العودة إلى تفاصيل المؤلَّف النسقان المدني والريفي في السرد الروائي (دراسة في تحيّزات الصورة)

النسقان المدني والريفي في السرد الروائي (دراسة في تحيّزات الصورة)

Civil and Rural Contexts in Fictional Narratives (Study of Biases in Imagery/Portrayal)

لؤي خليل

Loui Ali Khalil

الملخّص

لعل من البديهي القول بوجود نوع من الاشتباك بين الريف والمدينة في أي تجلٍّ يتجليان فيه، ولعل من البديهي القول أيضًا إن الأدبيات الإنسانية التراثية والمعاصرة شهدت تدوينًا لمثل هذا النوع من الاشتباك، غير أن الذي تشير إليه هذه الدراسة يتعلق باشتباك من نوع آخر؛ اشتباك نسقي كلّي سببه دخول سلطة قهرية، مُـمَثَّلة في حزب البعث السوري الحاكم، كان لها دور كبير في خلط الأوراق، وتأجيج الصراع النسقي بين الريف والمدينة، بسبب تبنيها لأحدهما في مواجهة الآخر، فدفعت (الجارَين/ بالحيز) إلى عنف اجتماعي وسردي مضمر ومعلن. تحاول هذه الدراسة الكشف عن تجليات هذا الاشتباك بين الريف والمدينة، لا بعدِّهما جارَين في المكان، بل بعدِّهما نسقين ثقافيين يحركان السرد، ويحددان حركة الشخوص ومسارها، ولا سيما في الروايات السورية التي ظهرت بُعيد انطلاق الثورة السورية عام 2011.

Abstract

Abstract: Perhaps it is stating the obvious to say that there is a kind of clash between the rural and the urban and that contemporary and historical literature has been witness to such conflict. However, this study refers to a different kind of clash, caused by the entry of the authoritarianism represented by the ruling Baath Party of Syria. This played a huge role in inflaming the urban-rural conflict as it pitted one against the other, driving these neighbours to explicit social violence. This study demonstrates the manifestations of this urban-rural clash, not as two neighbours, but as two cultural contexts that move the narrative, and identify the movement of characters and its course, especially in the Syrian novels that emerged after the onset of the Syrian revolution in 2011.

الكلمات المفتاحية:
  • النسق الثقافي
  • النسق الريفي
  • النسق المدني
  • السلطة
  • التحيز الدلالي المسند والمسند إليه
  • التعبير الكنائي والاستعاري
Keywords:
  • Cultural Context
  • Rural Context
  • Urban Context
  • The Novel
  • Power
  • Semantic Bias

لؤي علي خليل | Luai Ali Khalil * ((6(

Civil and Rural Contexts in Fictional Narratives

(Study of Biases in Imagery/Portrayal)

آخر؛ اشتباك نسقي كلّي سببه دخول سلطة قهرية، مُمثَّلة في حزب البعث السوري الحاكم،

كان لها دور كبير في خلط الأوراق، وتأجيج الصراع النسقي بين الريف والمدينة، بسبب تبنيها لأحدهما في مواجهة الآخر، فدفعت (الجارَين/ بالحيز) إلى عنف اجتماعي وسردي مضمر

ومعلن. تحاول هذه الدراسة الكشف عن تجليات هذا الاشتباك بين الريف والمدينة، لا بعدِّهما

جارَين في المكان، بل بعدِّهما نسقين ثقافيين يحركان السرد، ويحددان حركة الشخوص

ومسارها، ولا سيما في الروايات السورية التي ظهرت بُعيد انطاق الثورة السورية عام.2011

مقدمة

تقوم هذه الدراسة على عدد من الروايات التي كُتبت بُعيد انطاق الثورة السورية (عام 2011)،

وظهر في نسيجها الحكائيّ حضور دالّ، مقصود أو غير مقصود، لتحيّزات دلالية تتعلق

بالسلطة، وتقيم تحيزاتها تلك بناءً على مواقف تعكس في بنيتها العميقة اشتباكًا بين الريف والمدينة، لا بصفتهما مكوّنين جغرافيين، ولا بصفتهما مساحتين مكانيتين مجردتين، بل بصفتهما نسقين ثقافيين

أساسيين يسيطران على مجمل حركة المحكي الروائي، ويحددان مسار شخصياته وردود أفعالها. والمقصود بالنسق «المدني» أو «الريفي» هو الثقافة السائدة للجماعة في الحيّز الذي يشغله النسق؛

من حيث شبكة العاقات المعقدة التي تحيا بها، وآليات تفكيرها، ومرجعياتها، ومعاييرها، وبدهياتها المسلكية، وقيمها التي تحتكم إليها، وطريقة حياتها اليومية. فبموجب هذه الثقافة تتشكل حدود الحيز المكاني للريف والمدينة وتتغير؛ ذلك أن حدود كا النسقين ذات طبيعة مرنة، تنوس بين الثبات والحركة، لا يحرّكها تمدُّد المكان، أو انكماشه، أو تحوّله، بقدر ما

يحركها تحوّل النسق؛ فما يكون ريفًا قد يتحول إلى مدينة، إذا تغير النسق الثقافي لجماعة المكان

بصرف النظر عن أسباب هذا التغير التي قد ترتبط بالتحول العمراني أو التغير السكاني أو ما سوى ذلك من أسباب، كما يحدث حين تتطور القرى التي تقع في أطراف المدن، وتسري فيها الثقافة المدنية؛ إيذانًا باستعدادها للدخول ضمن النسق المدني، عندما تحين الفرصة وتبحث المدينة عن

مساحات جغرافية تتمدد من خالها، فتقوم بضم أطرافٍ كانت تابعة للنسق الريفي من قبل. وليس المقصود بالتحيّز الدلالي الميل غير العادل إلى جهةٍ ضد جهة أخرى؛ إذ لا يتعلق الأمر بأيّ

حكمِ قيمةٍ له عاقة بالميزان القضائي أو الاجتماعي، أو أي نوع من أنواع الموازين، إنما المقصود

الدلالات المباشرة وغير المباشرة التي يستبطنها الاستعمال اللغوي، والتي تعبر عن موقفٍ ثقافيٍّ

لمُستعمِلها؛ فهناك دائمًا «مجموعة من القيم الكامنة المستترة في النماذج المعرفية والوسائل والمناهج

البحثية التي توجه الباحث دون أن يشعر بها». قد تتحول هذه القيم أو المواقف المستترة إلى نماذج

كامنة تُهيّئ مستعملها إلى تبني أفكار دون أخرى؛ ل عِلّةِ ارتباطها بتلك النماذج الكامنة، ف «التحيّز مرتبط

ببنية عقل الإنسان ذاتها، الذي لا يسجل تفاصيل الواقع كالآلة الصمّاء بأمانة ودون اختيار أو إبداع»،

أو دون موقف.

(((كما حصل حين ضُمت قرية الصالحية إلى مدينة دمشق، «فانتقلت السلطات الإجرائية الحكومية إلى وجوه الأحياء ومختاريها

دفعًا للشرور وحمل الناس على احترام الحقوق... فكل حي يسهر على راحة أفراده هيأة [كذا وردت] من وجوهه وأعيانه، وهم

بمثابة المجلس الإداري والقضائي والتنفيذي وحماة الحقوق بالنسبة لأفراد حيهم»، انظر: أحمد حلمي العاف، دمشق في مطلع

القرن العشرين (دمشق: دار دمشق، 1983)، ص.43–42 (((عبد الوهاب المسيري، «فقه التحيز»، في: عبد الوهاب المسيري (محرر)، إشكالية التحيز – رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد، سلسلة المنهجية الإسامية (9)، (الولايات المتحدة الأميركية: المعهد العالمي للفكر الإسامي، 1996)، ص.5 (((المرجع نفسه، ص.19

ليست اللغة بمنأى عن تلك التحيّزات، فالدال، بالمعنى اللغوي، ليس مطابقًا للمدلول مطابقةً تامة،ً

وليس مرآةً له، فبين الاثنين مسافة تصنعها الرؤية والسياق والمقام والمرجعيات، وقد يثبّتها التداول أو

