العودة إلى تفاصيل المؤلَّف أفول الصحراء ومطلع النفط في شعر مكفوفي الخليج العربي: صقر الشبيب أنموذجًا

أفول الصحراء ومطلع النفط في شعر مكفوفي الخليج العربي: صقر الشبيب أنموذجًا

The Waning of the Desert Era and Dawn of the Oil Age in the Work of Blind Poets in Arab Gulf Countries: Ṣaqr Al – Shabīb as an Example

أحمد يوسف الفرج

Ahmad Yousef Alfaraj

الملخّص

تحاول هذه الدراسة استنطاق النص الشعري للشاعر الكويتي الكفيف صقر الشبيب؛ أملًا في تقديم محاولة جديدة لقراءة تجربته الشعرية، وإعادة سردها بصورة مختلفة، وفق سياقين زمنيَّين متقاربين: عصر ما قبل النفط، ومطلع عصر النفط. وتفترض الدراسة أنّ الشبيب قد مرّ إبان حياته بثلاث أزمات رئيسة ومؤثرة: أزمة الفقر، وأزمة العمى، وأزمة نفسية من جرّاء التحول الحضاري السريع وانخراط المجتمع الكويتي في عصر النفط. ففي المحور الأول، تلقي الدراسة الضوء على أزمتَي الفقر والعمى. وفي المحور الثاني، تسعى لتقفّي أثر البيئة الكويتية في شعره إبان مرحلة ما قبل النفط وفقًا للمنهج السيميائي. أمّا المحور الثالث، وهو يُبنى على المنهج السيميائي أيضًا، فيرصد أبرز ملامح التحديث السريع، وأثره النفسي في الشاعر الكفيف. وجديرٌ بالذكر أنّ فكرة الدراسة مُستقاة من فكرة أوسع في رسالة الدكتوراه التي يقوم الباحث بإنجازها، وعنوانها "أثر النفط في شعر مكفوفي الخليج العربي: دراسة سيميائية نفسية".

Abstract

Abstract: This paper seeks to fill a gap in research on the ingenuity and imagery of blind poets in Gulf societies before and after oil, by looking closely at the case of Kuwaiti poet Ṣaqr Al–Shabīb (1894–1963). The hypothesis upon which this paper is based, states that Al–Shabīb underwent three crises in his life: poverty, blindness, and a trauma with the advent of early modernization in Kuwait and the entry of the oil age in record time. Based on this hypothesis, this paper will be divided into three parts. The first sheds light on Al–Shabīb’s suffering from poverty and blindness. The second, proceeding in accordance with the semiotic approach, examines the influence of the pre–oil environment on shaping the poetic images of Al–Shabīb, and his unique ability to document the Kuwaiti environment during the pre–oil era despite his visual impairment. The third explores the signs of the rapid transformation in the Kuwaiti environment that accompanied the age of oil, and how the poet harnessed all of his senses in portraying and documenting that transformation uniquely, as well as his own stance with regard to that transformation. It is also worth pointing out that this paper is an integral part of my upcoming thesis: "The Influence of Oil in the Work of Blind Poets in Arab Gulf Countries: Semiotic and Psychological Perspectives".

الكلمات المفتاحية:
  • صقر الشبيب
  • شعر العميان
  • أدب الخليج
  • النفط
Keywords:
  • Ṣaqr al-Shabīb
  • Blind Poets
  • Gulf Literature
  • Oil

أملً في تقديم محاولة جديدة لقراءة تجربته الشعرية، وإعادة سردها بصورة مختلفة، وفق سياقين

زمنيَّين متقاربين: عصر ما قبل النفط، ومطلع عصر النفط. وتفترض الدراسة أنّ الشبيب قد مرّ

إبان حياته بثاث أزمات رئيسة ومؤثرة: أزمة الفقر، وأزمة العمى، وأزمة نفسية من جرّاء التحول

الحضاري السريع وانخراط المجتمع الكويتي في عصر النفط. ففي المحور الأول، تلقي الدراسة

الضوء على أزمتَي الفقر والعمى. وفي المحور الثاني، تسعى لتقفّي أثر البيئة الكويتية في شعره

إبان مرحلة ما قبل النفط وفقًا للمنهج السيميائي. أمّا المحور الثالث، وهو يُبنى على المنهج

السيميائي أيضًا، فيرصد أبرز مامح التحديث السريع، وأثره النفسي في الشاعر الكفيف. وجديرٌ

بالذكر أنّ فكرة الدراسة مُستقاة من فكرة أوسع في رسالة الدكتوراه التي يقوم الباحث بإنجازها،

وعنوانها «أثر النفط في شعر مكفوفي الخليج العربي: دراسة سيميائية نفسية».

مقدمة

تناولت العديد من الدراسات ظاهرة التصوير الفني في شعر المكفوفين في الأدب العربي، سواء كان ذلك بالجملة أو كلًّ على حدة، وقد غلب التركيز فيها على أوسع الشعراء المكفوفين شهرةً وأكثرهم إنتاجًا وأقدمهم زمنًا، مثل بشار بن برد (ت. 167 ه) وأبي العاء المعرّي (ت. 449 ه)؛ ما

أخمَل ذِكرَ آخرين، وضيّق من دائرة أسماء الشعراء المكفوفين القابلين للدراسة، رغم وفرتهم على مرّ

العصور، لا سيّما في العصر الحديث، وفي منطقة الخليج العربي تحديدًا. ولقد استطاع جمعٌ من الباحثين استنباط صورة المجتمع الخليجي ما قبل النفط وبعده من خال شعر المبصرين، إذ اتخذوا من قصائدهم وثائق حية تسجّل ما دار من أحداث وما طرأ من تغيرات في تلك المرحلة الانتقالية المهمة في تاريخ الخليج العربي. بَيد أنّ الباحثين لم يسلّطوا الضوء على الشعراء المكفوفين تحديدًا، وغفلوا عن سبر رؤيتهم الفريدة، وفحص تصوّرهم المميز لعصر النفط، وكيفية تلقّيهم لتلك المرحلة الانتقالية وتصويرهم إياها؛ وذلك ربما لافتقارهم إلى الأهلية البصرية التي تمكّنهم من توثيق مرئيات تلك المرحلة التي شهدت طفرة عمرانية وثورة صناعية ووثبة اقتصادية عالية وطويلة. إنّ صورة البيئة الخليجية جديرة بالدراسة، بموروثها الصحراوي والحضري والبحري والنفطي، والشعراء هم «الصندوق الأسود» لذاكرة حوض الخليج العربي؛ ولذلك تسعى هذه الدراسة لإضاءة بقعة بحثية حول براعة تصوير الشعراء المكفوفين للبيئة الخليجية ما قبل عصر النفط وبعده، من خال اتخاذ الشاعر الكويتي صقر الشبيب (1963–1894) أنموذجًا؛ ذلك أنه عاش شطرًا طويلً من عمره داخل

مدينة الكويت قبل اكتشاف النفط، في مجتمعٍ ذي طابعٍ حضري ومُحيطٍ بحري ومناخٍ صحراوي، ثم كان أن استقبل عصر النفط، وشهد إرهاصات التغيير، فعاش خضرمةً حضارية في وقت قياسي، ثمّ قضى أجَله مع بداية النهضة الفعلية للدولة الحديثة. وعلى الرغم من وفرة الشعراء المكفوفين في الخليج عامة، وفي الكويت خاصة، من مثل فهد العسكر (1951–1913)، وعبد الرزاق البصير (1999–1920)، فقد وقع الاختيار في هذه الدراسة على رائد المدرسة الذاتية (الرومانسية) في الكويت: صقر الشبيب؛ لِقصر تجربته مع حاسة البصر، ذلك أنه عَمِيَ في سنّ مبكّرة، حين كان في التاسعة تحديدًا، ما حدّ من سعة ذاكرته البصرية، وأسْعفَ لانتخابه

أنموذجًا مناسبًا للمكفوفين، وفَحْصِ تصوّره الفريد للبيئة الكويتية، على نحو مُغاير لفهد العسكر الذي

فقد البصر في عام 1946، أي في أعوام عمره الخمسة الأخيرة، ما مكّنه من تكوين ذاكرة بصرية متينة تعينه على وصف المرئيات على غرار المبصرين، فأصبح حكمُه حكمَ المُبصِر، وإنْ بات كفيفًا. أما عبد الرزاق البصير، فلئن فقدَ البصر في سنٍّ مبكرة، ونظم الشعر، شأنه شأن صقر الشبيب، فقد عُرِفَ أديبًا بغير فنّ الشعر؛ ذلك أنه لم ينظم في حياته سوى النزر اليسير من الشعر، ما أدّى إلى إقصائه من

(((عقيل عيدان، معصية فهد العسكر: الوجودية في الوعي الكويتي (القاهرة: دار العين للنشر، 2013)، ص.283 (((عبد الله القتم، التحدي والتنوير في فكر عبد الرزاق البصير 1999–1920: م (الكويت، [د. ن].، 2002)، ص.41

دائرة الاختيار. ولقد سارت هذه الدراسة على معيارين محدّدين في انتخاب الشعراء المكفوفين نماذج للدراسة: قِصر التجربة البصرية أولً، وغزارة الإنتاج الشعري ثانيًا. وقياسًا على ذلك، فقد أمسى الشاعر

صقر الشبيب الأنموذج الأنسب من المكفوفين لخدمة القضية التي قامت الدراسة بصددها.

الإطار المنهجي والاصطلاحي

1. فرضية الدراسة وأهدافها

تفترض هذه الدراسة أنّ معاناة الشبيب تنبعُ من ثاث أزمات رئيسة ومؤثرة، واحدة في مرحلة متأخرة واثنتان في باكورة حياته. فالأولى هي أزمة اقتصادية (الفقر)، والثانية هي أزمة عضوية (كفّ البصر)، أما الثالثة فهي أزمة نفسية مع صعود مدّ التحديث في الكويت واكتشاف النفط فيها، وكانت امتدادًا لأزمته الأولى والثانية. وبناءً على تلك الفرضية، ستنقسم الدراسة، بعد عرض الإطار المنهجي والاصطاحي كاملً، إلى ثاثة

محاور رئيسة. يأتي المحور الأول تمهيدًا للقارئ، ليقف عند محطات مفصلية في حياة الشبيب عبر استعراض ضلعَين من مثلث أزمته: الفقر والعمى. ثم يثِب المحور الثاني ليقتفي أثر بيئة ما قبل النفط في تكوين الصورة الشعرية لدى الشبيب، وفقًا للسياقين الجغرافي والثقافي، كاشفًا عن كيفية تصوير الشبيب للبيئة الكويتية، آنذاك، على الرغم من الإعاقة البصرية، وكيفية تسخير خياله وسائر حواسه في تصوير البيئة في تلك المرحلة وتوثيقها. وأخيرًا يحلّ المحور الثالث ليستقرئ شعر الشبيب سيميائيًا

بعناية؛ تصيّدًا لعامات التغير الفجائي والتحديث الطارئ على البيئة الكويتية في مطلع عصر النفط

الطارف؛ وذلك من خال ما وثّقه الشبيب شعرًا، كي يستدلّ على خيطٍ من خيوط صدمته، ويستنبط، في

نهاية المطاف، موقفه النفسي إزاء عصر النفط وتداعياته، آخذين في الاعتبار أهمية التسلسل المرحلي والبحث التاريخي الدقيق في تحليل النص الشعري.

2. منهجية الدراسة

إنّ ظاهرة أدبية مركّبة، مثل صقر الشبيب، يصعب تناولها بمنهج تخصصي منفرد؛ وذلك لأنها مكوّنة

من حزمة مركّبات: كالشعر والعمى والفقر وعصر النفط. وحَرِيٌّ أنْ تُقارب الظاهرة بمنهجٍ متعدّد

التخصصات يمزج بين السرد التاريخي، والتطبيق السيميائي، والتحليل النفسي؛ سعيًا لتفكيكها، ثمّ

تركيبها من جديد. فعلى سبيل المثال، إنّ مركّبًا معقدًا كمركّب «الشعر والعمى» قد يُحيل على أسئلة كثيرة، مثل: ما أثر

العمى في التصوير الشعري عند الكفيف؟ أو، من ناحيةٍ أخرى: ما أثر البيئة في ذلك؟ ومن ثمّ، يمكن السعي في طلب الإجابة بمناهج مختلفة؛ كالمنهج الحسّي، أو السيميائي، أو غيرهما. ولقد انتصرت الدراسة للمنهج السيميائي، وآثرته على المنهج الحسّي؛ لسببين: أوّلهما أن اختبار أثر

العمى، من خال دراسة حسّية ترتكز على الصور الفنية المستمدّة من الحواسّ الخمس، قد سبق

إجراؤه، وثانيهما أنّ الدافع من هذه الدراسة لم يكن من أجل تقفّي أثر العمى في شعر الكفيف، وإلا وقع الاختيارُ على المنهج الحسي، وإنما كان دافع الدراسة اختبار أثر البيئة الكويتية في صوره وفي نفسه، وتتبُّع عامات البيئة في عصر ما قبل النفط من جهة، وعامات مستجدّات عصر النفط من جهة

أخرى، ولا يتأتّى ذلك غالبًا إلا بإجراءٍ سيميائي على النص الشعري. «إن الإفادة من معطيات الدرس السيميائي في تأويل النص الأدبي يرتكز في المقام الأول على ما يطرحه النص من إمكانيات يستطيع القارئ أن يحاورها، وأن يقيم دراسته عليها، وفي ضوء هذه المعطيات يصبح النص قابلً للقراءة ضمن منهجية معينة»، ولعلّ ما يحمله ديوان صقر الشبيب من إمكانات تصويرية هائلة لمغيب عصر ما قبل النفط وحلول عصر النفط، يُمكّن الباحث من فحصها ومحاورتها

وإجراء دراسة عليها وفق منهج سيميائي محدد؛ أملً في فتحِ أفقٍ جديد في قراءة أدب الخليج عامةً، والأدب الكويتي خاصةً.

