الوظيفة الاجتماعية للفلسفة
The Social Function of Philosophy
الملخّص
* طالب ماجستير في الفلسفة بمعهد الدوحة للدراسات العليا. ** ورد هذا المقال في مجلة البحوث الاجتماعية:
Abstract
In this classical text of Critical Theory which continues to have great contemporary relevance, the German philosopher Max Horkheimer seeks to establish a new definition of philosophy and its function. The text is a general and critical review of the positions of many philosophers and intellectuals from different intellectual backgrounds, revolving around the definition of philosophy and its purported function. The author explores the relationship that philosophy must maintain with society.
- الفلسفة
- المجتمع
- النقد
- الفلسفة الاجتماعيَّة
- مدرسة فرانكفورت
- Philosophy
- Society
- Criticism
- Social Philosophy
- Frankfurt School
* طالب ماجستير في الفلسفة بمعهد الدوحة للدراسات العليا.
Master’s student in Philosophy at the Doha Institute for Graduate Studies.
** ورد هذا المقال في مجلة البحوث الاجتماعية:
Max Horkheimer, «The Social Function of Philosophy,» Zeitschrift für Sozialforschung , vol. 8, no. 3 (1939), pp. 322–337.
عندما تُذكر كلمات الفيزياء والكيمياء والطب أو التاريخ في محادثة ما، فإن المتحادثين يمتلكون، عادةً، تصوّرًا مخصوصًا جدًا في أذهانهم حيال هذه الموضوعات. وإذا برز أي
اختاف في الآراء، يمكننا الاستعانة بموسوعة أو مرجع متفق عليه، أو التوجّه إلى متخصص متضلّع
أو أكثر في الحقل المقصود. يستمدّ أي من تلك العلوم تعريفه، بصورة مباشرة، من موقعه في مجتمعنا المعاصر. وعلى الرغم من أنّ هذه العلوم قد تقوم بإحراز أعظم الإنجازات العلمية في المستقبل، ومن الممكن أن نتصوّر بعضها، مثل الفيزياء والكيمياء، وقد دُمجت يومًا ما، فإن أحدًا لا يُعنى، حقيقة،
بتعريف هذه المصطلحات بأي شكل آخر لا يحيل، أو فضلً، يتجاوز النشاطات العلمية التي تُمارس تحت هذه العناوين. يختلف الحال عند الحديث عن الفلسفة، ولنفترض أننا سألنا أستاذًا في الفلسفة «ما الفلسفة؟». إذا حالفنا الحظ وحدث أن كان المتخصص لا ينفر من التعريفات عمومًا، فسيقدم إلينا تعريفًا. وإذا
تبنينا بعد ذلك ذاك التعريف، فسنكتشف، بعد وقت وجيز غالبًا، أنه لم يكن، على أي حال، تعريفًا
عامًا، يمكن التوافق عليه. ربما نحاول، إذًا، أن نلتمس مرجعيّات معرفية أخرى، ونُنَقِّبَ في مراجع
حديثة وقديمة، لنجد أن الالتباس يتعاظم ويزداد. يرى كثير من المفكرين، الذين يقبلون بأفاطون وكانط بوصفهما مرجعية معرفية، الفلسفة علمًا مضبوطًا يمتلك طريقته الخاصة، عن مجالها البحثي
وموضوعها الخاص بها. يمثّل هذا التصور بصورة رئيسة في عصرنا الحاضر إدموند هوسرل. ويتصوّر
مفكرون آخرون، مثل إرنست ماخ، الفلسفة باعتبارها تطويرًا نقديًا وتوليفًا للعلوم الخاصة باتجاه كلّ
موحد؛ وأما برتراند راسل فيرى أن مهمة الفلسفة هي «عملية تحليل منطقية تعقبها توليفة منطقية». وبناء عليه، فهو يوافق موافقة تامة ليونارد هوبهاوس الذي يعلن أن «الفلسفة... تجعل من توليف العلوم غاية لها»، ويعود هذا التصور إلى أوغست كونت وهربرت سبنسر اللذَين شكلت الفلسفة بالنسبة إليهما النظام الكلي للمعرفة الإنسانية. الفلسفة إذًا هي علمٌ مستقل بالنسبة إلى البعض، وإضافيٌ أو
مساعدٌ بالنسبة إلى آخرين. إذا كان معظم كُتّاب الأعمال الفلسفية يتفق على أن للفلسفة سمةً علمية، فإن قلة، ولا يعني هذا أنها الأسوأ، رفضت ذلك على نحو قاطع. وكان الشاعر الألماني شيللر، الذي ربما تركت مقالاته الفلسفية أثرًا أكبر من أعماله المسرحية، يرى أن غاية الفلسفة تتحدد بإدخال النظام الإستيطيقي إلى أفكارنا
وأفعالنا. فالجمال هو معيار نتائجها. وتبنّى شعراء آخرون، مثل هولدرين ونوفاليس، موقفًا مشابهًا، بل إن فاسفة أقحاحًا رأوا ذلك، فهذا شيلينغ على سبيل المثال اقترب جدًا من بعض موقفهم في ما
سطّروه. ويُصرّ هنري برغسون أيضًا على أن الفلسفة تتصل بالفن اتصالً وثيقًا، وأنها ليست علمًا. لكن، لا يشمل اختاف وجهات النظر السمة العامة للفلسفة فحسب، بل يتعلق الاختاف الأكبر بمحتواها ومنهجياتها. فما زال بعض الفاسفة يعتقد أن عناية الفلسفة تنصبّ، حصرًا، على التصوّرات
(1) Bertrand Russell, «Logical Atomism,» in: John H. Muirhead (ed.), Contemporary British Philosophy , vol. I (London/ New York: Allen & Unwin, Macmillan, 1925), p. 379. (2) Leonard Trelawny Hobhouse, «The philosophy of Development,» in: John H. Muirhead (ed.), p. 152.
الكبرى للوجود وقوانينه، لتنصبّ في آخر الأمر على معرفة الرب. يصح هذا عند أتباع المدرسة
الأرسطية والسكولائية الجديدة. وتأتي بعد ذلك الرؤية التي ترى أن الفلسفة تتعامل مع ما يسمى القَبلي Apriori؛ إذْ يصف صمويل ألكسندر الفلسفة باعتبارها «الدراسة التجريبية أو الإمبيريقية لما هو غير إمبيريقي أو قَبلي، ودراسة تلك المسائل التي تنشأ من العاقة بين الإمبيريقي والقبلي» (المكان والزمان والألوهة). ينحدر آخرون من المذهب الحسّي الإنكليزي والمدرسة الألمانية لجيكوب فرايز Fries Jakob وإرنست أبلت Apelt Ernst، الذين تصوّروا الفلسفة بما هي علم الخبرة الداخلية.
