دلالات مفهوم المثقف: قراءة في كتاب
The Concept of the Intellectual: A Reading of The Role of Intellectuals in Historical Transformations
الملخّص
تبحث هذه الدراسة في ضرورة إيجاد تعريف تفسيري لمفهوم "المثقف" في الخطاب العربي المعاصر، بعيدًا عن التوصيف الوظيفي الذي يرى "المثقف" من خلال دوره النقدي والتغييري والقيمي ومواجهة السلطان والسلطات. وتسعى إلى أن يكون تعريفًا يحظى بإجماع أو شبه إجماع عند المشتغلين بالإنتاج الثقافي والمعرفي والفكري واستهلاكه؛ إذ نلاحظ تداخلًا قويًا بين منتجي الثقافة ومستهلكيها، وبين مبدعيها ومُدرّسيها وناقليها؛ ما أثّر فيها وفي تجديدها وتجدّدها، ومن ثمّ في حركة المجتمع نفسه، ومن غير المستبعد في الهوية كذلك. وتتساءل الدراسة: هل عرّف المثقف العربي نفسه؟ وكيف؟ وهو ما تناقشه من خلال تحليل مضمون كتاب دور المثقف في التحولات التاريخية، الذي أصدره المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في عام 2017.
Abstract
Abstract: This study investigates the need to find an interpretive definition for the concept of «the intellectual» in contemporary Arab discourse, a definition which goes further than the functional description that views the intellectual through his/her critical, activist, and value–based role and confrontation with power and the authorities. It seeks a definition that enjoys consensus or near consensus among those engaged in the production and consumption of culture, knowledge, and ideas, given the strong overlap and partnership between producers and consumers of culture, and between its innovators, teachers, and transmitters. This has had an effect in the renewal and regeneration of culture, and consequently on the movement of society itself, not excluding identity. The study also asks whether Arab intellectuals have reflected on a definition of their role and how it was formed. These tasks will be undertaken through a review of the book The Role of Intellectuals in Historical Transformations.
- المثقف العربي
- المثقف الشبكي
- دور المثقف
- الثقافة العربية
- الفكر العربي
- Arab Intellectual
- Role of the Intellectual
- Arab Culture
- Arab Thought
أحمد مفلح | Ahmad Muflih * ((8(
The Concept of the Intellectual: A Reading
of The Role of Intellectuals in Historical
Transformations
العربي المعاصر، بعيدًا عن التوصيف الوظيفي الذي يرى «المثقف» من خال دوره النقدي
والتغييري والقيمي ومواجهة السلطان والسلطات. وتسعى إلى أن يكون تعريفًا يحظى بإجماع
أو شبه إجماع عند المشتغلين بالإنتاج الثقافي والمعرفي والفكري واستهاكه؛ إذ ناحظ
تداخلً قويًا بين منتجي الثقافة ومستهلكيها، وبين مبدعيها ومُدرّسيها وناقليها؛ ما أثّر فيها وفي
تجديدها وتجدّدها، ومن ثمّ في حركة المجتمع نفسه، ومن غير المستبعد في الهوية كذلك.
وتتساءل الدراسة: هل عرّف المثقف العربي نفسه؟ وكيف؟ وهو ما تناقشه من خال تحليل
مضمون كتاب دور المثقف في التحولات التاريخية الذي أصدره المركز العربي للأبحاث
ودراسة السياسات في عام 2017.
مقدمة
الإشكالية الأساس التي ننطلق منها هي كثرة الحديث عن تعريف المثقف العربي ودوره ووظيفته المجتمعية، في وقت لم يُحدد بعد تعريف تفسيري لكلمة مثقف، على صعيد المفهوم والاصطاح، يكون له دلالته، حتى من المثقفين أنفسهم. وكل ما نقرؤه أو نستبطنه في هذا الموضوع، وهنا أفترض، أن يكون من دون تحديد أو مقتبسًا من ثقافة الآخر (الغرب)، أو يرتكز على قراءة أيديولوجية وافتراضية لدور المثقف ووظيفته، وغير آخذ في الحسبان تأثير المشكات المجتمعية في كل مرحلة ومجتمع، كما يتضح من خال السيرورة التاريخية لتعريف المثقف ودوره. لمناقشة هذه الإشكالية البنيوية في الخطاب العربي، نتوقف عند بعض التعريفات التي قدّمها مفكرون مشهود لهم بالحديث عن هموم الثقافة والمثقف، باعتبار هذه التعريفات صورًا عن المثقف العربي نقيس عليها دلالة هذا المفهوم في الخطاب العربي اليوم. وسنختار هذا الخطاب، على سبيل المثال، من خال تقنية تحليل مضمون عدد من البحوث التي قدّمها بعض المفكرين والأكاديميين والباحثين العرب في «المؤتمر السنوي الرابع للعلوم الاجتماعية والإنسانية» الذي عقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في مراكش بالمغرب، في الفترة 21–19 آذار/ مارس 2015. وقد تناولوا فيه رؤيتهم وقراءتهم لمفهوم المثقف وأنماطه ودوره في التحولّات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية
والثقافية والفكرية. فاعتمدنا بحوثهم هذه نماذج مساعدة لتحليل فرضيتنا وفئات التحليل ووحدته التي اعتمدناها «تعريف المثقف»، تأكيدًا أو نفيًا، والاستنتاجات التي سنخلص إليها.
أولا: «المثقف» في الخطاب العربي
من المعروف أن استعمال مصطلح «مثقف» في اللغة العربية تأخر حتى بداية القرن العشرين. فأول مرة وردت كلمة «ثقافة» في اللغة العربية الحديثة كانت مع سامة موسى، بحسب كامه؛ حيث ذكر أنه أول من استعملها في ترجمة لكلمة Culture: «كنت أول من أفشى لفظة الثقافة في الأدب العربي الحديث ولم أكن أنا الذي سكّها بنفسه فإني انتحلتها من ابن خلدون؛ إذ وجدته يستعملها في معنى شبيه بلفظة (كلتور) الشائعة في الأدب الأوروبي. والثقافة هي المعارف والعلوم والآداب والفنون
(((يرى زيغمونت باومان في هذا المجال أنه ما عاد ممكنًا اليوم تمييز النخبة الثقافية بسهولة من غيرها في السلّم الثقافي وفق
السمات القديمة. ولا يعني هذا أن لا وجود لأناس يراهم المجتمع نخبة ثقافية، أو على الأقل يرون أنفسهم نخبة، لكنهم على العكس من النخب الثقافية القديمة، ليسوا «جهابذة الذوق الرفيع» الذين يحتقرون ذوق الإنسان العادي، بل يمكن وصفهم بأنهم «آكلوا كل شيء»، أي إنهم يستهلكون الثقافة القائمة اليوم، الرفيعة الراقية منها والوضيعة أو السوقية أو الشعبية، ينظر: زيجمونت
باومان، الثقافة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2018)، ص 11. (((صدرت هذه البحوث (عشرون مساهمة مع تقديم لمنسق المؤتمر مراد دياني وكلمة افتتاح لعزمي بشارة)، وكان لنا بحث أسقطناه من هذه الدراسة كي لا نكرر ما قلناه، وكذلك كلمة عزمي بشارة الافتتاحية لأننا ناقشناها في صور المثقف التي اخترناها في
المبحث الأول، وبذلك يكون عدد البحوث الذي خضع للتحليل تسعة عشر بحثًا، إضافة إلى التقديم، ينظر: مجموعة مؤلفين، دور
المثقف في التحولات التاريخية، إعداد وتنسيق مراد دياني (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2017 (((نشرتُ بعضًا من هذا المدخل النظري مفصّلً في كتاب: أحمد مفلح مفلح، في سوسيولوجيا المثقفين العرب: دراسة وصفية
من خلال تحليل مضمون مجلة المستقبل العربي (2008–1978)، سلسلة اجتماعيات عربية 3 (بيروت: منتدى المعارف،.)2013
يتعلمها الناس ويتثقفون بها، وقد تحتويها الكتب ومع ذلك هي خاصة بالذهن». وبعده، استعملها الشاعر اللبناني فيلكس فارس، في مجلة المقتطففي عام 1936، واستعملها عنوانًا لمقالته «ثقافتنا حيال أوروبا». وقد استعملت أول مرة عنوانًا لكتاب طه حسين، مستقبل الثقافة في مصر، في عام 1938. وأول كتاب عن المثقف العربي كان لمحمد حسنين هيكل، أزمة المثقفين، صدر في عام.1961 تجسّد هذا المصطلح والمفهوم أكثر في ستينيات القرن الماضي، بعد التعرّف إلى فكر أنطونيو غرامشي،
ثم ترجمة أعمال جان بول سارتر. فمن خال عمل هذين المفكرين اللذين كثيرًا ما تناولا دور المثقف
الاجتماعي والسياسي (في أوروبا تحديدًا)، اتسع استخدام هذا المصطلح في العربية، وإن كانت الكتابات المباشرة عن المثقف ودوره وموته ونهايته لم تتجذّر إلا في تسعينيات القرن العشرين. ليس من السهولة إيجاد تعريف محدد لمفهوم «المثقف» ومتفق عليه في الخطاب العربي؛ حيث كُتب الكثير عنه، لكن لم يُتّفق على تعريف مجرد في شأنه. وبين «المثقفين» العرب أنفسهم قضية خافية، وصعوبة، في شأن تعريف ذاتهم وأدوارهم وصفاتهم وآلية عملهم، ولا يوجد اتفاق بينهم على تحديد من يمكن أن نُطلق عليه «مثقفًا»، ومن لا يمكن اعتباره كذلك. وأبرز الكتّاب العرب الذين حاولوا الغوص في تعريفات غربية للمثقف، غير الغرامشية والسارترية، كان إدوارد سعيد في كتابه صور المثقف، حيث توقف عند تعريفات جوليان بندا وألفن غولدنر وسي رايت ميلز وإدوارد شيلز، وغيرهم. ليس تعريف المثقف إجراءً نظريًا سهلً، بل هو عملية تتخذ موضوعًا لها حقلً متغيرًا، وحركيًا، خاصًا
بالأفكار والأيديولوجيات التي ترتبط بصفة غير مباشرة ومقنعة بمصالح موضوعية اقتصادية ومادية؛ إذ يُاحظ أن كلً من غرامشي وسارتر عرّف المثقف انطاقًا من أدواره التاريخية ووظيفته المجتمعية،
ومما يجب أن يكونه، في حين أن من الممكن تعريفه انطاقًا مما هو عليه وضعه Status بالمفهوم السوسيولوجي. فرآه سارتر، مثلً، صاحب الموقف الملتزم والمنحاز إلى القيم والعدل والحق والنيّات
الحسنة، قبل أن يكون تقنيًا ومتخصصًا بفروع العلم وفنانًا. أما غرامشي، فرأى أن الناس جميعهم
(((سامة موسى، «الثقافة والحضارة»، مجلة الهلال (كانون الأول/ ديسمبر 1927)، ص 171. ويُذكر في هذا المجال أن موسى
أصدر كتابًا (التثقيف الذاتي) استعمل في عنوانه أيضًا كلمة ثقافة في عام.1946 (((فيلكس فارس، «ثقافتنا حيال أوروبا»، المقتطف، مج 89 (1936)، ص.154–148 (((محمد حسنين هيكل، أزمة المثقفين (القاهرة: الشركة العربية المتحدة للتوزيع،.)1961 (((بن يمينة السعيد، «المثقف العربي والسياسي في الوطن العربي تأثير أم احتواء؟»، مجلة العلوم الإنسانية، السنة 5، العدد 36 (شتاء.)2008 (((إدوارد سعيد، صوَر المثقف: محاضرات ريث سنة 1993، ترجمة غسان غصن، مراجعة منى أنيس، ط 2 (بيروت: دار النهار، (((محمد شكري سام، «وظائف المثقف وأدواره بين الثابت والمتغيّر»، المستقبل العربي، السنة 18 العدد، 200
(تشرين الأول/ أكتوبر 1995)، ص.66 (1((جان بول سارتر، دفاع عن المثقفين، ترجمة جورج طرابيشي (بيروت: دار الآداب، 1973)، ص.59–58
مفكرون. ومن ثم نستطيع أن نقول: ولكن وظيفة المثقف أو المفكر في المجتمع لا يقوم بها كل الناس، وربما المقصود هنا ب «وظيفة» المثقف هو ما حصّله من علم ومعرفة، وعلى المثقف في رأي غرامشي أن يكون منحازًا تحديدًا إلى الطبقة العاملة ومصالحها، على عكس مثالية سارتر، وهذا هو «المثقف العضوي». وانتقد بيار بورديو عمومية سارتر هذه، مفضّلً أن يقتصر تأثير المثقف على مجال تخصصه فحسب، كما انتقد أيضًا «المثقف العضوي» الغرامشي؛ لأن هذه الصفة تجعل المثقف «طائفيًا» واستعائيًا حين يفرض قيادته على الطبقات المستضعفة. يحاول كثير من المفكرين والعلماء العرب، في تحديد مصطلح «المثقف»، وضع خصائص ورسم سمات لذواتهم، أغلبيتها مثالية؛ ذلك أنهم كلما توصّلوا إلى تعريف للمثقف ابتعدوا به، في واقع الأمر، عن أوضاعهم ومكانتهم وذواتهم في المجتمعات التي يعيشون فيها، أو اقتباسًا «أعمى» من مفكرين غربيين، وتحديدًا من غرامشي وسارتر، كما سناحظ في متن هذه الدراسة. لذا، لم نعثر في الخطاب العربي على تعريف عربي لمفهوم أو مصطلح «مثقف» علمي ونظري مجرد، عليه شبه إجماع، ونابت في تربة عربية تأخذ في الحسبان واقع المجتمع العربي ولغته وثقافته وحاجتهما. وبات من المُضجِر، كما يقول محمد أركون، وبا قيمة، أن نعود دائمًا إلى تلك المناقشات التي دارت في فرنسا عن: «من هو المثقف؟»، بل يمكن أن يكون من الخطأ نقل هذا الأنموذج الغربي. يُثار هنا سؤال إشكالي: على من تقع مسؤولية إيجاد هذا التعريف؟ هل تقع على المثقفين أنفسهم؟ ومن هم المثقفون؟ وهنا نقع مرة أخرى في جدلية من هو المثقف؟ وعلى أي أساس جرى تصنيفه؟ فهل هو المتعلم، الأكاديمي، الجامعي، المبدع، الناقل، الناقد، المفكر، الثوري، المُغيّر، مناوئ السلطة... إلخ؟ علينا الاتفاق على تعريف موحد يصنّف المثقف، ولكن من سيضع
هذه المواصفات العلمية/ المجردة والموضوعية، في ظل غياب المجامع العلمية العربية ومراكز الدراسات والبحوث؟ وفي ظل الغرق مع مقولة غرامشي غير الواقعية والديماغوجية، والتي مفادها أن الإشكالية ليست في تعريف المثقف، بل في تحديد الدور الذي يقوم به في مجتمعه، من منطلق أن الناس جميعهم مثقفون. وهذا كام غير علمي اليوم مع الثورات العلمية، فهل كل الناس ينظّرون وينتجون معرفة؟ أو من مقولة سارتر المثالية والقيمية التي ترى أن المثقف هو الذي يدس أنفه في ما لا يعنيه، لأنه «أداة» و«دور» فحسب. هذا مع العلم أن «المثقف» في التجربة الغربية له خصوصية؛ باعتباره من إفرازات التحوّل النهضوي الذي بدأ منذ أكثر من سبعة قرون، حيث تأصل رابط بين شخصية المثقف ومهنته الرمزية القائمة على النقد والمواجهة، وارتباطه بالنهضة والإصاح والتنوير. فهل من مثيل لهذا التاريخ من النهضة والتجربة في المجتمعات العربية اليوم؟
