في أولوية الفهم على المنهج
On the Primacy of Understanding Over Method
الملخّص
* مفكر عربي، المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
عقده المركز أيام 24–22 آذار/ مارس 2019، والمخصص لموضوع مناهج البحث.
** النص الكامل للافتتاحية التي قدمها الدكتور عزمي بشارة في افتتاح الدورة السابعة لمؤتمر العلوم الاجتماعية والإنسانية الذي
Abstract
An analytical approach based on theory is a worthy methodology in the social sciences and humanities. The problem of research in our cultural context is not in the discussion of technicalities, such as technology, statistics, mathematics, etc., tools that can be used and developed in any context. Theoretical interest in the socio-economic and cultural context of the societies studied is necessary for methodological development. Most social sciences and humanities theories have developed in different stages of time, places, cultural contexts and in light of studies of other societies. Undoubtedly it is useful to utilize these studies, but with objective criticism. But most discussion around methodology revolves around the subject external to the context that it is supposed to address. The overlap of disciplines in fact is an overlap of methodology, i.e. different approaches to the interpretation of the phenomenon, because the perspectives of different disciplines produce different approaches of the subject under discussion. Theories in the structure of reality in a specific area establish a method or approach in the study of these areas. The challenge is clear for theoretical production through research. This is the achievement of useful analytical approaches and methods for understanding societies and relationships between humans and their cultural and spiritual world in the specific context in question.
- الفهم
- المنهج
- التفسير
- المصطلح
- العلوم الإنسانية والاجتماعية
- Understanding
- Methodology
- Interpretation
- Terminology
- Social Sciences and Humanities
سبر ذاتي
اسمحوا لي أن أستهل هذه المقالة الافتتاحية بتنقيب ذاتي ديكارتي، وذلك على الرغم من ملاحظتي، من خلال قراءة الأوراق المقدمة إلى المؤتمر، أن الرجل لا يحظى بشعبية كبيرة في هذه القاعة.
أولا
إنه لامتياز كبير أن يتمكن الباحث من إعفاء نفسه من النشر لغرض النشر، وأن يكون قادرًا على التحرر من مثل هذا الدافع لعمله، وأن يكون حافزه للبحث والاكتشاف والفهم في العلوم الاجتماعية، وحتى لحب الاستطلاع ذاته، دوافع قيمية ذات معنى في حياته وحياة الآخرين. وربما يدفعني إلى ذلك حب الاستطلاع مغلفًا باعتبارات أسمى من مجرد الفضول. وبداية، لا أجد منهجًا يحكم التفكير في اختيار موضوع بحثي. فربما حفزني لاختيار الموضوع حدس عقلي بوجود خطأ في التفسيرات الرائجة لظاهرة معيّنة أو سوء استخدام لمفهوم ما؛ أو رغبتي في تنوير الرأي العام ودفعه للتفكير في موضوع أعتقد أنه مهم؛ وربما يكون ما يحثني عليه غايات مدفوعة بمواقف قيمية بحتة مثل تقديم العون بلورة الوعي بعملية التحول الديمقراطي؛ لأنني مؤمن بحاجة مجتمعاتنا إليها، أو فهم دور الجيش في السياسة، أو فهم أفضل لظاهرة الطائفية، أو تدقيق معنى العلمانية والعلمنة أو تحديد معنى الحرية في السياق الحضاري الذي أعيش فيه، وغيرها. حال مباشرتي العمل على بحث ما، يمثُل أمامي الفرق بين معالجة مفهوم أو أكثر من المفاهيم والمصطلحات المستخدمة في الفلسفة أو في العلوم الاجتماعية والإنسانية وبين تناول الظاهرة الاجتماعية أو الإنسانية ذاتها التي يُفترض أن تساعدني المفاهيم في فهمها وتفسيرها. ويعود تفضيلي البدء بمصطلح أو مفهوم قائم في العلوم الاجتماعية وصولً إلى تحليل الظاهرة إلى أني قادم إلى العلوم الاجتماعية والإنسانية من الفلسفة. أقوم بهذا التمييز، على الرغم من أني أدرك أن المسارين يتقاطعان خلال البحث. فالأبحاث في العلوم الاجتماعية والإنسانية ليست أبحاثًا نظريةً باشتقاق التعريف الواحد من الآخر في المنطق، أو حتى في الجهد النظري لبعض الفلاسفة في تحليل النصوص أو في السجالات في علم الأخلاق أو الجماليات من دون تطرق مباشر إلى الظواهر الاجتماعية ذاتها. فإذا بحثتُ مفاهيم مثل الدولة والعلمانية أو المجتمع المدني أو الطبقة أو الجماعة والمجتمع والمدينة والقبيلة والطائفة والسوق والديموغرافيا والقيم السائدة وغيرها، أو عزمتُ على تطوير مفاهيم جديدة أكثر ملاءمةً لتفسير الظواهر، فسأجدني في الحالتين وجهًا لوجه مع الواقع الاجتماعي للظواهر الاجتماعية. وللانطلاق في البحث من تحليل المفاهيم والمصطلحات القائمة في فضاء الأبحاث حول الظاهرة أفضلية بحثية منهجية ونقدية تمنح الباحث مدخلً سهلً، وفرصة لعرض هذه المصطلحات والمفاهيم
على الظواهر الاجتماعية، وفحص اشتغالها كجزء من عملية مزدوجة تشمل نقد المصطلحات والمفاهيم، وتحليل الظواهر في الوقت ذاته. يخطر ببالي أني جزء من الواقع الاجتماعي الذي أدرسه، أو أن لدي على الأقل موقفًا منه سلبيًّا وإيجابيًّا. وواقعة وجودي في السياق قد تعود على البحث بالفائدة عبر القدرة على فهم معانٍودلالات لا يفهمها من هو خارج السياق الحضاري المقصود، أو تعود عليه بالضرر إذا ما أمْلت عليّ في الفهم انحيازات، ليس فقط في اختيار الأسئلة بل أيضًا في انتقاء المعطيات، لكنّ الأمر يتوقف على كيفية التعامل معها. إن الوعي بهذه المسألة والجهد الذي سوف أبذله في مقاومة هذا الضرر الممكن عنصر أساسي فيما نسميه توخي الموضوعية العلمية. ليس بالضرورة أن تتناول الكثير من الدراسات في العلوم الاجتماعية الشائعة اليوم تحت هذا الاختصاص الواسع بالتحليل مفهومًا أو ظاهرةً ما، فهي أحيانًا مجرد سبر لأدبيات أو تلخيص كمّي لآراء الناس، أو سرد منظّم لوقائع اجتماعية تاريخية بناءً على وثائق كُشفت حديثًا، أو تفحّص لحالة ما أو غيرها من أنواع الدراسات المنتشرة. وحين أتحدث عن البحث العلمي في هذه الورقة، أقصد البحث في مفاهيم أو ظواهر اجتماعية، وليس أي نشاط من النشاطات البحثية المفيدة المتنوعة التي يقوم بها الباحثون في العلوم الاجتماعية والإنسانية. حين يكون الموضوع مفهومًا فلسفيًّا نظريًّا أو مفهومًا مأخوذًا من العلوم الاجتماعية، فإن البداية مراجعة الأدبيات حول الموضوع في محاولة لتحليل تاريخ المفهوم، وكيف جرى التوصل إليه، وإذا ما زال أداةً صالحةً في شرح الظاهرة التي يُفترض أنه يسهم في فهمها واستجلائها. وقد يفيد التحليل الفيلولوجي واللساني على أنواعه للمفهوم، كما يفيد تتبع مراحل نشوئه في تطور البحث العلمي، وسياقه التاريخي والظواهر الإنسانية والاجتماعية التي نشأت فيه، ليسهم في فهمها، وهذا يلزمه تبيين الجدل بين تاريخ الفكرة نفسها والسياق التاريخي الذي نشأت فيه كما نشأت لتفسيره. لا مفر من مواجهة الواقع الاجتماعي، سواءً أكان البحث في إحدى ظواهره وديناميكياته أم في مفهوم تحليلي يتناول إحدى ظواهره وأحد تحولاته. ما المنهج الذي سوف أستخدمه في تحليل الواقع الاجتماعي أو الظاهرة قيد البحث؟ أصدقكم القول أني لا أملك جوابًا قبل أن أخوض التجربة. وتعود إلى ذهني هنا مقولة كارل بوبر أنه ليس هناك منهج للاكتشاف، بل فقط منهج للإثبات أو قابلية التكذيب. يصح هذا كما يبدو على اكتشاف المنهج. فما من منهج لاكتشاف منهج البحث غير العقل السليم وتوافر فكرة ما عن النظريات القائمة. يتمحور بعض الأبحاث حول إثبات فاعلية منهج ما سبق أن درسه الباحث. وهذا ليس هدفي. يصح بالطبع العمل على إثبات صحة منهج ما ونفاذه في تمرين عقلي أو في إطار سجال حول المناهج، أو في اختبارات الترقي للأستاذية في بعض الجامعات، أو لتدريب طالب في اختصاصات العلوم. وكثيرًا ما تثبت صلاحية منهج ما في فهم ظاهرة ما، وهذا مفيد بالطبع، فهذا هدف النظرية التي ولّدته. كما
