العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الفلسفة الاجتماعية بحث في مفهومها ونظريتها وعلاقاتها

الفلسفة الاجتماعية بحث في مفهومها ونظريتها وعلاقاتها

Social Philosophy: A Study of the Concept, Theory and Ties

الزواوي بغورة

Zwawi Beghoura

الملخّص

يسعى البحث للإجابة عن الأسئلة الآتية: ما مفهوم الفلسفة الاجتماعية؟ وما نظريتها في مسألة العلاقة بين القيم والوقائع؟ وما علاقتها بالفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية؟ وتحقيقًا لذلك، أجرينا تحليلًا ومناقشة لميراث مدرسة فرانكفورت Frankfurt School النقدي، والمساهمات الفلسفية المعاصرة المرتبطة بنقد الحداثة؛ بهدف تحديد هذا المبحث الفلسفي الجديد الذي لا يعتبر نوعًا من إبستيمولوجيا العلوم الاجتماعية، بما أنه لا يكتفي بالدراسة الوصفية للمبادئ العلمية، أو بفلسفة للمجتمع، فحسب، وبما أنه لا يقتصر على دراسة الأنطولوجيا الاجتماعية، وإنما يتميز أيضًا بالربط بين الوصف والتفسير، والمعيار الواقع، والنظرية والممارسة، وذلك من منظور نقدي يسعى لتحقيق قيم التنوير.

Abstract

Abstract: This research aims to answer the following questions: What is the concept of social philosophy? What theory does it offer about the relationship between values and facts? What is its relationship to philosophy, the humanities and social science? To this end, the paper examines the critical legacy of the Frankfurt School and the contemporary philosophical contributions associated with critique of modernity in order to define this new philosophical subject, namely Social Philosophy. This subject is not to be viewed as an epistemology of social science, since it is not simply a descriptive study of scientific principles, or a philosophy of society, and is not limited to the study of social anthropology. It is rather to be characterized as a process of linking description, interpretation, criteria of reality, theory and practice, from a critical perspective that is designed to achieve the values of enlightenment.

الكلمات المفتاحية:
  • الفلسفة الاجتماعية
  • مدرسة فرانكفورت
  • الحداثة
  • التنوير
  • الفلسفة السياسية
  • اللغة
Keywords:
  • Social Philosophy
  • Frankfurt School
  • Modernism
  • Enlightenment
  • Political Philosophy
  • Language

وتحقيقًا لذلك، أجرينا تحلي ومناقشة لميراث مدرسة فرانكفورت Frankfurt School النقدي، والمساهمات الفلسفية المعاصرة المرتبطة بنقد الحداثة؛ بهدف تحديد هذا المبحث الفلسفي الجديد الذي لا يعتبر نوعًا من إبستيمولوجيا العلوم الاجتماعية، بما أنه لا يكتفي

بالدراسة الوصفية للمبادئ العلمية، أو بفلسفة للمجتمع، فحسب، وبما أنه لا يقتصر على دراسة الأنطولوجيا الاجتماعية، وإنما يتميز أيضًا بالربط بين الوصف والتفسير، والمعيار الواقع، والنظرية والممارسة، وذلك من منظور نقدي يسعى لتحقيق قيم التنوير.

مقدمة

يدرك الناظر في النقاش الدائر حول طبيعة الفلسفة الاجتماعية في مجال الفلسفة المعاصرة عمومًا، وفي الفلسفة السياسية والأخلاقية تحديدًا، بيسر أنه نقاش حديث العهد، ويخضع لاجتهادات نظرية كثيرة، تحاول بيان هويتها، ومساهماتها النظرية، وتعيين حدودها المعرفية، سواء بينها وبين بعض المباحث الفلسفية، أم بينها وبين العلوم الاجتماعية والإنسانية. فما مفهوم الفلسفة الاجتماعية؟ وما نظريتها في العلاقة بين القيم والوقائع؟ وما علاقتها بالفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية؟

أولا: في مفهوم الفلسفة الاجتماعية

يمكننا القول إن مفهوم الفلسفة الاجتماعية يتحدد بالاجتهادات النظرية التي قدّمتها مدرسة فرانكفورت أو النظرية النقدية ضمن سياق الفلسفة الألمانية المعاصرة، وتحوله إلى عنصر أساسي ضمن عناصر أخرى لا تقل أهمية من حيث الإسهام النظري والمنهجي نقرؤها في بعض اتجاهات الفلسفة المعاصرة، ولا سيما في الاتجاه البراغماتي، وفي بعض تيارات الفلسفة الفرنسية المعاصرة. ومن الناحية التاريخية الفكرية، يرتبط مفهوم الفلسفة الاجتماعية بما قدّمته الفلسفة الألمانية الحديثة، ولا سيما عند هيغل في كتابه مبادئ فلسفة القانون، حيث أجرى تمييزًا أساسيًا بين الدولة والمجتمع

سمح بإدراك الفرق بين الفلسفة السياسية والفلسفة الاجتماعية، بحيث أصبح للفلسفة الاجتماعية موضوع محدد هو المجتمع. وتعزز هذا التصور بجهد ماركس، سواء من جهة النقد الذي قدّمه حول الدولة باسم المجتمع، أو من جهة النظرية التي قدّمها، إضافة إلى جهد الكانطيين الجدد، ولا سيما مدرسة ماربورغ School Marburg، وعلى رأسهم بول ناتورب (1924–1854) وأرنست كاسيرر (1945–1874). ولقد بات هذا التراث الفلسفي الخصب موضوعًا لقراءات متعددة عند مؤسسي الفلسفة الاجتماعية، سواء أكانوا ضمن مدرسة فرانكفورت، أم كانوا ضمن تيارات فلسفية معاصرة، كما سنبيِّن ذلك من

خلال تحليلنا لنصوص بعض فلاسفتها، وما أعقبها من تحليلات وتعليقات كثيرة، بحيث رسمت الصورة العامة للفلسفة الاجتماعية.

(((حول مفهوم هيغل للمجتمع، وتأسيس الفلسفة الاجتماعية، يُنظر على سبيل المثال: جان بيار لوفيفر وبيار ماشيري، هيغل

والمجتمع، ترجمة منصور القاضي (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1993)؛ وكذلك:

Franck Fschbach, Fichte et Hegel: La Reconnaissance (Paris: PUF, 1999).

(((حول جهد الكانطية الجديدة في تأسيس الفلسفة الاجتماعية، يُنظر:

Géraldine Lepan, «Politique et critique sociale: Sur la lecture kantienne de Rousseau par Cassirer,» Recherches sur la philosophie et le langage , no. 28 (2012), pp. 123–149; Eric Dufour, «La Notion de philosophie sociale chez Natorp,» Recherches sur la philosophie et le langage , no. 28 (2012), pp. 151–161.

ولعل أول نص تأسيسي هو نص ماكس هوركهايمر Max Horkheimer (1973–1895)، وعنوانه «الوضعية الحالية للفلسفة الاجتماعية ومهمات معهد البحث الاجتماعي»، ذهب فيه إلى القول إن الفلسفة الاجتماعية تمثل نوعًا من التأويل الفلسفي لمصير البشرية، بوصفهم أفرادًا يعيشون في جماعة؛ لأنها لا تهتم إلا بالظواهر التي لا يمكن فهمها إلا من خلال الحياة الاجتماعية المتمثلة في الدولة، والقانون، والاقتصاد، والدين، أي بالشروط المادية والروحية للثقافة الإنسانية في كليتها. وتظهر خلفيتها النظرية في الفلسفة المثالية الألمانية، ولا سيما في فلسفة هيغل التي أصبحت «في أجزائها الأساسية فلسفة اجتماعية». ولقد توقف هوركهايمر عند جوانب أساسية من هذه الفلسفة، ولا سيما ما تعلق منها بالصراع داخل المجتمع، والعلاقة المتبادلة بين الفرد والمجتمع، وكون الفرد لا يحقق معناه إلا في الوحدات التي تتجاوز الشخص Transpersonnelles، كوحدة الطبقة، والدولة، والأمة. وتتميز بموقفها النقدي من القضايا والمشكلات الاجتماعية والنظرية، على حد سواء، ومنها، على سبيل المثال، موقفها النقدي من النزعة الوضعية التي تركز على الجزئي، وتستبعد الكلي، وترجمته على المستوى الاجتماعي بما يعني اهتمامها بالفرد على حساب الجماعة. ولم يعتبر الفلسفة الاجتماعية علمًا

خاصًا، وإنما هي عبارة عن فرع Discipline يدرس الطرق المختلفة والملموسة التي يتبعها البشر في معاشهم، ويستعملونها في كل أنواع اجتماعهم، ابتداء من العائلة إلى الدولة والإنسانية، مرورًا

بالتجمعات الاقتصادية والسياسية. وهي بذلك تختلف عن علم الاقتصاد وعلم الاجتماع؛ لأنها تهتم بالواقع ومستوياته المختلفة، وتتخذ مواقف سياسية وأخلاقية. لذلك، خلص هوركهايمر إلى أن العلاقة بين الفلسفة الاجتماعية والعلوم الاجتماعية يجب ألا تقوم على التنافر، وإنما تقوم على التعاون. ومن الضروري تجاوز ذلك التصور الذي يرى فيه الباحث المختص أن الفلسفة الاجتماعية تمرين عقلي من الوجهة العلمية، ويرى، في المقابل، أنصار الفلسفة الاجتماعية أن ازدهارها لا يرتبط بنتائج الباحث العلمي. إن مثل التصور في نظره قد جرى «تجاوزه

(3) Max Horkheimer, «La Situation actuelle de la philosophie sociale et les taches d’un institut de recherché sociale (1931),» Gérard Coffin, Olivier Masson & Joëlle Masson (trad.), in: Théorie critique , Essais présentés par Luc Ferry & Alain Renault, groupe de traduction du Collège de philosophie avec la participation de L. Ferry, J. Masson, O. Masson et J. P. Pesron (trad.) (Paris: Payot, 2009), pp. 55–68. (4) Ibid., p. 55. (5) Ibid., p. 57. (6) Ibid., p. 60.

يرى هوركهايمر أن الفلسفة الألمانية الحديثة والمعاصرة، باتجاهاتها المختلفة، قد أسهمت في تأسيس الفلسفة الاجتماعية بطرق

مختلفة، باستثناء فلسفة هايدغر التي عرضها في كتابه الوجود والزمان؛ بسبب رأيه الذي يقول: إن الكائن ليس كائنًا، إلا من أجل

الموت. ينظر:

Max Horkheimer, «La Situation…,» pp. 60–61. (7) Ibid., p. 61. (8) Ibid., p. 62.