يخلخلها؛ ومكمن التحيّز مركون في تلك المسافة القائمة بين الدال والمدلول؛ ذلك أن العاقة بينهما

مشوبة دائمًا برؤية المستعمِل ومواقفه الفكرية والعاطفية والاجتماعية، وغير ذلك من مواقف قد تؤثر

في العاقة بينهما. ولعل هذا ما يجعل «مزاوجة الدال والمدلول اختيارٌ واجتهادٌ وتحيز». جعلت الدراسة مدار تطبيقاتها على المواضع التصويرية (المشهد/ الصورة) في النصوص الروائية، لا سيما تلك التي ينطبق عليها شرط التحيز الدلالي الذي سبقت الإشارة إليه. وتناولت الدراسة تلك المواضع التصويرية من زاوية العاقة بين المُسنَد والمُسنَد إليه، لا من جهة معناهما الاصطاحي

النحوي فحسب، بل من جهة الاستعمال الدلالي الخبري لهما، بحيث يكون معنى الإسناد على حد

تعريف الجرجاني هو: «ضم كلمة أو ما يجري مجراها إلى أخرى بحيث يفيد أن مفهوم إحداهما ثابت لمفهوم الأخرى أو منفي عنه». وإشارة الجرجاني إلى الكلمة، أو ما يجري مجراها، واضحة في

ماحظته المجالَ العام الذي يمكن أن يُستعمل فيه الإسناد خارج إطار اللغة. وعلى ذلك جاز للدراسة

أن تجعل التشبيه كالإسناد؛ يقوم على ركنين: مشبَّه (مُسنَد إليه) ومشبَّه به (مسنَد). وهو الأمر عينه الذي

لاحظه الزمخشري حين ألمح إلى التشابه القائم بين عاقات الإسناد وعاقات التشبيه، عندما تحدّث عن عمل الإسناد وعمل التشبيه؛ إذ رأى أن «الإسناد لا يتأتى بدون طرفين: مسند ومسند إليه. ونظير ذلك أن معنى التشبيه في (كأن) لما اقتضى مشبهًا ومشبهًا به كانت عاملة في الجزأين». ولاعتبارات تتعلق بالرؤية الإسنادية نظرت الدراسة إلى الصور السردية أو المشاهد التصويرية من زاوية الحيّز الإسنادي؛ ليكون ميدانًا عمليًا تقيم عليه إجراءاتها التطبيقية، وقصدَت ب «الحيز الإسنادي»

المساحة التي تقع بين حدودها شبكةُ العاقات اللغوية التي يتشكل منها المشهد التصويري، وهي بالضرورة عاقات إسنادية من جهة اللغة، ومن جهة بناء الصورة؛ كإسناد الفعل إلى الفاعل في الجملة، أو إسناد المشبه به إلى المشبه في الصورة، كما سيتضح أثناء الدراسة. وفرّقت الدراسة بين الحيز والسياق والعاقات الإسنادية، فرأت أن كل حيّز إسنادي يحتوي عددًا من

السياقات الإسنادية، لأن حدود الحيز الإسنادي هي حدود المشهد التصويري، وهي حدود قد تكبر وقد تصغر تبعًا لآلية تركيب المشهد. وكذلك قد تحوي السياقات الإسنادية بدورها عددًا من العاقات

الإسنادية. ففي مشهدٍ مِثل: «إن رجالً غليظي الشوارب يتربصون بالأطفال الصغار الغضّين كأوراق الخس، لاغتصابهم في حقول الكرز الموحشة».

(((المرجع نفسه، ص.166 (((علي بن محمد الجرجاني، التعريفات، تحقيق محمد صديق المنشاوي (القاهرة: دار الفضيلة، [د. ت.])، ص.22 (((أبو القاسم الزمخشري، المفصل في علم العربية، تحقيق فخر صالح قدّارة (عمان: دار عمار، 2004)، ص.48 (((خالد خليفة، لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة (بيروت: دار الآداب، 2013)، ص.15

يبدأ الحيز الإسنادي ب «إن» وينتهي ب «الموحشة»، فتتحدد بذلك بداية المشهد التصويري ونهايته. ولا يمكن أن يكون الأمر بخاف ذلك؛ أي بعد «إن» أو قبل «الموحشة»؛ فالمشهد لا يكتمل بالقول بوجود رجال يتربصون بالأطفال الغضين كأوراق الخس، بل يجعل ذلك مقدمةً لتسويغ هذا التربص الذي سينتهي بفعل الاغتصاب. فهذه هي حدود الحيز الإسنادي الكبير (المشهد التصويري.) وفي داخل هذا الحيز الإسنادي سياقان إسناديان اثنان؛ في السياق الإسنادي الأول ثمة رجال غليظو الشوارب يتربصون بالأطفال الغضين كأوراق الخس، وفي السياق الإسنادي الثاني ثمة أطفال يُغتصبون

في حقول الكرز الموحشة. وداخل هذه السياقات الإسنادية عدة عاقات إسنادية؛ ففي السياق الأول يُسند «التربص» إلى رجال

«غليظي الشوارب»، وكذلك يسند المشبه به «أوراق الخس» إلى المسند إليه «الأطفال الصغار الغضين». وفي السياق الثاني لدينا عاقات إسنادية أخرى تتعلق بفعل الاغتصاب. ومن الممكن ألّ تحضر هذه الإجراءات التفصيلية المتعلقة بالحيّز وسياقاته وعاقاته الإسنادية كاملة

بحذافيرها في كل نص سردي أو كل حيز إسنادي/ مشهد؛ لأسباب تتعلق بطبيعة كل حيز إسنادي/ مشهد، ولكنها هي المحرك الأساسي للإجراءات التطبيقية التي مورست على النصوص كلها. والروايات المعنية بالدراسة هي:لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة لخالد خليفة، ورواية نظرات لا تعرف الحياء لمحمود الجاسم، ورواية عمت صباحًا أيتها الحربلمها حسن. لم يكن الدافع الجمالي هو السبب في اختيار هذه النصوص دون غيرها، بقدر ما كان الدافع العملي المتعلق بوجود آليات تصويرية ذات تحيزات دالة، تعكس موقفًا ما من أيٍ من النسقين المدني أو الريفي، فقد تتفاوت النصوص في قيمتها الجمالية الفنية أو في موقفها الأيديولوجي، غير أن ذلك لم يقع في اهتمام الدراسة إلا إذا تعلق بالموقف من النسقين المدني والريفي.

1. الإسناد الذي نحيا به

لا شك في أن اللغة إحدى أهم الوسائل التي تتمثل من خالها تصوراتُ الإنسان المسبقة للأشياء

(للذات وللآخر وللعالم المحيط)، ولا شك في أنها في الآن نفسه عصيةٌ على أحكام القيمة اليقينية المطلقة؛ بسبب انفتاحها على احتمالات استعمالية ودلالية متعددة، بتعدد نسقَي الاستعمال والتلقي، غير أن ذلك لا يعني استحالة التوصل إلى دلالات مُعتبَرة حول تصوراتنا المسبقة، بناءً على دوالّ

لغوية. ولكن، أي الدوال اللغوية أقدر على تمثيل تصوراتنا المسبقة؟ وهل يجب أن تختص تصوراتنا تلك بدال دون آخر؟

(((إشارة إلى كتاب: الاستعارات التي نحيا بها.

