فالتر بنيامين مفكرًا معاصرًا وناقدًا تأويليًا مراجعة كتاب: فالتر بنيامين: تراكيب نقدية لـ غريم غيلوتش
Walter Benjamin As a Contemporary Thinker and Interpretative Critic Book Review Walter Benjamin: Critical Constellations by Graeme Gilloch
الملخّص
عنوان الكتاب: فالتر بنيامين: تراكيب نقدية . المؤلف: غريم غيلوتش. المترجم: مريم عيسى. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، سلسلة ترجمان. مكان النشر: الدوحة/ بيروت. سنة النشر: 2019. عدد الصفحات: 416 صفحة.
Abstract
Walter Benjamin Contemporary Thinker and Interpretative Critic Book Review: Walter Benjamin: Critical Constellations By Graeme Gilloch
- فالتر بنيامين
- النقد
- التأويل
- Walter Benjamin
- Interpretative Critic
عنوان الكتاب: فالتر بنيامين: تراكيب نقدية. المؤلف: غريم غيلوتش. المترجم: مريم عيسى. الناشر: مكان النشر: الدوحة/ بيروت. سنة النشر: عدد الصفحات: 416 صفحة.
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، سلسلة ترجمان.
تمهيد
لا شكّ في أن العالم الغربي لم يقدّر Walter فالتر بنيامين Benjamin (1892–1940) حقّ قدره، على الرغم من الجاذبية التي يَتّسم بها فكره، والتعقّد الذي يَصبغ مشروعه، ويستدعي في كلّ مرّة قراءته قراءة جديدة، فضلً عن القدرة التي تتميّزُ بها تأملاته في المواجهة النقدية مع الشرط السّائد للأدب والفكر الألمانيين، وفي التفاعل مع اللحظات التاريخية والمعرفية التي تبلورت في سياقها. لقد عاش بنيامين أشدّ الظروف قسوة وفظاعة، وبقي على هامش التيارات الفكرية السائدة في ألمانيا في بداية القرن العشرين، وهي مرحلة كان فيها الوعي الأوروبي بالأزمة حادًّا. ورغم اتساع دائرة العلماء الذين يساهمون في تفسير حياته وأعماله، فإن نظرياته، بحسب أكسيل هونيت Honneth Axel، تبقى من دون أي تأثير معروف في تقدم البحث الفلسفي أو السوسيولوجي. ومن الممكن ردّ هامشية بنيامين إلى عوامل أخرى عديدة، منها ما يتصل بطبيعة نصوص هذا المفكر المتمرّد العنيد الذي يتسم أسلوبه بالاستعارات المتشعبة، والأقنعة المتعددة، على نحو يصير معه هذا الفكر فكر إخفاء لا فكر إبداء، ومنها ما يرتدّ إلى السياق الفكري الألماني الذي لم يكن، في هذه المرحلة، مؤهلً لاستيعاب وفهم المفارقات المتعمّدة والانزياح العميق الذي يتسم به مفكّر أصيل من طراز بنيامين. وفي هذا السياق، يعدّ كتاب فالتر بنيامين: تراكيب نقدية، للناقد البريطاني غريم غيلوتش، من أهمّ الدراسات الفكرية التي تَكشف عن قوة عمل بنيامين، والإمكانيات التي يفترعها لتطوير حقول عديدة، مثل الدراسات الثقافية والأدبية والفلسفة والنقد الثقافي، وغيرها. وبناءً عليه، تتقصّد قراءتنا لهذا الكتاب الاقتراب من المحاولة اللماحة التي نهض بها مؤلفه، لرفع صنوف الحجب التي تلفّ فكر بنيامين، استنادًا إلى تأويلٍ مختلفٍ يبوِّئ متنه موقعًا رفيعًا، ويحرص أشدَّ الحرص على القطع مع القراءات المبتسرة، والتأويلات الناقصة.