وتنشغل الفلسفة، تبعًا للتجريبيين المنطقيين، أمثال كارناب، أساسًا باللغة العلمية؛ وتبعًا لمدرسة وليام فيندلباند Windelband Wilhelm وهينريتش ريكرت Rickert Heinrich (وهي مدرسة أخرى لديها أتباع أميركيون كثر)، فإن الفلسفة تتعامل مع القيم الكونية، وقبل كل شيء مع الحقيقة والجمال والخير والقداسة. أخيرًا، يعلم الجميع أن ليس ثمة اتفاقٌ على المنهج. يؤمن الكانطيون الجدد جميعهم بأنه على العمل
الفلسفي أن ينحصر في تحليل المفاهيم وردّها إلى عناصر الإدراك الأساسية، بينما اعتبر برغسون وماكس شيلر الحدس Wesensschau الفعل الفلسفي الحاسم. أما المنهج الفينومينولوجي لهوسرل وهايدغر فيعارض، بصورة قطعية، المذهب النقدي التجريبي criticism – Empirio الخاص بإرنست ماخ Mach Ernst وريتشارد أفيناريوس Avenarius Richard. ويبدو المنطق الرمزي الخاص ببرتراند راسل ووايتهيد، إضافة إلى أتباعهما، العدو المبين للديالكتيك الهيغلي. وأخيرًا تعتمد طبيعة الفلسفة
الأثيرة لدى المتفلسف، تبعًا لويليام جيمس، على سماته وخبراته الشخصية. عَمدنا إلى ذكر كل هذه التعريفات للإشارة إلى أن الحال في الفلسفة ليس مماثلً للحال في الحقول المعرفية الأخرى، مهما تعدّدت مواضع الخاف التي تشتمل عليها هذه الحقول، يبقى الخط العام لاشتغال المعرفي في كل منها معترفًا به عالميًا. يتفق ممثلوها البارزون على موضوع البحث
والمنهجيات إلى حدٍ ما. وفي الفلسفة، فإن تفنيد مدرسة فلسفية لأخرى، يشتمل، عادة، على رفضٍ كامل، ووصمها بالخطأ بصورة جذرية. لا تشترك المدارس جميعها في هذا السلوك بالطبع. فهذه الفلسفة الديالكتيكية، على سبيل المثال، ستنحو كي تتوافق مع مبادئها إلى استخاص الحقائق النسبية من وجهات النظر المتفردة، وتقوم بتقديمها وفق نظريتها الشاملة الخاصة. ثمة مدارس فلسفية أخرى، مثل الوضعية الحديثة، تمتلك قواعد تعوزها المرونة، فتعمد إلى إقصاء جانب كبير من الأدبيات الفلسفية من نطاق المعرفة، وخصوصًا الأنساق الكبرى للأزمنة الماضية. بوجيز العبارة، لا يمكن الجزم بأن من يستعمل مصطلح «الفلسفة» لا يشاطر سامعيه إلا ببعض التصورات الغامضة. يتّجه كل علم من العلوم إلى المشكات التي تجب معالجتها، ذلك أنها تبرز من داخل النشاطات الحياتية لمجتمعنا المعاصر. وتنشأ المشكات المتعلقة بالفرد وما يتفرّع عنها من مجالات محددة، في نهاية
المطاف، من حاجات البشر المتمثلة في أشكالها التنظيمية ماضيًا وحاضرًا. ولا يعني هذا أن كل بحث
(3) Samuel Alexander, Space, Time and Deity , vol. I (London: Macmillan and Co., Ltd., 1920), p. 4.
علمي يسعى لإشباع حاجة طارئة؛ إذ ينتج الكثير من النشاطات العلمية مخرجات يمكن البشرية العيش من دونها بسهولة. وليس العلم استثناء حين يتعلق الأمر بسوء إدارة الطاقات الذي نرقبه في كل مجالات الحياة الثقافية. إن تطوّر فروع العلم المشكوك في قيمتها العملية في واقعنا الراهن، هي على أي حال جزء
من جهود الشغل الإنساني التي تُعدّ من الشروط الضرورية للتقدم العلمي والتكنولوجي. علينا أن نتذكر أن بعض فروع الرياضيات، التي بدت أول وهلة مجرد ألعاب، تبيّن في ما بعد أنها غاية في الفائدة. لذلك،
على الرغم من وجود نشاطات علمية لا يمكنها أن تقود إلى فائدة مباشرة، فإن جميعها ينطوي على إمكان تطبيقها في سياق الواقع الاجتماعي المعطى، على الرغم من أنها غير محددة وغامضة. إن اشتغال العالم بطبيعته مُثرٍ للحياة في صورتها الحالية. وبناء عليه، فإن مجالات نشاطه يُعاد ترسيمها، وتتم محاولات
تغيير الحدود بين مجالات العلم المختلفة، من أجل تطوير اختصاصات جديدة، وبالقدر نفسه، الاستمرار في الفصل بينها ودمجها، دائمًا، عن قصد أو غير قصد، تبعًا للحاجة الاجتماعية. كما أن هذه الحاجة
فاعلة، وإن بصورة غير مباشرة، في المختبرات وقاعات الدرس الجامعية، إضافة إلى مختبرات الكيمياء وأقسام الإحصاءات في المشروعات الصناعية الكبيرة والمستشفيات. لا تحظى الفلسفة بمثل هذا الموجّه. ولما كانت تتأثر بالكثير من الرغبات، فإن من المُرتقَب، بطبيعة
الحال، أن تعثر على حلول لمشكات لا يستطيع العلم التعامل معها، أو أن يقدم لها أجوبة شافية. غير أن الممارسة في الحياة الاجتماعية لا تمثل معيارًا للفلسفة؛ ويمكن الفلسفة عدم الإشارة إلى أي
نجاحات، إلى درجة أنّ ما يقدّمه بعض الفاسفة أحيانًا في هذا الشأن يعود إلى إنجازات ليست فلسفية على وجه الدقة. إننا نعرف مثلًالاكتشافات الرياضية لديكارت ولايبنتز، والبحوث السيكولوجية لهيوم، والنظريات الفيزيقية لإرنست ماخ... إلخ. يقول معارضو الفلسفة إنها ما دامت تمتلك قيمة، فإنها لن تكون فلسفة، بل علمًا وضعيًا. كل شيء آخر داخل الأنساق الفلسفية هو محض كام، وإن
زعم الفاسفة أنه مثير لاهتمام أحيانًا، لكنه عادةً ما يكون مُملًّ ولا فائدة منه. على الجانب الآخر،
يُظهر الفاسفة تعاليًا وتجاهلً عنيدًا في ما يخص الحكم على العالم الخارجي. منذ محاكمة سقراط،
أصبح من الواضح أن ثمة عاقةً مشحونة تجمعهم بالواقع كما هو، وخصوصًا مع المجتمع الذي يعيشون فيه. يأخذ هذا التوتر، أحيانًا، شكل اضطهاد علني؛ وفي أحيان أخرى، يكون مجرد فشل في فهم اللغة التي يتحدثون بها. عليهم العيش في الخفاء، جسديًا أو ثقافيًا. واجه العلماء، أيضًا، نزاعًا
مع المجتمعات في زمنهم. لكن علينا هنا أن نُحافظ على التفريق بين المبادئ الفلسفية والعلمية التي سبق لنا الحديث عنها، ونقوم بعكس الصورة؛ ذلك أن الأسباب خلف الاضطهاد عادة ما تكمن في التصورات الفلسفية لهؤلاء المفكرين، وليست في نظرياتهم العلمية، وكان مضطهدو غاليليو من اليسوعيين العُتاة قد اعترفوا بأنه كان من الممكن السماح له بنشر نظريته بشأن «مركزية الشمس» لو أنّه وضعها في قالب فلسفي ولاهوتي مناسب. وناقش ألبيرتو سماجنوس نفسه نظرية مركزية الشمس في كرّاسه Summa، ولم يُهاجم بسبب ذلك بتاتًا. أضف إلى ذلك أن الصدام بين العلماء والمجتمع، في
الأزمنة الحديثة على الأقل، لا يتعلق بمبادئ أولية، لكن بمجرد قناعات فردية، لا يتم التسامح معها من هذه السلطة أو تلك في بلد واحد في الوقت نفسه. في حين يجري التسامح معها إن لم يكن الاحتفال بها في بلد آخر بعد وقت وجيز، أو في الوقت نفسه.