من البدهي أن السؤال لا يتعلق بالاستعمال المباشر للغة؛ لأنه استعمال تتقلص فيه مسافة التوتر بين التصور والدلالة المباشرة للغة، وإنما يتعلق الأمر بالاستعمال الآخر المضاد: الاستعمال غير المباشر؛ لأنه استعمال مراوغ محفوف بالمخاطر، على مستوى الاستعمال وعلى مستوى التلقي، فالمستعم ل حين يعتمد الأساليب غير المباشرة يفتح لها بابًا إلى ذاته، تصطبغ من خاله بصبغته، وتنال شيئًا من

فرادته، فا تعود دلالتها مخلصةً لمعناها المباشر، بل تحمل مع هذا المعنى طبقات من دلالات تفضح مستعملها، وتشي بما لم يرد إظهاره، أو بما لم يرتبط به قصده، أو بما أراد إخفاءه عن العين الطارئة. وحين يخوض المتلقي تجربة البحث عن الدلالة في الأساليب غير المباشرة فإنه يكون عرضة للخديعة التي تمارسها عليه الدلالة الظاهرة، فقد يكتفي منها بالمغنم، ويفوته الكنز المخبأ تحت طبقاتها. ولعل من أهم الأساليب غير المباشرة الأساليب التصويرية (التشبيه/ الاستعارة/ الكناية)، وهي الأشهر استعمالً على الصعيدين العادي والأدبي، الشعبي والرسمي. غير أن ثمة من ذهب إلى أن الاستعارة وحدها هي الكفيلة بنقل تصوراتنا المسبقة نحو الأشياء، على أساس أن نسقنا التصوّري استعاري في

أصله. وهو ما أسس له مؤلفا كتاب الاستعارات التي نحيا بها. بنى جورج لايكوف ومارك جونسن كتابهما الاستعارات التي نحيا بها على ثاث مقدمات قادتهما إلى الفرضية الأساسية التي أقاما كتابهما عليها: 1. المقدمة الأولى: إن تصوراتنا المسبقة التي تتحكم في تفكيرنا «تتحكم أيضًا في سلوكاتنا اليومية البسيطة بكل تفاصيلها، فتصوراتنا تُبَنْيِن ما ندركه، وتُبَنيِن الطريقة التي نتعامل بواسطتها مع العالم، كما

تبنين كيفية ارتباطنا بالناس، وبهذا يلعب نسقنا التصوري دورًا مركزيًا في تحديد حقائقنا اليومية». 2. المقدمة الثانية: إن اللغة إحدى الطرق الأساسية التي تكشف لنا تصوراتنا المسبقة، على أساس أن التواصل اللغوي مؤسس على (النسق التصوري نفسه الذي نستعمله في تفكيرنا.) 3. المقدمة الأخيرة: إن «الجزء الأكبر من نسقنا التصوري العادي استعاري من حيث طبيعته». تتشكل من هذه المقدمات الثاث فرضية الكتاب المركزية التي ترى أن الاستعارة «تبنين طريقتنا في الإدراك والتفكير والسلوك... الاستعارة لا ترتبط باللغة أو بالألفاظ، بل على عكس ذلك، فسيرورات الفكر البشري هي التي تُعد استعاريةً في جزء كبير منها. وهذا ما نعنيه حين نقول إن النسق التصوري

(((آثرت استعمال الأساليب «غير المباشرة» على الأساليب «المجازية» لأن الأولى أوسع من الأخرى وأشمل، ولأن بعض الاستعمالات غير المباشرة مثل الكناية والتشبيه فيها خاف حول انتمائها إلى المجاز. (((1 مارك جونسن وجورج لايكوف، الاستعارات التي نحيا بها، ترجمة عبد المجيد جحفة (الدار البيضاء: دار توبقال، 2009)، ص.21 (((1 المرجع نفسه.

البشري مُبَنْيَن ومحدد استعاريًا. فالاستعارات في اللغة ليست ممكنةً إلا لأن هناك استعارات في

النسق التصوري لكل منا». لا إشكال بشأن المقدمتين الأولى والثانية اللتين بُني عليهما الكتاب، فالإشكال يقع في المقدمة الثالثة

وحدها؛ وللتدليل عليها، ضرب المؤلفان مثالً عن الحوارات التي تدور بين متحاورين بشأن الجدال، وافترضا أنها حوارات تقوم على تصوّر استعاري سابق مفاده أن «الجدال حرب»، ولذلك تكثر بينهما

عبارات من مثل: «لا يمكن أن تدافع عن ادعاءاتك»/ «لقد هاجم كل نقط القوة في استدلالي/» «أصابت انتقاداته الهدف»/ «لقد هدمت حجته»، وغير ذلك. وفي مثال آخر ربطا بين «الزمن والمال» واستشهدا بعبارات من مثل: «إنك تجعلني أضيّع وقتي»/ «هذه العملية ستجعلك تربح

ساعات وساعات»/ «ليس لدي وقت أمنحك إياه»، وغيرها. والأمثلة الاستعمالية التي استشهدا بها صحيحة في دلالتها على استعمال استعاري، ولكنها ليست صحيحة في دلالتها على أن النسق التصوري البشري نسق استعاري. ففي سياقٍ استعمالي آخر، على نحو ما فعل مؤلفَا الكتاب، يمكن أن ناحظ الشواهد الآتية: «صديقي قصير اليد»/ «نقي الثوب»/ «نظيف اللسان»؛ وهي تعكس تصوّرًا مسبقًا يربط بين «صديقي»

و«الاستقامة». وفي سياق تصوّري آخر يربط بين «فان» و«الانحراف»، يمكن أن ناحظ الاستعمالات

اللغوية الآتية: «فان عينه فارغة»/ «فان يده طويلة»/ «فان لسانه قذر». وفي سياق آخر يمكن أن ناحظ الاستعمالات الآتية: «سمير يركض كالبرق»/ «سمير كالصاروخ»/ «سمير كالريح»، وهي استعمالات تعكس التصور: سمير سريع، والأمثلة كثيرة بعد ذلك. وهذه الاستعمالات إما كنائية (في المثالين الأول والثاني) أو تشبيهية (في المثال الأخير)، ولا يمكن القول بناءً على هذه الاستعمالات: إن النسق التصوري البشري نسقٌ كنائيّ أو نسق تشبيهيّ؛ لأن

الاستعمال اللغوي خيارٌ مفتوح على احتمالات متعددة ترتبط بطبيعة اللغة وطبيعة المستعمِل معًا. والمسألة في أصلها لا تقوم على نسق تصوّري استعاريّ أو كنائيّ أو تشبيهيّ، إنها في الحقيقة قائمة

على نسق تصوّري إسنادي مُضمَر في نفس المتكلم، يُسند إلى الشيء المعنيّ خبرًا يتعلق بعاقة، أو

حكم أو فعل أو غير ذلك، تعكس موقف الذات من الشيء، وطريقة تصورّها له. ولعل هذا ما قصده

التفتازاني حين أشار إلى أن الكام «لا محالة يشتمل على نسبة تامّة بين الطرفين قائمة بنفس

المتكلم». فأصل الإخبار؛ أي إخبار، قائم على عاقة إسنادية مضمرة في نفس المتكلم، على حد تعبير التفتازاني.

(((1 المرجع نفسه، ص.23–21 (((1 المرجع نفسه، ص.22 (((1 المرجع نفسه، ص.25 (((1 مسعود بن عمر التفتازاني، مختصر المعاني (علم المعاني – علم البيان)، مع حاشية شيخ الهند محمود حسن، مج 1 (الباكستان: مكتبة البشرى، 2010)، ص.77

وبالعودة إلى المثالين اللذَين ضربهما المؤلفان هناك تصورٌ إسنادي عميق مُضمَر في نفس المستعمِل

يسند الحرب إلى الجدال (الجدال حرب)، ويسند المال إلى الزمن (الزمن مال)، وفي الأمثلة الكنائية والتشبيهية هناك تصور إسنادي عميق مضمَر أيضًا يسند الاستقامة إلى الصديق (الصديق مستقيم)،

ويسند الانحراف إلى فان (فان منحرف)، ويسند السرعة إلى سمير (سمير سريع.) وبناءً على ذلك، تغدو المسألة على النحو الآتي: إن النسق التصوري البشري نسق إسنادي، قد

نستعمل في أدائه أساليب صورية (استعارية أو كنائية أو تشبيهية)، وعلى ذلك تصبح المقولة: «الإسناد هو الذي نحيا به» على الحقيقة لا الاستعارة.