أولا: بنية الكتاب
يتكون الكتاب من مدخل عام، وسبعة فصول، وخاتمة أرادها المؤلف مفتوحة لا مغلقة. في الفصل الأول، بعنوان «النقد المحايث والنقد الأنموذجي»، يُناقشُ غيلوتش محاولة بنيامين خلق النقد بوصفه جنسًا كتابيًا، وإعادة بناء مفهومه، ويتوقف عند المفهوم الأساس «النقد المحايث» الذي طوره في أطروحة الدكتوراه التي أعدّها، وهي بعنوان «مفهوم النقد الفني في الرومانسية الألمانية» (خلال الفترة 1919–1917). يعرض غيلوتش الموضوعات الرئيسة لهذه الأطروحة، كما يركز على فكرة يوهان غوتليب فيخته المتعلقة بالتأمل «بوصفه تحققًا مستمرًّا لوعي الذات نقطة انطلاقه» (ص. 53)، وهي الفكرة التي ترجمها الرومانسيون في ميدان الفن. ويتبيّن في هذا الفصل أثر كتابات الرومانسيين الألمانيين، وخاصة فريديريش شليجل وفريدريش فرايهير الشهير ب «نوفاليس» في مفهوم بنيامين عن النقد الأدبي والثقافي. فهو يرى أن كتابات الرومانسيين التي تشكلت فيها فكرة النقد الأدبي الحديثة، تعدّ نقطة انطلاق مركزية لأي محاولة جدية بشأن إعادة بناء مفهوم النقد. ولتلمّس مفهوم بنيامين المتعلق بالنقد المحايث، يستدلّ غيلوتش بقراءته لرواية الأنساب المختارة
للشاعر الألماني يوهان غوته. وهذه القراءة التي كان من المقرّر أن تنشر في مجلة الملاك الجديد، يعتبرها غيلوتش أنموذجًا للنقد المحايث الذي يرفض التأويلات البسيطة التي تتكئ على سيرة الكاتب، وظروف إنتاج الرواية؛ على غرار ما مثّلته قراءة فريديريش غوندولوف لرواية الأنساب المختارة في كتابه غوته (1916). ويبين غيلوتش أن المهمة الأساس ل «النقد المحايث» تتمثل في الكشف عن المضمون الحقيقي للعمل الفنّي الذي لا يمتلك بصدده المؤلّف أي تبصّر مميز، والذي لا يتكشّف إلا في وقت لاحق، وفي ظلّ ظروف مختلفة (الحياة اللاحقة). في الفصل الثاني، «المجاز والسوداوية»، يتناول المؤلّف كتاب بنيامين أصل مسرح الرثاء الألماني، وهو كتاب شديدة الأهمية والعمق «تصورها في عام 1916 وكتبها في عام 1925» (ص. 97)، وفيها انشغل بنيامين بتفكيك القراءات السابقة التي أساءت فهم هذا المسرح، وقللت من قيمته، فاعتبرته مجرد محاكاة عقيمة للتراجيديا، ورأت أن أداته الأساسية، وهي المجاز، أقل شأنًا من الرمز. ومثل قراءته لرواية الأنساب المختارة لغوته، يسمح الوقوف في وجه الرأي السائد على نطاق واسع وتحطيمه وإفنائه باجتراح فضاء مختلف للنقد، حيث يتم القطع مع الأفكار السائدة والأحكام القبلية، والاهتمام بالشروط الخاصّة للعمل المدروس. وفي هذا التأويل، يخلص غيلوتش إلى أن قراءة بنيامين أصول مسرح الرثاء هي «قراءة قوية وشافية لهذا الشكل الدرامي الملغز وشعريته وإعادة تأهيل لهما» (ص. 137). إنها قراءة تتأسس على رؤية مختلفة، يبدو معها هذا المسرح معبرًا عن عوالم كئيبة ودنيوية مدنّسة تمامًا، تنطوي على القسر والبؤس الإنسانيَّين في عالم موحش. وفكرة بنيامين عن السوداوية تَتعين هنا بوصفها شديدة الأصالة. فهي تجد سندها في رؤية لاهوتية لها أثرها في تصور بنيامين لمسرح الرثاء، وفي تأملاته الصوفية الأولى حول اللغة والتاريخ (ص. 98). يُعنى الفصل الثالث «من مشهد المدينة إلى عالم الأحلام»، بدراسة مُؤلَّفين أساسيين يكشفان جانبًا آخر من فكر بنيامين الشاسع والمتشظي؛ إذ يتعلّق الأمر ب: ممرات باريس المسقوفة وشارع ذو اتجاه واحد. ورغم أن هذه النصوص تأتي بعد دراسة مسرح الرثاء التي مثلت ذروة مرحلة في دورة إنتاج بنيامين (ص. 139)، فإن