تبرز معارضة الفلسفة للواقع انطاقًا من مبادئها الداخلية. تُصرّ الفلسفة على أن أفعال الإنسان وأهدافه
يجب ألّ تكون نتاج ضرورة عمياء. ينطبق هذا على مفاهيم العلم ونمط الحياة الاجتماعية، كما أنه يجب عدم قبول أنماط التفكير الرائجة أو العادات السائدة من خال التقليد والممارسة غير النقدية. إن دافع الفلسفة يقوم على مواجهة التقليد والتسليم في الإشكاليات الوجودية المصيرية، وتحمل على عاتقها تلك المهمة غير السارّة، في تسليط ضوء الوعي حتى على العاقات الإنسانية وأنماط التفاعات
التي أصبحت متجذّرة على نحو عميق، حتى باتت تبدو طبيعية، غير قابلة للتغيير، وخارجية. يمكن المرء الرد بأن العلوم والاختراعات والتغييرات التكنولوجية الخاصة بها، على وجه التحديد، انتشلت كذلك الإنسان من حضيض العادة. عندما نقارن الحياة في حاضرنا اليوم بالعقود الثاثة أو الخمسة الماضية، بل حتى القرن الماضي، يصعب علينا حقًا القبول بفكرة أن العلوم لم تُزعزع العادات والتقاليد الإنسانية؛ إذ لم تجر عقلنة الصناعة ووسائل النقل وحدها، بل حتى الفن جرت عقلنته. مثالٌ واحدٌ سيفي بالغرض، في الأعوام السابقة، كان في مقدور الكاتب المسرحي أن يخرج تصوّره الخاص بشأن
المشكات الإنسانية في منعزله الخاص. وبعد أن يجد عمله طريقه إلى النشر في النهاية، فإنه يدفع، إذّاك، بعالم الأفكار الخاص به إلى الصدام مع العالم القائم هناك، وبهذا يُساهم في تطوير فكره والفكر
الاجتماعي معًا. غير أن إنتاج العمل الفني وتلقّيه اليوم، إن كان عبر الشاشة أو من خال المذياع، جرت عقلنته بالكامل. فا يجري إعداد الأفام في غرف هادئة؛ بل إن جمعًا كاملً من الخبراء ينخرط في العمل عليها. ومن وجهة نظر خارجية، ليس الهدف الانسجام مع فكرة ما، بل الانسجام مع وجهات النظر السائدة للعامة، والذوق العام؛ إذ يجري اختبارها وحسابها بوساطة الخبراء قبل نشرها. وإذا اتفق، في بعض الأحيان، وكان نمط المنُتَج الفني غير منسجم مع الرأي العام، فإن الخطأ لا يأتي، غالبًا، بسبب خاف جوهري، بل بسبب خطأ في تقدير ردات أفعال العامة والصحافة من المنتجين.
هذا الأمر يقيني؛ لا مجال في الصناعة، سواء المادي منها أم الفكري، يمكن له أن يكون في حال من الاستقرار؛ فالعادات لا تملك الوقت الكافي لاستقرار. وإن الأساسات التي يقوم عليها مجتمعنا في اليوم الحاضر تتبدل باستمرار عبر تدخّات العلم. كما أن من الصعب العثور على نشاط واحد بين النشاطات التجارية أو الحكومية لا تشتبك أفكاره بصورة مستمرة في عمليات التبسيط والتطوير. لكن إذا قمنا بالتدقيق أكثر، فسنكتشف أنه على الرغم من كل هذه التمظهرات، فإن طريقة الإنسان في التفكير والفعل لا تُحرز تقدمًا على النحو الذي قد يراد للواحد منّا تصوّره. وعلى الخاف من ذلك،
فإن المبادئ التي تحكم فعل الإنسان اليوم، في قطاع واسع من العالم على أقل تقدير، هي با شك أكثر ميكانيكية من أي فترة أخرى، عندما كان يتم تحفيزها عبر وعي حي، وعبر اقتناع بذلك. وساعد التقدم التقني في غرس الأوهام القديمة في عقول البشر على نحو أشدّ إحكامًا، من دون أن يستطيع
العقل عمل شيء ضد ذلك. ومثّل تصنيع المؤسسات الثقافية ونشرها عاملً مهمًا في انحدار النمو
الثقافي، بل وفي اختفائه. ويعود ذلك إلى ضحالة المضمون، وبادة الأجهزة الثقافية، والقضاء على بعض القوى الإبداعية المتفردة لدى الإنسان. في العقود الأخيرة، رُصِد هذا الجانب الثنائي لموكب
العلم والتكنولوجيا المنتصر باستمرار من مفكرين رومانسيين وتقدّميين، حيث وصف الشاعر الفرنسي بول فاليري، مؤخرًا، هذا الحال على نحو بليغ؛ إذ يروي كيف جرى اصطحابه في طفولته لمشاهدة
مسرحية فانتازية، تقوم فيها روح شريرة بماحقة شاب، مستخدمةً كل الأساليب الشيطانية لإرهابه وإجباره على النزول عند رغباتها. فعندما يستلقي الشاب على السرير في المساء، تُحاصره الروح الشريرة بعفاريت ونيران جهنمية، وفجأة تتحوّل غرفته إلى محيط وغطاء سريره إلى شراع. ولا يكاد
يختفي أحد الأشباح حتى يظهر آخر، وما هي غير برهة من الزمن حتى اعتاد هذه الأهوال، وفي نهاية الأمر بات يهتف محتفيًا مع كل جولة جديدة recommencent qui bêtises les Voilà (ها هي جولة
جديدة من الترّهات) استنتج فاليري أن الإنسان يومًا ما سيقوم بردة الفعل ذاتها تجاه الاكتشافات العلمية
والبدائع التكنولوجية. لا يشارك الفاسفة جميعهم، ونحن على رأسهم، بول فاليري في نظرته التشاؤمية بشأن التقدم العلمي. لكن هذا لا ينفي صحة أن الإنجازات العلمية في ذاتها، أو تطوّرات الطرائق الصناعية، لا تتطابق
على نحو مباشر مع التقدم الحقيقي للبشرية. فمن الواضح أنه يمكن أن يكون الإنسان فقيرًا ماديًا
وعاطفيًا وفكريًا، في أمور حاسمة، بغض النظر عن التقدم في العلم والصناعة. فالعلم والتكنولوجيا
هما مجرد عنصرين في موجودٍ اجتماعي كلي، وبعيدًا عن إنجازاتهما كلها، فإنه لمن المحتمل حقًا، أن تكون حركة عوامل أخرى، وربما كلية المجتمع ذاتها، حركة تقهقرية، فيصبح المرء فيها واهنًا وتعيسًا
بصورة متزايدة، إلى درجة يمكن أن يُحطَّم فيها الفرد وأن تتّجه الأمم نحو الكارثة. لحسن حظنا أننا