اليوم بفكرة تطور في العلاقة الجدلية بين النظرية الفلسفية والممارسة العلمية المختصة»؛ لذا، فإن اتباع الطرق العلمية في دراسة المشكلات الفلسفية، قد وجّه معهد العلوم الاجتماعية الذي ترأسه وجهة العمل البيني بين المعارف العلمية المختلفة Interdisciplinarité، ولا سيما مع علم الاجتماع، وعلم الاقتصاد، وعلم النفس، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم التاريخ... إلخ. وقدَّم في هذا الشأن مشروع خطة عمل لهذا التصور البحثي والجماعي والبيني والملموس والنظري في الوقت نفسه. وكان من نتائجه ظهور عدد من الأعمال، لعل أهمها كتاب السلطة والعائلة الذي جمع بين الدراسات الميدانية، والمساهمات النظرية التي ميزت مدرسة فرانكفورت في المسألة السياسية والاجتماعية والأخلاقية، على حد سواء. وكما قال مؤرخ مدرسة فرانكفورت، بول لوران أسون، فإنه مع صعود: «ماكس هوركهايمر على رأس المعهد سنة 1931، تبدد الالتباس من جراء توضيحه بالذات والمطالبة به كضرورة منهجية تحت عبارة (فلسفة اجتماعية»). ولم يتردد هذا المؤرخ في إجراء مماثلة بين مدرسة فرانكفورت وعلم الاجتماع والفلسفة الاجتماعية. قدّم ثيودور أدورنو Theodore W. Adorno (1969–1903)، من جانبه، مجموعة من النصوص المحددة للفلسفة الاجتماعية، لعل أهمها نصه المعنون ب «آنية الفلسفة»، دعا فيه إلى ضرورة التخلي عن «الوهم» الذي صاحب المشاريع الفلسفية، والمتمثل في إدراك الوجود الكلي عبر قوة الفكر. ويشهد تاريخ الفلسفة عمومًا، وأزمة الفلسفة المثالية خصوصًا، على هذا التلاشي. وبالنظر إلى عدم القدرة على إدراك هذا الكلي، فإن الحل يتمثل في إقامة نوع من التواصل بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية، وعلى رأسها علم الاجتماع. وكما يقول: «على هذا التواصل أن يبحث عن مواده العلمية في علم الاجتماع، على وجه الخصوص؛ لأنه العلم الذي يبلور عناصر دقيقة ترتبط بالمواضيع الفلسفية، وذلك بحسب الحاجات الخاصة بعمليات التأويل». وإذا كان مجال هذا البحث لا يسمح بدراسة مفصلة لعلاقة الفلسفة عمومًا، والفلسفة الاجتماعية خصوصًا، بعلم الاجتماع، كما يرى ذلك أدورنو، فمن المهم أن نشير، على الأقل، إلى ثلاثة عناصر: أولها مفهومه للمجتمع الذي كان وراء النقاش والسجال الذي دار بينه وبين النزعة الوضعية المنطقية،

(9) Ibid., p. 63. (10) Ibid., pp. 65–67. (11) Max Horkheimer, «Autorité et famille (1963),» in: Théorie traditionnelle et théorie critique , Claude Maillard & Sibylle Muller (trad.) (Paris: Gallimard, 1974), pp. 229–320.

(1((بول لوران أسون، مدرسة فرانكفورت، ترجمة سعاد حرب، ط 2 (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2005)، ص.11

(13) Theodore W. Adorno, «L’Atualité de la philosophie,» Antonia Birnbaum & Michel Metayer (trad.), Tumultes , no. 17–18 (2001), pp. 153–172. (14) Ibid., p. 154. (15) Ibid., p. 168.

والوضعية الجديدة، وبعض روادها، ومنهم، على وجه التحديد، كارل بوبر؛ إذ ذهب إلى القول إن «ما نسميه مجتمعًا، بالمعنى القوي للكلمة، هو ما يظهر نوعًا من التشابك، من دون أن يتجاهل أو يترك

شيئًا، حيث العناصر المكونة له كما لو كانت نسبيًا متبادلة، ولها القوة نفسها على التفكير، كما لو

كانت واحدة». وهو ما يعني أن المجتمع يؤلف كليةً، يمثل فيها التبادل جوهره، والوظيفة طابعها الخاص. ولا يمكن إدراك المجتمع في كليته إلا بدراسة تاريخه، من هنا ربط أدورنو بين دراسة المجتمع والتاريخ، بمعناه الواسع والعميق، في خلاف واضح مع الدراسة الوضعية التي تكتفي بالجانب الوصفي والجزئي للمجتمع. وكما قال، فإن «التاريخ ليس إحدى خلفيات المعرفة الاجتماعية، بل إنه عنصر جوهري يدخل في تركيب كل معرفة اجتماعية». وأكد ضرورة ربط علم الاجتماع بعلم النفس وعلم النفس الاجتماعي، وهو ما يرفضه أنصار الوضعية والماركسية، على حد سواء، في نظره. ويكمن السبب في ربط علم الاجتماع بعلم النفس، بحسب أدورنو، في أن «المجتمع ليس جمعًا لمواضيع

فحسب، بل لذوات أيضًا. علمًا أن دور العوامل الذاتية آخذ في التحول وسط الصيرورة المجتمعية

الكلية [...] وبقدر ما يشمل المجتمع الذوات، بقدر ما يصبح هؤلاء جزءًا من النظام، ولا يستقيم

النظام من خلال توجهه القمعي للذوات، بل هو يستقيم من خلالهم». ويعتبر نص الفيلسوف أكسيل هونيث Honneth Axel «الباثولوجيات الاجتماعية: ماضي وحاضر الفلسفة الاجتماعية» بمنزلة النص التأسيسي الثالث للفلسفة الاجتماعية، مقارنة بنصَّي هوركهايمر

وأدورنو، ويعبّر، في الوقت نفسه، عن التطور الذي عرفته النظرية النقدية عند الجيل الثالث في مدرسة

فرانكفورت. يرى هونيث أن مكانة الفلسفة الاجتماعية في المشهد الفلسفي المعاصر تتصف بالهشاشة؛ لأنه في الوقت الذي تتميز فيه في المشهد الفكري الألماني بالهيمنة على بقية الفروع الفلسفية والإنسانية،

((1(عن هذا النقاش والسجال، ينظر:

Theodore Adorno & Karl Popper, De Vienne à Francfort: La Querelle allemande des sciences sociales (Paris: Editions Complexe, 1979).

(1((ثيودور أدورنو، محاضرات في علم الاجتماع، ترجمة جورج كتورة (بيروت: مركز الإنماء القومي، [د. ت.])، ص.29 ((1(المرجع نفسه، ص.28 ((1(المرجع نفسه، ص.122

(20) Axel Honneth, «Les Pathologies du social: Tradition et actualité de la philosophie sociale,» in: Olivier Voirol, Pierre Ruch & Alexandre Dupeyrix (trad.), La Société du mépris: Vers une nouvelle théorie critique (Paris: La Découverte, 2008), pp. 39–100.

((2(لقد تركنا عن قصد الحديث عن هابرماس؛ لأسباب أساسية، أهمها أن هابرماس لم يخصص نصًا محددًا للفلسفة الاجتماعية،

وإنما أشار إليها في نصوصه الكثيرة، لعل أهمها نص كتابه النظرية والتطبيق: دراسات في الفلسفة الاجتماعية، وفيه نقرأ دراسات حول هيغل وعلاقته بالثورة الفرنسية، والماركسية وعلاقتها بالعلم والفلسفة، والمهمات النقدية والمحافظة لعلم الاجتماع، والمشكلات التقنية للمجتمعات المعاصرة، وقبل هذ كله دراسته للنظرية الكلاسيكية في السياسة، وعلاقتها بالفلسفة الاجتماعية.

إضافة إلى أنه يميل إلى استعمال مصطلح «النظرية الاجتماعية» بدلً من «الفلسفة الاجتماعية».

وتشهد توسعًا متزايدًا، فإنها في التقليد الفرنسي والأنكلوسكسوني ليست أكثر من فرع مساعد للفلسفة

السياسية، بحيث تكاد تفقد كل ملامح الفرع المعرفي. وسعيًا لتجاوز هذه المفارقة، قدم هونيث أطروحة أساسية، صاغها في تعريف أولي لموضوعها، يقول

فيه: «إن موضوع الفلسفة الاجتماعية، وأولويتها، هو تحديد وتحليل عمليات تطور المجتمع التي تظهر كأنها تطورات مضطربة، وتعبر عن باثولوجيات اجتماعية social du pathologies ». وبناء على هذه الأطروحة/ التعريف، بيَّن هونيث علاقة الفلسفة الاجتماعية بالفروع المعرفية

الإنسانية القريبة منها، مسائلًالتاريخ الفكري الغربي الحديث الذي نظر في هذه الأمراض. ومن معالمه، على سبيل المثال لا الحصر، روسو في نقده للحضارة الغربية، فهو وإن لم يستعمل المصطلح، فإنه شخَّص انقسام المجتمع واغترابه. وتجلى ذلك في ظهور علم الاجتماع الذي يجب على الفلسفة الاجتماعية أن تأخذ نتائج تحليلاته في الاعتبار، ولا سيما عند الآباء المؤسسين لهذا الفرع العلمي الأساسي في العلوم الاجتماعية والإنسانية. وتحليل ظاهرة الشمولية، وتتجلى في التجربة النازية والستالينية، وفي العوائق التي تحول دون التطور الاجتماعي لأعضاء المجتمع، والحد من إمكاناتهم في تحقيق (حياة خيرة، طيبة، كريمة، سعيدة). وهذا يعني أن ما يميز الفلسفة الاجتماعية هو اعتمادها على معايير أخلاقية مغايرة لمعايير الفلسفة السياسية وفلسفة الأخلاق، بالمعنى التقليدي، ولا سيما من جهة العلاقة بين القيم والمجتمع، والمعايير والممارسة، والنظرة النقدية التي تهدف إلى تحقيق الانعتاق. من هنا نستطيع القول إن هونيث قد أجرى تحديدًا للفلسفة الاجتماعية يقوم على ثلاث خطوات متكاملة: تاريخية عرض فيها آراء الفلاسفة والعلماء الذين أسهموا في تأسيس الفلسفة الاجتماعية، سواء أكان ذلك بطريقة مباشرة أم غير مباشرة، وتحليلية قائمة على تعيين الأمراض الاجتماعية، وأخيرًا

مقارنة الفلسفة الاجتماعية ببعض الفروع الفلسفية، ولا سيما الفلسفة السياسية وفلسفة الأخلاق. إذا كانت التحديدات السابقة تنتمي إلى مدرسة فكرية معينة، لها ملامحها الأساسية، مهما تعددت وتطورت، ونعني بذلك مدرسة فرانكفورت، فإن هنالك توجهًا عامًا يحاول أن ينظر إلى الفلسفة

الاجتماعية باعتبارها فرعًا فلسفيا جديدًا، يستفيد من منجزات مدرسة فرانكفورت، عبر أجيالها الثلاثة الأساسية، وفي الوقت نفسه يضيف إليها منجزات التراث الاجتماعي والسياسي، الفرنسي والأنكلوسكسوني. ويعتبر كتاب الفيلسوف الفرنسي فرانك فايشباخ Fischbach Franck بعنوان بيان من أجل فلسفة اجتماعية، بمنزلة النص التأسيسي الرابع، مقارنة بنصوص هوركهايمر وأدورنو وهونيث، للفلسفة الاجتماعية في المجال الفرنسي تحديدًا، والعالمي على وجه العموم؛ لأنه يحاول الاستفادة من

(22) Honneth, «Les Pathologies du social,» p. 40. (23) Ibid.