3. مفهوم السيميائية

إن السيميائية علم قائم على دراسة العامة، والعامة – على تعدّد تعريفاتها – شيءٌ تفيد معرفتُه معرفة

شيءٍ آخر، إذ يرى موسى ربابعة أنها «شيءٌ معيّن يحلّ محلّ شيء معيّن لشخصٍ ما وبخصوصٍ ما

وبدرجة ما». والعامة، من منظور دانيال تشاندلر «أية وحدة ذات معنى، يتم تفسيرها باعتبارها تحلّ محلّ، أو تنوب عن شيء آخر». وللعامة ركنان أساسيان: دال ومدلول، ولئلَّ يقع القارئ في لبس أو خلط بين مصطلحَي «علم

الدلالة» و«علم العامات»؛ ذلك لأن كا العلمين يقومان على الركنين أنفسهما، يفرّق برنار توسان

بينهما ببساطة في قوله إن علم الدلالة لا يهتم إلا بالمدلولات نفسها ودلالات اللغات ومختلف أشكال التعبير والتواصل، أما علم العامات فيهدف إلى دراسة العاقات بين الدالات والمدلولات. وإذا ما انتقلنا إلى أنواع العامات نجدها ذات طابع ثاثي لدى بيرس؛ إذ قسّم العامات إلى ثاثة أنواع

رئيسة هي الرمز والمؤشّر والأيقونة، ولقد حظي تصنيفه بشهرة واسعة لمنطقيّته. فالعامة الرمزية ما

قامت على عاقة اعتباطية بين دالها ومدلولها، كما في تسمية الأشياء بحروف عشوائية. وأمّا العامة

المؤشرية، فيقوم دالّها ومدلولها على عاقة سبب ونتيجة، مثل اصفرار الوجه بسبب الخوف الشديد.

(((حامد محمد المطيري، «الصورة الفنية في شعر صقر الشبيب»، رسالة ماجستير في اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم، جامعة الشرق الأوسط، عمّان، 2012، ص 167، شوهد في 2019/2/19، في: https://goo.gl/ZbgjnX (((موسى ربابعة، آليات التأويل السيميائي (الكويت: آفاق للنشر والتوزيع، 2011)، ص.28 (((المرجع نفسه، ص.7 (((دانيال تشاندلر، معجم المصطلحات الأساسية في علم العلامات: (السيميوطيقا)، ترجمة شاكر عبد الحميد (القاهرة: أكاديمية الفنون، 2000)، ص.179 (((برنار توسان، ما هي السيميولوجيا؟ ترجمة محمد نظيف، ط 2 (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2000)، ص.19 (((ماهر عبد المحسن، جماليات الصورة في السيميوطيقا والفينومينولوجيا، سلسلة الفلسفة 13 (القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2015)، ص.153

وأمّا العامة الأيقونية، فيقوم دالها ومدلولها على عاقة شبهٍ ومحاكاة، كتمثيل زرّ إشعال الضوء برسم الشمس أو المصباح. ونظرًا إلى الدور البارز الذي ستؤديه العامة في هذه الدراسة، بما فيها الأيقونة، لكونها من أدوات

التأويل المساهمة في استقراء النص الشعري وسَبْر أغواره، تجدرُ الإشارة إلى الارتباط الوثيق بين

الأيقونة والحواس؛ ذلك «لأن الحواس يمكن أن تُحيل على أشياء لها تَعالقٌ مع الأيقونة، أو أنها تسعى لأن تُحوّل الحواس إلى أيقونات من خال السياق الذي ترد فيه، فقد تتشكّل الأيقونة من خال

الصوت والرائحة». وفي هذا السياق يمكن أن تتحول حيطان البيئة الحضرية، أو أمواج البيئة البحرية، أو حيوانات البيئة الصحراوية ونباتاتها، أو السيارات، أو الغاز المشتق من النفط، وأي شيءٍ ارتبط ظهوره بظهور النفط في الكويت، إلى أيقونات؛ من خال المقاطع الشعرية التي تشكّل منها صورًا تحيل على أبعاد نفسية. وقبل الشروع في الدراسة التطبيقية لا بدّ من سَنّ ضوابط للتطبيق، ورسم حدود للتأويل السيميائي؛ إذ إن

حرية التأويل لن تغدو مطلقة، بل ستكون مقيّدة بما يوفّر النصُّ الشعري من معطيات دلالية واحتمالات

تأويلية. وفي ضوء ما بذر الباحثون من مفاهيم في هذا الحقل السيميائي الواسع، ستسعى هذه الدراسة لاستثمار تلك المفاهيم في قراءة نصوص صقر الشبيب الشعرية عبر إجراء سيميائي بين ثاثة متغيرات: الدال، والمدلول، والعاقة المشتركة بينهما، ليُرسّخ الفرضية، فيصبّ التطبيقُ في مجرى التنظير.

4. مفهوم الصدمة النفسية

«لقد بدأت نظرية الصدمة Theory Trauma في التبلور على شكل نظرية من نظريات علم النفس في القرن العشرين، وكانت في البداية مجموعة من الأبحاث النفسية المعنية بتقفّي الآثار الناتجة من أحداث صادمة للأفراد، كالاعتداء والاغتصاب والحروب والمجاعة والسجن، وهي جهود تم الاعتراف بها رسميًا في عام 1980، تحت عنوان اضطراب ما بعد الصدمة النفسية Stress Post–Traumatic

Disorder. ثم تطورت مفاهيم النظرية منذ العمل بها عام 1990، باعتبارها حقلً دراسيًا متداخل

التخصصات يتضمن الأدب، وعلم النفس، والتاريخ، والفلسفة، مع التركيز على أسئلة الذاكرة، والنسيان، والسرد. ولقد ظهر أثر النظرية في الدراسات الأدبية بعد أن نشر عدد من النقّاد مقالات حول الصدمة في عدة أعمال أدبية. ومنذ ذلك الحين، قام عدد من النقّاد المتخصصين بتطبيق نظرية الصدمة في أبحاثهم على اليهود الناجين من محرقة الهولوكوست، وعلى المحاربين القدامى في الحروب، وعلى موضوعات العنف الجنسي في أدب المرأة». ولئن شرع الباحثون في تطبيق نظرية الصدمة على نماذج أدبية من الخليج، كصدمة شعراء الكويت من

(((ميجان الرويلي وسعد البازعي، دليل الناقد الأدبي: إضاءة لأكثر من سبعين تيارًا ومصطلحًا نقديًا معاصرًا، ط 6 (الدار البيضاء:

المركز الثقافي العربي، 2017)، ص.180 ((1(ربابعة، ص.15

(11) Chris Baldick, The Oxford Dictionary of Literary Terms (Oxford: Oxford University Press, 2008), p. 340.

الاحتال العراقي الغاشم عام 1990، فإن هذه الدراسة تدعو إلى فتح عين التحليل النفسي بتوسّع، زعمًا أنّ الصدمة النفسية لا تَضيق عند هذه الأسباب فحسب، بل إنها قد تتوسع فتأخذ أشكالً مغايرة؛ كالصدمة إزاء التحول الثقافي – الحضاري السريع بعد اكتشاف النفط في دول الخليج العربية، على افتراض أنّ انتقال المجتمع الخليجي من مرحلة عصر ما قبل النفط إلى عصر النفط بسرعة رهيبة سبّب

لبعض أفراده صدمةً نفسية غيرَ مَحْكِيّة، وحملَهم حَمْلً على خوضِ تجاربَ مريرةٍ، ومن بينهم الشاعر

الكويتي صقر الشبيب. وتنطلق هذه الفرضية من دعوة حسن المودن، على غرار بيير بيار، إلى تطبيق الأدب على التحليل النفسي عوضًا عن تطبيق التحليل النفسي على الأدب. فالمودن يقترح أنه «ليس على التحليل النفسي أن يضيء الأدب، بل على الأدب أن يضيء التحليل النفسي باستمرار؛ ذلك لأن الأدب هو الذي يتجدد على نحو مستمر، وهو الأقدر على تجديد التحليل النفسي وتطويره». ومن هنا، ومن أجل ألّ يبقى التحليل النفسي نظامًا مفهوميًا جامدًا، وألّ يبقى النقد النفسي مجرد

تمرينٍ تتكرر من خاله مفاهيم نفسانية جاهزة ومعلّبة كما يرى المودن، تزعم الدراسة في هذه المحاولة أنّه من الممكن البناء على نظرية الصدمة وتطويرها باستياد سبب مختلف عن المألوف، ويمكن – إن جاز ذلك – تسميته «الصدمة من العصر الحديث ومستجدّاته». وتكمن أهمية استثمار نظرية الصدمة، هنا، في الكشف عمّا هو مسكوتٌ عنه، وتفسير ما قد وقع على الشبيب بسبب أحداث الحياة الصادمة، وأثر تلك الأحداث في الشبيب من زاوية نفسية. ومن الممكن مقاربة تلك الأحداث الصادمة من خال نبشٍ تاريخي دقيق ضمن سياقٍ زمني محدّد، وإجراءٍ سيميائي منضبط ومقيّد؛ بما يتيح النص الشعري من إمكانات هائلة في تصوير مشهد ارتحال المجتمع الكويتي

من عصر ما قبل النفط إلى عصر النفط.

أولا: الشبيب بين شقيّ الرحى: الفقر والعمى

أفتتح هذا المحور بما افتتحت به نجمة إدريس مقالتها «صقر الشبيب والأسئلة المفتوحة»، حين أطلقت في مُستهلّها سؤالين مستحقّين: «ماذا يتبقى من عائقَ نفسيةٍ أو فكرية بيننا وبين شاعر مثل صقر الشبيب بعد مرور نحو نصف قرن على وفاته؟ وماذا يفيد استرجاع سيرته الحياتية والشعرية وكأننا ندير أغنية قديمة؟». هذا النوع من الأسئلة يحفّز العقل النقدي لتقليب قصائد الشبيب، جملةً،

(1((سعود السنعوسي، الموقف النفسي للأدب الكويتي في فترة الاحتلال والتحرير: الشعر نموذجًا (الكويت: مطابع الخط،

2010)، ص.55 (1((حسن المودن، «قراءة نفسانية في قصة النبي يوسف: عقدة الإخوة أولى من عقدة أوديب»، تبيّن، العدد 10 (خريف 2014)،

ص.37 ((1(المرجع نفسه، ص.38 (1((نجمة إدريس، «صقر الشبيب والأسئلة المفتوحة»، جريدة الجريدة، 2012/10/9، شوهد في 2019/2/19، في:

https://goo.gl/Ca6jfZ

وإعادة تلقّيها، واستنطاقها من جديد؛ أملً في إنتاج معرفةٍ مختلفة عن السائد من النقد، تزيح الستار عن قيمة تجربته الشعرية وجدوى استرجاعها. فمنذ نحو نصف قرن، برزت العديد من الدراسات التي تناولت شعر الشبيب مادةً بحثية، وعالجته شكلً ومضمونًا، ولقد أجمعت على معاناة الشبيب منذ مولده حتى مماته. ولئن أجمعت الدراسات على هذه المعاناة، فلقد تفاوتت في تشخيص معاناته، وتحديد أشكالها ومستوياتها؛ إذ عرضتها برؤى مختلفة ومن جوانب متعددة، حتى شكّلت فسيفساء متنوعة من الآراء والأحكام حول تجربته الشعرية. ولعلّ تعدُّد صور المعاناة في حياة الشبيب، كالفقر والبطالة، والعمى وحوادث الطريق، والصراع الأسري؛ بدءًا من خافه مع أبيه، وانتهاءً بإخفاقه في زيجاته الثاث، فضلً عن صراعه مع الخصوم

ممّن طعنوا في دينه وعقيدته، أدّى على نحو طردي إلى تشعّب القراءات في شعره، وتنوّع الآراء حيال

معاناته، والتوسّع في إصدار الأحكام حول تجربته الشعرية. ورغم ذلك، ما زالت الدراسات النقدية في

حاجة إلى النظر في تجربة صقر الشبيب، ليس لقصورٍ في جهود السابقين، بل لأن التجربة الشبيبية لا تنقضي عجائبها؛ لفرادتها في المشهد الأدبي في الخليج عامة، وفي الكويت خاصة. وتؤكّد الدراسة أن التداول النقدي المتنوّع للتجربة الشبيبية قد عاد بكثير من النفع والإيجابية على

متلقّيها، إذ أهّلته لفهمها فهمًا أوسع، وهَضْمِها على نحوٍ أعمق، وبناء تصوّر شامل حول معاناته.

فهي، بوصفها متنوعةً، قد أثْرَت الساحة النقدية في الكويت، وبرهنت في الوقت نفسه على أهمية تلك

التجربة في المشهد الشعري الكويتي. إنّ معاناة الشبيب النفسية من منظور نورية الرومي تنبع من سببين رئيسين؛ هما الفقر والعمى، ويشاطرها الرأي يعقوب يوسف الغنيم، بَيد أن نجمة إدريس ترى، في مقالتها، أن أزمة الشبيب قد

مرّت بمستويين رئيسين من الصراع: صراع أسري وآخر مع الخصوم.ُ ولا يرتاب مرتاب في صحة الرأيين معًا، على أنّ الرأي الأول أدقّ تشخيصًا لحالة الشبيب، من دون تقويض للرأي الثاني؛ وذلك لسببين: أولهما أنّ مسألتَي الصراع، على الرغم من مرارتهما، كانتا اختياريتين. فلطالما اختار الشاعر الهروب من مواجهة أبيه إذا ما تخاصما، مثلما آثر اعتزال الخصوم حينما أسرفوا في أذيّته، بَيْد أنّ فقره وعماه كانا قَسْريَّين، ولا مناص منهما مهما صنع، فخلّفا ندوبًا لا

تلتئم في نفسه وذاكرته، وقد انعكست في شعره ألوانًا من الشكوى والعزلة والرغبة في الموت. أما السبب الثاني، فيتمثّل في طول المُازمة بين الشاعر والفقر والعمى؛ بمعنى أنهما كانا مُازمين

للشاعر منذ طفولته حتى مماته، ولم يفارقاه قطّ، فتركا أثرًا أطول في نفسه وألمًا أعمق انعكس في شعره.

