ديمقراطية ما بعد الهُوية
Democracy after Identity by Oliver Flügel–Martinsen
الملخّص
تناقش هذه الدراسة العلاقة بين الهويات الجماعية وإقصاء الآخر. وتتعامل مع تاريخ الأفكار وتناوله مسألة الهوية الجماعية، وتعامله مع شيوعها في صيغ مكيَّفة بحسب السياقات التاريخية الواقعية في كل مرة. وتُبيّن الدراسة جانبَ التمييز وما يُحيط بمفهوم الهويات الذاتية في المعنى المعرفي وما تجلبه معها من عمليات الإقصاء وسيرها، وتساوق ذلك مع علاقات الهيمنة، والأسباب الكامنة خلف النجاح العابر الحدود الوطنية الذي تشهده ظاهرة الشعبويين اليمينيين وأحزابها، وقدرتها على تسويق أفكار تضامن اجتماعي قومي محدود، وهياكل الهوية الجماعية وأشكال الاستبعاد المرتبطة بها وبالآخر. وكيفية استغلال خيبة آمال الطبقات الاجتماعية الهشّة في سياسات العدالة الاجتماعية.
Abstract
Specialist medical doctor and rights activist, Fadlallah is a founding member of Arab Organization for Human Rights (AOHR) Germany, and a member of the Ibn Rushd Fund for Freedom of Thought in Germany.His writings focus on migration and social cohesion in Germany.
Fadda works in in the field of migration and refugees and is interested in translation and writing on these issues in Germany. She has published studies and translated numerous works into German. She is a member of the Ibn Rushd Fund for Freedom of Thought organization in Germany.
- الهوية
- المفهوم
- الإقصاء
- الشعبوية
- التهميش
- Identity
- Concept
- Exclusion
- Populism
- Marginalization
حامد فضل الله | Hamid Fadlallah *
ترجمة: فادية فضة | Fadya Fadda **
Democracy after Identity
by Oliver Flügel–Martinsen
تاريخ الأفكار الذي تناول مسألة الهوية الجماعية، وشيوعها في صيغ مكيَّفة بحسب السياقات
التاريخية الواقعية في كل مرة. وتُبيّن الدراسة جانبَ التمييز وما يُحيط بمفهوم الهويات الذاتية
في المعنى المعرفي وما تجلبه معها من عمليات الإقصاء وسيرها، وتساوق ذلك مع عاقات
الهيمنة، وأسباب النجاح العابر الحدود الوطنية الذي تشهده ظاهرة الشعبويين اليمينيين
وأحزابها، وقدرتها على تسويق أفكار تضامن اجتماعي قومي محدود، وهياكل الهوية الجماعية
وأشكال الاستبعاد المرتبطة بها وبالآخر، وكيفية استغال خيبة آمال الطبقات الاجتماعية الهشّة
في سياسات العدالة الاجتماعية.
مؤسسة ابن رشد للفكر الحر في ألمانيا. كاتب وقاصّ. تتركز كتاباته على قضايا الهجرة والاندماج في المجتمع الألماني.
من الترجمات المنشورة، إضافة إلى عدد من الدراسات باللغة الألمانية. عضو في مؤسسة ابن رشد للفكر الحر في ألمانيا.
تستحضر النظرة التي تنطلق من تشخيص الحاضر، صورةَ العودة إلى ما يُعتقد أنه جرى التغلّب عليه؛ إذ يبدو أن كل تلك الأشكال التي تحطّم مسارُها في أواخر القرن التاسع عشر تعاود الظهور لتقود إلى الهاوية في القرن العشرين: القومية المتطرفة، ورُهاب الأجانب، والمُغالاة الشوفينية. لكن لا ينبغي للمرء أن يخلط بين الحاضر والماضي، على الرغم من أن الماضي يمكن أن يكون مفيدًا تمامًا لاستكشاف الحاضر. وينطبق هذا أيضًا على العاقات الحالية بين الهُويات الجماعية، وما تفهمه بوصفه الآخر الذي يقابلها، واستبعاد الآخر في أحايين كثيرة. إذا نظر المرء مرة أخرى إلى تعامل تاريخ الأفكار مع العاقة بين الهوية الجماعية والآخر الخاص بها، يمكنه أن يتذكر بسهولة لوحة بول كلي Klee Paul (1940–1879) الماك الجديد Angelus Novus كما وصفها فالتر بنيامين الذي يُؤوّل «الماك الجديد» باعتباره ماكًا للتاريخ، ينظر بعيون مرتاعة ومفتوحة إلى الوراء، إلى التاريخ الذي صوّره فريدريش هيغل بوصفه مذبحة ويبثّ الرعب؛ إذ تمنحنا شواهد تاريخ الأفكار على العاقة بين إحالات الجماعة على ذاتها والآخر الذي تُقصيه، أكثر من ذلك، رؤيةً واسعةً عن الأغوار الحقيقية لتاريخ الأفكار. ذلك أن المرء إذا تمعّن فيها، فإنّ ما سيظهر، باعتباره شيئًا يحتاج إلى التفسير، لن يكون التمجيد الجماعي للذات والإقصاء العنصري العنيف في أغلب الأحيان للآخر، بل الاستثناءات التي تخرج عن هذه القاعدة. إنّ الأشكال الأساسية لهذه الظاهرة لا تزال مطروحة منذ القدماء، وتطفو من جديد في صيغ مكيَّفة بحسب السياقات
التاريخية الواقعية في كل مرة. ومنذ أرسطو، لا تزال هناك أشكال جوهريّة داخلية وخارجية عن استبعاد الآخر، ونشير هنا إلى التمييز بين اليونان والبرابرة، وبين الحر والعبد، أو أيضًا بين الرجل والمرأة. إن هذا التمييز يؤكد نفسه با شك، إنه تأسيسي بالمعنى المعرفي: إنّ الهويات الذاتية، مثل الكثير من الكيانات الأخرى، تظهر أول مرة، أو تُعاد إلى العالم من خال عمليات الإقصاء. ومن ثمّ، فإنّ التحديد والتمييز بما هما كذلك، ليسَا المشكلة في حد ذاتها؛ فهما يخلقان مساحات ويصنعان أيضًا عالمًا من التنوع. ففي رحاب هذا العالم ينتج كلّ منهما شيئًا مختلفًا. والمشكلة على الأرجح، كما تؤكد ذلك نصوص كثيرة من تاريخ الأفكار، أننا لا نكاد نجد تمييزًا لا يتمظهر فيه الشكل المزدوج الذي يتضمن تقديرًا لجانب معيّن من الاختاف من جهة، وفي الآن نفسه حطًّا من
قيمة الجانب الآخر من جهة أخرى.
(((رسّام ألماني ولد في سويسرا، تراوح أفكاره بين السريالية والتعبيرية والتجريدية، قدّم إلى الفن التشكيلي أسلوبًا معاصرًا في
الرسم. (المترجم)
(2) Walter Benjamin, Über den Begriff der Geschichte , in: Gesammelte. Schriften, vol. I. 2 (Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1980), p. 697. (3) Georg Wilhelm Friedrich Hegel, Vorlesungen über die Philosophie der Geschichte (Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1986), p. 35. (4) Aristoteles, «Politik,» in: Aristoteles, Philosophische Schrift , Eugen Rolfes (ed.), vol. 4 (Hamburg: Meiner, 1995), p. 1252. (5) Ibid. (6) Ibid.
