الارتقاء العالمي للذاكرة
L'avènement mondial de la mémoire The Global Rise of Remembrance
الملخّص
يقتفي بيير نورا في هذا المقال علامات الوعي الجمعي بالذاكرة منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين؛ أي انبعاث الذاكرة الجمعية بوصفها ردة فعل على ما يسميه "تسارع التاريخ" عن طريق التوسّع غير المسبوق في وظائفها ووسائطها، إلى درجة انفجار الذاكرات المجتمعية عبر العالم، ما نجم عنه الانقلاب الكبير في العلاقة بين الذاكرة والتاريخ، حيث صار المفهومان أشبه بمترادفين عمليًا. الانقلاب نفسه شهده أيضًا مفهوم الهوية الذي اتسع مداه ما فوق الفردي في زمن عولمة الذاكرة. غير أن بيير نورا يحذر من أن يتحول واجب الذاكرة ذاته إلى انغلاق وإقصاء، فعمل الذاكرة في نظره هو تأسيس العدالة وتقويتها ديمقراطيًا.
Abstract
Abstract: In this article, Pierre Nora tracks the indications since the late 1970s of a resurgent and heightened awareness concerning the import of collective remembrance. Nora considers the unprecedented expansion of the functions of collective memory and media to the point of an explosion of societal memories across the world in response to the acceleration of history – an expansion which has brought about a «great coup» in the relationship between memory and history, such that the two concepts have become practically synonymous. The concept of identity has similarly witnessed a ‘coup,’ with its realm expanding beyond the individual, in an age of globalization of memory. Nora cautions against the task of memory becoming, in time, one of insulation and exclusion. For Nora, the work of memory is to establish of justice and to reinforce it in a democratic way.
- تاريخ
- الذاكرة الجمعية
- تراث
- هوية
- أيديولوجيا
- History
- Collective Memories
- Heritage
- Identity
- Ideology
L'avènement mondial de la mémoire
The Global Rise of Remembrance
عبر العالم، ما نجم عنه الانقلاب الكبير في العلاقة بين الذاكرة والتاريخ، حيث صار المفهومان أشبه بمترادفين عمليًا. الانقلاب نفسه شهده أيضًا مفهوم الهوية الذي اتسع مداه ما فوق الفردي
في زمن عولمة الذاكرة. غير أن بيير نورا يحذر من أن يتحول واجب الذاكرة ذاته إلى انغلاق وإقصاء، فعمل الذاكرة في نظره هو تأسيس العدالة وتقويتها ديمقراطيًا.
نعيش اليوم ارتقاءً عالميًا للذاكرة؛ فقد شهد جميع البلدان والجماعات الاجتماعية والإثنية
والعائلية، على مدار عشرين أو خمسة وعشرين عامًا، تغييرًا عميقًا في العلاقة التقليدية التي
كانت تربطه بالماضي. اتخذ هذا التغيير أشكالً عدّة: نقد الروايات الرسمية للتاريخ، وصعود المكبوت التاريخي، والمطالبة
