العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مراجعة كتاب الخطاب الاحتجاجي: دراسة تحليلية في شعارات الحراك المدني لنادر سراج

مراجعة كتاب الخطاب الاحتجاجي: دراسة تحليلية في شعارات الحراك المدني لنادر سراج

Book Review Protest Speech: Analytical Study of the Civil Movement Slogans by Nader Siraj

إيهاب محارمة *

Ihab Maharmeh *

الملخّص

يُدرج كتاب نادر سراج الخطاب الاحتجاجي: دراسة تحليلية في شعارات الحَراك المدني، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ضمن الجهد المنهجي لمقاربة التحولات المعاصرة في اللغة العربية وفنونها البلاغية وتراكيبها ودلالاتها، مثلما في وظائفها التعبيرية والتواصلية. تناول الكتاب (مقدمة و13 فصلًا وملاحق في 368 صفحة بالقطع الوسط، موثقًا ومفهرسًا) دراسة حالة للمجتمع اللبناني، تمكن من التبصّر في كيفيات صوغ الجمهور المنتفض مفاهيمَ جديدة للواقع السياسي العام، وتبريرها وشرحها ورفعها في شعاراتٍ والترويج لها، وارتقاب آثارها الارتدادية والنظر في حدود استجابته لمضامينها، وتقصي الوظائف المتجددة للكلمات والتعبيرات ووجوه الخطاب في قطاعي الاحتجاج والاعتراض الشعبيين، مرتكزًا على أطروحة فكرية ولسانية متكاملة على صعيدي الرؤية والمنهاج، راصدًا الديناميات التعبيرية المبتكرة التي أنتجها المجتمع المدني اللبناني وطورها بين عامي 2015 و 2016، للتعبير عن توقه للتغيير السلمي.

Abstract

Nader Siraj's book Protest Speech: Analytical Study of the Civil Movement Slogans , published by the ACRPS in March of 2018, comes as part of a wider effort to systematically approach the contemporary transformations in Arabic language. Relying on the case study of the Lebanese civil society movement demanding action on the country's waste disposal crisis (beginning in 2015), the book explores the rhetorical repertoire available in the Arabic language and how the language can be used to express political dissent. The 368-page looks at how a newly restive public was able to enunciate a new political reality and public realm and promote it through the advancement of its own slogans. The book employs an integrative linguistic approach to the study of the Arabic slogans deployed as part of the protest movement opposed to the failure of the Lebanese government to deal with the refuse problem.

الكلمات المفتاحية:
  • الخطاب الاحتجاجي
  • الحراك المدني
  • نادر سراج
Keywords:
  • Protest Speech
  • Civil Movement Slogans
  • Nader Siraj

عنوان الكتاب: المؤلف: نادر سراج. سنة النشر: الناشر: عدد الصفحات: 836 صفحة.

الخطاب الاحتجاجي: دراسة تحليلية في شعارات الحراك المدني.

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

مقدمة

تُعدّ شعارات الحراك المدنيّ لغةً واعدةً، تحمل رسائل ومعاني مثقلة بالدلالات الواضحة، عبّر من خالها المحتجّون عن مشاعرهم وأفكارهم، بأساليب مختلفة، عمّا يكنّه ضميرهم الجمعيّ المعتَرِض. بهذه الكلمات يستند المؤلف نادر سراج، في كتابه الخطاب الاحتجاجي: دراسة تحليلية في شعارات الحراك المدني، إلى تقديم أطروحة بحثية ترتكز على الشعار الاحتجاجيّ الذي يعالجه بصفته طاقةً لغوية وإيحائية متجدّدة وذات سمات وازنة. ويهتمّ الكتاب بمعالجة الشعار الاحتجاجيّ الذي أضحى منذ انطاق الثورات العربية موضعًا رئيسًا لاهتمام الباحث المختصّ بالحركات الاجتماعية، والباحث اللسانيّ على وجه التحديد؛ كونه حجر الزاوية الرئيس في التعبير عن مطالب المتظاهرين ومواجهة باغة السلطة وخطابها الدفاعيّ والتبريريّ. يبحث هذا الكتاب في باغة الشعار، وأثره في تجييش الناس وتحشيدهم على الأرض، وتشكيل وعيٍ جديد لهم.

