العودة إلى تفاصيل المؤلَّف قراءة في كتاب: في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟

قراءة في كتاب: في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟

Book review: What is Salafism?

رائد السمهوري

Raed Al-Samhouri

الملخّص

عنوان الكتاب: في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟ المؤلف: عزمي بشارة. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة/ بيروت. سنة النشر: 2018. عدد الصفحات: 255 صفحة.

Abstract

Book review: What is Salafism?. presents an in-depth examination of the concept of Salafism and the historical context of the term.

الكلمات المفتاحية:
  • السلفية
  • الأصولية
  • التراث
  • المتخيل الاجتماعي
Keywords:
  • Salafism
  • Fundamentalism
  • Social Imagination

رائد السمهوري | * Raed Al–Samhouri *

عنوان الكتاب: المؤلف:

عزمي بشارة. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:

255 صفحة.

في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة/ بيروت.

Researcher, Arab Center for Research and Policy Studies.

مقدمة

الحديث عن السلفية ذو شجون. وهو موطن اهتمام كثير من الكتّاب والمؤلفين

المتابعين، والباحثين عن أجوبة، ولا سيّما في هذا

العصر الذي انتشرت فيه الجماعات التكفيرية، والأطياف السلفية المختلفة التي وصل تباينها إلى حد «التكفير» المتبادل. ولئن كانت معظم المؤلفات الصادرة تقوم على ثقافة «النصوص» و«الاقتباس»، ومحاكمة «الأقوال»، فإن المؤلفات الأقل هي التي تتناول التحليل السياسي الاجتماعي في ضوء من النظر التاريخي، من حيث إن تلك الأفكار والأقوال والآراء ليست إلا بنات التاريخ وحركته، والسياق وتحولاته. وفي هذا السياق، صدر كتاب للمفكر العربي عزمي بشارة، بعنوان في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟ أوضح في مقدّمته السبب في تأليفه؛ إذ حمله على «إعادة طرح السؤال» (أي سؤال: ما السلفية؟) «استخدام المصطلح من دون تدقيق، والفهم التبسيطي الاختزالي له» (ص. 9)، ولأن مصطلح «السلفية»، بحسب ما يرى، «أكثر إثارة للأسئلة النقدية مما يوحيه الاستعمال الشائع اليوم» (ص. 9). معنى هذا أن الكاتب يهدف إلى أن يقدّم نظرة «مختلفة» عن السائد، في تفسير السلفية وفهمها، في كتابه هذا الذي قسمه إلى أربعة فصول، وهذا ما سنكتشفه في هذه القراءة الموجزة.

الفصل الأول: عن السلفية

ينتقد بشارة النظرة السائدة تجاه السلفية، التي تحيلها على «مجموعة أفكار متجانسة، وصلدة متماسكة»، بحسب تعبيره (ص. 9)، غير أن الواقع،

كما يؤكد، أنها «سلفيات» لا سلفية واحدة، وأنها ذات اتجاهات متعددة، ومدارس مختلفة. ولا ينكر بشارة أن من أسباب إعادة طرحه سؤال السلفية من جديد هو ظهور ما يسمّى تنظيم الدولة

الإسلامية «داعش»، الذي يستنكر بشارة عليه كونه مشتقًا من الإسلام ب «ال» التعريف؛ إلا إذا أسقطنا مجموعة تصورات تاريخية وأيديولوجية وأطلقنا عليها لفظة «الإسلام» (ص. 10). وهذا، في رأيي، ملحظ دقيق؛ إذ لا يمكن نسبة أي عقيدة من هذه العقائد التاريخية الناتجة من اجتهاد بشري إلى الإسلام بما هو إسلام، لأن كل تلك العقائد (إلا ما ليس فيه إجماع الأمة كلها) ليست إلا اجتهاد أصحابها. أكّد المؤلف مرارًا أن تلك المجموعات والتيارات

والأحزاب والطوائف ليست إلا معطى تاريخيًا،

خاضعًا لظروف العصور المتتالية وسياقاتها، مبرهنًا على هذا بأن مصطلح «السلفية» (أو «السلفيون») لم يظهر في أدبيات الحنابلة على سبيل المثال إلى القرنين الرابع والخامس الهجريين، إذ كانوا يستعملون تعبير «أهل الحديث»، و«أهل الأثر»، بل ظهر بعد القرن الخامس الهجري (ص. 10). وأزيد هنا على كلامه فأقول: إن مصطلح «السلف» ذاته (وليس مصطلح «السلفية» أو «السلفيون») بدأ ظهوره في مدونات العصر العباسي، ونجده أوّل مرة، في

سياق وجوب الاقتداء والتمثّل، عند مؤلِّف لا يُعَدُّ

محدّثًا ولا فقيهًا ولا حتى متكلمًا، بل هو معدود

في جملة الفلاسفة والمتمنطقة، بل من المتهمين ب «الزندقة»، والمقتولين بسبب ذلك، وهو عبد الله بن المقفّع (ت. 142 ه/ 759 م)، ثم بدأ هذا اللفظ (أعني السلف) يظهر أكثر فأكثر في العقود التي تلت. واللافت أنه مستعمل عند الجاحظ

«المعتزلي» (ت. 255 ه/ 869 م) بوفرة، وهو أقل استعمالً عند الفقهاء (الذين كانوا مدرسة أخرى في مقابل أهل الحديث)، ولا سيما عند أبي عبيد القاسم بن سلّم (ت. 224 ه/ 839 م)، في حين لم يكن حاضرًا البتّة في تراث معاصرهما إمامِ أهل

الحديث أحمد بن حنبل (ت. 241 ه/ 855 م) الذي ينتسب إليه السلفيون، وينتسب إليه أهل الحديث قبلَهم. أما مصطلح «السلفي»، فقد وجدتُ أنه وُجد أوّل

