العودة إلى تفاصيل المؤلَّف "تراثنا هو الكون" شذرات من خطاب في النسيان

"تراثنا هو الكون" شذرات من خطاب في النسيان

"Our Heritage is the Universe" Fragments of a Discourse on Forgetting

رشيد بوطيب *

Rachid Boutayeb *

الملخّص

«إن الفكر إذا لم يكن فكر أقلية وهامش، إذا لم يكن فكرًا لا يعرف المنظومة والاكتمال، يصبح فكر إبادة». عبد الكبير الخطيبي

Abstract

Abstract: This paper discusses the relationship established by contemporary Arab thought with heritage, deconstructing its ideological dimensions and highlighting its limitations. The research begins with a discussion of forgetting in Western discourse, especially in the fields of history, philosophy and memory studies, focusing in particular on Nietzsche’s «second consideration» and arguing in favour of the duty of forgetting in every context governed by a hypertrophy of memory or what Nietzsche calls «historical fever». The study then delves into the discussion of the various understandings of Islamic heritage in the contemporary Arab context, concluding that – whatever their different approaches and origins – they all serve to project past conflicts onto the present, and vice versa. This

الكلمات المفتاحية:
  • ذاكرة
  • نسيان
  • تراث
  • الحياة
  • الرشدية
  • الذاكرة الجمعية
  • التاريخ
Keywords:
  • Memory
  • Forgetting
  • Heritage
  • Life
  • Collective Memory
  • Averroism
  • History

"Our Heritage is the Universe"

Fragments of a Discourse on Forgetting

أبعادها الأيديولوجية ومسلطًا الضوء على محدوديتها. يبدأ البحث بمناقشة مسألة الذاكرة

والنسيان في الخطاب الغربي، وخصوصًا في مجالات التاريخ، والفلسفة والتحليل النفسي

ودراسات الذاكرة، ومركزًا على نحو خاص على «الاعتبار الثاني» لنيتشه، ومنتصرًا لواجب

النسيان في كل سياق يحكمه تضخم الذاكرة أو ما يسميه نيتشه «الحمى التاريخية». ويعرج

على مناقشة مختلف القراءات للتراث في السياق العربي المعاصر، والتي تنتهي في مجملها،

وعلى اختلاف مشاربها ومناهجها، إلى إسقاط صراعات الحاضر على الماضي، وصراعات

الماضي على الحاضر، وما يمثله ذلك من عقبة أمام الالتحاق بزمن العالم، والانفتاح على

الإنجازات الكبرى للحداثة.

Assistant Professor for Philosophy, Doha Institute for Graduate Studies.

نهايتها، موجهًا كلامه إلى الكتاب الأرجنتينيين: «لهذا أكرر أن علينا أن لا نشعر بالخوف، وأنه علينا أن نفكر في أن تراثنا هو الكون»، ينظر:

Jorge Luis Borges, «El Escritor argentine y la tradición,» in: Jorge Luis Borges, Discusión (Buenos Aires: Emecé Editores, 1957), p. 162.

represents an obstacle to being in step with the contemporary world and keeping up with the great strides made by modernity.

أولا: واجب النسيان

«طُوبى للأزمنة التي تطالع في السماء المرصعة بالنجوم، خريطة السبل المشرعة أمامها، والتي عليها أن تعبرها. تلك السبل التي تستنير بضوء تلك النجوم. يبدو كل شيء جديدًا، ومع ذلك فهي تعرفه. يبدو الأمر كالمغامرة ولكنه ملك يمينها. إن العالم بعيد وفي الآن نفسه هو مثل بيتها، ذلك أن النار التي يشتعل أوارها في الأعماق، قد قُدّت من الجوهر نفسه الذي قُدّت منه نار النجوم». بهذه الكلمات، ذات النفحة التأبينية، يفتتح جورج لوكاتش (1971–1885) تفكيره في فن الرواية بصفتها ملحمة للبرجوازية. تقول أطروحته الأساسية إن العالم الحديث أضحى أكبر وأكثر تعقيدًا من العالم القديم. إنه عالم لا يحُده حد. لقد كانت الملحمة لسانَ حال عالم نهائي وثقافة مغلقة، ولكن الفن

الروائي سيعبر عن نثرية العالم الحديث وشذريته وعن المسافة التي لا يمكن رأبها بين ما مضى وما سيأتي. فلم يعد في الإمكان في ظل «العراء الترنسندنتالي» Obdachlosigkeit Transzendentale، الذي أضحى شرط الأزمنة المعاصرة ومحددها الأنطولوجي الأول، أن نحذو حذو هوميروس Homer (700 ق. م.) في الكتابة، ذلك لأن هوميروس، في رأي لوكاتش، «وجد الجواب، قبل أن يسمح النمو التاريخي للفكر بطرح السؤال». إذا تأملنا كلمات لوكاتش في ضوء الحضور الطاغي للتراث أو بالأحرى لتراث متخيل في سياقنا العربي، لن يسعنا إلا أن نقول إننا لم نجرؤ بعد على السؤال، ولم نكتشف تلك «الآنية» أو «أنطولوجيا الآنية» التي تحدث عنها ميشال فوكو Foucault Michel)1984–1926(. إن الكلفَ المرَضي بالتراث لا يربطنا بذلك الماضي الذي انقضى، رغم كل ادعاءاته. وإن مهمة كل

فكر نقدي منخرط في الآنية تكمن في الدفاع عن واجب النسيان، وذلك ضد ما أسماه فريدريش Friedrich Nietzsche) «عبء التاريخ» أو فريدريك نيتشه 1831–1770(Friedrich Hegel هيغل (1900–1844) «الحمى التاريخية» أو حتى «الحمى القومية». قد يعترض أحدهم ويقول: بل إن عليه أن ينافح عن واجب التذكر. طبعًا، وكما أشار إلى ذلك مارتن هايدغر (1976–1889) في أحد تحفظاته

الأساسية على نيتشه: «وحده الكائن التاريخي يمكنه أن يكون لاتاريخيًا»، وبتعبير آخر: وحده القادر

على التذكر سيكون قادرًا على النسيان. ولكن، وجب التذكيرُ هنا، بأنه ليس من شكلٍ محددٍ للتذكر،

(1) Georg Lukács, Die Theorie des Romans: Ein Geschichtsphilosophischer Versuch über die Formen der Großen Epik (Berlin: Paul Cassirer, 1920), p. 9. (2) Ibid., p. 13.

(((ميشال فوكو، «كانط والثورة»، ترجمة يوسف الصديق، مجلة الكرمل، العدد 12 (1984)، ص.71

(4) Martin Heidegger, Interprétation de la «Deuxième considération intempestive» de Nietzsche , Alain Boutot (trans.) (Paris: Gallimard 2009), p. 45.

كما أنه ليس من نهجٍ واحدٍ للنسيان، وإننا لا ريب نسقط في الأيديولوجيا، حين نعتقد خلاف ذلك. لقد أشار جاك لوغوف Goff Le Jacques (2014–1924) إلى هذه الحقيقة قائلً: «نلاحظ أن النظر في ماضٍ بذاته يتغير بحسب العصور وأن المؤرخ خاضع للزمن الذي يعيش فيه»، وهو يكرر هنا ما أشار إليه موريس هالبڤاكس (1945–1877)، مؤكدًا أن «الذاكرة لا تُحيي الماضي ولكن تُعيد تشكيله». إن الحاضر يقول الشيء الكثير عن ذلك الماضي، بل إنه لا يمكننا أن نقرأ الماضي إلا من خلال الحاضر. إن الاعتراف بذلك يُحررنا بدءًا من منطق الحقيقة الذي هو منطق هيمنة. إن قراءتنا تخضع

لإكراهات الحاضر وشروطه. لكن ما يجب إضافته إلى ما قاله لوغوف هو واقع أن النهضات أو التجديد المجتمعي لا تتخذ فقط «شكل العودة إلى الماضي»، بل تتحقق أيضًا كقطيعة معه أو كنسيان، ربما أكثر من العودة إليه، إذ كما يكتب تزفيتان تودوروف (2017–1939)، إن المجتمعات الغربية المعاصرة «لا تستعمل الماضي وسيلة مفضلة للشرعية، ولا تعطي مكانة عليا للذاكرة». وكما أن هناك علمًا للتاريخ، يجب أن نجرؤ على بناء علم للنسيان. وقد نقول، في تسرع، إن من واجب

علم النسيان، الذي على كل فلسفة تريد أن تكون نقدية في السياق العربي أن تفكر فيه، أن يحررنا من ثقل الماضي ويحرره من عبث الحاضر. ويجب، منذ البدء، التأكيد أن النسيان لا يمثل حربًا على الترات ولكنه بالأحرى ممارسة نقدية للتذكر، وذلك بالمعنى الذي يقدمه نيتشه ل «تاريخه النقدي»، وهو في الآن نفسه استراتيجية للمقاومة، ذلك أنه لا يتورع عن فضح التوظيفات السياسية لهذا التراث، وعلاوة على ذلك، فهو يعمد إلى تسليط الضوء على ذلك التراث المنسي والمحاصر، الذي لا يريد لنا الاستبداد معرفته. وإذا كان المؤرخ جان شينو (2007–1922) محقًا، في رأينا، في تأكيده على أن الطبقات المهيمنة تتلاعب بالماضي، وعلى أن «النظام السياسي ينظم الزمن الماضي ويشكل صورته وفقًا لمصالحه السياسية والأيديولوجية»، وإذا كان الماضي أو المعرفة التاريخية، كما كتب: «يمكن أن تعمل في خدمة المحافظة الاجتماعية وفي خدمة النضالات الشعبية [...] وكل واحد يختار ماضيه، وهذا الاختيار ليس بريئًا»، فإنه يقترف خطأ كبيرًا في دعوته إلى توظيف الماضي في الصراعات

الاجتماعية، فذلك ما خبرنا نتائجه الكارثية في سياقنا العربي، وهو ما يحرمنا حق التفكير في حاضرنا

(((جاك لوغوف، التاريخ والذاكرة، ترجمة جمال شحيد (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص.21

(6) Maurice Halbwachs, Les cadres sociaux de la mémoire (Paris: Albin Michel, 1994), p. 403.

تجدر الإشارة هنا إلى أن عملية إعادة البناء أو التشكيل تلك، ليست اعتباطية، بل هي تخضع لشروط الحاضر ومتطلباته، وهالبفاكس يستدل على ذلك مثلً بالذاكرة الدينية، والتي، على الرغم من «نأيها بنفسها عن المجتمع الدنيوي، فإنها تخضع للقوانين نفسها التي

تخضع لها كل ذاكرة جمعية. إنها لا تحافظ على الماضي، ولكن تعيد تشكيله، بمساعدة آثار مادية، طقوس، نصوص، تقاليد خلفها وراءه، ولكن أيضًا بمساعدة معطيات سيكولوجية واجتماعية راهنة، أي بمعية الحاضر»، ينظر: 300. p., Ibid.

(7) Ibid., p. 38. (8) Tzvetan Todorov, Les abus de la mémoire (Paris: Arléa, 2015), p. 17. (9) Jean Chesneaux, Du passé faisons table rase? A propos de l’histoire et des historiens (Paris: Maspero, 1976), p. 23. (10) Ibid., pp. 18–19. (11) Ibid., p. 32.