قد يثبت عدم صلاحيته، وعندها يصبح هذا الجهد مقدمة للبحث عن منهج جديد. وأحيانًا ينشأ انطباع لديّ أن بعض النقاشات لا تتم لأجل فهم الموضوع (أتحدث هنا عن الفهم بمعناه الواسع بغضّ النظر الآن عن الفرق بين الفهم والتفسير الذي تشدد عليه بعض المدارس) وإنما الهدف هو إثبات صحة منهج ما، ولا سيما حين يصبح المنهج مكوّنًا في أيديولوجيا ما. ولا فائدة من ذلك. والحقيقة أنه لا يوجد منهج صحيح ومنهج غير صحيح خارج الشغل البحثي في موضوع محدَّد. ولهذا أعتقد أن النقاش النظري حول المناهج، بعيدًا عن الجهد المبذول لفهم موضوع ما باستخدام نظريات في سياقات محدَّدة، هو نقاش محدود الفائدة، ومحصور بغايات مدرسيّة، أو نقاش فلسفي لا تتضح في النهاية أهميّته لمنهج البحث في موضوع عيني، مثل النقاش الذي شغل بعضَ الفلاسفة حول ما الذي يحتل أولويةً أو أسبقيةً إبستيمولوجية، تحليل البنية أم الصيرورة؟ وكأنه توجد صيرورات يمكن تحليلها إذا لم تكن لها بنية معينة، وكأن تحليل البنى يفيد بشيء إذا لم يكشف عن الصيرورات إليها ومنها، وديناميكياتها الداخلية. هذا النوع من النقاشات في رأيي ممكن فلسفيًا فقط، أما من يقوم بالبحث في موضوع محدَّد على نحو منهجي بالاستعانة بنظريات، أي يستخدم مناهجًا ولا يكتفي بالتنظير حولها، فيدرك أنه يستحيل بحثُ البنية من دون التطرق إلى الصيرورة، أو بحث الصيرورة من دون التطرق إلى بنيتها. إذا كان غرضي فهم ظاهرة اجتماعية أو تدقيق مفهوم من مفاهيم العلوم الاجتماعية، فمن الواضح أني أقوم بدايةً بعمليات فرز وتصنيف للظواهر باستخدام المفهوم ذاته الذي أقوم ببحثه، وذلك قبل أن أكتشف فاعليته أو قصوره. أما المنهج فلا يمكنني أن أقرره قبل المباشرة في البحث نفسه. أريد القول إن منهج البحث ليس شيئًا جاهزًا إلا في ما ننسّقه وننمّطه من أساليب في البحث لغايات مدرسية. المهم هو ما نصنعه نحن أو نتوصل إليه في عملية البحث نفسها، وهذه العملية هي التي تفرض منهجًا من النظريات القائمة أو تتطلب عدة مناهج، وربما تقود إلى التوصل إلى نظرية جديدة. والحقيقة أن ما يُسمى عربيًّا مناهجَ البحث، ويُدرَّس تحت هذا العنوان، ليس سوى أدوات وتقنيات لا غنى عنها في العلوم الاجتماعية. ولا مانع عندي أن تُسمّى مناهج، ما دام قد درج الاستخدام وفُهم أن المقصود هو أدوات وتقنيات. أما المناهج بالمعنى المستخدم في هذه المقالة، فهي مقاربات تحليلية مختلفة، وتفسيرات مختلفة للظواهر الاجتماعية تُقدِّمها نظرياتٌ مختلفة. المناهج في العلوم الاجتماعية، بموجب هذه المقالة، هي مقاربات في شرح ظواهر اجتماعية ناجمة عن عملية تنظير. ولذلك لا نجد في العلوم الطبيعية مثيلً للنقاشات القائمة حول هذا الموضوع في العلوم الاجتماعية، والتي تدور حول مقاربات مختلفة لشرح الظاهرة قيد الدراسة وفهمها وصياغة ما يميزها وما هو منتظم فيها. ورأيي أن أي نظرية لا تنتج منها مقاربة في فهم ظاهرة أو مجموعة ظواهر، أي لا ينتج منها منهج، ليست في الحقيقة نظرية علمية. قد تكون فكرة أو رأيًا فلسفيًّا أو غيره، لكنها لا تستحق أن تسمى نظرية. وثمة استخدام للفظ «النظرية» في وصف أيديولوجيات معينة والمقاربات التي تترتب عليها، لا أشملها في هذا التوصيف، ولا مجال لتناولها في هذا المقام. إن النظرية العلمية
نسق من مقولات عامة متماسكة منطقيًّا عن ظواهر اجتماعيّة تكشف عن بنية متكرّرة، أو تبيّن علاقة ثابتة بين متغيرات، أي انتظامًا ما في العلاقة بين متغيرات؛ وينجم عنها مقاربة أو منهج في شرح مميزات الظاهرة وشروط وجودها وتوقع مسارات تطورها. قد تساعدني نظريات أعرفها، وسوف أضطر كما يبدو إلى الاطلاع على نظريات أخرى لكي أستخدم المقاربات المفيدة في تحليل البنى الاجتماعية والتطور التاريخي، أي المناهج المترتبة على النظريات. وبعد أن أبدأ باستخدامها، سوف أكتشف هل ساعدتني في تحليل الظاهرة، أم لا. وسوف أجد أني أحتاج إلى أدوات، إضافةً إلى المناهج. فتطبيق المنهج يحتاج إلى أدوات، تمامًا مثلما احتجت إلى أدوات القراءة النقديّة في التحضير للبحث من دون تفكير مسبق فيها، وكما قمت بمراجعة الأدبيّات وتصنيفها والمقارنة بينها قبل الشروع في البحث، سوف أحتاج إلى أدوات أخرى خلال العمل مثل الاستقراء والتحليل الإحصائي الكمّي إذا لزم، وربما أجد المعطيات الكميّة في أدبيات منشورة. وقد أضطرّ إلى القيام ببحث كمّي لإضافة ما ينقص أو لأغراض المقارنة. وقد لا أحتاج إلى التقنيات الكمّية على الإطلاق، بل إلى مقابلات معمقة مع أفراد فاعلين أو مشاركين أو شهود ومراقبين، أو لأسباب أخرى غير مشاركتهم في الظاهرة قيد البحث. وقد تكون المواقف والعواطف والأفكار والبنية النفسية هي موضوعات البحث، وعندها يصبح للمقابلة دور آخر وتستخدم فيها تقنيات وأدوات أخرى أشدّ تعقيدًا تخدم مناهج علم النفس وعلم الأعصاب وعلوم الدماغ البشري بصفة عامة. من الواضح إذًا أولً أنه في سلوكي البحثي يمتلك الموضوع وفهمه الأولوية، وهو يحدد المنهج الذي يلزمني (أو المناهج). وآمل أن أكون قادرًا على التوصل إليه من تفاعل الأدوات العقلية المتوافرة لدي مع هدف الدراسة وموضوعها. فليس اختيار المنهج قرارًا مسبقًا أو انحيازًا مسبقًا إلى مقاربة ما. كما أني أميز بين المنهج من جهة، والأدوات والتقنيات من جهة أخرى.
ثانيًا
تتشكل لدي إذًا قبل الشروع في البحث فكرة عن الموضوع، كما تجمعت لدي معلومات بقدر ما، وربما أصبحت لدي مواقف إيجابية أو سلبية من الارتياح أو عدم الارتياح بشأن ما هو رائج حول الموضوع؛ ثم إني أمتلك حدسًا وتفكيرًا سببيًّا يمكنانني من التحليل قبل اختيار أي منهج. ليست القدرة العقليّة على الحدس والوصف والتحليل مناهج في البحث خلافًا للتسمية التي يطلقها عليها بعض الباحثين الذين يكتبون أنهم اتبعوا المنهج الوصفي التحليلي، مع أن الوصف والتحليل من الملكات والمهارات العقليّة وليسا منهجيْن بحثيين محدّديْن. وهذا شائع بكثرة في الأبحاث والدراسات في الجامعات العربية، بحيث لا يمكنك فهم ما يقصده الباحث ب «الوصفي التحليلي» بعد أن تحول هذا التقديم للبحث إلى كليشيه.
عندي بعض الحدوس حول خطأ مقولات أخرى وصحة مجموعة آراء مبنية على المشاهدة والقراءة، وقد تكون لديّ أيضًا دوافع قيمية لبحث الموضوع متوخيًا فائدة ما لمجتمع أو لقضية أؤمن بها، ولكني لا أستطيع أن أبني فرضيةً متماسكة يمكن إجراء البحث على أساسها قبل الشروع في العمل. وما ينشر في مستهل الأبحاث المنشورة عادةً على أنه فرضية، هو في الحقيقة نتيجة البحث التي صيغت باعتبارها فرضيةً للإثبات، بعد أن كانت في بدايته حدوسًا وترجيحات وربما أفكارًا مسبقة. وهذا يعني أن ثمة منهجًا في كتابة البحث وعرضه يختلف عن منهج البحث نفسه. إن الخلط بين أسلوب العرض ومنهج البحث هو مصدر ارتباك لكثيرين. فأنا لا أنشئ فرضية في بداية البحث. الفرضية نفسها هي نتاج مرحلة متقدمة من البحث نفسه. وقد يثبت خلال البحث أن الفرضية تدفعني للنظر إلى الظاهرة من زاوية غير مناسبة، أو أنها غير قابلة للإثبات أو الدحض، فأضطر إلى تعديلها أو تغييرها كليًّا. وربما تصبح مهمة البحث إثبات خطأ فرضية ما؛ ما يضعه في عداد الأبحاث السهلة غالبًا. عند عرض نتائج البحث في كتاب أو مقالة أو غيرهما، يضع كثيرون الفرضية في بداية البحث، مع أنها النتيجة التي توصلوا إليها مصوغة في إزار فرضية وموضوعة في بداية النص. وهي ممارسة تقليدية في عرض الأبحاث ليس لي موقف سلبي بشأنها، شرط أن ندرك أن هذه بداية عرض البحث بعد أن أنجز، وليست بداية عملية البحث نفسها. ربما أتعرض في الدراسة المنشورة إلى مسار البحث الذي بدأ بفرضية وانتهى إلى النتائج. فتُروى قصة البحث خلال عرض ما يُسمى المناهج التي استخدمت بصيغة: فعلت كذا وقمت بكذا لكي أتوصل إلى كذا. ودرج علماء الطبيعة على ذلك في نصوص أبحاثهم المنشورة، وبعض علماء الاجتماعيات والإنسانيات. لكن العرض في الكتب هو عادة بحث مقلوب. ولذلك فما نراه في الحقيقة في دراسة منشورة هو ليس بالضرورة ما استخدم للتوصل إلى الفرضية ثم إثباتها. ليس بالضرورة أن يكون منهج العرض هو منهج البحث. ويوجد ارتباك كبير في هذا الشأن، حين نقيم تحليلاتنا حول مناهج بحوث العلماء والباحثين على منهج عرضهم لبحثهم. صحيح أن لديّ فكرةً ما أو انحيازًا ما إلى صواب أو خطأ مقولات معيّنة، ولديّ بعض الحدوس والترجيحات، ولكنها لا ترقى إلى أن تشكل فرضيةً. لا بد من أن أبحث في الموضوع من أجل معرفة ما الذي يمكنني إثباته. ولا يبقى لي سوى أن أقارب موضوع البحث وأفكر فيه بمجموعة أدوات مخزّنة في عقلي، وهي أدوات عقلية استقرائية أو استنباطية، تحليلية وتركيبية، كما أني راكمت بعض المعارف عن الموضوع على خلفية مستقاة من أدبيات أو على خلفية دراسات قام بها آخرون. فلا أحد يبدأ من نقطة الصفر، وإلا فسوف يجد نفسه يخترع العجلة من جديد (وقد يخترع واحدة مربعة الشكل، مراهنًا على عدم القدرة على اختبارها في العلوم الإنسانية). هذه مركّبات العقلانية التي لا بديل منها بعد كل النقد الموجه إليها. إن استنتاج العقلانية الوحيد الممكن من موجات النقد الموجهة إليها هو فقط أن تتواضع وتعرف حدودها، إذ لا يمكنها أن
تلغي نفسها، كما لم يطرح أي نقد بديلً شاملً لها. وفي غياب بديل للتفكير العقلاني الذي يمارَس في الاشتقاق المتماسك لمقولات صحيحة من مقولات صحيحة أخرى واختبارِ صحتها باستمرار، كما يعتمد التحليلَ والاستنتاجَ ومحاولةَ فهم الظواهر من داخلها بالوصول بشكلٍ منضبط إلى تعميمات من الجزئيات مع تجنّب المغالطات على أنواعها؛ فإني مضطر إلى التصريح بأن البديل الوحيد للعقلانية هو نفيها البسيط المجرد الفارغ من المضمون، أي هو غير العقلاني. وهو غير معرَّف في حد ذاته، لأنه عمليات ذهنية معرَّفة فقط بوصفها غير عقلانية، ويصعب حصرها بغير توصيفات مثل «غير العقلانية» في وصف الاستنتاجات بالانتقال من مقولة إلى أخرى على نحو غير مترابط ومن دون الاكتراث لفحص صحة المقولات ذاتها، أو تنتقل من الجزئيات إلى التعميمات من دون قواعد من أي نوع، أو «اللاعقلانية» التي تحتل مساحة واسعة تمتد من افتراض قوى غيبية في الظاهرة حيث يعجز التفسير، ورواية قصص هذه القوى بدلً من التوصل إلى قوانين الظاهرة، وحتى مجرد الهذيان. عليّ إذا أن ألتزم ما أعتبره تفكيرًا عقلانيًّا، وألج في مجال البحث، قبل أن أقرر الفرضية والمنهج بعد. وإذا اتخذت قرارًا بشأنهما قبل البحث، فعليّ أن أكون منفتحًا لتغييرهما خلاله.