نعيش في دولة تخلّصت من الحدود الوطنية وحالة الحرب في أكثر من نصف قارة. في حين أن في أوروبا، حيث أصبح التواصل أكثر سرعة واكتمالً وتقلّصت المسافات، وأصبحت عادات العيش أكثر تشابهًا، تزايدت الحواجز الجمركية أكثر وأكثر، وفي سباق محموم كدّست الأمم الأسلحة. وبلغت العاقات السياسية الخارجية والظروف الداخلية، في الختام، حالة من الحرب. هذا الحال العدواني يؤكد حضوره في بقاع أخرى من العالم، أيضًا، ومن يدري إن كان باقي العالم سيتمكّن من حماية نفسه ضد عواقب هذه الشدائد، وإلى متى. يمكن للعقانية في تفصياتها أن تترافق بسهولة مع لاعقانية عامة. يمكن اعتبار أفعال الأفراد عقانية ومفيدة في الحياة اليومية وفق حكم سليم، على الرغم من أنها قد تكون غير مفيدة، بل ربما تدفع إلى تدمير المجتمع. لذلك في أزمنة مثل زماننا، علينا أن نتذكر أن خير إرادة من أجل عمل شيءٍ نافع قد تؤدي إلى نتائج عكسية، لأنها ببساطة عمياء عمّا يكمن وراء حدود الاختصاص أو الحرفة العلمية، ذلك أنها تركز على ما هو في متناول اليد وتُسيء فهم طبيعته الحقيقية؛ إذ لا يمكن الكشف عن هذه الأخيرة إلا في السياق الأكبر. ورد في العهد الجديد «لا يعلمون ما يفعلون»، وتشير إلى فاعلي المنكر فحسب. حتى لو كانت هذه الكلمات لا تنطبق على البشرية جميعًا، فا ينبغي حصر الفكر في العلوم المتخصصة وفي التعليم المهني للحرف، ذلك الفكر الذي يُمحِّص في الافتراضات المادية والفكرية التي يتم التسليم بها، والذي يخترق بغايات إنسانية تلك
العاقات اليومية التي تمّ خلقها والمحافظة عليها على نحو أعمى تقريبًا. عندما يذكر أن التوتر القائم بين الفلسفة والواقع هو أمر مبدئي وأساسي، بخاف الإشكالات الظرفية التي على العلم مواجهتها في الحياة الاجتماعية، مثَّل هذا إشارة إلى النزوع المتأصل داخل الفلسفة، بألّ تضع حدًّا للفكر، وأن تمارس فعل سيطرة من نوع خاص على كل عناصر الحياة التي يعتقد عمومًا
أنها ثابتة، وقوى لا تُقهر، وقوانين أبدية. كانت هذه هي المسألة الرئيسة في محاكمة سقراط. في سياق معارضته المطالب بالخضوع للعادات التي تحميها الآلهة والتبنّي المطلق لصور الحياة التقليدية، أصرّ
سقراط على مبدأ مفاده أن على الإنسان أن يعرف ماذا يصنع، وأن يقرّر مصيره. فالإله قائم في نفسه؛
أي إنه ماثل في عقله وإرادته لا في إله سماوي. لا يظهر اليوم هذا الصراع في الفلسفة على شكل صراع ضد الآلهة، غير أن وضع العالم ليس أقل خطورة. فعلينا تقبّل الوضع الحالي إن أقررنا بالزعم القائل
بأن العقل والواقع متصالحان، وأن استقالية الإنسان تحققها في داخل هذا المجتمع. وبناء عليه، فإن وظيفة الفلسفة الأصلية ما زالت راهنة بحق. قد لا يكون من الخطأ افتراض أن هذه الأسباب تقف خلف كون النقاشات داخل الفلسفة، وحتى النقاشات بشأن مفهوم الفلسفة، أكثر راديكالية وخافية بكثير من النقاشات داخل العلوم وبشأنها. على خاف أيّ مبحثٍ آخر، فإن الفلسفة لا تمتلك حقلً خارجيًا للفعل معنْونًا باسمها في النظام القائم.
إن نظام الحياة هذا، رفقة تراتبية القيم فيه، هو في حد ذاته مُشْكِلٌ بالنسبة إلى الفلسفة. في حين ما زال العلم قادرًا على الإشارة إلى حقائق معطاة تُهديه السبيل، بينما على الفلسفة أن ترتدّ على ذاتها، أي على اشتغالها النظري ذاته؛ إذ يقع تحديد موضوعها على عاتق مشروعها نفسه على نحو أكبر بكثير من حالة العلوم المتخصصة، حتى عندما تنهمك الأخيرة اليوم في عمقٍمع مشكاتها النظرية والمنهجية. يعطينا تحليلنا أيضًا إضاءة بشأن السبب وراء تلقّي الفلسفة اهتمامًا أكبر بكثير في الحياة الأوروبية منه في الولايات المتحدة الأميركية، حيث سمح التوسّع الجغرافي والتطور التاريخي أن تفقد بعض الصراعات
الاجتماعية أهميتها في هذه القارة، كتلك التي اندلعت على نحو عنيف ومتكرر في أوروبا بسبب طبيعة العاقات القائمة، كما ساهم في ذلك نزولها تحت وطأة انفتاح الباد (الولايات المتحدة الأميركية) والانهماك في ممارسة المهمات اليومية، حيث تجد المشكات الأساسية في الحياة الاجتماعية حلولً عملية موقتة لها، ولذلك فإن التوترات التي تسمح للفكر النظري في أوضاع تاريخية محددة بالبزوغ لا تغدو غاية في الأهمية. ويتأخر الفكر النظري، غالبًا، في هذه الدولة (الولايات المتحدة) كثيرًا عن
تحديد الحقائق ومراكمتها. بغض النظر إن كان ذاك النوع من النشاط ما زال يفي بالمتطلّبات القائمة على المعرفة، أساسًا، في هذه الدولة، فهي مشكلة لا يتسع المجال لمعالجتها. صحيح أن تعريفات الكثير من الكُتّاب المعاصرين، كنّا قد عمدنا إلى ذكر بعض منهم بالفعل، لا تكاد تكشف عن السمة التي تميز الفلسفة من باقي العلوم المتخصصة. يرمق كثير من الفاسفة زماءهم في الكلّيات المجاورة بعين الحسد، ذلك أنهم أفضل حالً بكثير بسبب امتاكهم مجال عمل واضح المعالم، ولا يمكن التشكيك في فائدته للمجتمع. يُجاهد هؤلاء الكتّاب من أجل «الترويج» للفلسفة باعتبارها نوعًا معيّنًا من العلوم المتخصصة، أو على الأقل من أجل إثبات أنها ذات فائدة حقيقية
للعلوم الخاصة. وفق هذه الطريقة، تكفّ الفلسفة عن القيام بدور الناقد، بل تُصبح بصورة عامة، خادمة للعلوم وأشكال التنظيمات الاجتماعية. يُعدّ هذا السلوك اعترافًا بأن وجود فكر يتجاوز الأشكال السائدة للنشاط العلمي، وبناء عليه يتجاوز أفق المجتمع المعاصر، أمرٌ مستحيل. يَحْسنُ بالفكر أن
يقنع بقبول المهمات الموكلة إليه من الحاجات المتجددة دائمًا للحكومة وقطاع الصناعة، والتعامل
مع هذه المهمات بالصورة نفسها التي تُلقيت وفقها. إن مدى صواب مضمون هذه المهمات أو شكلها للجنس البشري في هذه اللحظة التاريخية، والسؤال عمّا إذا كانت المؤسسات الاجتماعية التي تصدر
عنها ما زالت مناسبة للبشرية، لا تُعدّ مثل هذه الإشكاليات علمية أو فلسفية في عيون هؤلاء الفاسفة الوادعين، إنها مسائل تتعلق بالاختيار الشخصي، بالتقويم الذاتي من الفرد الذي استسلم لذوقه ومزاجه. إن الموقف الفلسفي الوحيد، الذي يمكن التعرف إليه في ضوء هذا التصوّر، هو المذهب النقيض،
القائل بعدم وجود فلسفة أساسًا، وأن الفكر النسقي يجب أن يتنحّى في لحظات الحياة الحاسمة.
