسه، ص.195
الكندي والمؤلف والمثقف غولد، فإنه يقول: «في مجمل نتاج غولد يقدم نموذجًا للعازف المُعجِز الذي يتجاوز عمدًا الحدود الضيقة للعزف والأداء نحو مجال حواري، حيث الأداء والعرض يقدمان محاجة عن التحرر والنقد الفكريين جدّ مؤثرة ومتعارضة جذريًا مع جماليات العزف، كما يفهمها ويرتضيها جمهور حفات العزف الحديث». كما يقول سعيد، مستأنفًا حديثه عن غولد: «يصير عزف موسيقى باخ كشفًا وإعاء في آن معًا، حيث يلتقط العازف نمطًا معينًا من ابتكارية باخ ويعيد صياغته جدليًا بلغة جديدة. وفي القلب من هذا النوع من العزف يقع حدس غولد شبه الغريزي لإبداع
باخ كما يتجلى في نوع الكتابة التساوقية التي هي إعجازية وفكرية بالمعنى السردي في آن»ٍ. يقدم التميز النوعي للفنان، غولد هنا، إشارات مهمة لقدرات الفنان على تشييد التميز عبر إبداعيته الخاقة؛ فيؤسسها على التجاوز والحوار والفكر والتأثير والأداء الجمالي المتميز. بهذا المعنى، يجب أن يتأسس الفن على «فائض الابتكار»، لأجل تجديد العمل الفني، والمساهمة في تطويره؛ ومن ثم، التحرر من النسق المغلق القاضي بالاحتكام للنظام. ومن هنا، فإنّ الابتكار في الفن يبقى رهينًا بأفكار خاقة، لأنها قادرة على تحقيقه فعليًا، كما هو الشأن في مجال الفن الموسيقي مع غولد؛ ف «في طريقته
شبه الارتجالية المميزة في العزف، وسع غولد المعجز أولً حدود حفات العزف المنفرد، ما سمح للموسيقى بأن تستظهر وتكشف ترسيمتها الجوهرية المتحركة، وطاقاتها الإبداعية، كما المسارات الفكرية التي يتعاون المؤلف والعازف على بنائها». ثالثًا: لما يدرس سعيد إبداع الشاعر اليوناني الإسكندري قسطنطين كافافي Cavafy. p Constantine، يقول: «من أبرز إنجازات كافافي أنه يعبر عن نقائض التأخر، والأزمة الجسمانية، والمنفى بواسطة أشكال وأوضاع، والأهم بواسطة أسلوب مدهش في طاقته الابتكارية وأناقته الهادئة. يوفر له تاريخ الإسكندرية مثل تلك المناسبات». تتحدد إبداعية الفن، ومنه الفن الشعري هنا، وتجاوزه المتداول، بناءً على قول سعيد المقترن بمفهوم التأخر، بمعطيات ذاتية تخص كينونة المبدع أولً، وبوضعيته
الكاشفة لخيبته ولذته في الآن نفسه ثانيًا، وبأسلوب خاص متولد من الابتكار أثناء التفكير في الفن
ثالثًا، وبمجال جغرافي ثقافي حضاري يقوي إبداعية الفن ويعمقها، كما يُسْهمُ في تحققها فعليًا رابعًا.
بهذا المعنى، فإن جوهر الفن هو التجديد والكشف، وكونه أداة ذلك التفكير العقلي المفضي إلى تجاوز المتداول ونقض المألوف.