أما صراعه مع أبيه فانقطع بانقطاع أبيه عن الحياة مبكّرًا، شأنه شأن صراعه مع الخصوم الذي سرعان ما

زال بزوال اتصاله بهم، فأخذ الصراعُ مستوى ثانويًا.

(1((نورية الرومي، الحركة الشعرية في الخليج العربي بين التقليد والتطور، ط 3 (بيروت: مطابع دار الماك، 1999)، ص.297 (1((صقر الشبيب، ديوان صقر الشبيب، إعداد وتقديم يعقوب يوسف الغنيم، ط 2 (الكويت: مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، 2008)، ص.44

إنّ الاختزال والتسطيح والإدغام من أشدّ وسائل التحليل خطورةً في العلوم الإنسانية، كالأدب ونحوه، ولطالما قاد التشخيص التسطيحي لظاهرة أدبية ما إلى أحكام غير دقيقة. ولعلّ اختزال نجمة إدريس معاناة الشبيب وإدغامها في مستويَي الصراع الأسري والصراع مع الخصوم كانَا وراء قسوتها في الحكم على تجربة الشبيب الشعرية، وقد أفضى بها ذلك إلى «قطف» نتائج سريعة ومُجانبة الإنصاف في

إصدار حكمها النقدي الأشبه بحكم الإعدام على تلك التجربة، مُغلِقةً وراءها باب الأسئلة المفتوحة على عجلٍ. لقد عَزت نجمة إدريس معاناة الشبيب وبؤسه وشقاءه وعزلته وانكفاءه وإدمانه الشكوى ومخاصمته الحياة، ورغبته في الموت وانتحاره الاجتماعي والشعري إلى سببين جزئيَّين، أو عاملين ثانويَّين (صراع

أسري وصراع مع الخصوم)، مع إهمال أسباب وعوامل أخرى مهمة في السياق، بل أكثر أهميةً؛ مثل أزمة الفقر، ومحنة العمى، وصدمة النفط، ثم بنَت على ذلك الاختزال حكمها، وغالت في حكمها وأسرفت، حتى جعلت الشاعر في شكلٍ أقرب إلى الرخاوة منه إلى الصابة في مواجهة ظروف الحياة، وكأن الحياة لم تطحنه طحنًا، بل كأنها لامسته بأطراف أناملها فحسب، فأخذ يبثّ شكواه في أرجاء الكويت، ثم اعتزل الناس، حتى مات با معنى. ولو رجعنا إلى ديوانه، لوجدناه ينزف ألوانًا من المعاناة، ولأبصرنا أشكالً من الإجراءات التعسّفية والتنمّر المجتمعي والسادية الإدارية التي مُورست في حقّه بفظاظة، لعدة أسباب أبرزها الفقر والعمى.

1. أزمة الفقر

نحن في البدء إزاء أزمته مع الفقر، إذ كانت أطول أزمات الشبيب مُازَمةً له، وأكثرها التصاقًا به؛ أي إنها لم تكن أزمة راهنة فحسب، ولا أزمة مقضية بحين، بل كانت سلسلة من الصدمات الاقتصادية، بدأت معه منذ الطفولة حين وُلد مُعْدمًا، وعاش فقيرًا يصارع الفاقة، ويجاهد ظروف الحياة فوق رمضاء

التصريح ونار المقاومة. بالنسبة إلى التصريح، فقد آثر الشبيب التصريح بفقره على الكتمان في كثير من شعره، وقد كانت له نبرة تصريحية عالية، ولا سيّما حينما يشرع في السؤال وبَسْط الحاجة، إذ تجده يجاهر بإماقه

مُجاهرةً، وهي ظاهرة في شعره؛ فا حيلة لمضطرٍ مثله سوى التصريح. وعلى سبيل المثال، يقول

مُطالِبًا أعضاء مجلس المعارف بزيادة ما كانت تمنحه دائرتها من مالٍ (خمسون روبية شهريًا) على

سبيل الترضية: لا يدفعُ الجوعَ والعُرْيَ اللذيْن هما... شرُّ النوائب إيامًا وإيجاعا خمسون في الشهر عن مثلي فهل لكمُ... في ردِّ هذين إلباسًا وإشباعا

((1(الرومي، ص.297 ((1(كانت دائرة المعارف تُجري له راتبًا شهريًا منذ أن اعتزل الناس ولزم بيته حتى وفاته، انظر: الشبيب، ص.21 ((2(المرجع نفسه، ص.466

ويواصل شكواه متوسّلً أن يصغي إليه أحدٌ من أهل الكويت قبل أن يموت، فيقول:

لنفسه الطمّاعة في المال، فيقول:

في نفسه عزّةً لا تقبل ذلًّ، كالطائر الصقر.

اكتشف أنهم لا يستحقّون المدح، خاصةً أنهم لم يكرموه بعد تلك القصائد.

البائسين فهي وسيلة حياة، ومَن أشد بؤسًا من الشبيب؟

((2(المرجع نفسه. ((2(المرجع نفسه، ص.395 ((2(المرجع نفسه، ص.67 ((2(المرجع نفسه، ص.355 ((2(المرجع نفسه، ص.646 ((2(المطيري، ص.183

شكوايَ إنْ لم يُصِخْ سَمْعُ الكويتِ لها... في شِدّتي، فمتى ألقاهُ سمّاعا؟ وفي موضعٍ آخر، يشتدُّ ألمهُ النفسي بحدّةٍ من جرّاء أزمة الفقر، فيتأرجح بين مقاومة الحاجة والانصياع

فمثلي ما له في العيش خيرٌ... وهل في العيش خيرٌ للفقيرِ؟ أخاف إذا بقيت تذلُّ نفسي... على طمعٍ لذي مالٍ كثيرِ فتمنحهُ مدائحَها اللواتي... تعزُّ على الفرزدق أو جريرِ فيجزيني على شعري شعيرًا... ولستُ من البغالِ أو الحَميرِ ولكنّي – كما سُمّيتُ – صقرٌ... وهل أبصرتَ ذلًّ في الصقورِ إنّ الشبيب يصرّح بمغالبته للحاجة؛ إلا أن حاجته أقوى فتغلبه، ويُعلن أنه على استعداد للمدح من أجل

المال، على ألَّ يكون الممدوح بخيلً يمدحه فا يجزيه على قدر جمال شعره وجزالته، إذ يراها إهانةً في حقّه؛ لأن الشبيب يرى نفسه خيرًا من الشاعرين الأمويَّين، الفرزدق وجرير، في فنّ المديح، ويرى

وهنا نجدُ أنّ العوز المادي لم يصرفه عن طلب الرزق والسعي في ذلك، كما أنه لم يتّخذ من عاهته البصرية ذريعة للركون والاستسام؛ إذ إنه اتخذ من الشعر وسيلة لطلب الرزق ومقاومة الفقر، فمدح أمير الكويت الراحل الشيخ سالم مبارك الصباح (1917–1921)، وابنه الشيخ عبد الله سالم الصباح (1950–1965) رحمهما الله، وأغدق المدْح على آل شمان، وكان المديح بابًا يكفيه حاجة السؤال أحيانًا. ويذكر يعقوب يوسف الغنيم أن الشبيب أتلف قصائد قيلت في مدح أناسٍ بعد أن

ولا عَجبَ في ذلك، إذ لم يأتِ الشبيب بعادة غير مألوفة، فلطالما استرزقت العرب بقصائد المديح،

وقد كان هذا العُرف سائدًا عندهم منذ القِدم، ولم يُقلّل من شاعريّتهم، وإنْ شابَهُ بعضُ المنقصة فهي على غيره لا عليه؛ ذلك لأن الشعر قد يُعدّ ترفًا ذهنيًا محضًا بالنسبة إلى الميسورين، أما بالنسبة إلى

2. أزمة العمى

مثلما شكّل الفقر أزمة حادّة في حياة الشبيب، ولم يمنعه من أن يصرّح بالتكسّب المادي مقابل مدح الناس، كان لأزمة العمى أثر بالغ في نفسه كذلك، وقد انهمرَت من نفسه لتصبَّ في شعره بغزارة؛ على

نحو صريح، ومن دون حرج. ويسجّل محمد حسن عبد الله ماحظةً بالنسبة إلى الشبيب قائلً: «فهو – من دون أشباهه من المكفوفين – لا يتحرّجُ من التصريح بآفته، وعَرْضها على الناس والمطالبة بمراعاتها»، فحين يحضر حفلً يقام فيه فنّ العَرْضة، وهي من الفلكلور الشعبي الغنائي الذي يعتمد على الرقص بالأدوات الحربية كالسيف، نراه يصرّح بأن عاهة العمى هي الحائل دون استمتاعه بالعَرْضات، فيقول: وما للعُمْيِ في العَرْضاتِ أنْسٌ... فأمدحها بنظْمٍ أو نثيرُِ وهل أُثني على العرضات خيرًا... ولذّتُها خصوصًا للبصيرِ إنّ ما تُرِك في ديوان الشبيب أكثر مما ذُكِر في هذه الدراسة حول معاناته من العمى، ولكنّ قصيدةً اعتذارية واحدة، كان قد أرسلها إلى المرحوم الشيخ عبد الله سالم الصباح، لربّما كانت كفيلة بتلخيص معاناته من العمى. فحين كان من عادة الشبيب أن يزور الشيخ عبد الله أسبوعيًا، انقطع عن زيارة الشيخ واعتزل الناس في بيته، فأرسل هذه الأبيات موضحًا فيها أسباب عدم الزيارة؛ وذلك بعد أن أرسل إليه الشيخ عاتبًا عليه انقطاعه، فأنشد شعرًا ملحميًا من بطولة الإنسان والجدران، وبالاشتراك مع الحيوان: ولو أني أسْطيعُ وحدي ازْدِيارَه... لكنتُ إليهِ الدهرَ متّصلَ السيْرِ ولكنّني ما سرْتُ وحديَ مَرّةً... فَعُدْتُ ولم تجرَحْ جَبيني يدُ الجُدْرِ فهو بهذه المسوّغات يتّخذ من أذى الجدران عذرًا لغيابه عن مجلس الشيخ عبد الله، في إشارة منه إلى معاناته العمى. ولقد رسم مشهدًا قتاليًا من طرف واحد، كان فيه الشاعر الأعمى ضحية الحيطان، لعدم سيره مع قائد؛ إذ يقول: فيُسلمُني هذا لذاك بصفعةٍ... وذاك إلى هذا بصفعٍ له مُرِّ ومع مُتابعةِ الجدران صفعَ الشاعر الأعمى، يشكو الشاعر الدورَ العبثيّ الذي يؤديه عكّازُه؛ فا جدوى منه، طال أو قصر، شأنه شأن أصابع يديه التي لا تقوى على صدّ صفعات الجدران. وليس لعكّازي وإنْ طال من غِنى... تجاهَ صنيعِ الجُدْرِ أو أنمُلي العشْرِ

(2((محمد حسن عبد الله، ديوان الشعر الكويتي (الكويت: وكالة المطبوعات، 1974)، ص.24 ((2(الشبيب، ص.396 ((2(المرجع نفسه، ص.355 (3((المرجع نفسه، ص.356 (3((المرجع نفسه.

من ثوبه لم يتلطخ بالغبار. فيقول في ذلك:

المكوّن من الحمير التي لا همّ لها إلا أن تُوقع به. فيقول:

فكم أوجعتْ صدري صِابُ صدورها... وكم عفّرتْ ظهري بطرحي على العَفْرِ

الجسدي الذي لحقه من الحمير.

(3((المرجع نفسه. (((3 المرجع نفسه، ص.357 (3((المرجع نفسه.

ليظهر بعد ذلك الشهمُ المنتظر، فيسعف الأعمى ويُعيده إلى بيته، ولكنّ الأعمى يفقد أعصابه فيطلق وابلً من الشتائم في حقّ الجدران، ولا جدوى من كيل الشتائم، فالصدر يلتهب غيظًا، وما من موضع

فأبقى شريدَ اللُّبِّ حتّى يُتاحَ لي... كريمٌ عن الإسعافِ ليس بمُزْوَرِّ فيرجعُ بي للبيت أشكرُ فضلَهُ... وطوْرًا أنالُ الجُدْر بالمنطق الهُجْرِ وما كان قول الهُجْر خُلقي وعادتي... ولا بمُبيخٍ ما بصدري من الحَرِّ ولكنّ غيظَ المرءِ يُخْرجهُ إلى... سوى عادهِ أو ضدِّ أخاقهِ الغُرِّ فآوي إلى بيتي وثوبي لا ترى... به أو بجسمي موضعًا غيرَ مُغبَرِّ وبعد أن يُبري الشّهمُ المنتظر ذمّتَه بإيصال الشاعر الأعمى إلى منزله، يستمرّ الشاعر في أنْسَنة الجدران،

ويحرّرها من تابعيّتها للجماد، ويجعل منها ذواتًا فاعلة، ويملؤها بالمشاعر، ويستنكر أنْ تحمل مشاعر

طيّبة إزاءه، بل يقلّص فرص نجاته في حال نجاته من الجدران، فيكشف عن صف الأعداء الثاني

وما رقّت الجدران يومًا لحالتي... وهل رقّةٌ للطين تُرجى أوِ الصّخرِ؟ وإن أنجُ منها لم أعُد قَطُّ ناجيًا... إلى منزلي من وقعةٍ بيَ للحُمْرِ

ثم ينتقل إلى وصف لؤم الناس الراكبين ظهور الحمير، والذين يمارسون معه أشد أنواع التنمّر الاجتماعي، من خال السخرية والضحك العالي، فيلحقون به ألمًا نفسيًا أشدّ وأقسى من الألم

ولم يَرْثِ لي مَن أقلّتْ ظهورُها... لقلّةِ ما فيهم من الفهمِ والحِجْرِ كأني لديهم للحميرِ ممازحٌ... فليس لديهم غيرُ ضحكهمُ المُزري فمهما أقعْ مستلقيًا لا تجد فمًا... على منظري من جَهْلهِمْ غيرَ مُفْترِّ كأنهمُ شاؤوا بإرسالِ ضِحْكهِمْ... زيادةَ ما قد ألحقوني من الشرِّ فالشبيب لم يستعفِ بخصوص مجلس الشيخ تكاسُلً، كما يفعل الأطفال عادةً، ولا تمارُضًا كما

تصنع النسوة بعشاقهنّ طلبًا للمزيد من الاهتمام، ولا تلذّذًا بالعذاب كما وصفته نجمة إدريس في

هذا الموقف، وفي قولها تحديدًا: «يستمرئ بطريقةٍ ماسوشية كلّ صنوف عجزه وتهافته، فيعلّل عدم

الاستجابة للدعوات الكريمة الموجّهة له مرةً بالعمى، ومرةً بزحام الطرق وأذاها»!، بل استعفى مُواراة

لصدمة نفسية من جرّاء أحداث الحياة الصادمة التي سنستعرضها في المحور الأخير. وإنها لمن آليات الدفاع النفسي للإنسان الكفيف على حدّ قول عدنان العلي، فقد سمّى هذا النوع من

السلوك الدفاعي بالتبرير والإسقاط؛ إذ يقول: «التبرير إبداءٌ لأسباب زائفة يفسر بها الإنسان سلوكه،

وأفعاله حتى يبقى على احترامه لنفسه، واحترام الناس له، وليخفّف من حدّة التوتر الذي سبّب له

الموقف المحيط، كما أنّ التبرير وسيلة يتجنب بها الفرد ما يحدث في نفسه من صراع بين ما يود، ويبغي تحقيقه، وما يمكنه أن يحقّقه، ويصل إليه بالفعل». وسنقف في المحور الأخير عند الصراع بين ما كان يصبو إليه الشاعر ويسعى لتحقيقه، وما وصل إليه بالفعل مع مياد العصر الحديث.