2. تحيزات المشهد الإسنادي

كان من الضروري أن نمهّد بهذا التفريق بين النسق الاستعاري والنسق الإسنادي، لأنه سيكون دليل نا

للخوض في الاستعمالات التصويرية المتناثرة في المدوّنة السردية (الروايات الثاث) المعنيّة بالدراسة،

لا سيما تلك التي تُبنى على تصور إسنادي يجعل أحد ركنيه النسق المدني أو النسق الريفي؛ فمن خاله يمكن أن نحفر داخل السطح الظاهر للصورة، لنبحث عن الدلالات العالقة تحت الدلالة

المباشرة، التي تعكس، حقًا، موقف المستعمِل وتحيّزاته. في الفضاء السردي لرواية لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة يقع القارئ على عدة صور دالة، تعبر عن العاقة بين نسقَي المدينة والريف، وتشي بحجم التحوّل العنيف الذي ترصده الرواية للعاقة بين

كا النسقين في المجتمع السوري، والتحيّزات المرافقة لهذه العاقة. ففي الصفحة الثانية تشرع الأم (أم الراوي) في حكاياتها الأثيرة عن زمن قديم لا تزال بقاياه قابعةً في زوايا الذاكرة، فتصوغ مشهدًا تصويريًا قائمًا على بنية تشبيهية واضحة: • «تستعرض صور متظاهرات يُشبِهن ثمار قطن غير مقطوف، ناصع البياض تحت شمس غاربة» في هذه الصورة التي تمثل زمن الحريات والمظاهرات العفوية يستعين الخيال لتشكيل صورته بمواد/ عناصر من الريف والمدينة؛ ليصنع مشهده الخاص للحرّية النقية، فيُشك ل صورةً قوامها المتظاهرات

(نساء المدينة – المشبه/ المسند إليه)، و (ثمار القطن غير المقطوف، تحت شمس غاربة/ الريف – المشبه به/ المسند). فالحيز الإسنادي الكبير/ المشهد هنا يقوم على سياق إسنادي واحد فقط، يضمر عاقة إسنادية واحدة مفادها: المتظاهرات نقيّات/ طاهرات. يقوم التصور الذي تعبر عنه الصورة على

ركنين (المتظاهرات، وثمار قطن غير مقطوف ناصع البياض تحت شمس غاربة)، والعاقة بينهما قائمة على إسناد الركن الثاني إلى الأول، ومن الممكن ماحظة أن رُكنَي الصورة إيجابيان، فالتظاهر

(الركن الأول) حالٌ إيجابية تدل على مجتمع صحيح، تُمارِس فيه الجماعة حريةَ التعبير عن الرفض، أو التعبير عن القبول. وهي حال مدنية محضة، لا تكون إلا في المدينة، ولا يمارسها إلا مجتمع مدني

(((1 خليفة، ص.8

صحيح. ويقوم الركن الثاني على تفاصيل مستقاة من النسق الريفي، حيث ثمار القطن التي لم تُقطع، ولا تزال الحياة تسري فيها، وهي ناصعة البياض، لا تشوبها أي شائبة، ولا يأتيها العكر من أي جهة. والمشهد كله يقع تحت ظل شمس غاربة، تمنح صورة ثمار القطن البيضاء ألوانًا من الزرقة المشوبة بالحمرة، فيكتمل بناء المشهد الجمالي، ويصل المسند إلى مبتغاه في تقديم صورة إيجابية جمالية عن المسند إليه (المتظاهرات). تُعبّر الصورة إذًا عن فعل إنساني ذي بعد اجتماعي سياسي (فعل التظاهر)،

تمّت صياغته بصورة تلتقي فيها مكوّنات الريف والمدينة معًا، في حال تجاورية تصالحية إيجابية تشي

بالانسجام والتناغم، وكأن هذه الحال الصحية (فعل التظاهر) ما كانت لتكون لولا هذا التجاور المنسجم بين المرجعين الأساسيين للصورة (الريف والمدينة). في حين يمكن أن ناحظ غير بعيد عن المشهد الأول صورةً أخرى مختلفةً تمام الاختاف عن سابقتها، تعكس زمنًا آخر غير ذاك الزمن

الماضي الجميل؛ فحين حصل الانقاب في سورية بقيادة حزب البعث، واستولى ضباط ه على مبنى الأركان والإذاعة والتلفزيون، وبثوا بيانهم الأول، كانت الأم نفسها في المستشفى تضع مولودها الأول، ورصدت مشهد اقتحام الجنود ممرات المستشفى: • «أصبح المكان خربةً تلتهم بغالُ العربات المتوقفة أمام باب سوق المدينة حشائشَ حدائقِه» في هذا المشهد يمكن أن نرصد ملمحيْن مهمين؛ أولهما أنه، كسابقه، يمثل كلٌّ من النسق الريفي

والنسق المدني مرجعين أساسيين لمكونات صورته؛ فالبغال مكوّن ريفي، وحدائق السوق مكوّن

مدني. وآخرهما أن العاقة بين مكونات الريف والمدينة في الحيز/ المشهد ليست عاقةً بين كيانين متجاورين لا تجمعهما مساحة مشتركة يتداخان فيها، كما هي الحال في الحيز/ المشهد الأول المبني على صورة تشبيهية؛ حيث المشبه في ركن، والمشبه به في ركن، وبينهما وجه شبه – بين المتظاهرات والقطن – هو النقاء والفطرية والطهارة، بل العاقة بين المكوّنين في هذه الصورة قائمة على الالتحام

وتداخل المساحات؛ لأنها صورة كنائية؛ فالمشهد عبارة عن صورة متحركة تتمثل في التهام البغال (مكوّن ريفي) حشائش الحديقة (مكوّن مدني)، كناية عن الخراب الذي أصاب المدينة. في هذا المشهد ثمة استثمار واعٍ لتقنية المُعادِل الموضوعي المتمثّل في العاقة بين البغال، التي

سيطرت على المشهد، وهي تأكل حشائش الحدائق، وتحوّلها إلى أماكن خربة، وبين ظهور حزب

البعث وسيطرته على المدينة السورية، بصفته قائدًا للبلد، وموجهًا لحركة المجتمع. فالمشهد تشك ل

بعد أن سمعت الأم أن حزب البعث قام بانقاب وسيطر على المدينة. ومن هنا نستطيع القول إن الخراب الذي يمثله المشهد مبني على خللٍ ما طرأ على العاقة بين الريف والمدينة. فالمتصور الأساسي الذي بُني عليه المشهد يقوم على إسناد مضمر (الريف خرب المدينة)، ولكن

التعبير اللغوي الذي استُعمل لنقل هذا التصور من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل صاغ مكوناته من تفاصيل النسق المدني والنسق الريفي، ليؤكد المتصوَّر الأصلي الذي يجعل من تفاصيل النسق الريفي

سببًا في تفشي الخراب في المدينة.

(((1 خليفة، ص.25

تدفع المقارنة بين المشهدين إلى استنتاجٍ مفاده أن جزءًا أساسيًا من جمال الزمن القديم يتمثّل في

وضوح حدود مكوِّنَيه (الريف والمدينة) وثباتها، وفي طبيعة عاقة التجاور المكاني القائمة بينهما، لأن

الصياغة اللغوية التي استُعملت للتعبير عن ذلك التصور بُنيت على التشبيه الذي يحافظ للركنين

(المشبه والمشبه به) على مساحتهما من دون اختاط، وأن جزءًا أساسيًا من خراب الزمن الحاضر

يكمن في أن حدود مكوّنَيه (الريف والمدينة) أصبحت متداخلة زئبقية ومرنة، استطال فيها الريف على

جغرافية المدينة، فأحالها خرابًا، بعد أن التهمت بغال ه حشائشَ حدائقِها، لأن التعبير الكنائي (بالمعنى

الواسع للكناية) الذي استُعمل للتعبير عن هذا التصوّر لا يحافظ لركنيه على حدودهما واستقالهما.