أضاف جاك دريدا، بشكل مؤكد، إلى تاريخ الفلسفة – من خال عمليات الاستنطاق التفكيكية التي قام بها حين كتب أن التمييز الذي يبدو أول وهلة – أن له معنى معرفيًّا في المقام الأول، يسير
جنبًا إلى جنب مع عاقات الهيمنة، من حيث إنه يسعى إلى تثبيت هيمنة الجانب المفضّل للتمييز
على الآخر المقابل له، أو حتى تشكيله. وتؤدي الأفكار المنتقدة هذه الأنماط القمعية من تشكيل الآخر دورًا أساسيًا، على سبيل المثال، في نظرية الجندر لجوديث بتلر، أو في الخطابات ما بعد
الكولونيالية. إنّ الخطاب الليبرالي، في نشوة نصره التاريخي المزعوم، خصوصًا في أواخر القرن العشرين، كان قد كبت باستمرار مثل هذا التمييز وما يرتبط به من إقصاءات، ليبقى بعيدًا عن الأنظار. لكن اختماره تواصل تحت السطح، حيث أولاه بعض المؤلفين، مثل جاك رانسيير Ranciere Jacques وشانتال موف Mouffe Chantal، بعضًا من الاهتمام في مجالات واسعة من النظرية السياسية والفلسفة، وأشارا منذ تسعينيات القرن الماضي، وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، إلى أن تفوّق معنى الإجماع الليبرالي في الديمقراطيات التمثيلية على النمط الغربي سوف يؤدي إلى تقوية
المواقف القومية اليمينية التي يمكن أن تقدم نفسها بديلً من الهيمنة الليبرالية. وهو ما يقومون به الآن بنجاحات مرعبة، إلى جانب تلك الإحالات الشوفينية إلى الذات وأشكال الإقصاء المعادية للأجانب، تلك التي كان يُعتقد أنه جرى تجاوزها، لتُصبح مرة أخرى جزءًا مرئيًّا من الخطاب السياسي
العمومي. وفي أكثر بلدان الاتحاد الأوروبي، مثل المجر وبولندا ومؤخرًا النمسا، اتجاه نحو البرامج
الحكومية. وعندما يُحتفى بهذه الأشكال من السيطرة المشحونة بالعواطف، في البرلمانات، وتُميّز
التصريحات الرقمية التي لا حصر لها لرئيس الولايات المتحدة الأميركية الحالي، فإنّه ما عاد هناك، كما يمكن ماحظته في الوقت الحاضر، أيّ فرصة لأن يتوقّف أمر انتشارها بين شرائح كبرى من السكان. لذلك، ليس من المستغرب من منظور اجتماعي الحديث عن نزعات «تقهقر الحضارة إلى الخلف في المجتمعات الغربية».
(7) Jacques Derrida, Randgänge der Philosophie (Wien: Passagen, 1999), pp. 13–29. (8) Judith Butler, GenderTrouble: Feminism and the Subversion of Identity (London/ NewYork: Routledge, 2015).
(((قارن مثلً ب:
Gayatri Chakravorty Spivak, Can the Subaltern Speak? Postkolonialität und subalterne Artikulation (Wien: Passagen, 2008); Edward Said, Orientalismus, 4 th ed. (Frankfurt am Main: Suhrkamp, 2014).
(1((قارن مثلً ب:
Jacques Roncière, Das Unvernehmen: Politik und Philosophie (Frankfurt am Main: Suhrkamp, 2002); Chantal Mouffe, Das demokratische Paradox (Wien: Passagen, 2008). (11) Oliver Nachtwey, «Über regressive tendenzen in westlichen gesellschaften,» in: Heinrich Geiselberger (ed.), Die große regression: Eine internationale debatte über die geistige situation der zeit (Berlin: Suhrkamp, 2017), pp. 215–231.
مع ذلك، فإن مفهوم الحضارة هو أيضًا جزء من عملية إقصائية: تلك التي ترسم حدود الغرب المتحضر المميزة له من غيره، تُنشئ الأساس المعياري لاستغال الاستعماري وممارسات القمع، ينظر:
Stuart Hall, «Der Westen und der Rest,» in: Stuart Hall, Rassismus und kulturelle identität , Ausgewählte Schriften & Ulrich Mehlem (ed. & trans.), vol. 2 (Berlin: Suhrkamp, 1994), p. 167.
تحاول هذه الدراسة فتح آفاق نقدية بشأن العاقة بين الهويات الجماعية وإقصاء الآخر. في الخطوة الأولى سوف يتعلق الأمر باستكشاف إمكانات تفكيك عمليّة إقصاء الآخر، وسيتم ذلك من خال عقد مناظرة مع وهم الشعب عن هُويته المتطابقة مع ذاته. وتتمثل الخطوة الثانية في تتبع الدوافع العميقة التي يمكن أن تفسّر لماذا عرفت أشكال الإقصاء حاليًا هذه الانتعاشة العنيفة. وهنا تبرز مسؤولية التصدي لمطالب العدالة على المستوى العالمي من ناحية، وآليات مواجهة الخوف من الذات التي نراها في الآخر من ناحية أخرى.
وهم الشعب بشأن هويته الذاتية
تعرّضت المنهجيات النقدية الجينالوجية والتفكيكية في المناظرات العامة والعلمية في الفترة الأخيرة إلى تهمة تأجيج سياسات تعبوية شعبوية ل «الحقيقة ما بعد الواقعية» Postfaktisch. وأثار مايكل هامب هذا الاعتراض ضد ما يُسمى اليسار العلمي الثقافي، بحسب وصفه، ومن منظور واقعية فلسفية جديدة، كما اتهم بول بوغوسيان من منظور العلوم الاجتماعية والإنسانية البنائية، بالخوف من الحقيقة التي تؤدي في رأيه إلى نسبية غير مسؤولة. وخافًا لهذه الشكوك العامة، من السهل أن نُظهِر في الموضوع الحالي أن أدوات مثل الجينالوجيا لميشيل فوكو أو التفكيك عند دريدا، والإِجراءات المرتبطة بها أيضًا، مائمة تمامًا لبدء حركة مراجعة نقدية محكمة تُبطِل أساسًا جوهريًا مثل فكرة الهوية الثابتة لشعب يؤكد من خالها هويته الجماعية، وهي فكرة في المقام الأول ذات أهمية كبرى للسياسات الشعبوية اليمنية. إذا انطلقنا من رؤية فوكو المتمثلة في أن محتوى أنساق المعرفة وحقيقتها باعتبارها خطابات، التي ترسّخت كيقين معرفي، تنبع من هياكل السلطة المهيمنة، عندئذٍ يمكن إخضاع هذه اليقينيات إلى استجواب جينالوجي، بدلً من زعم ثباتها عبر الأزمان، ويمكن اعتبارها نتائج نظرية للصراعات الدائرة بشأن سلطة التفسير. يمكن أيضًا القيام بإيماءات غير مطروقة، مع استراتيجيات دريدا التفكيكية التي سنعود إليها عند الحديث عن تفكيك الهوية الوطنية. في البداية، أريد أن أؤكد أن هناك تعتيمًا مُريبًا يُعرض عن إظهار أن هناك اختافًا مهمًا يُميّز ما بين
(12) Michael Hampe, «Katerstimmung bei den pubertären theoretikern,» Die Zeit , 15/12/2016, accessed on 4/12/2019, at: http://bit.ly/34PcZuL (13) Paul Boghossian, Angst vor der wahrheit: Ein plädoyer gegen relativismus und konstruktivismus (Berlin: Suhrkamp,
((1(أهمية موقف فوكو ودريدا وآخرين، والمواقف ذات الصلة بفلسفة سياسية نقدية، أنها شرحت هذا على نطاق واسع، في:
Oliver Flügel–Martinsen, Befragungen des politischen (Wiesbaden: Springer 2017).
((1(توجد نسخة مختصرة من هذا الخطاب النظري ومعطى برنامج علم الوراثة (الجينالوجي)، ينظر في محاضرة فوكو الافتتاحية في الكلية الفرنسية:
Michel Foucault, Die ordnung des diskurses , Walter Seiter (trans.) (Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1991).