الفن: المضمر الفكري
يبني إدوارد سعيد فهمًا خاصًا للفن الموسيقي، بناء على الاقتراح النظري للعازف الكندي غولد، فيقول: «الموسيقى نظام عقاني مبني؛ إنه نظام اصطناعي لأنه من صنع الإنسان وليس نظامًا طبيعيًا؛
((4(المرجع نفسه، ص.212–211 ((4(المرجع نفسه، ص.220 ((4(المرجع نفسه، ص.227 ((4(المرجع نفسه، ص.248
وإنه يفرض نفسه في وجه ‘النفي’ أو الامعنى في كل ما يحيط بنا من كل حدب وصوب؛ والأهم، أنه يعتمد على الابتكار بما يتضمن المجازفة في تجاوز النظام إلى النفي (وهي الطريقة التي يصف بها غولد العالم الواقعي خارج الموسيقى) ومن ثم العودة إلى النظام كما تتمثله الموسيقى». يظهر أن سعيد يقرأ العمل الفني في سياقه الثقافي الإنساني، المعبر عن معنى فكري يتطلب الكشف والتشييد. وهكذا، فإن المضمر الفكري للعمل الفني قادر على تعميق وعي الذات بالأمور الخفية، ودعم أفقها الفكري بتراكم معرفي دال. العمل الفني، إذًا، في تجليه النصي أو التعبيري، مشجع فكريًا وملهم ومفيد؛ لكن ليس بمعلوماته ومعارفه فقط، بل ب «نوع من الروح تحس بها من خال الكلمات: شعور بالاكتشاف؛ شعور بالتجوال عبر مواد تبهرك فجأة فتبدو لك إبداعية أو مهمة وذات مغزى». ولئن كان التوجه المعرفي والانتظام المنهجي لهذه الدراسة، يهدف إلى إبراز العمق الفكري للإبداع الفني، كما تشخصها مقاطع تمثيلية، متصلة بالفن ومتمحورة حوله، من كتاب عن الأسلوب المتأخر، ثم كشف مظاهر المضمر الفكري في الأعمال الفنية المختلفة التي خصها سعيد بالدراسة والتحليل، فيحسن بنا ذكر بعض المقاطع التمثيلية وتسليط الضوء عليها. يرتبط المقطع الأول بحديث سعيد عن الفن في إطاقيته، فيقول: «يجوز الجهر أنه في الفن، كما في أفكارنا العامة عن عبور الحياة البشرية، يفترض وجود لا زمنية عمومية مقيمة، أعني بها أن ما يناسب الحياة المبكرة لن يناسب مراحلها الاحقة، والعكس بالعكس». لا يجاري سعيد الأفكار المتداولة، ولا يساير الأحكام المألوفة. لهذا، يتبدّى الفن مائمًا لتماثل الكائن البشري مع زمنه؛ مما
يصيّر الفن معبرًا عن اختاف أزمنة الوجود البشري؛ ففنّ بداية الفنان، وانطاقه في الوجود، لا يؤسسان
ل «المطابقة» مع الفن المحقق في الفترات الزمنية الأخيرة من حياة الفنان، أي إن العمق الفكري للفن كامن في خضوعه لتحولات الرؤية والتاريخ، واستجابته ل «القوة الذاتية» للفنان التي تعرف الكثير من التغيير بسبب تقدمه في العمر، واقترابه من لحظة الانتهاء الوجودي (الموت). كأن المضمون الفكري العميق للعمل الفني هو امتاك الفنان أسلوبًا نوعيًا كاشفًا الفترة الزمنية لإنجازه، لكن طابع العمل الفني
يجعله عملً ممتلكًا لكينونة متعالية على «الانضباط» التام للسيرورة الوجودية للفنان، وما يصاحبها من تحولات مختلفة. ويقترن المقطع الثاني بدراسة سعيد أعمال الموسيقار الألماني ريتشارد شتراوس، مبرزًا خطأ أدورنو في حكمه القاسي ب «رجعية شتراوس المفوتة»، فيقول: «تشكل أعمال شتراوس الأخيرة مجموعة محددة المعالم ضمن أعماله الكاملة. إنها هروبية من حيث الموضوع، تأملية، وحيادية من حيث النبرة، وفوق ذلك كله، كلها مكتوبة بنوع من السيطرة التقنية المقطرة والمصفاة تبعث على الإعجاب
((4(المرجع نفسه، ص.215 ((4(سعيد وبارنبويم، ص.92 (4((نمثل ببعض المقاطع من داخل كتاب عن الأسلوب المتأخر، من دون اعتبارها نماذج حصرية، وإنما تمثيلية استدلالية. إن تقديم هذه النماذج يأتي في سياق التأكيد أن الجزء قادرٌ على تقديم صورة على الكل، مع الاحتفاظ بنسبية هذه الفكرة. (5((سعيد، عن الأسلوب المتأخر، ص 3.7
الشديد». يظهر من كام سعيد أن الإبداع الفني لشتراوس تأثر بتقدمه في العمر، فبدا «شخصية تحتاط لشيخوختها». إذًا، فإن العمق الفكري للعمل الفني (الموسيقي) عند شتراوس كامن في الهروبية الدالة على اقتراب عُمر الفنان من نهايته، وفي التأمل الفكري الناجم عن تراكم الخبرة في الحياة بفعل النظرية (المعرفة) والتجربة (الممارسة)، وفي امتاك «الأسلوب» النوعي الخاص الذي يجعل الإبداع الفني مؤسسًا على «تقنيات» مؤثرة في المتلقي، وخاقة للتعدد في المعنى، والتنوع في الدلالة.