من خارج صراعات ماضينا، وفي ماضينا من خارج صراعات حاضرنا، وبتعبير آخر: إنه يحرمنا من حقنا في المعرفة. يتحول الماضي دومًا إلى نوع من الوصاية أو الإكراه، حين نربطه بقراءة محددة أو حين نصبغ عليه

صلاحية فوق تاريخية. فبقدر ما تؤدي خسارة الذاكرة الجمعية عند الشعوب والأمم إلى اضطرابات خطيرة في الهوية الجمعية، كما يؤكد ذلك لوغوف، يهدد تضخمها ما يمكن أن نصطلح عليه ب «الحقوق التاريخية للأجيال المقبلة»، ويحكم على هذه الهوية الجمعية بالجمود. ولقد كان لوغوف منتبهًا إلى ذلك، وهو يدعونا إلى العمل من أجل «أن تستخدم الذاكرة الجمعية لتحرير البشر، لا

استعبادهم». يحذرنا نيتشه في وقت مبكر من تضخم الذاكرة. ومعه نقف على أكبر دفاع قدمته الفلسفة عن النسيان. يفتتح نيتشه تفكيره في التاريخ وعلاقته بالحياة بما كتبه يوهان غوته Goethe Johann): 1832–1749(«أكره كل ما لا يفعل أكثر من حشوي بالمعلومات من دون أن يرفع من نشاطي أو يُحييني بشكل

مباشر». وإن كان يمكننا أن نعود إلى إيمانويل كانط (1804–1724)، مثلً، فسنجد عنده ما هو شبيه بما قاله غوته، فكانط كذلك يرفض الاستعمال الخاطئ للذاكرة في تربية الأطفال، عبر حشو رؤوسهم بأشياء سينسونها في مستقبل قريب، مؤكدًا أن علينا أن لا نشغل الذاكرة إلا «بالأمور التي نحن مهتمون بالمحافظة عليها والتي تملك علاقة بالحياة الواقعية». إن «الحياة» أو «الحياة الواقعية» هي الكلمة – المفتاح لدى كانط وغوته ونيتشه، ولكنها ستعوض عند نيتشه المكانة التي يحتلها العقل في المحكمة التي نصبه كانط قاضيًا فيها، في كتابه صراع الكليات.

يعلق نيتشه على مقولة غوته السابقة الذكر: «لماذا التعليم من دون دفقة حياة، والعلم الذي تنام عنده الفاعلية، والتاريخ فائض المعرفة الغالي، هذا البذخ، لماذا يجب أن نكره كل ذلك بالفعل كما يقول غوته؟ لأننا ما زلنا في حاجة إلى الضروري، ولأن الفائض عدو الضروري». يعلمنا نيتشه هنا أمورًا

كثيرة دُفعةً واحدة؛ أن الفلسفةَ تكره أيضًا، وأن من حقها أن تكره. إن الفلسفة التي يدافع عنها نيتشه تستعيد، مع هذا الكره، طفولتنا التي ضيعتها أوهام النضج. وهو يعلمنا أيضًا الاهتمام بالضروري فقط. هل نفعل ذلك؟ هل نعرف ما الضروري؟ هل سبق أن طرحنا هذا السؤال؟ وماذا عن ذلك «العلم الذي تنام عنده الفاعلية» أو بالأحرى، ذلك الذي يبعث النوم في عروقها، يشلها؟ إن «الحُمى التاريخية»

التي كان يعانيها عصره، تتمثل عندنا في «حمّى تراثية»، نقول عنها ما قاله نيتشه عن مسيحية عصره في

مقدمة كتابه ما وراء الخير والشر، إنها أفلاطونية للشعب. ونشير بذلك إلى التصور الأفلاطوني الذي يربط الحقيقة بالذاكرة ويعتبر النسيان أكبر خطر يتهددها، ولكن نيتشه يقلب هذه المعادلة، وهو يقول

((1(لوغوف، ص.103 ((1(المرجع نفسه، ص.168 (1((فريديريش نيتشه، محاسن التاريخ ومساوئه، ترجمة رشيد بوطيب (الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية، 2019)، ص.11

(15) Emmanuel Kant, Traité de pédagogi e, Jules Barni (trans.) (Paris: PhiloSophie, 1803), p. 40.

((1(نيتشه، ص.11

لنا ما معناه أن الحقيقة لا تحيا بالذاكرة فقط، ولكن أيضًا بالنسيان، بل إن الحياة نفسها تحتاج إلى النسيان أكثر من التذكر: «إنه من الممكن أن نعيش من دون ذكرى تقريبًا، بل أن نعيش سعداء [...]

لكن من المستحيل أن نستمر في الحياة من دون نسيان». ونيتشه يكتب ذلك وعينه على الإفراط في الذاكرة والتذكر الذي من شأنه أن يحنط الحياة ويشوه الحاضر والذاكرة معًا، ويقضي «على مواهب عظيمة وطموحات كبيرة بسبب هوسه بما هو قديم». إن الوفاء غير النقدي للماضي يكون دومًا

على حساب الأجيال الشابة وحقها في أن تمتلك إرادتها الحرة، فهناك حيث تعلو الأصوات التي تتغنى بالأمجاد الغابرة، تضيق العقول بالجديد وتنفر من الانفتاح. ولهذا لم يبالغ كانط في تأملاته في التربية، وهو يفرق بين الترويض والتربية. فالذاكرة، حين تستبد بثقافة، تمارس استبدادها عبر عملية ترويض طويلة النفس، تشمل كل مجالات الحياة، وتنشر الشكوك في كل ما هو جديد، وتحرمنا حقنا في اللقاء بالعالم. ويمنحنا النسيان تلك القوة التي يتحدث عنها نيتشه، في معرض حديثه عن التاريخ النقدي، من أجل «تحطيم ماضٍ ما»، يحُول بيننا والحياة، مُذكرًا إيانا بأنه ليست العدالة من تحكم هنا، ولا حتى

الرحمة، و«لكنها الحياة وحدها». وبتعبير آخر: إن ما يسميه نيتشه «التاريخ النقدي» هو «المحكمة التي تجلس فيها الحياة» لمحاكمة التاريخ، وهو هنا يختلف مع الموقف الهيغلي، ففي رأيه «ليس التاريخ الكوني ما يمثل المحكمة الكونية، بل الحياة». هل في قدرتنا أن نختلف مع نيتشه وهو يعتبر أن الإفراط في الذاكرة يحول دون أن يبلُغ الفرد أو الشعب رشده؟ ذلك أن دراسة نقدية لآليات الاستبداد في السياق العربي ومنها توظيفه للذاكرة، ستقف على أن الهدف النهائي لهذا التوظيف هو حرماننا من النضج. ذلك التوظيف الأيديولوجي هو المسؤول عن النسب العالية للأمية، وغياب الوعي، وخضوع المعرفي للسحري. وما كتبه نيتشه عن تربية عصره نقوله عن تربية عصرنا: «وليست مثل التربية العامة الحالية التي تعلمنا كيف نكذب فقط على أنفسنا بخصوص هذه الحاجات [يعني «الحاجات الحقيقية للبشر»] وتتحول عبر ذلك إلى كذبة حقيقية متحركة». وفي الواقع، كما للذاكرة تربيتها الخاصة بها، فيجب مقاومتها عبر تأسيس التربية على النسيان أو على الحرية، تقف على النقيض من الترويض، ومن خطاطة «الشيخ والمريد». ذلك أن النسيان يخرجنا من القدرية التاريخية التي ظل نيتشه يقاومها، ويفتحنا على قارة جديدة، لم تطأها أقدامنا بعد، هي ما يسميه التنوير الغربي «حرية الإرادة». ولكن، لئن كان نيتشه يطلب بناء علاقة أخرى بالماضي، لا تقوم على العلم أو العلم التاريخي لعصره، فإننا نطالب في سياقنا بإقامة علاقة بالماضي لا تقوم على «الأيديولوجيا»، ولكن على هذا «العلم» الذي رفضه نيتشه، من دون أن يعني ذلك أيّ تنازل عن حقنا في النسيان. إننا نريد

((1(المرجع نفسه، ص.15 ((1(المرجع نفسه، ص.32 ((1(المرجع نفسه، ص.33

(20) Heinz–Dieter Kittsteiner, «Erinnern –Vergessen– Orientieren. Nietzsches Begriff des ‘umhuellenden Wahns’ als geschichtsphilosophische Kategorie,» in: Dieter Borchmeyer (ed.), Vom Nutzen und Nachteil der Historie für das Leben (Frankfurt: Suhrkamp, 1996), p. 53. (21) Ibid., p. 45.

فقط أن نقول إن لكل ثقافة شروطها التاريخية التي أنتجتها، ولذلك وجب أن يكون لكل ثقافة نسيانها، فإذا كان سياق مثل الألماني يطالب مواطنيه بالتذكر أكثر من النسيان، كما يوضح ذلك منظرو «الوطنية الدستورية»، وهو لا ريب تذكر نقدي، فإن السياق العربي، الذي يعرف شططًا في استعمال الذاكرة، يطالبنا أكثر بالنسيان. إن «الحياة الصحية» تتطلب النسيان كما أوضح نيتشه، ولكن الحياة ليست كائنًا ميتافيزيقيًا،

فهي ترتبط بشروط محددة. وفي هذا السياق، لن أقول إننا نحتاج إلى هذه التصورات الغريبة التي ابتدعها نيتشه من مثل «التاريخ الأثري» Historie Monumentalische أو «التاريخ العاديّاتي» Atiquarische

Historie، وذلك لأننا أدركنا أننا لا نحتاج إلى رجال أقوياء أو رجال يعتقدون أنفسهم كذلك، ولكن إلى نظام ديمقراطي يتأسس على ما يسميه كلود لوفور Lefort Claude (2010–1924) «المكان الفارغ للسلطة»، كما لا نحتاج إلى المحافظة على قيم أو هوية لم تعد قيمنا ولا هويتنا، فالقيم الديمقراطية تجب ما قبلها، ولكننا، بعكس ذلك، أشد ما نكون حاجةً إلى ما يسميه نيتشه «التاريخ النقدي» Kritische Historie، لأنه يُعلمنا ما نأخُذه من الماضي وما علينا أن نتخلى عنه، وكل ذلك بالنظر إلى حياتنا الراهنة

ومتطلباتها، وهو أيضًا ما يفتح الباب على مصراعيه أمام مبادرة الأجيال الجديدة، وذلك على الرغم من أن نيتشه يدعونا إلى استعمال «تواريخه» في الوقت نفسه. إلا أنه يبدو لنا، بالنظر إلى الحمى التراثية المستحكمة بثقافتنا، أننا أحوج ما نكون إلى «التاريخ النقدي». ولنتذكر ما كتبه بورخيس في «مكتبة بابل»: «إن اليقين بأن كل شيء قد كتب يلغينا أو يصنع منا أشباحًا». رب سائل: ألم يعد الغرب في نهضته الكبرى إلى ماضيه؟ أولَا يعود إليه باستمرار؟ فلماذا تطالبنا

بنسيان ماضينا؟ ما يغفل عنه السائل هو أن تلك العودة إلى الماضي – أو بالأحرى وهم العودة – هو نتاج لعجز عن مواجهة الحاضر وتحدياته، في حين أن «إلحاح الماضي» في السياق الغربي ليس تعبيرًا «لرفض الذات

لمواجهة المستقبل، بل إن العكس هو الصحيح، فإن هذا الإلحاح في حضور الماضي نتيجة موضوعية للدينامية التاريخية غير المسبوقة للتطور الحضاري وعبر ذلك لقوة هذه الحضارة التي تطلب خلق الجديد [...] إنه هذا التقدم ما يجعل الماضي أكثر إلحاحًا»، وطبعًا هذه حقيقة لن يدركها العقل

المستقيل، فنحن أمام ماضٍ يرتبط بالتقدم وليس بالتخلف، وبتعبير آخر: «في ثقافة دينامية يصبح الماضي دومًا أكثر شبابًا». إن التخلف في عودته المتخيلة إلى الماضي يجهز على ما تبقى فيه من

عناصر حياة. إن الأحياء الأموات لا ماضي لهم.

ثانيًا: وجهان للذاكرة

يتحدث بيير نورا Nora Pierre عن عودة عالمية للذاكرة، تتحقق في أشكال مختلفة، منها ما يرتبطُ بنقد السرديات التاريخية الرسمية، أو يحتفي بالجذور الثقافية أو يتحقق كمراجعة قانونية للماضي

(22) Jorge Luis Borges, « La Bibliothèque de Babel,» in: Jorge Luis Borges, Fictions (Paris: Gallimard, 1974), p. 80. (23) Hermann Luebbe, «Geschichtsinteresse. Ueber die wachsende Aufdringlichkeit der Vergangenheit in der modernen Kultur,» in: Borchmeyer, p. 23.