ثالثًا
كل نظرية تستحق هذه التسمية ينجم عنها منهج ما، أي مقاربة ما في فهم ظاهرة ما. أكرر ذلك لأني ألحظ، كما سبق أن ذكرت، إطلاق تسمية مناهج على الأدوات «الكمّية» و«النوعية» التي تُستخدم في تخصصات مختلفة. إن ما يُعتبر مناهج كمية مستقاة من الاستقراء الرياضي ونظرية الاحتمالات وعلم الإحصاء وغيره هو في الحقيقة أدوات تستخدمها المناهج. وامتحان هذه الأدوات هو فعلً أنها في حد ذاتها محايدة وعابرة للتخصصات التي تستخدمها وتعدِّل فيها باستمرار. وهذا غير تداخل التخصصات الذي يعني في الحقيقة تداخل المناهج المترتبة على النظريات المحسوبة على هذه التخصصات. وهذا هو الفرق بين «عبور التخصصات» و«تداخل التخصصات»، وللدقة «تكامل المناهج». فثمة تقنيات عابرة لبعض التخصصات مثل التقنيات الكمّية؛ لأن تخصصات مختلفة تستخدمها كما هي. ولكن هذا لا يغني عن تداخل التخصصات الذي يعني تكامل المقاربات/ المناهج لغرض تفسير ظاهرة ما وفهمها. ويمكن استخدام التقنيات في خدمة هذا المنهج أو ذاك، وفي إثبات هذه النظرية أو تلك. أما تداخل التخصصات، فلا يعني تداخل التخصصات العلمية والتي يتصورها كثيرون بوصفها أقسامًا في كليات جامعية، بل يعني تداخل نظريات مختلفة (ربما تكون محسوبة ضمن تخصصات مختلفة) وتقود إليه الحاجة إلى عدة مقاربات (مناهج) مترتبة على عدة نظريات عند بحث ظاهرة اجتماعية معيّنة تبعًا لتعقدها وتعدد جوانبها المختلفة وتراكبها في وقت واحد. وليس تكامل المقاربات النظرية هذا وتكاملها (المكنّى تداخل التخصصات) مبدأً قبليًّا، بل تتضح الحاجة إليه خلال البحث نفسه.
وأعتقد أنه لا طائل من وراء اتخاذ موقف من الأدوات والتقنيات؛ فالمقابلة المعمَّقة والإثنوغرافيا والمناهج الإحصائية هي أدوات يمكن أن تتطور باستمرار. ونقدها يتواصل عبر ممارساتها وتطويرها خلال استخدامها، أو تبيين عدم صلاحيتها ورفض استخدامها في بحث مواضيع معيّنة، أو إدخال تعديلات عليها. ويمكن في مراحل معيّنة أن تتولّد مكملّات أو حتى بدائل منها؛ أما اتخاذ موقف أيديولوجي منها، أو حتى موقف نظري، فهو نوع من العبث. تتعرض الأدوات والتقنيات بحكم تجربتها المستمرة إلى التعديل؛ والنقاش المستحق هو حول النظريات الاجتماعية التي تتولد عنها مناهج للدراسة. ومن هذا المنطلق يمكن التفكير إذا كانت الأدوات النوعية أو الكمية ملائمةً لهذه النظرية أو تلك. فمثلً بالغت النزعة العلموية التي اجتاحت العلوم الاجتماعية والإنسانية، واجتاحت حتى الدراسات الأدبية التي حولت ممارسة النقد فيها في مرحلة الاجتياح الكموي العلموي لها، النصَّ الإبداعي من جسد حي إلى جثة يجري تشريحها وتكميم كل شيء فيها. وما لبثت هذه النزعة أن غادرت الدراسات الثقافية والأدبية، وإن حل مكانها ما نصفه بمنهج ينقض التكميم لصالح تأويلات بلا ضفاف، يختلط فيها الذاتي بالموضوعي. وهذه النزعة التأويلية الرمزية Hermeneutical المستندة إلى نماذج فكرية اجتاحت بدورها لغة بعض الأبحاث في العلوم الاجتماعية، وميزت مدرسة التأويل في علم الاجتماع. يصبح النقاش حول هذه الأدوات ذا معنى، فقط من منظور نظرية في العلوم الاجتماعية والإنسانية يتولد منها منهج معين. ماذا أقصد بذلك؟ إذا تبنّينا نظرية التحديث مثلً في التاريخ الاجتماعي، والتي تتقاطع هي بذاتها وتتداخل مع نظريات أخرى مثل النظرية الوظيفية أو البنيوية أو حتى المادية التاريخية، تتولد منها مناهج في فهم بنية المجتمع وصيرورته، وفي صكّ مفهوم الحداثة وما يعنيه التحديث، وأهمية هذا المفهوم في تمييز مرحلة في تطور مجتمع من غيرها، وأثر ذلك في فهمنا لهذا المجتمع وحياته الفكرية وأعرافه السائدة ونظمه السياسية. وتتولد أسئلة من نوع: كيف أحدد ما إذا كان مجتمع معيّن قد مر بعملية تحديث أم لا؟ أيكون ذلك بإحصاء عدد أجهزة الراديو والتلفزيون المستخدمة في المنازل وتبين معدل دخل الفرد وانتشار التعليم ومعدل الأعمار، أم بتحديد لبعض القيم والعقليات السائدة عبر سبر الآراء؟ وهل تكفي الاستطلاعات لذلك؟ هل بحجم الطبقة الوسطى؟ وكيف يقاس حجم هذه الطبقة؟ وكيف تعرف؟ (هنا أحتاج إلى مقاربات نظرية في فهمها وفهم دورها). تترتب على مقاربة التحديث في فهم تطور المجتمعات حاجة إلى استخدام أدوات كمية ونقد لهذه الأدوات، هل هي كافية لتوصيف صيرورة التحديث وآثارها في بلد من البلدان؟ ولا يلبث أن ينشأ عن تشخيص عمليات التحديث في مجتمعات مختلفة والمقارنة فيما بينها أن ثمة «تحديثات» مختلفة ذات آثار متباينة للغاية، وأن مفهومًا جوهرانيًّا للتحديث من شأنه أن يطمس الاختلافات ويعوق فهم الظواهر. ويبرز ذلك بوضوح في علم الاقتصاد الذي اجتاحته بطبيعة الحال النزعة الكمّية، والميل إلى اعتبار العلم هو القدرة على وضع مقاييس كمّية لتشخيص كل ظاهرة بمضاديته لمفهوم الاقتصاد السياسي.
فتقدم الدراسات العلموية مؤشرات كمية مختلفة تشير إلى أن بنية الاقتصاد الكلي متوازنة و«سليمة» بموجب المعايير والمقاييس المعتمدة، بينما تندلع في هذه البلدان نفسها حركات الاحتجاج وثورات العاطلين عن العمل وانتفاضات المهمشين في عملية التنمية. وتعود مفاجأة بعض الاقتصاديين من التطورات إلى الاكتفاء بالأرقام والجداول الإحصائية وعدم أخذ عوامل أخرى في الاعتبار مثل ارتفاع منسوب التوقعات (تليها الخيبات) بعد تحسن الأوضاع الاقتصادية كميًّا، كما تعود إلى الخلط بين النمو الكمّي، الذي يمكن قياسه بأدوات كمّية، والتنمية النوعية التي يحتاج قياسها إلى وسائل أخرى. من المؤسف أن الأرقام في العديد من بلداننا وجهة نظر، وينتجها الخبراء في بعض البلدان لكل نظام بحسب متطلباته وفق «منهج علمي صارم» يدّعي العلمية من خلال استخدام الأدوات الكمّية. كل نظرية سواءً أكانت التحليل النفسي، أم السلوكية، أم نظريات اللسانيات، أم النظريات الاقتصادية المختلفة في النمو والتضخم والأزمات المالية، تترتب عليها مقاربات منهجية. فمثلًالمادية التاريخية ترشدني إلى أن الطريق لتحليل بنية المجتمعات تبدأ بتشخيص علاقات الإنتاج السائدة ودراستها وتحديد ما إذا كانت تعوق تطور قوى الإنتاج التي يفترض أن يختلف تعريفها في عصرنا عن عصر ماركس، وترصد مثلًالصراع الطبقي وطبيعة القوى المالكة لوسائل الإنتاج، وما يترتب على ذلك من علاقات حقوقية وبنى سياسية. وقد يُظهر التحليلُ قصورَ هذه النظرية عن التفسير. بيد أنه لا توجد نظرية تستحق تسمية نظرية لا يترتب عليها منهج في مقاربة المجتمع قابل للفحص عبر تجربته في تحليل الظواهر وفهمها. هذا ينطبق على العلوم الاجتماعية بصفة عامة. وتنبع الخشية من التطرف المضاد الذي يقود إلى التطبيق المنحاز سلفًا إلى هذه المناهج، فيقتصر على تكرار تطبيقي للنظرية من جانب باحث حوّل المنهج إلى أيديولوجيا. قل لي مثلً، ما موقف مستخدم النظرية النسوية من المجتمع؟ وسوف أخبرك بما سيقول مستخدمها عنه، أو ذاك! ويسري ذلك أيضًا على المنحاز إلى نظرية التحديث أو المادية التاريخية أو التحليل النفسي وغيرها. قد تؤدّي كلها دورًا مهمًا في إضاءة جوانب في الظاهرة قيد البحث حين يحتاجها الباحث، أما التعصب لها سلفًا قبل البدء في الدراسة، فيحول الدراسة إلى مجرد عرض تجريبي لصحة المنهج. الحال أفضل في العلوم الطبيعة (إذا كان من منهج يحكم عملها). فالاكتشاف العلمي مقاد بالحدس والتجربة والملاحظة والتجارب المخبرية وغير المخبرية ذات الإجراءات المنمطة والتي يحكمها «بروتوكول». وبعد صياغته في قوانين ومعادلات رياضية يصبح امتحانه في التطبيق. إن حالات فشل النظرية ونجاحها في العلوم الطبيعية أوضح بكثير منها في العلوم الاجتماعية. فليس في العلوم الاجتماعية ما يقرب من التكنولوجيا والطب وغيرها من التطبيقات العملية للعلوم الطبيعية. لكن من ناحية أخرى، فإن وظيفة النظرية والمنهج في العلوم الاجتماعية مختلفة تمامًا، ولهذا السبب تتعدد أيضًا النظريات والمناهج ويكثر النقاش حولها. فليس ثمة اكتشافات في العلوم الاجتماعية تقود إلى قوانين تصاغ بمعادلات رياضية فتجهَزُ للتطبيق. النظريات في العلوم الاجتماعية هي مناهج في
الفهم والتفسير، ولكن أي نظرية تشتمل على علاقة منتظمة بين متغيرات يفترض أن تقدم على الأقل أساسًا للتنبؤ العلمي.
