العودة إلى تفاصيل المؤلَّف نقد تصوّر المتكلّمين والمشّائين للزمان عند فخر الدين الرازي

نقد تصوّر المتكلّمين والمشّائين للزمان عند فخر الدين الرازي

Fakhr al–Din al–Râzî’s Critique of Peripatetics and the Mutakallimun’s Conception of Time

محمد الصادقي *

Mohamed el–Sadiqi *

الملخّص

على الرغم من أن موضوع الزمان ينتمي إلى مبحث الطبيعيات في فلسفة أرسطو، فإنه اكتسب عند المتكلمين والفلاسفة المسلمين في العصر الوسيط أهميةً فلسفيةً أكبر، لصلته بمبحث الإلهيات؛ إذ اعتمدته غالبية الفلاسفة دليلًا للبرهنة على قِدَم العالم، في حين أنكر المتكلمون وجوده من الأساس، حتى لا يصير عائقًا أمام استدلالهم على وجود الله. أما فخر الدين الرازي، فلم يرَ بُدًّا من الاعتراف بوجود الزمان، لكنه فكر في حقيقته بطريقة مغايرة لتلك التي تبنّاها المشّاؤون. وفي هذه الدراسة سنرى كيف جمع الرازي في تصوّره الزمان بين الاعتراف بوجوده والقول بحدوث العالم من جهة؛ وكيف جمع بين الشعور بالزمان والحركة، من دون أن يُرجِع وجوده إلى الحركة، كما فعل المشّاؤون من جهة أخرى.

Abstract

Abstract: The majority of Muslim’s philosophers including Ibn Sina and Al–Fârâbî supported the Aristotelian conception of time, and they also used it as an argument in their demonstration of the world’s eternity. On the other hand, Muslim theologians (mutakallimūn) denied completely the existence of time, and affirmed the thesis of the world’s beginning. Fakhr al–Din al–Râzî as a disciple of Ashʿarite school, who was influenced by Avicenna’s Philosophy, criticized both, philosophical and theological conceptions of time. So he refused to deny the existence of time, and Aristotle’s theory which defines time as a kind of number, or something dependent on change. In this study we will discuss how and why he refutes these two conceptions concerning the essence of time.

الكلمات المفتاحية:
  • الزمان
  • الآن
  • فخر الدين الرازي
  • المشّاؤون
Keywords:
  • Time
  • Now
  • Fakhr al-Din al-Râzî
  • Peripatetics

Fakhr al–Din al–Râzî’s Critique

of Peripatetics and the Mutakallimun’s

Conception of Time

فإنه اكتسب عند المتكلمين والفلاسفة المسلمين في العصر الوسيط أهميةً فلسفيةً أكبر، لصلته

بمبحث الإلهيات؛ إذ اعتمدته غالبية الفلاسفة دليً للبرهنة على قِدَم العالم، في حين أنكر

المتكلمون وجوده من الأساس، حتى لا يصير عائقًا أمام استدلالهم على وجود الله. أما فخر الدين الرازي، فلم يرَ بُدًّا من الاعتراف بوجود الزمان، لكنه فكر في حقيقته بطريقة مغايرة

لتلك التي تبنّاها المشّاؤون. وفي هذه الدراسة سنرى كيف جمع الرازي في تصوّره الزمان بين

الاعتراف بوجوده والقول بحدوث العالم من جهة، وكيف جمع بين الشعور بالزمان والحركة،

من دون أن يُرجِع وجوده إلى الحركة، كما فعل المشّاؤون من جهة أخرى.

مقدمة

أحصى المفسّر والمتكلّم والفيلسوف فخر الدين الرازي (ت. 606 ه/ 1209 م)، خمسة مذاهب

فلسفية كانت متداولةً إلى عصره، في حقيقة الزمان، أهمها مذهب أرسطو وغالبية المشّائين، ثم مذهب الأفلاطونية المحدثة، ثم مذهب أبي البركات البغدادي، ثم مذهب المتكلّمين. غير أن المذهبين الأول والأخير، استأثرا بالقسط الأكبر من السجال بشأن مفهوم الزمان؛ أي مذهب المُتكلّمين

المنكرين أصلً لوجود الزمان، ربما درءًا من جانبهم لما يمكن أن يلزم عن الإقرار بوجوده من القول

بقِدَم العالم من جهة، ومن جهة أخرى مذهب الفلاسفة المشّائين، الفارابي (ت. 339 ه/ 950 م) وابن

سينا (ت. 427 ه/ 1037 م) اللذين تابعا أرسطو في مذهبه في مفهوم الزمان وقِدَمه، واتّخذا من قِدَم

الزمان دليلً على قِدَم العالم، وأداةً للرد على مذهب المُتكلّمين. وبسببٍ من انتمائه إلى الكلام المتأخر، وانفتاحه على الفلسفة عمومًا، وفلسفة ابن سينا خصوصًا، وميله إلى خلط الكلام بالفلسفة، انتبه الرازي إلى خطورة مفهوم الزمان وأهميته في المطالب الإلهية، فخصّه بقسط وافر من النظر؛ إذ لم يستكن إلى التصوّر الكلامي السابق له الذي أعفى نفسه من البحث

في ماهية الزمان وقِدَمه، بعد أن أنكر وجوده أصلً، فأقرّ الرازي في المقابل بوجود الزمان، واعتبره أمرًا

معلومًا بالضرورة والبداهة التي يدركها كل أحد. لكنه، وإن اعترف بوجوده، رفض في الآن نفسه مسلك

المشّائين الذين اتخذوا من مفهومه دليلً على قِدَمه وقِدَم العالم؛ فلا القول بحدوث العالم يوجب

إنكار وجود الزمان، ولا الاعتراف بوجود الزمان يلزم منه القول بقِدَم العالم في نظر الرازي، ولتحقيق هذه المعادلة، وجد نفسه ملزمًا بإعادة النظر في التصور الكلامي والمشائي للزمان على حد سواء. وهكذا، احتاجت منه مسألة حقيقة الزمان إلى تأمّل ونظر، تقلّب خلالها بين مواقف مختلفة، بحيث يمكن أن نُميّز في تصوّره لحقيقة الزمان بين أربعة مواقف، تتوزّع على أربع مراحل طبعت حياته الفكرية،

تطوّر عبرها تفكيره من السكوت، إلى التوقف، إلى النقد والتشكيك في المواقف الأخرى، وصولً إلى

اكتمال موقفه الخاص؛ ففي المرحلة الأولى التي تتزامن مع كتاب الإشارة في علم الكلام، لا نجد له موقفًا صريحًا على الرغم من أنه كان يتبنّى نظرية الجزء الذي لا يتجزأ. وفي المرحلة الثانية مع كتاب

المباحث المشرقية الذي يُعتبَر أقل كتبه نقدًا لابن سينا وأقربها من مذهبه، اختار التوقف. وفي المرحلة

الثالثة ركّز على إبراز محدودية موقف المتكلمين والفلاسفة المشّائين، وذهب إلى اعتبار الزمان كمًّا

(((ينظر: فخر الدين الرازي، المباحث المشرقية في علم الإلهيات والطبيعيات، ج 1 (طهران: مكتبة الأسدي، 1966)، ص 651؛

فخر الدين الرازي، المطالب العالية من العلم الإلهي: ج 5: في الزمان والمكان، تحقيق أحمد حجازي السقا (بيروت: دار الكتاب العربي، 1987)، ص.51 (((ينظر: فخر الدين الرازي، الإشارة في علم الكلام، تحقيق هاني محمد حامد محمد (القاهرة: المكتبة الأزهرية للتراث؛ الجزيرة للنشر والتوزيع، 2009). ومن المؤشرات التي تدل على الزمن المبكر لهذا الكتاب أن الرازي لم يحل فيه على أي من كتبه الكبيرة

أو المشهورة، خصوصًا المباحث المشرقية أو نهاية العقول؛ كما يتميز الكتاب عمومًا بالبساطة في طريقة التأليف، وفي الأفكار

المعبر عنها، حيث نجد ارتباطًا شديدًا بأبي الحسن الأشعري الذي يصفه الرازي مرارًا ب «شيخنا»؛ كما أن الكتب التي أحال عليها

الرازي هنا يبدو أنها رسائل صغيرة ألفها في بداية حياته، حيث أحال على ما سماه «الكتب البسيطة» في: المرجع نفسه، 166، وعلى «رسالة المعاد»، في: المرجع نفسه، ص.384

منفصلً. أما في المرحلة الأخيرة التي يعكسها كتاباه شرح عيون الحكمة والمطالب العالية، فاستقرّ

على مذهب جديد، متجاوزًا التصوّر المشّائي والكلامي، كما سيأتي توضيحه في الدراسة. زاوج الرازي في هذا الموضوع بين الأسلوب الجدلي الذي توخّى من خلاله تفنيد نظرية المتكلمين المنكرين للزمان، ونظرية المشّائين التي تربط الزمان بالحركة وتعتبره مقدارًا متصلً، والأسلوب البرهاني الذي عمل من خلاله على الاستدلال على استقلال الزمان عن الحركة، وعلى جوهريته ومفارقته للموجودات المتحركة. كيف تطوّر تفكير الرازي في هذا الموضوع من التوقف، إلى التفنيد؟ وما الانتقادات التي وجّهها إلى

المتكلمين والمشّائين على حد سواء؟ وما خلفيات رفضه لمذهب أرسطو ثم الفارابي وابن سينا؟ وكيف جمع بين القول بوجود الزمان وحدوث العالم؟

أولا: استقلال الزمان عن الحركة

يعترف الرازي في كتابالمباحث المشرقية بأنه لم يكوّن بعد تصورًا مؤكدًا في موضوع الزمان، ولذلك

يكتفي بعرض وجهات النظر بصدد وجوده وماهيته، ثم يُعقّب عليها موقفًا موقفًا، عارضًا شكوكه فيها، وسيركز في الأساس على عرض وجهة نظر المتكلمين والفلاسفة ونقدها: «اعلم أني إلى الآن ما وصلت إلى حقيقة الحق في الزمان، فليكن طمعك من هذا الكتاب استقصاء القول فيما يمكن أن يُقال من كل جانب، وأما تكلف الأجوبة الضعيفة تعصبًا لقوم دون قوم، ولمذهب دون مذهب، فذلك مما

لا أفعله في كثير من المواضع وخصوصًا في هذه المسألة». لكن في الكتب اللاحقة ل  المباحث، سيتخلّى الرازي عن موقف التوقف لمصلحة رفض موقف الفلاسفة المشّائين، وسيعمل مع ذلك على بلورة مذهبه الخاص في حقيقة الزمان.