بوجيز العبارة، شكوكية فلسفية وعدمية. قبل المُضيّ قدُمًا، لا بد من التمييز بين تصوّرنا الذي نعرضه هنا للوظيفة الاجتماعية للفلسفة، وتصورٍ
آخر، يعرض على نحوٍ واضح في الكثير من فروع علم الاجتماع الحديث التي تُحدّد الفلسفة بوظيفة اجتماعية واحدة عامة، ألا وهي الأيديولوجيا. تؤكد وجهة النظر هذه أن الفكر الفلسفي، أو الفكر في حد ذاته على نحو أدق، هو مجرد تعبير عن حال اجتماعي معيّن. تُطوّر كل جماعة اجتماعية – اليونكرز
الألمان على سبيل المثال – جهازًا مفاهيميًا وطرائق محددة للتفكير، وتتبنى أسلوبًا خاصًا في التفكير
يتناسب مع وضعها الاجتماعي. طيلة عقود عدة، رُبطت حياة اليونكرز بنمط خاص للخافة، حيث كانت تمتاز عاقتهم بالسالة الأميرية التي كانوا يعتمدون عليها، بسمات بطريركية، وكذلك كانت عاقتهم بخدمهم. تبعًا لذلك، كانوا يميلون إلى بناء فكرهم كله على أنماط ما هو عضوي، والتعاقب المنظَّم للأجيال، وعلى النمو البيولوجي. بدا كل شيء من جانب الكائنات الحية والروابط الطبيعية. من ناحية أخرى، فإن البرجوازية الليبرالية التي تعتمد سعادتها وتعاستها على نجاح تجارتها، والتي علّمتها تجربتها أنه يجب رد كل شيء «إلى قاسم المال المشترك»، طوّرت طريقة تفكير أكثر تجريدًا
وآليةً. لا يتسم أسلوبهم في التفكير وفلسفتهم بنزوع تجاه التسلسل الهرمي بل «المساواتي». وينطبق المنهج نفسه على مجموعات أخرى، في الماضي والحاضر. مع فلسفة ديكارت، على سبيل المثال، علينا السؤال إن كانت أفكاره قد توافقت مع الجماعات الأرستقراطية واليسوعية في الباط الملكي، أو مع «نباء الثوب» Robe de Noblesse، أم توافقت مع [الطبقة] البرجوازية الدنيا والجماهير. ينتمي كل نمط فكري، وكل عمل فلسفي أو ثقافي، إلى جماعة اجتماعية محددة، ينشأ منها ويرتبط وجوده بها. كل نمط من التفكير هو «أيديولوجيا». ليس ثمة من شك في أنّ موقفًا كهذا فيه شيءٌ من الصواب، وعند مطالعة الكثير من الأفكار السائدة
اليوم من زاوية أسسها الاجتماعية، يظهر أنها ليست إلّ محض أوهام. غير أن مجرد الكشف عن تازم هذه الأفكار مع الجماعة الاجتماعية لشخص ما ليس كافيًا، وهذا ما تفعله المدرسة السوسيولوجية.
علينا أن نتغلغل أكثر ونطوّر الأفكار من داخل التحولّات التاريخية الحاسمة التي من خالها تُفسّر
الجماعات الاجتماعية في ذاتها. دعونا نأخذ مثالً على ذلك، في الفلسفة الديكارتية، يؤدي التفكير الآلي، وخصوصًا الرياضي، دورًا مهمًا. بل يمكن القول إن كل هذه الفلسفة هي تعميم للتفكير
(((يُنظر:
Karl Mannheim, Ideology and Utopia: An Introduction to the Sociology of Knowledge (London: Routledge, 1936).
الرياضي. يمكننا با شك محاولة العثور على مجموعة ما من المجتمع تتعالق صفتها مع وجهة النظر هذه، وربما سنعثر على دائرة اجتماعية محدّدة في زمن ديكارت ومجتمعه. غير أن ثمة منهجًا أكثر
تعقيدًا، لكن أكثر كفاية، ويتمثل في دراسة النظام الإنتاجي لذلك الزمن وإظهار كيف يُدفَع فرد من
الطبقة الوسطى الصاعدة بوساطة نشاطه في التجارة والصناعة تحديدًا، وحثّه من أجل القيام بحسابات دقيقة إذا ما كان يرجو المحافظة على سلطته وزيادتها في السوق التنافسية الناشئة حديثًا. يصدق هذا أيضًا على عمائه، إذا جاز لنا التعبير، في العلوم والتكنولوجيا التي أدّت اختراعاتها وأعمالها العلمية الأخرى دورًا كبيرًا في الصراع الدائم بين الأفراد والمدن والأمم في العصر الحديث. في هذه
الموضوعات جميعها، كان المنهج المُتّبع تجاه العالم هو النظر إليه من الناحية الرياضية. لأن هذه
الطبقة، ومن خال تطوّر المجتمع، أصبحت الصفة البارزة للمجتمع ككل، وانتشر هذا المنهج انتشارًا
واسعًا، متجاوزًا الطبقة الوسطى ذاتها. ولا يكفي علم الاجتماع وحده. يجب علينا أن نمتلك نظرية شاملة للتاريخ في حال كنا نرغب في تجنب أخطاء خطرة. وما لم نفعل ذلك، فإننا نخاطر بربط نظريات فلسفية مهمة بجماعات عارضة، أو بمستوى ما غير حاسم، وبإساءة فهم أهمية المجموعة المحددة في المجتمع بأسره، ومن ثمّ إساءة فهم النمط الثقافي المدروس. لكن هذا ليس هو الاعتراض
الرئيس. ويُفضي التحليل في الختام إلى أن التطبيق النمطي لمفهوم الأيديولوجيا على كل نمط فكري،
يؤسّس على فكرة عدم وجود حقيقة فلسفية، بل في الواقع على عدم وجود حقيقة أساسًا بالنسبة
إلى البشرية، وأن الأفكار كلها هي Seinsgebunden» « – مرتبطة بالكينو. وتنتمي هذه التطبيقات في طرائقها ومناهجها إلى طبقة بشرية محددة فحسب، ولا تصلح إلا لهذه الطبقة. ولا يشمل الموقف الواجب اتّباعه مع الأفكار الفلسفية اختبارًا موضوعيًا أو تطبيقًا عمليًا، لكن ربطًا معقدًا بدائرة اجتماعية
تقريبًا. وبهذا تُصبح دعاوى الفلسفة مقنعةً. يسهل علينا تمييز أن هذه النزعة التي تفضي في الختام إلى
قرار حل الفلسفة إلى علم متخصص، داخل علم الاجتماع، بمجرد تكرار وجهة النظر الشكية التي سبق أن نقدناها، أنها ليست هنا لتفسير حجم الوظيفة الاجتماعية للفلسفة، لكن لتقوم بأداء وظيفة اجتماعية بنفسها، أي كبح جماح الفكر عن ميوله العملية التي تشير إلى المستقبل دائمًا. تكمن وظيفة الفلسفة الاجتماعية الفعلية في نقدها السائد. لا يعني هذا عملية الكشف عن الأخطاء الظاهرية لأفكار وشروط فردية، ولو صحّ هذا لغدا الفيلسوف مهووسًا. كما لا يعني ذلك أن على
الفيلسوف أن يشكو هذا الشرط المعزول أو ذاك ويقترح إصاحات له. إن الهدف الرئيس لمثل هذا النقد هو الحؤول دون خسارة البشرية ذاتها، في خضم الأفكار والنشاطات التي تغرسها المؤسسات الاجتماعية القائمة في أعضائها. يجب جعل الإنسان قادرًا على رؤية العاقة بين نشاطاته وما يتم
تحقيقه تاليًا؛ وبين وجوده الخاص والحياة العامة للمجتمع؛ وبين مخططاته اليومية والأفكار العظيمة
التي يعتنقها. وتفضح الفلسفة التناقض الذي يتورّط فيه الإنسان إلى درجة ينبغي له فيها أن يربط نفسه،