(1((جون كاميت، غرامشي: حياته وأعماله، ترجمة عفيف الرزاز (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1984)، ص.267 (1((ينظر: أحمد مجدي حجازي، «أميّة المثقف العربي: الإبداع وأزمة الفكر السوسيولوجي»، في: مجموعة مؤلفين، الثقافة
والمثقف في الوطن العربي، سلسلة كتب المستقبل العربي 10 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1992)، ص.86 (1((محمد أركون، «بعض مهام المثقف العربي اليوم»، ترجمة هاشم صالح، الوحدة، السنة 6، العدد 66 (آذار/ مارس 1990)، ص.11 ((1(سارتر، ص.33
من هنا نرى بعضًا من التخبط والأزمة في تعريف المثقف وتحديد هويته المفهومية والاصطاحية، بعيدًا عن وظيفته وما يُرسم له من أدوار مجتمعية، وهذا ما ناحظه في تعريفات عدة يقدمها مفكرون عرب؛ فالطاهر لبيب يرى أن وصف المثقف لا يحوّل الناس إلى مثقفين، بل إن الوظيفة الاجتماعية
هي التي تحدد نمط المثقف ودوره. قبل الدخول في عرض أبرز ما قيل وجاء في الخطاب العربي من مفكرين متخصصين كتبوا عن «المثقف» وتعريفه، نتوقف عند بعض النقاط التوضيحية التي لا بد منها لإيضاح ما نصبو إليه: • لا وجود في اللغة العربية لكلمة «مثقف»؛ ذلك أنها لا ترتبط في الثقافة العربية بمرجعية محددة. ولفظ «مثقف»، بحسب محمد عابد الجابري، لا يعدو أن يكون مجرد صيغة قياسية: اسم مفعول من فعل «ثقف»، ولم ترد هذه الصيغة في النصوص العربية إلا نادرًا جدًا، والنادر لا يمثل مرجعية. • إن هذا المفهوم (المثقف) ضبابي في الخطاب العربي المعاصر، على الرغم من كثرة استعماله ورواجه؛ إذ لا يشير إلى شيء محدد، ولا يحيل إلى أنموذج معين، ولا يرتبط بمرجعية واضحة في الثقافة العربية الماضية والحاضرة. و«هكذا بقي الإنسان العربي الذي يُوصف بأنه ‘مثقف’ لا يتعرّف
إلى نفسه بوضوح، لا يعرف لماذا يُوصف بذلك الوصف [...] ذلك لأن هذا المفهوم نُقل إلى العربية من الثقافة الأوروبية، ولكن لم تتم تبيئته بالصورة التي تمنحه مرجعية محددة». • دخلت هذه الكلمة إلى الخطاب العربي حديثًا، نقلً عن الخطاب الفرنسي، وهي ترجمة لكلمة Intellectuel المشتقة من Intellect التي تعني، بحسب ترجمة الجابري لها، «العقل» أو «الفكر»، وتدل على انتماء هذا الشيء أو ارتباطه بالعقل بصفته ملكة للمعرفة. ويعنى بها دلالة «الشخص الذي لديه ميل قوي إلى شؤون الفكر». في العربية، لا تميل كلمة «المثقف» إلى الفكر، كما في الفرنسية، بل إلى لفظ «ثقافة» الذي هو ترجمة لكلمة Culture (الفرنسية) التي تدل في معناها الحقيقي على «فاحة الأرض»، وإلى «مجموع العمليات التي تمكّن من استنبات النباتات النافعة للإنسان والحيوانات الأليفة». وفي معناها المجازي تدل أولً على «تنمية بعض الملكات العقلية بواسطة تدريبات وممارسات»؛ وثانيًا على «مجموع
المعارف المكتسبة التي تمكّن من تنمية ملكة النقد والذوق والحكم». والمثقف بهذا المعنى
(1((ينظر رد فهمية شرف الدين على بحث الطاهر لبيب، «تساؤلات حول المثقف العربي والسلطة»، المنشور في مجلة الوحدة، السنة الأولى، العدد 10 (تموز/ يوليو 1985)، ص 5 و.21 (1((محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000)، ص.9 ((1(باعتبار أن المفهوم Concept هو فكرة ورأي ذهني مرتبط بشيء ما ويهدف إلى المساعدة في جعل هذا الشيء مفهومًا
وواضحًا، يضعه أصحاب الاختصاص والدراسات بالاعتماد على تحليل مجموعة من الأسس والمعلومات في شأن موضوع محدد،
وذلك من أجل المساهمة في توضيح بعض المفاهيم والدلالات الأخرى المرتبطة به. ((1(الجابري، ص.14 ((1(المرجع نفسه، ص.21
سيكون هو من اكتسب بالتدريب والتعلّم جملة المعارف التي تنمّي فيه هذه الملكة، وهذا بعيد عن معنى «الشخص الذي يمتهن العمل الفكري Intellectual ». • الاعتقاد السائد لدى عموم أبناء الأمة العربية والإسامية أن «المثقف با ريب هو ذلك الذي يُحسِن
القراءة والكتابة، ذلك الذي يمارس نشاطًا ذهنيًا، سواء كان طبيبًا، كاتبًا، مترجمًا، مهندسًا، مدرّسًا، أم
كادرًا». إجمالً، يمكن الخروج بخاصة مما سبق مفادها أن «المثقف» العربي استطاع تكريس «مصطلح» لغوي وصف به نفسه ودوره في المجتمع ووظيفته، يدل على الشخص الذي يعمل في المجال الذهني والفكر والعلم، وله دور ما في تفسير الواقع، وربما تغييره، نظريًا. لكنّه أبقى مضمون هذا المصطلح فارغًا من حيث دلالته المفاهيمية، ووصفيًا، ورومانسيًا إنشائيًا إن صح التعبير، لأنه لم يستطع أن يجد
«مفهومًا» لكلمة «مثقف» يكون فعلً مضمون هذا المصطلح ودلالته الذهنيين؛ فراح يقدم صورًا وصفية عن حالة «المثقف»، ولم يُقدم له تعريفًا ومفهومًا جامعًا ونهائيًا وذا دلالة واضحة وثابتة، أيكون المتعلم
أم المفكر أم الناقد والمناوئ للسلطة أم المؤيد لها، الثوري أم المنزوي في بيته أم الخبير والشبكي (اليوم)..؟ ويمكن في المبحث التالي التوقف عند بعض هذه الصور الوصفية عند بعض «المثقفين» العرب، لنرى عندهم «المثقف» «مصطلحًا» و«مفهومًا» أم الاثنين معًا. تعددت هذه الصور في الخطاب العربي، ولا يمكن الإحاطة بها، وليس هنا مجال لجمعها كلها، لكن المقصود إظهار بعضها عند من آل على نفسه التصدّي لتبيان هذا المفهوم وتوضيحه. فتوقفنا عند عشر صور، غرف أصحابها من معين التاريخ والواقع ليجتهدوا «تعريفًا»، قبل أن ننتقل إلى قراءة المساهمات عند نحو عشرين مثقفًا بحثوا دور «المثقف العربي» في التحولات التاريخية.
1. محمد عابد الجابري: بضاعة أجنبية
على الرغم من أن محمد عابد الجابري آل على نفسه، في كتابه المثقفون في الحضارة العربية الذي اقتبسنا منه في الفقرات السابقة، أن يسد الفراغ في الخطاب العربي في شأن تعريف مفهوم «المثقف»، فإنه لا يقدم تعريفًا محددًا، بل غاص في تاريخ الحضارة الإسامية، معتبرًا أن الفاسفة الإساميين
والمتكلمين العلماء من العرب هم المثقفون الأوَل في الحضارة العربية الإسامية، وعنهم أخذ الغربيون، من دون أن يعطي ويحدد دلالة هذا المفهوم، سوى الفقرة الأولى التي بدأ بها كتابه، حيث اعتبر أن «المثقف شخص يفكر، بصورة أو بأخرى، مباشرة أو لامباشرة، انطاقًا من تفكير مثقف سابق: يستوحيه ويسير على منواله، يكرره، يعارضه، يتجاوزه... إلخ. ليس هناك مثقف يفكر من الصغر، التفكير تفكير في الموضوع، والموضوع إما أفكار، وإما معطيات الواقع الطبيعي أو الاقتصادي أو الاجتماعي... إلخ. فإذا كان الموضوع هو الأفكار والآراء والنظريات التي قال بها مثقفون في زمن مضى، أو في الزمن المعاصر، فإن المثقف الذي يفكر في مثل هذا الموضوع يفعل ذلك في داخل
(2((داريوش شايغان، النفس المبتورة: هاجس الغرب في مجتمعاتنا (بيروت: دار الساقي، 1991)، ص.145
مرجعية ثقافية. أما إذا كان الموضوع من معطيات الواقع فإن التفكير فيها يتم بتوسط مفاهيم ونظريات وآليات في التفكير ترتبط بمرجعية معرفية معينة». يرى الجابري هنا أن مهنة المثقف هي التفكير بالأفكار الموجودة، بعيدًا عن التغيير الاجتماعي والسياسي، انطاقًا من فرديته. ويتساءل أيضًا: من هم المثقفون في الحضارة العربية؟ وتبادر إلى ذهنه قائمة طويلة تتضمن الكتّاب والفاسفة والعلماء والفقهاء والشعراء والنقّاد والمؤرخين والمفسرين والأصوليين والمتصوفة. وولّدت هذه القائمة سؤالً ثانيًا: أي من هؤلاء يدخل في جماعة المثقفين؟
ولأن الإجابة عن سؤال مثل هذا تتطلب تحديدًا لمفهوم المثقف، شعر الجابري بحسب كامه، «بالفراغ مرة أخرى؛ ذلك أن مرجعيتي الثقافية العربية لم تبادر بسرعة إلى إسعافي بالجواب. إني لم أجد في معلوماتي اللغوية، ولا في معارفي العلمية مرجعية عربية تشدّني إليها، ذلك لأن كلمة ‘مثقف’ في الثقافة العربية لا ترتبط بمرجعية محددة. وأكثر من ذلك فلفظ ‘مثقف’ في اللغة العربية لا يعدو أن يكون في الحقيقة مجرد صيغة نحوية قياسية». ولهذا، بسبب غياب لفظة «مثقف» بأي صيغة في النصوص العربية، وجد الجابري نفسه أمام الحقيقة التالية: «أن الكتابة وقبل ذلك التفكير في موضوع ‘المثقفون في الحضارة العربية’ يتطلب أولً وقبل كل شيء بناء مرجعية لمفهوم المثقف في الثقافة العربية، وإلا فا معنى للحديث عن شيء لا يرتبط بمرجعية لا يستند على أصل، شيء معلق في الفراغ». وكذا اندفع في بناء هذا المفهوم لجهة «إعادة بناء مفهوم المثقف بالصورة التي تجعل المفهوم يُعبّر داخل الثقافة العربية الإسامية القديمة عن المعنى الذي يُعطى له الآن في الفكر الأوروبي، حيث
يجد مرجعيته الأصلية». السؤال المنهجي الذي يثيره الجابري هنا واحد، لكن برأسين: الأول: كيف يُسقَط معنى أوروبي حديث على شكل أو صورة أو معنى أو لفظ عربي قديم، غير محدد الدلالة اللغوية والتعبيرية، كما ذكر الجابري نفسه؟ والثاني، دعا الجابري إلى تبيئة هذا المفهوم، وتراه يُسقط المفهوم الغربي الحديث الذي نشأ في ظروف اجتماعية وثقافية وسياسية ومعانٍ مختلفة، فكيف حصلت تبيئة هذا المصطلح عنده؟ ولماذا وقع الجابري في هذا الالتباس المنهجي؟ فهل «مثقف» اليوم، بما هو مطلوب منه، أو بدوره ووظيفته الاجتماعية والسياسية ودلالته، هو نفسه «مثقف» الأمس العربي – الإسامي؟
2. محمد أركون: ابن مجتمعه
يرد محمد أركون الذي يرى أن المثقف هو ابن بيئته على هذا التساؤل. فعلى العكس من الرؤية الجابرية التأصيلية لمفهوم المثقف، يرى أركون أن المثقف «هو الذي تبنّى علم الغرب وجماليته واقتصاده ونمط حياته وأيديولوجيته». ومن الخطأ المنهجي إسقاط دلالة المثقف ومعناه كما هو مستعمل
((2(الجابري، ص.7 ((2(المرجع نفسه، ص.9 ((2(المرجع نفسه، ص.10 (2((محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1986)، ص.232
اليوم في الغرب على دلالته في الحضارة العربية. والمثقف في نظر أركون هو «ذلك الرجل الذي يتحلّى بروح مستقلة، مُحبة لاستكشاف والتحرّي، وذات نزعة نقدية واحتجاجية تشتغل باسم حقوق
الروح والفكر فقط». ومفهوم المثقف لا يُطلق على «المفكر أو المتأدب أو الباحث الجامعي، وفي
بعض الأحيان حتى على المتعلم البسيط»، بل يأخذ بهذا المفهوم باعتباره أداة للتحليل في العلوم الاجتماعية»، وباعتباره صفة أو نعتًا يُطلق على «شخصية تظهر في ظروف جد خاصة». ومن هنا لا
يخفي أركون أن أي حديث عن المثقف لن يأتي من دون البحث في وضع هذا المثقف، بصفته فاعلً أساسيًا في الحقل الاجتماعي. كما يرى أركون أن المثقف العربي والإسامي هو منشّط النهضة
والثورة، باعتبارهما مرحلتين عاشهما العالم الإسامي، تمتد الأولى من نهاية القرن التاسع عشر حتى عام 1950، والثانية لا تزال متواصلة. وأن ما يشترك فيه منشطو النهضة والثورة معًا هو أنهم أبانوا عن وعي ساذج بخصوص ظاهرة الأيديولوجيا المسيطرة عالميًا، وبخصوص عاقات السيطرة داخل
المجتمعات الإسامية نفسها. والأهم أنهم لم يخاطروا أبدًا بدراسة نقدية للدين، وهي الدراسة التي ينبثق منها تحديث الفكر، ومن ثمّ مفهوم المثقف الحديث ذاته. يعتبر أركون أن المثقف ظل حاضرًا بقوة في المجال العربي الإسامي وفي المراحل والتحولات
التاريخية المختلفة التي عرفها هذا المجال. ويرى أنه من المستحب مقاربة هذا المفهوم في مختلف أبعاده ومرجعياته السياسية والاجتماعية، والبحث في الأصول والمابسات التاريخية لنشأة ظاهرة المثقف في الفكر العربي الإسامي؛ باعتبار هذا الأمر شرطًا أساسيًا ومقدمة ضرورية لضبط المفهوم
في مستوياته وأبعاده كلها. ويعتقد أركون أيضًا أن من غير المائم بناء مرجعية محددة لمفهوم المثقف في الثقافة العربية الإسامية من خال استعادة روح تلك السجالات والنقاشات التي دارت رحاها في فرنسا عن مفهوم المثقف، كما ليس من المفيد تمامًا استيراد النظرية التي أنتجتها الثقافة الغربية،
والسعي لنقلها واستنساخها آليًا في واقع الثقافة العربية الإسامية، بل على العكس من ذلك، وبالعودة
إلى التاريخ العربي الإسامي، يمكن الباحث أن يستشف الكثير من الإشارات التي تدلّنا إلى المكانة الحقيقية التي كان يحظى بها العلماء بالمفهوم الديني داخل مجتمعاتهم، والتي بها تتحدد وضعياتهم وأدوارهم. من هنا يمكن اعتبار علماء الدين مثقفين؛ لأنهم يركزون جهدهم كله لتفسير معنى الوحي، ولتحديد المعاني الدقيقة للنصوص المقدسة، ولاستنباط الأحكام انطاقًا من هذه المعاني.