(((الرازي، المباحث المشرقية، ج 1، ص.647 (((مما يدل على أسبقية المباحثللكتب الأخرى التي سيطور فيها الرازي تفكيره حول الزمان، أن هذا الكتاب قد أحال عليه

الرازي في كتابه شرح الإشارات، على أساس أنه يتضمن قولًاستقصائيًا في مباحث معينة، فضلً عن أن الرازي سيعيد النظر في

شرح الإشاراتفي كثير من المواقف التي تبناها في المباحثكما في مسألة ماهية الزمان؛ ينظر: فخر الدين الرازي، شرح الإشارات

والتنبيهات، مقدمة وتصحيح علي رضا نجف زاده، ج 2 (طهران: دانشگاه تهران، 2005)، ص 166، 267. أما كتاب المطالب العالية وخصوصًا الجزء الخامس منه الذي فرغ من تأليفه سنة 606 ه فتاريخه المدون فيه يؤكد انتماءه إلى المرحلة المتأخرة؛ ينظر: فخر

الدين الرازي، المطالب العالية، ج 5 ص، 185. وكذلك الأمر في شرح عيون الحكمة الذي يبدو أنه متزامن أو لاحق للمطالبحيث

أحال في الجزء الثالث منه إلى كتاب المطالب؛ ينظر: فخر الدين الرازي، شرح عيون الحكمة، ج 2 (طهران: مؤسسة الصادق للطباعة والنشر، 1995)، ص.100 (((أشار محمد صالح الزركان إلى تطور مذهب الرازي بصدد ماهية الزمان، ومال إلى التمييز بين ثلاثة مواقف تدرج فيها الرازي،

أولها التوقف الذي عبر عنه في المباحث، وثانيها الانحياز إلى موقف المتكلمين، وعبّر عنه في الملخصفي الحكمة، وثالثها اختيار

مذهب أفلاطون الذي تبناه في المطالب وشرح عيون الحكمة؛ وقد أغفل الزركان الموقف الذي تبناه الرازي قبل المطالبوالذي

حدد فيه الزمان بوصفه كمًا منفصلً. وإذا أخذنا في الاعتبار ما ذكره الزركان بصدد موقف الرازي في الملخص (كتاب لم ينشر بعد)

الذي ناصر فيه مذهب المتكلمين، يكون الرازي قد طور مذهبه في الزمان عبر أربعة مواقف هي: التوقف، ثم تبني مذهب المتكلمين،

ثم اعتباره كمًّا منفصلً، ثم جوهرًا روحانيًا. ينظر: محمد صالح الزركان، فخر الدين الرازي وآراؤه الكلامية والفلسفية (بيروت: دار

الفكر، 1993)، ص.455

وقد أثنى محمد إقبال (1938–1877) على نظر الرازي في الزمان، واعتبره أكثر علماء الدين الإسلامي اهتمامًا وتعمقًا في مشكلة الزمان، إلا أنه، ربما بسبب عدم اطلاعه على كتب الرازي الأخرى التي طور

فيها مذهبه، واكتفائه ب  المباحث، خرج بخلاصة مفادها أن التوقف كان هو الموقف النهائي للرازي، وحكم عليه بأنه «وجد نفسه عاجزًا عن الوصول إلى نتائج محددة» بصدد حقيقة الزمان. والمثير للانتباه أن إقبال لو اطلع على كتب الرازي الأخرى لوجد له وجهة نظر قريبة مما تبناه هو في كتابه تجديد الفكر الديني في الإسلام، مما سماه وجهة النظر الذاتية التي تعتمد التحليل النفسي لتجربتنا الشعورية في إدراك الزمان، وذلك في مقابل وجهة النظر الموضوعية التي تربط الزمان بالحركة وتتابع الآنات. وهكذا، وعلى غرار الرازي، سينتهي إقبال إلى أن الزمان شيء لامادي مفارق، سابق لتتالي الحركات وتدفق الآنات: «الزمان الحقيقي ليس هو الزمان المتسلسل الذي لا بد فيه من التمييز بين الماضي والحاضر والمستقبل، إنه ديمومة خالصة، أي تغير بلا تعاقب». لكن بعد كتاب المباحث، سيُراجع الرازي موقفَه الرافض للقول بالجزء الذي لا يتجزّأ، وسيعود لإثبات

نظرية الجوهر الفرد التي سبق أن ناصرها في بداية عهده بالتأليف في كتاب الإشارة في علم الكلام، وسيتشبّث بها في سائر كتبه اللاحقة. وسيؤثر هذا التحول في تصوّره لحقيقة الزمان، وسينتقل من

التوقف إلى الحسم في اتجاه رفض تصوّر المشّائين؛ فإذا كان الجسم مكوّنًا من أجزاء غير قابلة للتجزيء،

فإن المسافة بدورها تفقد طابع الاتصال، وتتحوّل إلى مجموعة من الأجزاء المنفصل بعضها عن بعض،

وتبعًا لذلك سيتم تعريف الحركة بأنها حصولات متعاقبة في أحياز مختلفة لا اتصال فيها، كما يفقد الزمان طابع الاتصال ويكف عن أن يكون آنًا سيّالً متصلً: «القول بالجوهر الفرد حق. والدليل عليه أن الحركة

والزمان كل واحد منهما مركّب من أجزاء متعاقبة، كل واحد منها لا يقبل القسمة بحسب الزمان»، ومتى ثبت القول بالجوهر الفرد، امتنع أن يكون الزمان كمًّا متّصلً ومقدّرًا للحركة الدائرية المتصلة.

(((محمد إقبال، تجديد الفكر الديني في الإسلام، ترجمة محمد يوسف عدس، تقديم الشيماء الدمرداش العقالي (القاهرة: دار الكتاب المصري؛ بيروت: دار الكتاب اللبناني، 2011)، ص.129 (((المرجع نفسه، ص.101 (((ينظر: فخر الدين الرازي، كتاب الأربعين في أصول الدين، تحقيق أحمد حجازي السقا (بيروت: دار الجيل، 2004)، ص 248؛ فخر

الدين الرازي، معالم أصول الدين، في: شرف الدين عبد الله بن محمد الفهري المصري (ابن التلمساني)، شرح معالم أصول الدين

للإمام فخر الدين الرازي، تحقيق نزار حمادي (عمان: دار الفتح للدراسات والنشر، 2010)، ص 155؛ فخر الدين الرازي، محصل أفكار

المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين، وبذيله: تلخيص المحصل للعلامة نصير الدين الطوسي، راجعه وقدم له طه

عبد الرؤوف سعد (بيروت: دار الكتاب العربي، 1984)، ص 164؛ الرازي، شرح الإشارات والتنبيهات، ج 2، ص.24 والظاهر أن هذه الكتب متأخرة كلها عن المباحث؛ فبالنسبة إلى كتاب الأربعين في أصول الدين، يبدو أن الرازي ألفه في مرحلة

متأخرة من حياته الفكرية، حيث أحال فيه على كثير من كتبه المتأخرة مثل التفسير الكبير، ينظر: الرازي، كتاب الأربعين، ص 286؛

الجوهر الفرد، ينظر: المرجع نفسه، ص 256؛ المحصول في علم الأصول، ينظر: المرجع نفسه، ص 393. أما بالنسبة إلى معالم

أصول الدينفهو كما ذكر ابن أبي أصيبعة آخر كتبه المختصرة، ينظر: موفق الدين بن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء،

ط 3، ج 3 (بيروت: دار الثقافة، 1981)، ص 44. أما كتاب المحصلفيبدو أنه لاحق ل  المباحث، حيث راجع فيه الرازي كثيرًا من

مواقفه كما في مسألتي الزمان والجزء الذي لا يتجزأ. وبصدد الترتيب الزمني لكتب الرازي، ينظر أيضًا: الزركان، ص 62؛

Ayman Shihadeh, The Theological Ethics of Fakhr Al–Din Al–Rasi (Boston: Brill, 2006), p. 5.

(((الرازي، معالم أصول الدين، ص.155

لكن الرازي، قبل الإفصاح عن تصوّره الخاص والنهائي لحقيقة الزمان، مهّد له بعرض ونقد مفصلين

لتصوّر المشّائين الذي يربط الزمان بالحركة في الوجود والإدراك؛ فإنه لا يمكن أن يكون الاعتقاد

أن الزمان كمٌ متصلٌ سيّالٌ، كما ذهب إلى ذلك المشّاؤون، ممكنًا إلّ على فرض صحة مجموعة

من المقدّمات؛ أهمها: امتناع الجزء الذي لا يتجزّأ، وكون الجسم جوهرًا متّصلً، واعتبار المسافة

التي يقطعها الجسم المتحرك متصلة، وكون الحركة بدورها متصلة، ليس فيها أجزاء منفصلة موجودة بالفعل؛ فإن هذه الأمور هي التي سمحت لهم بالقول إن الزمان كمٌ متّصلٌ سيّالٌ قابلٌ للقسمة إلى ما

لانهاية بالقوة لا بالفعل. فالوضعية الوجودية التي يحتلها الزمان عندهم هي أنه يندرج ضمن جنس الموجودات العرضية، وتحديدًا ضمن مقولة الكم المتصل، وضمن أحد أنواعها الذي هو العدد: «الزمان عدد للحركة وعارض عرض للحركة»؛ وارتباط الزمان بالحركة عندهم ليس معناه أنه ينطبع في ذهننا لمناسبة شعورنا بالحركة فحسب، بل معناه أيضًا أنه ما كان له أن يوجد لولا وجود الحركة، لأن «ما يعنيه أرسطو هو أن الزمان خاصية مشتقة، عرض للحركة، ومحمول لا يمكن أن يوجد إلا بها وفيها». في مقابل هذا، يؤكد الرازي أن الزمان لا يتوقف على الحركة في وجوده قطعًا؛ أما على مستوى الشعور، فيرى أننا، وإن اعتدنا أن ندرك الزمان لمناسبة إدراكنا الحركة، يمكننا أن نشعر به باستقلال عن شعورنا بأي حركة. إن مفهوم الحركة يكشف في نظره عن عدم تبعية الزمان للحركة، بل أسبقيته لها على مستوى الوجود، خلافًا لما ذهب إليه أرسطو؛ فقد جعل المعلم الأول الشعور بتتالي آنات الزمان مشروطًا وتابعًا للشعور بتتالي الأوضاع التي يقطعها المتحرك في المسافة، بحيث إن الارتباط بين الزمان والحركة يتم في النفس وفي الوجود على النحو التالي: المدة أو الزمان هي انعكاس لتتالي الآنات، وتتالي الآنات هو انعكاس لتتالي أوضاع المتحرك بالحركة المكانية، وتتالي أوضاع المتحرك هو نتيجة لتتالي الأجزاء المتّصلة للمسافة. والحركة أمر مستقل عن الذات، وليس إدراكها من حيث هي حركة هو الزمان، ولكنها تنتج الزمان عندما تتمثلها الذات من حيث إن فيها التقدم والتأخر، يقول أرسطو: «وإنما نعرف الزمان أيضًا عند تحصيلنا الحركة بأن نحصّلها بالمتقدم والمتأخر؛ وحينئذ

نقول إنه قد كان زمان متى أحسسنا بالمتقدم والمتأخر في الحركة». وبناء عليه، إن تمثلنا للزمان مشتق من تمثّلنا للحركة، ولولا وجود ذات تشعر بالحركات من حيث هي مقدار من الانتقالات

((1(يفترض الرازي أن غالبية المشائين، أرسطو ومن سمّاهم «المعتبرين من أصحابه»، يتبنّون أطروحة واحدة، تنظر إلى الزمان أنه

موجود، عبارة عن كم متّصل سيال، يتحدد بوصفه مقدارًا للحركة الفلكية. بصدد موقف المشائين، ينظر: زينب محمد عفيفي شاكر،

الفلسفة الطبيعية والإلهية عند الفارابي، تصدير عاطف العراقي (الإسكندرية: دار الوفاء، 2002)، ص 155؛ حسام الدين الآلوسي،

الزمان في الفكر الديني والفلسفي وفلسفة العلم (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2005)، ص 135. (1((ينظر: «شرح يحيى بن عدي على السماع الطبيعي لأرسطو»، في: أرسطو، الطبيعة (السماع الطبيعي)، مع شروح: أبو علي الحسن

بن السمح (ت. 418 ه)، ويحيى بن عدي (ت. 364 ه)، وأبو بشر متى بن يونس القنّائي (ت. 328)، وأبو الفرج عبد الله بن الطيب،

.(ت 435)، ج 1، ترجمة إسحاق بن حنين، حققه وقدم له عبد الرحمن بدوي (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2007)، ص.460

(12) Octave Hamelin, Essai sur les éléments principaux de la représentation: Thèse présentée à la Faculté des lettres de l’Université de Paris (Paris: Librairie Félix Algan et Guillaumin Réunies, 1907), p. 53.