في الحياة اليومية، بأفكار وتصوّرات معزولة. يمكن فهم وجهة نظري هذه بسهولة عبر التالي، كان
الهدف الأساسي من الفلسفة الغربية في أولى صورها المكتملة مع أفاطون متمثلً بإلغاء الأحادية في الفكر ونفيها من خال نظام فكري أكثر شمولً ومرونةً وأفضل تكيُّفًا مع الواقع. يوضح المعلم،
في سياق بعض المحاورات، كيف أن مُحاوِره يتورّط حتمًا في التناقضات، كلما انغمس في التمسّك
بالأحادية في موقفه. ويُبيّن أن من الضروري التقدم من فكرة واحدة إلى أخرى، ذلك أن كل فكرة إنما
تتلقّى معناها المناسب من داخل النظام الكلّي للأفكار. خذ على سبيل المثال المحاورة بشأن طبيعة الشجاعة من «محاورة لاخيس»، عندما تمسّك المُحاوِر بتعريفه أن الشجاعة تعني عدم الفرار من ساحة المعركة، جرى إقناعه بأن مثل هذا التصرف في بعض المواقف يُعدُّ تهورًا لا فضيلة. كما هو الحال عندما ينسحب الجيش بأكمله ويحاول فرد واحد الفوز في المعركة بمفرده. ينطبق الأمر نفسه
على فكرة «السوفروسين» Sophrosyne التي تترجم خطأ بالاعتدال أو الوسطية. والسوفروسين هي بالتأكيد فضيلة، لكنها تُصبح محلً للشك إذا أضحت الغاية الحصرية للفعل، من دون الاستناد إلى معرفة الفضائل الأخرى جمعاء. لا يمكن تصور السوفروسين إلا كلحظة لسلوك قويم في منظومة كلّية. يصحُّ هذا القول كذلك على العدالة. إن الإرادة الخيِّرة التي تسعى للعدالة شيءٌ جميل. لكن هذا
السعي الذاتي ليس كافيًا؛ إذ لا تلحق صفة العدالة بالأفعال التي صدرت عن حسن نية وفشلت عند
التنفيذ. ينطبق هذا على الحياة الخاصة، كما على ممارسات الدولة. يمكن أي تدبير، بغض النظر عن النيات الحسنة لمدبِّره، أن يغدو ضارًّا ما لم يستند إلى معرفة شاملة ومائمة للظرف القائم. يقول هيغل في سياق مشابه أن العدالة القصوى Jus Summum قد تصبح «لا–عدالة» متطرفة Injuria Summa. يجدر بنا استذكار المقارنة المعقودة في «غورجس» Gorgias. إن المهن التي يحترفها الخبّاز والطبّاخ
والخيّاط مفيدة في حد ذاتها، لكنها قد تؤدي إلى أضرار ما لم تُراعَ الاعتبارات الصحية في حياة الفرد
والجنس البشري. وتُعدّ المرافئ وأحواض بناء السفن والحصون والضرائب جيدة بالطريقة نفسها. لكن، تغدو عوامل الأمان والازدهار وسائل للدمار إذا باتت سعادة المجتمع طيّ النسيان. وهكذا، نجد في العقود الأخيرة، السابقة على اندلاع الحرب الحالية [الحرب العالمية الثانية] في أوروبا، نموًّا مضطربًا لعناصر فردية للحياة الاجتماعية: مشروعات اقتصادية عماقة وضرائب ساحقة وزيادة هائلة
في الأسلحة والجيوش والانضباط القسري ورعاية أحادية الجانب للعلوم الطبيعية، وما إلى ذلك. وبدلً من التنظيم العقاني للعاقات المحلية والدولية، كان هنالك انتشارٌ سريع لبعض الجوانب الحضارية
على حساب الكل. وقف كل واحدٍ في مواجهة الآخر؛ ما ألحق الدمار بالبشرية جمعاء. لا يعني طلب أفاطون تولّي الفاسفة الحكم وجوبَ اختيار هؤلاء الحكّام من بين مؤلّفي كتب
المنطق. في الحياة التجارية، لا تعرف روح الخبير Fachgeist The غير الربح، وفي الحياة العسكرية لا تعرف إلا القوة، وكذلك في العلم لا تعرف تلك الروح إلا النجاح في تخصصٍ علمي محدد. لكن متى تُركت هذه الروح من دون رقابة، فإنها تُعبِّر عن حالة لاسلطوية للمجتمع. وعَنت الفلسفة، بالنسبة
إلى أفاطون، النزوع إلى جمع وحفظ مختلف طاقات المعرفة وفروعها في وحدة من شأنها تحويل هذه العناصر الضارة جزئيًا إلى عناصر منتجة، بكل ما تحمله الكلمة من معنى. هذا ما قصده أفاطون
بطلبه أن يتسلّم الفاسفة مقاليد الحكم؛ ما يعني حالة من عدم الثقة بالتصورات الشعبية السائدة أو
(((Gorgias هي دراسة مفصلة للفضيلة تستند إلى التحقيق في طبيعة الباغة والفن والقوة والاعتدال والعدالة والخير في مقابل
الشر. على هذا النحو، يحتفظ الحوار بأهمية مستقلة ويرتبط ارتباط ا وثيقًا بمشروع أفاطون الفلسفي الشامل لتحديد الوجود الإنساني النبيل والمائم. (المترجم)
الركون إليها. وبخاف الفكرة الأخيرة، لا تُعدم السببية داخل فكرة واحدة؛ فالفكرة قد تكون صحيحةً في أي لحظة منفردة. وإن العقل ليكمن في نظام الأفكار الكلّي، في التقدم من فكرة إلى أخرى، حيث تُفهم كل فكرة وتطبيقها وفق معناها الصحيح؛ ما يعني أن الفكرة لا تُعدُّ عقانية ما لم تكتسب معناها في نظام المعرفة بأكمله. طبّق الفاسفة العظماء هذا المفهوم الجدلي على إشكاليّات فعلية في الحياة. وفي واقع الأمر، إن
التنظيم العقاني للوجود الإنساني هو الهدف الحقيقي وراء فلسفاتهم. فالتمحيص والتنقيح الجدلي للعالم الفكري الذي نلمسه في حياتنا اليومية والعلمية، وتعليم الفرد من أجل التفكير والتصرّف على
نحو سليم، إنما يرمي في نهاية المطاف إلى الوعي بما هو خيِّرٌ؛ كما عنى ذلك التنظيم العقاني
للمجتمع الإنساني، في الأزمنة التي ازدهرت فيها الفلسفة على أقل تقدير. وعلى الرغم من اعتبار أرسطو، في كتابه الميتافيزيقا، أن التأمل الذاتي العقلي والنشاط النظري، هو أعظم المباهج، فإنه يشير بوضوح إلى أن هذه السعادة ليست ممكنة إلا بالاستناد إلى قواعد مادية محددة؛ أي وفق أوضاع اجتماعية واقتصادية معيّنة. لم يوافق أفاطون وأرسطو المدرسة الكلبية و«أنتيسثنيس» Antisthenes،
في قولهم إنه يمكن العقل أن يتطور لدى الأشخاص الذين يعيشون حياةً كلبيةً بالمعنى الحرفي، ولا أن الحكمة يمكن أن تسير جنبًا إلى جنب برفقة البؤس. إن الشرط الضروري لانعتاق قوى الإنسان العقلية،
بالنسبة إليهما، هو توافر حالة العدالة في شؤون الدولة والمجتمع، وتكمن هذه الفكرة في صلب النزعة الإنسانية الغربية كلها. يدرك أي شخص يقوم بدراسة الفلسفة الحديثة، لكن ليس من خال الملخصات العادية فحسب، بل من خال اشتغالاته البحثية التاريخية الخاصة كذلك، أن الإشكال الاجتماعي دافعٌ حاسمٌ للغاية.