تأملات في مسألة المنهج
أولا
عندما أبحث في موضوع معيّن لا أفكر كثيرًا في ذاتي بوصفها ذاتًا وفي الموضوع بوصفه موضوعًا. وربما أعتبر هذا الأمر معطى مفروغًا منه، فالذات والموضوع في حالة القيام ببحث هما طرفا معادلة الممارسة المعرفية، وليسا قطبين متقابلين في تنظير سابق لها. الفصل بين الذات والموضوع هو مسلمة إبستيمولوجية، ولا يقوم على افتراض واع لوجود فصل سوسيولوجي للظواهر الاجتماعية بين ذوات ومواضيع، أو أنطولوجي للوجود بصفة عامة بين ذات وموضوع. وأعتقد أن الانشغال بهذا الموضوع مشكلة هايدغر وتلامذته. في إمكاني أن أعتقد فلسفيًا أن الذات والموضوع غير منفصلين أنطولوجيًا، وأن الموضوع هو شكل وجود الذات في العالم من حولنا. ولكن لا يمكننا حتى التفكير في هذا نفسه، من دون افتراض أنطلق منه إبستيمولوجيًا بأنّ الذات تفكر في الموضوع وتدرسه ويمكنها أن تجعل ذاتها وذوات الآخرين موضوعًا للدراسة، بغض النظر عن مدى النجاح في ذلك والعوائق الأنطولوجية والإبستيمولوجية. إنها لا تجعل من ذاتها «موضوعًا» من دون مضاف إليه، فليس ثمة مواضيع قائمة بذاتها، بل موضوع للدراسة. كل موضوع هو موضوع لذات أو لذوات. من دون ذلك، لا يمكن حتى لهايدغر أن يتلذذ بتحيير قرائه بعد أن بذلوا جهدًا ووقتًا في الإجابة عن السؤال: هل من فائدة ترجى لنا كذوات من دراسة موضوع اسمه فلسفة هايدغر، غير تبادل الحديث والنقاش لغرض الاستمتاع بفكرة أن لا أحد غيرنا يفهم عما نتكلم، ولا سيما حين نترجم مصطلحاته إلى العربية؟ إن وجود ذوات أخرى، أي ذوات هي ليست أنا، ومع أنها ليست أنا إلا أنه لكل منها أناها الخاصة بها، وقدرتي على التعرف عليها وفهمها بدرجات مختلفة هي «افتراضات بديهية» أتصرف في حياتي على أساسها (قد تبدو تركيبة لغوية غريبة، ولكني لا أجد تعريفًا آخر لوصفها). وعندما أقوم بالتعرف على الذات الأخرى، فإنما أقوم بذلك لأنها ذات ولأنها أخرى، وذلك: 1. من خلال المماثلة (وللدقة التناظر الوظيفي بين نظيرين Analogy) مع ذاتي أنا وكيف أشعر وأفكر، أو 2. مباشرة من خلال أفعالها وإيماءاتها، ومن خلال كلام هذه الذات الخارجة عني على أساس وجود اتفاق اجتماعي على دلالاتها، وإدراك معانٍأخرى غير الدلالات المباشرة ناجم عن التعقل والتجربة المتراكمة لدي، أو. 3 من خلال الأمرين معًا، أي التداخل الفوري غير القابل للتفكيك بين إدراك الأفعال واللغة والقياس على ذاتي في الوقت ذاته ومن دون التفكير بالمماثلة Analogy بوصفه قياسًا Syllogism، بين متناظرين وظيفيًا بحيث يصحح أحدهما الآخر مباشرة ليتكون في عقلي فهم للآخر. هكذا تكون الذات موضوعًا للفهم.
إن الخلط بين الشرط الإبستيمولوجي والأنطولوجي هو مصدر لا ينضب للمغالطات في العلوم الاجتماعية والإنسانية، ولتبريرات أيديولوجية في مجالي الحقوق والأفكار الأخلاقية. فليس بالضرورة أن يؤثر الاقتناع بوجود حتمية سببية أنطولوجية في منهجي في البحث. فالتفكير السببي قائم عندي بغض النظر عن هذه القناعة، كما أنه ثمة من لديهم قناعة بوجود حتمية في العالم لكي تبرر لهم التفكير الغيبي بوجود قوى خفية تقود إلى غايات في هذا الكون، أو نهايات للتاريخ وتتجلى هذه القوى الخفية عبر الحتمية السببية. وليس بالضرورة أن يؤثر الاقتناع بوجود مثل هذه البنية في الواقع في أفكاري الأخلاقية. من الممكن أن أؤمن بالسببية في الواقع من حولي وبالحرية في الأخلاق. أنا أتعامل كذات عارفة مع موضوعات البحث، سواءً أكان الواقع وحدة الذات والموضوع أم لا. فلا توجد، في رأيي، علاقة اشتقاقية استنباطية ضرورية قابلة للإثبات أو الدحض علميًّا بين التفكير الأنطولوجي والتفكير الإبستيمولوجي والتفكير الأخلاقي، وافتراض مثل هذه العلاقة (وللدقة الإيمان بوجودها) مكانه في العقائد والأيديولوجيا وليس في العلم، وهو يؤدي دورًا في الفلسفة أيضًا. وقد يكون أثر الربط الفكري بين هذه المجالات عظيم الشأن، وربما أهم من العلم، فأنا لا أقيّم أهمية هذا الربط ولا إيجابياته أو سلبياته. كل ما أقوله إني لا أرى له فائدة علمية، وإن تاريخًا طويلً من النشر حول عدم إمكانية الفصل بين الذات والموضوع وتعليلاته «الصحيحة» أنطولوجيًا لم يعد بفائدة ما على مناهج البحث العلمي. ليست للعلوم الاجتماعية قوة تنبئية كالعلوم الطبيعية؛ بسبب كثرة العوامل والعناصر التي يجب أخذها في الاعتبار وصعوبة تحديد المتغيرات لكثرتها، وبسبب وجود العامل الإنساني المتمتع بالإرادة والغايات والمقاصد. وثمة فرق بين رد الفلسفة الوضعية والتجريبية والنظريات السلوكية وغيرها على الريبية والشك بأن معرفة الآخر، غاياته ومقاصده، وربما حتى استنتاج عالم الذات الجواني، ممكنة بالتجربة والقياس على الذات والحس السليم، وأنه لا يوجد فصل لا يمكن تخطّيه بين النفس والجسد من جهة، وبين القدرة على تنميط جميع الغايات والإرادات الممكنة علميًّا بما يمكّننا من وضع نظريات تنبئية في العلوم الاجتماعية من جهة أخرى. إن جزءًا كبيرًا من العوامل والعناصر غير متوقع، ونحن نحاول أن نعزله كمتغير للتوصل إلى قوانين أو للتنبؤ بسيناريوهات. وهذا العزل هو عزل نظري، أما في الواقع المعيش الذي ندرسه لاستشراف المستقبل، فلا تكون هذه المتغيرات معزولة، وتبقى فاعلة وقد تغير الصورة. ولذلك فثمة مشكلة في العلوم الاجتماعية متعلقة بالشروط الضرورية وغير الكافية أشدّ تعقيدًا من التمييز البسيط والواضح بينهما في العلوم الطبيعية. فالشروط الضرورية تكون غير فاعلة، إذا لم تتوافر شروط أخرى تختلف من مجتمع إلى آخر أو من سياق إلى آخر. أختبر ذلك حاليًّا عند دراسة التحول إلى الديمقراطية؛ حيث يظهر قصور فكرة الشروط الضرورية للتحول الديمقراطي بموجب أي نظرية كانت، سواءًاتبعنا نظريات التحول والانتقال الجديدة أم نظرية التحديث أم غيرها، وسواءً أكان هذا الشرط توافق النخب على مبادئ ديمقراطية، أم وجود عملية تحديث راسخة نسبيًا لناحية معدلات النمو ومستوى التعليم واتساع حجم الفئات الوسطى وتوافر المؤسسات وغيرها. فمن الصعب للغاية تحديد الفرق بين
الشروط الضرورية والأخرى «غير الضرورية» (بحسب تعريف النظريات المختلفة)، ولكن التي لا بد من وجودها، أي من الضروري وجودها، لتصبح الشروط الضرورية كافية. والنظريات المختلفة تفيد بمقاربات مختلفة لهذا الموضوع، ومع ذلك تبقى درجة فاعلية شروط كثيرة غير متوقعة، ويتبين لاحقًا أنها كانت حاسمة. لا تنبع محدودية التنبؤ من عدم صلاحية التحليل العلّي المبرر بالعجز عن توقع مقاصد البشر. فنحن نتعامل مع مقاصد البشر (في المجال الواقع بين الفلسفة من جهة وعلم النفس من جهة أخرى، والذي غالبًا ما نعتبره مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية) باعتبارها عللً تؤدي إلى نتائج. وصحيح أن البنى الاجتماعية هي نتاج فعل فاعلين اجتماعيين يمتلكون غايات محددة، ولكن البنى الاجتماعية تعود وتؤثر في طريقة تفكير العديد من البشر وتنمّطها بما في ذلك التحكم في غاياتهم، بل حتى في أدواتهم المفاهيمية التي يدركون بواسطتها أنفسهم والعالم. لا تنتهي المسألة، إذًا، بأخذ الغايات في الاعتبار عند تحليل البنى الاجتماعية، وإنما يجب أن تؤخذ أيضًا البنى الاجتماعية عند التفكير في الغايات، وأن يؤخذ ما نسميه بالعربية «التطبع» وما اصطلح عليه منذ بورديو ب «الهابيتوس». ثمة حاجة إلى الفهم الحدسي وغير الحدسي للغايات والمعاني التي تقبع خلف الدلالات، ولكن هذا لا يكفي، ويجب الجمع بينه وبين فهم البيئة الاجتماعية. سوف نستفيد كثيرًا من فهم العلاقة بين النفس والجسد أو العقل والجسد، في فهم سلوك الإنسان ولغته، وتطور المعرفة عند الطفل، وقد تسهم في علم الحاسوب وتطوير الذكاء الاصطناعي، وربما تساعدنا أيضًا في فهم الممارسات الاجتماعية للأفراد. وقد انطلقت مؤخرًا علوم الدماغ في جمع بين علم النفس وعلم الأعصاب وعلم الحاسوب والفلسفة. لقد افترض دوركهايم وغيره من آباء علم الاجتماع، الذين كتبوا لفهم أسباب وآثار تحول المجتمعات الأوروبية إلى الحداثة والظواهر الاجتماعية التي رافقته، أن علم الاجتماع يبحث في المجتمعات مثلما تبحث العلوم في أشياء أو موضوعات لغرض التوصل إلى القوانين التي تحكم تطورها، وذلك عبر مقارنة الظواهر بين المجتمعات المختلفة وفحص تأثير غياب أو وجود متغيرات أخرى فيها يمكن ربطها نمطيًّا بالظاهرة قيد البحث، كما فعل هو في حالة ظاهرة الانتحار. مثل هذه الافتراضات هي التي أسست لعلم اجتماع. ومن الواضح أن فهم ظاهرة مثل الانتحار يحتاج إلى مناهج أخرى ذات علاقة بما يُسمى فهم دوافع البشر وعالمهم الباطني الذي يؤدي إلى الانتحار. وقد يكون لهذا تأثير مثل تأثير المتغيرات الأخرى، ولا يجوز إسقاطه. هنا سيحتاج علم الاجتماع إلى تبني مناهج تخصصات أخرى كما يبدو، غير مناهج فهم الانتقال إلى الحداثة، ونشوء ظواهر الفردية والاغتراب، واستمرار الثقافة القديمة بوجود البنى الحديثة، والحنين إلى البنى الأهلية التقليدية وغيرها. وعمومًا
(((إذا لم يعجب البعض استخدام لفظ الهابيتوس معربًا، ووجد لفظ التطبع دارجًا أكثر مما ينبغي ليكون مصطلحًا، يمكن الاستعاضة عنه ب «المألف» أو «المألفة» مثلً.