ومن المهم الإشارة إلى أن بداية هذا الخلل القائم بين النسق المدني والنسق الريفي تزامنت مع ظهور حزب البعث وتغلبه على السلطة في المجتمع السوري. ولذلك جاء مشهد البغال التي أكلت حشائش الحديقة بعد الإشارة إلى اقتحام الضباط المستشفى، وفي ذلك إشارة أخرى إلى أن السارد يرى في الضباط الذين يمثلون حزب البعث شكلً من أشكال مكوّنات النسق الريفي؛ فكما شوّهت البغال

الحديقة شوّه ضباط البعث وجه المدينة. والطريف في الصورة الاحتمالات الدلالية التي يتيحها

استعمال الفعل «تلتهم»؛ فخراب الحديقة جاء نتيجةً لالتهام حشائشها، وهي المكون الأساسي الذي يمنح الحديقة هويتها (الحشائش: البساط الأخضر)، وفي المقابل فإن خراب المدينة سيرتبط أيضًا بالتهام ضباط البعث المكوّن الأساسي الذي يمنح المدينة هويتها: نسقها المدني، وهذا فضل عن

الإحالة المتضمنة في الفعل «التهم» التي تدل على معاني النهب والاستياء والاستحواذ، وغير ذلك. وعندما يوغل السرد في بناء عاقاته الجديدة بين النسق الريفي والنسق المدني يفاجئنا النص بصورة جديدة: • «تقول أمي إن المخبرين سكنوا أوراق الشجر» تقوم هذه الصورة على ركنين أساسيين: «المخبرين» (مكوّن مدني)، و«أوراق الشجر» (مكوّن ريفي)،

والمتصوَّر الذي تعكسه هذه الصورة المركبة (الكنائية الاستعارية) يقوم على عاقة إسنادية بين الشجرة

والبيت؛ بسبب الدلالة الواضحة للفعل «سكن» المقترن بالشجرة، وعاقة إسنادية أخرى عميقة بين

المخبرين والريف تدل عليها الصورة بجملتها؛ فلأن الشجرة، في المتصور الأساسي، أ سند إليها البيت غَدت إذًا قابلة للسكن، ولأن الشجرة/ البيت تفصيل ريفي خاص بالنسق الريفي، الذي جلب الخراب

إلى المدينة، فستكون إذًا منزلً للمُخبرين، بناء على العاقة الإسنادية الثانية. يمكن أن يتضح القصد من هذه الصورة إذا ما قارناها بصورة أخرى مسكوت عنها، ولم تظهر في النص؛ إذ اعتاد السوريون أن يقولوا، في مثل هذه الحال، للتعبير عن وجود المخبرين في كل مكان: «الحيطان لها آذان»، ولكن السرد الروائي عدل عن هذه الصورة؛ لأنها تجعل مكان المخبرين في الحيطان، والحيطان مرتبطة ببيوت المدينة؛ أي إن هذا التعبير يحمل تحيّزات عميقة ضد النسق

المدني، ولذلك عدل عنه السرد الروائي؛ لأن السرد هنا يقوم على متصوّر آخر، يتحيّز إلى المدينة ضد

(((1 خليفة، ص.154

الريف، فاختار صورة المخبرين الذين يسكنون ورق الشجر، ليكون النسق الريفي هو الحاضن للمخبرين لا النسق المدني، وهذا استجابة لعاقة الإسناد الكبرى المضمرة في المشهد، التي تعد هي محور المشهد ومحركه، تلك التي ترى أن الريفي مُخبِر. وفي مشهد آخر تقول الأم، وهي الشخصية المحورية للعائلة المدنيّة، عن الفاحات: • «فاحات ميدان أكبس، حين يأتيهن الطلق، يتمددن بهدوء في حقول الرمان ويلدن، بمساعدة رفيقاتهن، يقطعن حبل السرة بسكين متثلّمة، أو حجر، ويكملن أحاديثهن عن مواعيد الحصاد القريبة» يقوم الحيز/ المشهد كلّه على تفاصيل ريفية لا مكان فيها لأي تفصيل مدني (الفاحات/ حقول الرمان/ الحصاد)، ولأنه كذلك يسيطر عليه مناخ ساخر حاد يستبطن موقفًا قيميًا سلبيًا واضحًا؛ ففي

السياق الإسنادي الأول: الفاحات يتمددن بهدوء ويلدن في حقول الرمان، وفي السياق الإسنادي الثاني: الفاحات يقطعن الحبل بسكين متثلّمة أو حجر، وفي السياق الإسنادي الثالث: الفاحات يكملن أحاديثهن عن الحصاد. فالتمدد الهادئ في السياق الإسنادي الأول يدل على أنهن لا يعطين فعل الولادة أي أهمية؛ فشأنه كشأن أي فعل آخر يومي يمكن أن يحدث أثناء العمل، وكل ما يقتضيه هو أن تتوقف الفاحةُ برهةً عن عملها في حراثة الأرض أو حصادها، وتقوم بفعل الولادة بهدوء لا يشوبه أي توتر، ثم تعود إلى عملها، كأن شيئًا لم يحدث. وليست الدلالة السلبية أصيلةً في الفضلة («بهدوء:» شبه الجملة)؛ إذ لم يكن هذا التعبير ليدل على تلك السلبية وحده، فقد يتمدد المريض بهدوء على سريره في المستشفى، وقد يتمدد المرء بهدوء على فراشه، من غير أن يثير هذان التعبيران أي تحيّز دلالي سلبي؛ ذلك أن تحيزات الفضلة لا تتشكل

إلا من خال شبكة الإسناد التي يصنعها السياق الإسنادي الكبير الذي يقع (الفضلة) في حيّزه، ولذلك

هو «فضلة». والذي أخذ بعناق الفضلة إلى التحيز السلبي في هذه الجملة إسناد الولادة والتمدد إلى الفاحات، وحصول ذلك كلّه في حقول الرمان. وهذا الاشتباك الإسنادي هو الذي حوّل الفضلة إلى

بؤرة مولدِّة للتحيّز السلبي. وفي السياق الإسنادي الثاني تقوم الفاحات بقطع الحبل السري بسكينٍ وُصِفت بأنها «متثلّمة»، الأمر

الذي يستحضر صفات أخرى غائبة (حادة أو نظيفة مثلً)، على نحوٍ يدفع إلى مقارنة الحاضر (متثلمة) بالغائب (حادة)؛ فيظهر الفرق الكبير بين قطع الحبل بوساطة سكين متثلمة، وقطعها بوساطة سكين حادة، ولا سيما في سياق شبكة إسنادية كبرى تتعلق بارتباط الفضلة الموصوفة (الجار والمجرور

والصفة: بسكين متثلمة) بفعل القطع الذي أ سند إلى الفاحات، وارتباط ذلك كله بالحيز الذي يقع فيه السياق الإسنادي، أي المشهد كله، فمن خال ذلك كله يتضح المراد من العاقات في الإسناد

(((1 خليفة، ص.24

الثاني؛ وهو الإشارة إلى حس الإهمال المركوز في طبائع فاحات ميدان أكبس الذي دفعهن إلى استعمال السكين المتثلمة التي يحصدن بها من أجل قطع الحبل السري للمولود، وهو أمر يختزن قدرًا

كبيرًا من الامبالاة والامسؤولية من جهة، ويختزن استهتارًا بالمولود، وتحقيرًا من قَدْره من جهة