أو يفتح الأرشيفات الرسمية أمام العموم، وغير ذلك. فنحن بالفعل أمام عولمة للذاكرة، كما يقول. ويمكننا أن نلحظ التطور عينه في السياق العربي، بل يمكننا أن نقف على إفراط في حضور الذاكرة، ولأكون أكثر دقة، على إفراط في تسييسها وتحويلها إلى ساحة للصراع السياسي والقيمي. ويأخذ ذلك الحضور أبعادًا مختلفة، تنعكس على حياة الناس، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وتؤثر في علاقة العرب بأنفسهم وبماضيهم وبالعالم. لكن بيير نورا يجانب في رأيي الصواب وهو يعتبر أن انحسار «الزمن التاريخي الذي توجهه الفكرة الثورية، هو ما أعاد الماضي إلى حريته». إن السياق العربي يؤكد عكسَ ما يزعمه نورا. أجل لقد قمعت حركاتُ التحرر الماضي وكبتته، وأحيانًا كثيرة

أخضعته لمبضعها الأيديولوجي، ولكن الأنظمة التقليدية في السياق العربي كانت أكثرَ تطرفًا في

توظيف التراث واستغلاله أيديولوجيًا، فهي تحكم باسم الماضي أو باسم ماضٍ محدد، تختزله في

تصور معين، تفرضه على الجميع. بل إنه من الخطأ إسقاط تحليلات نورا للذاكرة في السياق الغربي على السياق العربي – الإسلامي، أو اعتبارها من طبيعة كونية، حتى وإن وقفنا على أوجُه شبه في عمل الذاكرة، وأفعالها وانفعالاتها داخل السياقين. فهو يقول مثلً: «كان في السابق تضامن بين الماضي والمستقبل، ولم يكن الحاضر سوى صلةٍ بينهما. واليوم هناك تضامن بين الحاضر والذاكرة». إننا نعرف أنه لا يمكننا، في السياق العربي، وصف تلك العلاقة التي تربط الحاضر بالذاكرة بالتضامن. إن الأمر أشبهُ ب «مذبحة»، كما سنرى ذلك مع جورج طرابيشي (2016–1939). كما أن سياقنا لم يعرف «دمقرطةً للتاريخ»، يربط نورا صعود الذاكرة بها، ولا تحررًا للشعوب. ففي سياقنا، لا «تتحرر» الشعوب والأقليات إلا لتسقط في الطائفية أو القبلية أو المحلية، أي في هويات أشدّ ضيقًا، أو «هويات قاتلة». فالهوية عندنا، ليست كما يعرفها نورا باعتبارها «واجبًا»، إنها تبدو مثل قدر لا نختاره بمحض إرادتنا،

بل تدفعنا إليه شروط التخلف دفعًا. ولا نحتاج اليوم في سياقنا العربي فقط إلى ما يسميه نورا «واجب التاريخ» ضد «واجب الذاكرة»، بل أيضًا إلى ما يمكننا نعته ب «واجب النسيان». فكما يكتب نورا محقًا: «ذلك أن المشكلَ الحقيقي الذي يطرحه اليوم تقديسُ الذاكرة هو أن نعرف كيف، ولماذا، وفي أي

لحظة يمكن المبدأ الإيجابي للتحرر الذي يحركه أن ينقلب ويتحول إلى شكل من أشكال الانغلاق، حافز للإقصاء، وسلاح حرب. إن المطالبة بالذاكرة هي في مبدئها شكلٌ من المطالبة بالعدالة. ولكنها في نتيجتها، تحولت غالبًا إلى دعوة للقتل».

(24)  Pierre Nora , «L’ avènement mondial de la mémoire, » Transit , no. 22 (2002), pp. 1–8.

((2(يكفي أن نلقي نظرة على الأنظمة الملكية في السياق العربي، لنقف على ذلك. ولربما تقدم لنا الملكية المغربية صورة أوضح عن ذلك. ولربما تساعدنا سيمياء سياسية في تحديد ذلك الحضور الطاغي للتراث في هذا النمط من الملكية، وخصوصًا في عهد

الملك الراحل الحسن الثاني، يبدأ من كرسي العرش والذي تدبجه الآية القرآنية: ﴿إِنْ تَنْصرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾، مرورًا بطقوس البيعة

إلى البروتوكول الملكي وخطب الملك التي تتضمن دومًا نصوصًا دينية، من القرآن والسنة، إلى سياسة بناء المساجد، وإشراف

الدولة عليها، كما الحال مع خطبة الجمعة الموحدة، إلى الاستثمار في المواسم الدينية والزوايا، إلى الدرس المدرسي والمؤسسات الأهلية ووسائل الإعلام والثقافة العامة. هذا التكثيف العلاماتي المرتبط بالتراث، ونعرف أهمية العلامات في توليد المدلول ومعه السلطة؛ بتراث مشوه وفولكلوري، لا يمكن فهمه وفهم استمراريته بعيدًا عن السلطة السياسية واختياراتها الكبرى.

(26) Nora, p. 5. (27) Ibid., p. 8.

أقترح هنا التمييز بين شكلين للذاكرة، وذلك أيضًا للتمييز بين موقفين منها، أو تصورين للنسيان: الذاكرة الأولى هي تلك التي أسميها الذاكرة العمودية، وهي تلك الذاكرة التي تطلب ربطنا بشيء اسمه «الأصالة»؛ بهوية أو وَهْم هوية، لتُخرجنا عبر ذلك من «الخصوصية». إنها ذاكرة غير تاريخية، توظفها

باستمرار السلطة السياسية – الدينية في الحاضر. إننا لا نعرف تلك الذاكرة إلا من خلال الأيديولوجيا، ومن يتأمل كتابات الغرب عن النص القرآني فقط سيدرك كم نجهل ما نسميه تراثنا. وينتمي «نقد العقل» إلى فضاء هذه الذاكرة، فهو يتقهقر إلى داخلها، ظنًّا منه أنه عبرها، وعبر حروبه «العقلانية» التي يخوضها بداخلها، سيغير شيئًا في الحاضر. أما الذاكرة الثانية، فهي تلك التي أسميها الذاكرة الأفقية، وهي الذاكرة الحية، المعيشة، التي تربطني بالآخر لا بالهوية، بالأحياء لا بالأموات. يكتب عبد الله العروي: «يستحيل إذن أن نصف مسيرة العرب نحو تعريف ذاتهم دون أن نصف في الوقت نفسه تاريخ تعرفهم على الغرب وتعريفهم له»، بل قد نضيفُ أنهم لا يتعرفون أنفسهم إلا عبر الغرب نفسه، فتقدُمه يحدّثهم عن تخلفهم، وحريتُه تحدّثهم عن عبوديتهم، وقوتُه تحدّثهم عن ضعفهم، وحضارتُه تحدّثهم عن بداوتهم، وانتصاراتُه تحدّثهم عن هزيمتهم. إن الغرب هويةُ العرب المعاصرة أو هويتهم المعكوسة. وحتى أعود إلى الذاكرة الأفقية، فيجب أن تكون ذاكرة لأجل الحياة، حُرة، أنا من يخلقها

عبر اللقاء بالعالم، وليست إرثًا يتنازع عليه أبناء غيورون في حرب دموية. يحدثني اللقاء بالآخر عن أن العالم أكبر من ذاكرتي، ويقول لي ما قاله هيرودوت Herodotus (نحو 484 ق. م. – 425 ق. م.) لليونان القدامى من أن هناك حضارات تتفوق على حضارتهم، مُسائلً

بذلك مركزيتهم الثقافية وشعورهم بالتفوق. إن الذاكرة خروج من الهوية، لأنها تتمنع على الاختزال الأيديولوجي، وإن نقدها هو نقد للحاضر، أو كما يخبرنا نيتشه: «إن كلمة الماضي هي دائمًا كلمة

متنبئ؛ إذ كبناة للمستقبل وعارفين بالحاضر فقط يمكنكم إدراك معناها». هذه التربية على المستقبل، كما يتحدث عنها نيتشه، وكما نلتقيها قبله في المثالية الألمانية كلها، ولاحقًا، بشكل مثمر، في السياق الفكري الغربي المعاصر، لا نكاد نقف لها على أثر في الفكر العربي المعاصر. إن هذا لا يعني أننا نطالب على طريقة المستقبليين الإيطاليين Futurists Italian بإلغاء الماضي أو السقوط على طريقتهم في نوع من «فوبيا المتاحف» وهم يعبرون في بيانهم عن رغبتهم في «تحرير إيطاليا من العدد اللانهائي لمتاحفها، التي تغطي البلد مثل عدد لانهائي من القبور»، ولكننا نؤكد ضرورة التعامل مع الماضي وقراءته وفقًا لمنطق العصر. ودعوني أقدّم مثالً على ذلك: لقد ظل المستشرقون يرددون أن الإسلام يحتاج إلى إصلاح، وتبعهم في ذلك عديد من المفكرين العرب، ولكن ما نسيناه خلال ذلك أن الدين لا يمكن إصلاحه، لأن القول بذلك يعني أن الدين ناقص أو

(2((عبد الله العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1995)، ص.24 (2((ينظر مراجعتي كتابَي الآخر وأسفاري مع هيرودوت، للكاتب البولندي رتشارد كابوتشينسكي، في: رشيد بوطيب، «الآخر عند

ريتشارد كابوتشينسكي»، جريدة الحياة اللندنية،.2009/11/3 ((3(نيتشه، ص.58

(31) Paul Connerton, «Seven types of forgetting,» Memory Studies , vol. 1, no. 1 (2008), p. 61.

فاسد أو قاصر، ومن يقول بذلك لا يحتاج إلى دين ولا إلى إصلاح ديني، ولكن ما يمكن إصلاحه هو التدين، أي الطريقة التي نعيش بها ديننا اليوم، فمشكلتنا ليست مرتبطة بالماضي ولكن بالحاضر، أو بطريقة استحضارنا أو تذكرنا لذلك الماضي. ذلك أن التذكر، كما تكتب أليديا آسمان: «ليس البتة استردادًا للماضي، بل هو فقط تمثل له»، مؤكدة أن الناس يتذكرون دومًا في ظل حاضر معين، وهو

ما يعني أنهم في حاضر آخر، تحكمه شروط أخرى، يتذكرون على نحو مختلف. وقد يتبين لنا في نهاية المطاف أن المشكلةَ لا تكمن في عدم قدرتنا على «الإصلاح»، ولكن في عجزنا عن «الترجمة»، فما قامت به اليهوديةُ الأوروبية كان «ترجمةً» وليس «إصلاحًا»، وبلغة أخرى، لقد ترجمت الدين إلى

لغة الإيتيقا المعاصرة، فلم تبحث هل ما قاله العهد القديم صحيح أو خطأ، أصلي أم مزيف، لم يسكنها ما يسميه ميرشا إلياذة (1986–1907)، وهو محق، ب «هوس الأصل». وأعتقد أن ذلك ما نحتاج إليه في سياقنا المعاصر. يجب أن نتحرر من هذا المفهوم السيئ الصيت الذي اسمه «الإصلاح»، ونعتمد المفهوم اليهودي ل «الترجمة»، لأن ذلك يربطنا بالعصر ولغته وفتوحاته السياسية والإيتيقية والحقوقية، ولا يرغمنا على وضع الماضي على سرير بروكست. يتحدث بول ريكور Ricoeur Paul (2005–1913) عن الاستعمالات السيئة للذاكرة على ثلاثة مستويات، المستوى الأول: «مرضي – علاجي»، وفيه يتحدث ريكور عما يسميه الذاكرة المعطلة empêchée Mémoire، أو ما ينعته أيضًا بالذاكرة «الجريحة» أو «المريضة». وهنا، وانطلاقًا من سيغموند فرويد Freud Sigmund (1939–1856)، يميز بين أمرين حاسمين في عملية التذكر لدى المريض النفسي. الأمر الأول يتعلق بما يسميه فرويد «إكراه التكرار» Wiederholungszwang والذي يعوق فعل التذكر Erinnern لدى المريض، بل هو لا يكتفي بذلك، لأنه يعيد إنتاج الماضي، من دون أن يكون على وعي بذلك. أما التمييز الثاني الذي يعتمده ريكور، والذي يستمده أيضًا من فرويد، فهو التمييز بين الحزن والسوداوية. يُعرف التحليل النفسي «إكراه التكرار» باعتباره «عملية لا تقاوم، ذات مصدر لاواعٍ، تنشط فيها الذات

لزجّ نفسها في وضعيات مؤلمة، مكررة بذلك تجارب قديمة من دون تذكر نموذجها الأصلي، وإنما

هي تعيشها على العكس من ذلك، مع انطباع على درجة عالية من الحيوية، بأن المسألة ترتبط بشيء يجد تبريره الكامل في الواقع الراهن»، «إنه النموذج الأبرز على المقاومة المميزة للّوعي ». إن الأمر أقرب إلى الوسواس، وكما يكتب فرويد: «وهكذا يمكننا أن نقول إن المريض لا يتذكر شيئًا

مما هو منسي ومكبوت، ولكنه يعيد إنتاجه. وهو لا يعيد إنتاجه كتذكر ولكن كفعل، وهو يكرره من

(32) Aleida Assmann, «Gedaechtnis als Leitbegriff der Kulturwissenschaften,» in: Lutz Musner & Gotthart Wunberg (eds.), Kulturwissenschaften, Forschung – Praxis – Positionen (Vienna: WUV, 2004), p. 28. (33) Ibid., p. 31. (34) Mircea Eliade, Die Sehnsucht nach dem Ursprung (Frankfurt: Suhrkamp, 1976), p. 67.