يبدو أن العلوم الاجتماعية ستواجه هذا النقص المتعلق بدراسة النفس الإنسانية في مناهج مختلفة عن علم الاجتماع والاقتصاد وغيرهما من العلوم الاجتماعية. لقد اختبرت ذلك عند البحث في التطرف العنيف لتنظيم الدولة الإسلامية المكنى بداعش، حيث رفضت اشتقاق هذه الحركة من النصوص الإسلامية وكأنها مترتبة بالضرورة عليها، وتوصلت (مثل آخرين) إلى عوامل اجتماعية سياسية لنشوء الظاهرة في تقاطعها مع سير لقادة وأعضاء في الحركة يمكن تنميطها في عدة أنماط تقود إلى ارتكاب أعمال عنيفة استعراضية الطابع. ولكن من ناحية أخرى، كان واضحًا أن أفرادًا آخرين من الخلفيات الاجتماعية نفسها نشؤوا في البيئة ذاتها الموصوفة في تحليلي للظاهرة، وعاشوا تجارب مشابهة، بما في ذلك التعرض للتعذيب في السجون، بيد أن تشابه التجارب لم يفضِ إلى الممارسات العنيفة بالضرورة. من الواضح أنه ثمة عوامل نفسية تميز بين تشكل شخصيات الأفراد عند مرورهم بتجارب متشابهة في البيئة الاجتماعية والثقافية نفسها. ويجب أن تُؤخذ هذه العوامل النفسية في الاعتبار عند تفسير سلوكهم؛ وفي الوقت ذاته من الضروري تجنب التفسير النفسي الصرف للظاهرة الاجتماعية وتهميش العوامل السياسية والاقتصادية، بما في ذلك تركيب نفسيات عامة للمجتمعات، كما هو الحال في تعميم الجرح النرجسي على مجتمعات وثقافات بأكملها، مثلما يفعل بعض من حولوا التحليل النفسي إلى براديغم قد تبدو من منظوره المجتمعات المسلمة عمومًا مصابة بعصاب جمعي مرضي يحكم أهدافها السلوكية. نحن نتصور أن الاجتماعي يقوم على أكتاف السيكولوجي؛ لأننا نتصور المجتمع مكونًا من أفراد. لكن علم الاجتماع لم يقم على أكتاف علم النفس، كما أن المؤسسات الاجتماعية تعيد صياغة السيكولوجي في ظل قواعدها ومنطقها هي. ويسهل تخيل أن علم الأحياء ينهض على أكتاف الكيمياء، لكن العمليات البيولوجية لا يعبّر عنها بمعادلات وقوانين كيميائية. ومن ثم، لا يجوز للعلوم الاجتماعية أن تُنحّي النفس البشرية جانبًا، مع التأكيد على خصوصية الاجتماعي مقابل السيكولوجي والنيرولوجي بوجود منطقه الخاص، والحذر من التحليلات السطحية الاختزالية. لا يستغني علم الاجتماع والاقتصاد وغيرهما عن علم النفس، مع أنها مجالات قائمة بذاتها بجماعاتها ومؤسساتها وعلاقاتها التي لا يمكن اختزالها إلى متغيرات نفسية، مثلما لا يمكن اختزال المتغيرات العقلية والنفسية إلى نيرولوجية. سوف تؤثر مكتشفات علوم الدماغ حول العلاقة بين العمليات النيرولوجية وتشكل الأفكار في علم النفس، واللسانيات. ولكني أشك في أنها سوف تؤثر بشكل حاسم في فهمنا للعلاقات والبنى الاجتماعية؛ فللبنى الاجتماعية منطقها الذي نحاول أن نخلص إليه في نظرياتنا. ولا يجوز أن يدفع الاستعجال، بسبب الحماس الذي يثيره في المتخصص اكتشاف علمي جديد، إلى تطبيق قوانين وطريقة تفكير ومنهج تعلمها في تخصص معيّن على مجالات أخرى مباشرةً والتعصب لذلك. هنا يأتي دور التواضع العلمي والتواضع المعرفي، والاستعداد للانفتاح والتعاون مع التخصصات الأخرى لاستكمال دراسة الظاهرة.
ولا أدري إذا كانت محاولة التوصل إلى وصف دقيق للعلاقة بين العمليات البيولوجية والفيزيائية الجارية في الدماغ وبين العمليات الجارية في الوعي الإنساني على مختلف حالاته العاطفية والعقلانية، ستصل إلى صياغة أي قوانين أو معادلات. فالتحدي هنا هو امتحان حقيقي لمسألة وجود ثنائية بين عالم الوعي وعالم المادة. ولكن حتى بعد التوصل إلى آلاف الروابط المثبتة بالاقتران وبغيره بين عمليات ذهنية وعمليات نيرولوجية، تبقى ثمة أسئلة مفتوحة، ولا سيما حين يتعلق الأمر بالوعي الذاتي وحرية الإرادة حتى لو حلت قضايا مثل عمليات التفكير والذاكرة ومراكز العاطفة في الدماغ؛ لأن حرية الإرادة والوعي الذاتي لا يُشتقان من حركة الخلايا أو الجزيئات. ولا يمكن في رأيي تعليل حرية الإرادة عبر الانتقال من الطفرة أو الصدفة في علم الجينات أو الحركة غير المنتظمة للجزيئات الصغيرة، وتأسيس مفهوم الحرية عليها. هذان أمران مختلفان تمامًا. ويوجد تفلسف كثير من النوع الساذج في هذا المجال. إن حرية الإرادة منطلقة من الوعي. لا شك لدي في فائدة بحث العلاقة بين عمليات الدماغ وعمليات حسية وذهنية وعاطفية من الناحية المعرفية، سواء أكان ذلك في الطب أم في تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي وغيره. ولكن الخطر ماثل في محاولة اختزال الإنسان إلى عمليات بيولوجية ونيرولوجية، والأخطر هو التفكير في التحكم في إرادته وانحيازاته الأخلاقية وحريته بناء على ذلك. سيكون هذا نوعًا من القسر؛ لأنه ليس هناك تبعات مباشرة لاكتشافات الفيزياء والبيولوجيا بشأن الجبرية وحرية الإرادة في رأيي. لكنّ عدم وجود حتمية على المستوى الكوانتي في الفيزياء يسهل علينا رفض وهم الحتمية على مستوى الظواهر الأخرى، بتعليل مفاده أنها ترتكز على القوانين والمجريات على المستوى الكوانتي. فالأجسام المادية هي في نهاية المطاف ذرات وجزيئات أقل من ذرية. مثلً: إبصار عين سليمة أو عدم إبصارها جسمًا معينًا يعتمد على كمية الضوء الذي يدخل العين. الضوء مسألة كوانتية، ولكن الإبصار مسألة بيولوجية – نيرولوجية. لا يؤثر نفي الحتمية هنا في توقعنا أن أصحاب النظر السليم يرون الأمور ذاتها وتصميم خطواتنا على هذا الأساس، على الرغم من استحالة توقع حركة الجزيئات. كما أنه لا علاقة، بالتأكيد، لنفي الحتمية في هذا السياق بمسألة حس الإنسان الفني الجمالي، ولا بمسألة حرية الإرادة. يمكن أن يستوعب عالم أن البنية الأنطولوجية للعالم الذي نعيش فيه هو حقول طاقة أو حركة جزيئات غير منضبطة لا تحددها قوانين، وأن يعتقد أنه في عالم الأحياء تحدث قفزات جينية وطفرات لا يضبطها أي قانون، وأن لا يؤمن، في الوقت ذاته، بالحرية أو الديمقراطية في العلاقات الاجتماعية. إن عدم وجود علاقة سالبة أو موجبة بين الأمرين ينم عن هوة قائمة بين تصور بنية الواقع علميًا وأحكام العالم الأخلاقية. وهذا لا يستثني احتمال قيام علماء بربط كهذا بين تصوراتهم لبنية الواقع ومواقفهم. لكن جهد الربط هذا ليس جهدًا علميًا، حتى لو قام بذلك عالم، وألّف فيه كتابًا، وكذلك إن قامت عليه فلسفات وأيديولوجيات.
ثمة فرق بين استخدام نظرية الاحتمال والسببية الإحصائية في ميكانيكا الكم واستخدامها في عملية توقع تصرفات الأفراد. الاحتمال هناك ناجم عن الصدفة والفوضى، وربما عدم توافر معرفة كافية وصعوبة الإلمام بجميع الأسباب والعوامل. أما الاحتمالية في حالة البشر، فناجمة عن أمور عديدة من هذا النوع إضافة إلى عنصر لا يمكن إهماله هو حرية إرادة البشر الذين يشكلون موضوعًا للبحث في العلوم الاجتماعية. ولأن الحرية بحكم تعريفها غير قابلة للتنميط نظريًّا، فإنها تخرج عن حدود النظرية العلمية. من المهم خلال دراسة البنى الاجتماعية أن ننتبه إلى دخول التفسير القصدي للأفعال الاجتماعية، مع أن البنى الاجتماعية تتخذ وجودًا بذاتها، أو هكذا تفترض. ولكي تكون قادرةً على القيام بعملها، على العلوم الاجتماعية وعلوم الاقتصاد أخذ مقاصد البشر وإراداتهم في الاعتبار. فلا يمكن استكمال التحليل، من دون تناول البنى الاجتماعية بوصفها نتاج فعل فاعلين اجتماعيين أصحاب مقاصد (سواءً اعتبرنا هذه المقاصد عللً أو أسبابًا)، وأن هذه المقاصد لا يمكن اشتقاقها دائمًا سلوكيًّا إلا عبر تنميط معين للسلوك الاجتماعي، أو إنشاء نماذج نظرية إحصائية تتوقع احتمالات قرار الفعل الإنساني في ظروف معيّنة، وأخذًا في الاعتبار مواقف الآخرين بافتراض أن الإنسان كائن عاقل يتخذ خيارات عقلانية، وقد نشأت نظرية، وللدقة نظريات، تحمل الاسم نفسه.