غيلوتش يُؤكّدُ ضروب التواصل بين نصوص بنيامين المختلفة التي تتسم بالمفارقات المتعمدة والمستفزة. وفي هذا الفصل يتعرّف القارئ إلى بنيامين، المثقف المنجذب إلى الحياة الاجتماعية والثقافية، والمفتون بفضاء الميتروبول وتربته وثقافته، والذي يركز نقده للحداثة على أكثر المدن التي جذبته؛ برلين من جهة، وباريس من جهة ثانية بوصفها مركز الثقافة الطليعية الأول، بل مركز الحداثة نفسها. كما يُفصح بنيامين فيممرات باريس المسقوفة وشارع ذو اتجاه واحد، عن نقد لاذع للتجربة المدينية، والسياسات الثقافية الحديثة. ومن العناصر القوية التي يتلمّسها غيلوتش في هذه النصوص، تلك الحاجة البنيامينية المستمرّة إلى توسيع النقد وتعميق مفهومه، وهي حاجة تمليها تقنيات الإعلام الحديث (الفيلم، والصحافة، والإعلان)، وتجربة البيئة الميتروبولية المعاصرة (ص. 141) في الفصل الرابع، «باريس والممرات المسقوفة»، يقرّبنا غيلوتش من دراسة بنيامين المتاهية، ومن جهوده لتوسيع مفهومه عن «النقد المحايث»، واستثماره في قراءة الظواهر الثقافية والاجتماعية التي كانت باريس تحفل بها خلال القرن التاسع
عشر، وهي الظواهر التي تعكس بؤس الرأسمالية وتشظي الذات الإنسانية فيها. إن ما يهم بنيامين في هذا السياق هو الكشف عن حقبة ما قبل تاريخ أزمة المجتمع البرجوازي من خلال باريس القرن التاسع عشر. ويتخذ من شخصيات شارل بودلير (كالمتسكع، والعاهرة، والمقامر) أمثلة لقراءة ذلك التجاذب القائم في قلب باريس خلال هذه المرحلة؛ حيث تمثل العاهرة التجسيد الفعلي للسلعة الصّنم، كما يُمثل المقامر زمنية استيهامات الموضة. ويرى غيلوتش أن تصور بنيامين أثناء زيارته لباريس، في آذار/ مارس 1926، ممرات باريس المسقوفة يمثل لحظة مهمة في مشروعه؛ إذ أصبح هذا الأمر شغله الشاغل الفكري واللانهائي (ص. 179). ويمكن أن نلاحظ في هذا الفصل كذلك، أن الرّد البنياميني على كتاب زميله سيغموند كاراكاو Curaçao Sigmund جاك أوفنباخ وباريس زمانه، والكشف عن ضروب إخفاقات هذا العمل، سيتيحان لكتابممرات باريس المسقوفة منافذ إلى مسارات جديدة من التطور والتوسّع لتسليط نقد حقيقي على باريس في الإمبراطورية الثانية، وعلى الثقافة السلعية المبهرة في الماضي القريب (ص. 186). يعرض غيلوتش في الفصل الخامس، «الثقافة والنقد في أزمة»، ما تنطوي عليه نصوص بنيامين من أفكار وتبصرات فريدة حول الكاتب والتقنية الأدبية وفكرة المتعدد التقنيات وإعادة تفعيل المجال الثقافي. ويذهب غيلوتش إلى أن مفهوم بنيامين عن «المؤلف بوصفه منتجًا» يمثل أطروحة أصيلة تتجاوز حدود النقاشات السطحية لليسار حول الطابع السياسي لبعض الأعمال الفنية؛ لأن بنيامين يفكك الفهم الشائع والعقيم لبعض المفاهيم كمفهوم «الالتزام»، مشددًا على التقارب والتداخل بين السياسي والجمالي. وبناءً عليه، فإنّ العمل الفني الحقيقي يُدرَك بصورة جيدة عندما يتمّ إدراجه مع منتجه (الكاتب) في إطار المركب الاجتماعي الاقتصادي. وهذا يقتضي ألّ يُؤخذ بوصفه إبداعًا مستقلً، ولا بوصفه دلالة على نزعة ما، بل بوصفه منتجًا تقنيًا ضمن علاقات الإنتاج الرأسمالية السائدة. والنموذج الممثل لهذه الهندسة الجمالية التي يبدو فيها الكاتب منتجًا، ولا يكتفي بالالتزام وحده – بل يُضيف إلى هذا كله الموقف الذي يتخذه من طبقته بوصفه مخرّبًا – هو برتولت بريخت. وبخلاف نظرة الرفض لدى ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو لمسرح بريخت