الميراث الاشتراكي والاجتماعي منذ الثورة الفرنسية. وكذلك من الجهود النظرية المتمحورة حول المجتمع المدني في إنكلترا منذ القرن الثامن عشر، والفلسفة البراغماتية الأميركية، ولا سيما جون ديوي John Dewey (1952–1859) الذي تحتل إسهاماته مكانة متميزة في الفلسفة الاجتماعية المعاصرة؛ إذ إن الفلسفة تتحدد عنده بما هي ممارسة اجتماعية، هدفها تغيير المجتمع وتحسينه؛ كي يتيح للأفراد تحيين قدراتهم، معتمدين في ذلك على دور التربية والتعليم. إضافة إلى جهد بعض المنظّرين وفلاسفة ما بعد البنيوية، أمثال ميشيل فوكو (1984–1926) وبيير بورديو (2002–1930)، بحيث أصبحت الفلسفة الاجتماعية تشير إلى نقد الحداثة الغربية. وعلى الرغم من الاختلاف الظاهر في الطرح بين هونيث وفايشباخ، في ما يتعلق بتحديد الفلسفة الاجتماعية وتعريفها، فإن النظرة الفاحصة تثبت تكاملهما. والدليل على ذلك هو أن موضوع الفلسفة الاجتماعية عند هونيث إذا كان يدور حول الباثولوجيات الاجتماعية، فإن موضوعها عند فايشباخ يتعلق بالنشاط العلاجي Thérapeutique Activitéالذي تقوم به هذه الفلسفة. ومعلوم أن فكرة ربط الفلسفة، على وجه العموم، بالعلاج تعود أساسًا إلى الفيلسوف لودفيغ فتغنشتاين (1951–1889)

الذي جعل من الفلسفة أسلوبًا فنيًا لعلاج المشكلات الفلسفية، و«مهمتها مهمة علاجية». متخذًا

(2((نشير إلى كتابين يحملان دلالة خاصة، سواء لاستعمالهما مصطلح «الفلسفة الاجتماعية» استعمال صريحًا، أو لارتباطهما

بحدث الثورة الذي كان، ولا يزال، موضوعًا أساسيًا في الفلسفة الاجتماعية. ظهر الأول في نهاية القرن الثامن عشر بعنوان الفلسفة

الاجتماعية مهداة إلى الشعب الفرنسي (1788)، والثاني بعنوان الفلسفة الاجتماعية للقرن الثامن عشر والثورة، وهو ما يفيد ارتباط الفلسفة الاجتماعية بحدث الثورة. يُنظر تحديدًا:

Lucius Junius Frey, La Philosophie sociale, dédiée au people Français (Paris: Froullé, 1793); Alfred Espinas, La Philosophie sociale du XVIII siècle et la révolution (Paris: Alcan, 1898).

(2((يُنظر على وجه الخصوص: آدم فيرغسون، مقالة في تاريخ المجتمع المدني، ترجمة حيدر حاج إسماعيل (بيروت: المنظمة

العربية للترجمة،.)2014 ((2(لمزيد من التفاصيل، يُنظر:

Lucie Chataigne–Pouteyo, «John Dewey (1859–1952): Philosophie sociale, droit et éducation,» Recherches sur la philosophie et le langage , no. 28 (2012), pp. 175–192; Laure Bazzoli & Veronique Dutraire, «La Contribution de la philosophie sociale de John Dewey a une philosophie critique de l’économie politique,» Cahiers d’économie politique , no. 65 (2013), pp. 129–159.

((2(نشير، في ما يتعلق بفوكو، إلى أن الموضوعات الفلسفية التي ناقشها موضوعات اجتماعية خاصة بالمهمشين والمقصين، أمثال فئة المجانين والمرضى والمساجين والمنحرفين، وكذلك إسهامه في النقد الاجتماعي. وهنالك دراسات كثيرة تناولت الجانب الاجتماعي والفلسفي عند هذا الفيلسوف، يُنظر على سبيل المثال لا الحصر:

Marcelo Otero, «La Sociologie de Michel Foucault: Une critique de la raison impure,» Sociologie et société , no. 2 (2006), pp. 49–72.

أما بخصوص بيير بورديو، فإن الأمر لا يحتاج إلى ذكر أنه أحد مجددي علم الاجتماع المعاصر، ويعتبر كتابه بؤس العالممن النصوص الأساسية في الفلسفة الاجتماعية؛ لأنه أرسى قواعد علم اجتماع نقدي، إضافة إلى دراساته الرائدة للمجتمع الجزائري، يُنظر على سبيل المثال لا الحصر كتابه:

Pierre Bourdieu, Esquisses algériennes (Paris: Seuil, 2008). (28) Franck Fischbach, Manifeste pour une philosophie sociale (Paris: La Decouverte, 2009), p. 72.

(2((عزمي إسلام، لدفيج فتجنشتين (القاهرة: دار المعارف، [د. ت.])، ص.78

من اللغة سبيلً إلى حل، أو بالأحرى علاج، المشكلات الفلسفية، ولا سيما ما تعلّق بالمشكلات الميتافيزيقية، أو ما يسمى القضايا الميتافيزيقية الخالية من المعنى، في مقابل القضايا العلمية، سواء أكانت قضايا تجريبية، أم قضايا رياضية. ولكن إذا كانت الفلسفة الاجتماعية تتفق مع فلسفة اللغة، أو بالأحرى الفلسفة اللغوية، كما أسسها فتغنشتاين، في الطريقة، فإنها تختلف معها في الهدف؛ لأن فايشباخ يرى أن العلاج الذي تقدمه الفلسفة الاجتماعية ليس معنيًا بالقضايا العلمية والميتافيزيقية، أو بالتحليل المنطقي

للقضايا، كما طبقته الوضعية المنطقية عند هانز رايشنباخ ورودولف كارناب تحديدًا، وإنما هو علاج مضاد لتوجه الفلسفة المعاصرة في عمومه، ولتوجه الفلسفة السياسية والأخلاقية الذي يقلل من كل ما هو اجتماعي ويحقره، بدعوى عموميته أو خصوصيته، على حد سواء. ويظهر هذا الموقف في عدم الاهتمام، على سبيل المثال لا الحصر، بموضوعين هما إشكالية أو قضية العمل، بما هي إشكالية فلسفية، والعلاقة بالعلوم الاجتماعية والإنسانية. وعلى عكس الفلسفة اللغوية، والفلسفة السياسية والأخلاقية، بمعناهما الكلاسيكي أو المتداول في الدراسات الأكاديمية الرسمية، فإن هذين الموضوعين يحتلان مكانة مركزية في الفلسفة الاجتماعية، ولأن موضوع العمل، على وجه التحديد، ينتمي إلى الإمكانات الكبرى التي تتيح للأفراد أن يحققوا

ذواتهم، تعتبر الفلسفة الاجتماعية، في توجهاتها المعاصرة المختلفة، استكمالً للميراث الفلسفي الهيغلي والماركسي. وبناء على ذلك، فإن العلاج الفلسفي المقصود في الفلسفة الاجتماعية يعني «خلق شروط تعاون بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية حول العمل»، على أن نربط العمل نفسه بمسألتين أساسيتين: الأولى التحرر في مقابل الهيمنة، والثانية تحقيق الحياة السعيدة أو الخيرة أو الطيبة أو الكريمة، في مقابل الحياة البائسة أو الشقية أو الهشة أو الذليلة. والنظر في مقولة العمل ليس على أنها تعبير عن ظاهرة اجتماعية واقتصادية فحسب، وإنما بوصفها، كما قال هربرت ماركوز «مقولة وجودية تحدد كينونة الوجود الإنساني، بما هو وجود تاريخي». وبذلك يدخل العمل ضمن مقولة عامة وأساسية في الفلسفة الاجتماعية، وهي مقولة الممارسة Praxis، والممارسة الاجتماعية على وجه التحديد؛ لأنه لا وجود لمجتمع من دون العمل. وبهذا المعنى، فإن الفلسفة الاجتماعية تتحدد بغايتها التنويرية والتحريرية من خلال العمل، وتولي أهمية قصوى للشروط الواقعية للعمل، وللعلاقات الإنسانية والاجتماعية القائمة. على أن نفهم هذه

(3((عن الفرق المفهومي بين فلسفة اللغة والفلسفة اللغوية، يُنظر: الزواوي بغوره، الفلسفة واللغة: نقد المنعطف اللغوي في

الفلسفة المعاصرة (بيروت: دار الطليعة، 2005)، ص.196–195

(31) Franck Fischbach, «Philosophie sociale et philosophie du social,» CIPPA: Centre International de Philosophie Politique Applique. no. 2 (2012–2013), p. 4. (32) F. Lordon, «Philosophie et sciences sociales: Vers une nouvelle alliance?» Cahiers philosophiques , no. 132 (2013), p. 123. (33) Herbert Marcuse, Culture et société (Paris: Les Editions de Minuit, 1970), p. 128.

العلاقات كما بيّنتها حنة أرندت Hannah Arendt (1906–1975) في كتابها الشرط الإنساني

الحديث، بعدّه انبثاقًا للاجتماعي، بما هو مولد للحداثة، من خلال ترقية الجانب الخاص المتمثل بالعمل ضمن الفضاء العام، وهو ما يؤدي إلى القول إن الاجتماعي يحتاج إلى السياسي ليؤسسه؛ لذا، يجب رفع الاحتقار وعدم الاهتمام الذي توليه الفلسفة عمومًا، والفلسفة السياسية والأخلاقية

خصوصًا، للمجتمع بدعوى نسبيته، وتغيره، وتحوله. ولا تستطيع الفلسفة الاجتماعية تحقيق ذلك؛ أي

تحقيق دراسة المجتمع، إلا بالحوار مع العلوم الاجتماعية والإنسانية، مع تأكيد الموقف النقدي، والالتزام الفلسفي بالاجتماعي؛ لأنّه، كما يقول فايشباخ، «مسؤولية الفيلسوف إذا لم تكن تغيير العالم، فإنها تعني، على الأقل، القيام بنوع من المصاحبة النظرية للقوى الاجتماعية الحاملة والقادرة على التغيير». وبناء على هذا التحليل التاريخي والمعرفي القائم على جملة من النصوص التأسيسية، فإن الفلسفة الاجتماعية، تتميز بجملة من المميزات أو السمات الأساسية التي تحدد مفهومها، ومن أهمها: • الاعتراف باستقلالية المجتمع والحياة الاجتماعية، والنظر في الإكراهات والقواعد الاجتماعية، مثلما ينظر إليها علم الاجتماع. لكن من دون أن تتماهى معه؛ بسبب طابعها النقدي. • ارتباط الفلسفة الاجتماعية بالسياق الاجتماعي، وتتحدد بوصفها فلسفة عملية، بما أنها تهدف، على خلاف الفلسفة السياسية والأخلاقية، إلى تحقيق التغيير الاجتماعي، سواء بطريقة تربوية أم بطرق عملية، ضمن أفق يسعى لتأسيس مجتمع أقل مرضًا، ومعاناة، واضطرابًا، وأكثر صحة، وتوازنًا،

وعقلانية. • تسعى الفلسفة الاجتماعية لتشخيص ما هو قائم، وذلك ضمن أفق كانطي، أو بتعبير آخر، ضمن التصور الكانطي المطروح في نص: ما هو التنوير؟ أي العمل ضمن أفق التنوير، وتحقيق الذات، والتحرر من الأشكال المختلفة للوصاية. • اهتمام الفلسفة الاجتماعية بتقييم ما هو قائم ونقده، ولا سيما ما تعتبره بمنزلة «التطورات الفاشلة» أو (الباثولوجيات الاجتماعية) في الحياة الاجتماعية. • اعتبار مدرسة فرانكفورت بمنزلة الأرضية التي انبثقت منها الفلسفة الاجتماعية، ولا سيما عند الفلاسفة الذين درسناهم في هذا البحث، إلا أنها نمت وتطورت في اتجاهات كثيرة، بحيث شملت اتجاهات فلسفية كثيرة، منها الماركسية باتجاهاتها المختلفة، والوجودية عند سارتر،