((2(أركون، «بعض مهام المثقف العربي اليوم»، ص.12 ((2(لا ندري إلى أي حد هي متواصلة اليوم بعد حالات التغيير والثورات التي أصابت المجتمعات العربية بعد عام 2011، حيث هناك جدال ونقاش في شأن دور المثقف العربي في هذه «الثورات»؛ فهناك من يُلغي هذا الدور ويعتبره غير فاعل أو موجود، وهناك
من يرى أن ما حصل هو نتيجة تأسيس المثقفين ودورهم المتراكم طوال سنوات حتى اندلعت أعمال التغيير. وهناك من وصف المثقف بالمتخاذل والانتهازي والجبان والمتواطئ، كل بحسب قراءته الأيديولوجية، لكن الحقيقة هي أن المثقفين العرب ليسوا قالبًا
واحدًا، فهناك من شارك وأيّد هذا الطرف أو ذاك. وحتى «النهضة» التي يتحدث عنها أركون باتت نسبية، فمثقفو الأصولية والسلفية
هم مثقفون، مثلهم مثل مثقفي الليبرالية والحداثة والديمقراطية، ولا يمكن لأحد أن يسقط عنهم دلالة «المثقف» المجردة تبعًا
للأيديولوجيا. (2((محمد أركون، الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد، ترجمة وتعليق هاشم صالح (الجزائر: لافوميك؛ المؤسسة الوطنية للكتاب، 1993). يُنظر المقدمة التي جاءت بعنوان: «بعض مهام المفكر المسلم أو العربي اليوم». وكذلك: عبد المجيد الجهاد، «صورة
المثقف في مشروع محمد أركون الفكري»، موقع الأوان، 2010/10/6، شوهد في 2019/12/3، في: https://bit.ly/2DrizIh
يتساءل أركون: أيكون لزامًا على المثقف العربي الإسامي أن يظل في حدود اختصاصه المعرفي لا
يحيد عنه، «ولا يحشر أنفه في القضايا العامة»، أم عليه، عكس ذلك، «أن يتدخل في شؤون المجتمع والسياسة والحياة؟». ويرى أن المثقف ليس مجرد باحث متبحّر في بعض ميادين العلم والمعرفة،
لكنه أيضًا «مسؤول» عليه أيضًا الانخراط في أتون الهموم العامة لمجتمعه، وخصوصًا إذا كان المجتمع
يعاني مشكات حارقة مثل ما هو موجود في المجتمعات العربية والإسامية. وإذا كان للمثقف الغربي المعاصر الحق، كل الحق، في أن ينخرط أو ألا ينخرط في الشأن العام، ذلك لأن مجتمعه قد تجاوز مرحلة الانعطافات الحادة والأزمات الكبرى، وأصبح ينتمي إلى مجتمع قوي ومستقر نسبيًا، فإن
المثقف العربي في نظر أركون ليس له الحق مطلقًا في أن يصمّ أذنيه أو يغض الطرف عما يعتمل
في داخل محيطه الاجتماعي، أو يكتفي بالتخندق في داخل التخصص العلمي الضيّق، أو التبحر
الموسوعي البارد، في وقت تحدق بمجتمعه أخطار مهلكة. مرة أخرى نقول إن أركون وقع في «الأيديولوجيا» التي حاربها على نحو مباشر أو غير مباشر في قراءته مفهوم «المثقف»، فهو قد محى «النسبية» عندما طالب «المثقف» بألّ يصم أذنيه عما يعتمل في داخل مجتمعه، لكنه «المتغربن» والعلمي (على نقيض الميتافيزيقي والديني)، ويطالب أركون بتعريف عربي بالمثقف ولا يُحاول اشتقاقه.
3. عبد الله العروي: الفاعل والمغيّر
أما عبد الله العروي، فقد عُرف عنه أنه أكثر من كتب عن المثقف العربي، وبعضهم اعتبره «مخترعه»، وعن أزمته التي رآها انعكاسًا لأزمة المجتمع، على الرغم من وجود «أزمة ذاتية تهمه (المثقف) هو
ويُلهي بها ذهنه وأذهان قارئيه»، وهي في رأي العروي أزمة تجعل أزمة المجتمع أعمق وأخطر، وتنحصر
أسبابها في عاملين أساسيين: ازدواجية التكوين وضعف استيعاب العلوم الاجتماعية، ومنهما استخلص أبرز سمات المثقف العربي: البؤس الذي يقود المثقف إلى اليأس من إصاح شؤون مجتمعه. من جهة أخرى، كان العروي يولي المفاهيم وتعريفاتها ودلالاتها أهمية كبيرة؛ حيث كان يعتبرها مدخلً أساسيًا لأي مشروع. ومع هاتين الميزتين الافتتين، الإكثار من ذكر المثقفين وأزمتهم والعمل على
المفاهيم، في كتاباته، قدم العروي تعريفًا مبسّطًا للمثقف، خاليًا من الوظيفية السياسية تحديدًا، وأشار
إليه بصفته «المفكر أو المتأدب أو الباحث الجامعي، وفي بعض الأحيان المتعلّم البسيط. بيد أن المفهوم لا يكون أداة للتحليل في العلوم الاجتماعية إلا إذا أطلق على شخصية تظهر في ظروف جد خاصة». وذهب، في موضع آخر، إلى أن على المثقف العربي الثوري، عندما يضيق نطاق العقل التعميمي في مجتمع ما وتنقص حظوظ التأثير في الحياة الاجتماعية بالتداخل التلقائي، أن يتدخل لتغيير مجتمعه جذريًا وواقعيًا من أجل الخروج من الخيبة.
((2(الجهاد. (2((عبد الله العروي، ثقافتنا في ضوءالتاريخ، ط 2 (بيروت: دار التنوير؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1984)، ص.172 (3((ينظر: عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، ط 5 (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2006)، الفصل الرابع، الماركسية ومثقف العالم الثالث.
إذًا، المثقف عند العروي هو الشخص الفاعل والمغيّر في المجتمع، بغض النظر عن درجته العلمية
والتعلّمية، للخروج من البؤس والخيبات، من خال العمل السياسي المباشر أو غير المباشر؛ لأن الهدف عند العروي ليس مواجهة السلطة والحاكم، وهذا ما سلكه هو نفسه، بل تحريك الركود الاجتماعي، ومن أجل مصلحة المجتمع.
4. زكي نجيب محمود: المبدع المميز
من جهته، يُحدد زكي نجيب محمود في كتابه مجتمع جديد أو الكارثة، خمسة تعريفات للمثقف، في مراحل مختلفة من كتاباته وحياته، بحسب رأيه: • إنه «الشخص الذي يحمل في ذهنه أفكارًا من إبداعه هو، أو من إبداع سواه، ويعتقد أن تلك الأفكار جديرة بأن تجد طريقها إلى التطبيق في حياة الناس، فيكرّس جهده لتحقيق هذا الأمل». • وهو «الشخص الذي يروّج للقيم العليا – أخاقية أو جمالية – وفي هذا يكون الفرق بين المتخصص الذي وقف عند تخصصه في فرع من العلوم، والمثقف الذي ينشر الفكر ليس لمجرد أنه أي فكر وكفى، ولكن لأنه في نظره هو الفكر الذي ينتج حياة أفضل أو أجمل». • هو «الذي يتميز بربطه بين الماضي والحاضر في تيار متصل». • «هو الذي يختزل حقيقة الإنسان وحقيقة الكون في صيغة محكمة مترابطة، وذلك كما نراه فيما تصنعه الفلسفة والفن والأدب». • هو الذي «يتميز على عامة الناس لأنه هو الذي يُدرك الفوارق الدقيقة الكائنة بين ظال الفكرة الواحدة». يرى محمود أن هذه التعريفات لا تتعارض ولا تتناقض، بل ينضم بعضها إلى بعض في تغطية الرقعة الفسيحة المتعددة الجوانب والأركان، ويميّز بين المثقف «العادي» الذي ينعم بثقافة ثم لا يغيّر من
مجرى الحياة شيئًا، والمثقف «الثوري» الذي لا ينعم بثقافة إلا إذا استخدمها أداة لتغيير الحياة من حوله، فهو من أدرك مثُلً جديدةً للحياة وحاول التغيير على أساسها. يمكن جمع تعريفات المثقف التي قدّمها محمود في اعتباره المثقف هو الشخص الذي يترجم الأفكار
(3((زكي نجيب محمود، مجتمع جديد أو الكارثة، ط 3 (بيروت/ القاهرة: دار الشروق، 1983)، ص.326–323 ((3(المرجع نفسه، ص.322 ((3(المرجع نفسه،.324 ((3(المرجع نفسه. ((3(المرجع نفسه، ص.325 ((3(المرجع نفسه، ص.326 (3((زكي نجيب محمود، في حياتنا العقلية، ط 3 (بيروت/ القاهرة: دار الشروق، 1989)، ص.144
والقيم إلى أعمال، والمستفيد من التاريخ، وهو الأديب والمميز من عموم الشعب، أي ليس الناقد أو المُغيّر.
5. إدوارد سعيد: مشرّع الحياة
من جهته، يولي إدوارد سعيد انشغال المثقفين المباشر في صوغ الواقع وأداء دور المشرّع الفعلي لأمور
الحياة مكانة خاصة. فالباحثون والفنانون والشعراء والمؤرخون والباحثون والكتّاب والمثقفون – وهو هنا يميّز بعضهم من بعض – يشاركون في إنتاج وقائع الكون وحقائقه نفسها، لذلك هم ليسوا، كما يدّعون
غالبًا، مجرد مراقبين معزولين موضوعيين. والمثقف هو من وُهب ملكة عقلية لتوضيح رسالة أو وجهة
نظر، أو موقف، أو فلسفة، أو رأي، أو تجسيدها وتبيانها بألفاظ واضحة لجمهور ما ونيابة عنه. تمثّل وجهة نظر سعيد هذه، من خال كتابه صوَر المثقف، جمعًا لمواقف غرامشي وجوليان بندا اللذين يعرضهما في الكتاب نفسه، فيقبل فكرة أن المثقفين شريحة اجتماعية واسعة وكبيرة لها ارتباطاتها الطبقية، فضلً عن اتصالها بالحركات والتقاليد والأعراف، حيث يقوم المثقف بالأدوار الاجتماعية كلها، ومنها إنتاج الأيديولوجيات الرسمية وأفكار العالم ومعاودة إنتاجها. وفي الوقت نفسه يتقبل أطروحة بندا القائلة إن المثقف هو عضو في مجموعة صغيرة متحمّس ومندفع أخاقيًا
لمعارضة التيارات السائدة بغض النظر عن عواقب تلك المواقف وتأثيراتها فيه شخصيًا. ويرى أيضًا أن
معظم المثقفين يؤدي الدور الاجتماعي الذي قاله غرامشي، لكن قلة منهم ترتقي بنفسها إلى المصاف الذي وصفه لها جوليان بندا كي تصبح، بحسب سعيد، أحد أولئك «المتمكنين من قول الحقيقة بوجه السلطة بصابة وشجاعة وبا مواربة وبباغة، وبذلك لا يرى المثقف حرجًا في نقد أي سلطة مهما طغت وتجبّرت». وفي حين يشير (سعيد) إلى صعوبة الحديث واستحالته اليوم عن مثقف حقيقي
مستقل، غير خاضع للمؤسسات الاجتماعية المختلفة (جامعات ودور نشر وإعام) ومقيّد بها، يكون
المثقف في رأيه هو العاقل الذي يُشرّع للحياة في المجتمع، علميًا وأيديولوجيًا وفنيًا ونقدًا وتغييرًا،
انطاقًا من التعريفات التي قدّمها بندا وغرامشي.
6. هشام شرابي: القائد الفكري
أما هشام شرابي، فاعتبر أن «المثقف هو الشخص الملتزم والواعي اجتماعيًا بحيث يكون بمقدوره
رؤية المجتمع والوقوف على مشاكله وخصائصه ومامحه، وما يتبع ذلك من دور اجتماعي فاعل من المفروض أن يقوم به لتصحيح مسارات مجتمعية خاطئة».
(38) Saree Makdisi, «Edward Said and the Style of Apublic Intellectueal,» in: Ned Curthorys & Debjani Ganguly (eds.), Edward Said: The Legacy of Apublic Intellectual (Melbourne: Melbourne University Press, 2007), pp. 21–35.
وهناك ترجمة للفصل الثاني من هذا الكتاب في: «إدوارد سعيد وأسلوب المثقف»، ترجمة زيد العامري الرفاعي، الثقافة الجديدة، العدد 331 (2009)، ص.73 ((3(سعيد، ص 7. 4(((هشام شرابي، مقدمات لدراسة المجتمع العربي (بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، 1972)، ص.55
في موضع آخر، يرى شرابي أن المثقفين هم «تلك الفئات التي تهيّأت لها أسباب التعبير والثقافة
وأحيانًا القيادة الفكرية». ولم يوضح لنا في هذا التعريف المُقتضَب والغامض ماذا يقصد ب «أسباب
التعبير»، و«أسباب الثقافة» أو «الثقافة»، وخصوصًا أن الناس جميعهم في أي مجتمع هم خاضعون لثقافة المجتمع، باعتبار أن الثقافة هي مجموع الحياة التي يحياها الإنسان من مأكل وسلوك وقيم وفن وعاقات اجتماعية... وخافه، وكل إنسان تهيّأت له أسباب «التعبير» بالمعنى الظاهري الواسع.