المواقف النقدية المتشككة والادعاءات الشعبوية التعبوية ل «المزاعم عن حقائق ما بعد واقعية» Postfaktizitätsbehauptungen، بوجود ثوابت ما عادت قابلة للجدل. في حين أن الأخيرة تخلص إلى نتيجة بطريقة غير متأملة، حيث إن ادعاءاتهم بعدم وجود حقيقة قائمة على أساس علمي، لا تترك مساحة للتشكيك فيها، في حين تؤدي استراتيجيات الجينالوجيا والتفكيكية إلى التزام شامل للتساؤل النقدي الذي يشمل دائمًا استجوابًا بالانعكاس الذاتي للفرضيات الخاصة
والسلوك الشخصي. ويُرفض هذا النقد الذاتي التأملي، عادة، من الحركات الشعبوية. ولذلك يظهر تباين هنا، لماذا الادعاء أن التشكيك في الحقيقة يُعزّز خطابات (الحقائق ما بعد الواقعية) Postfaktische Diskurse، وهذا ليس سببًا واهيًا فحسب، بل وسيلة قوية تقود إلى تشويه النقد الفاعل ضد الادعاءات
الشعبوية ل «الحقائق ما بعد الواقعية» الراسخة. إن الهُوية واحدة من أقوى المكوّنات الجماعية حاليًا، وتُصوّر الشعب باعتباره مجموعة وطنية يمكن
تحديدها بإحكام وتؤدي إلى تشديد مطلب إقصاء أحدٍ أو آخرين، في الوقت التي تظهر فيه الحركات السياسية الشعبوية اليمينية مدافعًا، بثقة عالية بالنفس، عن القيم الوطنية والهوية الثقافية القومية، ونقاطًا مرجعية ثابتة للهوية المشتركة الموجّهة ضد الآخرين. ولا يقود هذا الأمر إلى فتح مجال جدلي فحسب،
بل من الملحّ التأكيد أن هذه مجرد أوهام، في أحسن الأحوال، تقود للأسف في وسائط الإعام المتعددة
إلى تكرار التهديدات بعنف باغي في الخطاب السياسي؛ ونتيجة لذلك، زيادة كبرى في الكثير من جرائم العنف ضد مخالفي الرأي والمهاجرين. بالطبع، لا يمكن اشتقاق التبرير المعياري لمثل هذه الأفعال التي تجلّت مؤخرًا على اعتبارها بأي حال من الأحوال مقاومة من الشعبويين والمتطرفين
اليمينيين. في تاريخ الفكر، تبدو فكرة الشعب الذي يُمارس سيادته على أي حال منذ البداية، مقولة Kategorie؛ أي تبدو تصنيفًا عامًا غير محدد، وظهور الشعب بصفته كيانًا جماعيًا يُقرر مصيره بنفسه ديمقراطيًا،
ومن ثمّ كيانًا جماعيًا ذا سيادة، فكرة تعود تاريخيًا، كما تُبيّن أبحاث كلود لوفور بشأن الديمقراطية
والسياسة، إلى استيعاب البشر من خال التجربة العملية للتوافق الطبيعي للأشياء (من دون تدخل الفعل الإرادي): إن الحقبة الديمقراطية، بحسب قناعة لوفور، هي حقبة تُزال فيها المرجعيات الثابتة. وهكذا يمكن فهم الديمقراطية باعتبارها ردة فعل على إدراك أنّ العالم الذي نعيش فيه يجب أن ينتج ويُشكّل، وأنه ليس، بطبيعة الحال، مسألة مُدرَجة في نظام ثابت وملزِم معياريًا. إنّ
((1(الادعاءات المتجاوزة للحقائق Postfaktizität، هذه الكلمة اختيرت في عام 2016 من لجنة تحكيم مجمع اللغة الألمانية (GfdS(Sprache deutsche für Gesellschaft في فيزبادن. وهي ترجمة عن الكلمة الأميركية–الإنكليزية truth Post مرحلة ما بعد الحقيقة، حيث تركز هذه الكلمة على تغيير سياسي عميق. وتشير إلى ثقافة سياسية تسبغ العواطف على الجدال السياسي والاجتماعي بشكل متزايد، بعيدًا عن الحقائق، وتعتمد في الخطاب السياسي على منهج تأجيج عاطفي للمخاوف، والاستعداد
لتجاهل الحقائق وقبول حتى الأكاذيب الواضحة لأنه يحيل الحقيقة إلى مسألة ثانوية الأهمية، مقارنة بالعواطف. ليس ادعاء الحقيقة، بل إعان «الحقيقة المتصوّرة».
(17) Claude Lefort, Essais sur le Politique: XIXe–XX e si è cles (Paris: Seuil, 1986). (18) Claude Lefort, Le Temps présent (Paris: Belin, 2007), pp. 461–469.
مكان السلطة – التي عبّرت عن نفسها تاريخيًا بوحشية من خال قطع رأس النظام الملكي المادي
والرمزي في وقت واحد خال الثورة الفرنسية – يبقى شاغرًا في العصر الديمقراطي، بمعنى أنه
لا يمكن الاحتفاظ به إلا بشكل مؤقت ويبقى حينها أيضًا موضوع خاف مستمر. لكن مع إدراك فقدان اليقين والفراغ في مكانة السلطة، وحتمية مرافقته بتغيير الجماعة الشعبية، يتوافق هذا باعتباره جانبًا آخر مع إغراء استعادة هذه الهوية المنقسمة للتشكيلة التعددية المنتشرة، كبنية شعبية موحدة.
ومن ثم، فإنّ تجربة التوافق الحديثة في العصر الديمقراطي هي منذ البداية انزعاج من عدم اليقين، وتُغذّيها المحاولات الكثيرة لتجاوز تجربة عدم اليقين هذه. يصف لوفور القرن العشرين، ناظرًا
إلى الشعب كلّه، كيفية محاولات المطامح الاستبدادية محاصرة الشعب من أجل تجاوز التغييرات الديمقراطية. ولذلك ليس من الصعب، في ضوء تشخيص لوفور أيضًا تفسير القوميات الشعبوية
اليمينية التي أعيد تفعيلها في الوقت الحالي، فهذه القوميات مدفوعة بالرغبة في تأسيس وحدة موثوق بها، حيث يثير سؤال بناء التنوّع مرارًا وتكرارًا: من، أو ما، هو الشعب الديمقراطي، ليصبح
موضوعًا لنزاع ديمقراطي. إذا أخذ المرء بجدّية أفكار لوفور لتفكيك نقاط ثابتة كيقين، فسرعان ما سيتضح أن مثل هذه الآمال في تأسيس وحدة صلبة لجماعة، يجب أن تبقى في نهاية المطاف با أساس. ولذلك، لأن هناك جدلً دائمًا يأتي به التنوع، بدلً من الوحدة المرغوب فيها، فإن محاولات إنشاء هوية موحَّدة للشعب في
صيغة المفرد، لا يمكن إلا أن تتخذ شكلً عنيفًا: وبما أنهم لا يجدون شيئًا مماثلً؛ لذلك يمكنهم، فحسب، اللجوء إلى الوسائل القسرية لبناء الهوية من خال استبعاد الآخر. ومع عدم إمكان سلخ الطرف الآخر عن الشعب الديمقراطي بطبيعته المتعددة الوجوه والمتغيرة باستمرار، فإن محاولات إقامة وحدة من الهوية الجماعية للشعب، تُصاحبها أعمال استبعاد عنيفة، وفي حالات قصوى أيضًا، الإبادة الوحشية للآخر. ولذلك ليس من قبيل المصادفة أن تمارس القوميات العنف ضد أولئك الذين هم شهود على التغيير الديمقراطي المستمر للشعب، ومطالبتهم بالانتماء إليه. إذا تابع المرء هنا الاعتبارات التي استخدمها رانسيير للرؤية السياسية – يظهر الخاف بشأن تفسير من، أو ما، هو الشعب الديمقراطي – فإن الكفاح الحاسم لأولئك الذين يجدون أنفسهم في وضع تاريخي معيّن
بصفتهم أجزاءً يدركون أنهم ذوات وليسوا مجرد أجزاء، وأنهم يدخلون في صراع سياسي لتشكيل
العالم بهدف توزيع مختلف للأدوار، وهكذا، يمتد خيط أحمر لنضالات الحركة العمالية للمشاركة السياسية، مع المطالب النسوية من أجل حقوق سياسية متساوية، ليصل اليوم إلى كفاح المهاجرين. وهذا يعني أنّ على هؤلاء الفاعلين (التاريخيين)، مع غياب الحقوق السياسية، أو تقليصها، توحيدَ الجهد ليصبحوا جزءًا من عملية صنع القرار السياسي الجماعي للبلدان التي يعيشون ويعملون فيها. هذا ممكن من خال التشكيك في البنية الإقصائية للهويات الجماعية وإظهارها كحدث توافقي، حيث يؤكد رانسيير هذا الادعاء التوافقي تمامًا، مثلما يؤكده لوفور. وهو يؤدي دورًا حاسمًا في نظريته بشأن
(19) Ibid. (20) Jacques Rancière, Aux bords du politique (Paris: Gallimard, 2004), pp. 112–125.