ف «التحول» هو الأكثر عمقًا في العمل الفني؛ تحول لا يعكس العجز حينما يتقدم المبدع في العمر، ولكنه يعبر عن قوته الفكرية. إن ذلك قد لا يمنع من انفتاح العمل الفني على قيم الهشاشة والضعف والانكسار، وكل ما يكشف التوتر الناجم عن «التأخر»؛ ألم يقل صامويل بيكيت، في ما يشبه الصرخة، في روايته اللامسمى: «لا أستطيع الاستمرار. وسأستمر»؟ ويتصل المقطع الثالث بتأكيد سعيد، في سياق دراسته موزار، رأيه الآتي: «المؤكد في رأيي أن موزار حاول أن يجسد قوة مجردة تدفع البشر بواسطة وكاء (في ‘مدرسة العشاق’) أو بواسطة قوة الاستمرار (في ‘دون جيوفاني’) بالضد في عقلهم أو إرادتهم في معظم الأحيان. فالحبكة في ‘مدرسة العشاق’ حصيلة رهان بين ألفونسو وفيراندو وغوغليلمو، ليست مستوحاة من إحساس بغاية أخاقية ولا بالشغف الأيديولوجي». يكشف قول سعيد عن البناء الرمزي للعمل الفني، فيصير مقترنًا بوجود قوى خفية مؤثرة. وبهذا المعنى، فإن العمل الفني، في بنائه الجمالي الدال، يرسم الكثير من معالم الرغبة الإنسانية. وإذًا، يصعب الحديث عن حيادية الفن، وانفصاله، أو عدم تأثره، بالعوالم الثقافية والاجتماعية والحضارية المتصلة بتشكله. ويتعلق المقطع الرابع بقول سعيد، دارسًا مسرحية الستائر للمسرحي الفرنسي جان جينيه، الذي نقلناه
سابقًا: «ذلك أن عظمة المسرحية، بكل ما فيها من إخراج متوهج وصارم وفكاهي أحيانًا، هو تفكيكها المتعمد والمنطقي ليس فقط للهوية الفرنسية – فرنسا الإمبراطورية، القوة، التاريخ – وإنما لفكرة الهوية ذاتها أيضًا، فالوطنية التي باسمها أخضعت فرنسا الجزائر، والوطنية التي قاوم الجزائريون فرنسا منذ العام 1830 تعتمدان إلى حد بعيد على سياسة الهوية». يمكن صياغة فهم سعيد بقول آخر: الفن كاشف لتميز البناء، وبناؤه بطريقة نوعية يقوي استمراريته في الوجود (وفق مفهوم العظمة). إنّ الإبداع الفني يعبر عن هويات متصارعة، ترغب كل واحدة في كسب «الاعتراف». كأن سعيد يبين أن الفن قادر على إبراز الهويات المهمشة والمنسية، وعلى نقض الصورة السلبية حولها، وما رافقها من «شيطنة»، بسبب وضعية «التابع» التي فرضت عليها من لدن القوى المهيمنة (الكولونيالية). ويتجسد المقطع الخامس في حديث سعيد، مشيدًا ب «العازف المعجز» غولد ومؤكدًا تميزه، قائلً: «المؤكد أن العامة الفارقة لأسلوب غولد في العزف، فيما هو يواصل إنتاجه منكفئًا كليًا في استوديوهات
((5(المرجع نفسه، ص.104 (5((برونر،.96 ص (5((سعيد، عن الأسلوب المتأخر، ص.112–111 ((5(المرجع نفسه، ص.153
التسجيل التي يازمها حتى أواخر الليل، هي أن عزفه يبث أولً إحساسًا بالاتساق العقاني والدلالة
المنهجية؛ وثانيًا: إن خدمة ذلك الغرض تركز على أداء موسيقى باخ التساوقية بما هي تجسيد لذلك
المثال». يبدو واضحًا، من قول سعيد، أن الخبرة والتجربة تمكّنان الفنان من تحقيق «ذاتية متفردة
وعميقة»، والمساهمة في أداء تنويري معرفي. وبهذا المعنى، يتجلى الإبداع الفني عملً تنويريًا مؤسسًا
على اتساق عناصره، مما يكشف عقانية تنظيمية تبني مضامينه وأدواته الفنية. إنها عقانية ناجمة عن وعي الذات المبدعة لوجودها، ووعيها بالأعمال الفنية السابقة على إبداعها. من هنا، فالعمل الفني، الموسيقي هنا، تتداخل في تشكيله أنظمة معرفية، مما يسعف في تدبير وجوده بأطر منهجية، فيصير ممتلئًا دلاليًا. لهذا، لم تكن العناية ببناء العمل الفني مقصورة على امتاك أفق جمالي وفني يتحرك فيه
هذا العمل، بل تستدعي بناءً فكريًا يجعله عملً منتجًا لمعارف متعددة، وتتطلب وعيًا جماليًا ومعرفيًا
يسعف الفنان في الإفادة من المنجزات الفنية السابقة، وصياغة فنه بما يناسب تجاوزها من جهة، واستثمار في سياق التجديد من جهة ثانية.