(34) Hannah Arendt, Condition de l’homme moderne , Georges Fradier (trad.) (Paris: Calmann–Levy, 1983), pp. 123–

(35) André Enegren, La Pensée politique de Hannah Arendt (Paris, PUF, 1984), pp. 68–88. (36) Laurent Cournarie, «La Philosophie sociale», (2015), accessed on 25/8/2019, at: http://bit.ly/2LdiT0e

(3((حول نص التنوير وتأويلاته في الفلسفة المعاصرة يمكن العودة إلى: الزواوي بغوره، ما بعد الحداثة والتنوير: موقف

الأنطولوجيا التاريخية (بيروت: دار الطليعة، 2009)، ص.99–71

والبراغماتية عند ديوي، والبنيوية وما بعدها عند فوكو وبورديو، والأدب، ولا سيما في الرواية الاجتماعية، وبعض الاتجاهات الفلسفية المعاصرة كالنسوية، والتعددية الثقافية، وبالطبع الجهود النظرية لعلماء الاجتماع، وعلماء النفس الاجتماعي، وعلماء النفس، والأنثروبولوجيين، والمؤرخين... إلخ. وهذا يعني أن الفلسفة الاجتماعية إن كانت قد انبثقت من مدرسة فرانكفورت، فإنها لم تعد محصورة ضمنها؛ بسبب التطورات التي عرفتها المدرسة نفسها، وبسبب تعدد مصادرها في الفكر المعاصر. ومهما بدت هذه المميزات محددة للمعالم الكبرى للفلسفة الاجتماعية، فإن الذي يجب أن يكون منا على بال هو أن النقاش حول مضمون الفلسفة الاجتماعية لا يزال قائمًا، ويتصدر اهتمامات

الفلاسفة والدارسين للمسألة السياسية والاجتماعية، على حد سواء. ومن أهم عناصره علاقة الاجتماعي بالسياسي، وأشكال الصراعات الاجتماعية المختلفة، وعلاقة المجتمع المدني بالدولة، ومسألة حقوق الإنسان والمواطنة، ودور المجال العام وأهميته، وموضوع العمل، وتحولاته ومستقبله، في المجتمعات المعاصرة، وغيرها من الموضوعات التي تناولها الباحثون والفلاسفة في هذا المجال.

ثانيًا: في نظرية الفلسفة الاجتماعية

إذا كنا في ما مضى قد بيَّنا بعض السمات الأساسية لمفهوم الفلسفة الاجتماعية، فإننا لا نستطيع إدراك

خصوصية هذا المبحث الفلسفي الجديد ما لم ننظر في تصورها للعلاقة التي تجريها بين القيم والواقع، والنظرية والممارسة، وذلك من خلال موضوع من مواضيعها، ونظرية من نظرياتها. وبالنظر إلى أن المجال لا يسمح بالتفصيل في الموضوعات المختلفة التي تدخل ضمن الفلسفة الاجتماعية، فإننا سنكتفي بالإشارة إلى موضوع العمل في علاقته بنظرية الاعتراف، بما هي نظرية أساسية في الفلسفة الاجتماعية. وفي هذا السياق، فإن ما يجب أن يكون منا على بال هو أن الفلسفة الاجتماعية تستمد بعض مبادئها الفلسفية من الميراث الهيغلي، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، ومنها، على وجه التحديد، أن إدراك أي ملمح من الواقع الاجتماعي يوجب ربطه بالواقع الاجتماعي الكلي. ويتفرع هذا المبدأ إلى ثلاث قواعد مترابطة، وفق المنظور الجدلي الهيغلي: تتمثل القاعدة الأولى في أن النقد الاجتماعي؛ كي يكون ملائمًا، يجب أن يحيل إلى النظام الاجتماعي في مجمله؛ لأن النظرة الجزئية للوقائع تسقط في

الأحادية، أو في تضخيم بعض العناصر، وتجاهل العناصر الأخرى. والثانية أن التحليل النقدي للحياة الاجتماعية يتطلب دراستها من وجهة التجارب الفردية والبنى الاجتماعية، بما أن النقد الاجتماعي يهتم بدراسة الأمراض الاجتماعية التي لها أثر في حياة الأفراد الخاصة، ولكن يجب تحليل تجارب

((3(يُنظر صلة البراغماتية بالفلسفة الاجتماعية في:

Roberto Frega, La Pragmatique comme philosophie sociale et politique , Jim Gabaret (trad.) (Paris: Éditions La Rue Ulm,

هؤلاء الأفراد ضمن منطق العمليات الاجتماعية Socialization وإعادة الإنتاج الاجتماعي Sociale Reproduction. وهذا يعني أن الفلسفة الاجتماعية تجمع بين الطرح النفسي والاجتماعي في الوقت نفسه. وتتصل القاعدة الثالثة بطبيعة الفلسفة الاجتماعية، باعتبارها فلسفة محايثة Immanence لا تنظر في الواقع الاجتماعي الذي تدرسه بمنظور تأملي، وإنما تعتبر نفسها جزءًا من هذا الواقع الذي تدرسه، وتحاول دراسته دراسة نقدية. وهذا ما يسمى «مبدأ المحايثة» الذي يميز الفلسفة الاجتماعية، منذ أن حدد بعض معالمها هوركهايمر. وبناء على هذا التوجه المنهجي، فإن الفلسفة الاجتماعية تنظر إلى علاقتها بالممارسة والتطبيق، وفقًا لمبادئ معيارية، يتمثل أحدها في أن معايير النقد يجب ألا تمارَس بطريقة خارجية، أو من الأعلى، على الواقع الاجتماعي، وإنما يجب أن تكون جزءًا من الواقع الاجتماعي نفسه، وهو ما يعني القول بمبدأ المحايثة على مستوى المعايير نفسها، وهذا ما يُصطلح عليه ب «المحايثة في التعالي» transcendance la dans Immanence. ويتفرع هذا المبدأ المعياري إلى قاعدتين، بحسب النظرة النفسية أو الاجتماعية. يفيد، من الناحية النفسية، أن الفلسفة الاجتماعية معنية بالمطالب التي يتقدم بها الفاعلون أنفسهم، مع ضرورة الأخذ في الاعتبار أن «البنى الاجتماعية تعيق صياغة التطلعات المعيارية بشكل مباشر وشفاف». ويعني، من الناحية الاجتماعية، أن الفلسفة الاجتماعية تعطي قيمة إبستيمولوجية مقررة للحركات الاجتماعية، بوصفها مجالً متميزًا، حيث يمكن للتطلعات المعيارية أن تعبّر عن نفسها تعبيرًا مباشرًا. وبهذا المعنى، فإن الفلسفة الاجتماعية تمثّل التعبير النظري

للتطلعات العملية. ويعتبر العمل موضوعًا أساسيًا في الفلسفة الاجتماعية، وذلك عكس المباحث الفلسفية الأخرى،

ولا سيما مبحثي الفلسفة السياسية والأخلاقية؛ بسبب طبيعة المجتمعات المعاصرة التي تقوم على العمل، ولعدّ البطالة أشد بؤس يصيب الفرد المعاصر، بل نستطيع القول، ولا سيما بالنسبة إلى المجتمعات المتقدمة، إن البطالة تعد بمنزلة نفي اجتماعي للفرد. وبتطبيق مبدأ المحايثة على العمل، يجب الانطلاق من تشخيص أمراض العمل في المجتمع المعاصر. ويقدم علم النفس، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم الاجتماع، وعلم الاقتصاد، مجموعة مهمة من الأدبيات التي تسمح برسم ملامحه الأساسية. ولعل أول هذه الملامح تكثيف الجهد، وإضعاف العامل المتمثل في الخوف من البطالة، وما تسببه من تدنٍّ في المنزلة الاجتماعية، وما تؤدي إليه من تشوهات، سواء تعلق الأمر بالصحة الجسدية أم العقلية، أم في العلاقة بالقيم الأخلاقية، وعلى رأسها

(39) Jean–Philippe Deranty, «La Philosophie sociale entre sociologie et psychologie: Le Cas du travail,» Cahiers philosophiques , no. 132 (2103), p. 23. (40) Ibid., p. 24. (41) Ibid.

قيمة التضامن، وتقدير قيمة العمل، وصلته بالاعتراف بمستوياته المختلفة، الاقتصادية والسياسية والأخلاقية، وبمثال الانعتاق، بما هو «رفع لدرجة الاعتراف في مختلف الفضاءات الاجتماعية ». ولعل من مظاهر أمراض العمل في المجتمع المعاصر ازدياد العمل المؤقت، مقارنة بالعمل الدائم في الوقت الذي تطور فيه حق العمل وما أدى إليه من مرونة بل وسيولة في مراتب العمل ومنازله، ووضع استراتيجيات للحد من العمل الثابت والمستقر نسبيًا، وتكثيف طرق التسيير الجديدة Management

التي أصبحت تشمل مؤسسات المجتمع المختلفة، وإعادة النظر في قيمة العمل، ولا سيما في القطاع العام أو الحكومي؛ بغرض الخصخصة، ومن ثم إخضاعه لنظم التسيير الجديدة التي تحتكم إلى قيمة المنافسة والربح. ويثبت عديد الدراسات الاجتماعية والنفسية أن خبراء كثيرين من خارج المؤسسات يفرضون على العاملين الإجراءات التي يعتبرونها منتجة ومربحة، من دون الأخذ في الاعتبار واقع العمل نفسه. تفرض هذه الملامح العامة على الفلسفة الاجتماعية أن تنظر في مسألة العمل ضمن واقع الرأسمالية المعاصرة، وأن تبين المميزات الخاصة بهذه الرأسمالية في صورتها الليبرالية الجديدة، معتمدة في ذلك على ما تقدمه الدراسات الاقتصادية والاجتماعية الخاصة بوصف هذه المرحلة من الرأسمالية. وبالطبع، يمكن الوقوف عند هذه الملامح من دون حاجة إلى الفلسفة الاجتماعية، إلا أن «اللحظة الفلسفية تثبت قيمتها بالنسبة إلى التشخيصات التجريبية المقدمة ما إن يُطرح السؤال حول المكانة

التي تحتلها تجربة العمل في حياة الأفراد وتنظيم العمل في البنى أو الهياكل الاجتماعية». وهذ ما يؤدي إلى طرح مشكلة الذات، ونوعية المجتمع الذي تحيا فيه، والنظام الاجتماعي الذي تجب إقامته. وإذا كان المجال لا يسمح بدراسة مفهوم العمل دراسة مفصلة، وذلك بالنظر إلى صلته بتراث فلسفي غني ومعقد جدًا، يشمل تراث هيغل وماركس، وما يُعرف بما بعد الماركسية عمومًا، وبمدرسة

فرانكفورت بوجه خاص، وعلاقته بالرأسمالية، وبمثال الانعتاق، فإننا سنكتفي بالإشارة إلى ما له صلة مباشرة بنظرية الاعتراف، كما صاغها أكسيل هونيث وكريستوف ديجور Dejours Christophe، وإيمانويل رينو Renault Emmanuel.