بآثار ماضٍ ملغى أو مُصادَر، وتقديس الجذور Roots وتطوير أبحاث علم الأنساب، وحماسة لاستعادة
الذكريات بجميع أشكالها، وتسويات قضائية للماضي، وتكاثر المتاحف بجميع أنواعها، وتنامي الحساسية تجاه حيازة الأرشيفات وإتاحتها للمعاينة، وتجدّد التعلّق بما يعرفه الأنكلوسكسونيون والفرنسيون ب «التراث» Heritage, Patrimoine. أيًّا تكن توليفة هذه العناصر، فهي أشبه بموجة أساسية
للذاكرة اجتاحت العالم وربطت، على نحو وثيق، الوفاء للماضي – حقيقيًا كان أم متخيّلً – بشعور
الانتماء والوعي الجَمْعي والوعي الفردي للذات والذاكرة والهوية. قد تكون فرنسا أول من ولج عصر الذاكرة العاطفية والإشكالية، والتي تكاد تكون استحواذية. وظهرت «الذاكرة المستعادة» لأوروبا الشرقية في إثر سقوط الجدار [برلين] واندثار الاتحاد السوفياتي. ومع خلع دكتاتوريات أميركا اللاتينية، وإطاحة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وتشكيل لجنة تقصّي الحقائق والمصالحة، بانت علامات عولمة حقيقية للذاكرة وظهور أشكال متنوّعة جدًا، وإن
كانت قابلة للمقارنة، لتصفية الحسابات مع الماضي. إن خصوصية فرنسا هذه، والتي أود تسليط الضوء عليها بداية، تعود إلى لقاء ظرفي ليس إلا، في منتصف سبعينيات القرن الماضي، جمع بين الظواهر الرئيسة الثلاث التي قد يبدو بعضها مستقلً عن بعض، والتي التقت لتجتمع مفاعيلها لتنقل فرنسا فجأة من وعي تاريخي للذات إلى وعي يقوم على الذاكرة. وإذا تمعنّا في التسلسل الزمني قليلً، استطعنا الجزم بأن عام 1975 كان المؤشر الذي
تقاطعت فيه، جليًا، تداعيات الأزمة الاقتصادية، وعواقب مرحلة ما بعد شارل ديغول de Charles
Gaulle (1970–1890) وخمود فكرة الثورة. إن الأزمة الاقتصادية، التي اندلعت في عام 1974، بسبب الزيادة الحادة التي طرأت على أسعار النفط، شملت هي أيضًا جميع البلدان الصناعية في العالم. إلا أن فرنسا تأثرت بها أكثر من غيرها، إذ وضعت الأزمة حدًّا لنحو ثلاثين سنة من النمو المتسارع والتصنيع والتوسّع العمراني على نحو مكثّف.
وأطاحت العقودُ الثلاثةُ، بقسوة، من خلال اندفاعها، مجموعةً من التقاليد والمناظر الطبيعية والحِرَف
والعادات وأنماط حياة كانت قد بقيت على حالها في فرنسا من دون تغيير، فترةً أطول، مقارنة بأي دولة صناعية مجاورة أخرى. ومع العملية العكسية للنمو، لم تدرك فرنسا فجأة مدى الضرر الناجم عن التقدّم فحسب، بل انتبهت إلى الانسلاخ النهائي عمّا بقي، حتى أعقاب الحرب العالمية الثانية، قاعدتَها
وأساسَها، ولا سيما الاستقرار العميق الذي نعمت به قاعدتها الريفية طوال الألفية. صحيح أن الباحثين في علم الاجتماع والمؤرخين كتبوا عن نهاية الفلاحين منذ خمسة عشر عامًا، إلا
أنها أصبحت فجأة تكاد تؤلم جسديًا، وتوجع تمامًا كما البتر: إنها نهاية «الذاكرة الجمْعية» بامتياز.