ثانيًا: عصر ما قبل النفط

يهدف هذا المحور إلى تقديم قراءة تحليلية واستكشافية من خال تسليط ضوء سيميائي على نصوص الشبيب الشعرية، لتحديد مامح البيئة الكويتية ما قبل النفط، وأثرها في تكوين الصورة الفنية في شعره. وقبل الخوض في بيئة ما قبل النفط، لا بدّ من رسم مامحها أولً. لقد كان الشبيب قبل اكتشاف النفط في الكويت يعيش في مجتمع ذي طابع حضريّ بسيط، وفي

بيئة ذات محيط بحريّ ومناخ صحراوي. وبناءً عليه، تمثّلت البيئة الكويتية في شعر الشبيب بأنواعها

الثاثة: الحضرية، والبحرية، والصحراوية، ولكن بدرجات متفاوتة، واستطاع الشبيب أن يسخّر خياله وسائر حواسه في تصوير تلك البيئة الكويتية، وفي المقابل، اتخذ من أيقوناتها مصادر لنقل حالته الشعورية، وتكوين صورٍ فنية ببراعة.

1. أيقونات البيئة الحضرية

يرجع أصل التجمّعات السكانية الحديثة في مدن الشاطئ الغربي من الخليج العربي وقُراه إلى

النصف الأول من القرن الثامن عشر، ثمّ إنّ التجمّعات بدأت في النمو. وقياسًا على ذلك، نشأ في

الكويت مجتمع حضري مقيم داخل أسوار مدينة الكويت، وكان الشبيبُ من جملة أفراد ذلك المجتمع

الحضري. وتبدو مامح البيئة الحضرية في شعر الشبيب جليّة من خال أيقونات مدينة الكويت التي

وُلد في الحيّ الشرقي منها، فقد جاء تمثيل هذه المدينة في بعض المواضع من ديوانه؛ كتمثيله

لسوق الصفاة الواقعة في مدينة الكويت من خال قوله:

(3((إدريس. (((3 عدنان العلي، شعر المكفوفين في العصر العباسي (عمّان: دار أسامة للنشر والتوزيع، 1999)، ص.64 3(((محمد الرميحي، البترول والتغير الاجتماعي في الخليج العربي، ط 3 (الكويت: شركة كاظمة للنشر والترجمة والتوزيع، 1984)، ص.15 (3((الشبيب، ص.13

الأوساط المليئة بالمخاطر على حياته. الدال سوق الصفاة

2. أيقونات البيئة البحرية

(1938–1991) صاحب مذكّرات بحّار.

ما كان في شعر الفايز.

عاصفة شديدة، فغرقت السفينة أو كادت، ولم ينجُ راكبو السفينة إلا بأعجوبة.

(3((المرجع نفسه، ص.257 ((4(المرجع نفسه، ص.663 ((4(المرجع نفسه، ص.23

ما في الصَّفاةِ لذي عَمى... مثلي أمورٌ تُحْمَدُ كم مرّةٍ قد ضمَّني... فيها زحامٌ أنْكَدُ كادتْ به عن جُثّتي... نفسي العزيزةُ تُفْقَدُ ولا ريب في أنّ صورة سوق الصفاة المرسومة في البيت السابق صورةٌ خانقة تعكس انزعاج الشاعر الأعمى من الزحام الشديد والأماكن المكتظة بالبشر إلى حدّ الغصّة؛ ذلك أنّ مثالبها بلغت مبلغًا عظيمًا

من السّوء والأذى، حتى كادت تُودي بحياته بطريقة أو بأخرى؛ إمّا دهسًا بالأقدام، وإمّا من جرّاء سقوطٍ

قاتل، وكأنّ الشاعر استعمل سوق الصفاة مُعادلً موضوعيًا للبيئة الحضرية؛ كي يرمز إلى نفوره من هذه المدلول

العلاقة البيئة الحضرية

زحامٌ واختناق وخطر وبخاف ذلك، نرى البيئة الطبيعية الفسيحة تقع موقعًا حسنًا في نفس الشبيب، وتنفرج فيها أساريره، وليس أدلّ على ذلك إلا تمثيله للمواضع الواقعة خارج مدينة الكويت قديمًا أو على أطرافها، كالدَّسْمَة

والشِّعْب والبِدْعِ ورأس الأرض، حيث كان الكويتيون يقصدونها في أوقات الربيع؛ إذ يقول: مَواضِعُ فيها للسّرورِ مَواضِع... فلم أُلْفَ فيها ساعةً غيرَ مُسْتَرِّ

نظرًا إلى أهمية البحر في مرحلة ما قبل النفط، فقد انعكست صورة البحر في شعر الكويتيين، لا سيّما

أولئك الذين أدركوا تلك المرحلة وشهدوا صعوباتها، إذ اتخذوا من البحر موضوعًا شعريًا، ومصدرًا من مصادر تكوين الصور الفنية. ومن أبرز أولئك الشعراء الشاعر الكويتي المخضرم محمد الفايز

لقد كان الحيّ الشرقي من مدينة الكويت الذي وُلد به الشبيب قريبًا من البحر، ما يُومئ إلى أنّ للبحر

أثرًا في نفسه وفي شعره أيضًا، وإذا ما سعينا لاستشراف صورة البحر وتمثّلها في شعر الشبيب، فإننا

سنجد أنّ للبحر حضورًا في شعره، ولكنّه حضور خافت، ولم يُصِبْ من الذكر إلا قليلً، على عكس

ولعلّ انصراف الشبيب عن موضوع البحر يعود إلى صدمة نفسية؛ ذلك أنّه أشار على أحمد البشر الرومي ذات صيف بركوب البحر بمعيّة اثنين من رفاقهما، فاستحسنها الرومي، وفي الطريق هبّت

ولعلّي بعد اجتهاد في تقليب قصائد الديوان، لم أعثر إلا على النزر اليسير من الصور الفنية المستوحاة من البيئة البحرية، وربما لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، ومنها صورة معبّرة عن معاناته البحر من

جانب، والعمى من جانب آخر، إذ يقول: فأمضي با رُشْدٍ كأنّي سفينةٌ... بمُلْتطَمِ الأمواجِ من لُجَجٍ خُضْرِ لقد وظّف أيقونات البحر في البيت السابق توظيفًا مائمًا لحالته الجسدية والنفسية أثناء سيره با قائدٍ وسط المدينة. فمن جهة، شبّه نفسه بالسفينة، ومن جهة أخرى، شبّه كلّ ما يصطدم به أثناء سيره بأمواج

البحر الشديدة القادرة على قلب السفن، فمثّل البحر بصورة مخيفة مرعبة تعكس حالته النفسية إزاء البحر، وإزاء العمى. الدال

العلاقة تخبّط السفينة في البحر

تخبّط الأعمى في السير

المعاناة ومن الماحظ، في البيت السابق أيضًا، أنّ كفّ البصر لم يمنع الشبيب من استخدام الألوان في شعره، ولربما خلقت هذه العاهة تحديًّا في نفس الشاعر الكفيف، فجعلته يحاكي نظراءه المبصرين وينافسهم في خلق صورٍ لونية ببراعة، ولا سيّما أنه كان يُحسن تذكّر الألوان. ولقد أبرز البيتُ السابق براعةً متناهية في دقة الخطاب البصري لدى الشاعر الكفيف، إذ لوّن الشبيب الأمواج بالأخضر عوضًا عن الأزرق كما هو شائع. ولعلّ اللون الأخضر هو اللون الأدق للناظر نهارًا إلى مياه الساحل الكويتي ذات الأرض الطينية، على عكس السواحل الزرقاء ذات الأرض الصخرية. ولربما يقود ذلك إلى أن جودة التصوير البصري لدى الشعراء المكفوفين لم تكن ضربًا من الإعجاز

يومًا، بل كانت، على مرّ العصور، نتاج تجربةٍ حسية أو خبرةٍ ثقافية، أداتهم فيها الباغة والخيال وكدّ

الذهن بطيّ الذاكرة ونشر الصور. وذلك يعني، ضمنيًا، أنّ سلطة الخيال في التصوير البصري لدى

الشعراء المكفوفين أعلى من سلطة الحس.

3. أيقونات البيئة الصحراوية

ولئن شغلت البيئة الحضرية والبحرية معًا حيّزًا متواضعًا في شعر الشبيب، من حيث كونهما مصدرًا من

مصادر خلق الصور الفنية، فإنّ البيئة الصحراوية نالت نصيبًا أوفر في شعره، وقد كان لا بدّ من تسليط

الضوء على هذه الظاهرة، لتفسير الأسباب وراء ذلك الارتباط الوجداني الوثيق بين الشاعر والصحراء.

((4(المرجع نفسه، ص.358 ((4(المطيري، ص.171 ((4(الشبيب، ص.13 (4((عبد الله الفيفي، الصورة البصرية في شعر العميان: دراسة نقدية في الخيال والإبداع (الرياض: النادي الأدبي بالرياض، 1997)، ص.378

الضيق إلى السعة.

المرء المنافق:

الدال السراب

4. أيقونات الحيوان الصحراوي

((4(الشبيب، ص.13

((4(المرجع نفسه، ص.64 ((4(المرجع نفسه، ص.45 (5((إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي عند العرب، ط 4 (عمّان: دار الشروق للنشر والتوزيع، 2006)، ص.36

((5(الشبيب، ص.483

ولعلّ ذلك الارتباط الوجداني يعود إلى سببين: أوّلهما ثقافي؛ وذلك لأنّ الشبيب «يرجع نسبه إلى قبيلة شمّر الكبيرة، ومقرّها مدينة حائل والأطراف المجاورة لها»، وأهل القبائل في منطقة شبه الجزيرة

العربية خاصةً يعتزّون بانتمائهم إلى البيئة البدوية الصحراوية كما هو معروف؛ لكثرة تنقّلهم فيها: «وقد كان المجتمع العربي في الكويت إلى عهدٍ قريب مجتمعًا يسوده نظام القبيلة»، «وتتمثل صلة الكويت بالصحراء في عادةٍ ورثها الكويتيون عن أجدادهم ولا يزالون يمارسونها حتى اليوم، ذلك أنهم إذا أقبل الربيع نزح بعضهم إلى الصحراء وضرب خيامه وأقام أيامًا يستروح نسيم البادية بهدوء بالٍ وطمأنينة». أما السبب الثاني، فهو جغرافي؛ ذلك أن مناخ الكويت يُعتبر جزءًا من النطاق الصحراوي

الكبير الممتد من المحيط الأطلسي حتى الخليج العربي، ما منح الصحراء قيمةً عالية لدى الإنسان العربي عامة، فلم تكن الصحراء يومًا مجرّد مساحة جغرافية، بل هي معادل موضوعيّ للسعادة والطمأنينة والراحة المفقودة في الواقع البائس، ومتنفّس من زحام المدينة الخانق، ومهرب نفسي من

ولقد أسهب الشبيب في توظيف «أيقونات الصحراء» توظيفًا يتماشى مع الغرض الأساسي للقصيدة، وجاءت صوره الفنية متجانسةً ونوع التجربة الحزينة المسيطرة على عاطفته، وقد تفنّن في التقاط ظواهر الصحراء، ليشكّل منها لوحات فنية تعبّر عن حالته العاطفية وتقلّباته النفسية، فيقول في وصف

خدعَتْنا منه الظواهرُ حتى... نال ما ناله با استحقاقِ وسرابُ الفاةِ كم غرَّ من قبلُ... عِطاشًا بالمنظر البرّاقِ المدلول

العلاقة المرء المنافق

المنظر الخدّاع

لقد لاحظ جمعٌ من الباحثين ظاهرة ورود الطير والحيوان في شعر الشبيب، ومنهم من أطلق عليها اسم ظاهرة الحكاية الشعرية على لسان الطير والحيوان، ثم عزا تلك الظاهرة إلى تأثره بالشاعر المصري أحمد

(4((عبد العزيز حسين، محاضرات عن المجتمع العربي بالكويت، ط 2 (الكويت: دار قرطاس للنشر، 1994)، ص.63

(51) M. Badawī. A Critical Introduction to Modern Arabic Poetry (New York: Cambridge University Press, 1975), p. 74.