(1((أرسطو، الطبيعة (السماع الطبيعي)، ص.419

التي فيها التقدم والتأخر لما شعرنا بالمدة: «فغير ممكن أن يكون الزمان موجودًا إذا لم تكن نفس موجودة»، لأن الزمان هو عدد الحركة، لا العدد الذي يَعدُّ، بل المعدود، والنفس هي التي تَعُدّ، فإن لم يكن العادُّ لم يكن المعدود. لكن هذا الارتباط بين النفس والزمان لا ينحصر في عالم النفس فحسب، ولا يعني أن الزمان مجرد كائن ذهني، لأن أرسطو يستطرد في الحال قائلً: «اللهم إلّ من قبل ذلك الشيء الذي متى كان موجودًا كان الزمان موجودًا من غير أن تكون نفس». وهذا الشيء هو الحركة، فمتى وُجِدت الحركة وُجِد الزمان حتى مع عدم وجود نفس، لأن الحركة يلزمها لذاتها مقدار عددي بسبب وجود التقدم والتأخر والتتالي فيها، وبناء عليه «سيكون للزمان وجودٌ مستقلٌ، في أساسه، عن التحديد العقلي للذهن الذي يَعُدّ». أما بالنسبة إلى الرازي، فالعلاقة بين الزمان والحركة معكوسة، خصوصًا على مستوى وجود الزمان؛ فهو يراهن في الرد على المشّائين بتأكيد أن تتالي آنات الزمان، الذي جعله أرسطو تابعًا للتقدم والتأخر في الحركة، هو في الأصل سابق لهما، وليس لاحقًا؛ بل إن النفس ما رتبت الحركة إلى أوضاع متلاحقة، فيها قبل وبعد، إلا لأنها تمثّلت على نحو قبلي التقدم والتأخر الزمانيّين؛ ومن ثَمّ، ترتيب أجزاء الزمان

هو الذي يسمح بترتيب أوضاع الحركة، وليس العكس. والدليل على هذا في نظره هو تعريف الحركة؛ فالحركة عنده ليست إلّ انتقالَ المتحرك من حيّز إلى حيّز آخر، فيكون حصول الجسم في الحيّز

الثاني واقعًا بعد حصوله في الحيّز الأول، وهذه البعدية ليست إلا البعدية الزمانية، فيكون القبل والبعد،

الزمانيان، سابقين للحركة وللأوضاع المتتالية التي يمر منها المتحرك عند قطعه المسافة، وليس لاحقًا لها، كما ذهب إلى ذلك أرسطو، ويكون الزمان هو الوعاء الذي يحيط قبليًا بالحركات ويُعطيها صفة

القبْلية والبَعدية، ومن دونه كانت ستبقى مجرد انتقالات. فتعاقب الأشياء يعني أنها واقعة في أزمنة

مختلفة متتالية، ومعيّة بعضها لبعض تعني أنها واقعة في زمان واحد، وفي الحالتين كلتيهما، كما

سيذهب إلى ذلك إيمانويل كانط لاحقًا، يتعلّق الأمر بوجود قبْلي للزمان سابق لحركة الموجودات

ومحيط بها، بحيث لا يمكن إدراكها خارج الزمان، لكنْ في الإمكان إدراك هذا الزمان الخالص من

((1(المرجع نفسه. ((1(المرجع نفسه، ص.475 ((1(المرجع نفسه، ص.473

(17) Joseph Moreau, «Le temps selon Aristote (suite et fin),» Revue Philosophique de Louvain , vol. 46, no. 11 (1948), p. 265.

((1(على الرغم من أن الرازي نسب هذا التعريف إلى العقلاء بإطلاق، فإنه لا ينطبق في الحقيقة إلا على من أثبت الجزء الذي لا

يتجزأ، حيث عرّف الرازي الحركة في شرح عيون الحكمة، بأنها «عبارة عن حصولات متعاقبة في أحياز متلاحقة». ينظر: الرازي،

شرح عيون الحكمة، ج 2، ص 41. أما بالنسبة إلى من أثبت الجسم واحدًا في ذاته غير مؤلف من أجزاء لا تتجزأ، وأثبت المسافة

واحدة متّصلة، وقابلة لما لانهاية من الانقسامات بالقوة والوهم لا بالفعل، فلا يُسلّم بهذا التعريف، ولا يُسلّم بإمكان وجود الحركة

مع ثبوت الجزء الذي لا يتجزأ، لأنه، كما يقول ابن سينا: «لا يتألف مما لا ينقسم حركة ولا زمان». ينظر: ابن سينا، الإشارات

والتنبيهات، في: الرازي، شرح الإشارات والتنبيهات، ص 23. ولذلك عرّف الحركة بأنها: «الحركة كمال أول لما بالقوة، من حيث

هو بالقوة. وهو كون الشيء على حال لم يكن قبله ولا بعده فيه»، ينظر: ابن سينا، عيون الحكمة، في: الرازي، شرح عيون الحكمة، ج 2، ص.36

دون إدراك الظواهر التجريبية. وإذا كان كانط يربط وجود هذا الزمان القبْلي بالعقل، ويعتبره إحدى

مقولاته، فإن الرازي يسير في اتجاه إعطائه وجودًا مستقلًّ خارج الذات. الشعور بالحركة، بحسب الرازي، مسبوق أيضًا بالشعور بالزمان ومشروطٌ به، فما لم تشعر النفس بتتالي الآنات، أي بالقبْل والبعد الزمانيين، لن تستطيع أن تشعر بالحركة من حيث هي تعاقب لأوضاع بعضها

قبْل وبعضها بعد؛ فالقبْلية والبَعدية في الحركات مصدرهما القبْلية والبَعدية الزمانية، وليس العكس،

فظهر بهذا أنه «لا تعقل ماهية الحركة إلا بعد تعقّل ماهية المدة والزمان، وأما تعقّل المدة والزمان فإنه غني عن تعقّل ماهية الحركة»، كما ظهر أن الزمان مستقل عن الحركة في الوجود والشعور معًا. كان الرازي واعيًا تاريخ السجال في حقيقة الزمان، خصوصًا بين التيار المشّائي والمتكلمين، وتعامل

مع موقف أرسطو ومن سمّاهم «المعتبرين من أصحابه» باعتباره موقفًا موحّدًا، لكنه ركّز على ابن سينا

وحججه التي أوردها دعمًا للمذهب وردًّا على خصومه، لأن الشيخ الرئيس بالنسبة إلى الرازي لا يمثل

امتدادًا للمشّائية في موضوع الزمان فحسب، بل يُعدُّ أقوى مدافع عنها في بيئة كانت تعرف حضورًا قويًا

لمذاهب أخرى منافسة. وقد ميّز الرازي في حجج ابن سينا التي أوردها في عيون الحكمة، بين تلك

التي ساقها لتأكيد مذهب أرسطو في أن الزمان مقدار الحركة، وتلك التي أجاب بها عن أدلة المتكلّمين التي ساقوها لتفنيد دعوى الفلاسفة بكون الزمان مقدارَ الحركة. فمما احتج به الشيخ على الأمر الأول أن التبدّل الحاصل في الزمان بالقبْل والبَعد ليس مردّه إلى حصول

آنات متعاقبة منفصلة، بل إلى التبدّل الحاصل في الحركة على سبيل التبدل المتصل والمستمر، فوصف الزمان بالتغير يقتضي أن يكون في ذاته وحقيقته متغيّرًا تغيّرًا يستمده من الحركة ذاتها، فصار الزمان

بذلك مقدارًا متّصلً لاحقًا لشيء آخر متصل: «فإذن هذا الشيء المتصل متعلق بالحركة والتغير». يردّ الرازي على هذه الحجة بالقول إن الحكم على الزمان بالقبْلية والبَعدية لا يقتضي حصول التغيّر في

ذات الزمان، بدليل أن بديهة العقل حاكمة على الإله تعالى بأنه مع وقبْل وبَعد الحوادث اليومية، من دون

أن يوجب ذلك وقوع التغيّر في ذاته، ويستشهد بقول ينسبه إلى أفلاطون يدل على أن وصف الزمان بالتغيّر

لا يعني أنه في ذاته متغير: «وهذا هو قول الإمام أفلاطون، فإنه كان يقول: المدة [إن] لم يقع فيها شيء من الحركات والتغيرات لم يحصل فيها إلا الدوام والاستمرار، وذلك هو المُسمّى بالدهر والسرمد. وأما إن

حصلت فيه [فيها] الحركات والتغيرات، فحينئذ يعرض لها قبْليات قبل بَعديات، وبَعديات بعد قبْليات، لا

لأجل وقوع التغير في كمال [ذات] المدة والزمان، بل لأجل التغيّر في ذات الأشياء». كما احتج الشيخ على كون الزمان مقدار الحركة، بالقول إنه مقدار سيّال غير ثابت، ولو كان ثابتًا لكان

زمن بداية الحركة وزمن نهايتها واحدًا، ولكان زمان الطوفان هو هذا الآن، وهو مُحال. ثم لو كان ثابتًا

(1((ينظر: عبد الرحمن بدوي، الزمان الوجودي، ط 3 (بيروت: دار الثقافة، 1973)، ص.104 (2((ينظر: الرازي، المطالب العالية، ج 5، ص.30 (2((الرازي، شرح عيون الحكمة، ج 2، ص.126 ((2(المرجع نفسه، ص.127

لكان زمن الحركتين السريعة والبطيئة المنطلقتين في الآن نفسه واحدًا؛ ولمّا امتنع ذلك، دلّ على أنه مقدار سيّال لشيء متغير هو الحركة، غير أن هذا المقدار يمتاز من المقادير الأخرى بأن المتقدم قد

يكون مع المتأخر في المكان، أما في الزمان، فإن الجزء المتقدم منه لا يكون مع الجزء المتأخر، ولذلك عرّفه بأنه «مقدار الحركة في المتقدم والمتأخر، الذي لا يثبت أحدهما مع الآخر في مقدار المسافة ولا

مقدار المتحرك». ومثلما دافع الشيخ عن مذهب المشّائين بالحجج المؤيدة، نافح عنه في عيون الحكمة بالحجج المُفنّدة لأدلة المتكلّمين القائلين بامتناع أن يكون الزمان مقدار الحركة؛ فمما استدلّ به هؤلاء، أن قالوا إن نسبة الزمان إلى الحركة والسكون على السويّة، بحيث يجوز أن نحكم على زمان سكون الشيء، مثلما يجوز أن نحكم على زمان حركته، فدلّ هذا على أن الزمان ليس مقدار الحركة. فردّ الشيخ على هذه الحجة بأن الزمان يُقدّر الحركة بالذات، ويُقدّر السكون بالعرض، أي إن الساكن لو فرضناه متحركًا لكان لحركته مقدارٌ من الزمان. عقّب الرازي على جواب ابن سينا هذا بالقول إنه لا يصح إلا إذا كان تصوّرنا للزمان موقوفًا على

تصوّرنا للحركة والسكون، ولمّا بَطل ذلك، بَطل جواب ابن سينا. والدليل في نظره على عدم توقف

شعورنا بالزمان على شعورنا بالحركة، أمور: أولها: قدرتنا على إدراك الزمان حتى مع عدم إدراكنا الحركة والسكون، ولو كان الزمان مقدار الحركة، لكان الإنسان لا يشعر به إلا عند الشعور بالحركة، والحال أن في إمكانه أن يشعر به حتى لو افترضنا أنه معزول الإدراك عن الأجسام المتحركة والساكنة كلها؛ ويمثل لذلك بما يلي: «إنا لو فرضنا شخصًا غافلً عن وجود الأفلاك والكواكب وعن طلوعها وغروبها، بأن كان أعمى، وكان جالسًا في بيت مظلم،

وقدّرنا بأنه بالغ في تسكين الحركات بأسرها حتى الطرف والنفس، فإن هذا الإنسان يجد المدة أمرًا

مستمرًا باقيًا، والعلم بذلك ضروري. وهذا يدل على أنه سواء كان حاصلًالحركة أو السكون، فإن

الزمان حاصل. وذلك يقدح في كون الزمان عارضًا من عوارض الحركة». ثانيها: أن الحركة عبارة عن التغير من حال إلى حال، وما لم يعقل الإنسان مسبقًا زمانين، يحصل في أوّلهما الحال المنتقَل عنها، وفي الثاني الحال المنتقَل إليها، فلن يدرك الحركة أصلً، فتعقّل الحركة موقوف على تعقّل الزمان، وليس العكس. ثالثها: أن العقل يحكم أن الحركة والسكون في حاجتهما إلى الزمان متساويان، ولا يجد أن تقدير السكون بالزمان تابع ومتوقف على كون الحركة متقدّرة به، كما ذهب إلى ذلك المشّاؤون.