لا أحتاج إلى ذكر أكثر من هوبز وسبينوزا. الكتاب الوحيد الذي نشره سبينوزا في حياته رسالة في اللاهوت والسياسة، إضافة إلى مفكرين آخرين مثل لايبنتز وكانط على سبيل المثال، يكشف المزيد من التحليل المتعمق عن وجود مقولات اجتماعية وتاريخية في صلب أكثر الفصول تجريدًا من كتاباتهم ومذاهبهم الميتافيزيقيّة والمتعالية. كما لا يمكن من دون تلك المقولات فهم إشكالياتهم أو حلّها. من
أجل ذلك، يُعدّ التحليل البسيط لمحتوى المذاهب النظرية الفلسفية البحتة أحد أكثر المهمات البحثية الحديثة إثارةً لاهتمام في مجال تاريخ الفلسفة. لكن هذه المهمات لا يجمعها الكثير مع الارتباطات
السطحية التي أشير إليها بالفعل. يمتلك مؤرخ الفن والأدب مهمات مماثلة. على الرغم من الدور المهم الذي يقوم به بحث المشكات الاجتماعية في الفلسفة، الظاهر منها أو المضمر، الواعي منها أو غير الواعي، دعونا نؤكد، مجدّدًا، أن وظيفة الفلسفة الاجتماعية لا تقتصر على هذا الجانب فحسب، بل تكمن أيضًا في تطوُّر الفكرين النقدي والجدلي. الفلسفة عبارة عن محاولة منهجية وجسورة من أجل جلب العقل إلى ساحة العالم. ما ينتج منه وضعُها القلق والمثير للجدل. فتبدو الفلسفة غير مريحة، ومُتعنِّتة أيضًا وسرعان ما تغدو في الحقيقة مصدر إزعاج، ما إن يُضاف إلى ذلك كله غياب أيّ فائدة فورية تُرجى منها.
كما تفتقر الفلسفة إلى المعايير والدلائل الحاسمة، إضافةً إلى المشقة الفعلية لتحري الحقائق. لكن على الأقل، يدرك المرء طبيعة التحديات التي عليه مواجهتها. يكره الإنسان بطبيعته أن يشغل نفسه بتقاطعات حياته الخاصة والعامة والتباساتها بصورة كبرى؛ إذ يفتقر إلى الشعور بالأمان وتتربّص به الخطورة الداهمة. ويجري توكيل الفاسفة والاهوتيين مهمة حل هذه الإشكاليات، في النظام الراهن لتوزيع المهمات والأدوار؛ أو يتولّى المرء مؤونة مواجهتها بنفسه باعتبارها محض أفكار عابرة، وأن «كل شيء على ما يرام» أساسًا. تبيّن في القرن الأخير من التاريخ الأوروبي، بصورة قاطعة، وعلى الرغم من مظهر الأمان الخارجي، أن
الإنسان لم يتمكّن من التوفيق بين حياته الخاصة وتصوّراته عن الإنسانية، على نحو منسجم. ثمة فجوة
بين الأفكار التي يحاكم الإنسان نفسه على أساسها، والعالم من ناحية، والواقع الاجتماعي الذي يقوم الإنسان بمعاودة إنتاجه من خال نشاطاته، من ناحية أخرى. والحالة كذلك، تغدو تصوراته وأحكامه كلها متناقضة ومُفتعلة. ويرى الإنسان اليوم نفسه متّجهًا صوب كارثة، أو متورّطًا في واحدةٍ بالفعل، كما يشعر، في الكثير من البلدان، بالعجز الكلي؛ لاقترابه من حال البربرية إلى درجة يعجز فيها عن امتاك أي قدرة على الرد أو الدفاع عن نفسه؛ على غرار أرنبٍ في مواجهة قاقم [حيوان شبيه بابن عرس] جائع. قد يستطيع الإنسان، في بعض الأحيان، المضي قدُمًا مُتخلّيًا عن أي إطار نظري. لكنّ نقصه هذا
يُطفّف من قيمته ويُسْلمه إلى حالة من العجز أمام أيّ بطش. إن حقيقة إمكان ارتفاع النظرية لتُصبح
فضاءً روحانيًا من المثالية الخاوية التي تعوزها الحياة، أو غرقها في تعبيرات فارغة ومرهقة، لا يعني،
بالضرورة، أن هذه هي صورتها الصحيحة. تجد الفلسفة، غالبًا، نظيرها في ما يطلق عليه «تحري
الحقائق»، ما دام أخذ الملل والتفاهة في الحسبان. وفي الوقت الراهن، تتولّى الديناميكيات التاريخية جميعًا موضعةَ الفلسفة في مركز الواقع الاجتماعي الإنساني، كما يتم موضعة ذلك الواقع في مركز الفلسفة ذاتها. ينبغي لفت الانتباه إلى تغييرٍ محدد، شديد الأهمية، حدث على امتداد هذه السطور منذ العصور القديمة؛ إذ اعتقد أفاطون أن قوة «الإيروس»Eros تُخوّل الحكيمَ معرفةَ الأفكار؛ فربط المعرفة
ب «حالة معنوية أو نفسية» (الإيروس)، لقدرتها على أن توجد في أيّ لحظة تاريخية من حيث المبدأ. ولهذا السبب ذاته، بدت له تلك الحالة التي اقترحها مثالً أبديًا للعقانية غير المرتبطة بأي شرط
تاريخي. وكانت المحاورات بشأن القوانين تسويةً مقبولة بوصفها خطوة أوّلية من دون أن تؤثر في المثال الأبدي. إن دولة أفاطون هي يوتوبيا، على غرار تلك التي كانت مرتقبة في مطلع العصر الحديث، وحتى في أيامنا هذه. غير أن اليوتوبيا ما عادت الصورة الفلسفية المائمة للتعامل مع مشكلة المجتمع؛ إذ تبيّن أن
تناقضات الفكر لا يمكن حلّها من خال التفكير النظري المحض، حيث يقتضي حلُّها تطوّرًا تاريخيًا
(((الإيروس، عند أفاطون، هو قوة عُظمى تحرك النفس إلى الخير والمعرفة، وتتموضع بين المعرفة والجهل؛ فالإنسان الذي لا
يشعر أو يدرك بأنه ناقص لا يمكنه أن يسعى للحكمة. (المترجم)
لا يمكننا تجاوزه من خال الفكر وحده. كما لا ترتبط المعرفة بالشروط النفسية والأخاقية فحسب، لكنْ بالشروط الاجتماعية أيضًا. والقول بنظام سياسي أو اجتماعي مثالي وتوصيفه عبر أفكار مجردة، بات غير مائم، اليوم، بل يخلو من أي معنى. اليوتوبيا، بوصفها تاجَ الأنساق الفلسفية، استُبدلت بالتوصيف العلمي للعاقات والنزعات الملموسة التي يُمكنها أن تؤدي إلى تطور الحياة الإنسانية، ولعل أثر هذا التغيير هو الأكبر في بنية النظرية الفلسفية ومعناها؛ إذ تتشارك الفلسفة الحديثة والقديمة في الثقة العالية بطاقات الجنس البشري، وتفاؤلهما بقدرة الإنسان على تحقيق الإنجازات. وكثيرًا ما رفض فاسفة عِظام مزاعم تلك العبارة التي تنتقص جوهريًا
من قدرة الإنسان على ممارسة حياة طيبة أو تحقيق أعلى درجات التنظيم الاجتماعي. دعونا نستذكر تعليقات كانط المشهورة على يوتوبيا أفاطون: «كان من المفترض أن تكون جمهورية أفاطون شاهدًا بارزًا على الكمال التخيلي الخالص، غير أنها أصبحت كلمة مأثورة للتعبير عن شيء لا يمكن أن يوجد إلا في رأس مفكر متقاعس؛ ويعتقد ‘بروكنر’ أن زعم أفاطون بأنه لا يمكن لأميرٍ أن يمارس الحكم الرشيد من دون الانخراط في عالم الأفكار، هو من السخف، وحيث يضُنّ هذا الفيلسوف الكبير علينا بتوجيهاته، ينبغي لنا القيام بجهد أفضل من أجل متابعة هذا الفكر، والسعي لتسليط الضوء عليه بجهودنا الخاصة، بدلً من تنحيته جانبًا دونما فائدة، بذريعة بائسة وخطرة للغاية، تتمثل في عدم قابليته