أولا: الشعار الاحتجاجيّ من النظرية إلى الميادين العامة

يستند سراج إلى النظريات اللسانية الحديثة وتطبيقاتها، مع التركيز على النظرية اللسانية الوظيفية؛ من حيث كونها تصلح لفهم التشكيل الشعاراتيّ للخطاب الاحتجاجيّ المتعلق بالحراك الشعبيّ البيئيّ بالنسبة إلى ناشطي المجتمع المدنيّ اللبنانيّ عامَي 2015 و 2016. ويفترض المؤلف أنّ الشعار الاحتجاجيّ منذ بداية الثورات العربية عاش بوادر تحوّل تعبيريّ بوصفه وسيلةً جماهيريةً حيّةً، قوامها بنى باغية مكتفية بذاتها تتصّف بالكناية الجيدة. ويحاجج بأنّ الفعل السياسي ينكشف في الشعار الاحتجاجي المهتوف به والمدوّن والمرسوم على الجدران، وأنّه يلخّص معاناة أجيال بكاملها، ويرسم رؤاها وتطلعاتها، ويستبصر مشروعها التغييريّ. يشتبك سراج في كتابه مع الشعار الاحتجاجيّ الذي انشغل الناس بكتابته ونشره في الساحات والميادين العامّة، متيقنًا أنّ الإنسان لا يثور بسبب الاعتداء على كرامته أو قوت يومه فحسب، بل بسبب الاعتداء على لغته أيضًا؛ إذ غالبًا ما تكون الثورة مؤشرًا حقيقيًا دالً على قيام الاستبداد بتشويه اللغة والعبث بها. ويُقصد بهذا العبث إحساس الناس بوجود فجوة بين سرديّة السلطة تجاه منجزاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وما يجري على أرض الواقع من فقر وظلم واستبداد. يعرّج سراج، في الفصل الأول، على التحولات السياسية والاجتماعية اللبنانية، وسخط الناس من الظلم القائم، وأثرهما في صياغة الناشطين من الشباب والاتحادات الطابية والعمالية، والشعارات التغييرية والمطلبية، مع التركيز على تبدّل أدوار الفاعلين الأساسيين؛ بانتقال سلطة الفعل والقول الاحتجاجي من قوى اليسار التقليديّ إلى قوى جماهيرية وشعبية تحرّكت ضدّ الفقر والفساد، مستفيدةً من وسائل الإعام لإسناد باغتها التعبيرية. يمزج سراج، في الفصل الثاني، بين اللسانيات والثقافيات عند تناوله باغة الشعار الاحتجاجي، مسترجعًا القول إنّ النظرية اللسانية تسمح

بتأسيس إطار وصفيّ لعرض وقائع اللغة، وما على الباحث سوى إظهارها زمانيًا ومكانيًا، مستفيدًا من قدرتها التفسيرية. ويربط في كتابه، مستحضرًا محاججته لأساليب التعبير الشبابية المعتمدة على الشعارات والرموز والمجازات والسيميائيات، بين موضوع الشعار ومضمونه بوصفهما نتاجًا لغويًا جماعيًا وفعلً تغييريًا؛ إذ يشمان التراكيب في تنوعها، والضمائر في ديناميتها، والباغة الشعبية في عفويتها، والسيميائيات والرموز في تعبيراتها. يُبيّن سراج أنّ العبارات والرموز الاعتراضية التي أنتجها الناشطون حفزت الرأي العام اللبنانيّ على الخروج إلى الساحات والميادين، وذلك لدفع السلطات إلى إيجاد حلول للمشكات البيئية والخدماتية. وتوضح حصيلة الشعارات أنّ مُنتجِيها ناشطون عاديّون، ينتمون إلى شرائح اجتماعية متعدّدة، وخلفيات ثقافية متنوعة، ويعملون على أعمال المجتمع المدني، أو مطَّلعون عليها، ولديهم قدرة خطابية. يقارب المؤلف ذلك بالباغة الخطابية في الحالة الثورية، ويرى أنّه حينما يكون المجال العام فاعلً ومفتوحًا للجميع، تكون باغة الشعارات والهتافات فاعلةً وثريّةً أيضًا. وبالطبع، ليس أدلّ على ذلك مما شهدته باغة الخطاب من صخب واهتمام في مطلع الثورات العربية، وما آلت إليه من تراجع مع بروز قوى معارضة الثورات. يرى سراج، في الفصل الثالث، أنّ البيروتيين اختاروا شعارًا يختزل لُبّ احتجاجهم، وهو «طِلعت ريحتكم»؛ إذ يمثّل اتهامًا حازمًا وصريحًا للسلطات بأنّها مسؤولة عن سوء إدارة ملفّ النفايات. ويضيف أنّ هذه الشعارات اعتمدت صيغًا باغيةً متعدّدةً؛ أهمها «نون الجماعة» التي عكست دلالةً تعبيريةً احتجاجيةً جماعيةً ضدّ الواقع القائم. وبشأن صيغ الأفعال، يُشير إلى أنّها راوحت بين الأمر، وقد ظهرت في الشعار «سَكِّر المطمر [مكبّ النفايات] سَكِّر»، والمضارع في الشعار «عم يقتلنا المطمر»، والماضي في الشعار «اجتمعوا وفتحوا»، وهذا يعكس الباغة العفوية المكثفة لجيل مدنيّ ومدينيّ خرج إلى الساحات للتعبير عن سخطه من الأزمة البيئية. وليس بعيدًا عن باغة شعار «طلعت ريحتكم»، شكّل شعار «ارحل» المستخدم في الثورة المصرية؛ عامةً لغويةً بليغة المضمون، واضحة المعاني، سريعة الإباغ، موجزة التعبير. وهذا يؤكّد أنّ النمط التعبيريّ للمنتفضين قام على استخدام نصّ قصير ذي دلالة خبرية، أو إنشائية، تُعبِّر عن القدرة على التعامل بمرونة وذكاء مع قوانين اللغة وقواعدها، وتطويعها لتحقيق التغيير. يستحضر سراج، في الفصل الرابع، فرضيته حول المساندة «الميديائية» وأثرها في إظهار الشعار بطريقة رشيقة وموجزة وبليغة، ودورها في نقل سلطة القول من السياسي المؤدلج إلى المنتفض والمشاهد والمستمع. ويرى المؤلف أنّ المحطات التلفزيونية اللبنانية فتحت الباب أمام الناشطين للتعبير عن آرائهم، وأنّ هؤلاء أتقنوا الخطابة الإعامية، والتعبير عن مواقفهم ومعاناتهم، ونقل مطالبهم الاحتجاجية.