فعام 1975 هو العام الذي شهد انخفاضًا في معدّل القوى العاملة المنخرطة في الزراعة إلى أقل من 10 في المئة، وهي عتبة مهمة. وتجدر الإشارة إلى أن هذا المعدّل كان لا يزال يقارب النصف في أعقاب الحرب. وفي العام نفسه، ومع النجاح غير المتوقع والمنقطع النظير لكتب مثل حصان الكبرياء Le Cheval d’orgueil، بقلم بيير جاكيز إيلياس Hélias Jakez – Pierre (1995–1914)، ويروي قصة قرية تقليدية في مقاطعة بروتاني الفرنسية Bretagne، وكتاب مونتايو: القرية الأوكسيتانية
de 1294 à 1324 occitan village: Montaillou، للكاتب إيمانويل لو روا لادوري Le Emmanuel
Ladurie Roy، وكتاب تاريخ فرنسا الريفية Histoire de la France rurale الذي أشرف عليه جورج دوبي Duby Georges (1996–1919)، وأرمان والون Wallon Armand (1999–1911)، يبدو جليًّا أن
هناك «ذاكرة ريفية» تعيش فقط من خلال استحضارها الحسّاس أو القائم على المعرفة. وفي الواقع،
تكمن نهاية الريف التي تزامنت سريعًا، ونهاية القدّاس باللغة اللاتينية، في فك الحبل السرّي الذي كان
لا يزال يربط فرنسا بما أطلق عليه المؤرخ جاك لوغوف Goff Le Jacques (2014–1924) عصورها الوسطى الطويلة والطويلة جدًا، والذي كان يعزّز لدى الجمهور العام الإعجابَ المتنامي أبدًا بالعصور
الوسطى وصروحها منذ ذلك الحين. علاوة على ذلك، إن إعادة إرساء الجذور البعيدة للمخيال لا تحول دون الاعتقاد أنها عزّزت وصول
فاليري جيسكار ديستان Estaing ’ d Giscard Valéry إلى رئاسة الجمهورية في عام 1974 بالتحديد. أي نوع من فرنسا العميقة جسَّدها هذا الخبير الاقتصادي الشاب واللامع والمنتمي إلى البرجوازية
الكبيرة، وأوروبي الهوى، ونصير «تخفيف حدّة التوتر» في الحياة السياسية، والذي أعلن «التغيير» أي التحديث، عنوانًا لفترة حكمه التي دامت سبع سنوات على الأرجح، إن البدايات الأنيقة والحيوية للرئاسة الجديدة التي تميّزت بالخاصية التكنوقراطية والباريسية المتعمّدة ليست غريبة عن هذا
الغوص في الأعماق المفقودة والمستعادة، والتي ولجها الفرنسيون طوعًا وبحماسة، ولتظهر تداعيات ذلك على السطح في عام 1980 وتفاجئ الجميع، وذلك خلال السنة التي اقترح رئيس الجمهورية تكريسها للتراث. إضافة إلى ما سبق، ساهم تبوّؤ الرئيس ديستان سدّة الرئاسة، ومن خلال تسجيله قطيعة مع التقليد
الديغولي في المجالات كافة، في تعزيز تأثيرات مرحلة ما بعد ديغول، وهي الظاهرة الثانية واسعة النطاق. وتأثيراتها عديدة، فعّالة بقدر ما هي خبيثة، ولم تجرِ دراستها كما تستحق. أما بالنسبة إلى إعادة تفسير الماضي الوطني، فقد جرت ترجمة تلك التأثيرات – للتمييز في ما بينها ببساطة – وفقًا لثلاثة آجال. على المدى القصير، فور وفاة المخلّص في تشرين الثاني/ نوفمبر 1970، جرى وضع حدّ لاحتكار ديغول الصيغة «المقاوموية» للحرب التي فُرضت منذ تحرير باريس، والتي تنصّ على أن الفرنسيين
كلّهم واجهوا الاحتلال الألماني، باستثناء حفنة من الخوَنة والضالين. وعادة يجري الجمع بين ثلاث
(((يعرف الرئيس الفرنسي شارل ديغول بالمخلّص Libérateur لأنه حرّر فرنسا من النازية.