نزاع غير المشاركين في القرار السياسي، لأن قواعد معيّنة وما تحمله من إدراك للهويات الجماعية
التوافقية، يمكن أن يتم التشكيك فيها من أي شخص بصرف النظر عمّن هو. في الإمكان القول مع رانسيير، إن النزاع السياسي – الديمقراطي من أجل تنظيم العالم، يمكن أن يكون قائمًا، فحسب، لأن الهويات الجماعية وما تحملها من قواعد مصوغة بالتوافق، وإن أساس السياسة هو في الواقع ليس أكثر من مواضعة يتفق عليها كطبيعة، إنها بسبب غياب جوهري يأخذ بوضوح أحد الخيارات الممكنة Kontingenz لأي نظام اجتماعي. توجد السياسة، ببساطة لأنه لا يوجد نظام اجتماعي قائم في الطبيعة، ولا قانون إلهي يحكم المجتمعات البشرية. كي تكون قادرًا على التشكيك في يقين الهويات الجماعية، يجب أولً تقديم إثبات حدوثها. تقدم هنا استراتيجية دريدا لاستجواب التفكيكي دلائل حاسمة تقودنا إلى الأطروحة النقدية المركزية لهذا القسم. إن تصور وجود شعب متطابق مع نفسه هو في نهاية المطاف مجرد وهم، كما بيّن دريدا
في كتابه سياسات الصداقة. فالإيماءات المُرفقة المُحصّنة بالسرد القومي المفترض، التي تُحيلنا إلى أصل مشترك يمكن بسهولة سحب البساط من تحتها، لأنها في نهاية الأمر مجرد تأليف أحام وخيالات. ومع ذلك، فإن كليهما – المجتمع الخيالي والمعاد خلقه – مرعب بالنسبة إلى أولئك الذين يمثلون الجزء الآخر من هذا المجتمع، بسبب عواقب الإقصاء العنيفة. لكن ما يهم هو أن هذا الإقصاء يمكن أن يكون موضع تساؤل؛ فالسياسات والخطابات السياسية كلّها، التي تستند إلى «الولادة» و«الأصل»، تمارس انتهاكًا بما لا يمكن إلا أن يكون اعتقادًا لها، هناك من يتحدث عن مجرد الإيمان، وآخرون عن فعل الإيمان. كل ما يشير داخل الخطاب السياسي إلى الولادة والطبيعة أو الأمة – حتى الأمم أو أمة الأخوّة والإنسانية العالمية – فهذه الانتماءات كلها تقوم في إعادة
تجسيد ذلك «الخيال». مع أخذ هذه الأفكار في الحسبان، يمكن من جهة رسم خط يفصل بشكل قاطع بين الحركات الشعبوية اليمينية التي تسعى لاختاق هوية جماعية تُقصي بها الآخرين – وفي الكثير من الأحيان بالعنف – ومن جهة أخرى النضال الديمقراطي من أجل المشاركة السياسية، الذي يقوم من البداية على التنوع، وعلى قابلية استيعاب التعددية في الهوية الجماعية للشعب الديمقراطي. في نظرية رانسيير عن رؤية السياسة للجزء باعتباره ذاتًا وليس مجرد جزء، يخوض صراعًا من أجل إعادة تشكيل المسرح السياسي على نحو يؤدي إلى تنظيم الأدوار بهدف توسيع المجموعة السياسية، وليس إغاقها باستبعاد الآخرين. أشارت بتلر مؤخرًا بوضوح إلى حقيقة أن التجمعات باسم الشعب ضرورية لاحتجاجات الديمقراطية،
لكن في الوقت نفسه يستحيل جمع الشعب كله والتحدث باسمه، لأن كل فعل من هذه الأفعال يجلب
(21) Rancière, Das Unvernehmen , p. 28. (22) Jacques Derrida, Politik der freundschaft (Frankfurt am Main: Suhrkamp, 2002), p. 138.
((2(لمزيد من التفصيل بشأن التحريض السياسي، ينظر:
Flügel–Martinsen, Befragungen des Politischen , chapter 3.
معه نزاعًا بشأن من، أو ما، هو الشعب في الواقع. يمكن القول بعد لوفور ورانسيير وبتلر إنّ الاحتجاج الديمقراطي والبناء الديمقراطي للشعب سيعتمدان، بشكل حاسم، على إبقاء الخاف مفتوحًا بشأن من، أو ما، هو الشعب. وعلى النقيض من ذلك، تدّعي الحركات الشعوبية اليمينية أنها الشعب، أو على الأقل تستطيع من دون شك أن تتحدث باسم الشعب، وهي من أجل ذلك تستغل دلالة الديمقراطية باعتبارها أداة فحسب، لكنها في الأساس معادية للديمقراطية لأنها تعادي التعددية.
عناصر التصدي
إلى جانب مسألة طرح سحب البساط من تحت الافتراضات الجوهرية التي تستند إلى البنى الإقصائية للهويات الجماعية، من المهم أيضًا استكشاف ما الذي يمكن أن يدفع إلى هذا النجاح في ضوء الازدهار الكبير والعابر الحدود الوطنية الذي تشهده حاليًا الحركات الشعبوية. مُتاح هنا حاليًا عدد كبير
من التأويات المختلفة. لا يمكن، ومن ثمّ لا ينبغي أن يكون الهدف من الأفكار التالية مناقشة شاملة تقود إلى عرض شامل لمجموعة كاملة من المناهج التفسيرية. أعطيت التأمات التي طرحها ديدييه إريبون بوضوح، خصوصًا في كتابه العودة إلى ريمسالذي تناوب فيه بين إعادة بناء السيرة الذاتية والتحليل الاجتماعي، اهتمامًا كبيرًا. ووفقًا لحجة إريبون، فإن قوة
الأحزاب الشعبوية اليمينية التي تقوم سياسيًا على بناء هويات إقصائية، نتجت من خيبة آمال الطبقات
الاجتماعية الهشّة في سياسات العدالة الاجتماعية لليسار. هذه الخيبات التي يمكن تلخيصها في فكر مركزي، قال في البداية إن هذه الفئة من السكان الذين كانوا يأملون في سياسة إعادة توزيع للثروة أكثر عدالة من الحكومات الائتافية اليسارية، ما عادت ترى أن الأحزاب اليسارية تمثلها، وأن هذه الأحزاب انغمست ذاتيًا في هموم العيش المنوّعة، وفقدت تركيزها بشكل متزايد على المسألة الاجتماعية. هذه
الفجوة في التمثيل يمكن، بحسب هذه الأطروحة، أن تفيد الأحزاب الشعبوية اليمينية. وباستخدام فرنسا مثالً، يمكن المبالغة في القول إن الأحزاب اليسارية دفعت ناخبيها السابقين إلى أحضان أحزاب الشعبويين اليمينية، لأن ساستها، بعد انتخابهم، أثبتوا أنهم يسار الكافيار، يفتقرون إلى الحساسية الكافية للمشكات المُلحّة عند الطبقات المحرومة اجتماعيًا.