المؤسسة على فهم مفاده أنه يَغيب فيه التعقيد والديالكتيكية والوساطة، يُشدد بنيامين على رؤية مختلفة، جوهرها أن عمل بريخت من حيث الأصالة والتفرّد أكبر من أن يدرك جوهره الحزب الشيوعي وعقيدته المحدودة الأفق (ص. 137). يتناول غيلوتش في الفصل السادس، «بنيامين على الهواء، بنيامين عن الهالة»، أهمّ نصوص بنيامين التي أُعدّت لوسائل الإعلام، كما يكشف عن موضوعاتها ومفاهيمها الرئيسة (ص. 257). وهي عبارة عن محادثات ومراجعات ومقالات وشذرات تاريخية، تعبّر عن رؤية ماركسية شديدة الخصوصية حول الإمكانية التي تتمتع بها وسائل الإعلام الجديدة والأشكال الثقافية الشعبية (ص. 307). ويرى غيلوتش أن هذه النصوص المتفرّقة التي قلل بنيامين من شأنها، لا تشكل مفتاحًا لولوج عالم الظروف التي أحاطت ببنيامين فحسب، بل تقدّم جملةً من المفاهيم والتقويمات حول جهود هذا المفكر، وتبصراته حول وسائل الإعلام والنقاشات الحادّة حولها. وعلى هذا الأساس، يرى المؤلّف أن ما تنطوي عليه هذه النصوص من أفكار وموضوعات حول الراديو والتصوير والسينما، يمثل إضافة مهمة إلى
المشروع البنياميني المستمرّ في إعادة بناء وظيفة النقد المعاصر، وإعادة تحديد مفهومه، والتشديد على ما تفرضه شروط الحداثة من تكسير الحدود بين الخطابات وأشكال المعرفة المختلفة. وهذا ما ينعكس بشكل عام على الفن، وبصورة خاصة على العمل الفني الذي تغير معناه في عصر إعادة الإنتاج، مستفيدًا مما أحدثته السينما والتصوير من شروط جديدة تعيدُ للفن تلك الهالة السابقة التي كان يتسم بها، ولكن بمعنى مختلف. في هذا التأويل يتموقع بنيامين ضدّ أدورنو الذي يتسم نقده لصناعة الثقافة بأنه مفرط في السلبية. أما الفصل السابع والأخير، «حبّ من النظرة الأخيرة»، فيتقصّى غيلوتش فيه عددًا من النصوص المهمة التي كتبها بنيامين خلال سنوات الثلاثينيات من القرن الماضي، والتي تركز أساسًا على بودلير، ومارسيل بروست وطفولته في برلين، إضافة إلى عمله الملغز أطروحات في مفهوم التاريخ (1940). ويتوقف غيلوتش عند المفاهيم الأساسية التي سبكها بنيامين عن المتسكّع والحشد الأشبه بالمتاهة، والعلاقة بين المجاز والسلعة وصياغة التاريخ (ص. 309). ويرى أن قراءة بنيامين لشعر بودلير تبقى من القراءات الفريدة الآسرة، فهي مثال دالٌّ على النقد المحايث، لأن بنيامين ينتبه إلى ما بقي مستبعدًا؛ أي التشابه بين شعر بودلير المجازي والشكل السّلعي، وهو يحاجّ بأن «كتابات بودلير تعبّر عن تشرذم التجربة في ميتروبول القرن التاسع عشر الذي ينجم عن ظهور الجمهور المجهول وتسليع المجال الثقافي في ظلّ منطق علاقات التبادل الرأسمالي الذي لا شفقة فيه» (ص. 310) جاءت خاتمة الكتاب بعنوان «نحو تركيب معاصر»؛ إذ أراد غيلوتش لهذا التركيب أن يمزج البعد الاستعادي بالتطلع إلى الأمام. أما البعد الأول فيقف فيه على أهم الأفكار والموضوعات والمفاهيم التي تناولتها فصول الكتاب وألمعت إليها المقدمة؛ كالتشظي الثقافي، والاستهلاك، والتسليع، والميتروبولية، والإعلام الجماهيري، وإعادة الإنتاج، والتغير التكنولوجي، والتقدم التاريخي، والاغتراب، ووضع المثقف. أما البعد الثاني فيستكشف الروابط بين مفاهيم وأفكار بنيامين ومفاهيم النقاد الاجتماعيين ونقاد الحداثة الذين ظهروا في وقت لاحق (ص. 363)، كما يبرز الراهنية التي تَتسم بها أفكار بنيامين، وخاصة مفهومه عن «النقد المحايث»، و«الحياة اللاحقة»، و«المهندس المتعدد التقنيات». يتبيّن من