شوقي؛ أي إنه جارى شوقي في ذلك الشعر القصصي الذي كان يورده على لسان الطير والحيوان. إلا أن الرشيد بوشعير عارض هذا الرأي بقوله: «من الصعب أن نبتّ في هذه المسألة؛ ذلك أن بعض الشعراء الخليجيّين قد عرفوا هذا اللون من الشعر قبل أن يتألق نجم شوقي، وربما قبل أن يكتب شوقي

في هذا اللون الشعري»، ثم استشهد بالشاعر السعودي الكفيف أحمد بن مشرّف الذي سبق له أن

كتب قصائد على لسان الحيوان بالبناء والخصائص الفنية نفسها التي سار عليها شوقي لاحقًا. ولكنّ نورية الرومي وأحمد العلي أعادا صياغة الظاهرة بدقة وأطلقا عليها اسم «كثرة التشبيهات التي يكون الحيوان طرفًا من أطرافها أو الطير»؛ لأنها ظاهرة أشد وضوحًا من ظاهرة الشعر القصصي على لسان الطير والحيوان. ولعلّ صورة طائر الصقر من أبرز صور البيئة الحيوانية الدالة على الصحراء، ولقد تمثّل الشاعرُ طائرَ

الصقرَ في شعره إلى حدّ الإسراف؛ لأنه سميّه، إذ يقول: وقد ظنّ بعضُ الناسِ أنّ قصائدي... حَمامٌ وأنّي صقرُ أجوائِها كاسمي إذا شئتُ أنْ أصطادَ منها حمامةً... سمَتْ بي إلى ما شئتُ أجنحةُ العَزْمِ الدال

المدلول الطائر الصقر يصطاد الحممة الشاعر الشبيب يصطاد المعاني فجوهر الصقر عند الشبيب يكمن في الوصول إلى السعادة والانشراح وحبّ الحياة، حتى بات الصقر ضمنيًا رمزًا لفضاء واسع ومفقود، ومصدرَ إلهامٍ شعريّ. والذئبُ من أيقونات الرعب والغدر في الصحراء العربية، وقد سجّل الذئب حضورًا كثيفًا في شعر الشبيب، فمرّةً يتمثّل بصورة سمعية في قوله: يَجِدّ خصامُهم فيها سَفاهًا... وتسمعُ كالذئابِ لهم عُواءَ الدال

المدلول الذئب

خصومه ومرةً أخرى يجمع الذئبَ بالشاة في لوحة شعرية تقليدية مستمدة من البادية، إذ نشر قصيدة بعد انتهاء

(5((محمد حسن عبد الله، الشعر والشعراء في الكويت (الكويت: منشورات ذات الساسل، 1987)، ص.36 (5((الرشيد بوشعير، الشعر العربي الحديث في منطقة الخليج: عوامل تطوره، اتجاهاته، وقضاياه (دمشق: دار الفكر، 1997)، ص.124 ((5(الرومي، ص.319 (5((أحمد العلي، شعر صقر الشبيب: دراسة وتحليل (الكويت: منشورات ذات الساسل، 1986)، ص.210 ((5(الشبيب، ص.539 ((5(المرجع نفسه، ص.97

العلاقة الكفاءة العالية

العلاقة التوجس والرّوْع والوجَل

جنبًا إلى جنب، وشبّه الغرب بالذئب العادي عليها، في قوله:

الدال الذئب والشاة

من حاسة اللمس، إذ يقول في الدنيا مشبّهًا إياها بالأفعى:

الدال الأفعى

منه ما عليه من رسوم، فيقول مرتعبًا:

الدال الأفعى تتلوى

أصفى لذهنه، وأرْوَح لقلبه، وأرحم لسجيّته، وأجلى لبصره وبصيرته.َ

((5(المرجع نفسه، ص.123 (6((المرجع نفسه، ص.104 6(((العلي، شعر صقر الشبيب، ص.187

الحرب العالمية الثانية معاتبًا أمته العربية على تفرّقها، فشبّهها ضمنيًا بالشاة الضعيفة؛ لتفرّقها في السير

ولا ذنبَ إلا الضعفُ، والشاةُ لم تكن... ليأكلها لو خاف سطوتها الذئب المدلول

العلاقة الغرب والعرب

القوة والضعف وتُعَدّ الأفعى من أوسع زواحف الصحراء شهرةً، ولقد رسم الشاعر الكفيف من خالها صورةً مستمدة

يفتش عن سعادتها ذَوُوها... وقد خبَأتْ لهم فيها الشقاءَ كما خبأَتْ لِلَمسِها الأفاعي... خال ليانِها الداءَ العياءَ المدلول

العلاقة الدنيا

نعومة المظهر وفظاعة الجوهر وتتغيّر صورة الأفعى في مشهد آخر، إذ يصف مشهد جابي رسوم البلدية وهو يقرع باب بيته كي يجمع

قَرْعَةُ الجابي لبابي... غادرتْ نفسي شجيّهْ واثقًا أنّ جيوبي... ليس فيهنّ خبيّهْ خائفًا أنّ اعتذاري... منه لا يثني أبيّهْ فتململتُ كما تفعلُ... في الرمضاءِ حيّهْ المدلول

العلاقة الشاعر يتلوى

العذاب ففي قانون الثابت والمتغيّر، كانت مشاعر الشبيب متغيّرة وفقًا لمقتضى الحالة النفسية، وكأنّها في سيرورة وصيرورة، أمّا الصحراء فكانت ثابتةً في ثقافته وراسخةً في مخيّلته، وكأنّها، بأيقوناتها الحيوانية،

5. أيقونات النبات الصحراوي

إذا ما تأمّلنا ديوان الشبيب مليًّا، ستبرز على نحو سافر صور البيئة النباتية في الحقبة التي عاش فيها هذا الشاعر، مُشكّلةً صورًا فنية تتَّخذ هيئة أيقونات للبيئة الصحراوية في الكويت إبان مرحلة ما قبل النفط. وحَرِيٌّ بالدراسة أن تقف عند هذه الظاهرة. ففي موضعٍ، يهجو آخر زوجةٍ له من خال صورة تعكس أثر العمى في شعره من جهة، وبراعة مخيّلته من جهة أخرى، إذ يقول: وما تفصيلُ وصفِ الجسمِ منها... ولا الإجمالُ منه لي بحالِ عِظامٌ نُحَّلٌ أُودِعْنَ جِلْدًا... به شَعرٌ كأشواكِ السِّيالِ فحينما خانته حاسةُ البصر في تصَيّد عيوبها، استعاض بحاسة اللمس كي يهجوها، واستعان بمخيّلته

الشعرية، فابتدع صورة لمسية باهرة، إذ لطالما عُدَّت «يدُ الكفيف عضوًا مستقِبلً، ومصدرًا معرفيًا في الوقت نفسه، وفي الأيدي الامسة تجتمع أدوات البحث، والمعرفة، والعمل». والناظر في قصيدته يستشعر مرارة البؤس والأذى اللذين وجدهما من زوجته الأخيرة. الدال

المدلول أشواك شجرة السيال

شَعر زوجته ومثلما أبرزنا جانبًا فنّيًا في شعر الشبيب، وجب إبراز الجانب التوثيقيّ؛ إذ إنّ الشاعر سخّر بعض

شعره سجلًّ وثائقيًا للحياة النباتية في الكويت وأحيائها، على غِرار مؤرّخي الكويت. فنراه يصفُ قرية

الفنطاس الزراعية، حينما كانت قِبلةَ أهل الكويت في فصل الربيع، ويذكر بعض نباتاتها كالحوذان والبسباس، وهما نباتان صحراويان، قائلً: فالذنبُ للفنطاسِ لا ازْدهَتْ الرُّبا... منها (بحوذان)، ولا (بِسباس) وعلى الرغم من خلوّ البيت من اللّمسات المجازية لنباتَي الحوذان والبسباس، فإنّ ما يُحسَبُ للشبيب، على أقلّ تقدير، مسألةُ توثيقِ نباتات البيئة الكويتية من خال شعره؛ إذ وثّقهما توثيقًا للتاريخ، مثلما

وثّق غيرهما، كنبات السّعدان مثلً، ما يمنح تجربته الشعرية قيمةً توثيقية، ويؤكد فاعليتها في النص الشعري، ويبرهن في الوقت نفسه على إلحاح البيئة الصحراوية على تسجيل حضورٍ في شعره، بمختلف ظواهرها وحيواناتها ونباتاتها.

(6((الشبيب، ص.625 (((6 العلي، شعر المكفوفين، ص.52 6(((سيف الشمان، من تاريخ الكويت، ط 2 (الكويت: منشورات ذات الساسل، 1986)، ص.43 (6((الشبيب، ص.438 (((6 المرجع نفسه، ص.573

العلاقة القساوة

ثالثًا: مطلع عصر النفط

تجدر الإحاطة، قبل المضيّ في هذا المحور، بحقيقة أنّ نهضة الكويت الحديثة لم تحدث بين ليلةٍ

وضحاها حال اكتشاف النفط فيها عام 1938، بل سبقتها عمليات تحديث تدريجية مهّدت لهذه النهضة السريعة. ومن المهم أيضًا الإحاطة بأنها بعد ذلك لم تكن نهضةً فُجائية بِعَصًا سحرية، وإنّما كانت نقلة نوعية «سريعة»، زاد من سرعتها ظهور النفط، بمعنى أنّ رحى التغيير الفعليّ لم تبدأ في الدوران

سنة اكتشاف النفط ذاتها، بل بدأت تدور بسرعة بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، حينما دشّنت الكويت أولى عمليات تصدير النفط عام.1946 ولم تكن الكويت لتبلغَ نهضتها الحديثة بهذه السرعة الفائقة لولا الانتعاش الاقتصادي والعوائد المادية العالية بعد انطاق عمليات تصدير النفط؛ إذ كانت بمنزلة ساعة الصفر لانقاب عمراني واقتصادي وثقافي وغذائي، إلى غاية اكتمال المشهد النهضوي في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته. وفي ضوء أدبيات علماء النفس بالصدمة النفسية وأسبابها وأنواعها وأعراضها، يفترض هذا المحور أنّ الشبيب قد مرّ بأزمة نفسية في هذا السياق الزمني تحديدًا، وأنّ هذه الأزمة كانت عبارة عن سلسلة من

الأحداث الصادمة وخيبات الأمل، من جرّاء هذه النقلة الحضارية السريعة التي صادف فيها الشاعر من

أفانين المحاربة ما صادف، ما جعل من تجربته الشعرية حالةً تطبيقية مُثلى لنظرية الصدمة. وبناءً عليه، فإنّ هذا المحور سيسير في مسار زمنيّ متسلسل ومحدّد من تاريخ الكويت الحديث،

وسيقف عند محطّات مفصلية شهدها الشاعر ووثّقها بشعره، انطاقًا من بداية مخاض التغيير وعمليات التحديث قُبيل اكتشاف النفط، ومرورًا بفجر عصر النفط ومامحه الأوّلية، ووقوفًا عند الموقف النفسي للشاعر إزاء هذه القفزة الحضارية السريعة.

1. أيقونة تطوّر التعليم: بداية الصدمة

لقد بدأت إرهاصات التغيير وعمليات التحديث في الكويت قُبيل اكتشاف النفط، وخاضت الكويت تجربة التحديث مع المؤسسة التعليمية أوّلً؛ ذلك أنّ المجتمع الكويتي جُبِل على تقدير العلم منذ

القِدم، حتى بمفهومه الضيّق، ولقد كان «الشكل التقليدي السائد للتعليم هو (المطوّع) أو (المطوّعة)

معلّم أو معلّمة الصبيان أو البنات، وفي بعض المناطق كان يُطلق على القائم بهذا النشاط (الما). هذا الشكل من التعليم كان سائدًا في الخليج، ولقرون عديدة». ثم سعى المجتمع لأنْ يتبنّى أشكالً من التعليم الحديث ف «فغالبًا ما يُشار إلى أنّ التعليم الحديث بدأ

في الكويت في سنة 1912، إلا أنّ هذه البداية كانت بدايةً تاريخية لا أكثر، حيث افتُتحت فعلً في ذلك العام ما يمكن أنْ يُسمّى (تجاوزًا) مدرسةً، بعد مبادرات فردية قام بها تجّار الكويت في الوطن والخارج،

لتعليم الصبية مبادئ الكتابة والقراءة والحساب، وكانت هيئة التدريس في تلك المدرسة إمّا محلية من ذوي الثقافات الدينية أو قادمين إلى الكويت من ذوي المعرفة، والذين لهم نصيب المُقام لبعض الوقت

(6((الرميحي، ص.112

يتعاطون مهنة التدريس، وكان طلّب هذه المدرسة في حجرة واحدة، ولم يكن هناك نظامُ امتحانات أو إشراف أو حتى تقسيم للأوقات كما نعرفها اليوم، فقد كان التلميذ يحفظ شيئًا من الشعر القديم والحساب بجانب بعض من علوم الدين، وعندما يشعر هو أو أولو أمره أنه حاز شيئًا من العلم خرج للعمل في

المجالات المتوفرة للعمل آنذاك. وسُمّيت المدرسة الأولى في الكويت بالمدرسة المباركية نسبةً للشيخ

مبارك الصباح الذي افتُتحت المدرسة في عهده، إلا أن هذه المدرسة قد تعثّرت في سيرها نتيجةً لأسبابٍ عدة منها: ضيق ذات اليد أولً، وعدم اهتمام المسؤولين بالتعليم ثانيًا». ولقد تفطّن صقر الشبيب لرداءة التعليم في المدرسة المباركية مبكّرًا، حينما زارها، وجلس على كرسيّ

كان قريبًا من أحد الفصول، وسمع مدرّس الفصل الذي كان في تلك الساعة يُلقي درسًا في اللغة

العربية، وكان كثير اللَّحْن، فقال: ما زلتُ أسمعُ لحنَ ذا اللَّحَّانِ... حتى لكِدْتُ أذوبُ من أشجاني لم يُلْقِ من بيتٍ على طُلّبهِ... إلّ وشانَ البيتَ بالألحانِ ثمّ يأخذُ يذيقه أقسى ألوان النقد والتوبيخ، غيرةً على سامة لغته الأم وعلى بني قومه من المتعلّمين، حتى إنه يشكّك في صحة شهادته، فيقول: خدعَتْ بني قوْمي شهادتهُ التي... شَهِدتْ له بالعلمِ والعِرفانِ وإذا بإصغائي إلى تدريسه... يعزو شهادتهُ إلى البُطانِ إنْ لم يكنْ نالَ الشهادةَ ذا الفتى... زُورًا، فآفتهُ من النّسيانِ وتشتدُّ غيرته على لغته وبني وطنه حتى تبلغ ذروتها، فيطفق يحرّضُ على فصل هذا المعلّم اللحّان من

عمله، بل على إعادته من حيث جاء كي يتعلّم من جديد، فيقول: فلينصرفْ من حيثُ جاء فلم يزلْ... منهُ التعلّمُ بعدُ في الإمكانِ ثمّ يناشدُ قومَهُ بالاستعاضة عنه بمتقنٍ للّغة العربية، ويحذّرهم من التهاون والتراخي في مثل هذه المسائل قائلً: يا قومُ إنْ لم تبدّلوه بمُحسنٍ... تعليمهُ الأبناءَ ذي إتقانِ عَظُمَتْ ندامتكم على تفريطكم... وعلى التساهلِ مُعْقبِ الخُسرانِ

(6((المرجع نفسه، ص.113 (6((اللحن هو الخطأ في الإعراب واللغة. ((7(الشبيب، ص.569 ((7(المرجع نفسه. ((7(المرجع نفسه. ((7(المرجع نفسه، ص.570

وأخيرًا يظهر كأنه يُعَرِّضُ بنفسه للوظيفة مُقسِمًا:

ظنّه بأبيه.