(24) Judith Butler, Anmerkungen zu einer performativen theorie der versammlung (Berlin: Suhrkamp, 2016), p. 202. (25) Jan–Werner Müller, Was ist Populismus?: Ein essay (Berlin: Suhrkamp, 2016).
على عكس مولر الذي لا يبدو لي أنه يُميّز تمييزًا صارمًا بين الشعبوية اليمينية واليسارية، أعتقد أن من المهم التأكيد أن الحركات
الشعبوية اليمينية، على وجه الخصوص، تتميز بموقف متطرف ضد التعددية، يتميز برهاب الأجانب باعتباره شكلً من أشكال بناء
الهوية الجماعية، حيث يشير مولر صراحة إلى الشعبوية اليسارية، لكنه لا يعتبر أن هناك، في رأيي، فرقًا جوهريًا، ينظر:
Müller, p. 117. (26) Didier Eribon, Retour à reims (Paris: Fayard, 2009).
((2(يسار الكافيار Caviar left/ Gauche caviar مصطلح سياسي فرنسي لوصف شخص يدّعي أنه اشتراكي، في حين أنه يعيش
بطريقة تتناقض مع القيم الاشتراكية. ويرجع المصطلح إلى الثمانينيات، ويعني درجة من النفاق السياسي، وهو يشبه إلى حد بعيد مصطلح «اشتراكي الشمبانيا» الإنكليزي، و«ليبراليو اللموزين» الأميركي، و«شيوعي الصالون» الألماني، و«الراديكالي الأنيق»
الإيطالي... إلخ. كل من يدّعي العمل لمصلحة الطبقات الشعبية لفظًا ويترفّع عنها سلوكًا. (المترجم)
إنّ تفسيرات مثل هذه، والتي لا ريب تصيب نقطة محددة، تركز اهتمامها على الأسس الكامنة في بنيات التمثيل السياسية للديمقراطيات الغربية. ويبدو لي، إضافة إلى ذلك أن مناهج توضيحية إضافية جديرة بالذكر، وهي مناهج تعكس ما يجري الدفاع عنه خارج هذه الأبعاد الداخلية. وقد تلمس هذه الأبعاد مشكات أكثر جوهرية، حيث تُعالج قضايا تتعلق بغياب العدل في وضع الهياكل الاقتصادية والسياسية للمجتمع العالمي. وبالنظر إلى حاجة الوعي المتزايد إلى تركيبات هويات استبعادية، يبدو لي، قبل كل شيء، أنّ هناك عنصرَين مركبين مُهمّين للتصدي. الأول يتعلق بمسائل العدالة العالمية، وربما يمكن وصفه على أفضل وجه بأنه مشابه للتصدي للمسؤولية. يضاف إلى ذلك العنصر الثاني، وهو آليات مواجهة الخوف مما يمكن فهمه باعتباره استجابةً لتغير النظام الكوني من منظور الازدهار وسوق العمل. ويمسّ كا البعدين قضايا معقدة جدًا، ولهذا السبب أودّ أن أحصر نفسي هنا في مناقشة تعتمد على نموذج. وأتخذ موضوع التصدي للمسؤولية باعتمادي على أفكار إيريس ماريون يونغ Young Marion Iris بشأن العدالة العالمية. أما مسألة آليات مواجهة الخوف، فأناقشها مع جدل أطروحة جوزيف آشيل مبيمبي Mbembe Achille – Joseph بشأن «المصير الزنجي للعالم».
رفض المسؤولية: سؤال العدالة العالمية المكبوت
تقف إيريس ماريون يونغ منذ البداية ضدّ خط الافتراضات الأساسية التقليدية المستخدمة كثيرًا في نظريات العدالة في الخطابات المعاصرة، في حين تعود الكثير من نظريات العدالة الرائجة إلى جون رولز، بربطه إعادة توزيع العدالة على المرجعيات المؤسساتية والمجتمعية لمجتمع دولة قومية منظمة. وتؤكد يونغ في المقابل، بشدة، أن مثل هذه الأشكال السياسية والمؤسسية لتنظيم المجتمع لا يمكن أن تكون شرطًا لمطالب العدالة، بل يجب بالأحرى فهمها بدلً من ذلك باعتبارها استجابة لالتزامات الناشئة من منظور العدالة. وصمّم رولز في البداية، كما هو معروف، نظريته عن العدالة لمجتمعات الدول القومية، وفي تحوّله الاحق إلى منظور ما وراء الدولة القومية، وأكد أنه على المستوى العالمي، لا توجد التزامات عدالة لمبادئ إعادة التوزيع مماثلة لمستوى الدولة القومية. وُصف هذا الموقف في مناقشة العدالة العالمية، باعتباره موقفًا فرديًا يُمثّله اليوم، في شكل شديد
(28) Achille Mbembe, Kritik der schwarzen vernunft (Berlin: Suhrkamp, 2014), p. 18.
((2(إيريس ماريون يونغ (1949)، أستاذة العلوم السياسية في جامعة شيكاغو سابقًا، ارتبطت بمركز دراسات النوع الاجتماعي وبرنامج حقوق الإنسان. (المترجم)
(30) Iris Marion Young, Global Challenges: War, Self–Determination and Responsibility for Justice (Cambridge/ Maiden: Polity Press, 2007), p. 160. (31) John Rawls, Eine theorie der gerechtigkeit (Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1979). (32) John Rawls, The Law of Peoples: With «The Idea of Public Reason Revisited» (Cambridge: Harvard UP, 1999).
الخصوصية، ديفيد ميلر (1946) الذي ينطلق من أن المطالب الخاصة أيضًا بعدالة إعادة التوزيع، بحسب وجهة نظره، نتيجة روابط خاصة تميز المجتمعات الوطنية. تضع يونغ في المقابل فكر العدالة بشكل جوهري مختلف، وحتى في كتابها العدالة وسياسة الاختلاف الذي أصبح الآن يوصف بالكاسيكي، تنتقد التركيز الضيّق لنظريات العدالة على أبعاد إعادة التوزيع؛ إذ إن مسائل العدالة، بحسب وجهة نظرها، تتعلق بظروف الاضطهاد وعدم المساواة في التوزيع التي يجب فهمها باعتبارها نتيجة لهياكل الاضطهاد. لذلك، تقترب يونغ في منظور العدالة، من سؤال نقدي لظروف الظلم السائدة. ومن هنا يُفتح منظور للعدالة مختلف تمام الاختاف بشأن مسألة المسؤولية، لذا تضع يونغ أولً مسألة الظلم من خال التركيز على ظروف القمع والاستغال، وثانيًا باعتباره ظاهرة هيكلية، فهي لا تركز على الشروط المؤسسية التي يجب أن تكون موجودة من أجل تأسيس إعادة توزيع جماعية، كما هي الحال غالبًا مع رولز وحلفائه، لكنها تركز بدلً من ذلك على الظروف كلها التي تسبب الظلم. وهذا يؤدي إلى تجاوز منظور العدالة للحدود الوطنية للدولة، وإلى صيغة موسعة بشكل كبير لمفهوم المسؤولية. إن الهياكل والعمليات كلها التي تضع البشر في عاقات بعضهم ببعض، والتي من الممكن أن ينتج منها الظلم، تقع في دائرة اهتمام نظرية العدل. وفي عالم معولم، تتجاوز مسألة العدالة حدود الدول القومية. ووفقًا لقناعة يونغ، فإن المدخل البنيوي يغيّر وجهة النظر عن مسؤولية الظلم والاضطهاد، وعلى من تقع هذه المسؤولية المؤدية إلى الظلم والاضطهاد. ففي حين أن المسؤولية بحسب المفهوم الذي يتمحور حول الفاعل، تقع على أولئك الذين يشاركون في الإنتاج الناشط لأنهم يمارسون مثلًاستغ للا واضطهادًا، فإن الوضع في المقابل
((3(نحو جدل حاسم بين المواقف الإقليمية والمواقف الكوزموبوليتية (العالمية) في مجموع النصوص التالية:
Christoph Broszies & Henning Hahn (eds.), Globale Gerechtigkeit. Schlüsseltexte zur Debatte zwischen Partikularismus und Kosmopolitismus (Berlin: Suhrkamp, 2010).
