العودة إلى تفاصيل المؤلَّف التنوير من منظور إرنست كاسيرر

التنوير من منظور إرنست كاسيرر

The Enlightenment From Ernst Cassirer ’ s Perspective

فؤاد مخوخ *

Fouad Makhoukh *

((6(

الملخّص

تتناول هذه الدراسة موضوع "التنوير"، وتسعى، انطلاقًا من منظور الفيلسوف الألماني إرنست كاسيرر، إلى الكشف عن بنيته الفكرية، وفهم مبادئه الرئيسة، وإبراز القيم التي ساهمت في بناء المجتمعات الحديثة ورسمت أفق تطوّرها الحضاري. ومن أجل تحقيق تلك الغاية، سنقوم بمعالجة هذا الموضوع استنادًا إلى مقاربة منهجية تحليلية نقدية، نتوخّى من خلالها تحديد ماهيّة التنوير وطبيعته من جهة أولى، والتوقف عند سلطان العقل وهيمنته من جهة ثانية، والتطرّق إلى أبرز سمات التنوير في المجال السياسي من جهة ثالثة.

Abstract

Abstract: Based on the perspective of the German philosopher Ernst Cassirer, this article seeks to reveal the intellectual structure of Enlightenment, understand its main principles, and highlight the values that contributed to the establishment of modern societies and charted the horizon of Their cultural development. To achieve this goal, I will address this issue based on an analytical and critical approach, through which I will first seek to define the essence and nature of enlightenment, second discuss the power and dominion of reason, and finally trace the main political aspects of Enlightenment.

الكلمات المفتاحية:
  • التنوير
  • العقل
  • الحرية
  • التقدم
Keywords:
  • Enlightenment
  • Reason
  • freedom
  • Progress

فؤاد مخوخ | Fouad Makhoukh * ((6(

The Enlightenment

From Ernst Cassirer ’ s Perspective

سنقوم بمعالجة هذا الموضوع استنادًا إلى مقاربة منهجية تحليلية نقدية، نتوخّى من خالها

تحديد ماهيّة التنوير وطبيعته من جهة أولى، والتوقف عند سلطان العقل وهيمنته من جهة ثانية،

والتطرّق إلى أبرز سمات التنوير في المجال السياسي من جهة ثالثة.

مقدمة

تعيش المجتمعات العربية الإسامية ظروفًا متناقضة ومستويات متفاوتة من التقدّم والتخلّف، نتيجة أسباب تاريخية وسياسية واقتصادية، كما تعرف سيادة تصورات متباينة عن ذاتها وتمثّات متضاربة عن غيرها؛ فمنها من يقبل جزئيًا الأخذ عن الأمم المخالفة، وخصوصًا الغربية الحديثة، ما يصلح لتقدّمه، ومنها من يرفض السير على خطاها تمامًا، بل هناك من لا يقبل حتى التعرّف إلى حضارتها وتاريخها ومفاهيمها. إذًا، فالعاقة بهذه الأمم لا تأخذ شكلً واحدًا ونهائيًا، وإنّما أشكالها متعدّدة. ترتبط طبيعة تلك الأشكال بالعاقة التي نُسِجت بين تلك المجتمعات من جهة، والمفاهيم والقيم التي أنتجها الغرب في مراحل تطوّره الحديثة، وخصوصًا في المرحلة التي سُمّيت عصر «التنوير» Aufklärung، من جهة أخرى. فهناك مجتمعات رفضت التنوير الغربي تمامًا، أو تقبَّله البعض منها بكيفية جزئية، أو انبهر به البعض الآخر وتمثّله بكيفيّة مشوّهة. والنتيجة هي غياب رؤية واضحة وعميقة حول ذلك العصر، ونشوء صورة مُبهَمة عن الواقع والتاريخ بلحظاته المختلفة؛ الماضي والحاضر والمستقبل. ومن أجل الإسهام في تغيير الرؤية وتوضيحها، تبرز، في العصر الراهن، ضرورة العودة إلى عصر التنوير وفهم بنيته والقوى الفاعلة فيه والدوافع التي حرّكته، وخصوصًا أنّه بعد مرور ما يزيد على قرنَين على ظهوره، لم تتوقف الإنسانية جمعاء، بما في ذلك المجتمعات الغربية نفسها، عن العودة إليه من أجل فحصه وفهمه واستلهام أفكاره وقيمه. سنستند، للإسهام في ذلك الإيضاح والفهم، إلى فلسفة إرنست كاسيرر Cassirer Ernst الذي اهتم، باعتباره مفكرًا تنويريًا، بدراسة بنية التنوير في لحظة تاريخية تميّزت بأزمات كثيرة؛ الحَربان العالميتان الأولى والثانية، وصعود النازية، وسيادة الأساطير السياسية غير العقانية، وغير ذلك. وسنحاول الكشف عن «روح» التنوير من وجهة نظر ذلك الفيلسوف انطاقًا من الأسئلة التالية: ما المفاهيم المركزية التي يشيد على أساسها كاسيرر منظوره الفلسفي إلى عصر التنوير؟ وهل يمتلك، في نظره، قيمًا وأفكارًا جديدة تميّزه من غيره من العصور؟ أم أنّه لم يُحقّق أيّ قفزة نوعيّة تجعل منه

منعطفًا حقيقيًّا في تاريخ الإنسانية؟ سنتطرق، من أجل الإجابة عن هذه الأسئلة، إلى ثاث قضايا رئيسة هي كالآتي: ماهية التنوير ونسقية التفكير، وسلطان العقل، والتنوير السياسي.

(1) Olivier Feron, «Présentation: La défense de la constitution ou la philosophie au secours de la République de Weimar,» Philosophie , vol. 4, no. 95 (Septembre 2007), p. 4.

أولا: ماهية التنوير ونسقيّة التفكير

يعدّ عصر التنوير أول مرحلة تاريخية سمّت نفسها بهذا الاسم، من أجل تمييز حركتها الفكرية من

ماضيها ومستقبلها. فقد كانت تلك التسمية نتيجة طبيعية «للسياق الثقافي»، الذي حكم الفكر الغربي في القرن الثامن عشر؛ إذ تمك ن من الوعي بذاته وتفرّد أفكاره وشعاراته، ومن خَلْق قيم جديدة وفق

«مقولات» و«مبادئ» ذات طابع تنويري متميّز. وينطلق كاسيرر، في هذا السياق، من الإقرار بأنّ عصر التنوير يتميّز بكونه خلق معايير خاصّة به ووضع

سلّمًا كونيًا لقيمه، مُدّعيًا أنّ صاحيته «مطلقة» و«مركزية»، لا يمكن التشكيك فيها ولا مقارنتها أو

ربطها بغيرها. فكانت النتيجة ظهور مجموعة من الأحكام المسبقة المانعة من النظر، إلى ذلك العصر، بكيفية عميقة تسمح بالاقتراب من «حركته الحقّة» ومقاربة «قوّته الحيّة»، ما أضرّ به وباللحظات

التاريخية الاحقة عليه. لذا، يعلن كاسيرر أنّه ينبغي دراسته انطاقًا من وجهة نظر نقدية تصبو إلى «إنقاذه» وتحديد مكانته في تاريخ الفكر عن طريق إبراز إشكالاته الفلسفية، ومراجعة الأحكام التي أصدرتها «الرومانسية» في حقّه. كما ينبه كاسيرر، من منظور «بنيوي – وظيفي»، إلى ضرورة احتراس المؤرخ من اعتبار مفهوم معيّن هو المفتاح النهائي لفهم عصر التنوير. فحتى إنْ كان ذا أهمية في فهم بنية هذا العصر، فهو لا

يمثّل الإجابة النهائية عن كلّ إشكالاته، بل يثير بدوره مشكات أكثر من تقديمه الحلول. إضافةً إلى ذلك، يرى كاسيرر أنّ فهم بنية التنوير والوصول إلى «طبقته العميقة» لا يمكن أن يتحقّق بواسطة «منهج سردي» نتتبع، من خاله، أحداث ذلك العصر وظواهره الجزئية؛ كما لا يمكن تفسير حركته الخاصّة عن طريق تجميع الآراء الفردية التي ظهرت في القرن الثامن عشر وتحديد تتابعها من الناحية التاريخية؛ لأنّ هذا المنهج، في نظره، قاصر. لذا، ينبغي اعتماد منهج ديناميّ يبرز حياته

الداخلية ويناسب روح التنوير، ويكشف عن بنيته وقواه الروحية التي تتحك م في صيرورة تكوين أفكاره وطرق مناقشتها. فالفكر الذي ساد خال القرن الثامن عشر «لا يُظهِر بنيته وتوجهه المتميّزين، بكيفيّة

أوضح، في المذاهب الجزئية والأكسيومات والنظريات التي يُثبِّت نفسه فيها، وإنّما يُظهرهما حينما

يسمح بأنْ يُدرَك في صيرورة تكوينه، وعندما يشكّ ويبحث، يهدم ويبني».