تركيب
كشف سعيد في خطابه النقدي الثقافي، كما تجسد في كتابه المذكور، عن فهم مغاير للفن، والتعبير الفني؛ فتجلى فهمًا ثقافيًا يتجاوز النقد البنيوي وأسسه المعرفية. لهذا، أمكن تحقيق وعي جديد بعالم
الفن من داخل النقد الثقافي، لأنه أنتج سياقًا معرفيًا ونقديًا ينظر إلى الفن من زاوية التعدد النوعي
(الموسيقى والمسرح والرواية والشعر... إلخ). بهذا المعنى، فإن التعبير الفني، بأنماطه المتعددة والمختلفة، يؤسس إنتاجية معرفية متنوعة بالإنسان وبالجغرافيا والتاريخ والثقافة، ويبني تصورًا معرفيًا
يجعل الفن مستحضرًا، على نحو لاإرادي أحيانًا، قوة الذات المبدعة ومدى تماسكها أمام «جال
الموت» المفضي إلى نهاية الإنسان الوجودية. من هنا، فإن الفن، من المنظور الثقافي لسعيد، عمل إبداعي مركب، يكتسب فنيته ويشيد دلالاته وأبعاده من جوهر كيانه الجمالي، ومن عمق كينونته الثقافية. وكأن الفن، بناءً على ذلك «مجال ثقافي جمالي» يكشف التوترات السياقية المختلفة التي
ينفتح عليها عالمه الدلالي الفكري، ويبين أنه لا يخضع في بناء عوالمه لتنميطات جمالية معيارية يمكنها أن تقوض طابعه الثقافي والمعرفي. لهذا، فإن سعيد، بخطاب النقد الثقافي، استطاع أن يبرز التفرد النوعي للعمل الفني، ضمن السياقات المختلفة والمتحولة المؤطرة لتبلوره، ما مكن من إدخال الفن ضمن دائرة الثقافة والفكر والمعرفة.
References
المراجع
العربية
أيزابرجر، أرثر. النقد الثقافي: تمهيد مبدئي للمفاهيم الرئيسية. ترجمة وفاء إبراهيم ورمضان بسطاويسي. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2003
((5(المرجع نفسه، ص.216
برونر، ستيفن إريك. النظرية النقدية: مقدمة قصيرة جدًا. ترجمة سارة عادل. مراجعة مصطفى محمود فؤاد. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة،.2016 ديورنغ، سايمون. الدراسات الثقافية: مقدمة نقدية. ترجمة ممدوح يوسف عمران. سلسلة عالم المعرفة 425. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2015 سعيد، إدوارد ودانيال بارنبويم. نظائر ومفارقات: استكشافات في الموسيقى والمجتمع. ترجمة نائلة قلقيلي حجازي. تنقيح وتقديم أرا غوزيليميان. بيروت: دار الآداب،.2005 سعيد، إدوارد. الثقافة والإمبريالية. ترجمة وتقديم كمال أبو ديب. ط 2. بيروت: دار الآداب،.1998 ________. عن الأسلوب المتأخر: موسيقى وأدب عكس التيار. ترجمة فواز طرابلسي. بيروت: دار الآداب،.2015 لومان، نيكاس. مدخل إلى نظرية الأنساق. ترجمة يوسف فهمي حجازي. مراجعة وتدقيق رامز ما. كولونيا/ بغداد: منشورات الجمل،.2010 هارفي، ديفيد. حالة ما بعد الحداثة: بحث في أصول التغيير الثقافي. ترجمة محمد شيا. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2005 هايدغر، مارتن. أصل العمل الفني. ترجمة أبو العيد دودو. كولونيا: منشورات الجمل،.2003
الأجنبية
Megevand, Martin. "Edward W. Said, ‘Une énergie en mouvement’: Musique et Littérature." Société & Représentation. no. 37 (2014). Ruby, Christian. L’art Et La Règle. Paris: Ellipses, 1998.