((3(بريطاني، أستاذ في النظرية الاجتماعية والسياسية. تشمل أعماله العدالة الاجتماعية، في الجنسية والمواطنة والهوية الوطنية. (المترجم)
(35) David Miller, « Vernünftige parteilichkeit gegenüber landsleuten ,» in: Broszies & Hahn (eds.), pp. 146–171;
جدد ميلر مؤخرًا هذه الافتراضات في سياق تأماته بشأن فلسفة الهجرة:
David Miller, Fremde in unserer Mitte (Berlin: Suhrkamp, 2017);
انتقد روبن سيلكاتيس Celikates Robin بشكل حاد هذا النهج بأكمله، ينظر:
Robin Celikates, « Weder gerecht noch realistisch – David Millers Plädoyer für das staatliche recht auf ausschluss,» theorieblog, 4/12/2017, accessed on 8/12/2019, at: http://bit.ly/2OZucfw (36) Iris Marion Young, Justice and the Politics of Difference (Princeton: Princeton University Press, 1999). (37) Ibid., Chapter 1.
((3(من المقاربات (النادرة) ينظر:
Oliver Flügel–Martinsen & Franziska Martinsen, «Ungerechtigkeit,» in: Anna Goppel, Corinna Mieth & Christian Neuhäuser (eds.), Handbuch Gerechtigkeit (Stuttgart: Metzler, 2016), pp. 53–59. (39) Iris Marion Young, Responsibility (Cambridge: Malden 2007), p. 168. (40) Ibid., p. 159.
يبدو مختلفًا تمامًا عندما ننظر إلى المسؤولية عن الظلم والاضطهاد باعتبارهما ظاهرة هيكلية، كما تقترح يونغ. قد يوضح المثال التالي المصطلح المرتبط بالفاعلين: لا أحد في أوروبا الغربية يشتري بصورة متكررة وسَخيّة مابس أنتجت في ظروف استغالية في بلدان الجنوب المعولم؛ إذ يتحتّم عليه
أن يربط فعل الشراء هذا بنِيّة أو غرض من يريد أن يمارس استغ للا واضطهادًا. لكن من منظور هيكلي، ليس هناك طرف محظوظ وآخر غير محظوظ فحسب، بل لديهم جميعًا حصة في عملية تبادل عالمية تتميز بهياكل غير عادلة واستغالية؛ ومن ثمّ يتحمّل أولئك الذين يتمتعون بهذه العاقات غير العادلة مسؤولية مشتركة تجاه أولئك الذين يُستغلون. في هذا السياق، إن الرأي الذي تُعبّر عنه بشكل خاص الحركات الشعبوية اليمينية، من جهة أن الناس الذين يأتون من الجنوب المعولم، ويبحثون عن حياة أفضل في بلدان الشمال، هم لاجئون اقتصاديون، مرفوض على وجه التحديد في نظرية عدم المساواة. إن ادعاءات من يُسمَّون الاجئين الاقتصاديين، التي يتخلّى مواطنو الدول ذات الامتياز والثراء بموجبها عن مسؤوليتهم، ادعاءات غير مشروعة. وإذا أخذنا حجج يونغ من ناحية أخرى بجدّية، فعندئذٍ ستبنى تجمعات وطنية هنا تستبعد مطالبات الآخرين، لأنها تزيل العاقة المتبادلة للظلم والمسؤولية التي تنبع منها. وهذا لا يدلّنا على الأقل عما سيترتب عن ذلك سياسيًا. إن عالمًا با حدود غير ممكن من الناحية السياسية في وقتنا الحالي. إلا أن الواضح أن مجرد رفض مطالب المشاركة ليست خيارًا مشروعًا، خصوصًا أن مطالب المحرومين، بحسب رانسيير، ليست أكثر من المناشدة لالتزام بالحد الأدنى من حقوق الإنسان. هذه المطالب هي مطالب العدالة، لأنّ بعضنا مترابط ببعضنا الآخر من خال نظام عالمي ينتج المتميزين والمستغَلين. ومن الجائز أن تؤدي عوائق سياسية واجتماعية كبرى لمواجهة عاجلة وشاملة لهذه الهياكل الظالمة. إن العملية السهلة للإقصاء عبر التنصّل من المسؤولية عملية لا يمكن إضفاء الشرعية عليها، كما يدّعي الشعبويون اليمينيون، بالإصرار على تضامن اجتماعي قومي محدود. واستطعنا من خال المساءلة النقدية أن نرى من قبلُ أن هياكل الهوية الجماعية، وأشكال الاستبعاد المرتبطة بها، لا يمكنها الصمود على الإطاق. والآن، يظهر أبعد من ذلك، حيث تشارك التجمعات المتغيرة باستمرار التي يكتسب أعضاؤها حقوق المواطنة – من خال عمليات تاريخية ممكنة في الدول القومية – أيضًا في الهياكل ذات الصلة بنظرية العدالة التي تتجاوز الدول القومية المعنية. ومع ذلك، يخشى أن يقوم في الوقت الراهن أنصار الحركات الشعبوية اليمينية بتصعيد حادّ لفوبيا الأجانب بتحرّكهم المعادي لهم، نتيجة لشعورهم المُبهَم بهذا الترابط (غياب العدالة الاجتماعية ووجود الأجانب). إضافة إلى ذلك، ليس من غير المعقول الافتراض أن هذا التصور عن عاقات الظلم العالمي وإعادة توزيع الفضاء (الأمكنة)، في هذه الظروف، يرافقه الخوف الذي يتوسل بالهوية الوطنية في شكل حق معياري لاستبعاد الآخرين. وفي ما يتعلق بآليات مواجهة هذا الخوف، نلقي أخيرًا نظرة سريعة.
(4((لعرض مثل هذه العملية التبادلية على نطاق واسع وكيفية حفظ أنفسنا بعيدًا عن آثارها، برز في الآونة الأخيرة ما يلي:
Stephan Lessenich, Neben uns die sintflut: Die Externalisierung sgesellschaft und ihr preis (Berlin: Suhrkamp, 2016).
آليات مواجهة الخوف: المصير الزنجي للعالم
في المبحث السابق الذي عولجت فيه مسائل العدالة العالمية، من الطبيعي استخدام التمييز بين الشمال المعولم والجنوب المعولم، الذي لا يبدو على الإطاق أمرًا مستدامًا. صحيح أنه لا تزال
بالنسبة إلى هذا التمييز، بالتأكيد، قيمة توجيهية معيّنة في الوقت الحاضر، لأن توزيع الفقر والثروة
لا يزال يسمح له على الصعيد العالمي، بالتمييز بين البلدان الغنية، وعلى نحو أكثر تواترًا في الشمال
المعولم، خصوصًا في ما يسمى عالم شمال الأطلسي، والبلدان الفقيرة في الجنوب المعولم. ويظهر اتجاه حركات الهجرة الحالية، حيث هذا التقسيم لا يزال في الوقت الراهن أيضًا صحيحًا. وفي
الوقت نفسه، تظهر هذه الصورة التي توحي بوجود اختافات حادّة تنطوي على تصدّعات كبرى ذات صلة بالموضوع الحالي بعودة قوية إلى تركيب الهوية الجماعية وفي آنٍ واحد استبعاد الأخرى. ويتعيّن على المرء أن يفكر في تهميش فرص الحياة نتيجة لاقتصاد العولمة الليبرالي الجديد
الذي لا يتكيّف إطاقًا مع التقسيمات الجغرافية العالمية. بل على الأرجح تُسجّل تباينات صارخة
الآن بين ما يُسمى مجتمعات الطبقة الوسطى للشمال المعولم، حيث تعيش أكبر المجموعات
السكانية بشكل جزئي في ظروف الفقر، وعلى الأقل في مثل هذا التهميش الهيكلي. بالتأكيد سوف يكون هذا اختصار الجدل؛ القول إن المجموعات المهمشة هي الحامل الأساسي للحركات الشعبوية اليمينية ونجاحاتها. ومع ذلك، لا يمكن صرف النظر عن وجودها ومخاطر الإفقار التي أثارتها السياسة الليبرالية الجديدة والاقتصاد الليبرالي الجديد، وتعزيز ترويج الخوف من الأجانب الذي يستخدمه الشعبويون عبر تحميل الأجانب مسؤولية التهميش الذي أتت به الليبرالية الجديدة، بزعمهم أن الأجانب هم من عرّض ثروات البلدان الغربية الوطنية للخطر، ووجودهم، كما تقول
ادعاءات أخرى، أدّى إلى حرمان المواطنين من الوصول إلى الموارد التي يجب أن يحتفظ بها للمواطنين فحسب، بحسب القناعات الشعبوية اليمينية. وجدت نانسي فريزر (1947) – في مقالة في هذا السياق المتعدد الطبقات – عنوانًا مدهشًا وصارخًا: «استجار من رمضاء الليبرالية الجديدة المتصاعدة، بنار الشعبوية الرجعية»، تتبّع فيه مثال النجاح الانتخابي الذي حققه الرئيس الأميركي
(42) Mbembe, p. 18.