مرة عند العالم الحنبلي ابن الجوزي (ت. 597 ه/ 1200 م) يصف به أحمد بن حنبل، في سياق عتابه لبعض الحنابلة الذين ظلموا إمامهم بإساءة فهم مذهبه حتى نسبهم خصومهم إلى التجسيم والتشبيه، فيقول في مقدّمة كتابه دفع شبهة التشبيه مخاطبًا إخوانه الحنابلة: «لا تدخلوا في مذهب

هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس منه، فلقد كسيتم المذهب شيئًا قبيحًا، حتى صار لا يقال

عن حنبلي إلا مجسّم». يشير بشارة إلى «التسطيح» و«التبسيط» و«الانتقائية»، عبر ثنائية شرق – غرب، في دراسات طائفة من المستشرقين في الحديث عن «السلفية»؛ لأنهم في الغالب يوجهون خطابهم إلى جمهورهم الغربي، ولا يلتفتون إلى ما يكتبه العرب، ولقد انتقل هذا التسطيح إلى بعض المثقفين العرب في تناولهم لهذا الشأن. لكن هذا لم يصرف نظر بشارة عن الإشادة «المعرفية» بالدراسات الاستشراقية «الرصينة» التي لا يمكن جحود عمقها والجهد الموضوعي المبذول فيها، اتفقنا معها أم اختلفنا (ص. 12)

(((عبد الرحمن بن الجوزي، دفع شبهة التشبيه بأكف التنزيه

في الرد على المجسمة والمشبهة، تحقيق محمد زاهد الكوثري (القاهرة: المكتبة الأزهرية للتراث، [د. ت.])، ص.9–8

وفي السياق نفسه (سياق الحديث عن المدارس الاستشراقية «التسطيحية» تحديدًا) يتناول بشارة مصطلح «الأصولية» الذي جرى فيه خلط كبير بين معناه الغربي Fundamentalism، الذي رُميت به الحركات الإسلامية رميًا، ومعناه

«العلمائي» الأصيل في الإسلام، حيث يعبّر عن

علم «أصول الفقه» الذي هو، ببساطة، منهج منطقي ولغوي تأويلي، يُعنى بالأدلة «الكليّة»،

وكيفية ترتيبها واستعمالها لفهم النصوص الدينية؛ فلئن كان المصطلح بمعناه الغربي يعني العودة إلى الأصول في مواجهة الحداثة، فهو في معناه الإسلامي يعني «الاجتهاد» وإعمال العقل (ص 16–15)، أي إن علم أصول الفقه، من حيث الأصل، ليست لديه مشكلة، ابتداءً، مع الحداثة،

فالمسألة كلها تعود إلى «الاجتهاد»، فهناك قواعد تُعنى بالمصالح (ولو على حساب النص أحيانًا)، وقواعد تنظر في الحال والمآل، وغير ذلك (وهي قواعد تنمّ عن جهد عقلي مقدّر وتستحق درسًا

ونظرًا وإثارةً). وفي تطور تاريخي، يقوم على إعادة «التمثّل»، وإعادة «الإنتاج»، ومحاولة «التأصيل»، والعود في أحيان كثيرة إلى «سلف متخيَّل»، يمايز

بشارة بين السلفية، والسلفية الوهابية، وما يتبعها من «سلفيّات»، موضحًا أن «المتخيَّل» لا يعني

بالضرورة «الوهم» بقدر ما يعني «إعادة تركيب المفهوم» أو «إعادة بنائه» (ص. 17). يلفت بشارة الانتباه إلى أن المنتسبين إلى «السلف» يدّعون أن ما هم عليه هو موطن «إجماع» السلف، لكنهم لا يتطرقون إلى معنى «السلف»، ولا إلى تحديد «تاريخهم» على الرغم مما في ذلك من خلاف حقيقي معتبَر، ويكتفون

بالتعميمات المطلقة: «قال السلف، فعل السلف،

وهذا هو منهج السلف» (ص. 18). ويمكن توكيد ما أشار إليه مؤلف الكتاب بالتنبيه على أنه ليس في علم أصول الفقه دليل منهجي يسمّى «فعل

السلف» أو «منهج السلف». نعم، هناك دليل اسمه «الإجماع»، ولكنه يعني في الغالب إجماع «الصحابة» حصرًا، أو إجماع «المجتهدين» في

«كل عصر»، إلا أنه غير مرتبط بمفهوم لا يمكن الإمساك به، اسمه «السلف» يشمل الصحابة والتابعين وتابعيهم، إضافة إلى ما في مفهوم «الإجماع»، من خلاف كبير جدًا، له حظٌّ من النظر، في كتب أصول الفقه، من حيث تعريفه ومفهومه، ومن حيث إمكان وقوعه، ومن حيث شروط وقوعه إن وقع، وغير ذلك. هذا التبسيط أدّى إلى مماهاة «متخيَّلة» بين السلفية

(ولا سيما في نسختها الوهابية)، وحنبلية (تعتمد على أحمد بن حنبل متخيَّل، جعلت منه هو ذاته

حنبليًا) (ص 20–19). ويرافق هذا التبسيطَ التباسٌ

واضح؛ وسبب هذا، كما يرى بشارة، أن لفظة «السلفية» قد تعني عودًا إلى الأصول (بمعناها الإسلامي، طبعًا، القائم على الاجتهاد والتجديد والإصلاح)، وقد تعني، كذلك، حفاظًا على الهويّة (ص. 21) حظيت السلفية (بالمعنى الأوّل) قبولً حتى عند

بعض الليبراليين والعلمانيين، وقد استدلّ مؤلف الكتاب بموقف لطه حسين (1973–1889) وضح فيه تأثره بسلفية محمد عبده)1905–1849((ص. 21)، ويضرب المؤلف مثالً على هذا النفَس الإصلاحي التحرري بسلفية علال الفاسي (–1910 1974) في المغرب، الذي كان يدعو إلى الوطنية والديمقراطية في جملة خطابه الإصلاحي السلفي، غير ضاربٍ الذكر صفحًا عن محمد عبده ورشيد