(((ميشال فوكو، «كانط والثورة»، ترجمة يوسف الصديق، مجلة الكرمل، العدد 13 (1984)، ص.67 (((إيزايا برلين، جذور الرومانتيكية، ترجمة سعود السويدا (بيروت: جداول للنشر والتوزيع، 2012)، ص.60–59

(4) Ernst Cassirer, The Myth of the State (Hamburg: Felix Meiner Verlag, 2008), p. 178.

(((فؤاد مخوخ، من نقد العقل إلى هيرمينوطيقا الرموز: بحث في فلسفة الثقافة عند إرنست كاسيرر (الدوحة؛ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص.396

(6) Ernst Cassirer, Die Philosophie die Aufklärung , Claus Rosenkranz (ed.) (Hamburg: Felix Meiner Verlag, 2007), p. 4. (7) Ibid., p. XIII.

من هنا، يؤكّد كاسيرر أنّ بحثه الذي خصّصه ل «فلسفة التنوير» يقوم بمهمة تنصبّ أساسًا على تحديد

«القوى الروحية»، التي تحكّمت في طرق تفكيرها، و«جسّ نبض حياة عصر التنوير الباطنية »،

والإمساك ب «الخيوط السريّة» التي ربطت بين أفكاره وتحك مت في إنتاجاته الثقافية، فيقول: «من أجل

إنجاز تلك المهمة، لم نحاول أن نقدّم [...] تاريخًا لمختلف المفكرين ومذاهبهم الشخصية، وإنّما تاريخ لأفكار عصر التنوير من أجل التمكن من إدراكها في فاعليتها المباشرة أكثر من إدراكها في تكوينها النظري المجرد». وهكذا، يعلن كاسيرر أنّ بحثه ينصبّ على فهم روح عصر التنوير عن طريق دراسة معمّقة للمبادئ

التي تحكّمت فيه وشكّلت وحدة فكرية خاصّة به من أجل عدم الضياع في «كلّية نتائجه وتجلياته

التاريخية» و«تعدّدية أفكاره ومجالاته». بعبارة أخرى، إنّه يسعى إلى تحديد «الحركة الباطنية» الخاصّة بفلسفة التنوير وطاقتها الفكرية من أجل فهم ماهيّة مشكاتها، وطرق معالجتها ودلالات

مفاهيمها وتصوراتها. لقد عمل كاسيرر على تأويل فلسفة التنوير انطاقًا من مركز واحد ومحدَّد للنظر، يُفسِّر من خاله

المرحلة التي ظهرت فيها تلك الفلسفة، باعتبارها لحظة تاريخية جعلت الفكر الحديث يحقّق وعيًا

بذاته. كما يضعها في «إطار تسلسل تاريخي واسع» تنكشف فيه الصات المتعددة التي تربطها

بالماضي والمستقبل. فهي حركة فلسفية «غير منكم شة على ذاتها»، ولا تشكّل سوى «مرحلة فريدة من الحركة الضخمة الخاصة بالأفكار التي اكتسب بفضلها الفكر الفلسفي الحديث يقينه بذاته، وشعوره الخاص بذاته، ووعيه الخاص بذاته». وهكذا، لا يمكن الحديث عن وجود قطيعة بين عصر التنوير وما سبقه من عصور. لكنّ هذا الترابط

لا يعني غياب أيّ عنصر جديد وأصيل يميّزه منها، إذ يَعُدّ كاسيرر أنّ جدّة ذلك العصر وأصالته تكمنان

أساسًا في الشكل الجديد والأصيل الذي صار عليه الفكر الفلسفي في ذلك العصر؛ لأنّه أصبح

موجهًا في ضوء «رؤية جديدة» مختلفة تمامًا عن العصور السابقة. وفلسفة التنوير أخذت «أغلب

موادها» ومضامينها الفكرية من تلك العصور، غير أن ذلك لا يعني أنّها لم تؤسس «نمطًا فكريًا »

جديدًا وأصيلً، وإنّما خضع لتحويل عميق أخذ معه كلّ شيء «معنى مغايرًا»، وفتح «أفقًا فلسفيًا

جديدًا» وفق «رؤية ومصير جديدَين لحركة الفكر الفلسفي الكونية». صاحَب الانفتاح الذي طبع فكر التنوير انفتاحٌ دلالي في كيفية النظر إلى التاريخ، إذ صارت معالجة

المشكات والمفاهيم الفلسفية الموروثة تتم انطاقًا من فحص الشروط المنتجة لها وقواها الفاعلةِ،

(8) Ibid., p. XIV. (9) Jean–Marie Paul, «Des lumières contrastées: Cassirer, Horkheimer et Adorno,» in: Ernst Cassirer, Geist und Leben , Ouvrage collectif coordonné par Françoise Lartillot (Paris: L’Harmattan, 2003), p. 21. (10) Cassirer, Die Philosophie die Aufklärung , p. IX. (11) Ibid., p. X. (12) Ibid., p. XI.

وليس المحتويات والموضوعات. وهكذا، فإنّ «المفاهيم والمشكات، التي يبدو أنّ القرن الثامن عشر قد ورثها، عن الماضي، تغيّر موضعها وتخضع لتغيّر دلالي متميّز. لقد انتقلت من شرط

الموضوعات التامّة إلى شرط القوى الفاعلة». أعادت تلك الطريقة في دراسة المفاهيم للتفكير الفلسفي «حقوقَه ودلالاته الأولى»؛ لأنّه لم يعد منغلق الأفق، وسمحت لفاعلية الإنسان وعقله بالتحرّر من قيود المذهبية المنغلقة، والتفكير بحريّة

واستقالية. ففكر التنوير يتجلّى في كيفية استعمال أدوات ذلك التفكير أكثر ممّا يظهر في «محتوى

فكري محدّد». كما يتميّز ب «المكانة» التي منحها للفلسفة و«المهمات» التي جعلها منوطةً بها. لم تَعُد مهمّة الفلسفة، في المنظور التنويري، منحصرة في التأمّل والشرح والتفسير من دون الغوص

في الواقع ومحاولة التأثير فيه بكيفيّة فعالة ومباشرة، وإنّما صارت فاعلةً فيه ومساهمةً في أحداثه

ووقائعه. لذا، يرفض كاسيرر الاعتماد على مفهوم «التأمل» الهيغلي لتفسير حركة التنوير وحياتها؛ لأن الفلسفات التي ظهرت في القرن الثامن عشر لم تسجن نفسها في تأمل الأحداث ووصفها، وإنّما ساهمت بأفكارها في «تنظيم الحياة»؛ لأنّها «تؤمن بتلقائية الفكر الأصلية» وقدرته على البناء والتأثير في الواقع. وبفضل ذلك، تمك ن عصر التنوير من تحقيق وعيه بذاته عن طريق تحديد مكانته المتميزة في التاريخ. وقد ظهر ذلك من خال سعيه إلى فهم «طبيعته» و«قدرته»، وعدم اكتفائه بدراسة المراحل السابقة عليه. وهكذا قام دالمبير، مثل، بوضع «جدول» حاول فيه تحديد وضعية «الروح الإنسانية» في عصره، فتوصّل إلى أنّ القرن الثامن عشر يعرف تحولّات فكرية جديدة ومختلفة عمّا كان سائدًا من

قبل. فعصره تميّز بسيادة شعورٍ بوجود «حركة قويّة» متواصلة، لكنّه لم يستسلم لها من دون مساءلتها

وتحديد مجراها و«أصلها ومصيرها» من أجل فهم ذاته والكشف عن معناه وتحقيق وعي بذاته؛ علمًا أنّه اعتبر ذلك هو «المهمة الأساسية التي يفرضها عليه التاريخ، لأنّ الفكر لا يسعى فقط إلى غايات جديدة، مجهولة إلى ذلك الحين، بل يريد الآن معرفة إلى أين يؤدّي به مجراه، ويريد هو نفسه قيادة مجراه الخاص. إنّ الفكر يقتحم العالم بالبهجة الجديدة ليكتشف، وبروح جديدة لاكتشاف. وبالتأكيد، إنّه ينتظر منه، كلّ يوم، كشوفًا جديدة. وعلى الرغم من ذلك، فتعط شه للمعرفة، وفضوله الفكري لا يتّجهان إلى العالَم فقط. إنّ ذلك الفكر يشعر أنّه مستوعَبٌ بكيفيّة أعمق، ومحرَّكٌ بشغف

بسؤال آخر: سؤال طبيعته وقدرته الخاصتَين».