إشارات تدلّ على بدايات استرجاع الذكرى السوداء لفرنسا الفيشية التي أصبحت، مع مرور الزمن، «هذا الماضي الذي لا يمر»، مع ردود الفعل الساخطة لجمعيات المقاومين تجاه العفو الذي منحه الرئيس [جورج] بومبيدو Pompidou Georges (1974–1911)، لعنصر الميليشيا [العميل] بول توفييه Touvier Paul (1996–1915)، سنة 1971، والفيلم (وقد حظر عرضه) الذي أخرجه مارسيل أوفولس Ophüls Marcel واسمه «الأسى والشفقة» (1972) وقد عرض صورة لفرنسا تفتقر فيها إلى البطولة، وترجمة كتاب فرنسا فيشي La France de Vichy إلى الفرنسية (1973) لمؤلفه روبرت باكستون Paxton Robert والذي يتناقض مضمونه مع التأريخ الرسمي. أما على المدى الأبعد، فمثّلت مرحلة ما بعد الديغولية استرجاعًا لماض أعمق. ففي ضوء بقاء مؤسّسات
الجمهورية الخامسة التي كان يعتقد في البداية أنها مصمّمة خصيصًا للجنرال، إذ اعتمدها فرانسوا
ميتران Mitterrand François (1996–1916)، فور وصوله إلى السلطة، وكان أكبر خصوم الديغولية لما كان في صفوف المعارضة، تأكّد الشعور أن الجنرال ديغول قد ربح رهانه التاريخي في إعادة التوازن للمؤسسات التي غيرتها عملية إلغاء الملكية المطلقة في إثر الثورة. وقد عبّر [المؤرخ الفرنسي] فرانسوا
فورييه Furet François (1997–1927)، على سبيل المثال، عن هذا الشعور في عام 1978 من خلال الجملة الشهيرة التي وردت في كتابه التفكير في الثورة الفرنسية Penser la Révolution française وهي: «انتهت الثورة الفرنسية». وفي الوقت نفسه، أعيد دمج القرنين الماضيين في الأجل الطويل للدولة – الأمة
واستمراريتها. وبدأت عملية إعادة تقويم إيجابية للماضي المَلِكي بمجمله. فعلى عكس جميع التوقعات،
أتت مناسبة مرور ألف سنة على تتويج هوغ كابيهCapet Hugues (ت. 996 م)، ملكًا لفرنسا في عام 1987، وذلك قبل الذكرى الألف والخمسمئة لانتصارات [الملك] كلوفيس الأولI Clovis، في عام 1996، لتلاقي نجاحًا شعبيًا لموضوع عنوانه: بلغت فرنسا الألف سنة! عمومًا، كان صعود آخر الشخصيات العظيمة في فرنسا إلى القمة يتطلّب تجديد المشهد بأكمله. لا
يمكن المرءَ إلا أن يربط إعادة تقويم «الرجال العظماء» بالعودة إلى السيرة التاريخية، وهو نوع [من
الأدب] شهد ازدهارًا في السنوات الأخيرة بعد أن كان منبوذًا فترة طويلة. وقد عادت هذه السير على نحو
أعمق، وبحساسية متجددة لدى الفرنسيين تجاه «فكرة معيّنة عن فرنسا»: لا تشمل تاريخها فحسب،
وإنما تتضمّن أيضًا مناظرها الطبيعية ومطبخها وأرضها وتقاليدها. وتفسّر هذه الحساسية، بالتأكيد،
الارتفاع في [شعبية] اليمين المتطرّف، و[حزب] الجبهة الوطنية لجان ماري لوبان Le Marie – Jean
Pen. إلا أن اليسار عبّر أيضًا عن هذه الحساسية من خلال إعادة إضفاء الشرعية على الحرص على
الأمة، وهو واقع كنا نعمل على تأكيده بأن الماركسية فشلت، إذ تراجعت فكرة الثورة.
(((فرنسا الفيشية Vichy de Régime استمرت بين تموز/ يوليو 1940 وأيلول/ سبتمبر 1944، وقد أعقبت الجمهورية الثالثة، وأعلن قيام حكومتها المارشال فيليب بيتان في إثر سقوط فرنسا بيد ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية. وانتخبت الجمعيةُ الوطنية الفرنسية تلك الحكومةَ بتاريخ 10 تموز/ يوليو 1940 مع منحها صلاحيات واسعة لبيتان بصفته رئيسًا للحكومة. (((أول ملوك فرنسا من سلالة كابتيون التي تنسب إليه، والتي حكمت فرنسا من عام 987 م حتى إطاحة الملك لويس فيليب الأول وقيام الجمهورية الفرنسية الثانية عام.1848 (((كلوفيس الأول كان أول ملك للفرنكيين يوحّد جميع القبائل.