للتنفيذ؛ ذلك أن ليس ثمة شيء أكثر إيذاءً وخلوًا من القيمة بالنسبة إلى الفيلسوف من الميل المبتذل
إلى ما يُسمّى التجربة السلبية التي يمكن تافيها، حالما تتأطر المؤسسات في الوقت المناسب تبعًا لتلك الأفكار؛ لا وفقًا لتصوّرات مُبتذلة، مشتقّة من التجربة وحدها، ما أفسد النيّات الحسنة كلها». لم تتخلّ الفلسفة منذ أفاطون يومًا عن المثالية الحقّة التي يُمكنها أن تُصدِّر العقانية للأفراد، كما بين الأمم. ولم تتخلّص إلا من المثالية الخاطئة التي تكتفي بتمثُّل صورة للكمال من دون مراعاة كيفية تحقيقها. وفي الأزمنة الحديثة، رُبط الولاء إلى الأفكار العليا، في عالمٍ يتعارض معها، بالرغبة الرشيدة في معرفة الكيفية التي تتيح لهذه الأفكار أن تتجذّر في الواقع الأرضي. قبل الختام، ينبغي لنا أن نستدرك مجدّدًا ما قد سبق الإشارة إليه من خلل في الفهم. بخاف الاقتصاد والسياسة، لا يعني النقد في الفلسفة إدانةَ أمرٍ ما أو التذمر بشأن معيار أو آخر، ولا مجرد إنكار ورفض. فلقد سلك النقد، في ظروف معيّنة، هذا المنعطف التدميري بالفعل، وثمة أمثلة على ذلك من العصر
الهيلينستي. إنما نعني بالنقد هنا: ذلك الجهد الفكري والعملي الذي لا يرضى، في نهاية المطاف، بقبول الأفكار والممارسات والشروط الاجتماعية السائدة دونما تفكير وبمحض العادة؛ وتلك الممارسات التي تهدف إلى تنسيق الجوانب الفردية للحياة الاجتماعية بعضها مع بعض، إضافة إلى الأهداف والأفكار العامة للعصر الراهن، لاستدلال عليها بصورة طبيعية تسلسلية، بُغية تمييز المظهر من الجوهر، من أجل فحص مبادئ الأشياء وأسسها. وبوجيز العبارة، معرفتها على نحو جيد.
(7) Immanuel Kant, Critique of Pure Reason , F. Max Müller (trans.))New York: The Macmillan Company 1920), pp. 257–258.
كان الفيلسوف المعروف هيغل، الذي ندين له بالفضل العميم بصورٍ مختلفة، معزولً عن أي نكران نكد يتعلق بظروف سياسية خاصة، ما أغرى الملك البروسي لاستدعائه إلى برلين ليغرس الولاء المناسب في أذهان التاميذ ويقوم بتحصينهم من المعارضة السياسية. لم يأل هيغل في ذلك جهدًا، وأعلن أن الدولة البروسية هي تجسيد الفكرة الإلهية على الأرض. غير أن الفكر فاعلٌ مبهم؛ إذ كان على هيغل لتبرير الدولة البروسية تعليم المرء التغلب على المحدوديات التي يتسم بها فهم الإنسان العادي والرؤية الأحادية للأمور، وتعليمه كذلك رؤية العاقة المتبادلة بين الروابط المفاهيمية والواقعية جميعًا. إضافة إلى ذلك، كان عليه تعليم الإنسان أن يتأوّل التاريخ في ظل بنيته المعقَّدة والمتناقضة، من أجل البحث عن أفكار الحرية والعدالة في حياة الأمم، لمعرفة كيف تنهار الأمم عندما يتأكد عدم كفاية مبدئها، وأن الزمن أصبح جاهزًا من أجل بروز تنظيم اجتماعي جديد. إن حقيقة قيام هيغل بتدريب تامذته على التفكير النظري، تمتلك تأثيرًا غامضًا في الدولة البروسية إلى حدٍ بعيد. على المدى البعيد، تسبب عمل هيغل في أضرار جسيمة في المؤسسات الرجعية أكثر مما كان يمكن تلك المؤسسات استخدامه من خال تمجيداته الرسمية السابقة. العقل حليف ضعيف للرجعية. عيّن الملك خلفًا لهيغل بعد عشرة أعوام على وفاته بقليل (بقي كرسيه شاغرًا طوال تلك الفترة) من أجل مواجهة «أسنان تنين وحدة الوجود الهيغلية» و«غطرسة مدرسته وتعصُّبها». لا يمكننا القول إن المفكرين أصحاب التأثير الأكثر تقدمية، في تاريخ الفلسفة، هم أولئك الذين يتّسمون بحسّ نقدي أعلى، أو الذين يتعاملون مباشرةً مع ما يُسمّى البرامج العملية. ليست الأمور بهذه البساطة. يمتلك المذهب الفلسفي الواحد وجوهًا عدة، قد يحتوي كل وجه على أكثر الآثار التاريخية تنوّعًا. في الأزمنة التاريخية الاستثنائية فحسب، مثل عصر التنوير الفرنسي، تُصبح الفلسفة ذاتها سياسة. لم تدعُ كلمة الفلسفة، في ذلك العصر، إلى العقل والمنطق والإبستيمولوجيا إلا بقدر هجومها على «الهيراركية» الكنسية وعلى نظام قضائي غير إنساني. كان إسقاط بعض التصوّرات المسبقة معادلً فعليًّا لفتح بوابات العالم الجديد. وكان التقليد والإيمان أقوى حصون النظام القديم. ومثّلت الهجمات الفلسفية ردًّا تاريخيًا فوريًا. على أي حال، ما عادت المسألة اليوم متعلقةً بالقضاء على العقيدة، ذلك أن في الدولة الشمولية، حيث يعلو نداء الميل إلى البسالة ونظرة مهيبة إلى العالم Weltanschauung، لا يحكم الإيمان ولا النظرة إلى العالم، وحدها الامبالاة الباهتة وبادة الفرد تجاه المصير وكل ما يأتي من الأعلى. تقتضي مهمتنا اليوم ضمان عدم اختفاء القدرة على التنظير والفعل الذي يستند إليه في المستقبل مرة أخرى، حتى في فترات السلم المستقبلية حيث قد يسمح الروتين اليومي بنسيان المشكلة كلها مرة أخرى. إن الكفاح هو مهمتنا الدائمة، حتى لا يقنُط الجنس البشري تمامًا بفعل حوادث الحاضر المهولة، وحتى لا يختفي من الأرض الإيمان بمجتمع يستحق السعادة والسام.
(((الهيراركية Hierarchy، المرتبية (التراتبية). (المترجم)
المراجع
References
Alexander, Samuel. Space, Time and Deity. London: Macmillan and Co., Ltd., 1920. Kant, Immanuel. Critique of Pure Reason. F. Max Müller (trans.). New York: The Macmillan Company, 1920. Mannheim, Karl. Ideology and Utopia: An Introduction to the Sociology of Knowledge. London: Routledge, 1936. Muirhead, John H. (ed.). Contemporary British Philosophy. London/ New York: Allen & Unwin Macmillan, 1925.