في توظيفه؛ لكونه لا يُبصر، ولرثاثة ثيابه كذلك، وقد قال في مطلعها:

مِن المدير ناصحًا:

الهاشمي ببغداد، قال فيها:

((7(المرجع نفسه، ص.574 ((7(المرجع نفسه، ص.13 ((7(المرجع نفسه، ص.16 ((7(الجهة المسؤولة عن التربية والتعليم آنذاك في الكويت. ((7(الشبيب، ص.508 ((7(المرجع نفسه، ص.509 ((8(المرجع نفسه، ص.113

تاللهِ يا لُغتي العزيزة لن ترَيْ... منّي سوى ذي نجدةٍ مِعْوانِ ويبدو أنّ الشبيب ما توخّى وظيفة المعلّم إلا لثاثة أسباب، أوّلها ماديّ؛ لإدراكه أنّ الوظيفة تعني طاقه من الفقر، واعتزاله مدح اللئام، وإعفاءه من ذلّ السؤال. وثانيها اجتماعي؛ لإيمانه أنّ الوظيفة ستحقّق له العدالة الاجتماعية، وسترفع من منزلته الاجتماعية بين الناس. وثالثها أنّه وجد في وظيفة معلّم اللغة العربية ضالّته؛ ذلك أنه سيتسنّى له من خالها ممارسة هوايته بمطالعة دواوين الشعر وتدارسها مع التاميذ، بعد أنْ منعه أبوه من ممارستها سخطًا بترديده الآية الكريمة: ﴿وَالشُّعرَاءُ يَتَّبِعهمُ الْغَاوُونَ﴾

(الشعراء: 224)، على عكس وظيفة الواعظ أو (المُلّ) التي لطالما أراد له أبوه أنْ يمارسها، فخاب

ولكنّه سرعان ما خاب ظنّه مرةً أخرى! وهذه المرة ليست إزاء أبيه، بل إزاء مسؤولي بلده الكويت، فلقد نظم قصيدة احتجاجية على إثر رفْض طلبه للوظيفة معلّمًا في دائرة المعارف، بسبب تردّد المدير

لو لم يُوظّفْ في (المعارفِ) غيرُ... مَنْ أبدى الكفاءةَ لم أكن بالعاطلِ ثمّ أخذت المأساة تنفجر في نفس الشاعر داخليًا، فأبى إلا أن يُصعّد المأساة محلّيًا إلى مَنْ هو أعلى

هلّ بحثتمْ عن مُديرٍ مخلصٍ... مُترفّعٍ عن كلّ أمرٍ سافلِ ويبدو أنّ صلته بكبراء القوم وأفاضل العلماء داخل الكويت لم تنفعه في نيل الوظيفة، ولا في تعيين مدير مخلص، فاستيْأس! وارتفع التصعيد من محلّي إلى إقليمي، ليُصعِّد الشاعرُ همومَه ومَقالِقه خارج

حدود باده الكويت، وإلى العراق تحديدًا؛ إذ نشر قصيدةً بمجلة اليقينالتي كان يصدرها محمد

يقولون لي: يا صقرُ ما لكَ عاطلً؟... وقد وظّفوا مَنْ لم يُقارِبْكَ في الأدبْ

فقلتُ لهم في رِثّةِ الثوب مانعٌ... رُقِيّي إلى تلك المناصبِ والرّتبْ

تصعيدٌ تلو تصعيد، والمأساة في تمدّد إقليمي واتّساع جغرافي، حتى صدّرها الشاعر من موطنه الكويت إلى تونس الخضراء، بعد أن بعث إليه الزعيم التونسي عبد العزيز الثعالبي برسالة تهنئة بمناسبة عيد الفطر، فردّ صقرٌ عليه شاكيًا: أزعيمَ تونس والكويتُ فَسيحةٌ... قد ضاق بي منها الفسيح الأرْحَبُ إنْ يُرْدِني بؤسي فلوموا موطني... بعدي على تفريطه بيَ واعتبوا

حاولتُ إدراكَ الوظيفةِ جاهدًا... بالقوت من قومي فعزّ المطلبُ بين استِيئاسٍ من المحيط المحلي واستنجادٍ بالمحيط الإقليمي، ردٌّ على أسئلة نجمة إدريس حين

تساءلت: «ألم يكن صقر الشبيب – آخذين بعين الاعتبار مكانته الشعرية ونوازعه الإصاحية – مهيَّأ

لدور أكبر من الدور الذي لعبه؟! ألم يكن لديه من الأعباء والمسؤوليات وأحام التطوير ما يحفّزه لتقمّص شخصيةٍ أكثر صابة وقدرة؟! ألم يكن أمامه من الفرص الواعدة، ومظاهر التقدير من الكُبَراء

وأفاضل العلماء والشيوخ ما يُعيده إلى تمثّل ذلك الدور والإصرار عليه؟»!. لقد هيّأ له فجرُ العصر الحديث دورًا أكثر صابةً وقدرة، وأليقَ بكرامته من عصر الاسترزاق بالشعر،

ولقد كان الشبيب مهيَّأ لذلك، حاملً معه مسؤوليةً اجتماعية وهمّةً عالية للحفاظ على سامة لغته

العربية، طارحًا نفسه معلّمًا في المدرسة المباركية، ليساهم في نموّ باده، لولا أنّ مركب النمو منخرقٌ

على أمثاله من الفقراء والعميان؛ بسبب تعسُّف المسؤولين في دائرة المعارف، وتربُّص مديرها، وإدبار

الكبراء، باستثناء بعض الأوفياء من أصحابه كالأستاذ أحمد الصراف، وتصامُم أفاضل العلماء،

وتولّي الشيوخ عن إنصافه بالوظيفة التي أراد، أو خَلْقِ بديلٍ مُجزٍ وغير منقطع على أقلّ تقدير، يكفيه

ذلّ التسوّل بشعره وضجر الآخرين من شكواه. وعلى الأرجح أنّ الشبيب تعرّض لصدمة نفسية من جرّاء ذلك التخاذل، فأسرف في التصعيد

والاحتجاج، ولئن سمّتها نجمة إدريس «إدمان شكوى»، فحريٌّ أنْ تُدْعى شكواه احتجاجًا، أو أسلوبَ

استغاثةٍ بذوي المروءة، على غرار قوله مخاطبًا عينيه: فسَكْبكُما دموعكما احتجاجٌ... وقد يحتجُّ بالدمْعِ الفقيرُ ووفقًا لرأي محمد النابلسي في الصدمة النفسية وأنواعها، فإنّ فقدان منصبِ عملٍ لَداعٍ من دواعي الصدمة المؤثرة في نفسية المرء. وفي ضوء ذلك، يبدو أنّ الشبيب بعد خذلان المجتمع له، وفقدان الوظيفة التي من شأنها انتشاله من قاع الفقر، تعرّض لصدمة نفسية مزدوجة: من محيطه الاجتماعي،

ومن المرحلة الجديدة المقبلة على الكويت، أفْضَت به إلى حالةٍ من اليأس والعزلة وفقدان الأمل.َ

((8(المرجع نفسه، ص.132 ((8(إدريس. ((8(الشبيب، ص.226 ((8(المرجع نفسه، ص.348 (8((محمد النابلسي، الصدمة النفسية: علم نفس الحروب والكوارث، ط 5 (بيروت: دار النهضة العربية، 1991)، ص.285

الدال تطوّر التعليم

2. أيقونة الكهرباء: الصدمة الجسدية

الطبيعي مستمد من الشمس، مصدر الضوء، كما في قوله:

الدال الشمس

في قوله:

وظّفها في سياق الدعاء على عذّاله.

((8(الرومي، ص.312 ((8(الشبيب، ص.695 (8((عبد الله الحاتم، من هنا بدأت الكويت، ط  2 (الكويت: مطبعة دار القبس، 1980)، ص.105 ((8(الشبيب، ص.473 للتراث، 2002)، ص.75

العلاقة صدمة التحديث في طوره المبكّر

تقويض أمل

«تشيع في شعر الشبيب ظاهرة الإكثار من ذكر النور ومشتقاته ومصادره المختلفة كالشمس، ما يعكس إحساسًا بالرغبة في التعويض عن تلك الظلمة التي كان يعاني منها». وإنّ تمثيل الضوء في سياقه

ونُصْحُكَ مثلُ الشمسِ لكن جهالتي... غَمامٌ وقد يُخفي الشموسَ غَمام المدلول

المدلول الرمزي النصح والإرشاد

الهَدْيُ والإبصار ويجدر الكشف عن تمثيل الضوء في سياقه الحديث المتمثّل بالكهرباء؛ ذلك أنّ الكهرباء تمثّل ملمحًا من مامح التحديث الطارئ على العالم عامة، والمجتمع الكويتي خاصة. ولقد أدرك الشبيب العهد الذي ولج فيه أول تيار كهربائي إلى البيوت والدكاكين في مدينة الكويت، وكان ذلك في عام 1934، ثم أخذت الكهرباء تنتشر رويدًا في أنحاء الكويت وقراها. ولقد تمثّلت في شعر الشبيب بصورة فنية

ليتَ مَنْ لاموا بأساكِ الجوَى... كَهْربَتْ أحشاءَهُم أيدي الهوى لقد رسم بهذه الاستعارة صورة حسّية لا تُدرَك إلّ باللمس، إذ دعا على عُذّاله في الهوى بأنْ تُصعَق أحشاؤهم بأساك الجوى، والجوى من أعلى درجات الحب. وقد شبّه الشبيبُ الجوى بالكهرباء؛ بجامع شدة الصعق في كلٍّ منهما، ثمّ كنّى عن الكهرباء بشيء من لوازمها (أي الأساك). وبإجراء سيميائي حول الأيقونة وما يختبئ خلفها من معنى، تبدو صورة الكهرباء في عين الشاعر الكفيف مغايرةً لصورتها في عين البصير؛ ذلك أنّه ينتفع بها في نواحٍ متعدّدة، كالإضاءة ونحوها، أما الكفيف فا يُدرك منها إلا الصدمة الجسدية بفعل صَعْق الأساك الكهربائية؛ لتعذّر رؤيته، ولذلك

(9((علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، طوق الحمامة في الألفة والألّف، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد (القاهرة: دار الحرم

ومن هنا تبدو نقطة التحوّل واضحة عند الشاعر الكفيف؛ إذ إن فلسفة الضوء في سياقه الحديث مغايرة تمامًا لفلسفة الضوء في سياقه الكوني المعهود. الدال

المدلول صعق الكهرباء

ألم الحبّ

3. أيقونة الحرب: الصدمة الاقتصادية

لقد تهدّمت آمال الشبيب مع دخول المجتمع الكويتي عهدًا جديدًا، ثم توالت على إثرها الصدمات تترًا؛ ذلك أنّ مصائب البؤساء لا تأتي فرادى. فعلى الرغم من اكتشاف النفط في الكويت عام 1938، واستبشار المجتمع بالخير المقبل بمعية الذهب الأسود، لم تسلم الطبقة الفقيرة من الانتكاسات الاقتصادية الفجائية. فقد ذكر يعقوب الغنيم أنّ موجة ارتفاع الأسعار غطّت الكويت في عام 1941. وعلى غراره، يقول عبد الله الحاتم: «بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية بقليل، بدأت أسعار المواد الاستهاكية في الكويت وغيرها من الباد ترتفع باطّراد، وكادت بعض المواد الغذائية أن تختفي من الأسواق»، فقال الشبيب في هذه المناسبة: غاءٌ أهلك الفقراءَ جوعًا... وعُرْيًا، أهلك اللهُ الغاءَ ولئن قاسى الشبيبُ الأمرّين من جرّاء فقره وعماه منذ أول حياته، فقد رُميَ بثالثة الأثافي: نكسة اقتصادية في آخر حياته، حتى بعد اكتشاف النفط. فكأنما هو عصر القحط، لا النفط، في عين الشبيب الذي يبدو متماسكًا رغم هذه الصدمات، مستعصمًا بحبل الصبر وهو رفيع، إذ يقول: فصبرًا أيها الفقراء صبرًا... فإن الأمر حائلٌ انتهاء الدال

المدلول الحرب العالمية الثانية

ارتفاع الأسعار

4. أيقونة السيارة: الصدمة الحضارية

يسجّل الحاتم ماحظة مهمّة بشأن ردّة الفعل النفسية للمجتمع الكويتي على إثر ظهور السيارة في أرض الكويت، فيقول: «وكانت يوم أن درجت على أرض الكويت أعجوبة من العجائب لدى الأهالي، وصاروا يفزعون منها إذا ما لاحت لهم قادمةً أو إذا ما سمعوا دويّها مقبلة»ً.