((2(المرجع نفسه، ص.132 ((2(المرجع نفسه، ص.139 ((2(المرجع نفسه. ((2(المرجع نفسه، ص.140–139

ومما استدل به المتكلّمون للاستدلال على امتناع أن يكون الزمان مقدارَ الحركة، أن قالوا لو كان الزمان كذلك، لكانت الساعة الواحدة التي نحن فيها ساعات كثيرة، وليست ساعة واحدة، فتتداخل الأزمنة، وهو مُحال؛ وذلك لأن مقدار الحركة في نظرهم ليس شيئًا زائدًا عليها، مباينًا لها أصلً، بل هو الحركة نفسها واستمرارها ودوامها، ولما لم يكن هذا الدوام أمرًا وجوديًا، امتنع أن يكون لكميته ومقداره وجود؛

وإلا فإنه لو كان المقدار وجوديًا لكان لكل حركة مخصوصة مقدار مخصوص وزمان مخصوص، تقتضيه بحكم ماهيتها، فتتعدد الأزمنة بتعدّد الحركات، فتحتاج تلك الأزمنة إلى زمان آخر يُحيط بها ويُوحّدها، وهذا الزمان يفتقر مع تلك الأزمنة الأخرى إلى زمان آخر، فتتعدّد الأزمنة إلى ما لانهاية، وهو

مُحال، لعلمنا بداهة بوجود زمان واحد يحيط بالحركات كلها، على الرغم من تعدّدها. وقد أجاب ابن سينا عن هذه الحجة بالقول إن الزمان على الرغم من أنه مقياس لكل حركة، فإنه لا يلزم أن يكون لكل حركة زمانٌ يخصّها، لأن الزمان ليس عارضًا لكل حركة، بل لحركة واحدة هي حركة الفلك الأعظم؛ فإن الجسم الفاعل بحركته للزمان يقدر هذه الحركة، ويُقدّر بواسطتها ما دونها من الحركات لمطابقتها لها، فالزمان وإن كان يُقدّر سائر الحركات، ليس تابعًا ولا هيئة إلا لحركة واحدة

هي مصدر وحدته. وقد استعاد في عيون الحكمة مثال الخشبة الذي ذكره يحيى بن عدي لشرح مفارقة وحدة الزمان في مقابل شموله الحركات كلها. وصف الرازي جواب الشيخ بالضعيف؛ ودليل ضعفه هو أن حركة معيّنة إن اقتضت الزمان من حيث

إنها حركة، فقد وجب في كل حركة أن تقتضي زمانها الخاص، لاستواء سائر الحركات في الماهية، وتبعًا لذلك، امتنع أن يُقال إن الزمان عارضٌ لحركة معيّنة بالذات، وللباقي بالتبع. كما يرى أن مثال

الخشبة حجة على المشّائين، لأن المقدار القائم بالخشبة الذي هو الذراع، مغاير للمقدار القائم بالجسم المذروع؛ ولما كان لكل جسم مقداره الخاص، وحركته الخاصة، كان لكل حركة مقدارٌ على حدة؛ ثم لما كان الزمان مقدار الحركة، لزم منه تعدّد الأزمنة بتعدّد الحركات. فالمقياس في نظر الرازي يجب أن يكون مستقلً ومغايرًا للأشياء كلها التي يقيسها حتى يكون واحدًا؛ يضاف إلى هذا أن الرازي

لا يوافق المشّائين أصلً في أن مقدار الحركة صفة زائدة عليها، بل هو عنده عين دوامها واستمرارها.

((2(المرجع نفسه، ص.140 ((2(المرجع نفسه، ص 135؛ أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا، الشفاء: الطبيعيات، ج 1: السماع الطبيعي، تصدير ومراجعة إبراهيم مذكور، تحقيق سعيد زايد (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1983)، ص 169–168. وشرح يحيى بن عدي من قبل كيف أنه على الرغم من تعدّد الحركات، فإن الزمان هو عدد حركة واحدة بعينها دون غيرها من الحركات، بالقول إنه غير ممتنع أن

يَعُد الشيء الواحد الأشياء المختلفة التي تدخل في الجنس نفسه، مثلما يَعدُّ مكيال واحد بعينه أشياء مختلفة، كالماء والشراب

وغيرهما؛ وإنه لما كان الزمان عددًا، والعدد يُعد بشيء من جنسه، مثلما تُعد الأفراس العشرة بفرس وهو جزء منها، وتعد الخشبة

بذراع وهو جزء منها، يقدّرها ويقدّر بعد ذلك غيرها من الأطوال، فكذلك يُعَد الزمان بأسرع الحركات وأصغرها، يقدّرها ويُتخذ بعد

ذلك مقياسًا لتقدير الحركات الأخرى؛ فإنه «لما كان الذي به يُعَدُ يجب أن يكون أصغر الأشياء وأعرفها، وجب أن يكون الذي يَعُد

الزمان هو الحركة التي للكرات الثابتة، فإنها تَعُد اليوم، وباليوم وتضعيفه يُعَدُ الأسبوع، وبالأسبوع يُعد الشهر، وبالشهر تُعد السنة،

فيُعد حينئذ الزمان بالزمان. وقسمنا الزمان الذي تعده كرة الملوكية بأربع وعشرين ساعة. ويمكن قسمة الإصبع إلى غير غاية في

الصغر، وكذلك يمكن قسمة الساعات»، ورد في: أرسطو، (الطبيعة) السماع الطبيعي، ج 1، ص 479، 483. (2((الرازي، شرح عيون الحكمة، ج 2، ص.142

كما احتج المتكلّمون على امتناع أن يكون الزمان مقدار الحركة، بأن قالوا لو كان للحركة مقدارٌ، لكان

موجودًا في الحاضر، لأن الماضي والمستقبل معدومان، غير أن الحاضر ليس فيه إلّ الآن، الأمر الذي يلزم منه أن يصير الزمان مركبًا من آنات متتالية؛ الشيء الذي لا يقول به المشّاؤون، فبطل أن يكون

الزمان مقدار الحركة. وقد أجاب ابن سينا عن هذه الحجة بقوله إن الزمان لا يقبل الانقسام الفعلي أصلً، والآن ليس جزءًا من الزمان، بل مبدأ له، مثلما أن العدد مبدأ للزوج والفرد ومغاير لهما؛ فبحركة

الآن وسيلانه يحصل الزمان وينقسم إلى الماضي والحاضر والمستقبل، لكن من دون أن تمسَّ القسمة

بنية الزمان ووحدته واتصاله في ذاته. وصف الرازي جواب الشيخ هذا بأنه بدوره بالغ الضعف، لأنه باعترافه بوجود الزمان يلزمه إما ردّه إلى تتالٍ لمجموعة من الآنات، كل واحد منها غير منقسم، وإما التسليم بعدم انقسام الآن، وباستقلاله في الوجود عن الحركة، بأنه يفعل مع ذلك الزمان؛ فيكون هذا في نظر الرازي رجوعًا إلى مذهب أفلاطون عينه. ممّا احتجّ به المتكلمون أيضًا على امتناع أن يكون الزمان مقدارَ الحركة، أن قالوا: الله سبحانه يصح

أن يقال إنه موجود مع وقبل وبعد كل حادث، مع أن ذاته منزّهة عن الحركة والتغير؛ وكذلك العقول المفارقة على مذهب المشّائين موجودة مع الباري أزلً وأبدًا مع أنها مُنزّهة عن التغير. فدل ذلك على

أن القبْلية والبَعدية الزمانيتين لا تتوقفان على الحركة والموجودات المتحركة. وقد أجاب ابن سينا عن

هذه الحجة بالقول إن معيّة المتغير مع المتغير تكون بالزمان، ومعيّة الثابت مع المتغير بالدهر، ومعيّة

الثابت مع الثابت بالسرمد. يرد عليه الرازي بأنه من العادي أن نتجادل في مدى ارتباط الزمان بالحركة ما دمنا نستخدم مفاهيم القبْلية

والبَعدية والمَعية للحديث عن زمان الموجودات المتحركة، أما وقد رأينا ثبوت هذه التصورات، حيث

لا حركة، علمنا أن ثبوت هذه الأشياء غير متعلق بالزمان بالمفهوم المشّائي بوصفه مقدارًا للحركة. ثم

يضيف، لو كان الدهر غير موجود في الخارج، بل مجرد اعتبار للثابت مع المتغير، لبطل القول بالزمان، لأنه مثلما جاز أن تكون معيّة الثابت للمتغير لأجل أمر غير موجود، جاز أيضًا أن تكون معيّة المتغير

للمتغير لأمر غير موجود. من خلال هذا النقاش الذي دار بين ابن سينا المدافع عن أطروحة المشّائين والمتكلمين المفنّدين لها، يسجل الرازي قوة ردود المتكلمين وتهافت أجوبة الشيخ عليهم؛ الأمر الذي يعني في نظره تهافت دعوى المشّائين.

((3(المرجع نفسه، ص.144 ((3(بناء على أن الزمان هو مقدار للحركة، فإنه ينطبق في الأصل على الأجسام المتحركة، ويقيس مدة حركتها أو سكونها، أما غير المادي من الموجودات فلا ينطبق عليها انطباق عرض على جوهر محسوس؛ لكن يمكن مع ذلك قياس مدة استمرارها في الوجود، ولأجل هذا الغرض، استحدث ابن سينا مفهومي الدهر والسرمد، والدهر عنده هو ما تعقله النفس من معنى الامتداد الزماني عند إضافة الموجود اللامادي الدائم الوجود، مثل واجب الوجود والعقول المفارقة، إلى الموجود المتحرك الموجود في الزمان, أما السرمد فهو ما تعقله النفس من معنى الامتداد الزماني عند مقارنة المفارق الخالد، مثل واجب الوجود بالمفارق الخالد كالعقول المفارقة. (3((الرازي، 2، ص 145 شرح عيون الحكمة، ج؛ الرازي، المباحث المشرقية، ص. 645

لم يكتف ابن الخطيب بحجج المتكلمين المذكورة في مسعاه للاستدلال على امتناع كون الزمان مقدارًا للحركة، بل ساق حججًا أخرى خاصة به. وعلى الرغم من أن غالبية الحجج التي أوردها لتعزيز

بداهة وجود الزمان تصلح أيضًا للاستدلال على أن الزمان بحكم طبيعته ليس هو الحركة الفلكية، ولا مقدارها، ولا لاحقًا من لواحقها – حيث أكد هناك أن العلم بوجود الزمان أوّلي وسابق للعلم بحركة

الجسم وسائر ما يمكن أن يلحق حركته من أعراض ولواحق، من سرعة وبطء، وقِدَم وحدوث، وتقدّم وتأخّر ومعيّة، وسنين وشهور وساعات – فإنه أورد مجموعة من الأدلة لتأكيد غيرية الزمان للحركة

وعوارضها واستقلاله عنها. ومما يدل في نظره على أن الزمان ليس الحركة نفسها، ولا عارضًا من عوارضها، ولا لاحقًا من لواحقها، أن العقل بفطرته لا يستبعد أن يفرض الجزء المتقدم من الحركة متأخرًا، والمتأخر متقدّمًا، في ما لو صار

الفلك متحركًا من المغرب إلى المشرق؛ أما الجزء المتقدّم من الزمان، فإن العقل بفطرته يستحيل أن يفرضه متأخرًا، أو يفرض المتأخر متقدّمًا، فترتيب أجزاء الزمان إلى قبل وبعد في نظره نابع من الزمان

ذاته، وليس من انقسام الحركة إلى قبل وبعد. كما أن القول إن الزمان مقدار الحركة لا معنى له في تقديره، إلّ أن الزمان مقدار دوام الحركة، ولمّا كان

دوام الحركة لا وجود له في الأعيان، وليس بشيء زائد عليها، فمقدار هذا الدوام الذي هو الزمان أولى ألا يكون له وجودٌ في الأعيان أيضًا. كما أن الزمان لو كان مقدار الحركة، لكان لكل حركة فلكية زمانٌ خاصٌ بها، فتتعدد الأزمنة، ولن تكون

حركة أعظم الدوائر الفلكية أَولى من غيرها من الحركات الفلكية الموازية لها في اتخاذها معيارًا لتقدير

الزمان، كما ذهب إلى ذلك المشّاؤون؛ وتعدّد الأزمنة سيلزم عنه تداخلها، فلا يكون هذا اليوم يومًا

واحدًا، بل أيامًا كثيرة؛ ولما كان هذا الأمر مُحالً، وكان الزمان واحدًا لا يتأثر سيلانه بكثرة الحركات

واختلافها، فقد استحال أن يكون مقدارًا للحركة أو لاحقًا لها؛ فإن وحدة الزمان في مقابل تعدّد

الحركات الفلكية لا يمكن تفسيره، بحسب الرازي، إلا بغيرية الزمان للحركة واستقلاله عنها: «فالعقل حكم بأن تلك الحركات بأسرها واقعة في زمان واحد، وإن ذلك الزمان ظرف لها بأسرها، ووعاء لها بأسرها، وذلك يوجب القطع بأن الزمان مغاير للحركة». حتى لو سلّمنا مع المشّائين أن وحدة الزمان تعود إلى ارتباطه بحركة فلكية واحدة هي الحركة الدائرية المتصلة التي لفلك الكواكب الثابتة، يقدّرها ويقدّر بواسطتها ما دونها من حركات الأفلاك الموازية له، كما يقدّر سائر حركات عالم الكون والفساد، فإن الرازي، بسبب من أشعريته، منطلقًا من التسليم بالخلاء وبالفاعل المختار القادر على أن يخلق عوالم متعددة، لا يرى مانعًا في حكم العقل من افتراض عوالم كثيرة في الخلاء اللامتناهي، بحيث

(3((الرازي، المطالب العالية، ج 5، ص.28 (3((أثبت الرازي الخلاء في كتبه اللاحقة ل  المباحث، وتبنّى أولً موقف المتكلمين الذي يعتبر الخلاء بُعدًا افتراضيًا وأمرًا عدميًا.