((4(هنالك دراسات كثيرة في هذا الموضوع، يُنظر على سبيل المثال:

P. Coupechoux, La Déprime des opprimes, enquête sur la souffrance psychique en France (Paris: Seuil, 2009). (43) Axel Honneth, «Le Motif de tout conflit est une attente de reconnaissance,» in: Pensées critiques (Paris: La Découverte, 2009), p. 181.

((4(يُنظر على سبيل المثال:

Y. Clot, Le Travail à Cœur: Pour en finir avec les risques psychosociaux (Paris: La Découverte, 2010). (45) Deranty, p. 31. (46) Axel Honneth, «Travail et agir instrumental: A propos des problèmes catégoriels d’une théorie de la société,» Isabelle Germet (trad.), Travailler , vol. 2, no. 18 (2007), pp. 17–58.

قدم هونيث نظرية في الاعتراف، تفسر العمل باعتباره موضوعًا للصراع لأجل الاعتراف، وتجعل منه عنصرًا أساسيًا في الاعتراف بالمنزلة الاجتماعية، وبالإسهام الاجتماعي؛ لأن العمل، بحسب تحليله،

يشكل فضاء من بين الفضاءات الاجتماعية الثلاثة الرئيسة، ألا وهي: الحب، والقانون، والتضامن. إذ يُجري الأفراد والجماعات تجارب الاعتراف المتبادل الذي يتيح لهم بلوغ درجة معينة من الاستقلال الذاتي، ويمكنهم في المجال الأول من تحقيق الثقة بالنفس، وفي المجال الثاني من تحقيق الاحترام، وفي المجال الثالث من تحقيق التقدير. ولكن من الممكن أن يكونوا عرضة، في هذه المجالات الثلاثة، للإذلال، أو لتجربة إذلال، أو عدم اعتراف. ففي المجال الأول يمكن أن يكون الفرد ضحية قسوة وسوء معاملة، وفي المجال الثاني يمكن أن يُحرَم من حقوقه ويقصى اجتماعيًا، وفي المجال

الثالث يمكن أن يكون عرضة للمهانة والإذلال، مثلما هي الحال في العنصرية، على سبيل المثال، أو في كل الأفعال التي تصيب الشخص في كرامته. وبعد تفصيل لمفهوم العمل في التراث المثالي والمادي، خلص هونيث إلى إقرار التغير العميق الذي أصاب العمل، ولا سيما في علاقته بالتقدير الاجتماعي؛ لذلك، حدد العمل بما هو نشاط أداتي، وليس بوصفه وسيلة لتحقيق ماهية الإنسان، كما ذهب إلى ذلك ماركس. ومفهوم العمل، بما هو نشاط أداتي، استعمله هابرماس في نظريته الاجتماعية. ودراسة العلاقة ما بين العمل والاعتراف، يظهر جليًا في النقاش الدائر في النظرية النسوية، أو بالأحرى، في النظريات النسوية، ولا سيما ما تعلق منها

بالعمل المنزلي غير المكافأ، أو المجازى؛ إذ تُظهر هذه الدراسات العلاقة بين التنظيم الاجتماعي للعمل، وبين المعايير الأخلاقية التي تحكم نظام التقدير الاجتماعي. يقول: «إن تنظيم العمل الاجتماعي يرتبط ارتباطًا كبيرًا بالمعايير الأخلاقية التي تنظم النسق والتقدير الاجتماعيين في الوقت

نفسه»، بحيث تؤدي القيم الأخلاقية السائدة دورًا أساسيًا في تأكيد قيمة أو عدم قيمة عمل من

الأعمال. والمثال النموذجي على ذلك، سواء من الناحية التاريخية أو الواقعية، يتمثل في عمل ربّات البيوت

وتربية الأطفال التي اعتُبرت دائمًا عملً أقل شأنًا من العمل الذي يقوم به الرجال، وهو ما يعني بوضوح وجلاء هيمنة الثقافة والقيم الذكورية؛ لذلك، فإن حظوظ المرأة محدودة في تحقيق التقدير والاحترام اللازمين، وما ينجم عنهما من تحقيق هوية إيجابية. وهذا يعني أن التنظيم الاجتماعي، وتقدير العمل الاجتماعي، يؤديان دورًا مركزيًا في نظام الاعتراف، وأن تشكيل الهوية يمر عبر التنظيم الاجتماعي للعمل وتجربة الاعتراف، ومن ثمة، فإن الخبرات الأخلاقية التي أصيبت بالعطب أو تعرضت له من خلال المهانة والإذلال والظلم، لا تستطيع أن تنشئ هوية إيجابية، وأن العلاج لهذه

(47) Axel Honneth, La Lutte pour la reconnaissance (Paris: Editions Cerf, 2002), p. 114. (48) Honneth, La Société du mépris , p. 198. (49) Ibid., p. 99.

الخبرات المعطوبة يتطلب التقدير الاجتماعي؛ لذلك، خلص إلى «أن التنظيم الاجتماعي، وتقدير العمل الاجتماعي، يؤديان في المجتمع دورًا مركزيًا في نسق الاعتراف». ومن جانبه ركّز ديجور، بوصفه مختصًا بالتحليل النفسي، وبمجال الصحة والعمل، على مسألة تقييم

العمل، فقد حدد معنى العمل، بوصفه مواجهة لجملة من المواصفات، والإجراءات، والمواد، والأشخاص، وفي الوقت نفسه يعني التعاون مع مجموعة من الزملاء، ومع تنظيم إداري معيَّن؛ بغرض

تحقيق الهدف المتمثل في جملة من الخيرات، أو الخدمات. وبهذا المعنى، فإن العمل لا يمكن فصله عن الذات الفردية أو الجماعية التي تحققه، واستنادًا إلى ذلك يطرح السؤال الآتي: كيف يمكن تمييز الإسهام الفردي للذات في إنجازها للعمل؟ يجب، في تقديره، ألا يُختزل العمل بالنشاط الفردي؛ لأن العمل عبارة عن علاقة اجتماعية؛ بسبب

ارتباطه بمجموعة معقدة من العلاقات القائمة بين الذات، وأولئك الذين تعمل الذات معهم، أو لأجلهم، ضمن قواعد معلومة، لا تقتصر على جانبها التقني المحض، ولكن لها جانبها الاجتماعي أيضًا، بما أن هذه القواعد هي قواعد للعيش معًا ensemble Vivre Le. ولتحقيق ذلك، وجب قيام تعاون بين الذات وغيرها، وهذا ما يفترض توافر أحوال للتفاهم «بين الذاتي» Intersubjective، أو ما سبق لهابرماس أن وسمه ب «فضاء التواصل». وبالاستناد إلى التجربة الإنسانية في عمومها، فإن ديجور وجرنيه يريان أن هنالك مجالين أساسيين لتحقيق الهوية الذاتية: مجال المتعة والجنس والحب، والمجال الاجتماعي. وفي تقديره أن الاعتراف في العمل يسهم في تحقيق الهوية الذاتية في المجال الاجتماعي. وكما قال: «إن ديناميكية الاعتراف في العمل تسمح بشكل خاص بفهم كيف، وبسبب العمل، تحقق بعض الذوات استقرارًا في هويتها، وتتجنب في

بعض الأحيان، وطوال حياتها، مخاطر الأمراض العقلية والجسدية». وتفيد معطيات كثيرة ناتجة من معاينات «سريرية» إلى أنه عندما يكون العمل ملائمًا لتطلعات الذات

في الاعتراف، فإن هذه الذات تتمكن من تنشيط قدراتها، بحيث تنخرط كلية في العمل والاستمرار فيه؛ لذلك، فإن الهوية هي الأرضية الأساسية للصحة العقلية؛ لأن الذات في حاجة دائمة إلى إثبات نفسها أمام الآخر، وأن ما يوصف ب «المنعطف التّسييري الجديد»، والخاص بالليبرالية الجديدة، يرى

في عمليات التقدير والاعتراف، وما تتطلبه من وسائل وإمكانات، نوعًا من الهدر المالي، وذلك في

تعارض كامل مع ما تثبته العلوم الإنسانية والاجتماعية، وعلى رأسها ما تعلق بموضوع العمل وتقييمه. ولأن العمل يرتبط بوجهه الآخر، المتمثل في البطالة التي تُعدّ ظاهرة ملازمة للاقتصاد الرأسمالي، فإن الفيلسوف إيمانويل رينو درسها ضمن مفهوم جديد للعدل، ركَّز فيه على ما وصفه ب «تجارب المعاناة

(50) Ibid., p. 200.

ولمزيد من التفصيل يمكن العودة إلى: الزواوي بغوره، الاعتراف من أجل مفهوم جديد للعدل (بيروت: دار الطليعة، 2012)، ص 188–186.

(51) Christophe Déjours & Isabelle Gernet, «Evaluation du travail et reconnaissance,» Nouvelle revue de psychosociologie , no. 8 (2009), p. 30.

والظلم»، وقدَّم في هذا السياق أفكارًا أساسية، ناتجة من تحليل نقدي لما سبق أن قدّمه هونيث الذي

أشرنا إلى رأيه سابقًا. ومن هذه الأفكار التي عرضها في عدد من كتاباته، فإن مفهوم العدالة الاجتماعية الذي ظهر، بحسب تقديره، في القرن التاسع عشر يعبّر عن المسألة الاجتماعية الجديدة،

وما انبثق منها من ظواهر جديدة نسبيًا، كالبؤس، والإقصاء، والتهميش، وما يتبعه من معاناة نفسية

واجتماعية، ومن ثم، فإن مفهوم المعاناة الاجتماعية لا يمكن فصله عن مفهوم العدل والعدالة الاجتماعية، على وجه التحديد. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الإشكالية النظرية في أي محاولة للتأسيس النظري تتمثل في عملية إدماج مفهوم المعاناة في نظرية للعدالة الاجتماعية، وما تطرحه من مشكلات ليس أقلها عملية التركيب بين ما هو خاص وفردي ونسبي، كالمعاناة مع مفهوم عام ومجرد، كالعدل. من هنا يرى أن من الأنسب الحديث عن تجربة/ تجارب الظلم الاجتماعي، وما تؤدي إليه من معاناة اجتماعية، لا يمكن إدراكها إلا داخل العلاقات الاجتماعية المعززة بمفهوم الاعتراف. ولذا، حاول تأصيل مفهوم تجربة/ تجارب الظلم الاجتماعي، باعتباره مفهومًا يتيح تحديدًا أنسب

لمفهوم العدل. وفي تقديره أن التعريف الأولي لمفهوم تجربة الظلم يفيد ب «الطريقة التي تؤثر بها في وجود الأفراد والجماعات، وتدفعهم نحو ديناميكية مطلبية (ديناميكية معيارية)، وإلى ممارسات (ديناميكية تطبيقية) خاصة». وتتميز تجربة الظلم بعدد من المميزات، أهمها أنها تجربة نوعية، تتضمن مطالب نوعية، على رأسها رفع الظلم. وأنها ذات بعد عاطفي، تتحدد بالشعور وما يؤدي إليه من دينامية تدفعها إلى الصراع ضد الوضعيات الظالمة، بقصد تحقيق الاعتراف بمطالبها؛ لذلك، فإن مفهوم الاعتراف في مثل هذه التجارب يؤدي دورًا وصفيًا ومعياريًا، في الوقت نفسه. وبالاعتماد على هذا التصور الأولي، قدّم رينو

مناقشة نقدية مفصلة لنظرية العدالة عند جون رولز Rawls John، ولمفهوم الفلسفة السياسية في صورتها التقليدية، وفي الوقت نفسه، نظرية في العدالة تأخذ في الاعتبار تجارب الظلم المختلفة. وفي هذا السياق، فإننا نرى من الضروري الإشارة إلى أن ابن خلدون قد سبق في أن ربط بين العدل والظلم وانهيار العمران، وذلك ضمن سياق تاريخي واجتماعي مغاير لما حلله رينو، ولكنه يدعو إلى التأمل والتفكير في كل محاولة لفهم مقتضيات العدل وشروطه.