خلال بناء الكتاب وعناوين الفصول أن غيلوتش يحاول أن يقدّم شيئًا أقرب إلى «نقد محايث» لعمل بنيامين (ص. 46). وبوجيز العبارة؛ هو يسعى إلى الإمساك بما هو من صميم عمل بنيامين؛ أي ما يتحقق في هذا العمل بشكل مختلف عن الفكر الذي كان سائدًا عند سابقيه ومعاصريه التاريخيين. ومن هنا، ليس في الأمر أي تزيّد إذا وصفنا هذا الكتاب بأنه عمل مهمّ وعميق وتأطيري. ولا يرتدّ هذا الوصف فقط إلى كون فالتر بنيامين مُفكرًا مهمًا وفيلسوفًا آسرًا يَحار المرء في تناوله على نحو منصف أمام ما تولده محاولات تأويله من صور لامتناهية التعقيد والاستعصاء والتمنّع، يكثفها غيلوتش في «صورة المتاهة» (ص. 39)، ولا يرتدّ كذلك إلى كون غيلوتش يعلّمنا أن ثمة دروبًا مختلفة لقراءة بنيامين على الرغم من مرور ما يزيد على ثمانين سنة على وفاته، وهو ما تعزّزه هذه القراءة الاستكشافية التأويلية لفيلسوف ألماني مختلف،
أبصر في مشروعه النقدي والفكري الكارثة التي يتوجّه صوبها الإنسان، كما تلمّس الشعور المتزايد بالاستسلام للبطش والعجز عن مقاومة البربرية المتفاقمة، وإنما يرتدّ هذا الوصف، فضلً عمّا سبق ذكره، إلى كون عمل بنيامين يتسم بالمعاصرة والراهنية، فهو مفكّر يمتّ مشروعه بصلات عميقة إلى اللحظة الرّاهنة التي يتعاظم فيها العقل الأداتي والسّيطرة التكنولوجية والرأسمالية المتوحشة، وما يَنجم عن ذلك كلّه من ضروب الهيمنة والهجرات والمنافي والاقتلاع التي يتعرّض لها كثير من الأفراد والجماعات في العالم.
ثانيًا: كيف نقرأ فالتر بنيامين؟
يعدّ هذا السّؤال من المشاغل الأساسية التي اهتم بها غيلوتش، وأَوْلَها عناية خاصة في هذا الكتاب. فهو يقرّ بأن محاولة قراءة بنيامين وتأويله عملية معقدة، ورهان كبير يجوز وصفه بالمغامرة التي تتربّص بها الخطورة الداهمة، ما يقتضي الحذر والتيقظ والتأني في اختيار الافتراضات النقدية والمنهجية الملائمة لفهم الاستمرارية المعقدة التي يَتّسم بها فكره، والتبصّرات التي ينطوي عليها. في هذا السياق، إذًا، يُميّز غيلوتش في القراءات المتعدّدة التي تناولت مشروع فالتر بنيامين بين توجهين: • الأول؛ تمثله القراءة النسقية المسكونة ببناء الأجوبة الناجزة والنطق بالأحكام النهائية. ويرى أصحاب هذه القراءة أنهم وحدهم الذين يفهمون هذا الفيلسوف، ويستطيعون الإفصاح عن المعنى النهائي الذي ينطوي عليه مشروعه. ومن الأمثلة الدالة على هذه القراءة، بحسب غيلوتش، محاولات تصنيف عمل بنيامين بتقسيم نصوصه إلى ميسيانية أولى أثرت فيها الموضوعات والأفكار اليهودية، ومرحلة مادية لاحقة طبعها الانجذاب ببريخت والتوجهات الماركسية (ص. 39). وما نستشفه من تأويل غيلوتش لفكر بنيامين هو أنّ هذه القراءة النسقية التي توحي بخطية فكر بنيامين، يعتريها التبسيط المخلّ، وتصطدم بما هو من صميم المشروع الفكري لهذا الفيلسوف العصي على التحديد، ذلك المشروع المتشظي والتركيبي ذي المداخل المتعددة التي تولّدت من تقنيات معينة في القراءة والكتابة، اقتضاها فك العالم إلى مونادات وإعادة تركيبه في اللوحة الفسيفسائية أو المونتاج (ص. 368). كما تتعارض هذه المحاولة أيضًا مع فكرة فالتر بنيامين عن «النقد المحايث» الذي يَستبعد أي سلطة للمؤلف على المعنى والدلالة، ويشدّد على الحياة اللاحقة للعمل الفنّي التي ينحلّ فيها في فكرة الفن. • الثاني؛ تمثله القراءة المعتمدة من المؤلّف، ويمكن وصفها بالقراءة الحوارية. فهي تتحرّك فوق مواقع وسطوح متعددة