أما «القيادة الفكرية» فا تقلّ غموضًا عند شرابي. فهل يقصد المفكرين؟ وهل يمثّل المفكرون قيادة معيّنة؟ وهل في المجتمعات العربية عُرِف مفكرٌ قاد المجتمع، خصوصًا بعد النصف الثاني من القرن
العشرين، عندما طغى السياسي على المجتمع والثقافة والمثقفين؟ والأكثر من ذلك أن شرابي نفسه يعود ويقول بعد بضعة أسطر: «إن المثقف العربي صاحب موقف نموذجي يقوم على الانزواء والتنصّل وهجر الالتزام»، فكيف ذلك؟ ويقول في موضع آخر، المثقف العربي، ببساطة: «يمكن أن يكون الكاتب أو الصحافي أو المعلّم، أو المحامي أو الطالب أو موظف الدولة أو حتى الضابط العسكري. إنه فرد مستقل في فئة ينتمي إليها على المستوى الفكري، بينما لا يحتل أي موقع مميز في هذه الفئة». وإذا دمجنا التعريف الأول (كُتب في عام 1957) مع التعريف الثاني (كُتب في عام 1962) فلن نخرج بفكرة واحدة يمكن اعتبارها نتيجةً لوجهة نظر شرابي في شأن تعريف المثقف، فهل هناك كاتب من دون أسباب تعبير أو ثقافة؟ وهل أساليب التعبير واحدة عند الجميع؟ وهل «القيادة الفكرية»، في مجتمعنا العربي، متماثلة عند الكاتب والصحفي... والضابط مثلً؟ يرى شرابي أيضًا أن «فئة الدين المغلقة هي الوحيدة التي تخرّجت منها النخبة المثقفة في العالم
العربي. كانت طبقة العلماء تحتكر المعرفة والنشاط الثقافي لأجيال عدة حتى أواخر القرون الوسطى. لكن تأثير التعليم والأفكار الجديدة كسر هذا الاحتكار تدريجيًا ولكن بصورة حاسمة، بحيث إن طبقة
جديدة من المثقفين برزت في أواخر القرن التاسع عشر. إن بزوغ فجر الحس النقدي أدى إلى انحال النظام الفكري القديم، فاختفت وحدانية التفكير وتهاوت المصنفات الجامدة، وبرزت في المقابل أنماط فكرية متباينة». بمعنى آخر يرى شرابي أن عملية التعليم التي جاءت نتيجة الاتصال المتزايد بأوروبا، وأوجدت تحولًاجتماعيًا قائمًا بذاته، «لا جذور لها ولا أهداف سوى بعث المثقف». يخالف خالد زيادة آراء شرابي، واعتبر أنها تُبيّن صعوبات البحث عن نشأة المثقف العربي وبروزه. وإذا
كان شرابي قد نجح على حد تعبير زيادة في اختيار الزمان (نهاية القرن التاسع عشر)، والمكان (باد الشام ومصر)، فإنه «لم ينجح [شرابي] في استقصاء العوامل الفعلية لنشأة هذا المثقف، خصوصًا أنه
4(((هشام شرابي، أزمة المثقفين العرب: نصوص مختارة (بيروت: دار نلسن، 2002)، ص.14 (4((المرجع نفسه، ص.87 4(((هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب (بيروت: دار النهار، 1971)، ص.17 (((4 ينظر: النقد الذي وجهه خالد زيادة إلى شرابي في شأن هذا الموضوع، وفي شأن كتاب شرابي المثقفون العرب والغرب
بمجمل أفكاره؛ خالد زيادة، «ظهور المثقف العربي: قراءة في أعمال شرابي والعروي والجابري»، الاجتهاد، السنة 2، العدد 5
(خريف 1989157)، ص؛ وهذه الدراسة منشورة أيضًا في كتاب زيادة نفسه، ينظر: خالد زيادة، كاتب السلطان: حرفة الفقهاء
والمثقفين (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 1991)، ص 272–229.
جعل النتيجة سببًا، وربط بين عمليتين مستقلتين، فانتشار التعليم في مصر كان من نتاج العامل الذي
يسعى إلى بناء جيش قوي. ويعود انتشار التعليم في أوساط العامة إلى عهد عبد الحميد الثاني، وفي أوساط الخاصة إلى الإرساليات، وبعد أن يكون المثقف نتاجًا مدرسيًا صرفًا، إذا ما أخذنا التعريف
الذي يربطه بدوره الاجتماعي والوظيفي». وهنا يقدم زيادة، وخصوصًا في كتابه كاتب السلطان، رؤية مغايرة لما ورد عن نشأة المثقف العربي الحديث، فجعلنا نستنتج أن مثقف اليوم هو أقرب إلى كاتب الدواوين (الإداري بالمعنى الحديث) في الدولة العثمانية، وتحديدًا في أواسط القرن الثامن عشر، منه إلى علماء العصور الإسامية الأولى وفقهائها، نظرًا إلى انفتاح هؤلاء الكتّاب على الحداثة
والمعاصرة والعلوم العصرية الأوروبية (في ذاك الوقت) والإبداع والتدخل في صنع القرار السياسي، من العلماء التقليديين أصحاب النص الثابت؛ إذ كان هؤلاء الكتّاب، بصفتهم يشكلون حرفة، بحسب زيادة، «الأكثر تنبهًا لأزمة الدولة. وقد مكّنهم تنظيمهم الدقيق وانبثاثهم في دواوين الدولة ومؤسساتها، من مامسة المشاكل الأساسية المتعلقة بالقوات العسكرية والخزينة، وبفئات الطبقة الحاكمة كافة، من الإداريين إلى الوزراء إلى السلطان. وعلى عكس العلماء الذين كانوا أقل اتصالً بمؤسسات الدولة، وبالتالي فقد أبدوا اهتمامًا ضئيلً بالمسائل المحيطة بانحطاط الدولة ومشاكلها». يمكن الوقوف عند صورة شرابي الملتبسة في رؤيته المثقف بأنه ذاك الشخص الملتزم والواعي والمعبّر عن مشكات مجتمعه، والقادر على حلّها، بغض النظر عن تحصيله العلمي وكيفية حل هذه
المشكات.
7. برهان غليون: الاجتماعي المهتم بالمصير العام
مثل شرابي في «القيادة الفكرية»، يذهب برهان غليون إلى «أن المثقف ينتمي إلى طبقة اجتماعية فاعلة في المجتمع، بحيث تتميز عن غيرها بتفكيرها العالي والناقد، وتدخل في عملية الصراع الاجتماعي والسياسي، وفي النهاية يكون تأثيرها واضحًا، إما من خال مشاركات قوية لصنع السياسة والقرار السياسي، أو من خال أعمال فكرية كبيرة تؤثر في الناس والمجتمع فكريًا وثقافيًا ومعنويًا».
فالمقصود بالمثقفين هنا هو أن المثقف «فاعل اجتماعي جمعي، وليس مجموعة أفراد يشتركون في نشاط مهني أو عملي أو ذهني واحد يقرّب في ما بينهم. وعندما نتحدث عن فاعل اجتماعي فنحن
نشير إلى قوة محركة ودينامية اجتماعية لا إلى مبدع فكري». لغليون هنا ماحظتان: الأولى أن الحديث عن المثقفين لا يعني الأفراد باعتبارهم مبدعين ومنتجين لمختلف القيم الفكرية والفنية والأدبية. ولا يعني المثقفين من حيث هم فئة مهنية أو أصحاب حرفة
(4((المرجع نفسه. (((4 زيادة، كاتب السلطان، ص.159 4(((برهان غليون، «تهميش المثقفين ومسألة بناء النخبة القيادية»، في: أحمد صدقي الدجاني [وآخرون]، المثقف العربي: همومه
وعطاؤه، أنيس صايغ (معدّ) (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1995)، ص.86 (4((المرجع نفسه، ص.85
متميزة من مثياتها من الفئات الاجتماعية في أسلوب عملها ورزقها، بل المقصود بالمثقفين في السياق العام هو جزء من النخبة الاجتماعية التي تهتم، في ما وراء حرفتها وبالاعتماد عليها معًا، بقضايا المصير العام، وبذلك يشغلون، إضافة إلى وظيفتهم الخاصة، وبصرف النظر عن وضعيتهم المهنية، وظيفة اجتماعية معينة. وتختلف هذه الوظيفة اختافًا جذريًا عن تلك التي تستجيب لإنتاج المعرفة أو التدقيق فيها أو تحسين شروطها ودرجة اتساقها. فهي ليست شيئًا آخر إلا وظيفة إنتاج المجتمع نفسه من حيث هو آلية تختص بجمع الأجزاء والعناصر التي يتألف منها وتوحيدها، وبث الروح الجمعية فيها وتحويلها من ثمّ إلى كيان حي قادر على الحركة والتنظيم والتنسيق والتحسين والإصاح. أما الماحظة الثانية فليست بعيدة عن الأولى، لكنها أكثر مباشرة وأشدّ وضوحًا في تعريف المثقف. فالمثقفون «هم تلك المجموعة من الناس التي تتميز من غيرها بأنها تجعل من التفكير في الواقع والشأن العام عمومًا أحد همومها الرئيسة، وتشارك في الصراع الاجتماعي والسياسي، من أجل دفع هذا الواقع بحسب الرؤى التي تراها». وهذا يعني أن هذه الفئة ليست بالضرورة طبقة واحدة، ولا فئة متفقة الأهداف والآراء، ولا مجموعة حزبية أو سياسية أو فكرية. كما أنها لا تعني أولئك الذين يمارسون مهنة الكتابة والأدب، أو أصحاب القلم، وإنما هي مكانة اجتماعية سياسية، أو وظيفة في النظام الاجتماعي يقوم بها جمع متميز من حيث الأهداف والعقائد والأصول الاجتماعية، من مفكرين وغير مفكرين. والمثقف الساكن الذي لا يهتم بالشأن العام لا يدخل ضمن هذه الفئة، فأي مثقف مهما كان كبيرًا ليس بالضرورة مثقفًا، ولا يصبح كذلك إلا إذا حقق الشرطين التاليين: القيام بممارسة منتظمة للتفكير في الواقع الاجتماعي – السياسي، والمشاركة في تغييره. يربط غليون بين صفة المثقف والاهتمام السياسي، ولا يوضح طبعًا الفاصل هنا بين «السياسي»، أو «المنظّر الحزبي»، «الواعظ» والمثقف بصفته ناقدًا ومنتجًا للأفكار، صاحب المبدأ الإبيستمولوجي لا الأيديولوجي. كما يفصل بين الإنتليجنسيا والمثقف، فا يصبح المثقف إنتليجنسيًا إلا إذا حقق الشرطين السابقين. من يراجع مجمل آراء غليون في الأسطر السابقة، عند حديثه عن المثقف والإنتليجنسيا، ثم عن تحقيق هذين الشرطين للوصول إلى عضوية الثانية، يقع في تناقض أو إرباك، فهل المثقفون إنتليجنسيا؟ وهل المثقف لا يهتم بهذين الشرطين؟ وإن كنا لا نعوّل كثيرًا عليهما باعتبارهما من الشروط الأيديولوجية والتزامًا منقوصًا لأن المثقف يفكر في الواقع كله، الحضاري والفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والتعليمي والمعرفي، لا في السياسي – الاجتماعي فحسب، ولا فرق في هذا المجال بين المثقف والإنتليجنسي. إذًا، فالمثقف في نظر غليون هو فرد من نخبة ناقدة وفاعلة سياسيًا واجتماعيًا، ربما من غير المهنيين والمتعلمين المفكرين، تهتم بحياة الناس والمجتمع وتؤثر فيهما.
4(((برهان غليون، «الإنتلجنسيا والسياسة والمجتمع»، الاجتهاد، السنة 2، العدد 5 (خريف 1989)، ص.18–17
8. الطاهر لبيب: الكوني
يردّ الطاهر لبيب على غليون ردًّا غير مباشر، معتبرًا أن النخبة سقطت وما عادت موجودة، ومن الخطأ
اليوم الحديث عنها، لأن تصوّراتها ومشروعاتها الفكرية والسياسية بُنيت بمعزل عن الواقع، بل بُنيت
على مرجعيات خارجية – ماركسية وغير ماركسية – واكتشفت هذه النخب، أو أن «الواقع الكاسح الصارم هو الذي جعلها تكتشف أن مشاريعها وتصوّراتها التي ضحّت من أجلها وجعلتها تدخل
السجون وتتعرض للقتل، والتي قدّمت تضحيات كبيرة من أجلها، أنها بعيدة عن الواقع وليس لها هذا التأثير التي كانت تزعمه». وفي تعريفه المثقف، يرى لبيب، إنه بعد أن كان التعريف يقوم اعتمادًا على مكانه في عاقات الإنتاج على نحو تقليدي، أو اعتمادًا على التزامه بالمعنى السارتري أو الغرامشي «اكتشفنا أن هذا التعريف انتهى، وإن الإمكانية الوحيدة الآن في تعريف المثقف هو من خال رؤيته للكون». يؤكد كام لبيب هذا أن مفهوم «المثقف» كان ولا يزال غائبًا عن الخطاب العربي، وهذا ما يشير إليه باحث
كرّس الأعمال الاجتماعية للبحث في «سوسيولوجيا الثقافة» و«المثقف». ووصلنا إلى اليوم، كما يقول
لبيب، حيث كاد المثقف يغيب مفهومًا ودورًا، ولم نصل إلى تعريف متّفق عليه في حدّه الأدنى.