ثانيًا
الحقيقة أنني لم أوفق في فهم ما قصده جورج غادامر، حين طلب من البحث العلمي المشاركة، وليس السيطرة. فثمة استخدام لاستعارات أدبية، عندما يجري الحديث عن أن العلم هو عملية سيطرة. صحيح أن العلم يخدم هدف السيطرة على الطبيعة والمجتمع، كما قصد ذلك التنوير منذ بيكون وحتى نقد التنوير، وأنه يمكن الربط بين تطور هذا المسعى الإنساني الذي يميز الحداثة وتطور أدوات السيطرة في الدولة الحديثة وصولً إلى الشمولية، ولكن هل هذا يعني أن البحث العلمي في حد ذاته عملية سيطرة للذات الباحثة على موضوعها بحيث يمكن استبدالها بمشاركة؟ أليست هذه مغالطةً في الاستنتاج باستخدام مضلل لكلمة سيطرة؟ هل يشبه تملك قوانين الطبيعة معرفيًا السيطرة على إنسان أو شعب بمعنى استخدام القوة في تقييد الحرية؟ وهل يمكن الإسقاط من السيطرة على المعطيات التي أستنتج منها تعميمات، أو السيطرة بشكلٍ محكم على اشتقاق فكرة من أخرى، على علاقات السيطرة السياسية؟ إن استخدامها بهذا المعنى هو نوع من الاستعارة مثل استخدامها، حين يقال إن فلانًا يسيطر على موضوعه، أو يتحكم فيه، بمعنى يتقنه. ينطبق هذا أيضًا على مقولات مثل «العنف الإبستيمولوجي». وقد أصبح نقد مقاربات ما بعد الاستعمار وغيرها للخطاب الاستشراقي والعلوم الاجتماعية في الغرب، بسبب بعض الفرضيات الهمينية التي تقوم عليها، ممكنًا؛ لأنه مع تطور فهمنا للعلوم الاجتماعية، أصبح ممكنًا الكشف عن هذه الفرضيات واعتبارها غير علمية. بمعنى أن الافتراض الكامن خلف النقد ذاته هو تصور ما لما يجب أن يكون عليه البحث العلمي، أو على الأقل ما يجب أن لا يكون عليه. وإذا كان النقد يدّعي أن فرضيات الهيمنة في العلوم الاجتماعية والإنسانية هي في صلب تعريف العلم وليست تشويهًا له، فما طبيعة النقد إذًا؟ هل هو نقد غير علمي للعلم؟ ليس هذا
هو الحال بالطبع. وأصحاب هذا النقد يتبوؤون عمومًا مراكز جامعية، ويكافحون لكي يقبلوا بوصفهم باحثين بموجب المعايير الأكاديمية الغربية، ويتعصبون لها أكثر من غيرهم، بل أصبحوا بأنفسهم يشكلون ثقافة فرعية داخل الأكاديميا الغربية، ولم يتحولوا إلى علماء في «الشرق»، في دول المستعمرات السابقة، كما أنهم لم يساعدوا في إنتاج علوم اجتماعية بديلة فيها. لا يجوز أن نرمي طفل العلم مع مياه الغسيل المتسخة. فنقد العلوم الاجتماعية لا يضحي بالعمل، بل يفترض أن يكون علميًّا، ولكي ننتقل من النقد المجرد النافي إلى النقد العيني يجب أن يمتلك النقد موضوع النقد ويستفيد منه، ويضيف إليه شيئًا؛ لأنه استفاد منه، وبيّن قصوره في الوقت ذاته. ولهذا، لم أتفق يومًا مع النفي المجرد للاستشراق أو غيره. ما أقبله هو نقده عينيًّا بالمعنى الذي ذكرته. كما أن هناك أهمية لإنشاء نظريات في العلوم الاجتماعية عربيًّا لكي تكون لنا مناهجنا، التي قد تصبح بدورها كونية ينتقدها الآخرون ويستفيدون منها ويبيّنون قصورها. النقد الأيديولوجي مشروع بالطبع، ولكن علينا أن لا نسلّم بأنه النقد الوحيد المتاح للخاضعين للهيمنة؛ لا يجوز أن نترك العلم للقوى المسيطرة في هذا العالم، ليبقى للمسيطر عليهم إما تبني نظريات تنتج في مركز السيطرة من جهة، ونقد العلم من منطلقات أيديولوجية فحسب من جهة أخرى. واستنتاجات أدورنو وهوركهايمر، التي أتفق معها، في نقد التنوير من السيطرة على الطبيعة إلى السيطرة الشمولية للدولة الحديثة، لا علاقة لها باشتقاق مفهومي من الواحد إلى الآخر، بل لها علاقة بأمرين: أولً، تسخير العلم للعقل بوصفه أداةً في ثقافة الحداثة التي يسود فيها التطلع إلى السيطرة على الطبيعة والمجتمع، وقصر العقلانية على التفكير بالوسائل على حساب التفكير بالغايات بإقصاء الأحكام الأخلاقية؛ وثانيًا، إن المكتشفات العلمية والتقنيات الإدارية تمكّن من إنشاء مؤسسات إدارة التحكم والضبط والرقابة والعنف في المجتمعات. ولا علاقة للأمرين بعملية البحث ذاتها والعلاقة بين الذات العارفة وموضوعها. وسواء استخدمنا كلمة مشاركة في وصف نشاط العالم البحثي، أم استخدمنا كلمة سيطرة على الموضوع، فالنتيجة هي واحدة؛ إن هدف «العالم المشارك في موضوع بحثه» مثل هدف «العالم المسيطر عليه» هو فهم الظاهرة وتفسيرها. أما مواقفهما بشأن السيطرة باعتبارها سياسات القوة في الدولة، معها أو ضدها، فمسألة أخلاقية لا شك في أن المواقف بشأنها تتأثر بالثقافات السائدة في الحداثة. إن مشاركة هايدغر الذات بالوجود لم تحصنه أخلاقيًا من دعم نظام حكم مطلق شديد السيطرة على ذوات البشر، أجسادهم وعقولهم، إلى درجة تعرض منظومته الفلسفية نفسها إلى نقد يحملها المسؤولية عن مواقف صاحبها. ولا أتفق مع هذا الرأي أيضًا، ولكن ثمة باحثون كثيرون منشغلون بمشاركة الذات والوجود لا يأبهون كثيرًا لسحق دول الاستبداد للذوات وتعذيب أجسادهم في السجون.
لم يعد جائزًا أن تتجاهل الفلسفة الأخلاق في منهجها نفسه، كما لم يعد جائزًا أن تنصرف عن قضايا البشر الموجودين عينيًّا إلى قضايا الوجود بصفة عامة. أما في النظريات العلمية فلا يجوز الزج بالقيم الأخلاقية في المنهج كما يرغب نقاد المنهج العلمي، ولا يعفي اختيار المنهج ونقد المناهج القائمة من اتخاذ مواقف أخلاقية في حياتنا الاجتماعية والسياسية، وليس له أي صفة، نقدية أو غيرها، تخوِّله الحلولَ بدلً منها. إن العلماء هم مجموعة من البشر يعتقدون أن فهم العالم ممكن بالعلم، وقد يقومون بذلك من منطلقات أخلاقية ولغايات أخلاقية/ أو منافية للأخلاق في نظرنا، من تعزيز السيطرة وحتى التحرر من السيطرة، كما قد تُستغل نتائج بحوثهم في خدمة أهداف أخلاقية أو غير أخلاقية، وقد يعلمون بذلك قبل الشروع في البحث، ويتحملون بهذا مسؤولية أخلاقية عما يقومون به؛ ولا أعتقد أن لهذا التمايز في المنطلقات والأهداف علاقةً بالفروق بين المناهج العلمية لناحية قدرتها التفسيرية، وفي الحالتين يسعى العالم لكي «يسيطر» على موضوعه (أفترض أننا متفقون مسبقًا على تنقية المناهج العلمية وتقنياتها من التجاوزات الأخلاقية أثناء استخدامها، ولا سيما في مجال «التجارب على البشر»، فأخلاقيات البحث العلمي أصبحت هي ذاتها تتطور باستمرار). علينا أن نميز عمومًا بين الحقائق العلمية، على نسبيتها، وضرورة صياغتها على نحو يجعلها قابلةً للفحص والدحض من جهة، والاستنتاجات الفلسفية من العلم من جهة أخرى. كما علينا أن نميز بين دحض القوانين والنماذج النظرية العلمية وانتهاء فاعلية البراديغم المبني عليها. لقد قيل الكثير حول اكتشاف محدودية علم الميكانيكا عبر نظرية فيزياء الكم، والنظرية النسبية وغيرها. فهل هذا يعني أن الميكانيكا دُحضت وأن الحقيقة اكتشفت من جديد بما يكفي لبناء منظور للعالم بأسره من وجهة النظر الجديدة؟ ما معنى نسبية حقائق الميكانيكا هنا؟ إنها تعني نسبية نفاذها في مجال محدد. وهذا يعني أن الميكانيكا صحيحة في مجال محدد فحسب، ولا يعني أنها خاطئة. وهي قادرة على التنبؤ علميًّا بمسار حركة الأجسام مع تحييد متغيرات مختلفة. إن الخاطئ هو الاستنتاجات الفلسفية منها التي حولتها إلى رؤية للعالم، وراحت تفسر العالم كله، وحتى حركة الأفكار، كأنها حركة طرد وجذب وغيرها، كما حصل مع مقاربات فلسفية في القرن الثامن عشر. إن اكتشاف عدم سريان قوانين الميكانيكا على الأجسام التي تسير بسرعة الضوء، أو على الجزيئات الصغيرة، لا يعني أنها أصبحت خاطئةً في مجالها، بل فقط أن القوانين العلمية صحيحة في نطاق معيّن، أما ما ينكسر فهو البراديغم الذي تحول إلى مقاربة شاملة تحافظ عليها مؤسسات علمية، وتحميها أعراف تنبذ من يتجاوزها إلى خارج العلم. وتبقى قوانين الحركة والجاذبية وضغط الغازات وغيرها صحيحةً في مجالها وتُبنى عليها توقعات وتنبؤات علمية. أما البراديغم المترتب عليها، والذي أصبح يتحكم في مقاربة عامة للعلم وحتى تقاليد مؤسسية معينة تحدد الصحيح والخطأ بموجبه، فيندثر مع اكتشافات علمية جديدة وقوانين تحكم مجالات جديدة، أو تضع أسسًا نظرية أخرى لفهم القوانين القديمة.
وفيزياء الكم مثلً، هي بمعنى ما، نظرية في بنية عالم الجزيئات الصغيرة، ولكنها ليست نظرية في بنية العالم. ولو كانت نظرية في بنية العالم، أي نسقًا فلسفيًّا متكاملً، لما صلحت منهجًا أو مقاربة في البحث العلمي لظواهر محددة في رأيي. إن النقد العلمي للمنهج العلمي هو الكفيل بتبيين قصوره وحدوده، سواءً أكان هذ المنهج ناجمًا عن نظريات ميكانيكا العلوم الطبيعية أم التحليل النفسي أم السلوكية أم التحديث أم غيرها. كيف توصل باحثون إلى محدودية السلوكية؟ أجرى ذلك بالانتقال من السيطرة إلى المشاركة أم لأن السلوكية قاصرة عن فهم التفاعل بين النفس ومحيطها، وتعاملها مع النفس البشرية بصفتها صندوقًا مغلقًا لا تفهم إلا من تعبيراتها الخارجية، وإصرارها على التعامل فقط مع المؤثرات أو المحفزات وردود الفعل عليها في فهم النفس البشرية؟ إن تنظير غادامر تلميذ هايدغر بأن العلوم الاجتماعية تقتضي الحوار والمشاركة بين الذات والمعنى الكامن في الظاهرة الاجتماعية، وأنه لهذا السبب لا يمكن وضع الظاهرة الإنسانية في مجموعة قوانين تقود إلى التنبؤ، هو تنظير يشبه التمييز بين معالجة إنسان وتشريح جثة. ولكن التشبيه ذاته الذي استخدمته هنا لتصوير الفرق، يبيّن أيضًا أن كليهما لازم في مراحل معينة. المشكلة هي في تحويل تشريح الجثة إلى براديغم يحكم معالجة الإنسان المريض. المشكلة نفسها تنشأ من تطوير النظرية السلوكية إلى براديغم يتحكم في أساليب علم النفس عمومًا، أو تطوير مقاربات عامة من المادية التاريخية لمعالجة قضايا الفكر والثقافة. هذه هي المشكلة. وهذه لا تحل بمقولات عامة حول محاورة موضوع البحث لفهمه بدلً من تفسيره. إن نشاط العالم السياسي والاجتماعي يكون في مواقفه من هذه القضايا الأخلاقية والسياسية والعمومية، واعتماده الحوار مع البشر وفهم الآخر، وليس في الزج بهذه القضايا في المنهج ليغني «التحاور» مع موضوع البحث، بوصفه ذاتًا، الباحثَ عن الحوار مع الذوات البشرية في الواقع، ويرتاح بذلك من الجهد الذي تتطلبه الموضوعية العلمية، ومن المواقف الأخلاقية تجاه قضايا الناس في آن معًا. لا أستطيع أن أتعامل إلا أدبيًّا ومجازيًّا مع النص باعتباره ذاتًا، ولا أريد مصادرة وظيفة الأدب. النص ليس ذاتًا تتحاور معي أو أتحاور معها، المهم أن أدرك أن ذاتًا كتبت النص وأن أعمل على فهم منطلقات هذه الذات وأسبابها، وثقافتها والسياق التاريخي الذي كتبت فيه ومصالحها وغير ذلك. المهم أن أعرف أنني ذات، والذي كتب النص هو ذات، أما النص نفسه فليس ذاتًا بل هو موضوع للبحث والتفسير.