لأنها إزاء مشروع يتأبّى على الاختزال في عنوان محدّد متّفَق عليه. وبقدر ما تتصدى هذه القراءة لمحاولات أو ادعاءات الإفصاح عن بنيامين محدّد، فإنها تكشف في مستوى آخر ذلك التشعب الذي يَسم مشروعه الفكري والثقافي، وتلك الكثافة التي تميّز مفاهيمه وأدواته على نحو يتعذّر معه أيّ اختزال أو نمذجة. ويعزز هذا الكشف ما يشير إليه بعض الفلاسفة من «أن أي محاولة لإيجاد وحدة بين سلسلة من النصوص المتنوعة بشكل واضح، كما هي الحال بالنسبة إلى أعمال بنيامين ستُمنى دومًا بالإحباط منذ البداية». لنقُل إن هذه القراءة اللانسقية التي لا يشغلها هاجسُ بناء أنساق، والتي يعنيها
البحث فيما وراء النصوص، وتتقصّى ضروب الجدّة والالتباس التي تتميز بها كتابات هذا المنظّر النقدي، والأسئلة المعقدة التي تطرحها على القارئ المعاصر، بشكل يبدو معه الرّجوع إلى أعماله أمرًا محتمًا، يكمن رهانها أساسًا في مقاومة مختلف ضروب سوء التملّك لعمل فالتر بنيامين. ويُمكن أن نلاحظ أنّ من أبرز العلامات الدالة على هذه المقاومة التي تخوضها قراءة غيلوتش، إصراره على رسم خطّ مختلف لعمل بنيامين يتكئ على استعارة أخرى من الاستعارات الأساسية التي تميز بها وهي الكوكبة أو التركيب. وهذا ما يتجلى كذلك من خلال العنوان الفرعي للكتاب: تراكيب نقدية. فإزاء هذا الفكر المتشعب والمتشظي، لا يبقى من إمكانية للقارئ والمؤول سوى مراقبة الانكشاف الذاتي لحقيقة هذا الفكر في اللحظة الرّاهنة. وهذا الأمر يقتضي عملية متواصلة من الهدم وإعادة البناء تستلهم طاقتها من مفهوم «النقد المحايث» عند فالتر بنيامين.
ثالثًا: النقد المحايث والعمل الفني
استند فالتر بنيامين في بناء مفهوم النقد المحايث، الذي يعدّ من المفاهيم الأساسية التي يقوم عليها فكره، إلى تصور الرومانسيين الألمانيين الذين كانت فكرتهم الأساس هي رفض علاقة الذات – الموضوع. فالناقد من منظورهم لا يتقصّى العمل الفني كي يطلقَ عليه حكمه النهائي؛ لأن «انفتاح العمل الفني على النقد وقابلية نقده توضّح بحدّ ذاتها حكم القيمة الإيجابي الذي صدر بحقه» (ص. 63). هكذا تَتمثل مهمة الناقد في تحرير معرفة العمل الفني لذاته. وهي مهمة عسيرة لا تتأتى إلا للناقد الدؤوب المتبصّر. وقد رأى بنيامين أن هذا التصور الرومانسي للنقد ليس سوى البداية، ما يقتضي عملً إضافيًا مهمًّا يَكمن في ردّ الرومانسية إلى طبيعتها الراديكالية، وتملّك تبصراتها وأفكارها الرئيسة وإعادة صياغتها نقديًا (ص. 65) بهذا المعنى، يكون من الأدوار الأساسية المنوطة بالنقد المحايث «إيقاظ النزعات الساكنة والإمكانات الراقدة في العمل الفني» (ص. 58). فإمكانات العمل الفني تَتميز بكونها متأصّلة ومخبوءة، كما أنها تَروغ عن المؤلف ولا يملك أي سيطرة عليها. وعليه، هي لا تَكشف عن نفسها إلا للنّاقد الحقيقي الذي أَلِفَ الإنصات إلى النصوص. من الممكن للناقد أن يساعد العمل الفني على الكشف عن المعرفة بذاته؛ شرط أن يتسلح بالعقل والمعرفة التاريخية والإرادة الفلسفية للمعرفة. هكذا يعيد «النقد المحايث» تحديد العمل الفني على أنه مستقلّ والمعنى مستبطن فيه، ويظهر بقوة في الحياة اللاحقة. إن تصور بنيامين هذا للعمل الفني ولوظيفة النّاقد، الذي يبدو فيه بنيوي النّزعة قبل الأوان، يحيلنا إلى المقولة الشهيرة للناقد الفرنسي رولان بارت التي طرحها إبّان السبعينيات، وهي مقولة «موت المؤلف» التي كان القصد منها في الأساس استبعاد أي سلطة للكاتب على معنى