رضا (1935–1865)، وإن كان الأخير يعد ارتدادًا

جدليًا أشدّ التصاقًا ب «الآثار»، مع إيمانه بالإصلاح

الحركي الطابع؛ ولهذا، ربما، وافق سلفية الوهابية (ص. 25)–22 وعلى الرغم من أن رشيد رضا هو سليل مدرسة «سلفية» تعد إصلاحية منفتحة، فإن النموذج الوهابي الذي أيّده رضا كان أشدّ انغلاقًا، وبعبارة

أخرى «لم يتجاوز المذهبيات الفقهية بل ذوّب

فهمه السلفي للإسلام في مذهبية فقهية – اعتقادية، هي المذهبية الحنبلية المتخيّلة، فتمذهب بدوره

من حيث يدعي تجاوز المذهبيات»، بحسب تعبير المؤلف (ص. 25). ولا يمكن فهم سر إعجاب رشيد رضا بالوهابية، وهو، من دون شك، أوسع أفقًا وأبعد غورًا منها، وله من الأقوال

ما هو بميزان الوهابية بدعة وضلالة؛ فرشيد رضا متسامح مع «تأويل الأسماء والصفات» الإلهية، على طريقة الأشاعرة، مثلً، وهذا ليس مما يتسامح فيه الوهابية، إلا إذا فهمنا موقفه هذا بوصفه سلوكًا سياسيًا في إطار مناهضته للسلطان

عبد الحميد في ذلك الوقت. وقد أصاب بشارة في عدّه الوهابية متمذهبة من حيث تدعي «فقه الدليل» وتجاوز المذهبيات، ولقد سبقه إلى هذا معاصروها في وقتها من مخالفيها، فعدّوها مذهبًا

خامسًا، ولا يزال هذا يردّد حتى اليوم. وإذ قرّر بشارة هذا (أعني إعجاب السلفية

الإصلاحية بالسلفية الوهابية)؛ ميّز بين هذه

«السلفية الوهابية»، و«السلفية الإصلاحية» التي «شكلت قاعدة لنمط التدين الحركي السياسي» بحسب تعبيره (ص. 26). وأشار إلى المفارقة بينهما، بحيث لم تلتفت السلفية الإصلاحية – ذات الأفق الواسع في الاجتهاد – إلى أن الاجتهاد الذي دعت إليه السلفية الوهابية، لم يكن إلا ارتدادًا مجردًا إلى الماضي يعدّ كل

تحديث بدعة وضلالة (ص. 26)، وفي الإمكان الإضافة إلى استنتاج بشارة بأن يقال: إن السلفية الوهابية واجهت بقوّة بعض مظاهر التحديث

كبناء مدارس البنات، والإذاعة، بل حتى وسائل المواصلات كالسيارة والعجلة الهوائية! وهذا، بالطبع، ما لم يكن يخطر ببال السلفية الإصلاحية؛ ذاك أن «روح» السلفية الإصلاحية كانت بالعودة إلى السلف من أجل الاجتهاد والنهوض لا من أجل الانحباس في ماضٍ متخيَّل؛ فالسلف (عند

السلفية الإصلاحية) هم، بحسب تعبير المؤلف، «نقطة انطلاق مرجعية للتقدم، بينما هم عند الوهابية نقطة عودة وانكفاء، وإعادة إنتاج ‘الإسلام الأول الصحيح’ المتخيَّل» (ص. 27) يتساءل بشارة سؤالً يفتح بابًا للتمييز بين تعيّنات

السلفيّة وتعددها: «ما المشترك بين سلفية علال

الفاسي وسلفية مقبل الوادعي؟» (من حيث إن الأول من السلفية الإصلاحية، والثاني من السلفية الوهابية)، ويعيد التساؤل: «ما المشترك بين سلفية الكواكبي والفاسي، وكذلك رشيد رضا من جهة، وسلفية أبي قتادة الفلسطيني وأبي بكر البغدادي زعيم تنظيم الدولة الإسلامية من جهة أخرى؟» (ص. 40). ويجيب: «تعود السلفيتان إلى إسلام نقي مفترض أو متخيَّل، ولكنهما عودتان لا

يجمعهما جامع» (ص. 30) في الحقيقة، إن السلفيتين يجمعهما جامع، فهما تعودان إلى الأفكار ذاتها، والأصول ذاتها، والعلماء أنفسهم. غير أن الفرق، على التحقيق، ليس في «المنهج» الكليّ بما هو منهج جامع

للفرقاء جميعًا، وإنما تختلف السلفيتان في «فهم» المنهج، وفي «تطبيقه» أو – باللغة التراثية – «إنزاله» على الوقائع والمعيّنات. وهذا

هو، في نظري، مربط الفرس في هذا الخلاف

بين السلفيتين إلى درجة تبدو جذرية. فالسلفية الجهادية، والسلفية العلمية، والسلفيّة التي تُدعى

«الجاميّة»، كلها تفهم النصوص الدينية بالمنهج

ذاته، وتعود إلى الفقهاء أنفسهم، غير أن الخلاف يكمن في «تنزيل» الأحكام على «الواقع»، فتبدو مختلفة إلى درجة الاقتتال أحيانًا، لا من أجل الخلاف في المنهج، بل من أجل الخلاف في تنزيل «الأحكام» الكليّة على «المعيَّنات»

الجزئية. يمضي المؤلف في تحليله، ليقرر أن السلفية التي لا ترى مقدسًا إلا الله، تتخلى «عن أحد أهم

مميزاتها وهو رفض تقديس غير الله» (ص. 23)، حين تعود إلى «السلف»، وتجعلهم معيارًا (في ما

لا إجماع فيه). ويكمل تحليله في مواقف السلفية الوهابية من التدين الشعبي، والتعددية، والاختلاف الثقافي، والعلمانية، لينتقل إلى السلفية الإصلاحية التي تهتم بملاءمة الإسلام مع الحداثة، وإزالة عوائق التطور والنهوض (ص. 55)

الفصل الثاني: عن التكفير

يعالج بشارة في هذا الفصل مسألة التكفير عند السلفيين، ويعرّج على مسألة «العذر بالجهل»،

ويبين أن ابن تيمية لم يكن يكفّر الاثني عشرية وإن كان يحكم على أقوالهم بالكفر، وأنه لم يكن يكفّر عوام الإسماعيلية، ويقارن بين قوله وقول أحمد بن حنبل، والخوارج والمرجئة (ص 72–67).