ينظر: الرازي، 191 محصل أفكار، ص؛ الرازي، 268 كتاب الأربعين، ص. ولاحقًا في شرح عيون الحكمة والمطالب العالية، تبنّى،

بدلً من تصوّر المتكلمين، ما اعتبره مذهب أفلاطون في الخلاء، أي اعتبار الخلاء مقدارًا وجوديًا، له أبعاد في الطول والعرض

والارتفاع، قابل لأن يشار إليه بالحس، ينظر: الرازي، 2، ص 86 شرح عيون الحكمة، ج؛ الرازي، المطالب العالية، ج 5، ص.115

يكون كل واحد منها خارجًا عن غيره، فيكون حينئذ لكل عالم حركة خاصة به من دون أن تكون إحداها

تابعة للأخرى، فيلزم عندئذٍ تعدّد الأزمنة. في هذه الحال، إن ما يمنع من تعدّد الأزمنة، على الرغم من تعدّد الحركات في نظر الرازي، ليس هو وجود حركة مرجعية واحدة هي الحركة الفلكية التي اتّخذها أرسطو معيارًا لوحدة الزمان، بل هو وحدة الزمان ذاته المستقل أصلً عن سائر الحركات والأسبق لجميعها في الوجود، واتفاق سائر الناس على حركة فلك بعينه مرجعًا موحّدًا لقياس الزمن، ليس لأن هذا الفلك هو الفاعل لهذه الوحدة، بحسب

الرازي، بل لمجرد التواضع والاتفاق، بحكم أن هذا المقياس هو الأكثر تداولً واشتراكًا بين سائر الناس، وإلا فإن في الإمكان اتخاذ أي حركة أو حادث معلوم مرجعًا للزمان، كما هي الحال في أصناف التوقيت التي أشار إليها المتكلمون. فالحركات والحوادث التي يمكن أن يستند إليها الناس لقياس الزمان نسبية متعددة، ولا تقيس منه إلا مظهره المحسوس، بينما هو في ذاته واحد مستقل عنها. ولأن الزمان مستقل عن الحركة في الأعيان، وفي الأذهان أيضًا، أمكننا، بحسب الرازي، تصوّر الزمان

حتى مع انعدام كل حركة وكل متحرك؛ فلو توهّمنا أن الله تعالى أعدم العالم بأفلاكه وكواكبه، وتركه على العدم المحض مدة مديدة إلى وقت الإعادة يوم القيامة، فإن العقل يمكنه مع ذلك أن يتصوّر

ويُقدّر تلك المدة المتوسطة بين الإعدام والإعادة حتى مع عدم العالم، فالزمان إذًا وعاء لكل موجود، متحركًا كان أم غير متحرك، وليس صفة لأي من الموجودات المتحركة. بعد عرض هذه الأدلة يؤكد الرازي استقلالية الزمان وغيريته للحركات كلها، وفي النتيجة، يؤكد محدودية مذهب من يختزل الزمان في الحركة الفلكية، أو في مقدار هذه الحركة: «الزمان والمدة لا يمكن أن يكون عبارة عن الحركة الفلكية، وإذا بطل هذا، بطل أيضًا أن يكون الزمان عبارة عن صفة من صفات تلك الحركة، وحالة من أحوالها. وبهذا يظهر فساد من يقول إنه عبارة عن مقدار حركة فلك معدل النهار». وإذا كان ثبوت الجزء الذي لا يتجزأ يُعدّ في نظر المتكلمين السابقين دليلً على تهافت تصوّر الفلاسفة

لحقيقة الزمان ووجوده، فإن الرازي، وإن شاطرهم هذه المقدمة، لا يُشاطرهم ما رتبوه عليها من إنكار لوجود الزمان؛ فإن ثبوت الزمان عنده أمر بديهي، وحتى إن لم تكن حقيقته هي مقدار الحركة، فلا يلزم من ذلك بالضرورة أنه غير موجود، لاحتمال أن يكون موجودًا بماهية أخرى مُغايِرة. انتبه الرازي إلى أن مُراد المشّائين من ربط الزمان بالحركة والجسم هو إثبات قِدَم العالم، لأنه متى ثبت أن الزمان مقدار الحركة «لزم من قدم الزمان قدم الحركة. ويلزم من قدم الحركة قدم الجسم»؛ وقد تفادى الرازي القول بقِدَم العالم على الرغم من إقراره بوجود الزمان، وتأتّى له ذلك بفضل فصله الزمان

(3((الرازي، المطالب العالية، ج 5، ص.30 ((3(المرجع نفسه، ص.32–31 (3((الرازي، شرح الإشارات والتنبيهات، ج 2، ص.401

عن الحركة، وتقريره الجزء الذي لا يتجزّأ. لذلك نراه قبل الكشف عن حقيقة الزمان، يتصدّى لإثبات

أن الزمان ليس هو الحركة الفلكية ولا مقدارها. وإذا لم يكن الزمان مقدارًا للحركة، وكان مستقلً عنها

ومغايرًا لها، فما حقيقته إذًا؟ وما حقيقة هذا الآن الحاضر الذي ثبت وجوده عند الرازي بداهة، والذي

من خلاله يعرض الزمان نفسه علينا؟

ثانيًا: الزمان والآن

قبل أن يعرض ما يعتبره مذهبه الخاص ويبرهنه، يستمر الرازي في نقده لنظرية المشائين بشأن الزمان وفحصها فحصًا جدليًا تشكيكيًا، لكن هذه المرة من زاوية «الآن»؛ ذلك لأن مفهوم الآن لا ينفصل

عن النظر إلى مفهوم الزمان لدى المذاهب المختلفة، فقد استند إليه المشّاؤون للقول إن الزمان كم متصل سيّال، كما استند إليه المتكلّمون لإبطال وجود الزمان، كما استند إليه الرازي للقول إن الزمان

كمٌ منفصل، وذلك في الكتب اللاحقة لشرح الإشاراتوالسابقة للمطالب وشرح عيون الحكمة. أما

في الكتابين الأخيرين فإنه وإن استمر في رد الزمان إلى الآن، لم يعد يعتبر الآن تجسيدًا لحقيقة الزمان، بل مجرد مظهره الخارجي، أي الزمان كما يعرض نفسه على شعورنا، وإلا فإن ماهية الزمان تكمن في شيء سابق على الآن نفسه، هو ذلك الجوهر الروحاني. ويعتقد ابن الخطيب أن لا بد من الاعتراف بداهة بوجود شيء يكون حاضرًا في الحال هو ذلك الذي

نسميه الآن، وبناء عليه، الإشكال هو، فقط، في طبيعة هذا الشيء الحاضر: هل هو أشبه بنقطة سيّالة

تفعل بسيلانها زمانًا خطّيًا متّصلً، قابلً للقسمة إلى آنات متتالية افتراضيًا، وليس عمليًا، أي مجرد نقطة

اتصال الماضي بالمستقبل من دون أن يكون له وجود فعلي منفصل عن الماضي والحاضر، كما يقول المشّاؤون؟ أم هو عبارة عن آنات منفصلة متعاقبة متقضية، كل واحد منها عبارة عن جزء لا يتجزأ، تفعل بسيلانها زمانًا خطيًا منفصلً، كما يقتضيه مذهب من يعتقد بوجود الزمان والجزء الذي لا يتجزأ؟ أم أن

لا وجود لأجزاء الزمان إلّ في الأذهان، وأن لا وجود للجزء الذي لا يتجزأ إلا في الأجسام، كما ذهب إلى ذلك المشّاؤون؟ وعلى الرغم من أن وجود الآن الحاضر في نظر الرازي أوّلي، وأجلى وأظهر من أن يحتاج إلى برهان،

فإنه يذكر مع ذلك بعض الحجج زيادةً في البيان. من تلك الحجج أنه لما كان الماضي والمستقبل عدمًا محضًا، فلو كان الحاضر معدومًا أيضًا، لما تقرر

الوجود أصلً، ولما وُجد شيء من الأشياء، فالحاضر وعاء للموجودات؛ يشهد على ذلك ما تشاهده

حواسنا من مشاهد حقيقية وما نشعره من مشاعر وجدانية، فلو لم يكن هذا كله حاضرًا، لامتنعت

معاينته. كما أن الماضي والمستقبل، يشهدان بدورهما، لوجود الآن؛ فإن الماضي هو الذي كان حاضرًا، ثم مضى، ولو لم يحضر لامتنع أن يصير ماضيًا، وكذلك الحال في المستقبل. أما عن حقيقة هذا الآن الحاضر وطبيعة السيلان الذي يُحدِ ثه؛ فقد ذهب ابن سينا، متابعًا المشّائين، إلى

((3(بصدد علاقة الزمان بالآن عند الرازي ينظر أيضًا: الزركان، ص.458 (3((الرازي، المطالب العالية، ج 5، ص.48

القول إن هذا الآن الذي يفعل بسيلانه زمانًا خطّيًا عبارة عن كم متصل، بناء على اعتقاده بامتناع الجزء

الذي لا يتجزّأ، وإذًا يُحكَم باتصال الجسم والمسافة والحركة؛ فقال إن الزمان لما كان قابلً للتفاوت والمساواة فهو كم، ولا يمكن أن يكون كمًا منفصلً، وإلا كان مركبًا من آنات متعاقبة متتالية، فتكون

الحركة بدورها مركبة من أمور متتالية، كل واحد منها لا يقبل القسمة، ولو كانت الحركة كذلك لكان الجسم أيضًا مركّبًا من الأجزاء التي لا تتجزأ، ولما امتنع عند المشّائين وجود الجزء الذي لا يتجزأ،

امتنع ما يلزم منه من القول بزمان منفصل، وثبت نقيضه وهو أن الزمان كم متصل. فالآن الحاضر بالنسبة إلى المشّائين هو كالجزء من الزمان، بموجبه ينفصل الزمان إلى ماضٍ ومستقبل، وإلى قبل وبعد، وإلى بداية لزمن جديد ونهاية لزمن ماضٍ، كما يقوم الآن بدور الوصل بين أجزاء الزمان، فهو مثل النقطة في الخط تقسمه إلى جزأين، وفي الوقت نفسه تصل بينهما؛ لكن يبقى الزمان مع ذلك في حقيقته شيئًا واحدًا متّصلً قابلً للانقسام إلى ما لانهاية، بالقوة فحسب، وليس بالفعل، لأن الآن عندهم ليس له وجود فعلي، ولا يقسم الزمان إلى الماضي والحاضر إلا بالوهم، «فالزمان لا يكون له آن بالفعل موجودًا بالقياس إلى نفسه، بل بالقوة». وذلك كأن يتوهم الذهن