عمله الأدبي. إن اهتمام النقد المحايث بالمضمون الحقيقي للعمل الفنّي الذي لا يظهر إلا في ظروف معينة ولحظات تاريخية محددة (ص. 77)، يعني أساسًا أن هذا النقد ليس سوى «تجربة فيلولوجية» أو تاريخية، تجري على العمل الفني وتفصح عن طبيعته الداخلية (ص. 60). من هنا يشدّد فالتر بنيامين على أهمية تحديد الموقع التاريخي للنص والقارئ على السواء. فكل تأويل يَستند إلى ضروب الاهتمام والانشغال والفهم الخاصة بالقارئ. وعليه، «فالنقد هو كشف وتحقيق مستمرّان ومثمران لا للحقائق
المتأصّلة في العمل الفني فحسب، بل للتلقّي التاريخي لهذا العمل الذي يمرّره بمصفاته ويلونه لفائدة القارئ الحالي كذلك» (ص. 60) إذا كان السّؤال الرئيس المطروح على النقد هو، بحسب بنيامين، السّؤال المتعلّق بكيفية مشاركة الناقد معرفة العمل الفني لذاته، وتمَثُّلِ هذه المعرفة وجعلها من ضمن معرفته، فلأن النقد الحالي العاجز عن تمثل الفن وتحرير معرفته لذاته لا يستطيع أن يكون منتجًا ومتناغمًا مع الطبيعة الجوهرية للعمل الفني، إلا عندما يصير جزءًا من الفن. فكما ينحلّ العمل الفني الفردي ويتفكك ويكشف عن نفسه بوصفه شذرة من فكرة الفن، فإن النقد لا يكون إعادة تشكيل أبدية، وعملية إضافة وتذييل لانهائية إلا بانضوائه في عالم الفنّ. ويقتضي هذا، إذًا، أن يكونَ النقدُ مرنًا وسائلً، لأن العمل الفني لا يكفّ عن التغير، ولا يمتلك وجودًا ثابتًا أو دلالة نهائية. فالنقد بوصفه إعادة تشكيل للعمل الفني، لا يقود فحسب إلى اكتمال العمل الفني الفردي، بل يقود كذلك – بحسب بنيامين – إلى انحلاله واندراسه؛ ف «من خلال تحققه الذاتي المستمر عبر التأمل النقدي، يتجاوز العمل الفني حدوده بوصفه كيانًا معزولً ومتفرّدًا، ويصبح العمل قادرًا على الإشارة إلى ما هو أبعد منه، وعلى إدراك علاقاته مع الأعمال والأجناس والأشكال الأخرى وقربه منها» (ص. 62). ليس في الوارد على الإطلاق أن نتعرّف كلّ المفاهيم المحدّدة والناظمة لفكر بنيامين، وخاصة ما يتصلُ منها بتصوره المتعلق ب «النقد المحايث»، وصورة «الناقد الصامت» التي لا تتبدّى على نحو أوضح إلا في مرآة المهندس أو البنّاء الماهر، بل المقصود أن نقترب، بكلّ بساطة، من تلك الأفكار التي ألمع إليها غيلوتش في هذه القراءة التي يمكن وصفها ب «القراءة المحايثة»؛ لأن غيلوتش يُؤوِّل النص البنياميني باستخدام الأدوات النقدية نفسها التي صاغها هذا المفكر، والتي اتسمت بالانزياح الشديد عما كان سائدًا في الفكر الألماني خلال فترة الثلاثينيات، ولا سيما عند مدرسة فرانكفورت، وبين مفكري الحلقة الداخلية التي تكونت من هوركهايمر وأدورنو وهربرت ماركوزه وليو لوفونتال وفريديريش بولوك. وفي هذا السياق، يمكن أن نلاحظ مع غيلوتش أن قراءة بنيامين لرواية الأنساب المختارة لغوته – فضلً عن أطروحته حول مسرح الرثاء وقراءته لبريخت وتحليله ممرات باريس المسقوفة – توفّر على نحو أفضل إمكانية التعرّف إلى هذا الفكر المتشعّب. تشكل هذه القراءات، إذًا، نماذج دالّة بقوة على تأويلات لمّاحة تَجد سندها في فكرة رفض مقاصد المؤلف، وفي الحياة اللاحقة للعمل الفني. وعليه، يمكن الاستنتاج – انطلاقًا من هذه القراءات التي توفر الشروط الملائمة للفصل بين النقد والاهتمام بسيرة المؤلف – أن النقد المحايث عند بنيامين، الذي ينصبّ على الأعمال الفنية والظواهر الثقافية، ليس سوى تلك الإمكانية «لقراءة النصوص الأدبية وسواها من الظواهر الثقافية بعكس ‘تيار’ المؤلف لا باتجاهه، بل ويصبح ضرورة لهذه القراءة. فمثل هذه النصوص تطرح نفسها لاستنطاقات مبتكرة وإضافات متجددة دائمًا وأبدًا» (ص. 59)