ثانيًا: نبض الشارع في الشعارات والهتافات الاحتجاجية

يجادل سراج، في الفصل الخامس، بأنّ الشعار حتى يصبح هتافًا يردّده المحتجّون ووسيلةً ندائيةً أو إقناعيّةً أو إيعازيةً، لا بدّ من أن يستند إلى باغة لغويّة مميّزة. ويرى أنّ ناشطي الحراك، استفادوا في إنتاج شعارات احتجاجية متنوعة من تعدّدهم السياسي، وتنوعهم الأيديولوجي، وقدرتهم على استخدام الإنترنت، ومعرفتهم الدقيقة باللغة، في حين أنّ الناشطين قد اعتمدوا، طوال عقود مضت، على شعارات ينتجها سياسيون مؤدلجون. ومع التوسع المزاجي للشباب، دوّن سراج أبرز الشعارات المتداولة، ومن بينها شعارات التنديد التي حظيت بصيغ متعدّدة؛ كونها عفويةً وسلسةً لغويًا. فقد رصد قرابة 06 عبارةً؛ من بينها جمل مبتدئة ب «لا الناهية»، وجمل تشتمل على كلمة «كفى»، وجمل استهلّت ب «يا» و«ما». وفي سياق التشكيك، برزت أسئلة مثل «هل..؟». ويضيف المؤلف أنّ تنوّع المزاج الشبابي عزّز ظهور موضوعات عديدة؛ كالانتقاد والتهكّم، والسخرية والتندّر، والرفض، والانتفاض، والمطالبة بالإصاح، وكشف الفساد، وإدانة الطبقة الحاكمة. وفي المجمل، بدا أنّ الباغة اللغوية معبِّرة عن الحراك الاحتجاجيّ، ومؤسِّسة لخطاب مطلبيّ مستند إلى صيغ وعبارات ذات معانٍ ودلالات تعبّر عن تطلعات الشارع. يبحث سراج، في الفصل السادس، «الغرافيتي» بصفته من أنماط التعبير الاحتجاجيّ. ويرى أنّ الشعار لم ينحصر في الأنماط التعبيرية التقليدية المكتوبة والمهتوف بها، بل تعدّى ذلك إلى استحداث صيغ مثل الغرافيتي الذي يعرّفه بأنّه وسيلة احتجاج سياسية واجتماعية مضادّة في وجه إعام السلطة، معروفة بارتباطها بالكتابة والرسم على الجدران أساسًا، فضلً عن استخدامها تقنية القوالب المُفرغة للرسم. ويشير إلى أنّ الغرافيتي مثّل، بالنسبة إلى اللبنانيين، شعارات ورسومات كُتِبت بأيدي مواطنين مجهولين لم تسمح لهم الفرصة بالتعبير عن آرائهم ومطالبهم سابقًا، ولهذا استخدموا ما بداخلهم من مشاعر ودوَّنوها على الجدران. ويرى المؤلف أنّ المفهوم الجديد للحرية السياسية عزّز انتشار هذا الفن، إلى جانب الشعارات المكتوبة والمنطوقة. يستخلص سراج، في الفصل السابع، أنّ باغة اللغة العربية كانت ماثلةً في الشعارات المطلبية على نحو بارز لم يعهده اللبنانيون من قبل. ويرى أنّ الاحتجاجات الشعبية أسهمت في تكوين وعي جديد باللغة، بصفتها مكوّنًا من مكوّنات الهوية الوطنية، ووسيلةً للتعبير عن الظلم القائم. وفي الحديث عن «حرب الشعارات» التي شهدتها الساحات والميادين، يقدّم المؤلف شعارات لقوى الموالاة للحكومة وشعارات لقوى المعارضة، وأهمّها: «نازل عا الشغل» و«عندي صفّ» و«باقي هون»، في حين أنتجت قوى المعارضة شعارات استكماليةً مضادّةً؛ مثل «نازل عا الشغل ب (300.000) ل.ل. بالشهر»، و«عندي صفّ بس ما معي أدفع القسط»، و«باقي هون لأن ما معي حقّ التيكت [تذكرة السفر]». ويضيف أنّ انفتاح المحتجّين وتنوعهم، أسهم في إنتاج عبارات احتجاجية ضدّ كِلَ الطرفين، برزت مع «حلُّو عنا تنيناتكن.. بدنا نعيش»، موقعةً باسم «مواطن لبناني بودّه يعيش».