(52) Emmanuel Renault, «Reconnaissance et travail,» Isabelle Germet (trad.), Travailler , vol. 2, no. 18 (2007), pp. 119–135. (53) Emmanuel Renault, «La Philosophie critique: Porte–parole de la souffrance sociale?» Mouvements , vol. 5, no. 24 (2002), p. 30. (54) Ibid., p. 28. (55) Emmanuel Renault, L’Expérience de l’injustice: Reconnaissance et clinique de l’injustice (Paris: La Découverte, 2004), p. 33.

((5(إن ما يسترعي الانتباه في حديث ابن خلدون عن الظلم تخصيصه ليس بفصل واحد، كما جرت عادته في مختلف موضوعات المقدمة، على تفاوتها من حيث الطول والقصر، وإنما لجوؤه إلى تمديد فصل الظلم بفصلين آخرين. ورقمه في المقدمة هو 43، وعنوانه: «فصل في أن الظلم مؤذن بخراب العمران»، وأضاف إليه فصلين: 1 و 2، من دون عنوان، أي: تتمة. يُنظر: عبد الرحمن

بن خلدون، المقدمة، تحقيق إبراهيم شبوحي وإحسان عباس (تونس: دار القيروان للنشر، 2007)، ص.497–491

ثالثًا: في علاقة الفلسفة الاجتماعية بالفلسفة والعلوم الاجتماعية والإنسانية

إن ما قدّمناه، في المحورين الأول والثاني من هذا البحث، يؤكد فكرتين على الأقل: الأولى ظهور الفلسفة الاجتماعية، بما هي مبحث فلسفي جديد، يتميز بموضوعه ونظرياته، والثانية علاقتها المتميزة التي تنسجها مع الفلسفة والعلوم الاجتماعية والإنسانية، ومن ثم، فإن السؤال الذي يجب علينا طرحه لا يتمثل في العلاقة في ذاتها، وإنما في طبيعة هذه العلاقة، أو بتعبير آخر: ما طبيعة العلاقة التي تقيمها الفلسفة الاجتماعية مع الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية؟ لا نستطيع، في تقديرنا، الإجابة عن هذا السؤال ما لم نفصّل منهجيًا في سؤال آخر، وهو: ما الذي يميز الفلسفة الاجتماعية من بعض

المباحث الفلسفية، ولا سيما فلسفة العلوم، وفلسفة العلوم الاجتماعية، وفلسفة الأخلاق والسياسة؟ • تدرس فلسفة العلوم، أو الإبستيمولوجيا، في التقليد الفلسفي الفرنسي، المبادئ والأسس المنهجية التي تقوم عليها العلوم الصورية والطبيعية والإنسانية والاجتماعية، ومن ثم، فإن علاقتها بالعلوم الإنسانية والاجتماعية علاقة معرفية خالصة. وهذا ما نقرؤه، على سبيل المثال لا الحصر، في تعريف أندريه لالاند للإبستيمولوجيا؛ إذ يقول: «تدل هذه الكلمة على فلسفة العلوم، لكن بمعنى أدق [...] هي الدرس النقدي لمبادئ مختلف العلوم وفرضياتها ونتائجها، الرامي إلى تحديد أصلها المنطقي، قيمتها ومداها الموضوعي». ولقد تفرّع منها مبحث جديد نسبيًا هو فلسفة العلوم الاجتماعية، ويهتم بالحالة الراهنة

للأبحاث التجريبية، وحدودها، ونتائجها، ومناقشة أهم القضايا الخاصة بالعلوم الاجتماعية والإنسانية، كالكلية والفردية، والتفسير والفهم، والسبب والوظيفة، ونمط وجود الوقائع الاجتماعية... إلخ. وبالطبع، فإن الشك في «علمية» العلوم الإنسانية والاجتماعية، وكذلك الدفاع عن علميتها، يعالجان بحجج أفضل، مقارنة بالتحليلات السابقة، سواء في مجال فلسفة العلوم، أو في غيرها من المجالات الفلسفية؛ لذلك، يمكن القول إن فلسفة العلوم الاجتماعية تهتم بالتحليل المفاهيمي، وبتسويغ نظريات العلوم الاجتماعية والإنسانية. ومع أنه من الممكن أن تتناول المعرفة العلمية في المجتمع، فإنها تظل محدودة في مجال العلم وتطبيقاته الاجتماعية، على عكس الفلسفة الاجتماعية التي تتناول كل ما يتصل بالاجتماعي، وما يطرحه هذا المفهوم من مشكلات معرفية وأيديولوجية.

(5((أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، ترجمة خليل أحمد خليل، ط 2 (بيروت/ باريس: منشورات عويدات، 2001)، ص.357–356

(58) Ruwen Ogien, «Philosophie des sciences sociale,» in: Jean–Michel Berthelot, Epistémologie des sciences sociales (Paris: PUF, 2001), pp. 521–525.

((5(خص أكسيل هونيث هذا المفهوم الأساسي في الفلسفة الاجتماعية بكتاب في جزأين: تناول في جزئه الأول ما سماه «التمزق الاجتماعي»، ناقش فيه مسألة التقدم عند كانط، والبينذاتية عند فيخته، والوعي الذاتي وتحقق الحرية عند هيغل، ونظرية البينذاتية عند سارتر، وأنثروبولوجيا كلود ليفي ستروس، ومسألة الجسد عند ميرلوبنتي، والثورة عند كستريديس، والأشكال الرمزية عند بورديو، والنظرية الاجتماعية عند بولتانسكي، ونظرية العدل عند ديفيد ميلر. وناقش في الجزء الثاني ما سماه «أمراض العقل»، أعمال أدورنو، وبنجامين، وفرانز نومان، والمنظور الفرويدي للعلاقات الفردية، وبعض مسائل العدل، يُنظر:

Axel Honneth, Ce que social veut dire, I. Le déchirement du social, II. Les pathologies de la raison , Pierre Rusch (trad.) (Paris: Gallimard, 2015).

• تتميز الفلسفة الاجتماعية من الفلسفة السياسية والأخلاقية بكونها مقاربة نقدية لهيمنة الفلسفة السياسية، في صيغتها الكلاسيكية القائمة على دراسة طبيعة الدولة، وأفضل النظم السياسية الممكنة بناء على قيمتي الحرية والعدل، وذلك من خلال الرهان على قدرة الفلسفة الاجتماعية على إعادة صوغ بعض القضايا الفلسفية، وعلى رأسها العلاقة بين الفلسفة السياسية والمجتمع، معتمدة في ذلك على علاقتها الوطيدة بالعلوم الاجتماعية والإنسانية، وتقديم برنامج فلسفي قادر على إعادة تقييم الأشكال المهيمنة في الفلسفة السياسية المعيارية، ومن ثمة، الوقوف عند الميراث الفلسفي الذي تنتمي إليه الفلسفة الاجتماعية، ولا سيما عند فلاسفة من أمثال روسو وهيغل، وماركس، ونيتشه ودوركايم وفرويد وقبلهم ابن خلدون. وفي هذا السياق، ترى صولانج شافال Chavel Solange أن الفلسفة الاجتماعية تختلف عن الفلسفة السياسية والأخلاقية في طبيعتها الهجينة Hybride، فهي ليست تفكيرًا مجردًا في البنى الأنطولوجية للمجتمع ومعاييرها، ولكنها تفكير تجريبي (إمبريقي) في

الأحوال الملموسة التي يحيا فيها الأفراد، وتؤدي بهم إما إلى حياة كريمة، أو تحرمهم من ذلك. وهذا يعني أن الفلسفة السياسية، بمعناها الكلاسيكي، تهمل المواضيع الاجتماعية الملموسة. وكذلك الحال بالنسبة إلى فلسفة الأخلاق التي تهتم بقيمتي الخير والشر اهتمامًا مجردًا، وبعيدًا عن التجربة

الفردية والاجتماعية؛ لذا، نستطيع القول إن ما يميز الفلسفة الاجتماعية، مقارنة بالفلسفة السياسية والأخلاقية، هو التحليل النقدي للظواهر السياسية والأخلاقية المختلفة، وتساؤلها عن معنى الحياة المتردية والمنحطة والمغتربة والهامشية. • إذا كانت الفلسفة الاجتماعية ترتبط بالعلوم الإنسانية والاجتماعية، كما بيَّن ذلك فلاسفة مدرسة

فرانكفورت، ولا سيما هوركهايمر وأدورنو وهونيث الذين ناقشنا بعض نصوصهم في هذا البحث، فإن ما تجب الإشارة إليه هو أن ثمة بعض الاختلافات الأساسية بينها وبين هذه العلوم، وأهمها أن الفلسفة الاجتماعية «لا تتقيد باللغة التقنية لخبراء العلماء الاجتماعيين، وقادرة على الارتباط مباشرة باللغة العادية التي تصاغ، أو يعبّر عنها كل الذين يصارعون ضد حالات الهيمنة التي يخضعون لها». ثم

إن كان علم الاجتماع، والعلوم الاجتماعية عمومًا، يتميز بجانبه التقني والوصفي، فإن الفلسفة

الاجتماعية تتميز بمقاربتها الأخلاقية للمسألة الاجتماعية، وعلى رأس هذه المقاربة موضوع العدل في علاقته بأشكال الظلم أو الجور، سواء تعلّق الأمر بالأفراد أم بالجماعات أم بالمؤسسات. من هنا يلقى موضوع العمل، كما أشرنا إلى ذلك، وكذلك موضوع الاغتراب، والتشيُّؤ، والتربية، على سبيل

المثال لا الحصر، أهمية مركزية في هذا المجال الفلسفي الجديد الذي يحاول تشخيص وضعيات وتجارب اجتماعية وتاريخية، في أبعادها وتناقضاتها، وفي تقدّمها وتراجعها، وهو ما يطرح، بالضرورة، البعد المعياري القادر على التفسير، والعمل على توظيف الأدوات والوسائل المنهجية والتقنية التي تقدمها العلوم الاجتماعية؛ لأجل صوغ وتشخيص دقيقين لهذه التجارب والحالات والوضعيات،

(60) Eric Dufour, Franck Fischback & Emmanuel Renault (sous. & dir.), Histoires et définitions de la philosophie sociales (Grenoble: Editions Université Pierre Mandes France, 2012), p. 7. (61) Fischbach, Manifeste , p. 135.