((9(الشبيب، ص.107 ((9(الحاتم، ص.164 ((9(الشبيب، ص.107 ((9(المرجع نفسه، ص.110 ((9(الحاتم، ص.144

العلاقة التشظّي الباطني

العلاقة صدمة اقتصادية

وبعدئذ، يشير الحاتم إلى أنّ بعض التجّار، خال السنوات التي عقبت وصول أول سيارة إلى الكويت،

وعندما أصبح الحصول على وقود السيارات (البترول) أمرًا ميسورًا، أخذوا يتطلّعون إلى اقتناء سيارة

خاصة، وكان عددهم خمسة تجّار، وقد ذكرهم بالاسم: «ثم بدأت سيارة الأجرة في الظهور، ولم يكن عددها يومذاك يتجاوز أصابع اليد الواحدة »[...]. ومع تسارع عمليات تصدير النفط من أرض الكويت، بدأ استعمال سيارات الأجرة لنقل الركّاب على نحو ملحوظ عام 1948. وبذلك، فإنّ الحاتم يرجّح أنّ اكتشاف النفط في الكويت أدى دورًا فعّالً في تيسير عمليات التزوّد بالوقود، وانتشار السيارات في شوارع الكويت، كما أنه ساهم، في وقت قياسيّ، في كسر احتكار

تملّكها من قِبل النّخَب التجارية؛ وذلك بتيسير مسألة «تملّكها» لسائر طبقات المجتمع الكويتي، فباتَ «انتشارُ السيارات» في شوارع الكويت، بهذه السرعة القياسية، مرتبطًا بظهور النفط على أرضها، وأيقونةً من أيقونات عصر النفط، على عكس المجتمعات العربية إجمالً، وغير النفطية منها تحديدًا، حيثُ أخذت رَوِيَّتها بالكامل في استقبال أيقونات العصر الحديث؛ ومن ثَمّ بدأت تنتقل إلى مرحلة التحديث انتقالً تدريجيًّا، ولكن على نحوٍ أبطأ. وبناءً عليه، بدأ الاقتصاد الكويتي في النموّ، على نحو سريع ولافت، بعد أن وضعت الحرب العالمية

الثانية أوزارها، وأخذت مظاهر التغيير الحضاري تطفو على السطح، وصارت السيارات تجوب

الشوارع، وتستفحل فيها، وأمسى إيقاع التغيير يأخذ طابع السرعة، في حين أنّ الشبيب لم يكن مهيّأ

للتلقّي أو التكيّف بسرعة في ظلّ كل هذه المتغيّرات السريعة، فيقول: وكم حوّلَتْ سيارةٌ بصفيرِها... أناملَ كفّي الحمر خوفًا إلى صُفْرِ وفي ضوء ما ذكر الحاتم عن خوف الكويتيين من السيارة في ظهورها الأول، فإنّ السيارة تمثّلت في شعر الشبيب متَّخذةً هيئة عامة مؤشّرية للخوف أيضًا؛ إذ عبّر عن خوفه بصورة بصرية من خال تحوّل

لون كفه الأحمر (عامة الطمأنينة) إلى الأصفر في إشارة قرينية إلى الخوف. كما أنه عبّر عن ذلك الخوف بصورةٍ سمعية من جرّاء صفير مُنبّه السيارة المُفزِع بالنسبة إليه، ما يعكس

أثر العمى في شعره، وكأنّ الصورة البصرية – السمعية التي رسمها مستوحاةٌ من المشهد القياميّ في

قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فصَعِقَ مَنْ فِي السّمَاوَاتِ ومَنْ فِي الرْضِ إِلَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ

أخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظرُونَ﴾ (الزمرُ6).8: والخوف الشديد من أبرز الأعراض السلوكية للصدمة، وعامة من عامات اضطراب ضغوط ما بعد الصدمة، فمثلما «قد يربط الشخص الناجي من حادث اصطدام بقطارٍ صفيرَ منبه القطار بصدمته من

((9(المرجع نفسه. ((9(المرجع نفسه. ((9(المرجع نفسه، ص.145 ((9(الشبيب، ص.359

ذلك الحادث لو سمعه من جديدٍ بعد نجاته»، نجد أنّ الشبيب يربط صوت منبّه السيارة بخوفه من

الدهس، على إثر تجارب سابقة مع الجدران والحمير؛ ذلك أنه لم يألف السيارات في الطريق أثناء سيره، بل ألِف الجدران والحمير، ما جعل من أذى السيارة امتدادًا لأذى الجدران والحمير، غير أنّ صورة الجدران والحمير، وإنْ كانت مؤلمة، فإنها مألوفة لديه على المستوى الحسّي، ولربما أبصرهما

في طفولته قبل أن يفقد البصر، بخاف صورة السيارة المجهولة تمامًا بالنسبة إلى حواسّه، ما جعله في

حالة ذهول من المجهول، وإحساس مضاعف بالخطر، إلى درجة أنه «يرفض الخروج من بيته حتى بواسطة سيارة الشيخ». ويتابعُ الشبيب أعراض الصدمة النفسية، فيقول: وقد يَصْفِرُ الدرّاجُ حَوْليَ غافلً... لأبْعُدَ عنه أو ينبّهَ بالنّقْرِ فأرعدُ ذُعرًا منه حتى كأنما... تمشّت بجسمي كلِّه رَعْدة القُرِّ ولا غروَ أن خاف الدواهسَ جاهلٌ... وجوهَ المناجي من حوادثها الغُبْرِ وكأنما يستمرئ عصرُ النفط ترويعَ الشاعر هنا، إذ تتكرر مأساته مع راكبي ظهور الحمير. فها هو قائد

السيارة يُزمّر والشاعر في غفلة من أمره، فيبتعد خوفًا من الدّهس مرةً أخرى، مذعورًا ومرتجفًا، كما لو

أنّ موجة بردٍ قارس عصفتْ به. ولئن كان ظاهر فلسفة السيارة عند الشبيب صدمةً نفسيةً من صفيرها، ومن رعونة قائدها، فإنّ باطنها صدمة حضارة، وخوف من كلّ ما هو حديث. ورشفًا من مَعين فرويد، تسجّل كاروث ماحظة عميقة حول إشكالية العاقة بين الصدمة والنجاة،

قائلةً: «بالنسبة إلى أولئك الذين تعرّضوا لأحداث صادمة ونجوا منها، فإنّ الأزمة ليست في لحظة

الحدث فحسب، بل إنّ اجتيازها والنجاة منها يمكن أن يكون أزمةً بحدّ ذاته»، فالنجاة ليست إلا تورّطًا جديدًا في الصدمة؛ وذلك بسبب ما سيعانيه أولئك الناجون من اضطراب ضغوط ما بعد الصدمة. الدال

العلاقة السيارة

ذهول وذعر من المجهول

تنافر مع مستجدات العصر

5. أيقونة غاز الكيروسين: الصدمة السمعية

ويظهر مُجدّدًا ليعبّر عن رفضه لمستجدّات عصر النفط، ولمظهر من مظاهره البارزة، وهو غاز

(الكيروسين) أحد مشتقّات النفط التي جاءت عوضًا عن الزيوت الطبيعية المستخدمة قديمًا للإضاءة

(100) Laurence J. Kirmayer, Robert Lamelson & Mark Barad (eds.), Understanding Trauma: Integrating Biological, Clinical, and Cultural Perspectives (New York: Cambridge University Press, 2007), p. 41.

((10(الشبيب، ص.20 ((10(المرجع نفسه، ص.359

(103) Cathy Caruth (ed.), Trauma: Explorations in Memory (Baltimore and London: The Johns Hopkins University Press, 1995), p. 9.

المنازل بوجودهم، قال في مطلعها:

شكواه قائلً:

النوم، فبات لا يتقبّل جديدًا، ولا سيّما إن كان الجديد متّصلً بعصر النفط، ثم يسترسل:

الموتى المدفونين، مصوّرًا بذلك المعاناة التي يلقاها من شدة إزعاج الجرس، ثم يقول:

الأسى الذي يسبّبه بائعو الكيروسين، فيقول:

الدال أجراس باعة الكيروسين

((10(الحاتم، ص.110 ((10(الشبيب، ص.446 ((10(المرجع نفسه. ((10(المرجع نفسه. ((10(المرجع نفسه. ((10(المرجع نفسه.

في عصر ما قبل النفط، كزيت السمسم وزيت الزيتون وزيت جوز الهند والودك؛ إذ وجّه الشبيب

إلى مدير البلدية قصيدةً يشكو فيها صوت الجرس المزعج الذي يستعمله بائعو الكيروسين لإنباء أهل

يا بائعَ الغاز رُبع الربع من مئة... مما تقوم به من دقّكَ الجرسا وإنّ هذا الأسلوب لضربٌ من الطلب، يلتمس فيه الشاعر التخفيف من حدّة الإزعاج الصادر من بائع

الغاز، فكأنّ الشاعر يقول: ليتكَ تخفّف من ضربكَ المئويّ إلى الرّبع، بل إلى رُبع الرّبع! ثمّ يتابع

يؤذي ويزعج أيقاظًا تمرّ بهم... ويطرد النوم عن عين الذي نعسا ويتّضح أنّ الشبيب كان يهنأ في نومه قبل ذلك، ثم أمست تؤذيه تلك الأصوات المزعجة، وتمنعه من

فلستُ أغبط ما جلجلتَ عن كثبٍ... إلا الأصمّ وإلّ ميتًا رُمِسا ورغم فقده حاسة البصر، واعتماده على حاسة السمع اعتمادًا رئيسًا، فإنه صار يغبط الأصمّ، ويحسد

ما قاربَ البَرْءَ رأسي من تصدُّعهِ... إلا ومرّ به شَرْواكَ فانتكسا أما هدوء أعصابي فلم أره... منذ استهلّ من الأجراسِ ما خرسا ويواصل شكواه وامتعاضه، ويُعدّد أعراض الصدمة السمعية كالصداع، والتشنّج العصبيّ، ما يعكس

مقدار الصدمة السمعية التي تعرّض لها من جرّاء ذلك الصوت الدخيل. وأخيرًا يدعو اللهَ أن يسلبه

حاسة السمع، وهي أهم حاسة تواصلية، بالنسبة إليه، بعد حاسة البصر المفقودة سلفًا؛ وذلك من شدة

لا أفْقدَ اللهُ سمعي غيرَ صحتِّه... فكم أحالت أسى في نفسيَ الأُنسَا المدلول

العلاقة ضوضاء قاتلة

سخط على التحديث

6. أيقونة الأغذية المُعلّبة: الصدمة الأخلاقية

قبل وفاته بعام واحد، أي في عام 1962، وبعد أن أخذت الأغذية المعلّبة تغزو السوق الكويتية، طرح الشبيب نقدًا لاذعًا عبر قصيدة موجّهة إلى البلدية، يطالبها فيها بأن تحظر الأغذية المعلّبة، إذ لم يكن يُكتَب على العُلب تاريخ تعبئتها ليُعرَف الصالحُ منها من الفاسد. ولم يعرف الكويتيون الأطعمة المعلّبة قبل النفط؛ لأنها بدأت تُستَورد من خارج الباد تزامنًا مع النهضة النفطية، ولذلك فهي تُعدّ من تداعيات عصر النفط ومستجدّاته. ويقول الشبيب في ذلك: فلم يُصدروهُ للزّبون مُؤرَّخًا... وإنْ جرَّ إهمالُ التواريخِ ما جرّا يشاؤونَ من مال الزّبونِ توَفّرًا... لربحٍ وإنْ حازوهُ من عمرهِ خُسْرا ويعكس البيت الثاني جشع التجار، وتغليبهم المادة على صحة الإنسان. وفي ثناياه صدمة أخاقية من التاجر، واغتراب اجتماعيّ من جرّاء التحوّل الأخاقي المفاجئ للنخب التجارية في المجتمع الكويتي بعد دخول النفط، ثمّ يضيف إلى ذلك حُكمًا على سلوك التجّار قائلً: إذا لم يكن هذا الغِشُّ مُرْدِيًا... فا علْمَ لي بالغشِّ يُرْوى ولا خُبْرا ولئن لم تمتلك أيقونة الأطعمة المعلّبة تلك الخصوصية النفطية الكاملة، فإنّ ظهورها في الكويت بسرعة فائقة ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالوثبة الاقتصادية السريعة من جرّاء اكتشاف النفط، حتى باتت ظاهرة ملحوظة وواسعة الشهرة، فتناولها الكتّاب في أكثر من منصة، وأضحت في عين المجتمع عامة، والشاعر خاصة، مظهرًا من مظاهر التغيير الغذائي المشبوه. الدال

المدلول الأغذية المعلّبة

تجديد غذائي وتغيير أخاقي لقد جمع المحور ما وسِعه من شواهد شعرية تتضمّن عامات رديفة لمطلع عصر النفط في الكويت، حتى يستنبط الموقف النفسي للشبيب إزاءها، فكانت النتيجة أن آثر العزلة في بيته، وطلب الموت بعد أن خذله الأحرار من قومه؛ وذلك في قوله: ولمّا لم أجد في الناس حُرًّا... يُعينُ على مُلِمّاتِ الأمورِ نبَذْتُ الناسَ ظهريًّا ورائي... ونادَيْتُ المَنونَ ألا فزوري وهو يحاكي في ذلك المعرّي في قوله:

((11(المرجع نفسه، ص.404 ((11(المرجع نفسه، ص.405 ((11(المرجع نفسه، ص.395

العلاقة توجس واستياء من التغيير

فيا موت زُرْ! إنّ الحياةَ ذميمةٌ... ويا نفسُ جِدّي! إنّ دهركِ هازلُ وقد تمنى المتنبي الموت من قبلهما؛ وذلك في قوله: كفى بك داءً أنْ ترى الموتَ شافِيا... وحَسْبُ المنايا أنْ يَكُنّ أمانيا وفي ضوء ذلك، فإنّ الاغتراب والعزلة وتمنّي الموت من أبرز أعراض الصدمة النفسية التي تعرّض لها

الشبيب، إذ خاصم ثقافة التحديث، وأحجم عن التكيّف معها والانخراط فيها إجمالً، واعتزل الناس

في آخر حياته. ثمّ كان له ما تمنّى؛ إذ قضى أجله في آب/ أغسطس 1963، فاكتملت بذلك أضاع مثلث أزمته: الفقر والعمى والنفط.