أخرى. وإذا كان وصف السكين بال «متثلمة» أفضى إلى هذه الدلالة السلبية كلها، فكيف إذا كان فعل القطع قد تم بوساطة حجر بدلً من السكين (يقطعن حبل السرة بسكين متثلمة، أو حجر)؟ هنا يبدو الأمر وقد بلغ حدّه في الاستهانة بالولادة وبالطفل وبجوهر الحياة؛ إذ يستحضر الذهن صورة اليد وهي ترتفع بالحجر إلى الأعلى وتهوي به على حبل السرة لتقطعه، فيكتمل للمشهد حال الاستهتار التي أراد تعزيزها من خال عاقاته الإسنادية. وفي الإسناد الأخير للحيز الإسنادي الكبير نفسه (تكمل الفاحات أحاديثهن عن الحصاد على نحو طبيعي)، لا يبدو من الممكن فهم التحيزات الكامنة في هذا السياق الإسنادي ما لم تاحظ العاقات الإسنادية في الحيز/ المشهد كله، فالمسند (الفعل: يكمل) يدل على أن هناك أحاديث قد بدأت، ثم انقطعت لسبب ما، والمقصود به هنا فعل الولادة (الإسناد الأول) الذي قطع جريان الأحاديث التي كانت قد ابتدأتها الفاحات، وحين انتهت الولادة عادت الفاحات ليكملن أحاديثهن، وكأن العلة الطارئة التي انقطعت بسببها الأحاديث أقلُّ قيمةً من الأحاديث التي ابتدأتها الفاحات، بحيث استُبعدت تلك العلّة عن بؤرة الاهتمام، وعاد الحديث إلى مجراه الأول قبل العلّة الطارئة (فعل الولادة.) شاركت الفضلة (الجار والمجرور: عن الحصاد) أيضًا في تعزيز المفارقة المتشكلة عن السياق الإسنادي، فالأحاديث التي استُكملت بعد الولادة تتعلق بالحصاد؛ أي بجني ثمار البذل والتعب اللذين قدَّمتهما الفاحات للأرض. وتنشأ المفارقة من سؤال مركزي تثيره الفضلة في هذا السياق: أليست الولادة حصادًا من نوع آخر؟ أليست الولادة ثمرة تعبٍ وجهد بذلتهما الفاحة نفسها، على مدار تسعة أشهر كامات، عانت فيها ما عانت من السهر والتعب والحمى، وغير ذلك مما تعانيه

المرأة في حملها؟ وفوق هذا وذاك أليس المولود البشري أَولى بالفرح واستقطاب الأحاديث من ثمار تُحصد وتُؤكل، ويكون مصيرها مُخَلّفات البطون؟ وهنا تكتمل المفارقة ويحقق الإسناد تحيزاته التي

يريدها. وعلى ذلك أصبحت الدلالة العامة للحيز/ المشهد أن نساء الريف لا يلدن أولادهن باحترام يليق بولادة كائن بشري، ففعلُ الولادة في حد ذاته لا قيمة له لدى الجماعة التي تمثل النسق الريفي؛ إذ يبدو كأي فعلٍ عادي يجري كل يوم، تلد المرأة ابنها ثم تلتفت إلى صديقاتها، فتكمل الأحاديث التي كانت قد ابتدأتها قبل الولادة، ما يسلب الكائن البشري خصوصيته واحترامه إنسانًا أو كائنًا حيًا. وفي سياق آخر كانت الأم نفسها تحذر ابنها الذي تعدّه من أهل المدينة، فتقول:

• «إن رجال غليظي الشوارب يتربّصون بالأطفال الصغار الغضّين كأوراق الخس، لاغتصابهم في

حقول الكرز الموحشة» يقوم هذ الحيز الإسنادي/ المشهد أيضًا على النسقين الريفي والمدني بصفتهما مرجعين أساسيين لتوليد دلالته؛ ففعل «الاغتصاب» تفصيل يتعلق بالنسق المدني، أمّا «رجال غليظي الشوارب»،

و«أوراق الخس»، و«حقول الكرز»، فهي تفصيات تتعلق بالنسق الريفي. في السياق الإسنادي الأول ثمة رجال غليظو الشوارب يتربصون بالأطفال الغضين كأوراق الخس، وفي السياق الإسنادي الثاني ثمة أطفال يُغتصبون في حقول الكرز الموحشة. والذي جعل فعل «الاغتصاب» متعلقًا بالنسق المدني هو خلوّ النسق الريفي منه، فالاغتصاب فعل

مدني لا يكاد يعرفه النسق الريفي، لأسباب تتعلق بطبيعة كا المجتمعين الريفي والمدني. أما «غليظو الشوارب» فهم أقرب إلى النسق الريفي؛ فالغالب على رجال المدينة تشذيب الشارب أو حلقه، غير أن وصف «الغلظة» المتعلق بالشوارب وصفٌ متحيّز ذو دلالة؛ لأن اختيار «الغلظة» دون غيرها من

الإمكانات الوصفية (مثل «كثيفة»، و«عريضة»، وغيرهما) يدل على قصدية واضحة تتعلق بالدلالة السلبية الحافة بكلمة «غليظ.» وبين السياق الإسنادي الأول والسياق الإسنادي الثاني ضرب من التناقض الخفي من جهة الدلالات

التي تولدها مرجعيات التحيزات الدلالية، ففي الأول أ سند المشبه به (أوراق الخس) إلى المسند إليه المشبَّه (الأطفال الصغار)، فبدا أن الصورة متحيّزة إلى البراءة الغضّة الكامنة في صورة «أوراق الخس»

القادمة من النسق الريفي، وبذلك كان النسق الريفي مرجعيةً لتوليد تحيزات دلالية إيجابية. وفي السياق الإسنادي الثاني ناحظ أن الاغتصاب تم في حقول الكرز الموحشة، فالفضلة الموصوفة (الجار والمجرور والصفة: في حقول الكرز الموحشة)، هي المكان الذي هيّأ للمغتصبين تحقيق فعل

الاغتصاب، فبدا هنا أن النسق الريفي مرجعية لتوليد تحيزات دلالية سلبية. غير أن بؤرة الدلالة تكمن أساسًا في فعل الاغتصاب، لأنه حين يحدث لا يعود الأطفال غضين

كأوراق الخس. وعلى هذا يمكن القول إن الدلالة الأساسية للنسق الريفي في الحيز الإسنادي/ المشهد دلالة سلبية؛ ففعل «الاغتصاب» (العار الأخاقي) لا يكون إلا في «حقول الكرز» (الحيز الريفي)، ليصبح الريف في ذهن الطفل نسقًا لاأخاقيًا. وكان من الممكن أن تشير الأم إلى الحارات البعيدة، بدل من «حقول الكرز»، أو تشير إلى البيوت

المهجورة، أو تحذر أبناءها من الغرباء عامةً، بدل من التحذير من رجالٍغليظي الشوارب. ولكنها لم

تفعل واختارت بدلً من ذلك تخصيص فعل الاغتصاب بحقول الكرز، فحمَّلت المشهد دلالةً متناقضة

ذات تشويش عالٍ؛ فحقول الكرز صورة تستدعي الإحساس الجمالي المشهدي (حاسة البصر)، والإحساس الجمالي الحسي (ذائقة الطعم)، كما أن الذاكرة الثقافية الجمعية تربط صورة «حقول

(((2 خليفة، ص.15

الكرز» بكل ما هو جمالي، ولكن ارتباطها في السرد بفعل الاغتصاب فرّغ الصورة من محتواها،

ومارس عليها عنفًا دلاليًا طارئًا، نقلها من الجمال إلى القبح. ولا يكاد يختلف الأمر في رواية عمت صباحًا أيتها الحربعن سابقتها إلا في طرائق التمثيل؛ فعلى سبيل المثال تنفعل «نائلة» في وجه ساردة الحكايات «مها»، فتصرخ في وجهها: • «قَدِّرِي الظلمَ الذي وقع عليّ؛ أنا أضع الحجاب بطريقة قديمة، كأنني في قرية نائية... أبدو كامرأة

تركية قادمة من قرى أورفا البعيدة، ببشرة باهتة، ودون مال لتسريح شعري حتى، أو شراء العطور» في هذا الحيز الإسنادي الكبير سياقان إسناديان أساسيان؛ الأول إسناد تصويري قائم على التشبيه، ركنه الأول/ المسند إليه («أنا أضع الحجاب بطريقة قديمة»)، وركنه الثاني/ المسند («كأنني في قرية

نائية»)، والآخر إسناد تصويري أيضًا قائم كذلك على التشبيه، ركنه الأول/ المسند إليه (أنا/ حال ي فيِ جملة «أبدو»)، وركنه الثاني/ المسند («كامرأة تركية قادمة من قرى أورفا البعيدة»/ «ببشرة باهتة/» «ودون مال لتسريح شعري»/ «أو شراء العطور.)» تصف المتحدثة في السياق الأول، بعيدًا عن الإسنادات الصغرى داخل السياق، طريقة وضعها الحجاب على أنها طريقة قديمة، ثم تُشبّه حالها عندما تضع الحجاب على تلك الصورة بحال فتاة في