(((من أمثلة ذلك الاقتتال الذي جرى بين جبهة النصرة وداعش، فداعش ترى جبهة النصرة مرتدّين لأنهم لا يقولون

بكفر معيّنين ينخرطون في الديمقراطية أو يطالبون بها. والخلاف

بين الفريقين ليس في أن الديمقراطية كفر، بل في إنزال حكم الكفر على أحزاب أو أفراد معينين يقولون بالديمقراطية أو

ينخرطون فيها، هل هو كافر وإذًا فمن والاه كافر مثله؟ أم هو

معذور بجهله أو تأويله وإذًا فهو ليس بكافر، ومن والاه لا يكون كافرًا مرتدًا لهذا السبب؟ وعلى ذلك يقاس.

لكنه يلاحظ أن بعض الحركات الجهادية التي لا تدّعي تكفير عموم المسلمين، هي تكفّرهم فعلً لأنها «لا تعذر بالجهل»، من حيث كون «الجهل» من موانع التكفير التي يتفق عليها السلفيون (ص. 72). وها هو تنظيم داعش يكفّر عموم الشيعة ولا يعذرهم بالجهل (ص. 72). مع إقرار بشارة أن «أغلبية التيارات السلفية ترى أن التكفير يقع على الأفراد وحدهم لا على المجتمع، وبعد تقديم دليل قطعي على كفر الفرد، وبعد إقامة الحجة عليه ورفع الشبهة» (ص. 72). ولا يفوته هنا أن يستدل بحالة القطبيّ الشهير «صالح سريّة» (1976–1936)،

الذي صرّح أثناء محاكمته بأنه حكم على الدار

(ويعني بها هنا البلاد العربية) «دار حرب»، لكن من دون أن يعني ذلك أن كل فرد فيها هو كافر (ص. 73)–72 ولئن كانت التيارات السلفية تتفق على أن «موانع التكفير يجب أن تطبق على بعض الحالات المعاصرة؛ فعملية التقييم هنا هي بحد ذاتها تتطلب الحكم البشري بحسب كل حالة. لذا، فهي عرضة للتغيير بناء على فهم الفرد للسياق» (ص. 73)، أي إنه لا منجاة حقيقية، ولا موانع تضمن عدم إطلاق بعض أفرادهم وقاداتهم الحكم بالكفر حتى على المجتمعات ما دام الأمر يعود إلى اجتهادات «شخصية» لمن يبرز قائدًا أو شيخًا في تلك التيارات. وهنا، بالفعل، يبدو لنا تنظيم «داعش» مائلً إلى فكر «الخوارج» في تكفير الخصوم بالجملة (كالشيعة مثلً)، مستندًا إلى نقائض الإسلام الشهيرة عند محمد بن عبد الوهاب (–1703 1791)، في حين أن الخوارج أدخلوا القضايا الأخلاقية (المعاصي والكبائر) في صلب نقائض الدين، بخلاف الوهابية و«داعش» الذين اقتصروا

على «العقائد فقط» (ص. 74). والمفارقة الطريفة التي يطرحها بشارة هنا أن «داعش» لم يتوانَ في ارتكاب تلك «الموبقات» الأخلاقية التي تؤدي إلى الكفر عند الخوارج؛ من الغدر والسرقة والكذب والخداع باسم خدمة قضية الإسلام (ص. 74) أضحت أسباب التكفير عند «الحركات التكفيرية» التي نشأت في مصر، في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي ثلاثة أسباب: 1 الحكم. والتشريع بغير ما أنزل الله شرك، لأنهما عبادة لغير الله بإعطائه الحق في التشريع، 2. من آمن ببعض الإسلام وترك جزءًا منه فهو كافر، لأن الإسلام كل

متكامل، 3. الإيمان لا يكفي بل يجب إظهاره والعمل به (ص. 77) يعلّق بشارة على هذا فيقول: «واضح أن الإيمان ذاته، في حالة هذه الحركات، غير مهم، لأنه معلوم لله وحده، ولكن لا يكفي كما يدعون، أن يكون معلومًا لله وحده، بل يجب أن يكون معلومًا لهم،

كي يحكموا هم على إيمان الشخص، ولذلك يريدون هم أن يفعلوا فعل الله، ويدّعوا لأنفسهم هذا الحق، ولذلك يريدون محاكمة الناس في هذا العالم قبل الآخرة» (ص. 77)، أي إنهم يريدون أن يكونوا «قضاة لا دعاة» (ص. 78). ليستنتج بشارة أن هذا يؤدي إلى «تفسير للدين تنعدم فيه الروحانية، وتهمش فيه الأخلاق مع حرية الاختيار، ويهمش فيه عنصر الإيمان، وتصبح المسؤولية الفردية عن الفعل والرأي والعقيدة أمورًا لا معنى لها إطلاقًا،

ويصبح الأمر الأساسي هو إظهار الدين شكليًا،

والتظاهر بالورع والتقوى» (ص. 81)، بخلاف ما لو كان المجتمع حرًا، تضمن فيه حرية الفرد،

فيعلن عن إيمانه لا خوفًا من أحد يقيّم إيمانه، بل

عن اقتناع حقيقي وإرادة حرّة.