رابعًا: على سبيل التركيب
يمكن أن نعدّ كتاب غيلوتش أنموذجًا مميّزًا لإفناء الزائف (النقد الذي يدعي تملّك بنيامين) وهلاكه، عن طريق الكشف عن فراغاته وتناقضاته ومحدودية تأويله، وكذلك عن طريق الكشف عن أعمق نزعات
الفكر الأصيل (فكر بنيامين) الذي يظلّ في حاجة دائمة إلى الكشف. ولعلّ السبيل إلى ذلك هو ما اضطلع بنيامين بسبكه؛ أي النقد المحايث الذي يتيحُ تملّك النصوص وتفعيلها بصورة مختلفة. وعلى هذا الأساس، نعتقد أن هذا المؤلّف يكتسب أهمية شديدة، لأن غيلوتش يمدّ القارئ بعدد من الأدوات والمفاهيم الأساسية التي استطاع فالتر بنيامين أن يجترحها في ظروف تتسم بالاستعصاء والقسوة؛ كي يَستكشف الموضوعات المتعدّدة التي فكّر فيها، بدءًا بالنقد الأدبي والعمل الفني، وليس انتهاء بالحياة الميتروبولية، وضروب الاغتراب التي يواجهها المثقف الحديث الذي تَتعين مسؤوليته في أنها كامنة في الوعي بما للماضي من حقوق موضوعية على الأجيال الحاضرة، والنهوض بتحقيقها كاملة. لنقُل إن هذا الكتاب النقدي التفكيكي الذي يَستند إلى رؤية مغايرة لقراءة مشروع فيلسوف من طراز بنيامين، أي القراءة التي تَتعين بوصفها انتهاكًا للحدود، ونقضًا للأجوبة الجاهزة أو النهائية، يفتح إمكانيات واسعة لموضعة نتاج هذا المفكر الألماني ضمن المساحة العلمية والمعرفية التي تَليق به، وهو المفكر والناقد اللامنتمي الذي طَبع نقده الثقافي النصف الأول من القرن العشرين بمجموعة من
المراجع
العدد 31 (شتاء.)2020 بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2008 بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 الأعمال المتشظية والمتنوعة على نحو مذهل. لذا، نَعتقدُ أنّ كتاب غيلوتش فالتر بنيامين: تراكيب نقدية، هو دعوة إلى القارئ المعاصر كي يُصاحب هذا الفيلسوف الذي انشغل بدراسة الظواهر الثقافية وتجارب الحداثة، متكئًا على مفاهيم شديدة الأصالة والاختلاف، وروح فلسفية تَنجذب أكثر نحو بيرتولت بريخت وغيورغ زيمل، وإن أدّى به ذلك إلى الاصطدام بالأنساق والتصورات التي أطّرَت مشروع النظرية النقدية عند بعض زملائه، ومن بينهم أدورنو وهوركهايمر اللذان لم يخفيا معارضتهما لهذا الدرب الذي سلكه بنيامين، واعتبراه خيانة لنفسه وواجهاه بكثير من التصلب. بهذا المعنى، يزودنا غيلوتش بنظرة نقدية متأنية للولوج إلى عالم بنيامين الذي أحبطت آماله في إصدار مجلته الملاك الجديد، وقاوم جور المؤسسة بعدما أجبر عام 1925 على سحب شهادة تأهيله للأستاذية؛ وذلك بعد أن وصفها الفاحصون في جامعة فرانكفورت بأنها شديدة الغموض وعصية على الفهم، وهددوه بالرفض الذي كان سيشعره بالإذلال (ص. 69)، ورغم الخسارات الكثيرة، استطاع منذ السبعينيات أن يشغل بفكره مكانة رفيعة في الحياة الثقافية الألمانية تحديدًا، وفي العالم كذلك.
References
ربوح، بشير. «الاجتماعي وعالمه الممزق: مقالات فلسفية اجتماعية لأكسل هونيت». تبيّن. مج 8، ليتشه، جون. خمسون مفكرًا أساسيًا معاصرًا: من البنيوية إلى ما بعد الحداثة. ترجمة فاتن البستاني. هاو، آلن. النظرية النقدية: مدرسة فرانكفورت. ترجمة ثائر ديب. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2010 هونيت، أكسيل. الاجتماعي وعالمه: مقالات فلسفية اجتماعية. ترجمة ياسر الصاروط. الدوحة/