(13) Ibid., pp. XI–XII. (14) Ibid., p. XII.

(((1 فوكو، ص.68–67

(16) Cassirer, Die Philosophie die Aufklärung , p. 3.

ينبني ذلك الوعي الذاتي على شعور داخلي عميق ساد في عصر التنوير بفاعليته الإنتاجية وقوّته

الذاتية في البناء والتشييد بكيفية لامتناهية وغير محدودة في التاريخ. فقد أحسّ بقدرته على «التقدّم»

في مجالات المعرفة من دون توقّف؛ واعتبره «ملكةً» و«استعدادًا» متجّذرًا ينفي «الطبيعة الإنسانية». وهكذا، ارتبط فكر ذلك العصر، بكيفيّة وثيقة، بالاكتشافات الجديدة التي قامت بتوسيع آفاق المعارف

وإمكانات تطوّرها وتقدّمها بكيفيّة لامتناهية. «إنه عصرٌ يشعر في عمق ذاته بقوّة جديدة للعمل، وهو

رغم ذلك أكثر افتتانًا بنمط فعل تلك القوّة مقارنة بافتتانه بإبداعاتها الدائمة. وبالنظر إلى كونه غير قنوع

بالاستمتاع بالنتائج التي يتوّصل إليها، فهو يستكشف شكل تلك الفاعلية الإنتاجية من أجل محاولة

فهمها. بهذا المعنى يطرح مشكل «التقدّم» الفكري في القرن الثامن عشر. فليس هناك قرنٌ تغلغلت فيه فكرة التقدّم بكيفية حميمة وتحمّس لها أكثر من عصر التنوير». ومن آثار ذلك التقدّم المعرفيّ التحولّات التي ستعرفها مجالات المجتمع المختلفة، إذ أكّد

«الموسوعيون»، على سبيل المثال، أنّ تقدّم العلوم و«الثقافة الفكرية» هو مفتاح التطوّر الاجتماعي

والأخاقي للإنسان، لأنّهما مترابطان ترابطًا وطيدًا. وتنامت، بسبب ترسّخ فكرة التقدم تلك، معارف الإنسان وتوسّعت، وساد التنوّع والتعدّد في كل

الميادين والاتجاهات، إلى حدّ صار معه من الصعب الحديث عن إمكانية إيجاد رابطة تصل بين

مكوّنات عصر التنوير. إلا أنّ كاسيرر يؤكّد أنّ هذا العصر تسوده وحدة روحية واحدة، وتتحك م فيه

«فاعليّة حرّة للروح» رغم تعدّد مساراتها وأشكالها، فيقول: «إنّ السبل المختلفة التي ينبغي أن

تسلكها الروح، مع فتح مجموع الواقع أمامها من أجل وضع لوحتها الكاملة، ليست سوى سبل متباعدة في الظاهر [...] لكنّ طاقات الروح كلّها تظلّ مرتبطة بمركز محرّك مشترك، وليست الأشكال

وتنوّعها سوى عرض لقوّة خاقة واحدة ذات طبيعة متجانسة وانبساطها». يجدر التنبيه إلى أنّ كلّ ذلك ساهم في خلق رؤية فلسفية جديدة للعالم تتمثّل في تحطيم شكل «النسق» الميتافيزيقي الذي كان يميّز الفلسفة قبل القرن الثامن عشر، إذ تعرّضت «روح النسق» للنقد

من فاسفة التنوير؛ لأنّها تعيق عمل العقل وتكبح قواه بدل أن تُسهم في توسيع آفاقه. وهكذا، اعترض «الموسوعيون» الفرنسيون، مثل، على تلك «الروح»، لأنّهم «لم يطمحوا إلى منافسة أنساق القرن السابع عشر الكبرى كأنساق ديكارت أو لايبنيتس أو سبينوزا. فقد كان هذا القرن قرنًا ميتافيزيقيًا

(17) Emmanuel Kant, «Le conflit des facultés,» in: Immanuel Kant & Jean Nabert, La philosophie de l’histoire: Opuscules , Stéphane Piobetta (trad.) (Paris: Editions Montaigne, 1947), p. 173. (18) Cassirer, Die Philosophie die Aufklärung , p. 4. (19) Ibid., p. 280. (20) Ernst Cassirer, Philosophie der symbolischen Formen , vol. 1: Die Sprache , Claus Rosenkranz (ed.) (Hamburg: Felix Meiner Verlag, 2010), p. 79. (21) Cassirer, Die Philosophie die Aufklärung , p. 4. (22) Ibid., p. XI.

بخلقه ميتافيزيقا للطبيعة وميتافيزيقا للأخاق. أمّا مرحلة التنوير فستتخلّى عن الاهتمام بهذه التأمّات

الميتافيزيقية، إذ ركّزت كلَّ طاقتها على نقطة أخرى ستكون طاقةً للفعل أكثر منها طاقةً للفكر». لكنّ رفض «روح النسق»، لم يعنِ التخلّي تمامًا عن كلّ فكر نسقيّ، وإنّما رفض الانغاق والتحجّر،

و«تخليص العقول الأكثر خصوبة وأصالة» من إطار الأنساق الفكرية الضيّق. فبدل من ذلك، اتسم

عصر التنوير ب «الروح النسقية» التي تتميّز بالانفتاح ونسبية الحقيقة، فهي ترفض كلّ نزعة مذهبية

منغلقة وكلّ قول بوجود حقائق ثابتة ومطلقة. يؤكّد كاسيرر أنّه بتخلي فلسفة التنوير «عن ‘روح النسق’، وحمل الأسلحة صراحةً ضدّه، لم تتنازل بتاتًا

عن الروح النسقية التي أضفت عليها، بالعكس، قيمةً وفاعلية أكبر. فبدل من الانغاق في حدود صرح

مذهبيّ نهائي، وبدلً من الالتزام قسرًا بمهمّة استنباط حقائق معينة من أكسيومات ثابتة بكيفيّة نهائية،

وجب على الفلسفة أن تندفع، بكيفية حرّة، وأن تفتتح، في حركتها المحايثة، الشكل الأساسي للواقع،

شكل كلّ كينونة سواء كانت طبيعية أم روحية». بعبارة أخرى، يتميّز عصر التنوير بدفاعه عن «برنامج منهجيّ جديد» يستند في أساسه إلى «الروح

النسقية» بدلً من «روح النسق»، علمًا أنّه «لم يتم الانتقاص من قدْر الروح النسقية أو تنحيتها جانبًا،

وإنّما تمّ تمييزها بعناية من روح النسق». يظهر، في ضوء ما سبق، أنّ القرن الثامن عشر خضع لحركة فكرية مثّلت منعطفًا حقيقيًا في تاريخ

الإنسانية، خضعت فيه كلّ المفاهيم والتصوّرات للمساءلة والنقد، ما أحدث على معانيها ودلالاتها

تغيّرات عميقة وتحولّات جذرية. والسبب الرئيس في ذلك هو أنّ عصر التنوير اعتمد على منظور

فكريّ جديد يحتلّ فيه «العقل» مكانة رئيسة، إذ صار التفكير العقاني وسيلة أساسيّة لا غنى عنها في

تنوير البشر وتحقيق تقدّمهم، واكتسب سلطة مطلقة في جميع مناحي حياتهم. فكيف تجلّى سلطان العقل خال القرن الثامن عشر؟

ثانيًا: سلطان العقل

يتميز عصر التنوير بتشديده على قوّة خاقة جسّدها مفهوم «العقل» الذي أ ثبِتت استقاليته وفاعليّته

في جميع الميادين وفرضه في كلّ مجالات «حياة الروح»، بل تحفيز الإنسان على استعماله بكيفيّة

«حرة» و«عموميّة»، فيقول كاسيرر: «حينما يريد القرن الثامن عشر تعيين تلك القوّة، وتحديد

طبيعتها بلفظ واحد، فإنّه يلجأ إلى اسم ‘العقل’. ‘العقل’ هو نقطة التقاء ومركز انبساط القرن، والتعبير

(23) Cassirer, The Myth of the State , pp. 175–176. (24) Cassirer, Die Philosophie die Aufklärung , p. XIII. (25) Ibid., p. XI. (26) Ibid., p. 7.