وفي سياق الحديث عن المجتمع الحر (الديمقراطي) ينبه المؤلف إلى موقف تلك التيارات الرافض للديمقراطية كل الرفض، من حيث كون الديمقراطية تجعل الشعب، أو أكثريته، هو المشرّع

من دون الله! فليس للشعب حق «تحليل الحرام» و«تحريم الحلال»، حتى لو أجمع الشعب كله على ذلك (ص. 82). كما تجمع تلك التيارات على أنه «لا ولاء للدولة إذا لم تكن إسلامية، حتى لو أظهرت كلمة ‘إسلامية’ في تعريفها الدستوري لذاتها» (ص. 82). بل فوق هذا «تسمح تلك الحركات عمومًا بالتآمر من داخل الدولة والعمل فيها وفي

جيشها إذا تطلب الجهاد ضدها ذلك»، وترى تلك الجماعات نفسها هي «جماعة المسلمين» لا «جماعة من المسلمين (ص. 83) وفي انحدار دراماتيكي للوقوع في التكفير، تنتقل المكفّرات من القضايا التي هي عقدية إلى قضايا غير عقدية، فيجري التكافر المتبادل بين الحركات الجهادية في بيعة «أمير المؤمنين» البغدادي كما جرى على يد داعش في سورية مثلً (ص. 83). لكنّ المؤلف يؤكد أن هذه التصرفات ليست ظواهر ناتجة من النص بقدر ما هي نتاج الظرف التاريخي، الاجتماعي والسياسي، لكنها تدعي تجذير ذاتها في الماضي التاريخي. ويضرب بشارة أمثلة على هذا التأثر بالظرف الاجتماعي السياسي داخل التيارات السلفية ذاتها من حيث الموقف من السلطة التي «لا تطبق شرع الله»، بمحمد ناصر الدين الألباني الذي عارض الخروج على السلطان مهما اشتدّ ظلمه، لكن مع هذا تأثر به جهيمان العتيبي في حادثة الحرم، وتأثر به أبو محمد المقدسي الذي غدا من أبرز منظّري التيار الجهادي، وكذا أبو قتادة الفلسطيني أشد منظّري التيار الجهادي تطرفًا ودموية (ص. 85)

ويُجري بشارة مقارنة بين هذا النوع من السلفية

والسلفية التي سماها «الطهرانية» التي لا تعد نفسها حركة سياسية، بل حركة علمية تربوية، لكنها تميل إلى عدم الاختلاط بغير السلفيين، حمايةً للعقيدة من الفتنة، والتشكيك في الإيمان (ص. 86). هذا التيار الطهراني يعدّ كل من ينتمي إلى تيار سلفي سياسي أنه من «الإخوان المسلمين»، وهذه العقلية، كما يرى بشارة، هي التي تدفع النظام السعودي (الذي يشجع هذا التيار المعرض عن السياسة) إلى اتهام الإخوان ب «تسييس السلفيين»، وبالمسؤولية عن أحداث خطيرة كعملية 11« سبتمبر» (ص. 87)، وأضيف هنا فأقول: وهذا تناقض! فإن الحركة الوهابية لم تكن حركة دعوية فحسب، بل كانت حركة سياسية، استعملت السيف لتأسيس الدولة؛ فهي، إذًا، مسيّسة من دون شك!

الفصل الثالث: السلفية والحركات الإسلامية

بعد أن تناول بشارة نبذة تاريخية موجزة، في صدر هذا الفصل، عن «مراحل» تطوّر السلفية، ابتداء

من الحنبلية، ولا سيّما في القرن الرابع الهجري،

ثم مرحلة ابن تيمية في القرنين السابع والثامن الهجريين، ثم قيام الحركة الوهابية حيث تماهت السلفية بالحنبلية (وهو ما لم يكن في عهد ابن تيمية؛ إذ كان ابن تيمية مجتهدًا مطلقًا يخالف الحنابلة في كثير من المسائل، بل ينتقدهم)، عرج على علاقة السلفية بالحركات الإسلامية المعاصرة (ص. 89) أوضح بشارة أن مصطلح السلفية عُرف في بلاد الشام ومصر، وارتبط ب «الجمعيات والحركات السلفية الدعوية غير المتدخلة تدخلً مباشرًا

في العمل السياسي، العنيف منه والسلمي » (ص. 90)، قبل انتشار المدّ السلفي منطلقًا من الدولة السعودية بقوة النفط والمال والمنزلة الاستراتيجية بسبب الحرمين الشريفين. فعُرفت جمعيات سلفية «ليست حنبلية»، موجّهة إلى

الجماهير داعية إلى نمط معين من التديّن، من

مثل «الجمعية الشرعية»، و«التبليغ والدعوة»، و«الدعوة الإسلامية»، و«أنصار السنة المحمدية»، و«جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية»، وغيرها. ويرى المؤلف أن طائفة من تلك الجمعيات «نشرت ثقافة سلفية»، مقارنة بتدين شعبي كان قائمًا، تعادي أي انفتاح، وتهيئ المجتمع للتصدي

لمظاهر التحديث (ص. 91). في حين أن بعضها كان يخلط السلفية بالتسامح مع الصوفية، ومنها المستكين لطاعة وليّ الأمر، ومنها ما تلقى دعمًا

من حركات دينية سياسية (ص. 91) عُني بعض هذه الجمعيات، في ذلك الوقت، بإعادة طبع أعمال السلفيين الأوائل كابن تيمية وابن القيم وغيرهما في الربع الأول من القرن العشرين، عن طريق «المطبعة السلفية»، أو «المنار» (ص. 92). لكن جمعيات أخرى كالجمعية الشرعية، كانت تخالف ابن تيمية وابن القيم صراحة، وكان رئيسها الشيخ محمود خطاب السبكي مالكيًا أشعريًا (ص. 92) وذكر بشارة أمثلة على تصدي تلك الجمعيات لكثير من الأبحاث الجامعية، وبعض مظاهر التحديث... إلخ، وهي على اختلاف مشاربها تعد «سلفية»، ولها موقف من «التدين الشعبي»، ولا تعود إلى ابن تيمية بالضرورة، وليست حكرًا

على تيار بعينه كالوهابية (ص. 95) ولا يعدم بشارة دليلً على ما يقول، فها هو السبكي،