وتتيح، في الوقت نفسه، التعديل والتغيير والتطوير؛ بغية تحقيق تلك المعايير. ومهما كان الاختلاف، أو التماثل، بين الفلسفة الاجتماعية والعلوم الاجتماعية والإنسانية، فإن ما يُعدّ مدار اهتمام

هذه الفلسفة، ويميزها من غيرها من المجالات الإنسانية، هو اهتمامها بالصراعات الاجتماعية، ولا سيما صراع الفئات المهمشة والمقصاة والمستبعدة، والجماعات المختلفة التي تعتبر قاصرة وتابعة، وتبحث عن حياة اجتماعية كريمة؛ لذلك، تحتل المسألة الاجتماعية، والعلاقات الاجتماعية، والاجتماعي، مكانة أساسية في هذا المجال الفلسفي الجديد، وذلك من منظور نقدي معني بالأشكال المختلفة للهيمنة أو السيطرة. • على الرغم من الاختلاف المعرفي والمنهجي بين الفلسفة الاجتماعية، والعلوم الاجتماعية والإنسانية، فإن علاقتها بهذه العلوم علاقة عضوية، ولا سيما علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي، والتحليل النفسي والاقتصاد والتاريخ. ومن المعروف تاريخيًا أن ما بات يُعرف بمدرسة فرانكفورت،

أو النظرية النقدية بعدئذ، إنما انبثق من مؤسسة تعنى بالعلوم الاجتماعية، وهي معهد الأبحاث الاجتماعية (1923). ولقد أسهم فلاسفة فرانكفورت في هذه الفروع العلمية بكتابات متميزة، سواء أتعلق الأمر بهوركهايمر وأدورنو وهابرماس في علم الاجتماع، أم بإريك فروم Erich Fromm (1980–1900)، وهاربرت ماركيز Marcuse Herbert (1979–1898) في التحليل النفسي، واغتنت بكتابات ميشيل فوكو Michel Foucault (1984–1926) حول الفئات المهمشة، ولا سيما تلك المتعلقة بالجنون والمرض والجريمة والانحراف، وبدراسات بيير بورديو الرائدة في علم الاجتماع الثقافي، وكل ما يتصل برأس المال الرمزي، بحسب عبارته. من المعلوم تاريخيًا أن العلوم الاجتماعية والإنسانية قد انفصلت عن الفلسفة، وأصبحت فروعًا معرفية

مستقلة منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولقد حاولت النزعة البنيوية، في ستينيات القرن العشرين، أن تجري نوعًا من القطيعة بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية والإنسانية، بما أنها سعت

لاستبدال مجال الفلسفة بمجال العلوم الاجتماعية والإنسانية، مثلها في ذلك مثل الوضعية المنطقية Positivism Logical التي حاولت القضاء على الفلسفة باسم المعرفة العلمية، من هنا يمكننا القول إن الفلسفة الاجتماعية تعتبر محاولة لتجديد العلاقة مع العلوم الاجتماعية والإنسانية، وسواء قلنا إن علاقة الفلسفة الاجتماعية بالعلوم الاجتماعية والإنسانية خطية، أم بينية، كما يذهب إلى

(62) Jean–Marc Durand–Gasselin, «Qu’est–ce que la philosophie sociale? La philosophie sociale et ses ressources, Réflexion sur quelques styles et figures compares,» Cahiers philosophiques , no. 132 (2013), pp. 34–35. (63) Lordon, p. 119.

في تقديرنا، لا ينطبق هذا التصور إلا على ليفي ستروس في أعماله الأولى. أما بقية أعلام البنيوية، فإن نزوعهم الفلسفي ظاهر، ولا يحتاج إلى بيان، ثم إن لدينا فيلسوفين بنيويين ما أنكرا الفلسفة، وأعني بذلك ألتوسير وفوكو؛ ففوكو أجرى تمييزًا مهمًا في هذا

السياق بين البنيوية الخاصة التي تطبق في مجال علمي محدد، كالأنثروبولوجيا، أو التحليل النفسي، والبنيوية العامة التي ينتمي إليها، إضافة إلى ما يسمى البنيوية التكوينية التي أسسها جان بياجيه ولوسيان غولدمان، وتنتصر صراحة للعلاقة بين الفلسفة والعلوم الإنسانية. ((6(قدّم، على سبيل المثال، جان بياجيه اجتهادات نظرية حول تصنيف العلوم وعلاقاتها المختلفة، يُنظر:

Jean Piaget, Epistémologie des sciences de l’homme (Paris: Gallimard, 1970).

ذلك فلاسفة مدرسة فرانكفورت، أم علاقة تحالف، فإن هذه العلاقة لا يمكن صوغها في «مذهب»، أو في «نسق»، وإنما في شكل تعاون وعمل مشترك، ولكنها تبقى في جميع الأحوال علاقة حاسمة، ولا سيما إذا أرادت الفلسفة الاجتماعية ألّ تكون مشروعًا معياريًا، فحسب، مثلما هي الحال

في الفلسفة السياسية والأخلاقية، أو مشروعًا وصفيًا مثلما هي الحال في علم الاجتماع، أو علم

النفس الاجتماعي، أو علم الاقتصاد، أو علم التاريخ. وإذا كنا قد حاولنا في العناصر الثلاثة السابقة أن نبرز المعالم المؤسسة لهذا المبحث الفلسفي الجديد، فإن ما تجب الإشارة إليه هو أن هنالك من يرفض فكرة تأسيس الفلسفة الاجتماعية أو إقامتها، بدعوى أن مجال التعليم والبحث مشبع بالمباحث والفروع العلمية التي تتناول المجتمع، ففي مجال الفلسفة، لدينا الفلسفة السياسية وفلسفة الأخلاق، من جهة، ولدينا، من جهة أخرى، العلوم الاجتماعية والإنسانية بتخصصاتها ومباحثها المتعددة، وتشعباتها المختلفة، ومن ثم، ما الجدوى من تأسيس مبحث فلسفي جديد يُعنى بالمجتمع والاجتماعي؟ إن الرد على هذا الاعتراض الوجيه يمكن صوغه على النحو الآتي: إن الفلسفة السياسية أو الأخلاقية، بمعناها الكلاسيكي، معنية، كما بيَّنا ذلك سابقًا، بالمبادئ المعيارية أكثر من العلاقة بين القيم والمعايير

والتجارب الاجتماعية، أو ما يسمى ب «الطاقات المعيارية التي يتضمنها المجتمع». أما العلوم الإنسانية والاجتماعية، فتقوم على رؤية منهجية، عمادها الوصف والتفسير، لكنها في محاولتها لتحقيق الموضوعية، تفتقر إلى البعد النقدي الذي يحاول «علم الاجتماع النقدي» تجاوزه، على الرغم مما يكتنف هذه المحاولة من أخذ ورد بين علماء الاجتماع. ولا نجانب الصواب إذا قلنا إن ما يميز الفلسفة الاجتماعية، مقارنة ببعض المباحث الفلسفية، والفروع العلمية الإنسانية والاجتماعية، هو طابعها النقدي؛ لذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما المقصود بالصفة النقدية للفلسفة الاجتماعية؟ وهل العلوم الاجتماعية والإنسانية لا تؤدي دورًا نقديًا

عندما تصف وتفسر، وتسعى إلى تحقيق الموضوعية؟ يذهب أنصار الفلسفة الاجتماعية إلى أن النقد يجب فهم معالمه العامة ضمن ما تطرحه النظرية النقدية من إدخال العلوم الاجتماعية والإنسانية ضمن مشروع ازدهار المجتمع وتحرره. وهذا يعني أن البحث عن الحقيقة يجب ألا ينفصل عن

((6(لقد توسع أدغار موران في هذا التصور البيني بين العلوم، وحوله إلى مشروع معرفي وفلسفي قائم بذاته. يُنظر، على سبيل

المثال لا الحصر، الدراسة الآتية: «العلوم البينية ودورها في الإصلاح التربوي والتجديد الحضاري»، في: الزواوي بغوره، الشمولية

والحرية: دراسات في الفلسفة السياسية والاجتماعية المعاصرة (الكويت: مكتبة صوفيا؛ بيروت: دار سؤال، 2018)، ص.141–105

(66) Lordon, p. 126. (67) Cournarie.

((6(في موضوع النظرية النقدية وتطوراتها، ولا سيما من الوجهة النقدية، يُنظر الكتاب الذي أشرف عليه كل من إيف سانتومي

وإيمانويل رينو، ويعتبر أحد فلاسفتها الجدد، وفيه نقرأ مساهمات أهم الفلاسفة والباحثين في النظرية النقدية، سواء ما تعلق بالميراث النقدي، أو بالاتجاهات الجديدة للنقد داخل هذه النظرية، ومن هؤلاء: جيرار رولي، أكسيل هونيث، سيلا بنحبيب، يورغن هابرماس، نانسي فريزر، فرانك فايشباخ... إلخ، يُنظر:

Yves Sintomer & Emmanuel Renault (dir.), Où en est la théorie critique? (Paris: La Découverte, 2003).

الحرية، ويجب ألا تُفصَل المعرفة عن السلطة، كما بيَّن ذلك فوكو في أبحاثه التاريخية الكثيرة؛ بهدف

معرفة أشكال الهيمنة والإخضاع المختلفة. وهذا ما يؤكد تأكيدًا جليًا الطابع المعياري للفلسفة

الاجتماعية، أو يعبّر، بالأحرى، عن عمليات الربط التي تجريها بين المعياري والواقعي. وبتعبير آخر،

فإن المعرفة التجريبية للظواهر الاجتماعية، والتنظيم الاجتماعي الذي تقدمه العلوم الاجتماعية، يجب أن يتحولا إلى وسائل يستعملها الأفراد والجماعات، ولا يتحقق ذلك ما لم تترجمها الفلسفة الاجتماعية في مفاهيم، وهذا ما يتحتم عليها العمل والتنسيق والتعاون والتحالف مع هذه العلوم، من خلال عمليات عدة، منها الربط بين المعارف، وترجمتها في ممارسات وتطبيقات، ومحاولة الحد من النزوع الانغلاقي الذي يسم التخصصات، وإنتاج خطاب نظري، وفقًا لمقاربات منهجية ونظرية متعاونة مع العلوم الاجتماعية والإنسانية. ومما لا شك فيه أن هنالك أشكالً عديدة للنقد الاجتماعي، قد لا تتفق ومفهوم النقد في الفلسفة الاجتماعية الذي يرتبط بالتنوير؛ بغرض الحد من أشكال الهيمنة، والسعي للتحرر منها، ومساندة التوجهات التقدمية داخل المجتمع، وتعزيزها بنظرية اجتماعية ملائمة حول المجتمع وأمراضه، وهو ما يُصطلح عليه ب «النقد المحايث» Criticism Contextual الذي يتوجه إلى نقد النظام الرأسمالي؛ لأن المجتمعات المعاصرة تعيش كلها ضمن هذا النظام، وإن بدرجات متفاوتة.

الخاتمة

يمكننا القول إن الفلسفة الاجتماعية تتحد في ثلاثة مستويات، يتمثل المستوى الأول في الجانب التاريخي الذي يظهر في تلك المقدمات التاريخية التي تشمل، على الأقل، ثلاثة مواضيع أساسية: • إدراك مكيافيلي مسألة الصراع داخل المجتمع، وقبله ابن خلدون. • الثورة الصناعية، وما أحدثته وتحدثه من تغيرات اجتماعية. • الثورة الاجتماعية، ولا سيما منذ قيام الثورة الفرنسية.