خاتمة

على سبيل ردّ العجز على الصدر، نختم الدراسة من حيث ما استهلّت به، حيث كان سؤال نجمة إدريس، في المحور الأول، حول قيمة التجربة الشبيبية وجدوى استرجاعها. ولقد توصّلت الدراسة، من خال محاورها الثاثة، إلى أنّ تجربة الشبيب الشعرية، على الرغم من مرارتها، أفرزت سجلً أدبيًا ثريًّا بالقيم كما يُفرز الله بقدرته اللبنَ من بين فَرْثٍ ودمٍ، وأولاها قيمة «توثيقية» للبيئة الكويتية في

عصرين: عصر ما قبل النفط، ومطلع عصر النفط، وثانيتها قيمة « فنية» في التصوير الفنّي المستوحى من البيئة الكويتية بمختلف أشكالها، فضلً عن قيمة ثالثة «تجديدية» على الصعيد الموضوعي كانت قد تفطّنت لها نورية الرومي حينما أشارت إلى ظاهرة التجديد الموضوعي في شعر الشبيب، وأفردت في ذلك مبحثًا كاملً بعنوان «صقر الشبيب والنغم الذاتي»، فقالت في مستهلّه: «وقد غلبت على هذا الديوان موضوعات تقليدية معروفة من المديح إلى الهجاء إلى الغزل، ولكنه على الرغم من هذه التقليدية الغالبة على فنّه استطاع في أحيانٍ كثيرة أن يخلص بعضَ قصائده للحديث عن نفسه. وبذلك

أَخذ النغمُ الذاتيّ يتسرّب إلى معانيه». وعلى مذهبها، كان محمد حسن عبد الله في قوله إنّ الشبيب: «مدح، وشطّر، وعارض، وداعب الإخوان، وكتب في القومية، ورثى ووصف، وتغزّل، وحاول أن يتفلسف، فكتب في موضوعات غير تقليدية – بالنسبة لمرحلته في الكويت – عن العقل ودوره، والسعادة ومعناها وحظّه منها، والعزلة ومعطياتها الروحية والاجتماعية، ومحاولة استكناه سرّ الوجود. بل قدّم صورًا طريفةً عن البخل

والبخاء دون أن يعمد إلى هجاء شخص بعينه، وعن الانخداع بالمظهر، وعن الحيوان المعذّب بأيدي الصبيان، والعنز التي أكلت الكتب». وفي ضوء ذلك، يتسنّى الردّ على حكم نجمة إدريس الموغل في القسوة حيال تجربة صقر الشبيب

(11((أبو العاء المعري، سقط الزند (بيروت: دار بيروت للطباعة والنشر، 1957)، ص.195 (11((عبد الرحمن البرقوقي، شرح ديوان المتنبي (بيروت: دار الكتاب العربي، 1986)، ص.418 ((11(الرومي، ص.293 (11((عبد الله، ديوان الشعر الكويتي، ص.23

الشعرية عندما ختمت مقالتها قائلةً: «بقي شعره أفقيًا، متشابهًا، مكررًا في لغته وتقنياته الفنية. فقد اعتزل

شعرُه حياة التطور والنمو ومواكبة مستجدات المشهد الشعري تمامًا. وأخيرًا يُغادر الشاعر حياةً با

معنى ولا عنفوان، تاركًا وراءه هذا الكمّ من الأسئلة! وكمًا أكثر من عامات التعجّب»!. ولقد انتهت الدراسة، إجمالً، إلى نتائج عديدة، إذ توصّلت في محورها الأول إلى أنّ معاناة الشبيب

أخذت مستوياتٍ عديدة، إلا أن الصدارة كانت لأزمتَي الفقر والعمى؛ لقسريّتهما، وطول مازمتهما

إياه، ولشراكتهما في إقصائه من سعةِ السعادة، وإبقائه في ضيق الشقاء. وفي المحور الثاني، توصّلت الدراسة إلى أنّ كفّ البصر لا يعني الإفاس التصويري؛ ذلك أنّ تعذّر التواصل البصري مع البيئة لم يمنع الشبيب من التواصل الحسّي والثقافي معها، بل شكّل من خال خياله وسائر حواسّه صورًا فنية مستلهمة من بيئته المتنوّعة. ثمّ خَلص المحور إلى أنّ الشبيب على

المستوى الجغرافيّ، عاش في بيئة حضرية ذات محيط بحريّ ومناخ صحراوي، إلّ أن ثقافة الصحراء،

على المستوى الثقافي، تبدو مسيطرةً على ألفاظه، ومهيمنةً على صوره؛ لكونها الفضاء الآمن من زحام المدينة وغدر البحر. وأمّا في المحور الثالث، فقد تمّ التوصّل إلى أنّ الشبيب، مع تدشين عمليات التحديث، صعّد احتجاجه إقليميًا إزاء رفض توظيفه، ما يعكس مقدار الصدمة النفسية الهائلة للشاعر الكفيف، تزامنًا مع انحسار

عصر الصحراء وصعود مدّ التحديث. ومع استفحال عصر النفط، بدا جليًا أنّ تفريغ البيئة ما قبل النفطية من بساطتها وطبيعتها، تمهيدًا

لإحال البيئة الحديثة، خلق مستوى جديدًا من مستويات الصدمة، وأنتج ثقافة لم يألفها الشبيب؛ ما أربك استقراره على الصعيد النفسي، وكرّس في نفسه ثقافة الإحساس المتواصل بالخطر وانعدام

الأمان، وعزّز أعراضًا؛ كاليأس، والخوف، والاغتراب، والعزلة، والرغبة في الموت. ولقد خرجت الدراسة بأربع توصيات، هي: أولً، ضرورة الاهتمام بمعاجم الشعراء المكفوفين في الأدب العربي، المعنية بأسمائهم وتراجمهم، والحرص على تحديثها كلّما استجدّ اسمٌ على الساحة الأدبية، فضلً عن ضرورة تحديد تاريخ إصابة الشاعر الكفيف بالعمى، أو تقريبه ما أمكن، فتلك مسألة مهمة للباحثين في الأدب، وفقًا لشرط الذاكرة البصرية كما أشرنا سلفًا في المقدمة. ثانيًا، أهمية صرْف

اهتمام الباحثين في أدب المكفوفين إلى مسائل من قَبِيل الأصالة والتجديد، والالتفات إلى أسماء خاملة الذّكر، في غير بادها، من الشعراء المكفوفين المتأخّرين، عوضًا عن الالتفاف حول أسماء مكرّرة من

المكفوفين المتقدّمين، مثل بشّار بن برد وأبي العاء المعرّي. ثالثًا، مواصلة استخراج الأعمال الأدبية

الخاصة بالمكفوفين المتأخّرين، وإخراجها من حيّز المخطوط إلى فضاء الطباعة الورقية والإلكترونية،

والعناية بتحقيقها. رابعًا، وأخيرًا، دعوة المراكز المتخصّصة في حقل دراسات الخليج، شرقًا وغربًا، إلى

الاهتمام بموضوع الأدب في الخليج كاهتمامها بموضوعات السياسة والاقتصاد والتاريخ، ولا سيّما

((11(إدريس.

بعد اكتشاف النفط؛ ذلك أنّ النفط بمفهومه الواسع لا يضيق عند موضوعات محددة، بل يتعدّى أثره إلى الموضوعات كافة. وختامًا، فإنّ سيرة الشبيب، أثناء فحصها، جديرةٌ بإمعان النظر وطول المطالعة؛ لأنها معقّدة بقدر ما

تبدو بسيطة. كما أنها حقيقةٌ بالمراجعة والتدبّر والتبصّر؛ لفرادتها في المشهد الأدبي الكويتي، وثراء

موضوعاتها، وتعدّد أوجه المعاناة فيها، ما يجعلها خصبةً للتجريب النظريّ والمنهجيّ أينما قلّبتها،

إذ ما زالت هنالك فجوات مظلمة في انتظار مصابيح الباحثين للتجرّؤ عليها، والكشف عن خباياها؛

إثراءً للساحة النقدية في الكويت خاصةً، والخليج عامةً، لا سيما أنّ منطقة الخليج العربي في العصر

الحديث زاخرة بالشعراء المكفوفين الذين أضافوا قيمة للمشهد الأدبي، لكنّهم لم يحظوا بالدراسة الكافية.

References

المراجع

العربية

ابن حزم الأندلسي، علي بن أحمد بن سعيد. طوق الحمامة في الألفة والألّف. تحقيق طه عبد الرؤوف سعد. القاهرة: دار الحرم للتراث،.2002 البرقوقي، عبد الرحمن. شرح ديوان المتنبي. بيروت: دار الكتاب العربي،.1986 بوشعير، الرشيد. الشعر العربي الحديث في منطقة الخليج: عوامل تطوره، اتجاهاته وقضاياه. دمشق: دار الفكر،.1997 تشاندلر، دانيال. معجم المصطلحات الأساسية في علم العلامات: (السيميوطيقا). ترجمة شاكر عبد الحميد. القاهرة: أكاديمية الفنون،.2000 توسان، برنار. ما هي السيميولوجيا؟ ترجمة محمد نظيف. ط 2. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2000 الحاتم، عبد الله. من هنا بدأت الكويت. ط 2. الكويت: مطبعة دار القبس،.1980 حسين، عبد العزيز. محاضرات عن المجتمع العربي بالكويت. ط 2. الكويت: دار قرطاس للنشر،

ربابعة، موسى. آليات التأويل السيميائي. الكويت: آفاق للنشر والتوزيع،.2011 الرميحي، محمد. البترول والتغير الاجتماعي في الخليج العربي. ط.3 الكويت: شركة كاظمة للنشر والترجمة والتوزيع،.1984 الرومي، نورية. الحركة الشعرية في الخليج العربي بين التقليد والتطور. ط.3 بيروت: مطابع دار الماك،.1999

الرويلي، ميجان وسعد البازعي. دليل الناقد الأدبي: إضاءة لأكثر من سبعين تيارًا ومصطلحًا نقديًا معاصرًا. ط.6 الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2017 السنعوسي، سعود. الموقف النفسي للأدب الكويتي في فترة الاحتلال والتحرير: الشعر نموذجًا. الكويت: مطابع الخط،.2010 الشبيب، صقر. ديوان صقر الشبيب. إعداد وتقديم يعقوب يوسف الغنيم. ط 2. الكويت: مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري،.2008 الشمان، سيف. من تاريخ الكويت. ط 2. الكويت: منشورات ذات الساسل،.1986 عباس، إحسان. تاريخ النقد الأدبي عند العرب. ط 4. عمّان: دار الشروق للنشر والتوزيع،.2006 عبد الله، محمد حسن. ديوان الشعر الكويتي. الكويت: وكالة المطبوعات،.1974 ________. الشعر والشعراء في الكويت. الكويت: منشورات ذات الساسل،.1987 عبد المحسن، ماهر. جماليات الصورة في السيميوطيقا والفينومينولوجيا. سلسلة الفلسفة 13. القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة،.2015 العلي، أحمد. شعر صقر الشبيب: دراسة وتحليل. الكويت: منشورات ذات الساسل،.1986 العلي، عدنان. شعر المكفوفين في العصر العباسي. عمّان: دار أسامة للنشر والتوزيع،.1999 عيدان، عقيل. معصية فهد العسكر: الوجودية في الوعي الكويتي. القاهرة: دار العين للنشر،.2013 الفيفي، عبد الله. الصورة البصرية في شعر العميان: دراسة نقدية في الخيال والإبداع. الرياض: النادي الأدبي بالرياض،.1997 القتم، عبد الله. التحدّي والتنوير في فكر عبد الرزاق البصير 1999–1920: م. الكويت، [د. ن].،.2002 المعري، أبو العاء. سقط الزند. بيروت: دار بيروت للطباعة والنشر،.1957 المطيري، حامد محمد. «الصورة الفنية في شعر صقر الشبيب». رسالة ماجستير في اللغة العربية وآدابها. كلية الآداب والعلوم. جامعة الشرق الأوسط. عمّان، 2012. المودن، حسن. «قراءة نفسانية في قصة النبي يوسف: عقدة الإخوة أولى من عقدة أوديب». تبيّن. العدد 10 (خريف.)2014 النابلسي، محمد. الصدمة النفسية: علم نفس الحروب والكوارث. ط 5. بيروت: دار النهضة العربية،

الأجنبية

Badawī, M. A Critical Introduction to Modern Arabic Poetry. New York: Cambridge University Press, 1975. Baldick, Chris. The Oxford Dictionary of Literary Terms. Oxford: Oxford University Press, 2008. Caruth, Cathy (ed.). Trauma: Explorations in Memory. Baltimore and London: The Johns Hopkins University Press, 1995. Kirmayer, Laurence J., Robert Lamelson & Mark Barad (eds.). Understanding Trauma: Integrating Biological, Clinical, and Cultural Perspectives. New York: Cambridge University Press, 2007.