رئيس الجمعية الشرعية، يؤلف كتابًا بعنوان فتاوى

أئمة المسلمين بقطع لسان المبتدعين، في إشارة واضحة إلى أن «محاربة البدع»، لم تكن وظيفة الوهابيين فقط، في تلك المرحلة. لكن المشترك بين تلك الجمعيات والسلفية الوهابية، هو سعيها لإيجاد «بديل» من التدين الشعبي في إطار سلفي، وإن كان بعض تلك الجمعيات ربما لا يضع جدرانًا حديدية بينه وبين التصوف (ص. 97)، وأضيف هنا أن حسن البنّا (مؤسس جماعة الإخوان المسلمين) لم يكن يترك مناسبة المولد النبوي، وهي بدعة عند الوهابية، لإقامة محاضراته للناس، بهذه المناسبة، وجماعته تقع في تيار السلفية الإصلاحية، وكان هو أول من بادر إلى فكرة «التقريب» بين السنة والشيعة، وهذا مرفوض بتاتًا عند الوهابية. يشير المؤلِّف إلى أن مواجهة «التدين الشعبي»، كانت ركيزة أيضًا من ركائز الوهابية حين انطلقت عمليًا في مشروعها السياسي. ثم بعد أن تحوّل

«هذا الإصلاح النجدي» إلى مؤسسات، ونشأ الاقتصاد الريعي بفعل الثروة النفطية، وارتفاع أسعار النفط «ما لبثت الدعوة أن تطورت مؤسسةً دينية متعايشة مع مظاهر الحداثة (المشوهة كما يجدر القول)» (ص. 100). ها هنا وقع التدين الشعبي حائرًا بين نمطين؛ نمط تمثله مؤسسات

الدولة الرسمية الدينية، وتيار سلفي وهابي غير رسمي متمرد يدعو إلى «الالتزام بمبادئ السلفية الوهابية ‘الأصيلة’» (ص. 100)، إضافة إلى أطياف أخرى ظهرت في إثر هذا الواقع المتغير. لكن، أيُّ طرف في طرفي معادلة «الإسلام صالح

لكل زمان ومكان» يمثّل السلفية الوهابية الحقة، يتساءل بشارة؟ هل الطرف الذي يعتقد بملاءمة الإسلام كلَّ عصر، وقابليته للتطور انطلاقًا من

مبادئه النقية؟ أم النزعة المعاكسة التي تقوم على ملاءمة كل عصر مع «ظاهر النص» الذي يراه هذا الطرف صالحًا لكل عصر؟ فيما يشبه الإجابة عن هذا التساؤل، يرى المؤلف أن «الفرق بين الإصلاح الديني، على الرغم من العنصر السلفي الذي يتضمنه، والإسلام السلفي الحركي المعاصر؛ هو الفرق بين الإيمان بالتقدم والإيمان بأن البشرية تتدهور وتتراجع عن عصر ذهبي خلفته وراءها» (ص. 101)–100 ومع هذا، ينتقد بشارة الاتجاه الذي يرى أن الحركات السلفية المعاصرة اليوم ما هي إلا امتداد فكري «طبيعي» منذ أحمد بن حنبل (241 ه/ 855 م)، ثم ابن تيمية (728 ه/ 1238 م)، مرورًا بمحمد بن

عبد الوهاب، انتهاء إلى سيد قطب (1966–1906) وأبي الأعلى المودودي (1979–1903) ثم القاعدة و«داعش» وغيرهما، معرضًا عن الظروف السياسية التاريخية، والاستعمار، ومشكلة الدولة، والهوية، وغيرها (ص. 106). ليُتبع هذا النقد بشرح تحليلي

لأسباب ظهور تلك الحركات الجهادية والسياسية والتكفيرية في واقعنا المعاصر، وهي أسباب لا تعود إلى نصوص أعلام السلفيين أولئك، بل إلى الظروف السياسية والاجتماعية، ويستغرق منه هذا الشرح صفحات يستعرض فيها، تحليلً وتأريخًا، كيفية ظهور تلك الحركات وتفرعاتها، ربطًا بالواقع المعاصر (ص 120–106). وليستنتج أخيرًا أن

هذه الحركات السلفية كافة، إصلاحية كانت أم جهادية أم غير ذلك، حركات «حديثة»، بمعنى أنها حركات «أيديولوجية» نشأت في «العالم الحديث» ب «آليات التنظيم الحديث»، ونتيجة ضغوط «العالم الحديث» نفسه (ص. 120). ويؤكد هذه النتيجة بقوله: «لا يمكن مثلً فهم بنية نص سيد قطب من دون فهم اغتراب المثقف الشرقي في الحضارة

الغربية، والدولة الحديثة [...] وموقف المثقف الحديث في مواجهة الإذلال في سجون الدولة السلطوية المخابراتية، ونشوء الأيديولوجيات القومية والوطنية الطبقية الموجهة إلى الشعب، ومن دون ملاحظة محاولة محاكاة الماركسية والاشتراكية عمومًا في وضع نظرية شمولية في فهم

المجتمع الرأسمالي الحديث ونقده» (ص. 121) وما عودة تلك الحركات الحديثة إلى كتابات ابن تيمية وابن القيم وغيرهما إلا من باب «التقليد النظري السلفي» (ص. 123)، وهو ما أوضح معناه بشارة سابقًا بأنها رغبة من تلك الحركات في «تجذير» نفسها ماضويًا، واكتساب مستندات

من أقوال علماء سابقين، بهدف «إعادة التمثل والإنتاج». لكن هذا في الحقيقة ما هو إلا عودة إلى «متخيلّات»؛ فأحمد بن حنبل، على سبيل المثال،

لا يمكن أن يكون سندًا لتنظيم الدولة الذي يجيز قتل الأسير، وسرقته، والغدر به، فابن حنبل يرفض ذلك. وأضيفُ أنه لا يمكن أن يكون سندًا في

عديدٍ مما انتقدته الوهابية على مظاهر التدين الشعبي، بل لو أنه بُعِث من جديد لعدّ الوهابيةُ

بعضَ فتاواه «بدعة» و«ضلالة». ويستمر بشارة، إلى نهاية الفصل، في التحليل والتأريخ السياسي والاجتماعي والفكري لظهور الحركات السلفية المعاصرة، مبيِّنًا أنها ليست

امتدادًا طبيعيًا لأفكار العلماء السابقين، بل هي

نتاج تغيرات اجتماعية وسياسية متشعبة، في

(((بيّنت في كتابي «السلف المتخيَّل» كثيرًا مما تخالف فيه

السلفيةُ المعاصرة أقوالَالإمام أحمد بن حنبل، ينظر: رائد

السمهوري، السلف المتخيَّل: مقاربة تاريخية تحليلية في سلف

المحنة، أحمد بن حنبل وأحمد بن حنبل المتخيل (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص.257–256

استحضار لأحداث، ونصوص، وتواريخ، يبرهن فيها على فكرته.