ثالثًا: أيديولوجيا الساحات والميادين العامة

يميّز سراج، في الفصل الثامن، بين الحراك السياسي في 8 و 14 آذار/ مارس 2005، والحراك المدني عامَي 2015 و 2016 فقد؛ اتسمت الساحات والميادين في حراك عام 2005 بحالة استقطاب ثنائيّ أفضت إلى تحشيد تجمعات جماهيرية ضخمة، نتج منها انقسام وشرخ مجتمعيّان أدَّيا إلى اصطفافات سياسية وأيديولوجية بين القوى اللبنانية. أمّا حراك عامَي 2015 و 2016، فقد أفضى إلى ولادة ناشطين مدنيين، محتجّين على الوضع القائم، ومن ثم تراجع النضال الأيديولوجي ليتغلّب عليه نضال مدنيّ فرديّ مدعّم بشعارات ورموز احتجاجية منطوقة ومهتوف بها ومدونة. وعاوةً على ذلك، يضيف المؤلف أنّ الساحات والميادين العامة لم تعُد مكانًا معماريًا جميلً فحسب، بل أضحت مجالً عامًا مفتوحًا، باعتبارها مركز استقطاب وجذب للناشطين السياسيين، للتعبير عن آرائهم. ويُقارب ذلك بوصفه «ربيعًا بيروتيًا» مجاهرًا بصوته ضدّ السلطة، متخطّيًا الثنائيات السياسية والأيديولوجية. يتنبه سراج، في الفصل التاسع، لدور الشيفرات في التحليل السيميائي للنص الشعاراتي؛ بالنظر إلى أنّ الشيفرات الاجتماعية التي استُخدِمت في الحراك قد دُعمت بشيفرات نصية وباغية احتجاجية فوق سياسية وأيديولوجية، وأنها مرتبطة بفهم المحتجين لمكانة لبنان السياسية والجغرافية. ويؤكّد ذلك بالقول إنّ الشيفرات مثّلت مجموعةً من الممارسات الاتصالية المألوفة لدى المتظاهرين ضمن إطار ثقافيّ واسع ومتنوع، مستفيدةً من قدرة اللغة العربية على التعبير عن السخط من الوضع القائم. وبهذا أسهمت القدرة التشفيرية للغة في تحقيق أهدافها الإباغية والباغية، إذ أقنعت المخاطَبين، وأثّرت في سلوكهم، وحفزتهم على الخروج للتعبير عن آرائهم. يبحث سراج، أيضًا، دلالات المكان وأثره في شعارات عام 2005، مشيرًا إلى أنّ جماهير 8 آذار المحتشدة في ساحة «رياض الصلح» وجماهير 14 آذار المحتشدة في «ساحة الشهداء»، غذّت الرمزية السيميولوجية الشعاراتية لهاتَين الساحتَين، وفقًا للتوجهات السياسية والأيديولوجية لهما. أمّا بالنسبة إلى حراك عام 2015، فقد ارتبط المكان والشعار بدلالة تشير إلى الاحتجاج ضدّ ظلم الطبقة السياسية وفسادها. ولهذا، لم تعد الساحات في هذا الحراك مكانًا دالًّ على الموقف السياسي، بل تحوّلت إلى أيقونة عامة بالمعنى السيميائي المُتعارف عليه في الدرس اللساني الحديث، لاحتجاج والتعبير عن الرأي.