9. علي حرب: المثالي المدافع عن الحريات والحقوق
من جهته، يميّز علي حرب بين الكاتب والمثقف والمفكر، وهو يرى أن المفكر مثل المثقف يملك
الاطاع أو المعرفة، «لكنه يُخضِعهما لعملية تحليل واستنتاج، ويصوغ منهما فكرًا، كبيرًا في العادة،
تُحدث نقلة من نوع ما في حياة المجتمع». إذًا، المفكر هو مثقف، لكن ليس بالضرورة أن يكون كل مثقف مفكرًا. فعدد المثقفين يتكاثر، لكن لا يؤدي هذا التكاثر إلى زيادة المفكرين. فدور المفكر
ومسؤوليته أوسع من دور المثقف ومسؤوليته. قدّم حرب أيضًا أكثر من تعريف للمثقف، ليست بالضرورة هذه التعريفات كلها متناقضة أو متغيّرة،
والفرق بين المثقف والكاتب، ودور المثقف ونقده ونهايته وأوهامه، وذلك من خال مقالات عدة، ومن خال كتابه المهم أوهام النخبة أو نقد المثقف، حيث يقول في نقده المثقف وأزمته: «لا أعني بالمثقف من يملك حظًا وافرًا من ‘الثقافة العامة’ أو المعارف المشتركة، ولا أعني به، بالطبع، ‘الاختصاصي’
في فرع من فروع المعرفة، أو المنتج في حقل من حقول الثقافة، أي لا أعني به، بالتحديد، العالم أو الكاتب أو الأديب أو الفنان، كما لا أعني به، بالضرورة، ‘المفكر’ الذي يصنع أفكارًا أو يخلق بيئة فكرية، وإن كان المثقف يستعمل سلطة الفكر والنقد، وأخيرًا لا أعني به ‘الداعية’، أو ‘صاحب
((5(ينظر: الحوار الذي أجراه معه إسكندر حبش، «الطاهر لبيب: انهارت النخب المثقفة عندما كشفها الواقع وبقي المثقف
المقاول»، جريدة السفير،.2009/11/6 ((5(المرجع نفسه. (5((لمزيد من الاطاع على رأي علي حرب في هذا المجال يمكن مراجعة: بتول الخنساء، نقد المثقف المعاصر: رؤية علي
حرب، تقديم سجعان قزي (بيروت: دار المعارف الحكمية،.)2017 (5((علي حرب، أوهام النخبة أو نقد المثقف، ط 2 (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.)1998
الأدلوجة’، أي المنظّر العقائدي، أو المرشد الروحي، أو القائد الثوري، أو الزعيم الحزبي، مع أن مهمة المثقف تكاد تتطابق مع مهمة الداعية. ولكني أعني به، في المقام الأول، من تُشغِلُه قضية الحقوق والحريات، أو تُهمّه سياسة الحقيقة، أو يلتزم الدفاع عن القيم الثقافية، المجتمعية أو الكونية، بفكره وسجالاته، أو بكتاباته ومواقفه. قد يكون المثقف طوباويًا أو عضويًا، ثوريًا أو إصاحيًا، قوميًا أو أمميًا،
اختصاصيًا أو شموليًا، متفرغًا لمهمته أو غير متفرغ، وقد يكون شاعرًا أو كاتبًا أو فيلسوفًا أو عالمًا أو
فقيهًا أو مهندسًا، أو أي صاحب مهنة أو حرفة أو صناعة [...] ولكن أيًا ما كان نموذج المثقف وحقل
اختصاصه أو مجال عمله، فهو من يهتم بتوجيه الرأي العام، أو من ينخرط في السجال العمومي، دفاعًا عن قول الحقيقة أو حرية المدينة أو مصلحة الأمة أو مستقبل البشرية [...] بهذا المعنى فالمثقف هو الوجه الآخر للسياسي، والمشروع البديل عنه». نورد جملة من الاستنتاجات يمكن الخروج بها من قراءة هذا التعريف الرومانسي والاقتباس الطويل الذي رأى فيه حرب أن المثقف ليس بالضرورة المتعلم والأيديولوجي والعقائدي، بل هو الذي تشغله الثقافة المحض لتوجيه الرأي العام ويكون بديلً من السياسي: • ألغى حرب مجمل ما عرضناه من تعريفات سابقة لمصطلح «مثقف»، خصوصًا إذا أسقطنا منهج حرب نفسه «التفكيكي» على هذا التعريف. • لم يعطِ تعريفًا علميًا للمفهوم والمصطلح، فهو أسقط عن المثقف الصفات كلها، ثم عاد ليعرّفه من
خال دوره ووظيفته ليست الاجتماعية الواسعة، بل التوجيهية والسياسية. • إذا قابلنا الجزء الأول من هذا الاقتباس بجزئه الثاني، أي بين «السلبي» و«المقبول» من تعريف المثقف، فسنرى أن بعض هذا الكام يُختزل مع بعضه الآخر، ومن ثمّ نخرج بنتيجة مفادها أن «المثقف» هو الباحث عن الحقيقة والحرية المدافع عن القيم الثقافية «كاميًا»، وهو التوجيهي «الثرثار»، وبديل
السياسي. وإذا نظرنا في هذا «الوصف الفكري» عند حرب، فسنجده يبحث عن «المثقف» المثالي الباحث في قضايا «نسبية»، يحتاج تحديدها، خصوصًا في المجتمعات العربية، إلى الكثير من الوقت، فما معنى «الحرية» التي ستشغل «المثقف»؟ وما معنى الالتزام بالدفاع عن القيم الثقافية؟ • أخيرًا، من يتتبع تعريف حرب يجده شبيهًا برأي غرامشي في شأن أن أعضاء المجتمع جميعهم
مثقفون، ومن ثمّ لم يُعْطِ المثقف خصوصية، وبقي عنده «مصطلحًا» لا دلالة مجردة له.
10. عزمي بشارة: إشكالية
حاول عزمي بشارة تقديم تعريف أقرب إلى الوظيفية الاجتماعية التغييرية عن «المثقف» عند حديثه «عن المثقف والثورة»، أي دور المثقف في «ثورات الربيع العربي». صحيح أن بشارة لم يخرج
((5(المرجع نفسه، ص.38–37 (5((عزمي بشارة، «عن المثقف والثورة»، تبيّن، مج 1، العدد 4 (ربيع 2013)، ص.127
بتعريف محدد للمثقف، وكرر تقريبًا، منتقدًا ومُعصرِنًا، تصنيفات غرامشي في شأن المثقف التقليدي
والعضوي، وقدّم تركيبًا نقديًا من الصور التسع التي سبقته عند مثقفين عرب، وهو لم يبتعد كثيرًا في
تحميله المثقف دورًا ما قيميًا وأخاقيًا تجاه الثورة والظلم، لكنه أسس بنزعة أكثر حداثة ومواكبة
لمتغيرات الواقع المجتمعي العربي قراءة صورة المثقف العربي ودلالته ودوره، فاعترف أولً أن مثل هذا التعريف إشكالية في حدّ ذاته، ومن ثمّ لم يعتبر تعريفه «جامعًا» «مانعًا» عن المثقف، أي، كما يقول بشارة، «تواجهنا إشكاليات عدة، منها تمييز هذا المثقف من العامل في أحد مجالات المعرفة الذي يستثمر النشاط الذهني في العمل بشكل يفوق استخدامه في المهن الأخرى؛ إذ إن مؤهاته علميّة ومعرفية، كما في حال المدرّس والباحث في المختبر، والكاتب في الصحافة، والمحاسب
والمهندس ومدير الشركة، ومنهم المثقف وغير المثقف؛ ومنها أيضًا تمييز المثقف من الأكاديمي المنهمك في اختصاصه وحده حتى لو كان باحثًا، وتمييز المثقف أيضًا من ذلك الفاعل اجتماعيًا
الذي يتحدث في شؤون عدة، ويكتب عنها من دون أن يفقه مجالً واحدًا في العمق». وثانيًا فرّق
بين المثقف والأكاديمي المتخصص، أي «ليس المثقف هو الأكاديمي أو الباحث في مجال بعينه، ولكن هذا لا يعني أن الباحث لا يمكن أن يكون مثقفًا، أو أن المثقف يجب أن يكون عموميًا إلى
درجة عدم التعمّق في أي موضوع [...] والعكس هو الصحيح، أي إن مثقف عصرنا ما عاد بإمكانه أن ينطلق من العام إلى الخاص [...] وبات تطور المعرفة يتطلب الانطاق من الخاص إلى العام، أي من معرفة موضوع بعمق إلى القدرة على تجاوز التخصصات والإحاطة بعدة مجالات إحاطة عقانية راشدة». وثالثًا فكك الحكم الأيديولوجي، إلى حدٍ ما، بين صفة المثقف وتأييد النظام الحاكم أو القاعدة الشعبية. إضافة إلى ذلك، وقريبًا من الصورة التي يقدّمها الجابري، اعتبر بشارة أو أيّد، على نحو ما، أن
دور «العلماء» و«أهل العلم» في عصور الخافة الإسامية التي سُمّيت دولً، وهو الدور العمومي المرتبط بنقد المجتمع والسلطان، يشبه دور «مثقف» اليوم، فهم أساف المثقف العربي اليوم، بمعنى الوظيفة العمومية التي تكتسب شرعيتها من مكانة متعلقة بالعمل في مجالات الإشارات والمعاني والرموز؛ وقد ميّز بشارة في كامه هذا بين الإبداع الشعري والأدبي والفقه، وهذا الدور
النقدي. ونستشف من كام بشارة أيضًا أن مفهوم المثقف عنده لا يرتبط بالمؤهل أو الدبلوم العلمي أو الاختصاص، بل برفض الواقع السائد وتغييره من منظور اصطفافه إلى «المُذلين» و«المُهانين»، أي الشعب. ويقرأ بشارة مفهوم المثقف هنا من منظار دوره المجتمعي النقدي، ويكرر رأيه هذا
((5(يؤيّد عزمي بشارة هنا التقليد الفرنسي الذي تعامل مع المثقف منذ عريضة إميل زولا «إني أتّهم» دفاعًا عن النقيب دريفوس،
على اعتبار المثقف «سلطة ضميرية تستمد شرعيتها ليس من المكانة الاجتماعية القائمة على الإنجازات العلمية والأدبية وغيرها فحسب، إنما أيضًا من اتخاذ موقف نقدي من ممارسات السلطات أو من الآراء المسبقة الرائجة على مستوى العالم. وبذلك يتحايث مفهوم المثقف مع الموقف المعياري في المجال العام بالضرورة»، للمزيد يراجع: عزمي بشارة، «كلمة الافتتاح: مقاربات نقدية
للرائج عن المثقف»، في: دور المثقف في التحولّات التاريخية، ص.33 ((5(بشارة، «عن المثقف والثورة»، ص 132. ((5(المرجع نفسه.
عند تمييزه بين المثقف والخبير والتقني المنغلق في حدود اختصاصه ولا يكترث للشأن العام. إذًا مقياس مفهوم المثقف عنده هو تدخله في الشأن العام، أي «إن ما يصنع المثقف ليس التوجّه الذي يدفع إلى تجنّب اتخاذ موقف، بل الذي يدفع إلى اتخاذه، ولا سيما حين يتحرك الناس ضد الظلم». وهذا يعتبر مماثلً لرأي جوليان بندا عن المثقف، وليس الأفكار والإبداع والنقد المجرد فحسب، أي إن مفهومه عن المثقف «وظيفي» وليس مجرّدًا، وهنا نقع في إشكالية التعريف المجرد.
ويتساءل بشارة: «هل يكون المثقف بالضرورة نقديًا تجاه النظام السائد، أم يمكن أن يكون المثقف مثقفًا، بمعنى صاحب إلمام معرفي ومواقف عمومية في الوقت ذاته، من دون أن يتخذ مواقف نقدية، وهو ما أسميه ‘المثقف المحافظ’؟». كانت هذه عشر صور قدّمها عشرة «مثقفين»، في أزمنة وظروف مختلفة، عن «مفهوم المثقف»، لم تشبه أيٌّ منها الأخرى، فكان المتعلم أو غير المتعلم، والأديب وغير الأديب، والناقد والثوري والمغيّر أو
الرومانسي المسالم... إلخ. وهذا يعني أنها صور لا يشبه بعضها بعضًا عن المثقف العربي تصدر عن المثقفين أنفسهم، ولم نجد صورة واحدة، بمفهوم محدد، جامع مانع، غير الصورة الوظيفية الطاغية عند الجميع، يُمكن على أساسه توحيد الخطاب في هذا المجال، وتوضيح الرؤية عند الحديث حول من هو المقصود. صحيح أن مصطلح Term «المثقف» كان القاسم المشترك بين هذه الصور، فقُدّمت أسماء مثل العلّمة والمتكلم والمتعلم والكاتب والشيخ... إلخ، واتفق لغويًا على كلمة «مثقف»، فهل سيصار إلى الاتفاق على مفهوم لهذا المصطلح، لأن المصطلح من دون مفهوم لا يكون مفهومًا أو ذا معنى؛ فهل مفهوم «المثقف» ذو معنى في خطاب الباحثين العرب اليوم؟
ثانيًا: أزمة «مفهوم» لا «مصطلح»
نستنتج مما سبق أن «إشكالية» عدم تقديم تعريف جامع لمفهوم «المثقف» في الخطاب العربي عند مفكرين كبار معاصرين، وفي ما بينهم، عملوا ونظّروا لواقع المثقف في المجتمعات العربية، أوقعت الباحثين من بعدهم (لا يعني هذا الكام بالضرورة أن هؤلاء المفكرين هم فحسب من يقع على عاتقه تعريف المثقف، بل المقصود عيّنة عشوائية منهم، توقفنا عندها لنرى ما قدّمت في شأن هذا الموضوع)
في الإرباك عند الحديث عن المثقف العربي. إذا أخذنا كتاب دور المثقف في التحولّات التاريخية أنموذجًا لفحص هذا الإرباك عند الباحثين العرب اليوم – ونقصد اليوم بما آلت إليه ظروف المجتمعات العربية ومشكاتها وتغيّر اهتمامات أبنائها مع
ثورات التواصل التقانية والانفتاح العالمي والعولمة وحركات الدمقرطة وكسر حاجز الخوف من السلطة – لربما اتضحت الصورة أمامنا أكثر؛ وهو كتاب يضم عشرين بحثًا (إضافة إلى تقديم وكلمة افتتاحية) لكتّاب من مشارب وجنسيات عربية مختلفة شاركوا في «المؤتمر السنوي الرابع للعلوم الاجتماعية
(5((بشارة، «كلمة الافتتاح: مقاربات نقدية للرائج عن المثقف»، في: دور المثقف في التحولّات التاريخية، ص.37 (6((بشارة، «عن المثقف والثورة»، ص.132
والإنسانية» الذي عقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الفترة 21–19 آذار/ مارس 2015 في مراكش/ المغرب. قال مراد دياني في تقديمه إن هذا الكتاب «يروم تناول عدد من الأسئلة والإشكالات الأساسية، درسًا وتحليلً، تهم المثقف ودوره في التحولّات التاريخية [...] وعاقة المثقف بالخبير والباحث وأدواره وأخاقياته وأسئلة التاريخ ذات الصلة وتحوّل المثقف العربي في زمن العولمة والتنميط الثقافي والإشكالية الأبدية لعاقة المثقف بالسلطة وتصوّراته ومواقفه وتقاطعاته معها، وعاقة المثقف العربي بالجمهور والثورة والنضال من أجل الديمقراطية [...] وبروز المثقف الشبكي». ويتساءل دياني هنا: «هل ينبغي لنا ترجيح تعريف المثقف وضعيًا أنه كل من يمتلك معرفة تخصصية مؤهّلة علميًا، مثل المهندسين والتقنيين والمحامين والفنانين والكتّاب والباحثين؟ أم أنه مفهوم معياري يرتبط محدّده الأساسي بأداء الوظيفة النقدية وتغيير منظومة العاقات السائدة باتجاه عاقات جديدة؟». ويمثل تساؤل دياني هذا الإشكالية الأساس للتعريفات المتعدّدة المقدّمة في هذا الكتاب عن المثقف. يروم هذا الكتاب تقديم أفكار غنية ومهمة بأبحاثه العشرين (إضافة إلى التقديم والافتتاحية)، بغض النظر عن مدى تغطيتها هذه الموضوعات وتحليلها. لكن ما يهم هو أن الحديث يتناول مفهوم «المثقف» وكأنه ذو دلالة قاطعة ومتفق عليها، حيث ورد هذا المفهوم في الفقرة الصغيرة التي قدّمها دياني ست مرات، وفي خلفية كامه، يعتبر قائلها (دياني) أن «المثقف» هو «شخص يشارك على نحو فاعل في الشأن العام للدفاع عن القيم»، وتعتبر هذه الكلمات القليلة والبسيطة، التي تشبه ما قاله عبد الله العروي في تعريفه المثقف، منطلقًا واضحًا وأصيلً ومباشرًا للتعريف المنشود من دون عناء الدخول في أيديولوجية المثقف ووظيفته ودوره النقدي والسياسي المطلوب ومستواه العلمي والأكاديمي والبحثي، باعتبارها أحكامًا مسبقة.