(((2 إيمانويل كانط، «إجابة عن السؤال: ما التنوير؟»، ترجمة إسماعيل المصدق، فكر ونقد، العدد 4 (1997)، ص.145

عن كلّ رغباته وجهوده، وإرادته وتحققاتها». وتظهر أهمية العقل بالنسبة إلى ذلك العصر في الإيمان بوحدته وكونيته، إذ يُعدّ «واحدًا» ومتماثلً بالنسبة إلى كلّ «ذات مفكرة» وأمّة وعصر وثقافة،

بغضّ النظر عن الاختافات الفكرية والدينية والأخاقية والسياسية. يظهر، في هذا الإطار، أنّ عصر التنوير حافظ على مكتسب أساسيّ حصل عليه من القرن السابع عشر

يتمثّل في الإيمان بسلطان العقل وقدرته على تنظيم المعرفة وترتيبها، إذ تمّ تأكيد «وظيفته التوحيدية»

وإقرارها؛ علمًا أنّ «التنظيم العقاني» لا يمكن أن يتحقّق إلا بوجود عمليات صارمة يقوم بها العقل

لتوحيد المعطيات والعناصر الجزئية بحسب قواعد «ثابتة» و«عامّة». كما يؤكّد كاسيرر أنّ عصر التنوير لم يقطع نهائيًا مع أفكار القرن السابع عشر، لكنّهما غير متماثل. ين

هناك فرق بين العصرين على الرغم من دفاعهما معًا عن قوّة العقل ووحدته في كلّ مجالات الحياة؛

فروح القرن السابع عشر استندت في إثبات وحدة العقانية إلى قاعدة الصرامة الفكرية المطلقة التي تفرض نفسها على الجميع، بينما تخلّت روح القرن الثامن عشر عن تلك القاعدة وإطاقيّتها. لذا، من

الضروري أخذ مفهوم العقل الذي ساد في عصر التنوير، بمعنى خاصّ انطاقًا من البنية الفكرية التي

تحكّمت في استنباته وإنتاج دلالاته. لقد شيَّد عصر التنوير تصورًا ومفهومًا جديدَين للحقيقة، إذ فتح الفكر الفلسفي على آفاق جديدة

ومكّنه من أدوات جديدة ذات سعة وحريّة وحركيّة أكبر ممّا كان سائدًا في القرن السابع عشر. فذلك

العصر رفض الاقتداء بنماذج الماضي، لأنّه أكّد قدرته على إنتاج نموذجه الخاص، إذ انطلق من فيزياء

نيوتن من أجل بناء منهج التحليل الفلسفي بدلً من الاستنباط الديكارتي. على أساس ذلك، قدّمت عقانية التنوير الجديدة تصورًا غير مسبوق للعاقة بين العقل والظواهر.

فالعقل لم يعد إطارًا تنظيميًّا مبنيًّا مُسبقًا يمتلك مشروعيته قبليًّا؛ وإنّما تمّ وضعه في قلب الظواهر،

وصارت أسسه تتحدّد في حركيتها وديناميتها. وبذلك تحوّلت بنيته وأصبحت دينامية ومنفتحة في

ارتباط بقدرته على التطوّر الذي يمكن أن يحقّقه في معرفة الوقائع المتغيرة دومًا. وبذلك، لم يعد

العقل محدّدًا في «شكل نسق مغلق»، وإنما في إطار «يتطوّر على مرّ الزمان، بواسطة المعرفة المتنامية

عن الوقائع، ويفرض ذاته عن طريق تطور وضوحه وكماله». أنتجت هذه العاقة المتبادلة بين العقل والظواهر تركيبًا لم يكن سائدًا قبل القرن الثامن عشر. وصار

هذا التركيب غاية كلّ بحث ومثال كلّ معرفة. وقد أثبت ذلك انطاقًا من النموذج العلمي السائد، إذ اعتبر أنّ ما تحقّق من إنجازات في الفيزياء يمثّل نجاحًا «للروح التحليلية» التي ينبغي الانخراط فيها

والاقتداء بها في كلّ المجالات؛ لأنّها اعتمدت على منهج علميّ غير منفصل عن موضوعاته، بل

يؤسِّس قواعده انطاقًا من دراستها، ويكشف ذاته بكشفها في الآن عينه.

(28) Cassirer, Die Philosophie die Aufklärung , p. 4. (29) Ibid., p. 23. (30) Ibid., p. 8.

فاستنادًا إلى الروح المنهجية النيوتونية، صار في إمكان العقل الإنساني أن يعرف ظواهر الطبيعة

وسيرورتها الامتناهية، وينتج «معقولية» خاصّة بها انطاقًا من الترابط والتواصل الدائمَين بين

الموضوعات وأدواته العقلية الذاتية، علمًا أنّ فلسفة القرن الثامن عشر «لم تكتف بفهم التحليل بوصفه

الوسيلة الفكرية الكبرى للمعرفة الفيزيائية – الرياضية، بل اعتبرته الأداة الضرورية والازمة لكلّ تفكير بصفة عامة». وهكذا، سادت روح التحليل الرياضي في كلّ المجالات المعرفية، حيث طمح المفكرون إلى توسيع تطبيقها لتشمل «الظواهر الإنسانية» النفسية والاجتماعية، وليس الظواهر الطبيعية فقط؛ وذلك من أجل إثبات قدرة الإنسان على اقتحام جميع الميادين بمنهجه العقلي وإضفاء عقانيته عليها، بل تأسيس أنواع جديدة من المعقولية. ففي القرن الثامن عشر لم يعد لتلك «الروح التحليلية» تطبيق محدود ومرتبط بإشكالية رياضيّة جزئية، وإنما صار التحليل يُطبَّق أيضًا «على مستوى ما هو نفسيّ من

جهة، ومستوى ما هو اجتماعيّ من جهة أخرى. ويتعلّق الأمر في الحالتين بإثبات أنّ معقولية جديدة

تنكشف، وأنّ مجال جديدًا ذا أهمّية كبرى يمكن فتحه أمام سلطة العقل، ما إن يتعلّم كيفية إخضاع

ذلك المجال لمنهجه الخاص، منهج الاختزال التحليلي وإعادة البناء التركيبية». يؤكّد كاسيرر أنّ اتباع ذلك المنهج جعل البحث العلمي الجديد يتخلّى عن مفهوم المبادئ المطلقة التي سادت في الأنساق الفلسفية الدوغمائية، وصار إيمانه قويًّا بما هو نسبيّ وغير مطلق، بل إن

«مفهوم ‘المبدأ’ نفسه تخلّى عن الطابع المطلق الذي كان يَنشدُه في أنساق القرن السابع عشر الميتافيزيقية الكبرى. إنّه يكتفي بصاحيّة نسبية». يشير كاسيرر إلى أنّ ابتعاد عصر التنوير عن المطلق الدوغمائي، ودفاعه عن مبدأ النسبية، لا يعنيان شيوع النزعة الريبية فيه، وإنّما سيادة فكرة التقدّم المستمر للعقل الإنساني، والثقة بقدرته على «فهم

نظام العال»َم، وانفتاحه الدائم على المستقبل وعدم التوقّف عند حدّ معيّن. والنسبية، في هذا

الإطار، «لا تقوم سوى بالتعبير عن اليقين بأنّه ليس هناك حدٌّ غير قابل للتجاوز من ق بَل العقل في

تقدمه الدائم، وبأنّ الغايات التي يبدو أنّه يصل إليها لا يمكن، ولا ينبغي، أن تُشك ل بالنسبة إليه سوى منطلق جديد».

(31) Ibid., p. 11.

(((3 إلى جانب هذا الطموح إلى إشاعة الروح الرياضية في جميع مناحي البحث المعرفي، انتقد بعض مفكري عصر التنوير هيمنتها وأعادوا النظر في سطوتها. انظر:

Denis Diderot, Pensées sur l’interprétation de la nature (Paris: GF Flammarion, 2005), p. 63. (33) Cassirer, Die Philosophie die Aufklärung , p. 16. (34) Ibid., p. 21. (35) Ernst Cassirer, «Enlightenment,» in: Ernst Cassirer, Aufsätze und kleine Schriften (1927–1931) (Hamburg: Felix Meiner Verlag, 2008), p. 399. (36) Cassirer, Die Philosophie die Aufklärung , p. 22.