(3((جان لابلانش وجان برتراند بونتاليس، معجم مصطلحات التحليل النفسي، ترجمة مصطفى حجازي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2011)، ص.154 ((3(المرجع نفسه، ص.156

دون أن يعرف أنه يكرره». وما يميز هذا المريض الذي يعاني هذا الإكراه، كما يوضح فرويد، هو أنه «يجلب من ترسانة الماضي الأسلحة التي بواسطتها يريد تجنب العلاج»، وبتعبير آخر: تلك الأسلحة التي تجنبه الاعتراف بمرضه والتصالح مع واقعه. ولهذا يرى فرويد ضرورة أن «يتعلم المريض الشجاعة، للانشغال بتركيز اهتمامه على تمظهرات مرضه. والمرض نفسه لا يجب أن يواصل اعتباره أمرًا محتقرًا، بل خصمًا يستحق الاحترام، وجزءًا من جوهره نفسه»، وإلا، طبعًا، لن تتحقق

مصالحة بين المريض والمكبوت في رأي فرويد. فمن دون اعتراف وتعرُف للمريض على مرضه، لن

يؤسس، كما يكتب ريكور، «لعلاقة صادقة مع ماضيه». وكما وقفنا لدى المريض على تعويض للتذكر بالتكرار، سنقف لديه على إبدال للحزن بالسوداوية، والفرق بين الاثنين، كما يبين فرويد، مرتبط بالإحساس بالذات Selbstgefuehl، ففي الحزن، لا نقف على تراجع في درجة الإحساس بالذات، عكس السوداوية. ويتساءل ريكور: «ما العمل الذي يقدمه لنا الحزن؟» ليجيب انطلاقًا من فرويد، أنه يحرر الليبيدو من موضوع الحزن ويُخضعه لأوامر الواقع. وأي محاولة للالتفاف على ذلك ستكلف الذات غاليًا. وينقل ريكور عن فرويد قائلً: «إن تحقيق كل أمر من أوامر الواقع، وبشكل تفصيلي،

هو عمل الحزن». إن الحزن مؤلم، وهو مؤلم لأنه لا يستغرق في الوهم، ولأنه محرر. وهو هنا أقرب في عمله إلى التذكر كما يلاحظ ريكور، في حين يظل عملُ السوداوية الذي يتمرد على أوامر الواقع، أي ذلك العمل غير الواقعي، شبيهًا بعمل إكراه التكرار. ويمكننا أن نلخص ما سبق ونقول: إن الحزن تذكر والتكرار وهم. وقد نقول أيضًا: إن الحزن اعتراف بالواقع. أما السوداوية فهي كلَف مرَضي بما

كان ولم يعد ولن يعود. بقي أن نتساءل مع ريكور عن علاقة كل هذه الاستنتاجات ب «الذاكرة الجمعية والتاريخ»؟ أو ما إذا كانت تمتلك أي صلاحية تفسيرية؟ وما إذا كان هناك، على مستوى الذاكرة الجمعية، «مرادفٌ للوضعيات الباثولوجية التي يتعامل معها التحليل النفسي؟». ويسوق ريكور في هذا السياق «السلوكيات الحِدادية»، والتي يعتبرها «مثالً مفضلً فيما يرتبط بالعلاقات المتقاطعة بين التعبير الخاص والتعبير

العام». فالحِداد لا يتم على مستوى الفرد فقط ولكن أيضًا على مستوى الجماعة. يتذكر العرب مثلً من المحيط إلى الخليج «هزيمة 48» كما يتذكرون «هزيمة 67»، وهم يتذكرون لا ريب يوم سقوط بغداد. ويكتب ريكور أن «مفهوم الموضوع المفقود يجد له تطبيقًا مباشرًا في ‘الخسارات’ التي تصيب

(37) Sigmund Freud, Studienausgabe, Schriften zur Behandlungstechnik (Frankfurt am Main: Fischer, 2000), pp. 209–

(38) Ibid., p. 211. (39) Ibid., p. 212. (40) Paul Ricoeur, La mémoire, l’histoire, l’oubli (Paris: Seuil 2000), p. 86. (41) Ibid., p. 87. (42) Ibid. (43) Ibid. (44) Ibid., p. 95.

السلطة والأراضي والسكان التي تُكوّن جوهر كل دولة». وهكذا، في رأي ريكور: «تجمع في

أرشيفات الذاكرة الجمعية جروحٌ رمزية تستدعي العلاج»، مؤكدًا أنه يمكن تفسير أشكال التذكر

المختلفة، من إفراط في التذكر أو تحجيم له، ب «مقولات المقاومة وإكراه التكرار» التي نقف عليها لدى الأفراد، و«تخضعُ في النهاية للعمل الصعب لفعل إعادة التذكر»، مُفرقًا بين ذاكرة – تكرارية

Mémoire–répétition، تُفرط في التذكر أو تُحجم عنه، والتغني بالأمجاد والأجداد أو السكوت عن الهزائم وتزييف التاريخ، وترفض النقد، في مقابل ذاكرة – الذكرى، Mémoire–souvenir، أو ما يمكن تسميته أيضًا الذاكرة النقدية، والتي تجد في النقد وسيلة وصلها بالماضي. لكن ما لم يقله ريكور هو أن هذه الذاكرة النقدية لا يمكن اجتراحها، على المستوى الجمعي، إلا عبر الفتوحات النقدية للحداثة، فثقافة تقليدانية، مثل الثقافة العربية، لم تؤسس بعد لعلاقة ديمقراطية بنصوصها المؤسسة، لن تحقق ذلك من خلال «التيموية» و«الطهوية»، ولكن عبر رفض الهوان وتجرع السم السبينوزي. ولهذا فإن الذاكرة النقدية لا يمكنها أن تتحقق إلا على مستوى ما أسميناه بالذاكرة الأفقية، أي تلك التي تربطنا، بالحياة، بالحداثة، وبالآخر، في حين تظل ذاكرة – التكرار أبلغ تعبيرًا عن المنطق الذي يحكم الذاكرة

العمودية أو ذاكرة الهوية. ويتضح لنا ذلك أكثر على «المستوى العملي» أو ما يسميه ريكور «الذاكرة المتلاعب بها» Mémoire Manipulée. ففي هذا السياق سيتحدث عن سوء استعمال الذاكرة والنسيان من طرف السلطة، أو ما يسميه الذاكرة المجروحة أو الأداتية، لأنه تم الانحطاط بها إلى مستوى الأداة الأيديولوجية، وهنا يقف ريكور على ذلك التداخل «بين إشكالية الذاكرة وإشكالية الهوية، الجمعية منها والشخصية». وهو يعني هنا إخضاع الذاكرة أو تعبئتها لخدمة الهوية. وهو ما سيتسبب في وقوع انحرافات، من أعراضها تضخم الذاكرة أو الإفراط في النسيان. إن الابتزاز الهُوياتي يقود إلى تلاعب

بالذاكرة وإلى سوء استعمال للتراث، وقد أوضح ذلك مثلً عزمي بشارة في تحليلاته للطائفية والسلفية، وأوضح العروي في وقت مبكر، كما سنقف على ذلك لاحقًا، كيف أن الانخراط في المغامرة التراثوية لا يخدم إلا السلطة السياسية القائمة، وذلك على الرغم من كل دعاوى العقلانية، بل إن ذلك يبدو في نهاية المطاف قريبًا مما أسماه فرويد إكراه التكرار أو ريكور ذاكرة – التكرار، أو ما أسميته الذاكرة

العمودية التي لم، ولن تلتقي الآخر، بالمفهوم الذي تقدمه الفلسفة الحوارية للقاء، لأنها مسكونة بالأنا، مهووسة بالهوية، ولأنها استبدلت التذكر بالأيديولوجيا، وفي الأيديولوجيا، كما يكتب ريكور، «الآخر دومًا من يتعفن».

ثالثًا: الحمّى التراثية

سيطرح الفكر العربي منذ عصر النهضة «سؤال الضروري»، ولكنه سيطرحه في علاقة بالهوية وليس بالحياة. سيسأل النهضويون: لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟ وسيطرح القوميون العرب

(45) Ibid. (46) Ibid., p. 96. (47) Ibid., p. 98. (48) Ibid., p. 100.

السؤال بالطريقة نفسها، ويرتبط الماركسيون منهم بالسؤال النهضوي وهم يدلون بدلوهم في معارك التراث الوهمية، وسيمنعنا سؤال الهوية من اكتشاف الحاضر وعبر ذلك من معرفة أنفسنا وتراثنا. ولا يبالغ جورج طرابيشي حين يكتب إن الثقافة العربية، «في المرحلة المعاصرة من تطورها، تبدو كأنها من أكثر ثقافات العالم انشغالً بشاغل التراث». لكن تلك «العودة إلى الجذور» التي نلحظها، كما يقول، في العديد من ثقافات العالم المعاصر، ليست نتيجة لأزمة هوية، يربطها جورج طرابيشي بتسارع عملية المثاقفة، بل هي بالأحرى انعكاس للنظام الرأسمالي المهيمن واستمرار لأزماته وصناعته الثقافية. إن العودة إلى التراث لا ترتبط بجرح نرجسي، ولكنها ترتبط صميميًا بشروط التخلف، والتي هي من

طبيعة مادية، وما الجرح النرجسي، إن أمكن استعمال هذا المفهوم، إلا انعكاس لها. إن علينا ألّ نخاف التفكير في الواقع، وألّ نخضع للابتزاز ال «ما بعد حداثي» الذي يريد أن يحرمنا من حق التفكير في تلك الشروط الواقعية وإدانتها. يكتب طرابيشي أن «التراث المؤدلج هو تراث بلا حقيقة تاريخية». ذلك أن مختلف القراءات الأيديولوجية لهذا التراث لا تطلب معرفته، إن لم تحرمنا من تلك المعرفة، فهدفها استثماره في معاركها الأيديولجية، وهي بذلك لا تهدم هذا التراث فقط، بل تهدم من خلال ذلك حاضرها أيضًا، أو تزيف، من خلاله، قضايا الواقع، فيصبح لسؤال الهوية الأولوية على سؤال العدالة الاجتماعية والحريات السياسية، ويكتفي الناس بالدغدغة الدينية بدلً من المطالبة بحقوقهم السياسية. يتحدث طرابيشي في هذا السياق عن «منهج الإسقاط الأيديولوجي» كما يتضح في رأيه من القراءة «الماركسية» لهذا التراث، التي انتهجت طريق لينين، والذي اعتبر في حواره مع القوميين الروس أن الشيوعيين أيضًا أصدقاء للتراث، ولكن طبعًا أصدقاء فقط لذلك التراث الذي مر مما يمكن تسميته «المطهر التقدمي». أجل، إن علينا أن نقرأ التراث من خلال واقعنا، بل نحن دومًا ما نقوم بذلك،

ولكن ذلك لا يعني أن نقرأه أيديولوجيًا أو أن نحوله إلى «حقل صراع»، ولكن أن نقرأه من خلال

الفتوحات الفكرية للحداثة، كأن نعتمد مثلًالمنهجية النقدية التاريخية في قراءتنا للنصوص الدينية، وما قد يعقب ذلك من تحرير لهذه النصوص من ربقة اللاهوت السياسي للاستبداد وتحرير للتراث من الهوية، أو نترجمه، كما ذكرت سابقًا، إلى لغة الإيتيقا المعاصرة، فنقرأه انطلاقًا من «الوجه» وليس من «النص» أو «العقل». وفي الواقع، إننا لا نقرأ التراث إلا لنتحرر منه، وكل من يقول غير ذلك، وكل من يطلب استثماره أيديولوجيًا فهو يطلب تأبيد التقليد. إن من حق عبد الله العروي