1. تعريف غير محدد بعد
ما يثير اهتمامنا بداية أن هناك آراء واردة في الكتاب تعتبر أن مفهوم «المثقف» غير معرّف بعد، ومن الضرورة تعريفه، أي تتكلم عن مفهوم غير مُعرّف ولم تعرّفه. ففي نظر إدريس الكنبوري، على سبيل المثال، «لا يكاد جلّ الدراسات والبحوث الذي يتطرّق إلى المثقف يتفق على تعريف موحّد يمكن أن يكون له قوة معيارية، بقدر ما تصطدم بتعريفات لا حصر لها تتخذ لنفسها زوايا متعددة للنظر إلى هذا ‘الكائن’، أكانت الزاوية سياسية بالتركيز على دوره ووظيفته، أم الزاوية الأيديولوجية بالتركيز على
6(((سوف نُسقط من بحثنا هذا كلمة الافتتاح لأن عزمي بشارة أعاد فيها ما قدّمه في العدد الرابع من مجلة تبيّنوذكرناه في هذا
البحث باعتباره صورة من الصور التي قدّمها بعض المثقفين العرب، وبحثًا لنا؛ فيصبح عدد البحوث التي سندرسها عشرين بحثًا
فقط، بما فيها التقديم التقني الذي قدّمه منسق المؤتمر مراد دياني. (6((تقديم الكتاب، ص.22–21 (6((المرجع نفسه، ص.18
مواقفه وتموقعه، أم الزاوية الاجتماعية بالتركيز على موقعه وانتمائه الاجتماعي الطبقي». ومثله يرى شمس الدين الكياني «صعوبةَ تحديد معنى مفهوم المثقف أو تعريفه»، لذا بقي هذا المفهوم «يكتنفه الغموض»؛ لأنه مفهوم مستحدث في اللغة العربية ومنقول من الثقافة الأوروبية. ويعتبر سعيد أقيور أن هذا المفهوم (الذي عرف في سيرورته التاريخية تطوّرات وتحديدات متباينة) والموقف منه «كان
غائبًا في الحضارة العربية الإسامية؛ ما دفع بعدد من المفكرين العرب، وفي مقدمهم الجابري، إلى
القيام بمحاولة تبيئة هذا المفهوم داخل هذه الحضارة وتعليله، ومن ثم استنتاج أن «كلمة مثقف لا ترتبط في الثقافة العربية بمرجعية محددة»». واضح هنا أن أقيور يخلط بين «مصطلح» المثقف و«مفهوم» المثقف، صحيح أن المصطلح لم يوجد في اللغة العربية، إلا مؤخرًا، كما أوضحنا سابقًا في
هذا البحث، لكن مفهوم المثقف ودلالته موجود بمصطلحات أخرى (الفقهاء والعلماء والمتكلمين والفاسفة... إلخ)، كما قال الجابري نفسه وأكده عزمي بشارة، وذكرناه في مقدمة هذا البحث أيضًا. ويرى أقيور أن المثقف هو «المنتج للمفاهيم والإشكالات الموجّهة للمشروعات الكبرى التي تسمو
بالوعي لدى الناس، وتقف في وجه الظلم والاستبداد بأنواعه وخطاباته وأدواته كلها [...] يجمع بين الإرشاد والقيادة، والتنوير والنضال»، أي من وجهة نظره المثقف رهن وظيفته النقدية والتنويرية، لكن في المشروعات الكبرى، فما المشروعات الكبرى؟ وما الصغرى؟ وما مقياس الكبرى والصغرى وكيف نفرق بينها؟ وإذا كان المثقف يوجّه الكبرى فمن يوجّه الصغرى؟ وهل دور المثقف المنوط
بوظيفته هو إنتاج المفاهيم فحسب؟ ومن سيحوّلها إلى فعل ومعرفة؟ وكيف؟ وهل يكفي الوعي وحده
من دون عمل للوقوف في وجه الظلم؟
2. محرّك الهمم
يرى بنسالم حميش أن تعريفات المثقف تعددت وتقاطعت، و«لعل أقربها إلى موضوعنا يثوي في نظرية جون بول سارتر المتعلقة بالالتزام، ومفادها أن المثقف هو من عليه واجب الوفاء لمجموعة سياسية واجتماعية، مع ممارسة حقه في انتقادها، أو أنه من يتدخّل في ما لا يعنيه مع استيفاء شرط الخبرة والدراية». ويضيف حميش «إن المثقف هو من يسعى جادًّا بعدّته المعرفية والفكرية إلى إيقاظ الهمم والضمائر وتحريك سواكن الغفلة والتلهّي عن قضايا وأوضاع خطرة جسيمة». ويستثني حميش من هذا التعريف المبني على التازم «المثقفين المزيفين»، على اعتبار أنه يفترض في «المثقفين النزهاء»، بحسب توصيفه، أن يكونوا فاعلي الثقافة ومنتجيها.
(((6 إدريس الكنبوري، «المثقف العربي من محنة الاستتباع إلى سؤال الدور في زمن التحوّل»، في: دور المثقف في التحولّات
التاريخية، ص 4. 25 6(((شمس الدين الكياني، «دور المثقف في الثورة السورية بين شهيد ومتفكر»، في: دور المثقف في التحولّات التاريخية،
ص.475 (((6 سعيد أقيور، «المثقف العربي والوظائف المفتقدة في ثورات الربيع العربي»، في: دور المثقف في التحولّات التاريخية،
ص 01.4 (6((المرجع نفسه، ص.402 6(((بنسالم حميش، «عن المثقفين وتحولّات الهيجمونيا»، في: دور المثقف في التحولّات التاريخية، ص.44
يخرج علينا حميش هنا بتوصيفات لا تمتّ إلى الثقافة والمثقف و«العدّة المعرفية والفكرية» بصلة، فما معنى «المثقفين المزيفين»؟ وما مقياس «التزييف» هنا بناء على التعريف السارتري الذي يربط بين «الالتزام» و«المثقف»، و«النزاهة» و«العلم»؟ فهل منتجو الثقافة وفاعلوها قادرون على التزييف في هذا المجال؟ أحكام غير مفهومة، مثلها مثل قوله أيضًا «المثقف الأنموذجي»؟ وهل هناك مسطرة نقيس عليها هذا المثقف أو ذاك؟ وما المعيار المعتمد في ذلك أو القالب الذي نُسقط فيه هذا المثقف لنسميه مثقفًا أنموذجيًا أو غير مطابق للمواصفات؟ ومثلها قوله «ليس علينا أن نلوم فنانًا أو كاتبًا أو
فيلسوفًا على الاعتزال في ‘برج عاجي’، لكن في المقابل لنا أن نحاسب هؤلاء إذا لم تتمخّض عزلتهم عن أي شيء شائق ثمين». أولً كيف سمّى حميش هؤلاء الناس فنانين وكتّابًا وفاسفة، وفي الوقت نفسه عنده شك في إنتاجهم الشائق والثمين؟ ومن سوف يحاسبهم؟ وكيف؟ وبناء على ماذا؟ وما مقياس الثمين والشائق في الإنتاج الأدبي والفني والفلسفي والأعمال الإبداعية؟ وهل هناك امتحان يقوم به المجتمع أو أي هيئة لمنح هذا صفة مثقف وإسقاطها عن آخر؟ كلمات رماها حميش ولم يربط بينها وبين التزام المثقف الذي تبنّاه نقلً عن سارتر، وهل هذا الالتزام والتدخّل في ما لا يعنيه مرهون بقيمة إنتاجه أو درجة تعلّمه؟
3. المُغيّر
يرى سعيد بنسعيد العلوي أن «الفئة التي يصح نعتها بجماعات المثقفين في عصر النهضة، أي تلك التي تُسخّر ما تمتلكه من أدوات معرفية من أجل فهم الواقع أولً، ثم العمل على التأثير فيه بغية المساهمة في تغييره، وذلك بالتنبيه إلى مظاهر السلب والقصور من جانب أول، واقتراح حلول أو الاستدلال على الطريق الكفيلة بسلوك طريق الحل من جانب ثانٍ، فهي تضم أصنافًا منوّعة في الواقع؛ إذ نجد فيها، حينًا، رجل الدولة الذي يملك التأثير المباشر في الحوادث [...]، وحينًا آخر يفيد المثقف العالم أو المتنوّر القريب من أوساط اتخاذ القرار، أو من الذين يرتبطون بتلك الأوساط بأكثر من سبب [...] وطورًا ثالثًا تعني كلمة ‘المثقفين’ جماعة المفكرين الذين لم يكونوا، بالضرورة، على صلة بدواليب الدولة، بل ربما كانوا في نفور منها، أو خصومة معها، بيد أنهم كانوا مهمومين بشؤون بلدانهم ومتطلّعين إلى تغيير حال لا يرضون عنها». ربما لو أضاف العلوي إلى تعريفه هذا أن «الأدوات المعرفية» المطلوبة في «المثقف» هي التي تأتي من طريق العلم والتعلم أو من طريق الخبرة الموضوعية والعمل، لكان تعريفه مكتملً وأنموذجيًا فعلً في
تعريف المثقف؛ فهو تعريف جامع وموضوعي وبعيد عن الأيديولوجيا والاقتباس الغربي، وتظهر فيه وظيفة المثقف ودوره الواسع ومجال حقله الثقافي الواسع في تغيير الواقع أو المساهمة في هذا التغيير وبث المعرفة وليس تغيير السلطة والوضع السياسي القائم.
(6((المرجع نفسه، ص.48 (7((سعيد بنسعيد العلوي، «الحرية شعارًا ومفهومًا: خطاب المثقفين العرب في عصر النهضة»، في: دور المثقف في التحولّات
التاريخية، ص.130
4. الأسطوري الناجح
أما عبد الوهاب الأفندي، فيتبنى مقولة توماس كارلايل ويوهان فيخته في أن «المثقف نبي عصره» لأنه «رجل القلم» البطل الذي مهمته هي «وراثة النبوّة»، لأنه يطّلع من جوهر الأمور و«الفكرة الإلهية» على
ما لا يطّلع عليه العوام، فيترجم هذه الفكرة لعصر يقصر عن فهمها من دون جهده. ويرى الأفندي أن أهم خصائص المثقف «أنه شخص بنى رصيدًا مركبًا: نجاحًا في مجال ما، وشهرة أو نجومية [لتألقه
في مجال تخصص ما]، عضده بمواقف أخاقية عزّزت الثقة في شخصه. وهو يستند إلى هذا الرصيد لاتخاذ موقف في شتى القضايا». إذًا، المثقف بطل – أسطورة لا غنى عنها، تنبع بطولته من «قدرته على نسج روايات الأمل والهوية التي تتملك خيال الشعوب والجماعات وتقودها إلى عالم جديد». لذا، بحسب الأفندي، لا مجال للخبرة والمعرفة والعلم، بل القدرة على النجومية والبطولة، حتى ولو كانت ديماغوجية أو مأجورة أو مرتهنة، وتحمل «جديدًا»، وإن لم يكن تقدّميًا، وبذلك المثقفون قلّة تسطع بطولتهم ولو في جيل أو أكثر، وربما
لن يأتي هذا البطل – المثقف في مجتمع ما، فيكون عندها المجتمع خاليًا من المثقفين.
5. الروحاني الخلوق
مثل الأفندي، يعطي النور حمد معنى مفهوم «المثقف» بُعدًا روحانيًا (غير عملي ومعرفي) من خال
ربطه بالاستقامة وسموّ الأخاق، «بمعنى العمل على إحقاق الحقوق وإقامة العدل. فوظيفتها لا تستند
إلى المعرفة فحسب، إنما تعتمد أيضًا، بقدر أكبر، على تجسيد المعرفة وتقديم الأنموذج»؛ ويفهم من هذا الكام أن المثقف هو قاضٍ يلتزم «الصالح العام» ومناصرة المستضعفين ببعد روحاني، لا يعني «بنية الوعي الدينية» التقليدية المعروفة، بل الإدراك العميق لوحدة الذات والموضوع، أي التكامل والترابط العضوي بين الأنا والآخر والبيئة المحيطة، حيث يصبح المثقف نافعًا لنفسه ومجتمعه. وهنا، بحسب حمد، «سعة المعرفة ليست مرادفة، بالضرورة، للأخاق أو القيمة أو الفضيلة أو القدرة على اتخاذ الموقف الصحيح في الوقت الصحيح، بل ثمة عنصر آخر يحوّل المعرفة إلى طاقة فاعلة في مناصرة الحق والعدل،
إنه عنصر الروحانية». بمعنى آخر، وربما كنوع من الثورة والانتفاض على المادية الجافة التي تحكم نسق القيم الرائج اليوم والعاقات الدولية، يهرب حمد إلى الروحانيات، أو يعود إليها، ضاربًا العلم
والمعرفة عرض الحائط باعتبار لا قيمة أو دور لها، لذا قزّم المثقف إلى قاضٍ «خلوق»، هو أقرب إلى «شيخ قبيلة» في مضارب خارج الزمان والمكان، يُصلح الناس ويهديهم إلى الأخاق والتحابب فحسب، لكن السؤال: وبعد ذلك، كيف نُغيّر الواقع؟ ومن سيغيّره؟ فهل بالروحانيات وحدها يتغيّر واقع هذا الزمان
العلمي والمادي؟ أيطلب حمد السير إلى الأمام أم العودة إلى الوراء، العيش على الأرض أم في كوكب افتراضي، يُعيد فيه زمن الأنبياء، بدلً من الفاسفة والعلماء والمفكرين؟
(7((عبد الوهاب الأفندي، «حول المثقف الإسامي: الوظيفة والمنهج والإشكالات»، في: دور المثقف في التحولّات التاريخية،
ص.152 ((7(المرجع نفسه، ص.155 (7((النور حمد، «المثقف العربي وقضية الإصاح الديني»، في: دور المثقف في التحولّات التاريخية، ص.208
6. المثقف الهُوَوي
يتبنى علي الصالح مولى مقولة إميل زولا «إني أتهم» في دفاعه عن النقيب دريفوس، هذه المقولة التي تعتبر شهادة مياد «المثقف» في العصر الحديث، ويشتق منها تعريفه المثقف، فيقول: إن المثقف وهو يباشر فعله «الثقافي»، لا يباشره بوصفه مسؤولً مسؤولية إدارية أو مهنية، إنما بوصفه مسؤولً مسؤولية أخاقية، والكلمة هي ساحه، وأن الانخراط في هموم الآخرين وتبني قضاياهم والدفاع عنها مسؤوليته، ومن واجبه الدفاع عن القيم حتى لا يُحوّل العابثون حياة الناس إلى شقاء وحرمان، وهذا كله يفرض على المثقف المواجهة والنضال. حاول مولى أن يشتقّ لنفسه مصطلح «المثقف الهُوَوي»، «غرضه أن ينتشل المثقف من مدارات التوظيف والتشغيل للحساب الحزبي أو المذهبي أو الطائفي، وأن يحرّره من الارتهان بمقاربات تستثمر دوره في تعزيز مواقع فاعلين آخرين»، أي إنه مثقف فاعل لحسابه الخاص، وإن كان زمن هذا المثقف، بحسب المولى، انتقل اليوم إلى زمن الخبير. لكن مولى عاد وتبنّى أيضًا تعريف غرامشي «العضوي»، باعتباره أن المثقف هو من أوتي العلم، كما تبنى تعريف سارتر بشأن الالتزام، وتعريف بندا في ممارسة الانتصار للحق، أي ركّز على وظيفة المثقف أكثر من تقديم تعريف، على الرغم من انتقاده هذا التصنيف عند الآخرين.