صار العقل، بفضل تلك الروح النسبية الجديدة، لا يخشى الضياع في التدفق الامتناهي للظواهر، بل أصبح بدوره لامتناهيًا عن طريق الغوص فيها من أجل إيجاد أساسه فيها وليس خارجها. وفتح العقل،

بدلً من تأسيس حصون عقليّة لا يزعزعها التغيّر والتطوّر، أبوابه المشرعة على دينامية العالم الدائمة. بذلك اكتسب العقل أهميّةً كبرى في عصر التنوير، وهي أهميّة تتمثّل في الدلالة التي صار حامل لها

باعتباره «قدرةً» تُمك ن الإنسان من تحديد واقع الأشياء وحقيقتها وقيمتها، وبوصفه «قوّةً» يُمكن

الإنسان استعمالها من أجل الخروج من حالة «القصور» والوجود في عالمه الإمبريقي ب «أمان»،

و«السكن» فيه بكيفيّة مائمة من دون السعي إلى إيجاد عالم متعال، والبحث في سبل بلوغه على

غرار ما سعت إليه الأنساق الميتافيزيقية في القرن السابع عشر. يقول كاسيرر: «إنّ قوّة العقل الإنساني

لا تتمثّل في كسر حدود عالم التجربة من أجل فتح منفذ على عالم التعالي، وإنّما في تعليمنا كيفية التجوّل في هذا العالم الإمبريقي بأمان تامّ، والسكن فيه بكيفيّة مائمة». يُبيِّن كاسيرر، في الإطار نفسه، «تواضع» العقل التنويري؛ إذ إنّه لم يَعُد يزعم قدرته على التوصّل

إلى حقائق أبدية أو بلوغ المطلق، وتخلّى عن مجموعة من المفاهيم مثل «الأفكار الفطرية» التي تُمكِّن الإنسان من اكتشاف الماهيّات المطلقة. فقد صار يتحدّد في قدرته على اكتشاف الحقيقة

واكتسابها وبنائها والتيقن من أسسها، كما تحوّل معناه من كونه إطارًا لاحتواء المعرفة إلى «طاقة»

تتحدّد طبيعتها من خال فاعليتها وممارستها. إضافةً إلى ذلك، تتحدّد طبيعة العقل من خال وظائفه المتمثّلة في تحرير روح العصر من كل قوّة غير

عقلية وفكّ قيودها من كلّ سلطة غير نابعة من العقل نفسه. فمن غير الممكن قياس «طبيعة» العقل و«قدراته» ومقارنتهما ب «نتائجه» وآثاره، وإنّما ينبغي الرجوع إلى «وظيفته الأساسية» المتمثّلة في «فصل الروح» عن كلّ فكرة مؤسَّسة على «التقليد والسلطة»، و«تحطيم الاعتقاد و«الحقيقة الجاهزة»

إلى عناصرهما ومحركاتهما الأخيرة». ولإنجاز تلك المهمة التحريريّة، ينبغي أن يشيد العقل «كليّة حقيقية» خاصّة به، متميّزة بكونها نابعة من

ذاته لا من خارجه، من أجل بناء حقائقه وضمان أسس معرفته. وبفضل هذا البناء الذاتي، يتمك ن العقل من فهم إنتاجاته، بل إعادة إنشاء السيرورة الإنتاجية والبنائية برمّتها؛ لأنّها مؤسّسةٌ على فعل

العقل نفسه. فبعد عمليّة تهديم الاعتقادات الجامدة وتخليص العقل منها، تُلقى على عاتقه «مهمّة

البناء»، إذ «لا يمكن للعقل أن يظلّ ضمن الأعضاء المتناثرة، بل يلزمه أن يصنع منها صرحًا جديدًا،

(((3 كانط، ص.144

(38) Cassirer, Die Philosophie die Aufklärung , p. 12.

((3(تظهر صفة «التواضع» التي ميزت العقل في عصر التنوير من خال سمة «التواضع» التي أضفاها كانط، مثل، على فلسفته في «نقد العقل الخالص». انظر:

Emmanuel Kant, Kritik der reinen Vernunft (Hamburg: Nikol Verlagsgesellschaft mbH & Co. KG, 2014), p. 281. (40) Cassirer, Die Philosophie die Aufklärung , p. 13.

كليّةً حقيقية. لكن بخلق العقل هو نفسه هذه الكلية، وقيادة الأجزاء إلى تشكيل الكلّ بحسب القاعدة

التي سنَّها بذاته، يضمن لنفسه معرفة تامّة عن بنية الصرح الذي تمّ إنتاجه». لقد صارت فكرة العقل قائمة على «فكرة الفعل» وليس على «فكرة وجود» مفارق ومتعال. وهذا الأمر

أحدث تحوّلً في مهمّة العقل ومعنى قدراته، إذ لم تعد تكمُن وظيفته في «امتاك الحقيقة»، وإنّما في

«اكتسابها.» وتظهر أهميّة اكتساب العقل معارف جديدة من خال إعاء العقل التنويري من قيمة «الفضول

النظري» و«التعط ش للمعرفة»، إذ لم تعد تحمل طابعًا سلبيًّا، وإنّما ميزة إيجابية ضرورية للنفس

وتندرج ضمن حقوقها الطبيعية. لذا تمّ ترسيخها وتقويتها من أجل توسيع آفاق المعرفة الإنسانية. لكن إذا كان مفكرو عصر التنوير قد عملوا على توسيع آفاق الفكر، فإنّهم لم يسمحوا له بالانفات من كلّ الضوابط. فقد سعوا إلى فهم القوى المتحك مة في سيرورة الاكتشاف من أجل التمكّن من قيادته وتسييره. بعبارة أخرى، لم يقم أولئك المفك رون بالانغماس التامّ في «فوران» القوى المحرّكة للفكر

والغرق في أحضانها، وإنّما حاولوا «فهمها والتحك م فيها»، كما لم يسعوا إلى «الغوص في دوّامات

الأفكار الجديدة وزوابعها فقط، بل إلى الإمساك بالقيادة وتوجيه سباق الروح نحو أهداف محددة». وبفضل ذلك الفهم، يُمك ن توجيه قوى الإنسان وإنجازاته نحو تحسين أوضاعه وإصاح المجتمع

الذي يعيش فيه. فبالنسبة إلى مفكري عصر التنوير، كان من الازم أن يقود العقل «حركة التجديد السياسي والاجتماعي»، ويساهم في تحسين أوضاع الإنسان وتحقيق رخائه و«هنائه». وعلى ذلك الأساس، ترسّخت لديهم «إرادة الإصاح» عن طريق إياء أهميّة للعلوم، والتشديد

على دورها في إعداد الطريق للإصاح السياسي. فعلى سبيل المثال، أكّد الموسوعيون الفرنسيون أن للعلم «وظيفة اجتماعية» وأنّ «تطوّره غير ممكن إلا على أساس تنظيم اجتماعيّ متين. ويجب على

كل الجهود السياسية والإتيقية الأخرى أن تبحث عن أسسها فيه؛ لأنّه لا يمكن الأمل في تجديد الوجود السياسي والاجتماعي إلا بتنامي ثقافة الروح تلك التي نكتسبها في المجتمع وتوسعها». انطاقًا ممّا سبق، يتبيّن أنّ العقل الإنساني اكتسب مكانة متميّزة في عصر التنوير، إذ صار ذا صاحيّات

واسعة و«لامحدودة» وذا سلطان على كلّ شيء، وأصبحت معاييره هي المحدّدة للحقائق والأحكام

جميعها. فاكتسب، بذلك، سلطةً على الطبيعة والمجتمع مك نته من السيطرة على مناهج العلم وطرق

(41) Ibid. (42) Hans Blumenberg, La légitimité des Temps modernes , Marc Sagnol et al. (trad.) (Paris: Editions Gallimard, 1999), pp. 265–266. (43) Cassirer, Die Philosophie die Aufklärung , p. 14. (44) Emmanuel Kant, «Idée d’une histoire universelle au point de vue cosmopolitique,» in: Kant & Nabert, p. 29. (45) Ernst Cassirer, Das Problem Jean–Jacques Rousseau (Hamburg: Felix Meiner Verlag, 2008), p. 32. (46) Cassirer, Die Philosophie die Aufklärung , p. 282.

الفكر، والطموح إلى اقتحام كلّ الميادين النظرية والعملية على حدّ سواء، لأنّه الوسيلة الأساسية لتنوير البشر ودفعهم إلى التطوّر والتقدّم. فكيف تأثر المجال السياسي بهذه الحركة التنويرية في القرن

الثامن عشر؟

ثالثًا: التنوير السياسي

نشير، في البداية، إلى أنّ مرحلة التنوير تميزت ب «خصوبة» أفكارها السياسية، وتأثّر منظور فاسفة القرن الثامن عشر إلى المشكات السياسية بأحداث المجتمع والتطوّرات التي عرفتها المجالات

المعرفية الأخرى، إذ استدمجوا مجموعة من المفاهيم وطرق التفكير التي سادت فيها. وانطلق أولئك الفاسفة من المشكات التي كانت قائمة أمامهم وعادوا إلى ماضي الفكر السياسي من أجل تأصيل مفاهيمهم وتصوّراتهم الفلسفية لإيجاد حلول مائمة لتلك المشكات. وهكذا، فعلى

الرغم من تميّز عصر التنوير بتشبثه ب «فكرة التقدم»، وصراعه ضد الأفكار القديمة، فإنّ ذلك لم

يمنعها من نسج عاقات وطيدة مع الماضي من أجل البحث في طبيعة المشكات التي تعيشها الإنسانية. لقد اهتمّ مفكّرو القرن الثامن عشر ب «الماضي»، لكن من دون «تمجيده»، وإنّما من أجل «إعداد