الفصل الرابع: الوهابية في هذا السياق

يقرر المؤلف في هذا الفصل، منذ البدء، أن ابن عبد الوهاب اصطنع أمثولتين: الأولى «المدينة المتخيّلة»، في عصر الرسول (صلى الله عليه

وسلم)، والثانية: المقارنة بين الجاهلية التي سبقت الرسول، وما سمّاه «الجاهلية» في عصره. يستنتج

بشارة أن هذا أشبه ب «ادعاء نبوة» مضمر؛ إذ كان ابن عبد الوهاب يرى أنه يعمل على غرار ما فعل النبي أيام الجاهلية. كما يرى بشارة أن السلفية الحديثة تنطوي على هذا الادعاء ذاته، وإن لم تعلن ذلك صراحة؛ فما دام الدافع إلى الإصلاح هو هذه الجاهلية الفاشية، فلا بدّ من حاجة إلى نبوّة جديدة جهادية تبين الرشد (ص. 153)، ولا

سيّما أن الدعوى مرتبطة بالحق المطلق، وليس

بالاجتهاد المأجور فحسب (الفرقة الناجية أهل الحق). هنا، يلفت بشارة الانتباه إلى أن لفظ الجاهلية في أدبيات ابن عبد الوهاب لم يعُد يأتي، كما كان في أدبيات بعض العلماء، عرَضًا في درَج الكلام،

ولكنه أضحى «مصطلحًا راسخًا»، تؤلَّف فيه

الرسائل الكاملة، وتذكر فيه صفات الجاهلية (في كتابه مسائل الجاهلية، مثلً)، ثم سيأتي سيد قطب بعد هذا ليزيد هذا المصطلح رسوخًا ويصبح من مفاهيمه الأساسية التي يقوم عليها خطابه، ويؤلف أخوه محمد قطب كتابه الشهير جاهلية القرن العشرين، ما يؤكد انطواء تلك الدعوات على «ادعاء نبوة جديدة»، وبناء مجتمع «مؤمن» متخيّل (ص. 145)

ويشير بشارة ببنان التنبيه إلى أن هذا النوع من السلفية يحرص أشد الحرص على إلغاء الوساطات «في التدين الشعبي»، ليحتكر هؤلاء الوساطات في «الاتباع» (أي اتباع تعاليم علماء الدعوة النجدية)، على الرغم من تأكيد الوهابية مبدأ «شرك الطاعة» (ص. 154)، ومع الانفصال عن المجتمع «المسلم»، الذي هو في نظرهم «مجتمع جاهلي»، عن طريق غلوّ الوهابية في

عقيدة «الولاء والبراء»، وترسيخ سيد قطب مبدأ «العزلة الشعورية، والمفاصلة». ذلك الحصر في الاتباع يتطور عند العلماء الرسميين في المملكة السعودية لينشأ ما يمكن أن يسمّى «بارادايم

الطاعة»، بحيث يغدو حتى «انتقاد ولي الأمر» علنًا، حرامًا وخروجًا. كفّر ابن عبد الوهاب خصومه، وعدّ مظاهر «التدين الشعبي» المنتشرة شركًا وكفرًا (في أشياء

كثيرة لا تقتضي التكفير)، وقد عارضه في هذا أبوه وأخوه، فضلً عن العلماء المعاصرين في الشام والحجاز ومصر والأحساء من الحنابلة (التقليديين لا الوهابية) وغيرهم (ص. 156) وفي لفتات مهمّة، ينبه بشارة إلى أن لفظ

الجاهلية، مستعينًا بكلام للمؤرخ الشهير أبي

الحسن المسعودي (346 ه/ 957 م)، ربما يعني انعدام المؤسسات والأعراف التي تنظّم المجتمع، فالجاهلية عند المسعودي تدل على الفوضى وغياب «الملك» أي قيام المجتمع المنظّم بالمؤسسات والأعراف والتقاليد وهو ما كان غالبًا

على مجتمع الجزيرة العربية قبل الإسلام؛ فليست الجاهلية عنده في مقابل الإسلام، بل تعني غياب سلطة مرجعية شاملة يُحتكم إليها (ص. 173) أتاحت مقابلة الجاهلية بالحاكمية المجال لنشوء حركات تكفيرية من رحم الإخوان منذ منتصف

السبعينيات في مصر، وترسّخت فكرة الحاكمية

لدى التيار القطبي داخل جماعة الإخوان، ما اضطرّ المرشد العام حسن الهضيبي وقتها إلى أن

يكتب (أو يكلّف بكتابة) الكتاب الشهير دعاة لا قضاة. كل هذا، كما يرى بشارة، فيه انشداد إلى ابن عبد الوهاب، تطوّر على وفق الظروف السياسية

والاجتماعية، عند جماعات العنف والحاكمية، والذي وجد له في أفغانستان، فيما بعد، مرتعًا خصبًا. نعم، لقد عدّ ابن تيمية، قبل ابن عبد الوهاب، بعض مظاهر التدين الشعبي تلك شركًا (وهي عند الأشاعرة مظاهر مذمومة لكنهم كانوا أشد تحرزًا من وصفها بالشرك)، فلم ينجح، لأنه كان في دمشق، حيث التقاليد والمؤسسات والزوايا، ولم يكن في يد ابن تيمية سيف بل مات سجينًا، لكن ابن عبد الوهاب نجح حيث كان في يده سيف، وحيث لم تكن هناك مؤسسات وتقاليد عميقة (ص. 190). وأضيفُ إلى كلام بشارة أن ابن تيمية هضم فلسفة عصره، وبنى كثيرًا من كتبه على