ثالثًا
يفيد منهج التأويل بتعددية احتمالات تفسير ما كتبه كائن عاقل في نص، سواءً كان نصًا أدبيًّا أو دينيًّا، وسواءً كان الكائن العاقل إلهًا أو إنسانًا. فالتأويل بحث في احتمالات مقاصد مختلفة لواضع النص ومعان مختلفة تظهرها دلالات الكلمات أو تخفيها. ولكنه ليس منهجًا في فهم العالم والواقع من حولنا. ما يذكرني برفض جاك دريدا اعتبار التفكيك منهجًا بحثيًّا، وأعتقد أنه قصد منهجًا بحثيًّا بمعنى
التقنيات العابرة للتخصصات، مصرًّا على أنها طريقة في التفكير ب «المنتجات الأدبية»؛ أي أنها تصح في مجال معيّن، إذا اعتبرنا المنهج طريقة تفكير في ذلك المجال. ومع أن للتأويل أهمية في مجاله، فإن مكانه هو مجال محدد مثل بقية المناهج، وتحويله إلى براديغم في ثقافة فرعية، مثل براديغمات في ثقافات فرعية أخرى بدأت تسود في بعض الجامعات، يهدد صدقيته. وتلُاحظ نزعة توسعية عند أصحاب هذا المنهج للتشكيك في جميع المناهج الأخرى التي لا تتضمن التأويل، ومحاولة فرضه كأنه فلسفة، باعتبار أن العالم الذي يدعي أنه توصل إلى اكتشافٍ أو معرفة علمية صحيحة هو إنسان إقصائي أو يرفض التعددية في المجتمع. ولو كان كل زعم معرفي حول الحقيقة إقصائيًّا، لكان القول بإقصائية المزاعم العلمية نفسه إقصائيًّا. كيف لمن يرفضون التحديد أن يقولوا وبشكلٍ محدد إنهم يرفضون التحديد؟ مع انتشار منهج التأويل في فهم النصوص، وحتى الظواهر الاجتماعية، أصبح من الضروري أن أشير إلى لزوم التمييز بين المقاربات العلمية والمقاربات الدينية في فهم النصوص، مثلً عند تبرير تعددية العقائد والمذاهب لناحية الإيمان بالله الخالق نفسه وصفاته. فقد لاحظت محاولات لإرساء التعددية الدينية على قاعدة التأويلات المختلفة الممكنة للنصوص. وتاريخيًّا، ثمة علاقة بين تعدد المذاهب الدينية وتعدد التأويلات، ولكن أيكون الدافع للتأويل المختلف هو وجود مذاهب مختلفة لأسباب مختلفة (سياسية وقبلية واجتماعية بصفة عامة)، أم إن التأويلات المختلفة أنتجت مذاهب مختلفة؟ ليس هذا هو المكان للإجابة عن هذا التساؤل. ولكنه على كل حال تساؤل مهم. ولكن المؤمن الفرد في أي من هذه المذاهب لا يؤمن بعدة تأويلات، فهو ليس باحثًا في التفسير. قد تكون حقائق الدين بالنسبة إلى التأويل حقائق نسبية، أما بالنسبة إلى الإيمان الديني نفسه، فلا يمكن إلا أن تكون مطلقة. الحقيقة الإيمانية مطلقة. أما أصحابها فيمكن أن يكونوا متسامحين، يقبلون بفكرة إيمان آخرين بحقائق مطلقة أخرى. صحيح أن منهج التأويل (الهيرمينوطيقا) في قراءة النصوص يمكن أن يكشف عن تناقضات واحتمالات مختلفة لتفسير أي نص. ولكن هذه الحقائق النسبية التي يكشفها، ليست هي حقائق الإيمان. وفي رأيي، لا يحتاج تأسيس التسامح إلى قلب حقائق الإيمان المطلقة إلى حقائق نسبية بواسطة تبيين التأويلات المختلفة. فالتسامح موقف أخلاقي لا يؤسس له منهج علمي. وقد يكون العكس هو الصحيح، أي أن يدفع الموقف المتسامح باحثين إلى تبني منهج التأويل في قراءة النصوص. ثمة فرق بين الإقصائية الاعتقادية الدينية والأيديولوجية وبين التسامح من جهة، واليقين العلمي ونسبية الحقائق العلمية من جهة أخرى. لقد برّر ربوبيون في الماضي التعددية الدينية بأن الإيمان بالحقيقة الدينية ممكن، أما فرضها فغير ممكن، ولم يبنوا هذا الموقف على تعددية المناهج. لقد بيّنت أعلاه أهمية تعددية المناهج في فهم الظواهر، لكن لا أعتقد أن التسامح والتعددية الدينية يُبنيان على تعددية المناهج العلمية. كما أرى أنه يمكن أن يؤمن إنسان بأن حقيقته الدينية هي الحقيقة الوحيدة الصحيحة، وأن يكون مع ذلك متسامحًا مع الحقائق الأخرى، فهو لا يتسامح معها لأنها صحيحة دينيًّا، بل لأنها
خاطئة من منظور إيمانه هو؛ أما من يخلطون الأمرين فيتسامحون مع الديانات الأخرى من منطلق اعتقادهم أن الدروب إلى الحقيقة الإلهية نفسها يمكن أن تكون متعددة، أو لأنهم يؤمنون بأن حقيقتهم الدينية نسبية، فيمثلون نمطًا غير رائج من التدين الفلسفي الذي يُخضع الإيمانَ للعقل. وثمة تيارات دينية صوفية أو عرفانية من ناحية النظام الإبستيمولوجي الذي حكمها وغير صوفية ومدارس قبلت التعددية المذهبية والدينية قبل استخدام التأويل الفلسفي في علم الكلام لبناء العقيدة؛ إذ رأت أنه يمكن الوصول إلى الحقيقة الإلهية ذاتها بطرق مختلفة، ويمكن التواصل مع هذه الحقيقة بطرق تعبّد مختلفة ومن مذاهب متعددة. يصح التأويل بافتراض ذات أخرى خارج الذات. التأويل محاولة لإدراك ما وراء العلامات المعطاة إلينا من الخارج في باطن النفس البشرية، والمعنى الكامن خلفها في تمييز بين المعنى القار في ظاهر اللغة والدلالة أو المعنى الثاني أو معنى المعنى. مشكلتي في هذا أنه لا يجري تمييز كاف بين تأويل الكتب المقدسة والتأويل بصفته منهجًا في فهم ظواهر اجتماعية ونصوص وغيرها. ليست مسألة المنهج مسألة أنطولوجية، متعلقة بنوع الرابط المفترض بين الذات والموضوع، وهي بالتأكيد لا تحل عبر افتراض إبستيمولوجي للوحدة بين الذات والموضوع. حتى حينما أسست فيزياء الكم لوجود علاقة تأثير وتأثر بين القياس وأدوات القياس والموضوع الذي يقاس، فإنما تعاملت مع هذه الإشكاليات في النهاية بصفتها ذاتًا عارفة واعية لمحدودية النماذج النظرية بوصفها لا تعكس الواقع ولا تصفه كما هو خارج إدراكنا، بل تفسره. ولكن التفسيرات العلمية ليست مجرد تأملات؛ فتفسيرات العلم تقوم على نماذج نظرية. بعض هذه النماذج النظرية تفسيرية فحسب، وبعضها عبارة عن صياغة قوانين تمكّن البشر من إنتاج تقنيات والتعامل مع الواقع بناء عليها بأدوات توصل إلى نتائج متوقعة (أو متوقعة على درجة عالية من الاحتمال) وذلك لدفع أذى أو تحقيق فائدة، وأحيانًا كثيرة يعتبر التسبب في الأذى هو «الفائدة» المتوخاة، كما في حالة تقنيات القتل والتدمير.
رابعًا
خلال أبحاثي، وجدت من المفيد التمييز معرفيًّا بين التحليل والتركيب النظريين من جهة، والتحليل والتركيب التاريخيين من جهة أخرى، وذلك على الرغم من العلاقة الجدلية والتداخل بينهما. أي إنه مع الانطلاق من التسليم بهذه العلاقة، فإنه خلال البحث يتبين أن الفصل بينهما مفيد؛ لأن لكل منهما قواعد مختلفة للاستنتاج والاشتقاق. ماذا أقصد بذلك؟ عند مقاربة ظاهرة اجتماعية (وكل ظاهرة اجتماعية هي ظاهرة تاريخية بمعنى ناشئة تاريخيًّا ومتحولة تاريخيًّا) غالبًا ما نحاول الوصول بالتحليل إلى أبسط عنصر مكون للظاهرة يميز هذه الظاهرة من الظواهر الأخرى. هذا العنصر البسيط أعتبره العنصر المكون المميز للظاهرة. وقد يسميه البعض جوهر الظاهرة، وأنا لا أحبذ هذا التمييز بين الجواهر والأعراض، لأن جدل الشكل والمضمون
والجوهر قد يفيد في المقولات الفلسفية وفي الإبداع الأدبي والفني ولا يفيد في فهم الظواهر الاجتماعية. إن أبسط تصوير لهذا التمييز هو ذلك التباين الواضح بين التحليل والتركيب في المنطق والرياضيات وعلوم الإحصاء وغيرها، والتحليل والتركيب لأفكار مجردة بسيطة ومركبة (وكلها مقولات عامة مجردة)، وبين تحليل ظاهرة اجتماعية معيّنة تدخل فيه الملاحظة وجمع المعلومات والمعطيات للإحاطة بالظاهرة. خلال التعامل مع معطيات، لا أستنتج تعميمات من تعميمات أخرى، بل أعاني في صياغة التعميمات بالانتقال من الجزئي العيني إلى المجرد العام، لكي أعود لاحقًا لأركّب الظاهرة بواسطة التعميمات التي سبق أن صغتها تجريدًا من الجزئيات. حركة التحليل في البحث تكون من الجزئيات إلى العموميات، وحركة التركيب نظريًّا تكون من العموميات المجردة التي سبق أن توصلت إليها بالتحليل إلى العموميات المركبة، أي إلى الخاص العيني. وهذا الخاص العيني هو المفهوم Concept الذي يكشف عن بنية الظاهرة العينية المتكررة في مثلها من الظواهر. وهو النموذج النظري. والانتقال العقلي من العام إلى الخاص، ومن البسيط إلى المركب، هو حركة في مجال التعميمات، لأنها تبقى في فضاء الأفكار؛ فهي تنتقل من مصطلح إلى آخر ومن مفهوم إلى آخر. وتكمن المعاناة البحثية التي أمر بها في فصل ظواهر عينية جزئية وتثبيتها في فئات في العقل لتغدو أفكارًا مجردةً، وفي الحرص على أن أميز العلاقة بين هذه الفئات الذهنية التي ركّبتها من العلاقة بين الظواهر ومكونات الظاهرة الواحدة قيد البحث. هكذا ينشأ المفهوم النظري للظاهرة الذي يختزن نظريًّا بنيتها بنية في صيرورة تشكله. وعليّ أن أحذر من فهم الظاهرة بوصفها اشتقاقًا من المصطلحات Terms والمقولات والفئات Categories المجردة، وإنما سيترتب عليّ أن أعود كل مرة وأمتحن هذا الاشتقاق من خلال عرضه على الواقع وصيروراته، وذلك من دون انتقاء وقائع معيّنة تثبت صحة الاشتقاق، وتجاهل أخرى لا تتناسب مع ما أصبح نموذجًا نظريًّا هو في الحقيقة اشتقاق تعميمات من تعميمات أخرى. هذا التمييز الأولي البسيط مهم جدًا منهجيًّا. وينطبق، بحسب خبرتي المحدودة، على علاقة كل نظرية تعاملت معها في أبحاثي مع الواقع الذي تفسره. ويتجلى الخطر في الانزلاق إلى اعتبار مجرى اشتقاق التعميمات من التعميمات والأفكار المجردة من الأخرى، والذي بات يشكل نموذجًا نظريًّا، عمليةَ سرد لقصة/ صيرورة الواقع ذاته. هنا يكمن خطر الانزلاق إلى التفكير «الأسطوري». لقد استفدت من قراءة كتاب علم المنطقلهيغل، والذي لم يحاول فيه صياغة بديل للمنطق الشكلي، خلافًا لاعتقاد بعض من خطّؤوه واعتبروه نوعًا من الغيبيات، بل عكف على صياغة منهج في فهم التطور يقوم على افتراض بنية «منطقية» للعالم، أي عقلية ومن ثمّ قابلة للتعقل (كما فعل سبينوزا ولايبنتز كل بطريقته من قبله) بحيث يجري تفسير التطور من خلال الانتقال من وحدة إلى وحدة أرقى، من العام إلى الخاص ومن المجرد إلى العيني. وذلك ليس عبر استثناء التناقض خلافًا للمنطق الشكلي، بل من خلال إدراك الوحدة والتناقص بين الهوية والفرق، كتفسير في وصف حركة الوجود