مستقبل أفضل. فقد كان مستقبل الإنسانية، ونشوء نظام سياسيّ واجتماعيّ جديد، موضوعهم الكبير

واهتمامهم الحقيقي». بعبارة أخرى، لقد اهتمّوا أساسًا بالأفكار التي «تقودهم نحو المستقبل» من

أجل خلق «حالة فُضلى للمجتمع الإنساني.» وهكذا، فإنّ صراع التنوير ضدّ سلطة التقاليد والعادات الموروثة لم يمنعه من البحث عن أسس أفكاره الجديدة في الماضي من أجل ربطها بتاريخ الإنسانية وتثبيت بنائها وتمتينه. وبهذا يظهر أنّ فلسفة التنوير لم تعمل في اتجاه الهدم فقط، وإنّما في منحى البناء أيضًا، إذ إنها ربطت أفكارها بالمشكات القديمة من أجل بنائها من منظور جديد وعلى أسس جديدة. لكنْ تجدر الإشارة إلى أنّ عودة التنوير إلى الماضي كانت بمنزلة ربط حاضر الفكر ومستقبله بمصدره السابق باعتباره منبع المشكات الفلسفية، علمًا أنّها لم تقم بنقله وإعادة إنتاجه، وإنّما قامت باستخاص المبادئ والأفكار التي تتناسب مع اتجاهها الفكري التنويري الجديد، إذ يؤكّد كاسيرر أن فلسفة التنوير لم تستخلص من تلك العودة سوى «بعض السمات التي تتفق مع نمط تفكيرها، من دون

(47) Cassirer, The Myth of the State , p. 175.

(((4 ماكس هوركهايمر وثيودور ف. أدورنو، جدل التنوير: شذرات فلسفية، ترجمة جورج كتورة (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2006)، ص.23

(49) Cassirer, The Myth of the State , p. 180.

الانشغال بالباقي الذي تخلّت عنه. وغالبًا ما يقودنا تشديد تلك الفلسفة على هذه السمات إلى

المصدر الحقيقي للمشكات». إضافةً إلى ذلك، تميّز عصر التنوير باستلهام مفكريه روح العلم في دراسة القضايا السياسية. وفي هذا

الإطار، قام مونتسكيو بتحليل المؤسسات القانونية استنادًا إلى مبادئ الفيزياء النيوتونية، إذ سعى إلى البحث عن عدد محدّد من المبادئ القادرة على تفسير القوانين الجزئية المتعدّدة. يقول كاسيرر: «ابتدأ مونتسكيو بالعلم التجريبي، وعبر هذه الطريق اتجه إلى إشكاليته الخاصّة؛ أي تحليل المؤسسات

القانونية – السياسية. إنّه يضع، باعتباره رجل قانون، السؤال نفسه الذي وضعه نيوتن باعتباره فيزيائيًّا:

بدلً من الاقتصار على قوانين الكسموس السياسي المعروفة إمبريقيًا، يريد اختزال تعدّدية هذه القوانين

في عدد صغير من المبادئ المحدَّدة. ما يشك ل ‘روح’ القوانين، بالنسبة إليه، هو النظام؛ الترابط المتبادل النسقي الموجود بين المعايير الجزئية». كما دافعت مجموعة من فاسفة التنوير عن ثبات الحقّ والقانون؛ تصوّر ديدرو على سبيل المثال

«فكرة الحق والعدالة باعتبارها فكرة خالصة صالحة في ذاتها وثابتة بذاتها. لكن بتعميقه مضمونها تدريجيًّا، وسعيه إلى تدقيقها بكيفيّة أفضل، يعتقد أنّه اكتشف حقيقتها في الأعمال المباشرة والملموسة

للطبيعة [...] وهكذا، توصل أخيرًا إلى تأسيس سموّ الحق ‘الطبيعي’ والأخاقية الطبيعية على الأخاق

الاهوتية». إضافةً إلى ذلك، يشير كاسيرر إلى أنّ عصر التنوير تميّز بتشديد روّاده على ارتباط النظرية بالممارسة،

والفكر بالفعل، إذ كانوا واعين باستحالة الفصل بينهما، ومتيقنين «من القدرة على ترجمة أحدهما إلى الآخر بكيفيّة مباشرة، وعلى منح أحدهما ضمانة من الآخر». كما لم يقبلوا بفصل «التأمّل» عن

«الحياة»، إذ عملوا على التفكير في المشكات والمفاهيم السياسية انطاقًا من الواقع، وربط الممارسة العملية ب «مبادئ عامة والحكم عليها طبقًا لمعايير نظرية». في هذا الاتجاه، قام فولتير بتحديد مفهوم «الحرية» انطاقًا من متابعة الأحداث السياسية وماحظتها، والعمل على المقارنة بين مختلف أنظمة الحكم وأنواع الدساتير. فهو لم يهتم، في النقاش الدائر حول مفهوم الحرية، بتحديد جوانبه النظرية، لأنّ الأمر بالنسبة إليه لا يتعلّق ب «تكوين

مفهوم مجرّد، وإنّما بمسألة عمليّة جدًا، بل المسألة العملية بامتياز. إنّ المثال الفولتيري للحريّة قد وُل دِ

من ماحظة الحياة السياسية الملموسة، ومن المقارنة بين أشكال الحكم المختلفة وتقييمها».

(50) Cassirer, Die Philosophie die Aufklärung , p. 246. (51) Ibid., p. 254. (52) Ibid., p. 259. (53) Ibid., p. 265. (54) Cassirer, The Myth of the State , p. 178. (55) Voltaire, Dictionnaire philosophique (Paris: Garnier–Flammarion, 1964), pp. 255–261. (56) Cassirer, Die Philosophie die Aufklärung , p. 263.

وقد مثّلت «حريّة التعبير» جوهر الحقوق الإنسانية برمّتها، فبها يُمك ن الإنسان أن يضمن أساسًا متينًا

لحرية تفكيره وأمنه والمساواة أمام القانون، وغير ذلك. وهكذا، كان فولتير «مقتنعًا بأنّه يكفي إظهار

وجه الحرية الحقيقي للبشر من أجل إيقاظ كلّ القوى الضرورية فيهم وتركيزها لتحقيقها». كما أكّد كوندورسيه، في إطار دفاعه عن حريّة الإنسان و«كرامته»، أنّ غاية كلّ علم يدرس المجتمع

الإنساني هو البحث عن أساس صلب لضمان حقوق الإنسان والمساواة. فانطاقًا من دراسته «تطوّرات

الروح البشرية»، صرّح أنّه لا يمكن أن يكون لذلك العلم من هدف سوى أن «يضمن للبشر، على

أوسع مدى، الاستعمال الحرّ لحقوقهم الأساسية في مساواة تامّة». على أساس تلك التصورات التنويرية تأسّس «الإعان عن حقوق الإنسان والمواطن» باعتبارها حقوقًا

تجد أساسها في «الحقّ الطبيعي»، يقول كاسيرر: «على الأسس التي هيأها منظ رو الحقّ الطبيعي شُيِّد

مذهب حقوق الإنسان والمواطن كما طوّرها القرن الثامن عشر. إنّه يشكّل نقطة الالتقاء

الروحي، والوحدة المثالية للمجهودات المتعدّدة التي سعت إلى تجديد أخاقي وإصاح سياسي واجتماعي». ومن بين تلك المجهودات، نشير إلى فلسفة جون جاك روسو السياسية. انطاقًا من فرضية «حالة الطبيعة»، فكر روسو في العقد الاجتماعي، رافضًا تأسيسه على القسر والقهر؛ إذ لا يمكن القبول بتوحيد إرادات الأفراد المختلفة بواسطة قوى ماديّة خارجيّة تذيبها وتقضي

على ماهيّتها. فذلك العقد «لا قيمة له، وضربٌ من العبث إذا كان يجبر الإرادات الفردية من الخارج

على التوحد بواسطة وسائل فيزيائية للقهر، بدل توحيدها بكيفيّة حميمة». بخاف ذلك، يؤكّد روسو أنّ أساس العقد الاجتماعي هو «الحرية» وليس «الإكراه»؛ علمًا أنّ تلك

الحرية لا تعني الاعتباطية أو الاستقالية المطلقة للإرادة الفردية، وإنّما مشاركة في «الإرادة العامة» وخضوع لها، إذ لا يمكن أن تتحقّق «الوحدة الأصيلة والحقيقية» بين الأفراد «بالإكراه بتاتًا، بل ينبغي أن تتأسّس على الحرية». يؤسّس خضوع الإرادات الفردية للإرادة العامة وانصهارها فيها العقد الاجتماعي الذي يصبح

ممتلكًا لقوّة إلزامية بفضل القانون. وبذلك لا يمكن فهم الحريّة، باعتبارها أساس ذلك العقد، إلا في

(57) Ibid. (58) Nicolas de Condorcet, Esquisse d’un tableau historique des progrès de l’esprit humain (Paris: Garnier–Flammarion, 1988), p. 296. (59) Cassirer, Die Philosophie die Aufklärung , p. 264. (60) Ibid., p. 260. (61) Jean–Jacques Rousseau, Discours sur l’origine de et les fondements de l’inégalité parmi les hommes (Paris: Garnier–Flammarion, 1971), pp. 150–151. (62) Cassirer, Die Philosophie die Aufklärung , p. 272. (63) Ibid., p. 262. (64) Ernst Cassirer, «L’unité dans l’œuvre de Rousseau,» in: Ernst Cassirer et al., Pensée de Rousseau (Paris: Editions du Seuil, 1984), p. 43.