أن يتساءل قائلً: «هل اللجوء إلى منطق الماضي يقتصد الطريق، يقنع العامة، يدفع الناس إلى قبول الجديد، أم يخضع الحاضر المتجدد لمنطق الماضي الراكد، ويقوي بالتالي، رغم المكاسب

(4((جورج طرابيشي، مذبحة التراث في الثقافة العربية (لندن: دار الساقي، 2003)، ص.7 ((5(المرجع نفسه. ((5(المرجع نفسه، ص.9

الجزئية، دعاة الماضي، غير المقتنعين بضرورة الإصلاحات؟»، ولقد انتبه محمد أركون –1928(2010) إلى ذلك أيضًا، وفي وقت مبكر، دائنًا عبث السياسي أو ما يسميه بأيديولوجيا الكفاح، بالعلمي والمعرفي، لكن ما لم يكن ليتوقعه أكبر المتشائمين، هو أن ينجح التراثويون المعاصرون في فرض تصورهم عن التفكير داخل السياق العربي، فأضحى الخطاب الفكري مرتبطًا بمدى قدرة المرء على استهلاك التراث والاستشهاد بأعلامه والاحتماء بهم، من دون الانتباه إلى ما يمثله ذلك من إعادة إنتاج للوضع القائم. يرى طرابيشي أن التيار القومي «يريد بدوره إجمالً، مثله مثل الماركسي، أن يخضع جسد التراث لعملية جراحية، ولكن الأورام السرطانية التي يتغيّى استئصالها تصنف من قبله تحت عنوان ‘الانحطاط’

أكثر منها تحت عنوان ‘الظلامية’، وهي ناجمة في نظره عن نشاط مجاوز لحده للأجناس ‘الغريبة’ والعناصر ‘الدخيلة’ أكثر منها عن عمل القوى ‘الرجعية’ والطبقات ‘الاستغلالية»’، ولا ريب أن الحرب التي يخوضها القومي في ساحة التراث ستخلف هي الأخرى عددًا لا يُحصى ولا يُعد من

الضحايا، وقد يكون من بينها فلاسفة وكتاب كبار ممن أسهموا إسهامات كبيرة في تشكيل الحضارة العربية – الإسلامية، ومنهم مثلً، على رأي أحد رموز التيار القومي، زكي الأرسوزي (1968–1899)، «ابن المقفع والفارابي وابن سينا والغزالي»، لهذا لم يبالغ طرابيشي كثيرًا وهو يختار «المذبحة»

عنوانًا لكتابه، ولكنه بقي سجين هذا المفهوم وهو يناقش مساهمتي زكي نجيب محمود (1993–1905) ومحمد عابد الجابري (2010–1935). فمن حق زكي نجيب محمود أن يتساءل عن الفائدة العملية للتراث. بل إن سؤاله قريب من سؤال نيتشه، وهو يكتب قائلً: «فإذا كان عند أسلافنا طريقة تفيدنا في معاشنا الراهن، أخذناها وكان ذلك هو الجانب الذي نحييه من التراث، وأما ما لا ينفع نفعًا عمليًا

تطبيقيًا فهو الذي نتركه غير آسفين». ولا بأس في أن يجلس زكي نجيب محمود على «مقاعد

المدرسة النفعية»، وليس كما ينتقد طرابيشي، وهو ما جعله يرفض ذلك التراث الذي يحط من قيمة الإنسان. إن من حق طرابيشي من جهة أخرى أن يعترض ويحتج على طرد الشعر والنثر الفني والعلمي من مشروع نقد العقل العربي، الذي ينطلق من تصور اختزالي للعقل، لأنه لا يدرك، كما عبر عن ذلك طرابيشي بحق، أن اللاعقل جزء من العقل ومكون له، ولكن صاحب نقد العقل العربيينطلق أيضًا من تصور أيديولوجي للتراث، لأنه يربطه بهوية تريد لنفسها أن تكون نهائية، في حين أنه لا يمكننا أن نتحدث عن تراث عربي – إسلامي، لأن ذلك يعطل التاريخية ويغفل أن التراث، أيًا كان، تخترقه

(5((عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1992)، ص.18 (5((محمد أركون، التراث وتحديات العصر في الوطن العربي (بيروت: منشورات مركز دراسات الوحدة العربية، 1985)، ص.208 ((5(طرابيشي، ص.21 ((5(المرجع نفسه، ص.25 (5((زكي نجيب محمود، تجديد الفكر العربي (بيروت: دار الشروق، 1974)، ص.18 ((5(المرجع نفسه، ص.115

هويات مختلفة ومتعددة، وبتعبير آخر، إننا لن نتحول إلى «كائنات لها تراث» كما كان يحلم الجابري، إلا إذا حررنا التراث من اللعبة الأيديولوجية للهوية، وربطناه بالتاريخية، وبلغة قريبة من لغة ديديي إريبون، إلا إذا فتحنا الزمانية التي أغلقتها القدرية التاريخية وخطاب الهوية المتحالف معها. يجب أن يكون «نقد التراث» جزءًا من مشروع أكبر هو نقد الحاضر، ويجب أن يتمحور أيضًا حول نقد

أشكال حضور هذا التراث في الواقع، لا أن يغرق في الرمال المتحركة للماضي. إن «العقل المستقيل» يظل، في رأيي، ذلك العقل الذي يفصلنا أكثر عن الفتوحات الكبرى للحداثة، أو عن تراث العالم، ويؤبد غربتنا عن الواقع وأسئلته وهو يواجهها بمنطق سحري. أجل، من حق الجابري أن يحكم على مجموع التراث الشيعي باللاعقلانية، ولكنه ينسى خلال ذلك أن للعقلانية أو لعقلانية «الفرقة الناجية» مذابحها الأكثر همجية. وأمام مثل هذه القراءات التي تقسم التراث إلى عقلاني وغير عقلاني، لا يجب أن ندخل في «حرب جثت» كتلك التي دخلها طرابيشي ضد الجابري، ونشغل أنفسنا بأسئلة من قبيل «أكان الرازي عقلانيًا أم لا؟». إن «العقل المستقيل»

ظهير الاستبداد، وهناك حيث يحكم الاستبداد يحكم هذا العقل، وهو أمر أدركه الجابري ورآه رأي العين في مجتمعه، ولكنه لم ينجح في تجاوزه بسبب «الحمى القومية» التي استبدت بجيله، رغم كل النيات الحسنة، ورسمت حدود تفكيره. وتجدر الإشارة هنا إلى موقف ناصيف نصار، الذي يحذرنا من القراءات المدائحية للتراث، وخصوصًا تلك التي تستدعي ابن خلدون وابن رشد، وهو يوضح كيف أن دفاع ابن رشد لم يكن عن الفلسفة عمومًا، بل عن فلسفة هدفها النظر في الموجودات وفي علاقاتها بالصانع أو هدفها معرفة الإله. فالفلاسفة هنا ليسوا أكثر من ورثة للأنبياء، والفلسفة محصورة في البعد الديني، وليست ممارسة حرة للعقل، بل ممارسة مقننة ب «الشرع»، لا تتجاوز أفقه أو نفقه، هدفها الإثبات لا الاختلاف والتبرير لا التفكيك، تستمد شرعيتها من «الشرع» لا من العقل، وتنادي «بقتل الزنادقة»، أي بقتل الخارجين عن «الحقيقة الشرعية». هل يحق لنا أن نقول مع محمد عابد الجابري في مقدمة كتابه نحن والتراث: «ما تبقى من تراثنا الفلسفي، أي ما يمكن أن يكون فيه قادرًا على أن يعيش معنا عصرنا، لا يمكن أن يكون إلا رشديًا»؟ أولً، علينا قبل إصدار مثل هذه الأحكام، بغض النظر عن مبررها السياسي – فالاستبداد السياسي وجب أن يدفع الفكر الحر والنقدي إلى الارتباط بإنجازات الحداثة وليس إلى البحث عن ترياق في صناديق التراث – أن ننتبه إلى هذه المبالغة في استعمال مفاهيم خارج سياقها، من مثل الحديث عن «نقدية ابن حزم» و«عقلانية ابن رشد» و«تاريخية ابن خلدون» أو عن «العقلانية النقدية التي دشنت خطابًا جديدًا في الأندلس والمغرب مع ابن حزم وابن رشد والشاطبي وابن خلدون»، كأننا نتحدث

(58) Didier Eribon, Principes d’une pensée critique (Paris: Fayard, 2016), p. 21.

(5((ناصيف نصار، الإشارات والمسالك: من إيوان ابن رشد إلى رحاب العلمانية (بيروت: دار الطليعة،.)2011 (6((محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1986)، ص.566

عن فلاسفة من القرن التاسع عشر، وما يمثله مثل هذا الاستعمال من خلط للتراث بالحداثة؟ وأخيرًا،

وبالنظر إلى العلاقة التي يبنيها الجابري بالتراث، والمقاربات التي يعتمدها والنتائج التي ينتهي إليها، لا يمكننا أن نضع الجابري ومساهمته في خانة التيار العلمي كما يفعل طرابيشي، بل يجب اعتباره امتدادًا للتيار القومي وعقلانيته المغلقة، فالجابري يقف في نهاية الطريق التي يقف في بدايتها الأرسوزي. لقد شهد الجابري عمليات توظيف التراث سياسيًا من أجل تأبيد الوضع القائم، فالاستبداد العربي

يحكمنا بتكريس جهلنا بالتراث، واحتكار المؤسسات الرسمية التابعة له حق الحديث عنه وباسمه، حتى إنه ابتدع شيئًا جديدًا، باسم هذا التراث هو «الأمن الروحي». إنه يحكمنا بما يسميه أوليفيي روا،

عن حق، «الجهل المقدس». غير أن عودة الجابري وأترابه، بمختلف مشاربهم إلى التراث، لن تحرره من السياسة وعبثها بل ستعيده إليها وهي تحاول استثماره في معارك الراهن، وإن كان ذلك هذه المرة باسم الدفاع عن العقلانية. وبلغة أخرى إن ذلك كان على حساب الارتباط بالحداثة. إذ لا يمكن الدخول إلى الحداثة السياسية من باب التراث، ولكن فقط من خلال نقد للحاضر، وإلى ذلك ينتمي

((6(يشير أنطوان سيف إلى قضية أساسية فيما يتعلق بابن رشد، تؤكد ما قاله العروي من قبل، أي إن إحياء بعض التراث ولو كان عقلانيًا، يخدم السلطة التقليدية القائمة. فهذا ابن رشد، كما يكتب سيف، لم يكن يؤمن بالحرية الفكرية للجميع، بل ظل تصوره عنها

طبقيًا، وهو يختلف، لا ريب، مع فيلسوف عظيم مثل سبينوزا أراد دمقرطة علاقة الناس بالكتاب المقدس، وتحريره من أيدي

رجالات الدين وسدنة المعابد. إن مثل ابن رشد لا يمكنه أن يكون ظهيرًا للحرية والديمقراطية وحقوق الناس، وعقله يتحرك في

الفضاء الذي رسمه له اللاهوت السياسي للاستبداد، لا يتجاوزه، هو الذي يرى أن التراتبية بين الناس «معطى رباني» أو «أمر إلهي»

لا يجادل فيه، ينظر: أنطوان سيف، وعي الذات وصدمة الآخر (بيروت: دار الطليعة، 2001)، ص 65. ومن حق سيف أن يحذرنا من استنساخ هذا النموذج الرشدي عبر الأزمنة ومن الإفراط في التفاؤل بصلاحيته، ينظر: المرجع نفسه، ص 76. لكننا مع ذلك نندهش من النتيجة التي انتهى إليها أنطوان سيف وهو يكتب: «لا يمكن الرهان على بعث ابن رشد كمضمون فكري، بل كنموذج وأسلوب مواجهة»، المرجع نفسه، ص 79. فهل يمكن الحديث عن أسلوب خارج المضمون الذي يحدده ويضبط إيقاعه؟ وأي أسلوب هذا الذي تصالح مع الاستبداد كما يقول سيف نفسه؟ وأي مواجهة؟ يكرر وجيه كوثراني أيضًا، شأن أنطوان سيف، وبحقٍ في رأينا،

الموقف نفسه من الرشدية، متماهيًا مع الرأي الذي عبر عنه العروي في العرب والفكر التاريخيبداية السبعينيات، ينظر: وجيه

كوثراني، «الجابري و‘وصفة’ العقلانية الجاهزة من عند ابن رشد»، جريدة السفير، 1997/12/20، وضمنه أنطوان سيف كتابه سابق الذكر. في: سيف، ص 93–89. يكتب كوثراني عن الدعوة إلى عقلانية ابن رشد في الفكر العربي المعاصر قائلً: «فهذه الدعوة لا

تفيدنا بشيء. إنها نوع من ‘أصولية عقلانوية’ تتشابه منهجيًا مع أختها ‘الأصولية الإسلامية’»، في: المرجع نفسه، ص.91

(62) Olivier Roy, La sainte ignorance. Le temps de la religion sans culture (Paris: Seuil, 2008).