وجود آن فاصل، أو يتّخذ طلوع الشمس أو غروبها مبدأً لفصل الزمان إلى ماضٍ ومستقبل، ولكن هذا المبدأ لا يفصل الزمان حقيقة، بل هو أمر إضافي يحصل للزمان في علاقته بالحركات. ولو وجد الآن فعلً للزم من ذلك، بحسب ابن سينا، أن يكون للزمان بداية يسبقها العدم أو نهاية يلحقها العدم، فيكون له قبل وبعد؛ ولكن لأن القبل والبعد يفترضان وجود زمان سابق ولاحق، فقد امتنع وجود قطع في الزمان، كما امتنع وجود عدم سابق أو لاحق لزمان الآن الحاضر وثبت اتصال الزمان. فالزمان أشبه بالخط في اتصاله وامتداده، ولكنه مع ذلك يفارقه من جهة أنه لا يوجد بمجموعه في امتداده أبدًا، بل «لا يوجد منه إلا آن واحد هو الآن الحاضر». ينطوي هذا التصوّر الأرسطي للزمان في علاقته بالآن، على مفارقة بقيت معلّقة منذ أرسطو، ولم

يعثر لها ابن سينا بدوره على جواب شافٍ، بحسب تقدير الرازي؛ إذ كيف يكون الزمان كمًّا متصلً

في شكل آن خطي سيّال، وفي الوقت نفسه لا يوجد منه إلّ الآن الحاضر، ما دام ماضيه ومستقبله

معدومين؟ كيف تتعاقب آنات الزمان على نحو متصل، مع العلم أنه لا يوجد منها إلّ الآن الحاضر المحاط بالعدم؟ ألا يكون الشيء الموجود والمحاط في الوقت نفسه بالعدم من الجهتين، غير تعاقب

(4((«(تصحيح اتجاه الظفرين) فعلّته القريبة اتصال الحركة بالمسافة»، ينظر: ابن سينا، الشفاء، ج 1، ص.169 ((4(لذلك يُعرّف ابن سينا الآن بالقول: «الآن هو ظرف يشترك فيه الماضي والمستقبل من الزمان»، ينظر: أبو علي الحسين بن

عبد الله بن سينا، الحدود، في: عبد الكريم الأعسم (دراسة وتحقيق وتعليق)، المصطلح الفلسفي عند العرب (القاهرة: الهيئة

المصرية العامة للكتاب، 1989 ص)،.297 (4((ابن سينا، 1، ص 161 الشفاء، ج؛ وينظر أيضًا: أرسطو، الطبيعة (السماع الطبيعي)، ج 1، ص.462 (4((ابن سينا، الشفاء، ج 1، ص.160

(44) Moreau, p. 250. (45) Fatemeh Rassi, «Time from the Aristotle’s perspective,» World Scientific News , vol. 6 (2014), p. 48, accessed on 29/5/2019, at: http://bit.ly/36n3a7a

لآنات منفصلة؟ هذا الإشكال دفع الرازي إلى توظيف مذهب الجوهر الفرد لإضفاء الانسجام على بنية الزمان؛ فأكد أن وجود الآن حقيقي، وسيلانه يجري في شكل تعاقب لآنات ينفصل بعضها عن بعض، ويكون كل واحد منها محاطًا بالعدم من الجهتين، فينجم عن ذلك انفصال فعلي في بنية الزمان. والآن الذي يقصده الرازي هو تلك اللحظة التي هي أساس وعينا بالجزء الحاضر من الزمان، وهي لحظة غير قابلة للانقسام إلى أجزاء أصغر، فهي أشبه بجوهر فرد، أي وحدة غير قابلة للانقسام. يشرح هذا الارتباط بين الجوهر الفرد والانفصال في ماهية الزمان بالقول إن الحركة صفة زائدة على ذات الجسم، وهذه الصفة الوجودية لا بد من أن يحصل منها شيء في الآن الحاضر، وإلا لم يوجد لا حاضر ولا ماضٍ ولا مستقبل؛ فلما ثبت أن الماضي كان حاضرًا وهو الآن معدوم، والمستقبل ما لم

يحضر بعد، فإن الماضي والمستقبل معدومان؛ فلا بد من أن يحضر من الحركة شيء ما في الحاضر، وهذا الشيء وجب أن يكون غير منقسم، وإلا لكان جزؤه المتقدم حاصلً في الماضي، ولأن الماضي

معدوم، فلن يكون الحاضر حينئذٍ حاضرًا، ولما كان الحاضر حاضرًا، امتنع أن يكون منقسمًا. فثبت أن

الحركة، سواء في الأين أم في الكيف، مكوّنة من أمور متعاقبة، كل واحد منها غير قابل للقسمة، وتبعًا

لذلك فإن الزمان بدوره مكوّن من آنات متتالية لا يقبل أي منها الانقسام. ثم، يضيف الرازي، لو كان الزمان كمًّا متّصلً لاتصل طرفه الماضي بطرفه المستقبل بوساطة الجزء

الحاضر، وهذا غير ممكن في الزمان لأن قسميه الماضي والمستقبل معدومان، بينما الحد المشترك بينهما الذي هو الآن الحاضر موجود، فلو اتّصلا لقيل إن «أحد المعدومين متصل بالمعدوم الثاني بطرف موجود، وهذا لا يقوله عاقل»؛ فالعدم مكوّن جوهري في بنية الزمان الطبيعي، يحرمه من

الاتصال التام. والموجود بالفعل من الزمان ليس إلا الآن الحاضر الذي لا يقبل القسمة، وهذا الآن يعدم دفعة واحدة، وإلّ كان منقسمًا، ويكون عدمه حاصلً عقب وجوده، وهكذا القول في الآن الثاني

والثالث والرابع... إلخ، فيكون الزمان مؤلفًا من آنات متتالية لا اتصال بينها، كل واحد منها غير منقسم وغير متصل بغيره. وليس لهذه الآنات امتدادٌ، لكنّ لها حضورًا، وليس لآحادها كمٌ، لكن يتشكل من

مجموعها كم هو الزمان؛ ولذلك أكد أن «الزمان كم»، ولما كان الكم إما متصلً وإما منفصلً ذهب إلى أنه كم منفصل «لأن الماضي معدوم والمستقبل معدوم. والآن طرف فيلزم أن يكون أحد المعدومين متصلً بالمعدوم الآخر بطرف موجود، وهو محال. فإذن هو كم منفصل، فيكون مركبًا عن

وحدات متعاقبة». وحتى تشبيه المشّائين للزمان في اتصاله بالخط الواحد الممتد الذي لا يتألف من أجزاء إلّ وهمًا لا فعلً، لا يستقيم أصلً، لوجود اختلاف في البنية بين الخط والزمان، لأن أجزاء

الخط توجد مجتمعة معًا، فأمكن أن توصف في الآن نفسه بأنها قوة لامتناهية الأجزاء، وأنها بالفعل شيء واحد متصل، أما أجزاء الزمان، فليس لمجموعها وجودٌ أصلً، سواء أكان هذا المجموع متصلً

((4(ابن التلمساني، ص.16 (4((الرازي، شرح عيون الحكمة، ج 2، ص.125 (4((الرازي، كتاب الأربعين، ص.249 ((4(المرجع نفسه.

أم منفصلً، بل إن وُجد منها شيء فليس إلا الآن الحاضر، ولا يمكن هذا الآن الذي له وجود بالفعل وليس له امتداد، أن يقبل القسمة الفعلية باعتراف المشّائين أنفسهم، فلا يمكن أن يكون إلا جزءًا لا

يتجزأ، بحسب الرازي. في شرح الإشاراتوظّف الرازي دليلً آخر لإحراج الشيخ، كاشفًا عن وجود مفارقة في تصوّره للزمان؛ فهو، ومعه سائر المشّائين، يجمع داخل الزمان بين الاتصال الدائم والتمايز المستمر، ويؤكد الرازي أن الأجزاء المفترض أن يتركّب منها الزمان، لا بد من أن توجد على أحد نمطين: إما أن تكون متساوية في الماهية، وإن كانت كذلك استحال أن يكون بعضها لذاته متقدمًا على بعض، لأن الأشياء المتساوية

في تمام الماهية متشاركة في اللوازم كلها، فلا يتشكل منها زمان، بل سيكون الآن حينئذٍ أشبه بحضور دائم لا سيلان فيه، ولا تغيّر، ولا تتالي؛ وإما أن يكون كل جزء منها مخالفًا بالماهية لغيره، فيتشكل

من تعاقب هذه الآنات المتمايزة قبل وبعد، أي زمان، وحينئذٍ يكون قد «لزم تركب الزمان من الآنات المتتالية؛ لأن انفصال كل واحد من الأشياء المختلفة بالماهية يكون انفصالً بالفعل، لا بالقوة». ففي مقابل تماثل أجزاء الزمان عند المشّائين، إن كان له أصلً أجزاءٌ فعلية، لأنه في الحقيقة شيء

واحد متّصل عندهم، يطرح الرازي سؤال السر في اختلاف آنات الزمان الذي هو شرط لوجود الزمان وسيلانه وانقسامه إلى متقدم ومتأخر. وهذا السر لا يفسر في نظره إلا بكون الزمان مكونًا من آنات، كل واحد منها هو عبارة عن جزء مخالف بذاته للجزء الآخر. أما القول إن وجود الآن في الزمان افتراضي وبالقوة فقط، ولكنه ينتج مع ذلك زمانًا يتميز فيه القبل والبعد، وينفصل فيه الماضي عن المستقبل، فأمر لا يستقيم، لأنه من مجموع آنات افتراضية غير واقعية لا يمكن أن ينتج زمان فعلي متمفصل إلى ماضٍ وحاضر ومستقبل، وكي يكون الزمان منقسمًا بالفعل إلى قبل وبعد، وماضٍ وحاضر، لا بد من أن يكون الآن موجودًا بالفعل. تكشف هذه الحجة عن رفض الرازي النظرة المشّائية إلى التاريخ باعتباره حركة دائرية متصلة، لامتناهية، لا بداية لها ولا نهاية، ومجرّد تتالٍ لآنات تبدو كما لو أنها تكرار للشيء ذاته، من دون أن تكون له غاية

يتّجه نحوها. أما النظر إلى آنات الزمان من حيث إنها يختلف بعضها عن بعض، كما يؤكد الرازي، فمن

شأنه أن يدخل التطور والتراكم إلى التاريخ، ويجعله عبارة عن تتالٍ لحوادث لا يشبه حاضرها ماضيها، ولا مستقبلها. ولأن كلَّ مجموعٍ لأشياء، يختلف كل واحد منها عن الباقي، يجب أن يكون متناهيًا، فلا

بد من أن يكون الزمان الطبيعي، تبعًا لذلك، متناهيًا؛ ثم، ولأن حوادثه صممت من قبل فاعل مختار،

فلا بد من أن تكون لها نهاية مرتبطة بقصد الصانع تعالى من خلق الإنسان وسائر الموجودات.

(5((الرازي، شرح الإشارات، ج 2، ص.398 ((5(بحسب جوزيف مورو، ما يجعل الآن متميزًا، ولا يبقى هو ذلك الحاضر المتماهي مع ذاته، ويسمح له بجعل آنات الزمان

متمايزًا بعضها من بعض، عند أرسطو، هي الحركة، فبوساطتها يتحدّد تتالي الآنات، وتقسم قبل وبعد؛ فتميز الآن نابع من رتبته، ليس

ضمن سلسلة من الآنات المُعطاة بوصفها آنات متمايزة، لكن الرتبة التي لا تتحدّد إلّ بفضل الأوضاع المتلاحقة التي يقطعها

المتحرك، ينظر:

Moreau, p. 250.

أما كيف يكون هذا الآن المحسوس الذي يعدم ويوجد دفعة، واصلًالحاضر بالماضي والمستقبل، وفاصلً له عنهما، فيوضح الرازي هذا الأمر قائلً، إن الزمان لا بد من أن يحصل فيه طرف بالفعل هو الآن، وهذا الطرف يكون فاصلً لطرفي الزمان بأن يقسمه إلى قسمين: الماضي والمستقبل، فيكون نهايةً للماضي وبدايةً للمستقبل؛ ثم يكون واصلً لهما من حيث إنه يوجب اتصال الماضي بالمستقبل.