ارتباطها بالقوانين. فهي ليست حريّة مطلقة اعتباطية، وإنّما مقيدة بالقانون. فالحرية تعني «قبولً

بالقانون المُلزِم وغير القابل لانتهاك الذي يفرضه كلّ شخص على نفسه. وليست الخاصيّة الحقّة

للحريّة هي الهروب من القانون أو الانفصال عنه، وإنما الامتثال الحرّ له». يتحوّل البشر، بفضل العقد الاجتماعي، من كائنات تغلب عليها الغريزة والشهوة إلى ذوات ممتلكة

لإرادة حقيقيّة. «صحيح أنّ المواطنين قد تخلّوا نهائيًا عن ‘الاستقال الطبيعي’ السائد في حالة

الطبيعة، لكنّهم استبدلوه بآخر أكثر نفاسة. لقد صاروا الآن أفرادًا بالمعنى الأكثر سموًّا، ذواتًا مريدة

حقيقيّة، بينما لم يكونوا، في السابق، سوى حُزَم من الغرائز والشهوات الحسية». وهكذا، يَعُدّ روسو القانون قيمة سامية على الأفراد الذين ينبغي أن يخضعوا له من دون أن يقاوموه؛ لأنّ مقاومته تؤدّي إلى تفكيك وحدتهم. فهو «أسمى المؤسسات الإنسانية» التي تضمن وحدة البشر؛ في غيابها تشتّتوا، وفي بقاء النزعة الأنانية تصارعوا فيما بينهم. لذا لا يمكن أن تتحقّق «الوحدة الحقيقية» بين الأفراد إلا إذا منح كلّ واحد منهم نفسه للجميع، علمًا أنّ «من يمنح نفسه للجميع لا يمنح نفسه لأحد». ينطوي خضوع الأفراد للقانون على إيمان بسلطة الدولة وسيادتها، علمًا أنّ هذه «السيادة» نابعة في

أصلها وأساسها من الإرادة العامّة نفسها. ومن ثمّة لا يكون هناك تعارضٌ بين إرادات الأفراد وسلطة

الدولة، فتلك الإرادات هي التي سمحت لتلك السلطة بالحكم، والدولة، في المقابل، هي التي تحقّق حماية حقيقية للأفراد. فما إن «يصبح الفرد غير ملزم بمواجهة القوّة الفيزيائية البسيطة، وإنّما الفكرة

الخالصة للدولة القانونية، فإنّه لا يظلّ في حاجة إلى أن يكون محميًّا: إنّ الحماية الحقيقية تتم في

الدولة وبواسطتها، بحيث يكون من العبث أن يحمي نفسه منها». لكن رغم تجذّر فلسفة روسو في تربة التفكير التنويري، فإنّه قدّم نقدًا لاذعًا ل «مثُل حياة القرن الثامن عشر وثقافته»، وللوجود الاجتماعي في عصره، إذ انتقد وضعية مجتمعه، معتبرًا أنّها لم تسمح بتحقيق

«الجماعة الحقّة» والانتقال إلى «دولة العقل»، وأدّت إلى اختفاء «التناغم بين المثال الإتيقي والمثال النظري»، وانهيار قيم الحضارة. لذا، «يجب على فيلسوف الحياة الاجتماعية أن يسمح لفيلسوف التاريخ بأن يتقدمه، ويبحث عن الطرق التي وصل عبرها المجتمع إلى شكله الحالي، ويكشف بذلك عن القوى التي تواصل تحريكه والتحكم فيه».

(65) Cassirer, Die Philosophie die Aufklärung , p. 273. (66) Ibid., pp. 273–274. (67) Jean–Jacques Rousseau, Du contrat social (Paris: Union générale d’éditions, 1973), p. 73. (68) Cassirer, Die Philosophie die Aufklärung , p. 276. (69) Cassirer, Das Problem Jean–Jacques Rousseau , p. 29. (70) Cassirer, Die Philosophie die Aufklärung , p. 283.

نشير، في هذا المقام، إلى أنّ روسو قام بإدانة النظم الاجتماعية القائمة من دون أن ينكر أهمية الإنجازات التي تحقّقت في مجالات الفنّ والعلم، فلم يدعُ إلى التخلّي عنها من أجل العودة إلى

«الفوضى الأولى». كما لم يفكّر، عند مهاجمتها، إبعاد مساهمتها في المجتمع أو إنكار قيمتها ونبذها، و«إعادة إغراق الإنسانية في وحشيتها البدائية». لكن في مقابل الوضع الاجتماعي «الفاسد»، أكد روسو أهمية إبرام «عقد اجتماعي» بين المواطنين، يسمح بالانتقال إلى حالة تسودها «الحرية» ويُهيمن عليها «العقل»، شريطة أن تخضع المعرفة للإرادة،

وتتحكّم «العقانية الإتيقية» في «العقانية النظرية» وتوجّهها. بعبارة أخرى، ينبغي للعلم «أن يتخلّى

عن المطالبة لذاته بالأسبقية المطلقة في مجال القيم الروحية الذي يخصّ الإرادة الأخاقية. وهكذاِ،

فإنّ تشييد عالَم المعرفة يجب أن يكون، في المجتمع الإنساني، مسبوقًا بالتكوين الواضح والمضمون لعالَم الإرادة. ينبغي أن يجد الإنسان في ذاته، أولً، قانونًا صلبًا قبل الانشغال بقوانين العالَم

والموضوعات الخارجية». يجدر التنبيه، في هذا الصدد، إلى أنّه على الرغم من الانتقادات التي وجّهها روسو إلى عصره،

و«عاقته المتناقضة» بمجتمعه، فإنّه ظلّ متأثرًا بروح التنوير وظلّت فلسفته ذات أساس وهدف

تنويريَين؛ لأنّه «حتى بمعارضته فلسفة التنوير واستشاطته ضدّها، بقي ابنًا حقيقيًّا للتنوير». كما أنّ أفكار روسو ساهمت مساهمة كبيرة في إعادة النظر في مفاهيم التنوير، وأثّرت، بقوّة، في تشييد

مجموعة من التصوّرات الفلسفية النقدية وبنائها (الفلسفة الكانطية نموذجًا)، يقول كاسيرر: «لم يحط م

روسو عالَم القرن الثامن عشر، وإنّما قام بتحويل مركز ثقله ». بناءً على ما سبق، يتبيّن أنّ المجال السياسي تميّز بخصوبة فكريّة من حيث الإشكالات والمفاهيم

والتصوّرات التي نشأت بفضل حركة التنوير العامة التي عرفها القرن الثامن عشر. فهذه الحركة دفعت

المفكرين التنويريين إلى الانشغال بقضايا عصرهم ومشكاته الاجتماعية والسياسية من أجل إيجاد الطريقة المثلى لتشييد مجتمع إنساني قائم على التعاقد بين أفراده الذين يحافظون، في إطاره، على حقوقهم ومقوّمات إنسيّتهم المتمثّلة أساسًا في «الحرية». وذلك ليس نظامًا جاهزًا ومعطى في الواقع،

وإنّما يستلزم عمليات بنائية متواصلة اعتمادًا على مجهودات البشر المسترشدين بأنوار العقانية المنفتحة والمنخرطة في سيرورة التقدّم الدائم.

(71) Cassirer, L’unité dans l’œuvre de Rousseau , pp. 44–45. (72) Cassirer, Die Philosophie die Aufklärung , p. 286. (73) Ernst Cassirer, Rousseau, Kant, Goethe: Two Essays , James Gutmann, Paul Oskar Kristeller & John Herman Randall (trans.) (Hamburg: Felix Meiner Verlag, 2008), p. 497. (74) Cassirer, Die Philosophie die Aufklärung , p. 286. (75) Ibid., p. 287.