يسلط أوليفييه روا في هذا الكتاب نظرة نقدية على الديناميات والتحولات العامة للتدين المعاصر، وعلاقته بالثقافة والعلمانية

والعولمة، مؤرخًا تراجع الأديان «الثقافية» وولادة تدين «معولم»، أكثر أصولية ومعادٍ للالتباس. إننا نقف، بحسب روا، أمام «ظاهرة

نزع الثقافي عن الدين»، ينظر: المرجع نفسه، ص 39. أو إننا نقف أمام «دين محض» يمتلك فيه التدين الأولوية على الدين، وتتوقف فيه المعرفة الدينية عن أن تصبح مكونًا للتدين، ينظر: المرجع نفسه، ص 359. إن هذا التطور يختزل، بحسب روا، الدين في الاعتقاد،

ولكن ما يجب تأكيده أيضًا في هذا السياق، هو أن التدين المعاصر لا يشهد فقط طلاقًا بين الدين والثقافة، ولكن، أيضًا، طلاقًا بين

الدين والأخلاق، يختزل الدين في الانتماء، كما يختزله الطلاق الأول في الاعتقاد، ولو كانت السلطوية العربية قد سبقت «التدين المحض» إلى ذلك. نقف اليوم أمام تدين لا علاقة له بالتراث، رغم كل مزاعمه وكل شعاراته وكل ذلك اللوك السطحي للنصوص؛ إذ، كما يوضح روا، إنه نتيجة لصيرورة العولمة، وقد نضيف أنه نتيجة للتسطيح الثقافي المرافق لها، والذي يتساوق مع التصحر الثقافي الذي أسس له الاستبداد السياسي وسياساته الممنهجة في نشر الأمية. لقد انتهى التدين المعاصر، وخصوصًا في السياق

الإسلامي، إلى نوع من الاستهلاكوية المفرغة من كل مضمون إنساني وأخلاقي وثقافي، إلى هوية طهرانية، يخشى فيها المؤمن من جسده، أو إلى شريعة بلا روح، مرتفعًا ب «الستربتيز» إلى مستوى «النظرية». من ناحية أخرى، يجب، في رأيي، توسيع صلاحية مفهوم

«الجهل المقدس»، ليشمل جهلنا بالعصر الذي نعيش فيه، وبشرطنا التاريخي، وبالأسئلة الملحة للواقع، وبالإنجازات الحقوقية والسياسية والعلمية للحداثة، ولكن أيضًا جهلنا بأصولية السوق وصناعتها الثقافية، التي يتماهى معها «الدين المحض» في مازوخية

قل نظيرها.

لا ريب نقد ذلك التوظيف السياسي للدين وللتراث عمومًا. وفي هذا السياق نفسه، تجدر الإشارة إلى

شيء مهم، وهو أنه لا يوجد شيء اسمه «القراءات التراثية للتراث»، فتلك القراءات ليست بنت التراث ولا يربطها شيء به، وإن استعملت لغته وتحركت في إطار الحدود التي ترسمها عقلانيته. إنها، عكس ذلك، بنت الصناعة الثقافية للتخلف، وشروطها الاجتماعية والسياسية. إن الأمر يتعلق بممارسات سياسية تستغل التراث أو جزءًا منه، أو تصورًا متخيلً عنه، لتبرير النظام السياسي القائم وثقافته السائدة.

ولهذا أشدد على أن كل مشروع تحرري يبدأ بنقد الحاضر، وأن التراث قضية وهمية. إن الاستبداد وصناعته للتراث هما ما يجب نقده ونقضه. يعبر الجابري عن العلاقة بين الماضي والحياة، بكلمات تذكرنا بما كتبه نيتشه، وهو يكتب قائلً إن الهدف «هو التحرر من كل ما هو متخشب في إرثنا الثقافي، من أجل فسح المجال للحياة كي تستأنف فينا دورتها، أي من أجل الإعلاء من راية النقد في زمن سيادة التقليد»، لكن انطلاقه من فهم خاطئ وضيق للتراث يربطه بالهوية، سيفصله عن التراث الحي الذي أسس للحداثة الغربية، وأعني به التنوير، ومختلف الثورات السياسية والحقوقية والعلمية، وسيقلب العلاقة بين الحياة والتراث، ليجعل الحياة في خدمة هذا التراث ورهينة تقسيماته الاعتباطية بين ما هو عقلاني وما هو غير عقلاني، بل رهينة تحزباته وصراعاته. إن مشكلتنا ستكون دومًا مع ذلك الذي يعتقد وجود داخل

للتراث أو داخل للثقافة، فيكتب مشيدًا بالجابري، أن أهمية فكره تكمن في أنه لم يفكر في التراث من خارجه ولكن من داخله، والواقع أن الفكر النقدي هو الذي يفكر من داخل الواقع وأسئلته، ومنها حضور التراث أو وهم حضوره، حضوره المتخيل، توظيفه السياسي، تمظهراته الفولكلورية... إلخ، وليس من داخل التراث أو الماضي، ويواصل بأن الجابري يفكر من موقع «امتلاكه أهم مفاصل التراث». إنه يتحدث عن «ملكية»، إنه يقول إن الجابري يمتلك التراث، وينسى أن مشكلتنا في تلك العلاقة بالتراث هي في كونها تقوم على الملكية والتملك. إنها العلاقة نفسها التي تربط السلطة السياسية بالتراث، فهي تمتلكه وتحتكر الحديث عنه وباسمه، كما سيحتكر الجابري باسم العقلانية الحديث عنه، وتوزيع صكوك العقلانية على أعلامه. ولهذا لا يختلف مشروع الجابري كثيرًا، في رأيي، عن مشروع طه عبد الرحمن، فكلاهما ينطلق من فهم خاطئ للحاضر وحاجاته

أو من فهم خاطئ لما هو «ضروري» بلغة نيتشه، ومن رؤية اختزالية ومختزلة للتراث، تربطه بعرق أو دين أو هوية. وكلاهما ينطلق من مفهوم ارتكاسي للأصالة، أو كلاهما يضحي، إذا ما فكرنا مع

(6((محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي (بيروت: دار الطليعة، 1984)، ص.8–7 (6((محمد نور الدين أفاية، «الجابري وسؤال النهضة»، في: كمال عبد اللطيف (إعداد وتقديم)، محمد عابد الجابري: المواءمة

بين التراث والحداثة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص.47 ((6(يذكر هذا النقاش بما كتبه نيتشه عن «الحمى القومية» لشعبه، قائلً: ««علينا ألا نعجب إذا ما رأينا سحبًا واضطرابات تعبر سماء

عقل شعب مصاب، أو يريد أن يصاب بالحمى القومية، وباختصار، أن يعرف نوبات خفيفة من التبلد. تتجسد هذه الحالة لدى الألمان في عصرنا الحاضر في حماقة معاداة الفرنسيين حينًا، أو معاداة اليهود، أو معاداة البولنديين، وفي الحماقة الرومانسية

المسيحية حينًا، وفي النزعة الفاغنرية، أو التويتونية، أو البروسية حينا آخر [...] وإلى غير ذلك من تلك الكتل الضبابية التي تغشى

العقل والضمير الألماني»، فريدريش نيتشه، ما وراء الخير والشر: توطئة لفلسفة مستقبلية، ترجمة علي مصباح (بغداد: دار الجمل، 2018)، ص.214

عبد الله العروي، ب «الخصوصية» من أجل «الأصالة»، ويحمّل التراث ما لا يحتمل. فإذا كان الجابري مصيبًا في دفاعه عن قراءة التراث قراءة موضوعية، ليجعله، في لغته، «معاصرًا لنفسه»، فإنه سرعان ما يهدم موضوعيته بيديه، وهو يطالبه بأن يكون «معاصرًا لنا»، أو هو ينقله من «الموضوعية» إلى «المعقولية»، أو بالأحرى اللامعقولية. أما لدى طه عبد الرحمن، فنفتقد الموضوعية والمعقولية معًا. فإذا كان الجابري، على الأقل، مدركًا لحاجتنا الملحة إلى العقلانية في سياقٍ تحكمه الشعوذة الفكرية، فإن طه عبد الرحمن لا يقترب حتى من الآمال التي ولدتها الرشدية، بل يرتد إلى ما قبلها، وهو، شأنه في ذلك شأن الجابري، لا يدرك أن التراث أو ما يسمى «التراث العربي – الإسلامي»، لم يعد مشاركًا في الكونية، فهو قد أضحى منذ زمن جزءًا من ماضيها فقط، واستئنافه يعني السقوط في الفولكلورية. إن الخلاف بين الاثنين هو خلاف داخل الأسرة الواحدة، وذلك على الأقل فيما يتعلق بمبالغتهما في الدور الذي يمكن أن يضطلع به «تراثهما» اليوم. يشير طه عبد الرحمن إلى أن منهجه مستمد من الممارسة التراثية، وفي الوقت نفسه يرى أن ذلك لا يتناقض مع العقل العلمي. أجل إنه لا يرفض الاستفادة من الثقافة الغربية، لكن بشرط «تلقيحها وتنقيحها»، أو ما معناه، عرض كلام الأحياء على الأموات، وضع تلك الثقافة فوق سرير بروكست، وإفراغها من حمولتها النقدية، وبلغة أخرى، التعامل معها بالمنطق غير التاريخي نفسه الذي يتم به التعامل مع التراث. لكن الحداثة العلمية كلٌ لا يتجزأ، ومن يأخذ بنتائجها لا ينكر مقدماتها ولا قطائعها، وأما التراث، فلا يختزل في الأصالة، فما يكونه ويصنع «هويته» هو اختلافه، وتعدده وهجنته ولا أصالته، ولا يمكن فهمه إلا في صيغة الجمع، من خارجه لا من داخله، تجري في عروقه دماء أمم وثقافات وتراثات مختلفة. ويؤمن طه عبد الرحمن بأن الحداثة الغربية هي كما يقول: «من صنع المجتمع الإنساني الطويل، ثم لا يبعد أن تكون مبادئ هذه الروح أو بعضها قد تحققت في مجتمعات ماضية». لكن، إذا كانت روح الحداثة الغربية نتاجًا للإنسانية بأكملها، فلماذا الإصرار على العودة إلى مرحلة سابقة على الحداثة أو على الكونية؟ ثم، إذا تحققت هذه الروح كليًا أو جزئيًا في الماضي، فلماذا لا نأخذ بها، ما دامت هي نفسها نتاجًا لذلك الماضي، وفقًا لهذا المنطق أو حتى نسخة منه؟

(6((ينظر: محمد عابد الجابري، التراث والحداثة: دراسات ومناقشات (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1996)، ص.47 ((6(يقول: «لقد اتبعنا في الانشغال في التراث منهجية تستمد أوصافها الجوهرية من المبادئ التي قامت عليها الممارسة التراثية الإسلامية العربية [...] وإذا صح أن منهجنا مأخوذ من التراث فليس يصح أننا تركنا العمل بموجب العقل العلمي الصحيح كما قد

يتوهم ذلك من يجهل كل مأخوذ من التراث خارجًا عن مقتضى العقل والعمل»، ينظر: طه عبد الرحمان، تجديد المنهج في تقويم