النقاش الفلسفي العميق، وكتب في نقض المنطق الصوري كما هو معلوم (وهو عمل معرفي فلسفي بامتياز)، لكن ابن عبد الوهاب لم يكن لديه أي عمق البتّة، فكان من الأسهل (ولا سيّما في بيئته

البسيطة) نشر مذهبه، على خلاف ابن تيمية الذي كان عامّة كلامه في كتبه الشهيرة علمائيًا نخبويًا،

(((على سبيل المثال، ذكر ابن كثير، في سياق المديح والثناء، أن الناس في دمشق تبرّكوا بنعش ابن تيمية أثناء جنازته، وأن

بعضهم شرب الماء المتبقّي من غسله على جهة التبرك، ينظر: عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي

الدمشقي، البداية والنهاية، تحقيق عبد الله التركي (الجيزة: هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، 1998)، ج 18، ص –296 297. وهذا النوع من التديّن الشعبي كان ابن تيمية ينهى عنه.

وهو ما يدل على أن ابن تيمية كانت معركته مع «علماء» لا مع «مجتمع»، بخلاف ابن عبد الوهاب، فضلً عن أن ابن تيمية كان يفسح دائرة «العذر بالجهل» إلى درجة واسعة جدًا، حتى إن الذهبي وصفه في ترجمته له بقوله: «ومذهبه توسعة العذر للخلق»، على عكس الوهابية ثم الجماعات الجهادية بعد ذلك التي تخالف ابن تيمية مخالفة صريحة في «توسعة العذر»، بحسب تعبير الذهبي.

خاتمة وتعليق

كان ما سبق عرضًا موجزًا، وقراءة مختصرة لأهم أفكار الكتاب، وأشدّها إثارة للانتباه، وربما يكون هذا الكتاب فاتحة مشروعات بحثية، لدراسة أهم أفكاره في دراسات مستقلة، لأنها تستحق ذلك. ربما تبدو السلفية من حيث «المنهج» و«كيفية الفهم» شيئًا واحدًا؛ فالشيوخ هم الشيوخ، والمصادر هي المصادر، والنصوص هي النصوص، هذا إذا شئنا أن ندرسها بطريقة «الاقتباسات»، المعزولة عن قراءتها سياسيًا واجتماعيًا وتاريخيًا. ومن

هنا يمكننا أن نقول إن السلفية شيء واحد، وما هذا الخلاف القوي (الذي ربما يبلغ حد التكفير فضلً عن التفسيق والتبديع) فيما بينها، إلا نتيجة الخلاف في إنزال القواعد «المتفق» عليها منهجيًا،

على «الأحداث» و«المعيّنات» (وبحسب التعبير

التراثي؛ الخلاف في تحقيق المناط لا تنقيحه). لكنها، في واقعها، أي عبر دراستها سياسيًا

واجتماعيًا، مختلفة أشد الاختلاف، ومتباينة كل

(((يُنظر: محمد بن أحمد الذهبي، «الدرة اليتيمية في السيرة

التيمية»، في: علي بن محمد العمران، تكملة الجامع السيرة

شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون (مكة: دار عالم الفوائد، 1432 ه)، ص.49

التباين، ولها آثار عميقة اجتماعيًا وسياسيًا؛ ربما

يؤدي ذلك إلى تفكك دول، وتغير نمط العيش تغيرًا كبيرًا، وعميقًا، وطويل الأمد. هي، بحسب وجهة النظر الأولى في الدراسة (أعني دراسة «الاقتباسات»)، سلفية واحدة، متعددة الاجتهادات في «تحقيق المناط» فقط؛ ما يوحي ب «بساطة» الخلاف. لكنها، بحسب وجهة النظر الثانية (التي اعتمدها بشارة، وهي في نظري أصدق وأدقّ)، سلفيات حقًا وفعلً، وما ينتج منها أعمق وأوكد وأبعد أثرًا وعمقًا في الحياة اليومية،

وفي سيرورة التاريخ. في وجهة النظر الأولى، تبدو السلفية خطًا واحدًا، على طريقة «وافق فلان فلانًا، وخالف فلان علّنًا»، فيما هو أشبه بتاريخ الأفكار، ومقارنة

المراجع

ابن الجوزي، دفع شبهة التشبيه بأكف التنزيه في الرد على المجسمة والمشبهة. تحقيق محمد زاهد الكوثري. القاهرة: المكتبة الأزهرية للتراث، [د. ت.]. ابن كثير، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي. البداية والنهاية. تحقيق عبد الله التركي. الجيزة: هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان،.1998 السمهوري، رائد. السلف المتخيَّل: مقاربة تاريخية تحليلية في سلف المحنة، أحمد بن حنبل وأحمد

بن حنبل المتخيل. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 العمران، علي بن محمد. تكملة الجامع السيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون. مكة: دار عالم الفوائد،.1432 ه

بعضها ببعض. وفي وجهة النظر الثانية، تظهر السلفية بوصفها مدارس مستقلة، لا تمتّ إحداها إلى الأخرى بصلة، إلا في الظاهر فقط، لكنها، في العمق، تختلف اختلافًا بيّنًا، وتؤثر في الواقع

تأثيرًا لا يستهان به. ومثل هذا النوع من الدراسات الذي يضع الأفكار في التاريخ وهو ما جرى عليه بشارة، هو من أبرز ما ميّز كتابه لأن الطريقة الأولى لا

تعدو أن تكون نقل أقوال ومقارنتها، مع شيء من التأويل والتحليل، فيما هو أشبه بطريقة سلفيّة

علمائية تقليدية، في النظر والفهم، لا أدّعي أنها غير مهمّة، ولكنها لا تخلو من ثغرات لا تجيب عن أسئلة العلاقة بين الفكر والتاريخ، وعن «أسئلة الواقع».

References