ذاته بحل الوحدة القائمة واحتواء عناصرها من جديد في وحدة أرقى، ومن ثم تشخيص التناقضات القائمة في الطبيعة والمجتمع وفي أساس حركة العقل التاريخ. وفي كتبه الأخرى، مثل محاضرات في تاريخ الفلسفة، ومحاضرات في فلسفة الدين، ومحاضرات في فلسفة التاريخ، تحول هذا النموذج النظري (الذي ما زلت أعتبره مفيدًا إذ تم التعامل معه بحذر في شحذ الفكر وفي تقديم زاوية نظر إلى بنية الواقع المعطى) إلى قصة التاريخ العالمي وتاريخ الأفكار؛ إذ أصبح فهم هذا التاريخ من منظوره ممكنًا، باعتبار مراحله تجسيدات لمصطلحات علم المنطق ذاته، بانتقال من العام إلى الخاص ومن الذاتي إلى الموضوعي إلى المطلق في الوعي الذاتي لأي فكرة في مجالها، وللفكرة بشكل عام في الفلسفة. وكأن المنطق الداخلي لحركة التطور مشدود إلى غاية لا بد أن يصل إليها. وقد أطلعني كتاب رأس الماللكارل ماركس على محاولة لتطبيق منطق هيغل في فهم التطور الاجتماعي، لكنه عرض نتائج البحث بشكلٍ أوهم أيديولوجيًّا وقائدًا سياسيًّا/ حزبيًّا مثل لينين أنه مجرد قلب لمنطق هيغل بحيث يحافظ على وحدة المنطقي والتاريخي (المقصود منطق هيغل ويعني منطق العقل أي قواعد التفكير النظري). وجاء تأكيد لينين لهذه الوحدة في خدمة أيديولوجيا أخرى تنشد نهايةً أخرى للعالم والتاريخ؛ أي تنشد نهاية غائية ميتافيزيقية كامنة مسبقًا في صلب قوانين الجدل الاجتماعي التاريخي. من خلال بحثه في نشوء النظام الرأسمالي وديناميكيته الداخلية التي تدفع تطوره ومحاولة صياغة ما اعتبره قوانينه، مثل قانون القيمة الفائضة المشتق من قانون القيمة وتقسيم العمل وفائض القيمة، توصل ماركس إلى أن المكون الرئيس، أو الخلية المكونة الرئيسة للنظام الرأسمالي وحجر الأساس في بنيانه، هو البضاعة. فهي الفكرة العامة التي يمكن التحرك منها لاشتقاق مفهوم رأس المال منها في نوع من النموذج النظري. بعد أن توصل ماركس بالتحليل إلى البضاعة بوصفها تكثيفًا لعلاقة التبادل الاجتماعية في السوق، حاول نظريًّا أن يشتق منها مفهوم رأس المال، في نوع من السير على خطى هيغل في كتاب علم المنطق، الذي أنشأ فيه بنية فكرية فلسفية كاملة للوجود والصيرورة والماهية، والهوية والفرق والتناقض، كما تُشتَق الرياضيات من ثلاث أو أربع بديهيات رئيسة ويُبنى عليها المبنى كلُّه. كان هذا منطق عرض النموذج النظري لكارل ماركس، وهو إنتاج مفهوم رأس المال من مفهوم البضاعة. ولكن الشرط التاريخي للنظام الرأسمالي، الذي توصل إليه خلال البحث، هو نشوء العمل المأجور ورأس المال، وهو ما يميزه تاريخيًّا من الأنظمة الاقتصادية الأخرى. أما السلعة فوجدت قبل النظام الرأسمالي، وقبل أن يعممها النظام الرأسمالي الذي أصبح تسليع كل شيء هو منطقه الداخلي. وقد عاد ماركس فعلً، خلال العرض في عدة فصول من كتاب رأس المالللتأريخ لنشوء العمل المأجور والهجرة من الريف إلى المدينة وانهيار العلاقات الزراعية والإقطاع الأوروبي، في عملية فحص متواصل للعلاقة بين المصطلحات والواقع.
ما المشكلة هنا؟ لقد نشأ وهم أن النظرية لدى ماركس هي محض اشتقاق لمفهوم رأس المال من مفهوم البضاعة، بوصف الأخيرة تجسيدًا لعلاقة التبادل الاقتصادي. لكنه اشتقاق غير ممكن منطقيًّا بالنظرية وحدها. وقد استعان واضع النظرية بالتحليل التاريخي، وبيّن الشروط التاريخية للظاهرة خلال الشرح؛ لأنه من غير الممكن اشتقاقها بالاستنباط الفكري. ومع أنه، خلال عرض النموذج النظري، يبدو اشتقاق رأس المال من السلعة كأنه صيرورة تاريخية، فإنه في الحقيقة صيرورة نظرية غير زمنية تقوم على تحليل تاريخي سابق لها. ثمة دور كبير للنموذج النظري في فهم ما يميز رأس المال وفي استنتاج قانون فائض القيمة من قانون القيمة (المحسوبة بالعمل المستثمر فيها) بتمييز قيمتها الاستعمالية من القيمة التبادلية. لكن لا يجوز فهم التتالي أو التتابع النظري على أنه صيرورة تاريخية أو يوازي التتابع التاريخي للمراحل. وفي مثل هذه المطابقة بين التتابع التاريخي والتتابع النظري بعض عناصر الأسطورة؛ لأن الأسطورة أيضًا تفسر «معنى» الظواهر بحكاية. وجميع الثقافات الشعبية تتضمن حكايات من هذا النوع وقد دخلت في جميع الديانات تقريبًا. وسابقًا، قام منظّرو العقد الاجتماعي باشتقاق فكرة الدولة من فكرة التعاقد. وهذا اشتقاق لفكرة من فكرة، وليس تعميمًا من حقائق تاريخية. لقد توصلوا إلى فكرتَي التعاقد والإنسان الفرد بتحليل عقلاني لواقع مجتمعات القرن السابع عشر والأفكار السائدة فيه، وبموقف أيديولوجي يفترض الفرد في الفصل، وموقف أيديولوجي آخر تحدد بموجبه طبيعة «الحالة الطبيعية»، أهي حالة سلم أم حالة حرب؟ ثم اشتقوا مفهوم الدولة نظريًّا من مفهوم التعاقد بين الأفراد لغرض التحول من حالة الطبيعة إلى حالة المجتمع. وهما عبارة عن تصورين نظريين عقليين، من خلال عملية تركيب نظرية لم تتم لولا الزج بتعميمات مستقاة من التجربة الإنسانية عن دوافع البشر مثل اللذة، والخوف من الموت، والحب والرغبة في الاعتراف، وحرية الإرادة وغيرها. كان النموذج النظري وما ترتب عليه سيختلف اختلافًا كليًّا، لو كان العنصر المكون الأول المفترض هو الجماعات وليس الأفراد، ولو اشتقت الدولة نظريًّا من ديناميكيةٍ داخل جماعة قائمة أو عن عقد بين جماعات تعاضدية، بافتراض أن الوحدات المكونة للمجتمعات التي قامت فيها الدولة هي جماعات وليست أفرادًا، ولكان هذا الافتراض النظري أقرب إلى الواقع التاريخي من البدء بأفراد مستقلين. ولكن البدء بالأفراد ناجم عن تحليل للمجتمع وصل إلى هذا المكون البسيط ألا وهو الفرد الموجود في ذهن الباحث، سواء أكان ذلك بتأثير موقف أيديولوجي، أم لغرض الوصول إلى نتيجة بعينها. وقد بدا هذا النموذج النظري لدى عرضه في الكتب كأنه قصة عن مجريات تاريخية وقعت فعلً. وهذا أيضًا ما جرى في حالة التحليل النفسي واشتقاق الدين من عملية قتل الأب؛ إذ بدا هذا النموذج النظري عند اشتقاقه منطقيًا وكأنه رواية تاريخية؛ لأن العرض في بنيته شابه بنية الأسطورة واستعان بأساطير فعلً. فكل أسطورة تقريبًا هي حكاية تفسر ظاهرة.
عندما نقوم بتحليل ظاهرة والتوصل إلى تعميم عن علاقة أساسية بين متغيرات تميزها من غيرها، فإن العودة إلى تركيب الظاهرة من هذا المنطلق تكون عودة نظرية، ولكنها غير ممكنة بالنظرية المحض. ويستحيل تركيبها مثل استنباط رياضي؛ إذ سيكون من اللازم العودة باستمرار إلى الظرف التاريخي والحقائق التاريخية. والعودة إلى هناك تتطلب مجموعة أدوات بحسب الموضوع، فقد تكون مناهجَ تأريخ نقدي أو تحليل اقتصادي أو غيرها.
وأخيرًا
خلاصة القول إن ما يستحق تسمية مناهج في العلوم الاجتماعية والإنسانية هي مقاربة تحليلية مترتبة على نظريات. ولا تكمن مشكلة البحث في سياقنا الحضاري في النقاش حول التقنيات؛ فهي مثل التكنولوجيا وعلوم الإحصاء والرياضيات وغيرها أدوات يمكن استخدامها وتطويرها في أي سياق حضاري. إن ما يتطلبه تطوير المناهج هو الاهتمام بالنظرية في السياق الاجتماعي الاقتصادي والثقافي الحضاري للمجتمعات التي نبحث فيها؛ فغالبية النظريات في العلوم الاجتماعية والإنسانية تطورت في مراحل زمنية وأماكن وسياقات حضارية مختلفة، ولدراسات مجتمعات أخرى غير التي نطمح لتناولها بالبحث. ولا شك في الفائدة من استخدامها، إذا أُخضعت للنقد العيني الموضوعي (من موضوع) خلال الاستخدام. ولكن غالبية نقاشنا بشأن المناهج يدور حولها خارج الموضوع الذي يُفترض أن تتناوله. إن تداخل الاختصاصات في الحقيقة هو تداخل للمناهج أي لمقاربات مختلفة في تفسير الظاهرة؛ لأن زوايا النظر إلى التخصصات المختلفة تنتج مناهج مختلفة في مقاربة الموضوع قيد البحث. إن النظريات في بنية الواقع في مجال محدد تؤسس لمنهج أو مقاربة في دراسة هذه المجالات. التحدي واضح إذًا، إنه الإنتاج النظري من خلال البحث في مجالات محددة، وإنجاز مقاربات تحليلية مفيدة ومناهج في البحث في فهم المجتمعات والعلاقات بين البشر وعالمهم الثقافي والروحي في السياق المحدد الذي نحن بصدده.