رابعًا: المنطق السيميائي وتجليات الشعارات الاحتجاجية

يفنّد سراج، في الفصل العاشر، تعلُّق الباغة العربية بالفصحى فقط، مؤكدًا أنّها تُعدّ لسان العقل، في حين أنّ العامية هي لسان الحسّ؛ فهما فصيلتان من لغة واحدة، ومن الخطأ استخدام هذه الازدواجية بالمعنى الإقصائيّ أو التعارضيّ. وقدّم المؤلف شعارات احتجاجية عديدة، بالفصحى والعامية، قامت على أساس علم البيان الباغيّ. ففي التشبيه، أشار إلى شعار «أنا مش خروف»، الذي ينفي صفة الوداعة عن المحتجين. وفي الاستعارة، استحضر شعار

«طلعت ريحة الصفقات»، في مقاربة تطالب بوقف الفساد السياسيّ. وفي الكناية، استرجع شعار «حيطكم واطي قد ما يعلّي»، وهو شعار يشير إلى أنّ الجدار الذي شيّدته الحكومة لن يمنع المحتجين من المطالبة بوقف فساد الطبقة السياسية. وأضاف شعارات أخرى في البيان، والسجع، والجناس، والمقابلة، والتقسيم، والموازنة، والتمليح. ويرى أنّ هذه الشعارات أخرجت المخزون التعبيري الاحتجاجي لدى اللبنانيين، وبيّنت الجرأة الباغية والتعبيرية لدى الناشطين. واستنتج أنّ العبارات وصلت إلى حدّ قول المتظاهرين: «حكومة زبالة»، و«كلفة ترحيل النفايات السياسية على حسابي»، وهو ما يشير إلى أنّ الأزمة البيئية لم تفتح المجال للتنديد بالمأزق الخدماتي فحسب، بل السياسي أيضًا. يناقش سراج، في الفصل الحادي عشر، شيفرات احتجاجية استخدمها ناشطو الحراك، تترجم غضبهم ضدّ الوضع القائم، وقد ظهرت في شعار «كلكن [كلكم] يعني كلكن»، و«طلعت ريحة 128 حرامي»، و«عندنا 128 زبّال»، وقد أتت هذه الشعارات تعبيرًا عن السخط على السلطة التشريعية والتنفيذية والزعماء السياسيين؛ فجميعهم في نظر اللبنانيين متورطون في الأزمات التي يعانيها لبنان. ويضيف المؤلف شيفرات أخرى؛ مثل «المجد للمندسين»، و«مندسين سنبقى»، ويرى أنّ المحتجين – وإنْ قاموا ببعض أعمال الشغب – فإنهم لم يفتهم، مثل غيرهم من المحتجين، أنْ ينتفضوا مستفيدين من باغة اللغة وثرائها. وينتقل المؤلف إلى الحديث عن الجدار الإسمنتي الذي بَنته الحكومة حول مقرها في بيروت. ويرى أنّ الجدار المخصّص لقمع حرية الرأي والتعبير والتظاهر أمسى بالنسبة إلى المحتجين فسحةً تعبيريةً مهمّةً لكتابة شعاراتهم ورسوماتهم الغرافيتية. ولهذا ما كانت شعارات مثل «كرامتكن أوطى من هالحيط»، و«خلفك 128 حرامي»، و«سيسقط جداركم»، و«خلف الجدار أرض محتلة ومغتصبة»، لتُكتب لولا إبداع المتظاهرين في تحويل هذا الجدار إلى «هايد بارك» بيروتيّ يحتضن قدرتهم الباغية. يستحضر سراج إبداعات أخرى لناشطي الحراك، باستخدامهم قصصًا وأمثالً وعبارات شعبيةً، مستعينًا ب «أسس السيميائية» لدانيال تشاندلر، ويرى أنّ استخدام الصور الباغية في النصوص الاعتراضية، يعود إلى السمة الواضحة لاستخدام الناس المجاز اللغويّ المستخدم في الشعر والكتابة والأدب. ويؤكّد أنّ شعارات مثل «دولة عرصات [ساقطين]» و«إشلح [اخلع] زعيمك من إجرك [رجلك]، وتفضل معنا حافي با زعيم، ولنبني وطن أصيل» و«خواريف [خراف] ماشية وراء تيوس»، هي تعبير عن «الإبداعات الشوارعية»، ولئن كانت قد تجاوزت بمضمونها ودلالتها حدود الانتقاد واللوم، فإنّها اعتمدت استعارات وعامات سيميائية ورموزًا متعارفًا عليها لبنانيًا. ويضيف أنّ الحراك اتّكأ على مخزون من الأمثال الشعبية والصور الباغية؛ فشعار 128« زبّال» مستوحى من الشخصية الفلكلورية التي وردت في قصة «علي بابا والأربعين حرامي». وسعيًا ليتماشى مع الواقع، عدّل المحتجون عدد «الحرامية» كي يتماشى مع عدد نواب البرلمان. يتحرّى الفصل الأخير الدلالات المعنوية للشعار الاحتجاجيّ بحسب المنطقة السكنية. ففي بيروت، وقف اللبنانيون أمام النظام السياسي وطالبوه بوقف أزمة النفايات. ويستنتج سراج