التراث (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2016)، ص.421 (6((طه عبد الرحمان، روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2002)، ص.23

«مُت وكُن»: تأملات ختامية

«نحتاج دومًا إلى أجداد، حين يؤلمنا الحاضر». هل يتعلق الأمر هنا بحاجة زائفة؟ أوليس عزاءً كاذبًا

هو ذلك العزاء الذي نبحث عنه في الماضي؟ إننا نعيش النسيان باستمرار، لأننا نعيش في التغير. إن تضخم التراث أو بالأحرى لتمثلاتنا لهذا التراث، انقلاب على الحياة وليس على النسيان فقط، بل دعونا نقُل إنه انقلاب على الذاكرة، لأنه يشوهها؛ يعبث بها، ويربطها بزمن ليس زمنها. إن علي المزروعي (2014–1933) محق حين يميز بين شكلين للتمرد ضد النظام العالمي الذي أسس له صلح ويستفاليا. أولهما التمرد الماركسي، والذي طلب خلال القرن العشرين، في أفريقيا وآسيا فك الارتباط الاقتصادي بالنظام الرأسمالي الغربي، ولكنه في الآن نفسه، يربط نفسه ثقافيًا به؛ إذ يجب ألّ ننسى أن الماركسية بنت

الثقافة الغربية، أما التمرد الثاني فهو الذي يسميه الإسلامي، والذي لا يحرك ساكنًا ضد النظام الاقتصادي

الغربي، بل يسلم نفسه له، وفي المقابل سيطلب الخروج الثقافي من هذا النظام. وبتعبير آخر؛ إنه يتمرد ضد البعد الثوري للثقافة الغربية والمتمثل في الفتوحات السياسية والاجتماعية والحقوقية للحداثة، بل إذا صدقنا المزروعي، فإنه سيمكننا أن نقول إن هذا التمرد الإسلامي يمثل انقلابًا على الإسلام نفسه، الذي

تحقق بوصفه ثورة على النظام القديم، والذي تحققت فيه الثورة التي ظل الغربيون وما زالوا يعتقدون أنها ابنة حضارتهم، بل إن المزروعي يؤكد أن الثورة الإسلامية ستؤثر عميقًا في المسار المستقبلي للثقافة والتاريخ الغربيين، ولهذا أؤكد أن «العقل المستقيل» ليس فقط نسيانًا للحاضر، بل للماضي أيضًا، وفيما وراء ذلك، لحقّنا في النسيان – أقصد في أن نكون بالمعنى الذي حلم به غوته؛ أن نموت لكي نكون. ولا يسعنا إلا أن نندهش ممن يتحدث عن استمرارية التراث في الحاضر العربي. فما يغفله هذا الرأي هو أن الأمر يتعلق أولً باستمرارية غير تاريخية، أو هي استمرارية على حساب الحاضر وعلى حساب الانخراط النقدي فيه، وهي مرتبطة باستمرار الاستبداد. إن مشكلة هذا التفكير أو بالأحرى هذا

(6((يكتب غوته في الديوان الشرقي الغربي، في نهاية قصيدته الأكثر شهرة: «الحنين المقدس»: «وما دمت لا تملك ذلك بعد/ أن تموت لكي تكون/ فلست سوى ضيف كئيب/ على الأرض المعتمة». تتحدث القصيدة في بدايتها عن فراش يحترق من حنينه إلى الضوء، وهي استعارة يستمدها غوته من الشعر الفارسي، وخصوصًا بعد اطلاعه على أشعار حافظ مترجمة إلى الألمانية، حيث

تتكرر هذه الاستعارة عنده، وهو يتحدث عن الحب الذي يأكل الإنسان لكي ينقذه في النهاية، كما يوضح ذلك الناقد الألماني هانس هاينريش شيدر في:

Gert Ueding, «Selige Sehnsucht,» in: Goethe–Handbuch , Berns Witte et al. (eds.), vol. 1 (Stuttgart: J. B. Metzler, 1996), p. 378.

وبغض النظر عما إذا كان في إمكان الفراش أن ينبعث من جديد، بعد أن يحترق، كما قد يشكك بعضهم، فإن الجزء الأخير من القصيدة والذي يضم ذلك الشطر المعجز، الذي سيشغل أغلب النقاد ويؤرقهم، وأعني: Werde und Stirb! (مت وكن) يحدثنا عن ضرورة التضحية بالعالم القديم، إذا ما أردنا ولادة جديدة.

(70) Chesneaux, p. 18. (71) Ali A. Mazrui, «Exit Visa from the World System of Cultural and Economic Disengagement,» Third World Quarterly , vol. 3, no. 1 (Jan 1981), p. 70. (72) Ibid., p. 66. (73) Ibid., p. 68.

((7(ينظر على سبيل المثال لا الحصر ما كتبه عبد الإله بلقزيز في: عبد الإله بلقزيز، «سؤال التراث في الفكر العربي المعاصر»،

المستقبل العربي، العدد 408 (2013)، ص.147–146

الوهم الذي يقول بالاستمرارية التاريخية تكمن في أنه يعيش التراث خارجيًا (لأنه انفصل عنه، ولأنه

شاء أم أبى، موضوعٌ للحداثة ومشروط بها)، ويعيشُ الحداثة خارجيًا، لأنه يعتقد – وما زال – أنها لا

تتحقق إلا عبر «تأصيلها واستنباتها»، أي عبر التراث أو من داخله. إن علينا في هذا السياق، وحتى لا نخضع للابتزاز التراثوي، الذي يصمم على أن يسجن «خطى التاريخ في كتاب»، أن نميز بين نوعين من المقلدين: المقلد الأول يقلد الماضي لأنه منهزم أمام الواقع وعاجز عن التجربة، والمقلد الثاني يدعونا إلى تقليد الحداثة وفتوحاتها الفكرية والعلمية والسياسية والحقوقية، الأول يقلد لأنه لا يفكر، أو يقلد موهمًا نفسه بأنه في الإمكان استعادة أمجاد الأجداد، وأن من شأن ذلك أن يصلح من أمر

واقعه، والثاني يقلد لأنه يعرف أن ذلك كان دائمًا المنطق الداخلي للحضارة، لكنه يقلد الحضارة لا

البداوة، والأحياء لا الأموات، وهو حين يقلدهم لا يطلب استنساخهم، فالتراثي من يبقى سجين منطق الاستنساخ، أو «منطق الاسم» كما يسميه العروي، بل يطلب اللحاق بالعصر. إن ما يتناساه المقلد الأول هو أننا لم نرث من أولئك الأجداد سوى الاستعمار و«القابلية للاستعمار». لقد دفن الاستعمار الأجداد، ولو كان في إمكانهم إنقاذنا، لفعلوا ذلك لأنفسهم أولً. إنه ما يجب أن ندركه، نحن الذين ندافع عن فلسفة «ابنيّة»، وعن حق الأجيال في التفكير أو حقها في النسيان. لقد أصدر التاريخ حكمه. بقي الجابري وأترابه يراوحون في لحظة محمد عبده (1905–1849) الذي لم يدرك البون الشاسع الذي يفصل عقل التراث عن عقل الحداثة. إنه لمن العبث في هذا المقام أن نتساءل ما إذا كان «يؤدي التماهي المطلق مع الحداثة الغربية في سياق معطيات مماثلة لمعطيات الحاضر العربي [...] إلى نوع من الابتعاد عن الواقع، وذلك بإحلال التصور محل الواقع، وتحويل الرغبة إلى واقع متخيل، لا يمكّن من تجاوز معضلات الواقع، المتمثلة في التعثر الذي ما فتئ يشكل الملمح البارز، لنتائج الانغراس القسري في بنيات الواقع العربي». فالسائل يغفل، في الأقل، أمرين: أولً، أننا، سواء أردنا ذلك أم لم نرد، وعيناه أم لم نعه، جزءٌ من الحداثة الغربية؛ فنحن موضوعٌ لسياساتها، وسوقٌ لمنتجاتها، ومصدرٌ

لموادها الأولية، وتنعكس عندنا أزماتها بشكل أشد حدّة، بل قد تحوّل بعض الدكتاتوريات بلداننا إلى

حاويات لنفاياتها، ولا يمكننا تجاوز دورنا الهامشي إلا عبر الحداثة نفسها، وعبر اعتناق فتوحاتها وروحها النقدية، وإيمانها بحرية الإنسان وحقوقه. ويُغفل السائلُ ثانيًا أن الحداثة هي التي علّمتنا طرق

فهم الحاضر والماضي وآليات دراستهما. فلا يمكننا أن نجابه التخلف بآليات هي نفسها متخلفة أو بعقل وسيط هو نفسه عطّل أو ساهم على الأقل في تعطيل حركة الحضارة العربية – الإسلامية. يمكننا تعريف الحداثة باعتبارها «علم الواقع»، فهي الترياق الملائم ضد كل تلك الإشكاليات الزائفة التي شغلت الفكر العربي المعاصر، من قبيل «إشكالية الأصالة والمعاصرة». هذه الإشكالية التي يرى الجابري

((7(المرجع نفسه، ص.155 (7((ينظر: المقارنة التي يقيمها العروي بين «منطق الاسم» و«منطق الفعل» في: عبد الله العروي، مفهوم العقل (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1996)، ص.362 (7((كمال عبد اللطيف، درس العروي: دفاع عن الحداثة والتاريخ (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 2014)، ص.57

أنها لا تعكس على نحوٍ مطابق «صراعًا طبقيًا»، وما يؤكد ذلك، لا ريب، هو استمرار هذه الإشكالية

الزائفة اليوم حتى بعد حل «الصراع الطبقي» على حساب المغلوبين، لكن ذلك لا يجعل منها إشكالية نظرية كما يعتقد ذلك المثقف السحري؛ ذلك أنها تبقى من الأعراض المصاحبة لواقع التخلف. ولا يجب هنا اعتبار التخلف هيرمينوطيقا سحرية أو «إلهًا للثقوب»، أطلب عبره تفسير كل شيء. إن قوته التفسيرية أكبر وأجدى من «الصراع الطبقي»، لأن التخلف عابر للطبقات، ولأن الصراع انقضى والتخلف مستمر. ولما يطرح الجابري السؤال التالي: «وهل هناك من تهديد خارجي أكثر استفزازًا للذات وأكثر خطورة على الهوية والأصالة والخصوصية من زحف نموذج حضاري على نموذج حضاري آخر؟»، فإنه يطرح السؤال بالطريقة الخطأ، لأنه ما زال حبيس ما أسميناه بالذاكرة العمودية. علينا طرح السؤال بطريقة مختلفة: لماذا يزحف نموذج حضاري على نموذج آخر ويلغيه؟ والجواب لا يستدعي عميق تفكير: لو كان النموذج الثاني يمتلك من الجدوى التاريخية والحضارية، أو قُدرةً على الحياة، لما فشل في الدفاع عن حقه في البقاء. إن من يدعي أن الحداثة أو النهضة تحتاج إلى الماضي من أجل تجاوز الحاضر السقيم، لم يفهم منطق القطيعة الذي يصنع كل نهضة وكل ثورة. أجل، إنه لا يمكننا مواجهة التقليد بالهروب منه، ولكن عبر تفكيك الأصول وامتداداتها أو انحرافاتها وتشوهاتها في الفروع، التي يستند إليها التقليد أو بالأحرى «التقليدانية»، وتوظفها أيديولوجيًا، وهكذا سيستمر الماضي معنا،

ليس باعتباره رافدًا من روافد الحياة، ولكن موضوعًا مستمرًا للتفكيك، هو والعلاقات التي نبنيها معه

ومختلف أشكال الإغراء الماضوية. إن منطق الشبيه، الذي يتحقق اليوم كتحويل للتراث إلى هوية، لا يزيف أسئلة الحاضر فقط، بل مضامين التراث أيضًا. وإنه لمن السهل أن نرمي مشكلتنا الثقافية على الاستعمار، في حين أنها مشكلة متأصلة في النظام الثقافي الذي أسس له اللاهوت السياسي للاستبداد والذي لم يعمل الاستعمار إلا على دعمه وتحديثه، بل، وقبل ذلك، على فضحه. إن «الازدواجية» التي تقوم، على الصعيد الثقافي، على المراوحة بين التراث والفكر الغربي، سيدعو الجابري إلى استبدالها ب «الهوية» حلً لها، مقدمًا لنا في الآن نفسه تاريخًا سحريًا للحداثة الغربية، يرى أنها «تتجدد من داخل تراثها»، في حين أن ما يميزها هو تحويلها «الإنسانوي» أو «الإيتيقي» لذلك التراث. لن أقول مع الجابري في نهاية بنية العقل العربي: «ما أسهل الهروب إلى الأمام»، ولكن أقول: ما أسهله ذلك الهروب إلى الوراء! إذ لا يمكننا التفكير في واقعنا من خارج إنجازات الحداثة، وبتعبير آخر؛ من