ثالثًا: الزمان من حيث هو كم منفصل

في الكتب اللاحقة ل  المباحثوالسابقة ل  شرح عيون الحكمة والمطالبسيحسم الرازي رأيه في اتجاه رفض تصور المشائين والمتكلمين لحقيقة الزمان، وسيميل إلى المقابل إلى اتجاه اعتبار الزمان كمًا

متصلً؛ فإذا لم يكن الزمان مقدارًا للحركة، ولا كمًّا متصلً، ولا آنًا سيّالً سيلانًا متّصلً، فهو، كما

يخلص إلى ذلك في كتاب الأربعين، ومعالم أصول الدين، والتفسير الكبير، كمٌ منفصلٌ مستقلٌ عن

الحركة، في شكل آنات متعاقبة يفصل بين كل آن ولاحقه عدم. واتّخذ الرازي الزمان دليلً على انقسام الحركة إلى حصولات متعاقبة، مثلما اتّخذه دليلً على انقسام الجسم والمسافة إلى الجزء الذي لا يتجزأ، نظرًا إلى انطباق كل جزء من أجزاء الزمان على كل جزء من أجزاء الحركة والمسافة والجسم؛

وذلك لاعتقاده بوجود بنية واحدة منسجمة لعالم الموجودات الطبيعية، تسري على الأجسام، مثلما تسري على الحركات والزمان. وظّف الرازي مقدمات المتكلمين ذاتها لبناء موقف متميز منهم، انتهى به إلى النظر إلى الزمان باعتباره كمًّا منفصلً؛ فإذا كان الجوهر الفرد ثابتًا، وكانت المسافة مؤلفة من أجزاء غير قابلة للتجزيء، وكانت

الحركة عبارة عن حصولات متعاقبة، فيمكن اعتبار الزمان، تبعًا لذلك، آناتٍ متتالية، تنفصل في ما بينها تبعًا لانفصال أجزاء الحركة وأجزاء المسافة، ويكون كل جزء منها غير قابل للقسمة الفعلية والافتراضية، فيكون الزمان بناء على هذا كمًّا منفصلً غير متصل؛ ولا يمكن أن يخرج عن دائرة الكم: «إن الزمان

كم، وهو إما كم منفصل أو متصل، لا جائز أن يكون كمًّا متّصلً [...] فإذن هو كم منفصل، فيكون

مركبًا من وحدات متعاقبة»؛ فالآن هو الجزء الحاضر من الزمان عينه، ومثلما أن الحاضر غير قابل

للقسمة، فكذلك الآن. هذا التصور لزمان غير متصل، المكوّن من آنات موجودة فعلً، وغير قابلة للقسمة، لا فعلً ولا وهمًا،

التي لا يمكن أن تكون لامتناهية، ولا بداية لها، ينسجم أكثر مع أصول المتكلمين العقلية، وعلى رأسها نظرية الجوهر الفرد، كما يتطابق مع ثوابتهم العقدية، وعلى رأسها نظرية حدوث العالم. ولذلك يمكن اعتبار تصوّر الرازي تطويرًا لتفكير المتكلمين بشأن الزمان؛ فلا هو اضطر إلى إنكار وجود

(5((يصرح الرازي في معالم أصول الدينقائلً: «الحركة والزمان، كل واحد منهما مركب من أجزاء متعاقبة، كل واحد منها لا يقبل القسمة بحسب الزمان» ينظر: ابن التلمساني، ص.155 (5((الرازي، 249 كتاب الأربعين في أصول الدين، ص. كما يتبنّى المذهب نفسه في مفاتيح الغيب، حيث يقول: «الزَّمَانُ مُنْقَسِمٌ

لَ محَالةَ مِنْ آنَاتٍ مُتعَاقِبَةٍ»، ينظر: فخر الدين الرازي، تفسير الفخر الرازي الشهير بالتفسير الكبير ومفاتيح الغيب، ج 17، ط 3

(بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1999)، ص 189. أما في شرح الإشاراتفلم يعبر عن رأي صريح خاص به بصدد ماهية الزمان،

وركز على تفنيد موقف ابن سينا؛ ينظر: الرازي، شرح الإشارات، ج 2، ص 398،.403

الزمان بدعوى الدفاع عن حدوث العالم، ولا هو فرّط في أحد أكبر ثوابت المذهب الأشعري بدعوى

الانسجام مع قواعد التفكير الفلسفي في الزمان. فجمع بهذا المجهود الخلّق، ومن منطلق مرجعيته الأشعرية، بين مذهبين متناقضين: إثبات وجود الزمان، والقول بحدوث العالم. حصل التسليم من المشّائين أنه متى ثبت الجزء الذي لا يتجزأ، امتنع أن يكون الزمان كمًّا متّصلً؛

لكن ردّ المتكلمون عليهم بأن الجزء الذي لا يتجزأ حق، فامتنع أن يكون الزمان كمًّا متّصلً، ثم

أضافوا أنه متى امتنع ذلك، امتنع وجود الزمان أصلً، بناء على قاعدتهم: ما لا دليل على ثبوته وجب نفيه؛ أما الرازي، فقال إن الجزء الذي لا يتجزأ حق، والزمان ثابت، وليس بكم متصل، لكنه كمٌ منفصل،

مركّب من آنات متتالية. فإنه يوافق المتكلمين على أن ثبوت الجزء الذي لا يتجزأ يلزم عنه نفي كون الزمان كمًّا متّصلً، لكن لا يلزم عنه، خلافًا لمذهبهم، ألا يكون موجودًا، لأنه يمكن أن يكون موجودًا

على حقيقة مغايرة. المثير لدى الرازي أنه وإن رفض نظرية الفلاسفة، لم يتبنّ نظرية المتكلمين المقابلة لها في الفكر الإسلامي آنذاك، تلك التي تنكر وجود الزمان أصلً، واعتبر وجوده أمرًا بدهيًا لا يحتاج إلى برهان.

فمن المتكلمين من اعتبره مجرد أمر وهمي اعتباري ليس له وجود موضوعي في الخارج، واحتج على ذلك بأنه لو كان موجودًا كما يقول الفلاسفة، لكان الحاضر منه موجودًا، ووجود الحاضر يستلزم وجود الجزء الذي لا يتجزأ، ولما كان الفلاسفة منكرين الجزء الذي لا يتجزأ، ومنكرين وجود الحاضر أصلً، فقد بطل القول بالزمان، وبناء عليه، فإن ما نُدركه منه هو من صنع أوهامنا لا عقولنا. وذهب الفريق الآخر منهم وهم الأشاعرة إلى أن ليس للزمان وجودٌ مستقلٌ عن الحوادث، بل هو نسبة بين الحوادث نفسها من جهة أننا نتّخذ ما نعلمه منها مرجعًا لتقدير ما نجهله منها، كما عندما نجيب من يجهل وقت دخول زيد ويعلم طلوع الشمس، بأنه دخل عند طلوع الشمس، أو نستعمل بدلً من ذلك الحادث الأول لتوقيت الثاني، لنجيب من يجهل طلوع الشمس ويعلم دخول زيد؛ ولذلك عرّفوه بأنه «متجدد

معلوم يُقَدّر به متجدد مبهم». يبدو أن الفريقين معًا طبّقا باستدلالهما ذلك على إنكار الزمان أحد مسالك التدليل المعتمدة لديهما،

ومفادها أن ما لا دليل عليه وجب نفيه، وذلك بناء على اعتمادهما أيضًا قاعدة اطّراد الدلائل وانعكاسها، التي تقضي بأن انتفاء الدليل يؤذن بانتفاء المدلول. وإضافة إلى هذا، فإن أصولهم العقلية تأبى عليهم القول بقديم غير الباري تعالى، سواء أكانت طبيعة هذا القديم عبارة عن زمان هو بمنزلة مقدار لحركة

(5((الرازي، شرح عيون الحكمة، ج 2، ص.101 (5((بصدد موقف المتكلمين من الزمان وردودهم على المشّائين، ينظر مثلً: الشريف علي بن محمد الجرجاني، شرح المواقف

ومعه حاشيتا السيالكوتي والجلبي على شرح المواقف، ضبطه وصحّحه محمود عمر الدمياطي، ج 5 (بيروت: دار الكتب العلمية،

1998)، ص 86؛ سعد الدين التفتازاني، شرح المقاصد، تحقيق عبد الرحمن عميرة، تصدير صالح موسى شرف، ج 2، ط 2 (بيروت:

عالم الكتب، 1998)، ص 181؛ محمد علي التهانوي، كشاف اصطلاحات الفنون، تقديم وإشراف ومراجعة رفيق العجم، تحقيق علي دحروج، نقل النص الفارسي إلى العربية عبد الله الخالدي، الترجمة الأجنبية جورج زيناتي، ج 1 (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 1996)، ص.110 ((5(التهانوي، ص.911

لا بداية لها، كما ذهب إلى ذلك المشاؤون، وذلك لأن انقضاء ما لا نهاية له من الحوادث والآنات محال ببداهة العقل، وتقدير زمان ممتد من الآن إلى ما لانهاية له في اتجاه الماضي هو من عمل الوهم، كما يؤكد الجويني (ت. 478 ه/ 1085)، أم كان في شكل زمان جوهري روحاني قديم، كما ذهب إلى ذلك أبو بكر الرازي الطبيب (ت. نحو 311 ه/ 923 م). كما أن اعتبار الزمان مقدارًا لحركة الجسم، يتنافى عندهم مع أصل آخر قرّروه، ومفاده امتناع حمل العرض على العرض، ووجوب حمل سائر الأعراض على الجسم

مباشرة، والحال أن الزمان عند المشّائين لا يحمل على الجسم مباشرة، بل يحمل عليه بوساطة الحركة. حتى الغزالي (ت. 505 ه/ 1111 م) الذي تجرد في التهافتللرد على دعوى الفلاسفة المستدلين بقدم الزمان ووجوده وطبيعته بوصفه مقدارًا للحركة على قِدَم العالم، ركّز على إنكار كون الزمان

مقدارًا للحركة، وعلى امتناع قِدَمه، واعتبر دعوى وجود زمان هو مقدار لحركة لا بداية لها «من عمل الوهم»؛ وأكد أن القادر المختار تعالى قادر على خلق عالم لم يسبقه زمان، وأن حدوثه لا يتوقف إلا على إرادة الباري و«لا يوجب إثبات زمان ممتد، إلا أن يضيف الوهم بتلبيسه إليه شيئًا آخر». طعن الرازي في نهاية العقولفي مسلك المتكلمين الاستدلالي ذلك، القائم على نفي ما لم يجدوا له دليلً عندهم، كما طعن في انعكاس الدليل أيضًا؛ مؤكدًا أن خطأ دليل الفلاسفة على وجود الزمان أو خطأ تصوّرهم ماهيته ليس دليلً كافيًا للحكم بانتفاء الزمان أصلً، بل قد يكون لدى غيرهم دليلٌ أسدّ

من دليلهم، وتصوّرٌ حقيقيٌ لطبيعة الزمان ووجوده. كما خالف المتكلمين بإدراجه الزمان ضمن مقولة الكم التي أنكر المتكلمون وجودها، بل إنه وظّف مقدّمات المتكلمين، خصوصًا نظرية الجوهر الفرد، كي ينتهي إلى تصوّر مخالف لما أعلنوه؛ فهو ربما

يعتقد أن موقفهم المُنكِر وجود الزمان لم يأتِ نتيجةً مؤسسة على مقدّمات يقينية، بقدر ما كان نتيجة

اعتمادهم مسلكًا جدليًا مرتكزًا على قاعدة انعكاس الدليل، وما يلزم عنها بدورها من رفض لكل ما لا

دليل عليه، وكأنهم سلّموا ضمنيًا للفلاسفة أن الزمان إن كان موجودًا، فلن يكون إلّ كمًّا متّصلً وقديمًا؛

كما قد يكون إنكارهم الزمان محكومًا بالخوف مما قد يلزم عن ثبوته من إلزامات من قبيل قدم العالم، وكون الباري في زمان، الأمر الذي يتنافى وثوابتهم الاعتقادية.