((6(نشير، على سبيل المثال، إلى مشروع إدغار موران الذي لا يرتبط بالفلسفة الاجتماعية حصرًا، لكنه يدخل ضمن سياقها العام،

ولا سيما في دعوته إلى إقامة علوم بينية. يُنظر على سبيل المثال نصه التأسيسي: «المعارف العلمية: تكامل وترابط»، ترجمة الزواوي

بغوره، مجلة البيان، العدد 418 (أيار/ مايو 2005)، ص.72–62 ((7(ثمة دراسات كثيرة حول هذا الموضوع، ولا سيما تلك التي تصنف تحت مسمى النقد الاجتماعي، يُنظر، على سبيل المثال،

كتاب الفيلسوف الأميركي ميخائيل ولزار النقد الاجتماعي، وفيه يناقش آراء جوليان باندا، روندولف بورن، مارتن بوبر، أنطونيو غرامشي، جورج أورويل، ألبير كامو، سيمون دو بوفوار، هربرت ماركيز، ميشيل فوكو، وبريتن بريتنباخ، مع مقدمة مفصلة عن النقد الاجتماعي، وخاتمة حول آفاق النقد الاجتماعي في الوقت الحاضر:

Michael Walzer, La Critique sociale au XXe siècle: Solitude et solidarité , Sébastian McEvoy (trad.) (Paris: Editions Metailie, 1996). (71) Dufour, Fischback & Renault (sous. & dir.), p. 11.

ولقد عبرت عن هذه المقدمات التاريخية مجموعة من الكتابات الاجتماعية والسياسية، سواء ضمن مجال علم الاجتماع، أم الماركسية، أم الرواية الاجتماعية، أم في تلك الكتابات التي استعملت المصطلح، ككتاب الفلسفة الاجتماعية مهداة إلى الشعب الفرنسيلمؤلف مجهول. ويتمثل المستوى الثاني في جهد مدرسة فرانكفورت، بأجيالها المختلفة، التي تحتل مكانة الصدارة في هذا التحديد. ويظهر المستوى الثالث في مختلف المساهمات الفلسفية المعاصرة المرتبطة بنقد الحداثة، وتحليل الأمراض أو الباثولوجيات الاجتماعية. من هنا، نستطيع القول إن الفلسفة الاجتماعية ترتبط بقضايا الحاضر، والآني، في صورتها التجريبية والملموسة. وهو ما يظهر في اهتمامها بالحركات الاجتماعية، والأقليات والمهمشين والمبعدين والمقصَيْن والمهاجرين، وبنوعية حياتهم، ومعاناتهم، وصراعاتهم، وتعمل لأجل مثال اجتماعي

وسياسي، يمكن التعبير عنه بمصطلح «التنوير» وقيمه الأساسية. وهي بذلك تقدّم خطابًا فلسفيًا يتميز

بطابعه المركب من الأبعاد: المعرفي والأخلاقي، والوصفي والمعياري، والنظري والعملي، بحيث يتصل المستوى الأول بوصف أثر المؤسسات في التجارب الاجتماعية وحياة الأفراد، ويسعى المستوى الثاني لتقديم نوع من التقييم الذي يتميز بطابعه المحايث، ويسعى المستوى الثالث إلى إحداث التغيير في حياة الأفراد والجماعات والمجتمعات. وبهذا المعنى، فإن الفلسفة الاجتماعية ليست نوعًا من إبستيمولوجيا العلوم الاجتماعية؛ إذ لا تكتفي بالدراسة الوصفية للمبادئ العلمية، أو بفلسفة للمجتمع، فحسب، بما أنها لا تقتصر على دراسة الأنطولوجيا الاجتماعية، وإنما هي مبحث فلسفي يتميز بعملية الربط الذي يقيمه بين الوصف والتفسير، والمعيار الواقع، والنظرية والممارسة، من منظور نقدي يطمح إلى تحقيق قيم التنوير.

References

المراجع

العربية

ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة. تحقيق إبراهيم شبوحي وإحسان عباس. تونس: دار القيروان للنشر،.2007 أدورنو، ثيودور. محاضرات في علم الاجتماع. ترجمة جورج كتورة. بيروت: مركز الإنماء القومي، [د. ت.]. أسون، بول لوران. مدرسة فرانكفورت. ترجمة سعاد حرب. ط 2. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.2005 إسلام، عزمي. لدفيج فتجنشتين. القاهرة: دار المعارف، [د. ت.].

بغوره، الزواوي. الفلسفة واللغة: نقد المنعطف اللغوي في الفلسفة المعاصرة. بيروت: دار الطليعة،

_______. ما بعد الحداثة والتنوير: موقف الأنطولوجيا التاريخية. بيروت: دار الطليعة،.2009 _______. الاعتراف من أجل مفهوم جديد للعدل. بيروت: دار الطليعة،.2012 _______. الشمولية والحرية: دراسات في الفلسفة السياسية والاجتماعية المعاصرة. الكويت: مكتبة صوفيا؛ بيروت: دار سؤال،.2018 فيرغسون، آدم. مقالة في تاريخ المجتمع المدني. ترجمة حيدر حاج إسماعيل. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2014 لالاند، أندريه. موسوعة لالاند الفلسفية. ترجمة خليل أحمد خليل. ط 2. بيروت/ باريس: منشورات عويدات،.2001 لوفيفر، جان بيار وماشيري بيار. هيغل والمجتمع. ترجمة منصور القاضي. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.1993 موران، إدغار. «المعارف العلمية: تكامل وترابط». ترجمة الزواوي بغوره. مجلة البيان، العدد 418 (أيار/ مايو.)2005

الأجنبية

Adorno, W. Theodore. «L’Actualité de la philosophie.» Antonia Birnbaum & Michel

Adorno, Theodore & Karl Popper. De Vienne à Francfort: La Querelle allemande des

Arendt, Hannah. Condition de l’homme moderne. Georges Fradier (trad.). Paris:

Bazzoli, Laure & Véronique Dutraire. «La Contribution de la philosophie sociale de John Dewey a une philosophie critique de l’économie politique.» Cahiers d’économie

Bennabi, Malek. Naissance d’une société, le réseau des relations sociales. Alger:

Berthelot, Jean–Michel. Epistémologie des sciences sociales. Paris: PUF, 2001.

Métayer (trad.). Tumultes. no. 17–18 (2001).

sciences sociales. Paris: Editions Complexe, 1979.

Calmann–Lévy, 1983.

politique. no. 65 (2013).

Éditions Samar, 2008.

Bourdieu, Pierre. Esquisses algériennes. Paris: Seuil, 2008.

Chataigne–Pouteyo, Lucie. «John Dewey (1859–1952): Philosophie sociale, droit et éducation.» Recherches sur la philosophie et le langage. no. 28 (2012). Cournarie, Laurent. «La philosophie sociale» (2015). at: https://bit.ly/2M8TyrW Coupechoux, P. La Déprime des opprimes, enquête sur la souffrance psychique en France. Paris: Seuil, 2009. Clot, Y. Le Travail à Cœur: Pour en finir avec les risques psychosociaux. Paris: La Découverte, 2010. Deranty, Jean–Philippe. «La Philosophie sociale entre sociologie et psychologie: Le Cas du travail.» Cahiers philosophiques. no. 132 (2103). Déjours, Christophe & Isabelle Gernet. «Evaluation du travail et reconnaissance.» Nouvelle revue de psychosociologie. no. 8 (2009). Dufour, Eric, Franck Fischback & Emmanuel Renault (sous. & dir.). Histoires et définitions de la philosophie sociales. Grenoble: Editions Université Pierre Mandes France, 2012. Dufour, Eric. «La Notion de philosophie sociale chez Natorp.» Recherches sur la philosophie et le langage. no. 28 (2012). Durand–Gasselin, Jean–Marc. «Qu’est–ce que la philosophie sociale? La philosophie sociale et ses ressources, Réflexion sur quelques styles et figures compares.» Cahiers philosophiques. no. 132 (2013). Enegren, André. La Pensée politique de Hannah Arendt. Paris: PUF, 1984. Espinas, Alfred. La Philosophie sociale du XVIII siècle et la révolution. Paris: Ancienne Librairie Germer Bailliere et Felixe Alcan, Editeur, 1898. Fischbach, Franck. Manifeste pour une philosophie sociale. Paris: La Découverte,

________. «Philosophie sociale et philosophie du social.» CIPPA: Centre International de Philosophie Politique Applique. no. 2 (2012–2013). ________. Le Sens du social, les puissances de la coopération. Paris: Lux Editeur,

________. Fichte et Hegel: La Reconnaissance. Paris: PUF, 1999. Frega, Roberto. La Pragmatique comme philosophie sociale et politique. Jim Gabaret (trad.). Paris: Éditions La Rue Ulm, 2015. Frey, Lucius Junius. La Philosophie sociale, dédiée au people Français. Paris: Froullé,

Honneth, Axel. La Lutte pour la reconnaissance. Paris: Editions Cerf, 2002. ________. «Travail et agir instrumental: A propos des problèmes catégoriels d’une théorie de la société.» Isabelle Germet (trad.). Travailler. vol. 2, no. 18 (2007). ________. Ce que social veut dire, I. Le déchirement du social, II. Les pathologies de la raison , Pierre Rusch (trad.). Paris: Gallimard, 2015. ________. La Société du mépris: Vers une nouvelle théorie critique. Olivier Voirol, Pierre Ruch & Alexandre Dupeyrix (trad.). Paris: La Découverte, 2008. Horkheimer, Max. Théorie traditionnelle et théorie critique , Claude Maillard & Sibylle Muller (trad.). Paris: Gallimard, 1974. ________. Théorie critique , Essais présentés par Luc Ferry et Alain Renault. groupe de traduction du Collège de philosophie avec la participation de L. Ferry, J. Masson, O. Masson & J.P. Pesron (trad.). Paris: Payot, 2009. Lepan, Géraldine. «Politique et critique sociale. Sur la lecture kantienne de Rousseau par Cassirer.» Recherches sur la philosophie et le langage. no. 28 (2012). Lordon, F. «Philosophie et sciences sociales: Vers une nouvelle alliance?» Cahiers philosophiques. no. 132 (2013). Marcuse, Herbert. Culture et société. Paris: Les Editions de Minuit, 1970. Otero, Marcelo. «La Sociologie de Michel Foucault: Une critique de la raison impure,» Sociologie et société. no. 2 (2006). Piaget, Jean. Epistémologie des sciences de l’homme. Paris: Gallimard, 1970. Sintomer, Yves & Emmanuel Renault (dir.). Où en est la théorie critique? Paris: La Découverte, 2003. Pensées critiques. Paris: La Découverte, 2009. Renault, Emmanuel. «Reconnaissance et travail.» Isabelle Germet (trad.). Travailler. vol. 2, no. 18 (2007). ________. «La Philosophie critique: Porte–parole de la souffrance sociale?» Mouvements. vol. 5, no. 24 (2002). ________. L’Expérience de l’injustice: Reconnaissance et clinique de l’injustice. Paris: La Découverte, 2004. Walzer, Michael. La Critique sociale au XXe siècle: Solitude et solidarité. Sébastian McEvoy (trad.). Paris: Editions Metailie, 1996.