7. صاحب السلطة العلمية
من جهته، يعدّ خالد العسري «مفهوم ‘المثقف’ من المفاهيم الحداثية التي جرى تداولها في حقل الاجتماع السياسي والثقافي العربي، فهو بذلك من المفاهيم التي لا يكتمل استيعابها إلا بالعودة إلى الدلالات التي يحملها في نسق ولادته». وفي رأيه الذي بناه على المصدر الفرنسي بعد قضية دريفوس وعلى رأي سارتر الذي يقول إن المثقف هو الشخص الذي يهتم بأمور لا تعنيه إطاقًا، المثقف هو «شخص يتجاوز حقل مهارته المهني ليتورط في الشأن العام». وينتقد العسري «آلية الاستنساخ» التي اعتمدت النقل «الميكانيكي للمفهوم بدلالاته التاريخية في الغرب، وإسقاطه بكل حمولاته في السياق العربي؛ وكان آثار هذا الإسقاط الكلّي عدم الاعتراف بمثقف حتى يبشّر بفكر التنوير العَلماني. وجرت مقاربة المفهوم من خال الأيديولوجيا عوضًا عن مقاربته من خال واقع اجتماعي يفترض إمكانية سبق تحققه في التاريخ العربي، وهو ما يساعد عند إثباته سهولة تداوله، لأن الأمر لا يعدو إحياء للدلالة بمفهوم مغاير، لا استنباتًا قسريًا للمفهوم والدلالة معًا».
(7((علي الصالح مولى، «هل من حاجة اليوم إلى مثقف هُوَوي؟ بحث في تراجع الأدوار التقليدية ونظر في البدائل»، في: دور
المثقف في التحولّات التاريخية، ص.255–254 ((7(المرجع نفسه، ص.251 (7((خالد العسري، «المثقف العربي وإشكال الحرية والهوية: زمن الموجة الأولى من الربيع العربي»، في: دور المثقف في
التحولّات التاريخية، ص.344–343 ((7(المرجع نفسه، ص.345
يثير هذا الكام الذي جاء عند العسري جملة من الأسئلة: من الذي لا يعترف إلا بالمثقف العلماني؟ فهل هناك نقابة مهنية تمنح المثقف العتيد أو المفترض شهادة أو عضوية في نقابة مهنية لمزاولة دوره كمثقف، مثل المهندس أو الطبيب أو الصيدلاني؟ وخصوصًا أن العسري نفسه يضيف بعد صفحة واحدة «تشكّل النخبة المثقفة ‘سلطة علمية’، تنتقل من اهتمامها التخصصي بميدانها المعرفي الذي تبدع فيه، إلى الانشغال بالشأن العام والاشتغال فيه»، فكيف نفسر هذا الكام؟ وهل المثقف، بأي تعريف شئنا، ينتظر الاعتراف به من أحد؟ وكيف ينتقد الاستنساخ الغربي للتعريف وهو يتبنّاه (التعريف السارتري) ويرى أن مفهوم المثقف وُلد مع قضية دريفوس في فرنسا، هذا مع العلم، وكما أوضح عزمي بشارة في المؤتمر نفسه، أن التاريخ العربي والإسامي عرف أشخاصًا قاموا بدور المثقفين ووظيفتهم المنشودة اليوم في مقارعة السلطة والسلطان ومحاولة تغيير الواقع وليس تفسيره فحسب؟ ومن الذي منع العسري نفسه من اشتقاق تعريف لمفهوم المثقف غير ما استنسخته آلية النقل، وهذا هو مطلبنا أصلً في الخطاب العربي؟ بمعنى لماذا لم يعمل بدلً من نقد الذين حاولوا ولو من خال النسخ؟ وأرى أن هذه إحدى الوقائع القاتمة التي يغطس فيها مثقفنا العربي، يريد أو ينتظر من الآخر ليعرّفه
ويتحوّل هو عن العمل إلى النقد واللطم من غزو الغرب وأيديولوجياته.
8. الحداثوي
مثل كثير من الباحثين العرب، يربط امحمد جبرون بين تاريخ ولادة مفهوم «المثقف» وتعريفه، فيتساءل: أيكون انبثاقًا محليًا أصيلً تمخّض عن السيرورة التاريخية العربية، أم انعكاسًا للمثاقفة المتأخرة مع
الغرب ونتيجتها؟ ويطرح فرضيتين: الأولى قِدَم المثقف في الحضارة العربية الإسامية، وهذا ما قاله الجابري وبشارة، كما مر معنا سابقًا، وتدّعي الثانية حداثته، وتربط ظهوره بالجهد الذي بذله العرب في سبيل التحديث مع بداية العصر الحديث، كما جاء عند بعض الباحثين. وأيًّا تكن هذه الولادة، يرى جبرون أن المثقف الحداثي العربي كما سمّاه هو من الناحية الوظيفية «ينتمي إلى قطاع الإنتاج الرمزي (جامعيون وصحافيون وكتّاب وفنانون وسينمائيون... إلخ)، وهو من النتائج المباشرة لنازلة النهضة والحداثة العربية؛ وهو أيضًا صاحب موقف ووجهة نظر إصاحية/ زمنية، لا يتردد في التعبير عنها [...] هاجسه الأساس التقدم». ويرى جبرون المثقف العربي في سياق «الربيع العربي» «نخبة من أصحاب ‘الحرف الفكرية’ أو الرمزية الذين شاركوا فكريًا في ‘الربيع العربي’ بالتوجيه والنقد». يتبيّن من هذين التعريفين أن المثقف بالنسبة إلى جبرون هو المتعلم، وليس بالضرورة المتخصص أو
الخبير، الذي يهتم بشؤون مجتمعه ومستجدّاته ويواكب أحداثه ويشارك فيها نقدًا وتحليلً من وجهة
((7(المرجع نفسه، ص.346 (7((امحمد جبرون، «المثقف العربي وأزمة الهوية: دراسة في توتر عاقة المثقف الحداثي بالربيع العربي»، في: دور المثقف في
التحولّات التاريخية، ص.379 ((8(المرجع نفسه، ص.381
نظر معينة، مؤيدًا أو رافضًا، وهذا موجود دائمًا وتاريخيًا في الحضارة العربية. لكن ماذا عن المتعلمين
أو المثقفين الذين لا يبدون وجهة نظرهم في شؤون مجتمعهم لأسباب خاصة أو عامة تمنعهم من الخوض فيها؟ فالموظف الذي تمنعه مؤسسته مثلً من التعليق على حوادث معيّنة، يكون من ثمّ
محرومًا من الاستقالية، فهذه أزمة لم يغفل عنها جبرون نفسه الذي طالب المثقف العربي بالتخلص
منها، من دون أن يذكر لنا كيف يكون ذلك.
9. الأداة والقائد
أما حيدر سعيد، فيرى أن المثقف هو الشخص «القادر على تحويل الطابع المطلبي لجزء كبير من الحراك المدني، إلى قيم سياسية، تتجه إلى أداء الدولة والمؤسسات السياسية وطبيعة النظام السياسي. وهنا يأتي الدور التاريخي للمثقفين: فهم الأداة التي يمكن أن تحوّل هذه المطلبية إلى مفهوم سياسي». أي إن
سعيد يطلب من المثقف أن يكون قائدًا ميدانيًا، يستمد المطالب والأفكار من الناس، ويعمل هو على
النضال من أجل تنفيذها. بمعنى أن حيدر قلب الصورة، فبدلً من أن يكون المثقف منتج الأفكار والمعرفة التي يبثّها من خال عمله الفكري والبحثي والفني بين الناس لشحذ الهمم والمعرفة وتعزيز الوعي من أجل التغيير، عليه أن يتلقّى من الناس هذه الأفكار ويذهب بمفرده لتطبيقها، وبذلك يسهل على أي سلطة الاستئثار به كونه بمفرده والقضاء عليه، فكيف ذلك؟ ربما وجهة نظر سعيد هنا، ومثله كثر، هي ردًّا على الشعارات التي كان يسمعها دائمًا بأن الشعب يفدي القائد، أي يموت الشعب ليبقى القائد، فأراد قلب هذه
الصورة بأن يموت المثقف/ القائد ليبقى الشعب، وهذا ما حصل فعلً في المجتمعات العربية كلها، مات المثقف حتى قبل أن يتقمص دور القائد، فلمجرد النطق بكلمة حق كان يُغيّب.
10. المثقف الشبكي
في مقابل هذه التعريفات لمفهوم المثقف التقليدي، إن صح الوصف، برزت تعريفات جديدة لمفهوم «المثقف الشبكي» مواكبة لثورة الاتصالات والتواصل وعصر المعلومات، على اعتبار أن هذا العصر والعصور المقبلة هي للعالم الافتراضي والشبكي، والمثقف العتيد والمستقبلي ليس هو المثقف التقليدي و«المعرفة الورقية»، بل الإلكترونية. وفي الكتاب الذي بين أيدينا ثاث مساهمات عرّفت هذا
المثقف الحديث. يرى نديم منصوري أن المثقف الشبكي ليس هو «مستخدم الشبكة البسيط؛ وهو ليس مستهلكًا خدماتها فحسب، يجوب الفضاء السيبراني من دون أي إضافة علمية أو أي إنتاج معرفي جديد. بل المثقف الشبكي هو المستخدم المنتج في الشبكة، المؤثر في أفرادها، والمغني في محتواها. وهو يضطلع بذلك بأدوار متنوّعة؛ إذ لا يستطيع هذا المثقف الشبكي أن يبلغ بجهده المنصّات الإلكترونية كلها،
بل هو متنوّع التخصصات والنشاط ومتعدّد المجالات والوظائف، ما يجعله منظرًا ومنظمًا ومسيطرًا،
ولا سيما مع تفاعل المستهلكين معه في الشبكة».