خاتمة

يمكن القول، في الختام، إنّ عصر التنوير عرف تحقّق منعطف فكريّ جديد، قام فيه المفكرون بإعادة

النظر في مجموعة من المفاهيم وتحميلها دلالات جديدة، والدفاع عن مبادئ وقيم أصيلة. تجلّى ذلك في الرفع من قيمة الإنسان والثقة بقدرته على الاكتشاف والتقدّم الامتناهي بفضل قواه العقلية

التي حطّمت كلّ أنواع السلطات، والاعتراف بسلطة العقل فقط من دون غيرها، وتأسيسها على مفاهيم

أساسية؛ «الحرية»، و«التقدم»، و«النقد»، ومنحها بعدًا كونيًّا ومُنفتحًا على المستقبل بكيفيّة لامتناهيةِ. جعل كلّ هذا من ذلك العصر مرحلة تاريخيّة قائمة على حركة غير منغلقة على ذاتها، وإنّما مفتوحة

دومًا على إمكانية العودة إليها من أجل استلهام مبادئها وطرق تفكيرها، واستثمارها في تنوير عقول

البشر وتخليصها من التحجّر والأوهام عن طريق النقد العقاني؛ لأنّها هي نفسها، باعتبارها حركة

فكريّة نقديّة، قابلة للنقد ومراجعة أسسها باستمرار. في هذا الإطار تندرج الدراسة التي خصصها كاسيرر لعصر التنوير، وتشديده على ضرورة العودة إليه بكيفيّة نقديّة، من أجل فهم المرحلة الراهنة التي تستلزم بدورها عودة مماثلة إلى ذاتها في ضوء مبادئ

ذلك العصر وقيمه، فيقول: «يبدو لي أنّ الوقت قد حان لكي يقوم عصرنا بمثل تلك العودة النقدية إلى ذاته، أن ينظر إلى نفسه في المرآة الواضحة التي يقدّمها له عصر التنوير. إنّ العديد من الأشياء، التي

نعتبرها اليوم ثمرة ‘للتقدم’ ستفقد با شكّ، في تلك المرآة، بعضًا من بريقها. والعديد من الأشياء التي نمدحها بها ستظهر لنا غريبة وكاريكاتورية [...] إنّ عبارة ‘تجرأ على المعرفة!’، التي هي ‘شعار التنوير’، تصلح أيضًا لموقفنا التاريخي الخاصّ تجاهه [...] فلتكن لدينا الشجاعة لنقيس أنفسنا بذلك

الفكر، ولنفسر أنفسنا داخليًّا أمامه». نشير، في هذا السياق، إلى أنّ إلحاح كاسيرر على تلك العودة النقدية فرضته حاجةٌ ملحّة برزت في

القرن العشرين، خصوصًا مع ظهور الأساطير السياسية التي سعت إلى القضاء على عقانية الإنسان

وفاعليته الذاتية الخاقة اللتين أثبتهما عصر التنوير ودافع عنهما. لذا رفع كاسيرر شعار التنوير في مقابل الاعقل و«الظلّ المعتم» للأسطورة، وأكّد ضرورة «إنقاذه» من الأحكام الجاهزة وتحويل أفكاره إلى وسائل ناجعة لمواجهة الاعقانية وتوسيع مجالات تحقيق الحريّة. فبفضل ذلك، يمكن

المساهمة بطريقة فعّالة في بناء «الحضارة الإنسانية» باعتبارها «عملية تحرّر ذاتيّ متدرّج لدى

الإنسان». وعلى غرار ذلك، يمكن القول إنّه من الازم، في العصر الحالي أيضًا، مراجعة تلك الأحكام وإعادة النظر في التصورات المشوّهة عن التنوير أو المناهضة له، خصوصًا في العديد من مجتمعاتنا الراهنة،

(76) Ibid., pp. 36–37.

(((7 إرنست كاسيرر، اللغة والأسطورة، ترجمة سعيد الغانمي (أبوظبي: هيئة أبوظبي للثقافة والتراث – كلمة، 2009)، ص.31 (((7 إرنست كاسيرر، مدخل إلى فلسفة الحضارة الإنسانية أو مقال في الإنسان، ترجمة إحسان عباس، مراجعة محمد يوسف نجم (بيروت: دار الأندلس؛ نيويورك: مؤسسة فرنكلين المساهمة للطباعة والنشر، 1961)، ص.379

وتعميق البحث في بنيته من أجل فهمه قبل رفضه. كما لا بدّ من تجنّب استيراد قيمه من دون تهييئ تربة مائمة لاستنباته، أو اعتبارها مطلقة ومقدّسة، لأنّ تقديسها يحط م جوهر تلك البنية وأسسها؛ بل ينبغي المحافظة على أسئلة التنوير ومعانيه الكونيّة من خال المشاركة في حركته الفكرية وروحه

الإنسانية. عاوة على ذلك، لا يمكن تبنّي مبادئ التنوير حَرْفيًّا وبطريقة دوغمائيّة وكأنّ كلّ جوانبه مضيئة، وإنّما

لا بدّ من تناولها وفق منظور نقديّ يكشف عن طبيعتها الحقّة، ولا يُظهر أوجه هذا العصر المشرقة فقط، بل يُبرز أوجهه السلبية و«ظلماته»، ويأخذ كلّ سماته في الحسبان.

References

المراجع

العربية

برلين، إيزايا. جذور الرومانتيكية. ترجمة سعود السويدا. بيروت: جداول للنشر والتوزيع،.2012 حرب، علي. الممنوع والممتنع: نقد الذات المفكرة. ط 2. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،

فوكو، ميشال. «كانط والثورة». ترجمة يوسف الصديق. مجلة الكرمل. العدد.)1984(13 كاسيرر، إرنست. مدخل إلى فلسفة الحضارة الإنسانية أو مقال في الإنسان. ترجمة إحسان عباس. مراجعة محمد يوسف نجم. بيروت: دار الأندلس؛ نيويورك: مؤسسة فرنكلين المساهمة للطباعة والنشر،.1961.________ اللغة والأسطورة. ترجمة سعيد الغانمي. أبوظبي: هيئة أبوظبي للثقافة والتراث – كلمة،

كانط، إيمانويل. «إجابة عن السؤال: ما التنوير؟». ترجمة إسماعيل المصدق. فكر ونقد. العدد 4

مخوخ، فؤاد. من نقد العقل إلى هيرمينوطيقا الرموز: بحث في فلسفة الثقافة عند إرنست كاسيرر. الدوحة؛ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 هوركهايمر، ماكس وثيودور ف. أدورنو. جدل التنوير: شذرات فلسفية. ترجمة جورج كتورة. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2006

(((7 علي حرب، الممنوع والممتنع: نقد الذات المفكرة، ط 2 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2000)، ص.13

الأجنبية

Blumenberg, Hans. La légitimité des Temps modernes. Marc Sagnol et al. (trad.). Paris: Editions Gallimard, 1999. Cassirer, Ernst et al. Pensée de Rousseau. Paris: Editions du Seuil, 1984. Cassirer, Ernst. Geist und Leben. Ouvrage collectif coordonné par Françoise Lartillot. Paris: L’Harmattan, 2003. ________. Die Philosophie die Aufklärung. Claus Rosenkranz (ed.). Hamburg: Felix Meiner Verlag, 2007. ________. Aufsätze und kleine Schriften (1927–1931). Hamburg: Felix Meiner Verlag,

________. Das Problem Jean–Jacques Rousseau. Hamburg: Felix Meiner Verlag,

________. Rousseau, Kant, Goethe: Two Essays. James Gutmann, Paul Oskar Kristeller & John Herman Randall (trans.). Hamburg: Felix Meiner Verlag, 2008. ________. The Myth of the State. Hamburg: Felix Meiner Verlag, 2008. ________. Philosophie der symbolischen Formen. vol. 1: Die Sprache. Claus Rosenkranz (ed.). Hamburg: Felix Meiner Verlag, 2010. de Condorcet, Nicolas. Esquisse d’un tableau historique des progrès de l’esprit humain. Paris: Garnier–Flammarion, 1988. Diderot, Denis. Pensées sur l’interprétation de la nature. Paris: GF Flammarion, 2005. Feron, Olivier. «Présentation: La défense de la constitution ou la philosophie au secours de la République de Weimar.» Philosophie. vol. 4, no. 95 (Septembre 2007). Kant, Emmanuel. Kritik der reinen Vernunft. Hamburg: Nikol Verlagsgesellschaft mbH & Co. KG, 2014. Kant, Immanuel & Jean Nabert. La philosophie de l’histoire: Opuscules. Stéphane Piobetta (trad.). Paris: Editions Montaigne, 1947. Rousseau, Jean–Jacques. Discours sur l’origine de et les fondements de l’inégalité parmi les hommes. Paris: Garnier–Flammarion, 1971. ________. Du contrat social. Paris: Union générale d’éditions, 1973.