(4((ينظر في تشخيص هشاشة المجتمع (الاقتصادية الاجتماعية) (Prekarisierungsdiagnose zur) في:
Oliver Nachtwey, Die Abstiegsgesellschaft: Über das aufbegehren in der regressiven moderne (Berlin: Suhrkamp,
(((4 المهمشون أو (البريكاريا) هو مفهوم اجتماعي اقتصادي، يتكوّن من لفظ مقتبس أو لفظ منحوت من مصطلح البروليتاريا في
علوم الاقتصاد السياسي. وكان البروفسور جاي إستاندينغ، الأستاذ في جامعة باث البريطانية، هو أول من أطلقه لوصف طبقة من الناس تعيش في وضع اقتصادي اجتماعي هشّ. وكان يشير به إلى الشك وعدم اليقين وعدم الأمان على الصعيد الاقتصادي
والاجتماعي والثقافي والسياسي، وسط مجموعة متنامية داخل المجتمع على نحو من شأنه أن يقود إلى التطرف والشعبوية. (المترجم) (4((فيلسوفة أميركية، تُعدّ من أهم فاسفة الجيل الثالث لمدرسة فرانكفورت النقدية. اختصاصها الأوّل هو الفلسفة السياسيّة. ومن
الإشكاليّات التي بحثت فيها العدالة والحقّ والنظريّة النسوية والفضاء العمومي. (المترجم)
(((4 العبارة في الأصل Traufe die in Regen Vom. (المترجم)
دونالد ترامب، وتُظهر فيه، أن طريق الشعبوية اليمينية إلى الرئاسة لا يمكن تفسيرها من دون سياسة ليبرالية جديدة سابقة. بحسب تقويم فريزر، هناك حاجة للناخبين إلى رفض «المزيج السام من سياسة التقشف والتجارة الحرة وعبودية الديون والوظائف ذات الأجر المنخفض»، وكذلك على خلفية الإنجازات الشعبوية اليمينية الأخرى، مثل تصويت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكست)، أو التأثير المتنامي للجبهة الوطنية في فرنسا. إنّ ما تنجح فيه الأحزاب والحركات الشعبوية اليمينية هو تحويل الخوف، تحويل الخوف من التهميش الشخصي إلى خوف من الآخرين الذين يجري تحديدهم بصفتهم أغرابًا من مجموعة وطنية استُدعيت. وبناءً على هذه الحجة، يجب أن يتم تثبيت حدود هذه المجموعة القومية من أجل منع أولئك الذين يُهدّدونها، بحسب وجهة النظر اليمينية الشعبوية. أوجد مبيمبي صورة تشخيصية رائعة لخلفيات التصدي لهذا الخوف الجماعي من خال التحدث عن سواد العالم. ما المقصود بذلك؟ يميز مبيمبي في بداية كتابه نقد العقل الزنجيبين ثاث مراحل للعاقة بين السود المستَغلين والبيض المستغِلين؛ إذ تهيمن المرحلة الأولى على تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، التي تمتد بين القرنين الخامس عشر والتاسع عشر، في سياق التطور الرأسمالي المبكر. ويُجسّد الناس الذين سُلبوا من غرب أفريقيا في هذه المرحلة، بشكل أوضح، التشخيص الماركسي المتمثّل بأنّ عاقات الإنتاج الرأسمالي تجعل الناس سلعة، يُحوّل الناس المستعبَدون حرفيًا إلى «أشياء بشرية، وسلع بشرية، ومال بشري». وتبدأ المرحلة الثانية في نهاية القرن الثامن عشر وتستمر حتى نهاية القرن العشرين، وهي تتميز بسلسلة من المعارك من أجل التحرير والحقوق (بما في ذلك المعارك لإلغاء الرق ونضالات تصفية الاستعمار في البلدان المستعمَرة، وكذلك حركات الحقوق المدنية والحركات المناهضة للفصل العنصري). وتقع في المرحلة الثالثة التطورات التي تقود مبيمبي إلى أطروحة أن العالم يصبح أسود. تبدأ في أواخر القرن العشرين وتمتد إلى الحاضر (ويفترض أبعد من ذلك). ووفقًا لمبيمبي، فإنه يتميز بظاهرة «عولمة الأسواق، والتعقيد المتنامي للنظام المالي،
(47) Nancy Fraser, «Vom Regen des progressiven Neoliberalismus in die Taufe des reaktionären Populismus,» in: Geiselberger (ed.), Die große Regression , pp. 77–91. (48) Ibid., p. 77.
(4((في هذا السياق، أظهرت ويندي براون لماذا تتزايد تدابير أمن الحدود أكثر فأكثر، خصوصًا في الأوقات التي تتأكل فيها السيادة
الوطنية بسبب عمليات العولمة، ينظر:
Wendy Brown, Walled States: Waning Sovereignty (Brooklyn, New York: Zone Books, 2010).
((5(مبيمبي نفسه، لأسباب واضحة، لا يستخدم مصطلحات مثل الأسود أو الملوّن في دراسته، لكنه يتحدث عن الزنوج. يمكن
تبرير ذلك في سياق كتابه، لكني لن أتفق مع اختيار هذه اللغة هنا، ينظر اختيار مبيمبي للتعابير مثلً:
Mbembe, p. 97.
للمناسبة، كان للزنجي دائمًا اسم «رقيق» (العبد)، و«المعدن البشري»، و«السلعة البشرية»، و«النقد البشري.»
(51) Ibid., p. 14. (52) Ibid.