قرية نائية. ومرة أخرى يحضر النسق المدني والنسق الريفي بصفتهما مرجعين للدلالات الثقافية؛ فالمتحدثة (ابنة المدينة) تضع نفسها في مواجهة (ابنة القرية)، على أساس أن الحال قد انحدرت بها إلى درجة أنها أصبحت تشبه فتيات الريف، على نحوٍ يشي بانتقال من أعلى إلى أدنى. والذي مال

بالدلالة نحو هذا المعنى السلبي كلمتا «قديمة» و«نائية»، فالق دَم يعني عدم التواصل مع مستجدات العصر الحديث، والبقاء في إطار الماضي، والنأي يعني الانقطاع عن التطورات الحديثة وعدم مواكبتها. وفي السياق الآخر، تسند المتحدثة إلى نفسها مجموعة من الصفات، تتراكم معًا لتُشك ل سلسلةً من

المسندات، يُعزّز بعضها بعضًا؛ فهي أول امرأة تركية قادمة من قرى بعيدة، وفي هذا تعزيز للنأي الذي

مرَّ في السياق الأول، وهذه القادمة من القرى البعيدة تأتي ببشرة باهتة، ومن دون تسريح شعر، وبا

عطور، فيجتمع عندئذ النأي مع القبح والمرض (البشرة الباهتة)، مع الفوضى والإهمال (الشعر غير المسرح)، مع الرائحة القبيحة (افتقاد العطور). وهكذا تتشكل في الخيال صورتان متقابلتان؛ صورة حاضرة يشير إليها السرد بوضوح لفتاة ريفية قبيحة مريضة بشعر مجعّد ورائحة قبيحة، وصورة غائبة

يستحضرها السرد بغير إشارة مباشرة لفتاة المدينة الجميلة النضرة التي تعنى بلباسها وشعرها وعطرها. ومن هاتين الصورتين تبرز بوضوح تحيزات النسقين الريفي والمدني في السرد؛ إذ يبدو النسق الريفي مرجعيةً مرهونةً إلى أحكام قيمة سلبية، في حين ترْتهن مرجعية النسق المدني إلى أحكام قيمة إيجابية.

(((2 مها حسن، عمت صباحًا أيتها الحرب (إيطاليا: دار المتوسط، 2017)، ص.349–348

وفي رواية نظرات لا تعرف الحياء، ناحظ صورًا أخرى لا تكاد تختلف عن الصور الدالة في الروايتين

السابقتين؛ ففي حوار بين اثنين من أبناء المدينة يسوق أحدهما الصورة الآتية ليصف فيها كيف يُساق

الموظفون إلى المناسبات الحزبية: • «يسوقون الموظفين من الأرياف بالباصات يطبِّشوا مثل البغال... حوَشْ، يرددوا الشعارات ويُطبّلوا

ويصرخوا، كأنهم دَوابّ» في الحيز الإسنادي/ المشهد نسقان إسناديان لصورتين متشابهتين تقومان على نمط تشبيهي واحد، وتعكسان مُتَصوَّرًا متشابهًا أيضًا: النسق الإسنادي الأول مركّب، يسند فعل التطبيش إلى الموظفين

(«يطبّشوا»)، ثم يقوم بخطوة أخرى فيجعل التطبيش جزءًا من عاقة إسنادية جديدة يكون فيها مسندًا

إليه، بعد أن كان مسندًا في العاقة الأولى؛ وفي هذه العاقة الجديدة يُسند (البغال: مسند/ مشبه به)

إلى حال الموظفين (فعل التطبيش: مسند إليه/ مشبَّه)، فتصبح الصورة: إن موظفي الأرياف يطبّشون

مثل البغال، وهذه الصورة تتضمن عاقة إسنادية عميقة أخرى تقوم على إسناد البغال إلى موظفي الريف أنفسهم لا إلى أفعالهم؛ فتكون الصورة: موظفو الريف بغال. وتستبطن الصورة الأخيرة (موظفو الريف بغال) دلالة أخرى لا تقل أهمية، بل هي المرجع العميق الذي يحرك كل العاقات في هذا النسق الإسنادي؛ إذ ليس كل موظف بغل، فالأمر خاص بموظفي الريف فحسب، أما موظفو المدينة فمستبعدون عن هذه العاقة الإسنادية، وهذا يعني أن موظفي الريف استحقوا هذه العاقة الإسنادية لا لعملهم أو مهنتهم أو وظيفتهم، بل لأمر آخر يتعلق بانتمائهم إلى حيّز مكاني معين، أو بالأحرى إلى

نسق ثقافي مرتبط بحيز مكاني خاص، هو الريف؛ فإسناد «البغال» إلى الموظفين القادمين من الريف هو في الحقيقة إسناد إلى الريف بصفته نسقًا ثقافيًا، فتغدو الدلالة: الريف بغل/ الريفيون بغال. ولا يختلف النسق الإسنادي الآخر عن سابقه؛ فهو أيضًا نسق مركّب، يسند أفعال الترديد والتطبيل والصراخ إلى الموظفين («يرددوا الشعارات ويطبّلوا ويصرخوا»)، ثم يقوم بخطوة أخرى فيجعل هذه

الأفعال جزءًا من عاقة إسنادية جديدة يكون فيها مسندًا إليه، بعد أن كان مسندًا في العاقة الأولى؛

وفي هذه العاقة الجديدة يتم إسناد الدواب (مسند/ مشبه به) إلى حال الموظفين (أفعال الترديد والتطبيل والصراخ: مسند إليه/ مشبَّه)، فتصبح الصورة: إن موظفي الأرياف يرددون ويطبلون ويصرخون

مثل الدواب، وهذه الصورة كسابقتها في النسق الأول تتضمن عاقة إسنادية عميقة تقوم على إسناد الدواب إلى موظفي الريف أنفسهم لا إلى أفعالهم؛ فتكون الصورة: موظفو الريف دواب. وتستبطن الصورة الأخيرة (موظفو الريف دواب) دلالة أخرى تتطابق مع تلك التي أشرنا إليها في النسق الأول، ونتيجتها لا تختلف عن سابقتها؛ ومفادها أن إسناد الدواب إلى الموظفين القادمين من الريف هو في الحقيقة إسناد إلى الريف نفسه بصفته نسقًا ثقافيًا، فتغدو الدلالة العميقة: الريفيون

دواب.

(((2 محمود الجاسم، نظرات لا تعرف الحياء (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2015)، ص.133

وهذه المرة أيضًا تتشكل عناصر الصورتين في الحيز الإسنادي/ المشهد من النسقين المدني والريفي؛ ف «الوظيفة» صفة مدنية، ولكنها تُنسب في الحيز الإسنادي إلى أبناء الريف، أما البغال والدواب

فعناصر تنتمي إلى النسق الريفي. وياحَظ أن مستعم ل الصورة (ابن النسق المدني: «أصحاب

المحات والتجار في حلب») سعى قاصدًا إلى نسبة الوظيفة إلى الريف؛ حتى لا يتعلق إسناد البغال بالموظف عامةً، فينال موظفَ المدينة شيءٌ من هذا الإسناد، فخصص الوظيفة بابن الريف

(الموظفون من الأرياف). وكما هو واضح، تعكس الصورتان موقفًا واضحًا من النسق المدني تجاه

النسق الريفي؛ إذ بدا النسق الريفي مرتبط ا بالبغال ثم بالدواب التي هي أخس منزلةً من البغال في حكم القيمة. وفي صورة أخرى كنائية بوضوح، من الرواية ذاتها، يقول أحد أبناء الريف المنتمين إلى حزب البعث: • «لولا الرفيق أبو باسل ما تعلمنا ودرسنا وحطّينا كرافيتات» فحافظ الأسد (أبو باسل) هو الذي ألبس أبناء الريف «الكرافيتات» (ربطات العنق)، وهو الذي منحهم العلْم. والإشارة هنا إلى لبس «الكرافيت» كنايةٌ عن المكانة الاجتماعية المرموقة التي نالها أبناء الريف. وفي هذه الصورة المركّبة مُتَصوَّران يقومان على إسنادين مضمرين: الأول: إسناد فضل التعليم،