(5((أبو المعالي الجويني، الشامل في أصول الدين، حققه وقدّم له علي سامي النشار وفيصل بدير عون وسهير محمد مختار،

مج 1 (الإسكندرية: منشأة المعارف، 1969)، ص.215 (5((بالنسبة إلى مقالة أبي بكر الرازي الطبيب، ينظر: أبو حاتم الرازي، أعلام النبوة: الرد على «الملحد» أبي بكر الرازي (جنيف: المؤسسة العربية للتحديث الفكري؛ بيروت: دار الساقي، 2003)، ص.25 (5((أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، تهافت الفلاسفة، تحقيق سليمان دنيا، ط 7 (القاهرة: دار المعارف، [د. ت.])، ص.116 ((6(المرجع نفسه، ص.117 (6((فخر الدين الرازي، نهاية العقول في دراية الأصول، تحقيق سعيد عبد اللطيف فودة، ج 1 (بيروت: دار الذخائر، 2015)،

ص 124؛ وينظر أيضًا بالنسبة إلى نقد الرازي قاعدة انعكاس الدليل لدى المتكلمين المتقدمين: محمد الصادقي، «قاعدة اط راد الأدلّة

وانعكاسها بين طريقة المتقدمين وطريقة المتأخرين من المتكلمين»، في: عبد المجيد الصغير [وآخرون]، واقع وآفاق البحث في

تاريخ الفكر في الغرب الإسلامي: مراجعات في الفلسفة والتصوف وأصول الفقه، تنسيق عزيز أبو الشرع، أعمال مهداة إلى المفكر المغربي عبد المجيد الصغير، سلسلة ندوات 1 (القنيطرة: مركز روافد للدراسات والأبحاث، 2018)، ص.264–249

خاتمة

خلص الرازي، إذًا، بعد النقد الدقيق للمشّائين، إلى أن الزمان ليس كمًّا متّصلً، ولا مقدارًا للحركة،

بل مستقل عنها، وأن ارتباطه بالحركة الفلكية، الذي لا يمكن إنكاره، ليس إلّ ارتباطًا شعوريًا وليس

وجوديًا. كما خلص بعد نقد المتكلمين إلى أن الزمان موجود لا يمكن إنكاره، وأن ثبوته لا يلزم عنه مع

ذلك قِدَم العالم، خلافًا لما ذهب إليه الفلاسفة. فإن حدوث العالم عنده يمكن إثباته بإخبار الرسول فحسب من دون الحاجة إلى دليل عقلي، وحينئذ يثبت حدوث العالم بدليل السمع، بغض النظر إن كان الزمان حادثًا أو قديمًا. وعمل على تطوير موقف متقدمي المتكلمين من الزمان في اتجاه

الاعتراف بوجوده، وفي موازاة ذلك، سعى لتبديد توجّسهم مما قد يترتب على القول بوجوده، وذلك

بعد أن فصل مسألة وجود الزمان عن دعوى قِدَم العالم، وبرهن على وجود الله من طريق آخر غير حدوث العالم. وما كان له أن يجمع بين القول بوجود الزمان وحدوث العالم، إلا لأنه ينطلق من تصوّر

لحقيقة الزمان مخالف لتصوّر المشائين، ومن طريقة في إثبات حدوث العالم ووجود الله مغايرة نسبيًا

لطريقة المتكلمين. إذا لم يكن الزمان في نمط وجوده عرضًا، فلم يبق إلّ أن يكون جوهرًا؛ ولما كان الرازي قد رفض تصوّر

الفلاسفة للأجسام من حيث هي مؤلفة من جوهرين: هيولى وصورة، فلم يبق أمامه إلّ أن يستلهم مفهوم الجوهر الفرد للمتكلمين ليحدد طبيعة الزمان كمًّا منفصلً في شكل تتالٍ لآنات منفصلة، كل

واحد منها عبارة عن جزء لا يتجزأ. غير أن هذا التصوّر الذي تبنّاه في المرحلة الثالثة من حياته الفكرية التي تشمل الكتب المؤلفة بعد

المباحث المشرقية وقبل المطالب العالية وشرح عيون الحكمة، قد لا يسلم مع ذلك من الاعتراض؛ ذلك أنه اعتبر الزمان عبارة عن آنات منفصلة وفي الآن نفسه جعله عرضًا، وأدرجه ضمن مقولة الكم. وهذا الأمر قد لا يستقيم مع قواعد الفكر الكلامي والفلسفي على حد سواء، ويثير إشكالً بصدد الوضعية الوجودية لهذا الآن: هل يندرج ضمن الجواهر المفردة، أم ضمن الأعراض؟ فإن كان الزمان كمًّا، فلا بد من أن يكون محمولً على الحركة ومقدارًا لها، أو على الجسم المتحرك مباشرة، لأنه لا

وجود لأعراض بمعزل عن الجوهر الذي تحمل عليه، وسيكون هذا رجوعًا إلى مذهب المشائين نفسه الذي رفضه؛ وإن كان تتاليًا لآنات منفصلة مستقلة عن الحركة والجسم، كل واحد منها عبارة عن جزء

لا يتجزأ، فسيكون حينئذ جوهرًا فردًا، بالمعنى الكلامي للجوهر، وعلى فرض كونه جوهرًا فردًا، فإن

الجوهر الفرد الواحد لا يكون محسوسًا وذا كم إلا إذا ائتلف مع غيره وحملت عليه الأعراض وصار

جسمًا، فكيف يجعل الزمان في الآن نفسه جوهرًا فردًا واحدًا وكمًا؟ وفي الحالات الثلاث هذه امتنع

إذًا أن يكون الزمان لا عرضًا ولا جوهرًا فردًا ولا جسمًا؛ فماذا يكون؟ هذا يعني أن تفكير الرازي في الزمان لن يكتمل إلا بعد حلّ هذا الإشكال؛ وهذا ما سيقدم عليه في المرحلة الأخيرة من حياته الفكرية التي تتزامن مع تأليف كتابي شرح عيون الحكمة والمطالب العالية.

(6((الرازي، نهاية العقول في دراية الأصول، ج 1، ص.142

غير أن الأدوات التي يتيحها كلا المذهبين الكلامي والمشّائي، قد تكون استنفدت عنده أفق تفكيرها في الزمان، ما يعني بالنسبة إليه ضرورة الاستناد إلى مرجعية فكرية جديدة لحل الإشكال المشار إليه، وتقديم تصوّر شمولي ومتماسك لحقيقة الزمان. فما طبيعة هذه المرجعية؟ وكيف سيوظّفها لتجاوز ما

سيعتبره قصورًا في مذهب المتكلمين والمشّائين في الزمان؟ وما طبيعة التصوّر الذي سيستقر عليه في

حقيقة الزمان؟ وإن الإجابة عن هذه التساؤلات تقتضي أن نفرد لها دراسة مستقلة.

References

المراجع

العربية

ابن أبي أصيبعة، موفق الدين. عيون الأنباء في طبقات الأطباء. ط 3. بيروت: دار الثقافة،.1981

ابن سينا، أبو علي الحسين بن عبد الله. الشفاء: الطبيعيات. تصدير ومراجعة إبراهيم مذكور. تحقيق سعيد زايد. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.1983 أرسطو. الطبيعة (السماع الطبيعي)، مع شروح: أبو علي الحسن بن السمح (ت. 418 ه)، ويحيى بن عدي (ت. 364 ه)، وأبو بشر متى بن يونس القنّائي (ت. 328)، وأبو الفرج عبد الله بن الطيب،.(ت 435). ترجمة إسحاق بن حنين. حققه وقدم له عبد الرحمن بدوي. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2007 الأعسم، عبد الأمير (دراسة وتحقيق وتعليق). المصطلح الفلسفي عند العرب. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1989. إقبال، محمد. تجديد الفكر الديني في الإسلام. ترجمة محمد يوسف عدس. تقديم الشيماء الدمرداش العقالي. القاهرة: دار الكتاب المصري؛ بيروت: دار الكتاب اللبناني،.2011 الآلوسي، حسام الدين. الزمان في الفكر الديني والفلسفي وفلسفة العلم. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2005 بدوي، عبد الرحمن. الزمان الوجودي. ط 3. بيروت: دار الثقافة،.1973 التفتازاني، سعد الدين. شرح المقاصد. تحقيق عبد الرحمن عميرة. تصدير صالح موسى شرف. ط. 2 بيروت: عالم الكتب،.1998 التهانوي، محمد علي. كشاف اصطلاحات الفنون. تقديم وإشراف ومراجعة رفيق العجم. تحقيق علي دحروج. نقل النص الفارسي إلى العربية عبد الله الخالدي. الترجمة الأجنبية جورج زيناتي. بيروت: مكتبة لبنان ناشرون،.1996

الجرجاني، الشريف علي بن محمد. شرح المواقف ومعه حاشيتا السيالكوتي والجلبي على شرح المواقف. ضبطه وصحّحه محمود عمر الدمياطي. بيروت: دار الكتب العلمية،.1998 الجويني، أبو المعالي. الشامل في أصول الدين. حقّقه وقدّم له علي سامي النشار وفيصل بدير عون وسهير محمد مختار. الإسكندرية: منشأة المعارف،.1969 الرازي، فخر الدين. المباحث المشرقية في علم الإلهيات والطبيعيات. طهران: مكتبة الأسدي،.1966 ________. محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين، وبذيله: تلخيص المحصل للعلامة نصير الدين الطوسي. راجعه وقدم له طه عبد الرؤوف سعد. بيروت: دار الكتاب العربي،.1984 ________. المطالب العالية من العلم الإلهي. تحقيق أحمد حجازي السقا. بيروت: دار الكتاب العربي،.1987 ________. شرح عيون الحكمة. طهران: مؤسسة الصادق للطباعة والنشر،.1995 ________. تفسير الفخر الرازي الشهير بالتفسير الكبير ومفاتيح الغيب. ط 3. بيروت: دار إحياء التراث العربي،.1999 ________. كتاب الأربعين في أصول الدين. تحقيق أحمد حجازي السقا. بيروت: دار الجيل،.2004 ________. شرح الإشارات والتنبيهات. مقدمة وتصحيح علي رضا نجف زاده. طهران: دانشگاه تهران، 2005. ________. الإشارة في علم الكلام. تحقيق هاني محمد حامد محمد. القاهرة: المكتبة الأزهرية للتراث؛ الجزيرة للنشر والتوزيع،.2009 ________. نهاية العقول في دراية الأصول. تحقيق سعيد عبد اللطيف فودة. بيروت: دار الذخائر،

الرازي، أبو حاتم. أعلام النبوّة: الرد على «الملحد» أبي بكر الرازي. جنيف: المؤسسة العربية للتحديث الفكري؛ بيروت: دار الساقي،.2003 الزركان، محمد صالح. فخر الدين الرازي وآراؤه الكلامية والفلسفية. بيروت: دار الفكر،.1993 شاكر، زينب محمد عفيفي. الفلسفة الطبيعية والإلهية عند الفارابي. تصدير عاطف العراقي. الإسكندرية: دار الوفاء،.2002 الصغير، عبد المجيد [وآخرون]. واقع وآفاق البحث في تاريخ الفكر في الغرب الإسلامي: مراجعات في الفلسفة والتصوف وأصول الفقه. تنسيق عزيز أبو الشرع. أعمال مهداة إلى المفكر المغربي عبد المجيد الصغير. سلسلة ندوات 1. القنيطرة: مركز روافد للدراسات والأبحاث،.2018

الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. تهافت الفلاسفة. تحقيق سليمان دنيا. ط 7. القاهرة: دار المعارف، [د. ت.]. المصري، شرف الدين عبد الله بن محمد الفهري. (ابن التلمساني). شرح معالم أصول الدين للإمام فخر الدين الرازي. تحقيق نزار حمادي. عمان: دار الفتح للدراسات والنشر،.2010

الأجنبية

Hamelin, Octave. Essai sur les éléments principaux de la représentation: Thèse présentée à la Faculté des lettres de l’Université de Paris. Paris: librairie Félix Algan et Guillaumin Réunies, 1907. Moreau, Joseph. «le temps selon Aristote (suite et fin).» Revue Philosophique de Louvain. vol. 46, no. 11 (1948). Rassi, Fatemeh. «Time from the Aristotle’s Perspective.» World Scientific News. vol. 6 (2014). at: http://bit.ly/36n3a7a Shihadeh, Ayman. The Theological Ethics of Fakhr Al–Din Al–Rasi. Boston: Brill, 2006.