أنّ رمزية التجمّع والاحتجاج أمام مقرّ السلطة التشريعية والتنفيذية، مكّنت المتظاهرين من الهتاف ضدّ السلطتَين معًا، والالتحام مباشرةً معهم. وبالنسبة إلى بلدة الناعمة والبلدات المجاورة لها، يتفحّص المؤلف شعارات الأهالي بعد قرار الحكومة إغاق «مطمر الناعمة»، ويستنتج أنّ المحتجين استخدموا لغةً مطلبيةً شعبيةً بليغةً للمطالبة بحلّ أزمة النفايات، ويستحضر شعارات عدة؛ مثل «ما بدنا أمراض! بدنا نعيش»، و 15« عام.. شبعنا أمراض.. موت.. روائح كريهة». أمّا بالنسبة إلى بلدة عكّار، فيهتم بعدة شعارات للأهالي؛ من قبيل «عكّار لن تكون مطمرًا لفضاتكم»، و«الطمر ضرّ وما نفع»، و«عكّار منّا مزبلة»، ويرى المؤلف أنّ «لن» و«ما» النافيتين دلّتا، أيضًا، على تعبيرات احتجاجية رافضة للمأزق البيئيّ في لبنان.

المراجع

العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 نموذجًا. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2012.

خاتمة

قدّم الكتاب معالجةً نظريةً وعمليةً فوق أيديولوجية؛ فالبحث جمع مقاربةً وظيفيةً ولسانيةً اجتماعيةً لجملة من الشعارات المرتكزة على شيفرات سيميائية متداولة لبنانيًا، ذات جذور أصيلة لدى المتظاهرين. فما انتهى إليه الكتاب يشير إلى أنّ المحتجين استندوا إلى لغة بسيطة وعفوية، تعكس وجهات نظر منتجيها ومطالبهم الاحتجاجية وتطلّعهم إلى رؤية لبنان با أزمة بيئية، وبا طبقة سياسية فاسدة. ونقصد هنا أنّ باغة الشعارات، المكتوبة والمنطوقة، حفزت اللبنانيين على تحشيد بعضهم بعضًا للمشاركة في الاحتجاج. وعاوةً على ذلك، بيّنت الشعارات والرسوم الثراء اللغوي التعبيري لدى اللبنانيين، وانفتاح الباغة العربية وتشابكها مع صوت الشارع المحتجّ ضدّ الطبقة السياسية.

References

سراج، نادر. مصر الثورة وشعارات شبابها: دراسة لسانية في عفوية التعبير. الدوحة/ بيروت: المركز عبد اللطيف، عماد. استراتيجيات الإقناع والتأثير في الخطاب السياسي: خطب الرئيس السادات ________. بلاغة الحرية: معارك الخطاب السياسي في زمن الثورة. بيروت: دار التنوير،.2013