والدراسة، والمكانة المرموقة إلى المسند إليه (حافظ الأسد)، ويتشكل من هذا الإسناد دلالة عميقة مفادها أن الرفيق أبو باسل صاحب فضل! ويقوم الإسناد الآخر على مُسند (لبس الكرافيتات)، ومسند

إليه هو الضمير «نا» في الأفعال: «تعلمنا»، و«درسنا»، و«حطينا»؛ والمقصود به «الفاحون». ويتشكل من هذا الإسناد دلالة عميقة أيضًا مفادها: نحن/ أبناء الريف أصبحنا محترمين، بسبب لبس الكرافيتات. وجرى التعبير عن كلتا الجملتين العميقتين في كا النسقين عبر صياغة كنائية دمجت المتصوَّرين معًا. ولا يختلف هذا الحيز الإسنادي/ المشهد عما سبقه من عاقات إسنادية، من جهة اعتماد عناصر الصورة فيه على النسقين الريفي والمدني بوصفهما مرجعين أساسيين لبنية المشهد ودلالته؛ فالضمائر في الأفعال «تعلمنا»، و«درسنا»، و«حطينا» تتعلق بالفاحين، وهم عنصر أساسي من عناصر النسق الريفي. أما كلمة «رفيق» بدلالتها الحزبية فعنصر مدني؛ لأن مبدأ التحزيب هو مبدأ يتعلق بالمجتمع المدني لا بالريف، والأمر نفسه ينطبق على «الكرافيتات»، فهي أيضًا عنصر مدني؛ لأن لبس «الكرافيتات» مرتبط بارتداء البدلات الرسمية التي تشيع بين أبناء المدينة، من المثقفين، أو المسؤولين، أو الأثرياء. وإذا ما أُخِذت المرجعيات المدنية والريفية بعين التقدير عند النظر إلى الدلالات العميقة الناشئة عن الحيز الإسنادي/ المشهد، يظهر بوضوح أن هناك تحيزًا واضحًا تستبطنه الدلالتان العميقتان اللتان

تمّت الإشارة إليهما في هذا الحيز الإسنادي؛ وهو تحيُّزٌ يُعلي من شأن النسق المدني، ويجعله قيمة

(((2 الجاسم، ص.133 (((2 المرجع نفسه، ص.34

في ذاته، أو مصدرًا للتقييم، على حساب النسق الريفي. ففي الدلالة العميقة الأولى (الرفيق أبو باسل صاحب فضل) يظهر أن صاحب الفضل على الفاحين «رفيق»، وهي صفة تُستعمَل بين منتسبي حزب

البعث العربي الاشتراكي، فصاحب الفضل «رفيق»؛ أي «حزبي»، والحزب عنصر مدنيّ، وبذلك

تصبح الدلالة المضمرة: النسق المدني صاحب فضل على النسق الريفي، فهو إذًا أعلى منزلةً منه. ولا يتوقف الأمر عند ذلك؛ فبالانتقال إلى الدلالة العميقة الأخرى: نحن أبناء الريف أصبحنا محترمين، بسبب لبس الكرافيتات، ثمة دلالتان مضمرتان على غاية من الأهمية، تقوّي إحداهما الأخرى؛ الأولى:

إن القول باكتساب أبناء الريف صفة/ قيمة الاحترام يُضمر اعترافًا بأنهم لم يكونوا قد اتصفوا بهذه

القيمة من قبل. وهذا يعني أن «الاحترام» طارئ على النسق الريفي وليس أصل فيه. وفي ذلك ما فيه من تحيّز واضح للنسق المدني الذي منحهم هذه القيمة بعد أن كانت مفقودة لديهم. وإذا انتقلنا إلى

السبب الذي منح النسق الريفي صفة/ قيمة الاحترام سنجد أنه «لبس الكرافيتات»، وهو عنصر مدني أيضًا، وهنا تظهر الدلالة المضمرة الأخرى: إن الذي منح النسق الريفي صفة/ قيمة الاحترام هو النسق المدني. فلولاه لبقي النسق الريفي با «احترام»، إن صح التعبير. ومن الافت للنظر أن الطريقة التي حاز بها النسق الريفي الاحترام كانت عبر تقمصه أو تقليده لمكوّن

مدني (لبس الكرافيتات)؛ على نحوٍ يعني أن الاحترام في الحقيقة مخصوص للكرافيتات «المكون المدني»، وليس لابسيها من أبناء الريف، فلو خلعوها زال عنهم الاحترام. وينشأ عن هاتين الدلالتين المضمرتين معنى كُلّي يتشكل في ذهن المتلقي، ويعكس جوهر العاقات الدلالية كلها، وهو الإشارة إلى أنه لا غَناء للنسق الريفي عن النسق المدني، فالعاقة بينهما عاقة تابع

(النسق الريفي) بمتبوع (النسق المدني)، متخلف (النسق الريفي) بمتقدم (النسق المدني)، مُعطٍ (النسق المدني) بآخذ (النسق الريفي)، مقيّم (النسق المدني) بمقيَّم (النسق الريفي)، وغير ذلك. ولعل من الدلالات الأخرى التي يستبطنها هذا الحيز الإسنادي/ المشهد الإشارةَ إلى العاقة الوثيقة بين أبناء الريف والسلطة الحاكمة، سلطة حزب البعث، وتسويغ ولاء النسق الريفي للسلطة الحاكمة، لأنها منحته مكانةً خاصةً كانت محصورةً بأبناء النسق المدني (لبس الكرافيتات)، ونقلته من حيز الهامش إلى حيز جغرافي ثقافي اجتماعي كان بمنأى عنه، هو الحيز المدني. يمكن القول، ختامًا، إن العاقات والدلالات المشتبكة والمركبة في مشاهد التصوير الإسنادي الذي

استعملته النصوص السردية تعكس في بنيتها العميقة موقفًا نسقيًا واضحًا ضد النسق الريفي، وسبب

هذا الموقف السلبي هو تحول النسق الريفي إلى أداة تنفيذية للسلطة/ لحزب البعث الحاكم ضد مصالح النسق المدني. وما تلك الصور والدلالات السلبية التي أنيطت بالنسق الريفي من قبل النسق المدني إلا آلية من آليات الانتقام أو الدفاع عن النفس مارسها النسق المدني ضد النسق الريفي، ليس بصفته نسقًا مختلفًا طبقيًا، أو مناطقيًا، بل بصفته ممثلً للسلطة/ لحزب البعث الحاكم.

المراجع

حسن. مج 1. الباكستان: مكتبة البشرى،.2010 الجاسم، محمود. نظرات لا تعرف الحياء. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2015

[د. ت.]

دار توبقال،.2009 حسن، مها. عمت صباحًا أيتها الحرب. إيطاليا: دار المتوسط،.2017 خليفة، خالد. لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة. بيروت: دار الآداب،.2013

العلّ. ف، أحمد حلمي دمشق في مطلع القرن العشرين. دمشق: دار دمشق،.1983

الإسامي،.1996

References

التفتازاني، مسعود بن عمر. مختصر المعاني: علم المعاني–علم البيان. مع حاشية شيخ الهند محمود

الجرجاني، علي بن محمد. التعريفات. تحقيق محمد صديق المنشاوي. القاهرة: دار الفضيلة،

جونسن، مارك ولايكوف جورج.الاستعارات التي نحيا بها. ترجمة عبد المجيد جحفة. المغرب:

الزمخشري، أبو القاسم. المفصل في علم العربية. تحقيق فخر صالح قدّارة. عمّان: دار عمار،.2004

المسيري، عبد الوهاب [وآخرون.] إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد. تحرير عبد الوهاب المسيري. سلسلة المنهجية الإسامية (9). الولايات المتحدة الأميركية. المعهد العالمي للفكر