والمجمع العسكري ما بعد الإمبريالي والتقنيات الإلكترونية والرقمية». إلى أي مدى يمكن القول الآن إن العالم يسير ليصبح أسود؟ أليست العنصرية اليوم أكثر تواترًا في ثياب العنصرية الثقافية من
العنصرية البيولوجية، وظروف الاستغال الكولونيالي لا تتجدد في عالم ما بعد الكولونيالية من خال عاقات تجارية إمبريالية؟ لا يشكك مبيمبي في مثل هذه التقويمات التشخيصية على الإطاق: يتميز العالم الاقتصادي، المالي والرقمي المعولم في يومنا هذا، في تقديره، بممارسات إمبريالية تستند، من بين أمور أخرى، إلى «المنطق الكولونيالي لاحتال والاستغال». يكمن الجديد، من وجهة نظر مبيمبي، في أن هذه المخاطر المنهجية، إضافة إلى مخاطر جديدة سوف تتعرض لحالات الاستغال الراديكالي المتطرّف، وتُصبح جزءًا من قوى بشرية عاطلة، توغّلت منذ فترة
طويلة في عواصم عالم شمال الأطلسي، وتمسّ المجموعات البشرية المضطهدة عنصريًا كما في
السابق بدرجة عالية وبمقدار كبير، لكنها لا تقتصر على ذلك فحسب، بل هذا «مصير المجموعات كلّها التابعة من الناس» التي تزداد عالميًا. كانت الرأسمالية وما زالت عنصرية من وجهة نظر
مبيمبي، لكنها اليوم «تُعيد استنساخ» مركزها الخاص الذي يجلب «احتمالات اسوداد العالم الذي يبدو أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. إن منطق توزيع العنف على نطاق عالمي ما عاد يرحم أي منطقة
من مناطق الأرض، ولا العملية الكبرى التي لا تزال جارية من تقليل قيمة القوى المنتجة». مع ذكر هذه النقطة الأخيرة، خصوصًا خفض قيمة القوى المنتجة، يجعل القوس يمتد بوضوح كبير ليعود بنا إلى موضوعنا الخاص من أشكال تركيب الهوية الجماعية التي تسعى لاستبعاد الآخرين. وإذا لجأ اليمينيون الشعبويون إلى هذه الأشكال من الهويات الجماعية في شكل سرديات قومية لرهاب الأجانب، فيمكنهم، في رأيي، أن يستندوا إلى آليات مواجهة، أي خوف من رواسب عالم العيش الواضحة التي يثيرها تشخيص مبيمبي لعولمة الحالة السوداء. لذلك، من الواضح أيضًا أن استراتيجيات آليات مواجهة الخوف اليمينية الشعبوية لا تستخدم المحتوى الاإنساني فحسب، بل تُطلق سهامها نحو الفراغ من دون أن تستهدف التحديات الفعلية. لا يشكل المستبعدون الآخرون تهديدًا. إن المخاطر العالمية الحالية، المتمثلة في الاستغال والتهميش ونشر العطالة، هي بالأحرى نتائج مترتبة على الرأسمالية المنفلتة من عقالها، ومن إفرازاتها تلك النتوءات
(53) Ibid., p. 15. (54) Thomas McCarthy, Rassismus, Imperialismus und die Idee menschlicher Entwicklung (Berlin: Suhrkamp, 2015). (55) Mbembe, p. 18;
من الناحية العملية، تعتبر هذه الممارسات مظاهر لافتة بشكل خاص لاستياء على الأراضي وعمليات التهجير ذات الصلة، ينظر:
Thore Prien, «Kosmopolitismus und Gewalt,» in: Franziska Martinsen & Oliver Flügel–Martinsen, Gewaltbefragungen: Beiträge zur theorie von politik und gewalt (Bielefeld: Transcript, 2014), pp. 165–183. (56) Mbembe, p. 16. (57) Ibid., p. 18. (58) Ibid., p. 325. (59) Slavoj Zizek, Der neue klassenkampf: Die wahren gründe für flucht und terror (Berlin: Ulstein, 2016).
المتمثلة في الأحزاب والحركات الشعبوية اليمينية التي لا تكتفي بالصمت في مواجهة المخاطر الحقيقية، بل على العكس من ذلك، وبفعل نشوء وضع يسوده الخوف من الأجانب، تحرف الأنظار عن الواقع.
References
المراجع
Aristoteles. Philosophische Schrift. Eugen Rolfes (ed.). vol. 4. Hamburg: Meiner, 1995. Boghossian, Paul. Angst vor der wahrheit: Ein plädoyer gegen relativismus und konstruktivismus. Berlin: Suhrkamp, 2013. Broszies, Christoph & Henning Hahn (eds.). Globale Gerechtigkeit. Schlüsseltexte zur Debatte zwischen Partikularismus und Kosmopolitismus. Berlin: Suhrkamp, 2010. Brown, Wendy. Walled States: Waning Sovereignty. Brooklyn, New York: Zone Books,
Butler, Judith. Anmerkungen zu einer performativen theorie der versammlung. Berlin: Suhrkamp, 2016. ________. GenderTrouble. Feminism and the Subversion of Identity. London/ NewYork: Routledge, 2015. Celikates, Robin. «Weder gerecht noch realistisch – David Millers Plädoyer für das staatliche recht auf ausschluss.» Theorieblog. 4/12/2017. at: http://bit.ly/2OZucfw Derrida, Jacques. Politik der freundschaft. Frankfurt am Main: Suhrkamp, 2002. ________. Randgänge der Philosophie. Wien: Passagen, 1999. Eribon, Didier. Retour a reims. Paris: Fayard, 2009. Flügel–Martinsen, Oliver. «Postidentitäre Demokratie.» Mittelweg 36, Zeitschrift des Hamburger Instituts für Sozialforschung. no. 3 (June/ July 2018). ________. Befragungen des politischen. Wiesbaden: Springer, 2017. Foucault, Michel. Die ordnung des diskurses. Walter Seiter (trans.). Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1991. Geiselberger, Heinrich. (ed.). Die große regression: Eine internationale debatte über die geistige situation der zeit. Berlin: Suhrkamp, 2017. Goppel, Anna. Corinna Mieth & Christian Neuhäuser (eds.). Handbuch Gerechtigkeit. Stuttgart: Metzler, 2016. Hall, Stuart. Rassismus und kulturelle identität. Ausgewählte Schriften & Ulrich Mehlem (ed. & trans.). vol. 2. Berlin: Suhrkamp, 1994. Hampe, Michael. «Katerstimmung bei den pubertären theoretikern.» Die Zeit. 15/12/2016. at: http://bit.ly/34PcZuL Hegel, Georg Wilhelm Friedrich. Vorlesungen über die Philosophie der Geschichte. Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1986.
Young, Iris Marion. Responsibility. Cambridge: Malden, 2007. Lefort, Claude. Essais sur le Politique: XIXe–XX e siecles. Paris: Seuil, 1986. Lefort, Claude. Le Temps présent. Paris: Belin, 2007. Lessenich, Stephan. Neben uns die sintflut: Die Externalisierung sgesellschaft und ihr preis. Berlin: Suhrkamp, 2016. Martinsen, Franziska & Oliver Flügel–Martinsen. Gewaltbefragungen: Beiträge zur theorie von politik und gewalt. Bielefeld: Transcript, 2014. Mbembe, Achille. Kritik der schwarzen vernunft. Berlin: Suhrkamp, 2014. McCarthy, Thomas. Rassismus, Imperialismus und die Idee menschlicher Entwicklung. Berlin: Suhrkamp, 2015. Miller, David. Fremde in unserer Mitte. Berlin: Suhrkamp, 2017. Mouffe, Chantal. Das demokratische Paradox. Wien: Passagen, 2008. Müller, Jan–Werner. Was ist Populismus?: Ein essay. Berlin: Suhrkamp, 2016. Nachtwey, Oliver. Die Abstiegsgesellschaft: Über das aufbegehren in der regressiven moderne. Berlin: Suhrkamp, 2016. Rancière, Jacques. Aux bords du politique. Paris: Gallimard, 2004. Rawls, John. Eine theorie der gerechtigkeit. Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1979. ________. The Law of Peoples: With «The Idea of Public Reason Revisited». Cambridge: Harvard UP, 1999. Roncière, Jacques. Das Unvernehmen: Politik und Philosophie. Frankfurt am Main: Suhrkamp, 2002. Said, Edward. Orientalismus. 4 th ed. Frankfurt am Main: Suhrkamp, 2014. Schriften, Gesammelte. vol. I. 2. Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1980. Spivak, Gayatri Chakravorty. Can the Subaltern Speak? Postkolonialität und subalterne Artikulation. Wien: Passagen, 2008. Young, Iris Marion. Global Challenges: War, Self–Determination and Responsibility for Justice. Cambridge/ Maiden: Polity Press, 2007. ________. Justice and the Politics of Difference. Princeton: Princeton University Press,
Zizek, Slavoj. Der neue Klassenkampf: Die wahren Gründe für Flucht und Terror. Berlin: Ulstein, 2016.