(8((حيدر سعيد، «مولد المثقف الادولتي – حالة العراق»، في: دور المثقف في التحولّات التاريخية، ص.469–468 (8((نديم منصوري، «عن دور المثقف الشبكي في عصر المعلومات: ماحظات وآفاق»، في: دور المثقف في التحولّات
التاريخية، ص.541–540
لم يجد كاتب هذه الدراسة أيّ فرق جديد في هذا التعريف لمفهوم المثقف يميّزه من المفهوم العادي،
سوى أداة عمله من الورقي إلى الإلكتروني، فلماذا نحمّل هذا المفهوم ما لا يحتمله، ونقول المثقف الذي يستخدم «الشبكة العنكبوتية»، هكذا بكل بساطة. فالنص والأفكار والمعرفة والفلسفة وإنتاجها وتأثيراتها وانعكاسها في الواقع وعليه هي نفسها إن كانت ورقية أم إلكترونية، بل ربما في الحالة الورقية التقليدية تكون أفضل وليس بالضرورة أسرع، خصوصًا مع الأمية الإلكترونية التي ربما تفوق أمية القراءة والكتابة في المجتمعات العربية. والأمية هنا لا تعني عدم القراءة والكتابة فحسب، بل هناك أمية من نوع آخر هي عدم الاهتمام بالفكر والمعرفة، وخصوصًا عند الجيل الذي يتقن الأداة الإلكترونية. ويحضرني هنا سؤال: لماذا عند انتشار المذياع والتلفاز، وهي وسائل نقل المعلومة الأسهل لنشر المعرفة واستهاكها كونها لا تتطلّب أكثر من السماع، لم يُشع مصطلح «المثقف الإذاعي» مثلً؟ على الرغم من التأثير الكبير الذي تركه المذياع والتلفاز، وخصوصًا الأخير ولمّا يزل عند عموم الناس، فهل هي فورة الموضة والتجارة والاستهاك انعكست على المثقف نفسه ومفهومه عن نفسه؟ واعتراضنا هنا، كي نعود إلى موضوعنا، ليس في مواكبة عصر المعلومات وأدواته، وليس في نحت مصطلحات عربية مواكبة للتطوّر العلمي، بل في «اختاق» لزوم ما لا يلزم من مفاهيم لم ولن تقدّم أي إضافة
جديدة جذرية لموضوع المثقف والثقافة. من جهته يعتبر جوهر الجموسي أيضًا أن مدوّني صفحات الفيسبوك خال الثورة التونسية والمصرية هم المثقفون والنخب الجدد الذين حرّكوا الثورات، «بعد أن كان المثقف، مثلما كانت النخبة أو النخب،
يقبع في المؤسسات الجامعية الأكاديمية ممثلة في الجامعيين، وفي المؤسسات الإعامية ممثلة في الصحافيين والمنشطين الإذاعيين والتلفزيونيين نجوم الميكرفون والشاشة، وفي المؤسسات الثقافية ممثلة في المبدعين والفنانين، وفي الأحزاب السياسية ممثلة في القيادة الرمزية... إلخ، وبعد أن كان مجسمًا في كل هؤلاء، جاءت ‘الثورة’ في تونس وفي بلدان عربية أخرى، لترسم ثورة في مفهوم المثقف والنخبة والقائد، وثورة في دور المثقف والنخبة والقائد، قبل أن ترسم ثورة في المجتمع والسياسة؛ ما أحدث تحولّات فارقة في تمثاتنا التقليدية لمفهوم المثقف والنخبة والقائد». وكأن الجموسي هنا
وضع العربة قبل الحصان، الثورة أنتجت نخبة أم النخبة أنتجت ثورة؟ فهل كان المثقف قبل الثورة غير موجود وغير فاعل؟ وهل من دون العالم السيبراني كانت أدوات التغيير مفقودة؟ وأتعتبر الأدوات الإلكترونية هي وقود الثورة وفكرها ومعرفتها، أم هي واحدة من الأدوات؟ وأتكون الأفكار المحركة للثورة هي وليدة لحظتها أم نتاج تراكم قدّمه الجامعيون والأكاديميون والفنانون... إلخ أي المثقف النمطي؟ بمعنى آخر أسقطه الجموسي، المثقف بصفته منتج أفكار وناقدًا هو محرّك الثورات، وشباب
الفيسبوك هم أدواتها ومنفّذو هذه الأفكار، وشتان في دلالة مفهوم المثقف بين المولّد والمنفذ. فهل كل من استخدم ودخل إلى صفحة الفيسبوك هو مثقف؟ فهنا نكرر مقولة غرامشي لكن بكلمات حديثة، كل مستخدم للفيسبوك مثقف، وإن كان غرامشي حدد فئة من الناس تمتهن المعرفة وإنتاجها، لكن مع «المثقف الشبكي» صار المقياس ليس المعرفة بل الاستخدام، والسؤال: ما مدى تأثير أيديولوجية
(8((جوهر الجموسي، «المثقف النمطي والمثقف الناشئ في العالم السيبراني»، في: دور المثقف في التحولّات التاريخية، ص.571
الميتا – المثقف والتقني لفنون الكمبيوتر في مقابل المثقف النمطي ونتاجه؟ وهل التقانة وحدها باتت هي الثقافة، إذا اعتبرنا أن ليست وظيفة المثقف فحسب، كما قال يوسف الشويري، بل المجال الذي يعمل به يجعلنا نطلق لقب المثقف على أحد الناس؟ لذا «علينا دراسة الثقافة وتعريفها قبل دراسة دور المثقف»، أي الحقل الذي ينشط فيه المثقف، «فنفهم دوره في الحقل الثقافي الأوسع». يكسر إبراهيم بوتشيش حدّة زميليه، منصوري والجموسي، تجاه المثقف النمطي والمثقف الشبكي، معتبرًا «أن كل تحوّل تاريخي انتقالي يستلزم إعادة صوغ القول في مفهوم المثقف ودوره [...] وفكر
المثقف وآليات اشتغاله ينبغي أن تخضع – من مرحلة إلى أخرى – لعملية اختبار وفحص ومساءلة، لكسر الرتابة والقيم الجاهزة ومواكبة تحولّات المرحلة الجديدة». إذًا هي عملية مراجعة وتجدّد وفحص ومساءلة لشيء موجود، وليست عملية نكران وتغييب واجتثاث لمفهوم لم نتفق أصلً على تعريف له. أما المثقف الشبكي عند بوتشيش، فهو «الشخصية الفكرية التي انخرطت في عوالم المعرفة من خال منظومة التبادل الشبكي التي تقوم على استغال التقانة التواصلية في الربط والتشبيك لتحقيق تنمية ثقافية ومعرفية، أساسها التواصل المستمر لتبادل الأفكار وقاعدة البيانات والمعلومات والمعارف، بين مجموعات من البشر، يتّصف من ينضوون إليها بأنهم ذوو أفكار متجانسة وأهداف مشتركة، يترتب عنها قيام مجتمعات تخيّلية أو افتراضية تؤسس بين أعضائها عاقات قوية تساهم في حل بعض المشكات
الإنسانية». بمعنى أن هذا المثقف لا يُختزل في كينونته التقنية واشتغاله بآليات الترابط الشبكي فحسب، بل هو أيضًا ذات لها مشروع وخطاب فكري يتضمن مواقف وقضايا يعاركها، من دون أن يزعم لنفسه القيام بدور المخلص المنقذ، أو يفرض في مشروعه سلطة فكرية ويقينًا فكريًا، أو وصاية على القيم العامة.
استنتاجات
لا شك في أن الكتاب الذي حاولنا قراءته غني ببحوثه المنوّعة التي تضمنت أفكارًا وآراء مدعاة للنقاش والحوار، لكن توقفنا عند نقطة واحدة فقط، هي كيف عرّف المشاركون فيه مفهوم «المثقف»، بعيدًا من
دوره الوظيفي، بمعنى هل قدّم الباحثون العرب تعريفًا تفسيريًا لمفهوم المثقف الذي كثيرًا ما يُطرح في
الخطاب العربي وعلى الألسن عن دوره وأهميته وموته وغيابه وانعزاله... إلخ، فمن هو هذا «المثقف» الذي نحمّله أحيانًا أكثر مما يستطيع في تغيير الواقع والنهوض بالمجتمع؟
(8((يوسف الشويري، «دور المثقف العربي في التغييرات التاريخية: المثقف والمجال الثقافي»، في: دور المثقف في التحولّات
التاريخية، ص.106 ((8(إبراهيم القادري بوتشيش، «سؤال تجديد أدوار المثقف في ضوء تحولّات الربيع العربي: دور التواصل الشبكي والميداني
كخيار استراتيجي»، في: دور المثقف في التحولّات التاريخية، ص.601 ((8(المرجع نفسه، ص.606–605 ((8(المرجع نفسه، ص.607
• تبيّن معنا من خال قراءة النصوص المتضمّنة في الكتاب واستخدمناها في دراستنا، وعددها تسعة
عشر بحثًا وتقديم (أي عشرون مادة)، أن هناك نحو 12 بحثًا (أي ما نسبته 06 في المئة) حاول تقديم تعريف عن مفهوم المثقف، وقد راوحت هذه التعريفات بين المتعلم والمفكر والمغيّر والأخاقي
والروحاني والمناضل والثائر... إلخ، ولم يجمعها جامع واحد، باستثناء تعريف واحد كان جامعًا وافيًا
ويصلح اعتماده، وهو التعريف الذي قدّمه سعيد بنسعيد العلوي، ولسنا هنا في وارد تقويم التعريفات، لكننا نبحث عن تعريف لمفهوم نعتمده، بدلً من نتفٍ ضيّعت أهمية المثقف ودوره التغييري في
المجتمع. وما نقصده هنا أن نسبة 04 في المئة من الباحثين والمثقفين أنفسهم يكتبون عن المثقف من دون تعريف من هو المقصود بالمثقف. • أجمع معظم الآراء والبحوث على أن مفهوم «المثقف» دخيل على الحضارة العربية الإسامية، وهنا وقع الخلط بين المثقف من حيث هو مفهوم ومصطلح المثقف، فإذا كان المصطلح دخيلً ومستجدًا في اللغة العربية وعمره لا يزيد على قرن من الزمن، ولم ينتشر إلا منذ نصف قرن تقريبًا في الخطاب
العربي، فإنه من حيث هو مفهوم ودور ناقد ومنوّر يحاول تفسير الواقع وتغييره، فقديم قدم الثقافة
العربية، وإن كان بأسماء مختلفة. • استندت أغلبية الآراء التي عرّفت المثقف إلى التعريف الذي قدّمه غرامشي (تسعة بحوث، بنسبة 54
في المئة)، وسارتر (أحد عشر بحثًا، بنسبة 55 في المئة). وأرجع نسبة ظهور مصطلح المثقف إلى قضية محاكمة النقيب الفرنسي دريفوس في عام 1898 ومقالة إميل زولا «إني أتّهم» (ستة بحوث، بنسبة 30 في المئة). • غلب على معظم التعريفات المقدمة عن المثقف المعنى الوظيفي للمثقف، أي دوره وما هو مطلوب منه ومُتصوّر ومفترض، أكثر من التعريف الدلالي لمعناه من حيث هو مفهوم، حيث يمكن الخروج
بتعريف موحّد بدلالة واضحة متفق عليها. • تقاطعت أغلبية البحوث والآراء عند اعتبار المثقف وصيًّا على المجتمع وعليه يقع واجب التغيير،
ونسأل هنا، من أين جاءت فكرة أن المثقف هو المغيّر وهو من يقود الثورات؟ وتبيّن أن هناك الكثير
من التنظير والخلط الديماغوجي في هذا المجال، فمن نصّب المثقف وصيًّا على المجتمع؟ ومن
أين جاءته هذه الميزة والمنحة؟ أو من يحق له في المجتمع أن يمنح أيًا يكن ميزة الوصاية على المجتمع؟ وهنا أعتقد أن هذه الصورة التاريخية مرسومة للمثقف/ المتعلم، وهنا كثيرًا ما يجري الخلط
بين الاثنتين، نتيجة المكانة الرمزية والمعنوية والاجتماعية التي كان يحققها نسبيًا من تحصّل على
درجة علمية مهما كانت أهميتها في زمن الأمية والجهل، فبقيت مازمة المثقف إلى اليوم أنه صاحب جاهة ومكانة، ومن ثمّ عليه واجب القيادة والتغيير، لكن للأسف أن هذه اللفتة أو الصورة التي كانت في زمن معيّن وظرف ما لا تزال مازمة كثير من المثقفين والباحثين أنفسهم اليوم، الأمر الذي أوجد مشكلة
افتراضية إن صح التعبير، أو غير موضوعية بين دور ما مرسوم في الذاكرة والخيال للمثقف وما تسمح به ظروفه للقيام به في الواقع؛ لهذا كان المثقف دائمًا عرضة للنقد ووسمه بالتخاذل والتراجع والانزواء.
وهذا ما هو واضح إلى اليوم في متن بعض بحوث هذا الكتاب؛ فالتحولّات الاجتماعية والتاريخية
هي التي تحدد دور المثقف، وليس المثقف هو الذي يحدد دوره فيها بناء على صورة رسمت له في أذهان الناس. وكما يقول نيتشه متهكّمًا، ليس من الضروري أن يكون دور المثقف هو دور الوصي على
المجتمع، أو دور «طبيب الحضارة». • بقي القول، وحتى لا نلعن الظام، أنه يمكن الخروج نتيجة هذه القراءة بمحاولة تعريف تفسيرية لمفهوم المثقف استمددناه من هذه البحوث، وذلك على النحو التالي: المثقف هو الإنسان المتعلّم (معرفته القراءة والكتابة) وغير المتعلّم (غير الحاصل على شهادة علمية باختصاص محدد)، ذو خبرة واقعية وعملية، قارئ التاريخ ومواكب تطوّرات العصر وتقانته واستشراف المستقبل، يُنتج فكرًا أو
يستهلكه، ويُراكم معرفة (تحديدًا في مجال العلوم الإنسانية)، صاحب منهج فكري، يُفسر به الواقع
ويحاول تغييره، لمصلحة الناس جميعهم.
References
المراجع
العربية
«إدوارد سعيد وأسلوب المثقف». ترجمة زيد العامري الرفاعي. الثقافة الجديدة. العدد).2009(331 أركون، محمد. «بعض مهام المثقف العربي اليوم». ترجمة هاشم صالح. الوحدة. السنة.6 العدد 66 (آذار/ مارس.)1990 _______. تاريخية الفكر العربي الإسلامي. ترجمة هاشم صالح. بيروت: مركز الإنماء القومي،.1986 _______. الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد. ترجمة وتعليق هاشم صالح. الجزائر: لافوميك؛ المؤسسة الوطنية للكتاب،.1993 باومان، زيجمونت. الثقافة السائلة. ترجمة حجاج أبو جبر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،
بشارة، عزمي. «عن المثقف والثورة». تبيّن. مج 1. العدد 4 (ربيع.)2013 الثقافة والمثقف في الوطن العربي. سلسلة كتب المستقبل العربي 10. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1992 الجابري، محمد عابد. المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد. ط 2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2000 حرب، علي. أوهام النخبة أو نقد المثقف. ط 2. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.1998 الخنساء، بتول. نقد المثقف المعاصر: رؤية علي حرب. تقديم سجعان قزي. بيروت: دار المعارف الحكمية، 2017. دور المثقف في التحولات التاريخية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،
زيادة، خالد. «ظهور المثقف العربي: قراءة في أعمال شرابي والعروي والجابري». الاجتهاد. السنة.2 العدد الخامس (خريف 1989). _______. كاتب السلطان: حرفة الفقهاء والمثقفين. بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 1991. سارتر، جان بول. دفاع عن المثقفين. ترجمة جورج طرابيشي. بيروت: دار الآداب،.1973 سعيد، إدوارد. صوَر المثقف: محاضرات ريث سنة 1993. ترجمة غسان غصن. مراجعة منى أنيس. ط 2. بيروت: دار النهار،.1996 السعيد، بن يمينة. «المثقف العربي والسياسي في الوطن العربي تأثير أم احتواء؟». مجلة العلوم الإنسانية. السنة 5. العدد 36 (شتاء.)2008 سام، محمد شكري. «وظائف المثقف وأدواره بين الثابت والمتغيّر». المستقبل العربي. السنة. 18
العدد 200 (تشرين الأول/ أكتوبر.)1995 شايغان، داريوش. النفس المبتورة: هاجس الغرب في مجتمعاتنا. بيروت: دار الساقي،.1991 شرابي، هشام. أزمة المثقفين العرب: نصوص مختارة. بيروت: دار نلسن،.2002 _______. المثقفون العرب والغرب. بيروت: دار النهار،.1971 العروي، عبد الله. ثقافتنا في ضوءالتاريخ. ط 2. بيروت: دار التنوير والمركز الثقافي العربي،.1984 _______. العرب والفكر التاريخي. ط 5. بيروت: المركز الثقافي العربي،.2006 فارس، فيلكس. «ثقافتنا حيال أوروبا». المقتطف. مج).1936(89 لبيب، الطاهر. «تساؤلات حول المثقف العربي والسلطة». الوحدة. السنة الأولى. العدد 10 (تموز/ يوليو.)1985 كاميت، جون. غرامشي: حياته وأعماله. ترجمة عفيف الرزاز. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية،.1984 المثقف العربي: همومه وعطاؤه. أنيس صايغ (معدّ). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1995 محمود، زكي نجيب. مجتمع جديد أو الكارثة. ط 3. بيروت/ القاهرة: دار الشروق،.1983 _______. في حياتنا العقلية. ط 3. بيروت القاهرة: دار الشروق،.1989 مفلح، أحمد مفلح. في سوسيولوجيا المثقفين العرب: دراسة وصفية من خلال تحليل مضمون مجلة المستقبل العربي (2008–1978). سلسلة اجتماعيات عربية 3. بيروت: منتدى المعارف، 2013. موسى، سامة. «الثقافة والحضارة». مجلة الهلال (كانون الأول/ ديسمبر). 1927 هيكل، محمد حسنين. أزمة المثقفين. القاهرة: الشركة العربية المتحدة للتوزيع، 1961.
الأجنبية
Curthorys, Ned & Debjani Ganguly (eds.). Edward Said: The Legacy of Apublic Intellectual. Melbourne: Melbourne University Press, 2007.