((7(محمد عابد الجابري: «إشكالية الأصالة والمعاصرة في الفكر العربي الحديث والمعاصر: صراع طبقي أم مشكل ثقافي؟»،

في: التراث وتحديات العصر في الوطن العربي (الأصالة والمعاصرة) (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1985)، ص.29 ((7(المرجع نفسه، ص.34 (8((ينظر: مناقشة عبد السلام بنعبد العالي لموقف العروي من الاستعمار في: عبد السلام بن عبد العالي، التاريخانية والتحديث:

دراسات في أعمال لعبد الله العروي (الدار البيضاء: توبقال، 2010)، ص.52 ((8(في رده على الجابري وطرح لسؤال الأصالة والمعاصرة، سيعيد عزيز العظمة هذا السؤال «إلى الأوضاع السياسية الراهنة، خصوصًا إلى تزاوج ضوضاء الفئات السياسية الإسلامية مع فشل الأنظمة القومية في إقامة مجتمعات قومية، وتوريد ثقافة النفط

وأمواله إلى المجتمعات العربية المركزية والمحورية – الضوضاء السياسية الإسلامية في مجتمعات فرغها الاستبداد من السياسة

السوية»، ينظر: عزيز العظمة، «تعقيب»، في: التراث وتحديات العصر، ص. 76

دون قطيعة مع الماضي، كما يوضح ذلك عبد الله العروي في مفهوم العقل، وقبله في العرب والفكر التاريخي. لكن، قد يعترض أحدهم متسائلً: ألا يلتقي موقف العروي (هذا الموقف القائل بالقطيعة التاريخية) بالموقف الذي يتخذه دوريان غراي من ماضيه؟ ألم يُقدم غراي على قتل ماضيه، فلم يقتل

سوى نفسه؟ أولً يتعلق الأمر هنا بهروب إلى الأمام كما يقول الجابري غامزًا العروي؟ ما ينساه أو

يتناساه السائل هنا، وحري بنا أن نذكّره به، وحري بنا أن ندرك اللحظة التي تستلزم التذكر وتلك التي تطالبنا بالنسيان، أنه لو استمر غراي في حياته، من دون أن يقدم على تدمير صورته، أو قتل ماضيه، أفكان مثل هذه الحياة يستحق أن يحياه الإنسان؟ أليست حياته أشبه بحياة مجرم مطارد، وغراي مجرم تطارده الهواجس في كل لحظة وتُنغص عليه حياته، فيهرب منها إلى الأفيون. أولا يتعلق الأمر أيضًا هنا بهروب إلى الأمام؟ لكن قد يسأل أحدهم: لماذا غراي؟ ولماذا ليس «عرفة»، الذي سيحرر حارتنا من آفة النسيان، وهو يحررها من آفة التذكر؟ يجب الإشارة هنا إلى أن هناك، في الأقل، شكلين للقطيعة، ويتضح ذلك من خلال المقارنة المبدعة التي يقيمها آرنست كاسيرر بين التنوير الفرنسي ونظيره الألماني في علاقتهما بالدين. فأنا لا أنافح هنا عن قطيعة يعقوبية، على شاكلة العروي، تجبُّ التراث كله، فليست مشكلتنا هي التراث،

ولكنها توظيفه الأيديولوجي خارج سياقه التاريخي، لأن مثل تلك القطيعة أيضًا تدخل في باب الأيديولوجيا، فما ننافح عنه هو النسيان باعتباره تذكرًا نقديًا، يقطع مع اللاهوت السياسي، ويؤبن

الموتى، ويحسن دفنهم، السينويين منهم والرشديين، لا نفرق بين أحد منهم، فنحن «نحكم على الشعوب من الطريقة التي تدفن بها موتاها»، كما كان بريكليس، رجل الدولة الكبير، يردد، وتحرر الدين من ربقة السياسة، وما يستدعيه ذلك، على الطريقة الكانطية من تحويله إلى أخلاق. إن من حق العروي أن يتساءل عمّن له مصلحة اليوم في سياقنا المعاصر في نشر الدعوة إلى الأصالة، ومن

حقه أن يستنتج أيضًا أن إحياء أي قسم من تراث الماضي يصب في مصلحة السلطة التي تحكمنا بالتقليد، وحين يعتبر أن الأصالة تسرق منا الخصوصية، لكنه في حماسته اليعقوبية، نراه قد أفرط في الشرب من نهر النسيان.

(8((أوسكار وايلد، صورة دوريان جراي، ترجمة لويس عوض (القاهرة: التنوير، 2014)، ص.293–292 (8((أقصد هنا شخصية عرفة في أولاد حارتنا لنجيب محفوظ الذي سيقتل الجبلاوي ومعه العالم القديم. ينظر: جورج طرابيشي،

الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية (بيروت: دار الطليعة،.)1988 ((8(يكتب إرنست كاسيرر، منتصرًا للتنوير الألماني: «إن نبضات التنوير الفكرية الأشد قوة وقدرته الفعلية، لا تتمثل في نفوره من

الدين بل في تقديم مثل جديدة للإيمان، وفي الشكل الجديد للدين الذي جسده في ذاته. وتثبت مقولة غوته عن الإيمان والكفر عمقها التام وحقيقتها في ما يتعلق بالتنوير أيضًا، وذلك حين يصف غوته الصراع بين الإيمان والكفر بأنه الموضوع الأعمق، بل

موضوع العالم والإنسانية الوحيد، وحين يضيف أيضًا ما مفاده أن العصور التي ساد فيها الإيمان كانت مزدهرة ورائعة وخصبة للبشر

الذين عاشوا في الحقب كما للأجيال التي جاءت من بعدهم، في حين أن الحقب التي انتصر فيها الكفر انتصارًا سقيمًا لم تكن ذات

أهمية للأجيال اللاحقة، إذ لا أحد يسره الانشغال بمعرفة العقم، فلا وجود إذًا لأي لحظة من التردد فيما يخص الانحياز إلى جانب

من جانبي هذا الصراع»، ينظر: إرنست كاسيرر، فلسفة التنوير، ترجمة إبراهيم أبو هشهش (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.185 ((8(يكتب العروي: «إن التراث تحميه اليوم مؤسسة لا تترك لأحد حرية التأويل. إن أراد أن يحيي كلام البعض من مفكري الماضي فإنه لا محالة مدفوع إلى إحياء الكل، وهذا هو سر موقف المؤسسة التقليدية عندما تصفق لإحياء كل قسم من التراث القديم، مهما

كانت الأغراض والظروف. إنها تعلم أن النتيجة العامة ستكون في صالحها»، ينظر: العروي، العرب والفكر التاريخي، ص.19

المراجع

العربية

أركون، محمد. التراث وتحديات العصر في الوطن العربي. بيروت: منشورات مركز دراسات الوحدة العربية،.1985 بلقزيز، عبد الإله. «سؤال التراث في الفكر العربي المعاصر». المستقبل العربي. العدد).2013(408 بنعبد العالي، عبد السلام. التاريخانية والتحديث: دراسات في أعمال لعبد الله العروي. الدار البيضاء: توبقال،.2010 التراث وتحديات العصر في الوطن العربي (الأصالة والمعاصرة). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1985 الجابري، محمد عابد. التراث والحداثة: دراسات ومناقشات. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،

________. بنية العقل العربي. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.1986 ________. تكوين العقل العربي. بيروت: دار الطليعة،.1984 سيف، أنطوان. وعي الذات وصدمة الآخر. بيروت: دار الطليعة،.2001 طرابيشي، جورج. الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية. بيروت: دار الطليعة،.1988 ________. مذبحة التراث في الثقافة العربية. لندن: دار الساقي،.2003 عبد الرحمان، طه. تجديد المنهج في تقويم التراث. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2016 ________. روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2002 عبد اللطيف، كمال (إعداد وتقديم). محمد عابد الجابري: المواءمة بين التراث والحداثة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 ________. درس العروي: دفاع عن الحداثة والتاريخ. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط،.2014 العروي، عبد الله. الأيديولوجيا العربية المعاصرة. بيروت: المركز الثقافي العربي،.1995 ________. العرب والفكر التاريخي. بيروت: المركز الثقافي العربي،.1992

References

________. مفهوم العقل. بيروت: المركز الثقافي العربي،.1996 فوكو، ميشال. «كانط والثورة». ترجمة يوسف الصديق. مجلة الكرمل. العدد).1984(12 كاسيرر، إرنست. فلسفة التنوير. ترجمة إبراهيم أبو هشهش. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 لابلانش، جان وجان برتراند بونتاليس. معجم مصطلحات التحليل النفسي. ترجمة مصطفى حجازي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2011 لوغوف، جاك. التاريخ والذاكرة. ترجمة جمال شحيد. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 محمود، زكي نجيب. تجديد الفكر العربي. بيروت: دار الشروق،.1974 المصباحي، محمد. الذات في الفكر العربي الإسلامي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 نصار، ناصيف. الإشارات والمسالك: من إيوان ابن رشد إلى رحاب العلمانية. بيروت: دار الطليعة،

نيتشه، فريدريش. محاسن التاريخ ومساوئه. ترجمة رشيد بوطيب. الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية،.2019 ________. ما وراء الخير والشر: توطئة لفلسفة مستقبلية. ترجمة علي مصباح. بغداد: دار الجمل،

وايلد، أوسكار. صورة دوريان جراي. ترجمة لويس عوض. القاهرة: التنوير،.2014

الأجنبية

Borges, Jorge Luis. Discusión. Buenos Aires: Emecé Editores, 1957. _________. Fictions. Paris: Gallimard, 1974. Chesneaux, Jean, Du passé faisons table rase? A propos de l’histoire et des historiens. Paris: Maspero, 1976. Connerton, Paul. «Seven Types of Forgetting.» Memory Studies. vol. 1, no. 1 (2008). Dieter Borchmeyer (ed.). Vom Nutzen und Nachteil der Historie fu ̈ r das Leben. Frankfurt: Suhrkamp, 1996. Eliade, Mircea. Die Sehnsucht nach dem Ursprung. Frankfurt: Suhrkamp, 1976.

Eribon, Didier. Principes d’une pensée critique. Paris: Fayard, 2016. Freud, Sigmund. Studienausgabe, Schriften zur Behandlungstechnik. Frankfurt am Main: Fischer, 2000. Halbwachs, Maurice. Les cadres sociaux de la mémoire. Paris: Albin Michel, 1994. Heidegger, Martin. Interprétation de la «Deuxième considération intempestive» de Nietzsche. Alain Boutot (trans.). Paris: Gallimard, 2009. Kant, Emmanuel. Traité de pédagogie. Jules Barni (trans.). Paris: PhiloSophie, 1803. Lukács, Georg. Die Theorie des Romans, Ein Geschichtsphilosophischer Versuch über die Formen der Großen Epik. Berlin: Paul Cassirer, 1920. Mazrui, Ali A. «Exit Visa from the World System of Cultural and Economic Disengagement.» Third World Quarterly. vol. 3, no. 1 (January 1981). Musner, Lutz & Gotthart Wunberg (eds.). Kulturwissenschaften, Forschung – Praxis – Positionen. Vienna: WUV, 2004. Nora, Pierre. «L’avènement mondial de la mémoire.» Transit. no. 22 (2002). Olivier, Roy. La sainte ignorance. Le temps de la religion sans culture. Paris: Seuil,

Ricoeur, Paul. La mémoire, l’histoire, l’oubli. Paris: Seuil, 2000. Todorov, Tzvetan. Les abus de la mémoire. Paris: Arléa, 2015. Witte, Berns et al. (eds.). Goethe Handbuch. vol. 1. Stuttgart: J. B. Metzler, 1996.