هذه هي الظاهرة الثالثة، الأشدّ استعصاءً على الفهم، ولكنها قد تكون الأهم، والتي ساهمت بقوة
في إعادة تشكيل موقف الفرنسيين تجاه ماضيهم. فالانهيار الفكري للماركسية، والفقدان الأساسي للثقة بالاتحاد السوفياتي، وانحدار الحزب الشيوعي السريع، الذي كان يستنفر قبل بضع سنوات نحو ربع الهيئة الناخبة، وتراجع تأثيره في شريحة كبيرة من المثقفين الفرنسيين، هي حقائق رئيسة في تلك السنوات. ولاستكمال المشهد، كان عام 1975 هو العام الذي شهد النجاح الهائل الذي حقّقته ترجمة [رواية] أرخبيل غولاغ The Gulag Archipelago للكاتب الروسي ألكسندر سولجينتسين leksandr Solzhenitsyn (2008–1918). فهنا أيضًا، تتجاوز الظاهرة الإطار الوطني، إذ إن وجود حزب شيوعي قوي وستاليني جدًا، قد سلّط الضوء بشدّة على تلك الظاهرة. ففي بلد مثل فرنسا، موطن الثورات منذ عام 1789، لم تكن نهاية فكرة الثورة التي شكّلت الناقل الأقوى في توجيه الزمن التاريخي نحو المستقبل، إلا لتؤدي إلى تحوّل سريع في الإحساس بالماضي. فوفق مفهوم ثوري للزمن، يعرف المرء
ما يجب استذكاره من الماضي للاستعداد للمستقبل. ويعلم المرء أيضًا ما يجب حذفه أو نسيانه أو تدميره إذا لزم الأمر. فالزمن التاريخي مسكون بإرادة القطيعة. وقد أعاد تراجعُ أهمية فكرة القطيعة، إضفاءَ الشرعية لفكرة التراث. وهو ليس تراثًا نكون فيه الورثة والمكمّلين، بل هي تقاليد سنتركها إلى
الأبد، ومن ثم تصبح ثمينة ومبهمة وتكتسب معنى غير مؤكّد، ويعود إلى المرء العثور عليها. لا يوجد سبب آخر للتنامي المفاجئ لتقديس التراث والذي شهدته السنوات نفسها. هنا يكمن سرها: إذ أعاد اختفاءُ زمن تاريخي، توجّهه فكرةُ الثورة، الماضي لحريته، وللانهائيته، ولعبء وجوده المادي وغير
المادي على حد سواء. وقد تزامنت فجأة هذه الظواهر الكبرى الثلاث الأكثر فاعلية، وربما الأولى، وإن لم تكن الوحيدة، لتتوافق في ترويج فكرة «الذاكرة» الوطنية. وهي فكرة جديدة، ويعود، من ثم، تاريخها إلى نحو ثلاثين عامًا فحسب، ولكنها لم تكفّ منذ ذلك الحين عن النمو والتطوّر. حركة الذاكرة هذه، التي اقترحتُ تسميتها «عصر إحياء الذكرى» عامة جدًا، وعميقة جدًا، ومؤثرة جدًا، إلى درجة تستحق التساؤل عن أسبابها، حتى مع خطر المجازفة في البقاء ضمن العموميات أو الابتذال. ويبدو لي أن ارتقاء الذاكرة قد بات عند تقاطع ظاهرتين تاريخيتين كبريين تَسِمان العصر: ظاهرة زمنية وظاهرة اجتماعية. أود أن أشدّد عليهما وأخضعهما للنقاش. تتعلق الظاهرة الأولى بما يُعرف ب «تسارع التاريخ». ويعني هذا التعبير الذي كان أطلقه المؤرخ دانيال
هاليفي Halévy Daniel (1962–1872)، بوضوح، أن أكثر الظواهر استمرارًا واستدامة لم تعد الاستمرار
والاستدامة، وإنما التغيير، وهو تغيير يتسارع، وهو نقطة التحوّل المعجّلة لأي شيء في ماضٍ يتلاشى
بسرعة متنامية. يجب أن نأخذ قياس هذا التحوّل لتنظيم الذاكرة. هذه التغييرات حاسمة؛ إذ حطّم هذا
التحوّل وحدة الزمن الخطّيةَ الجميلة والبسيطة التي وحّدت الحاضر والمستقبل بالماضي. لقد كانت، بالفعل، فكرة أي مجتمع أو أمة أو جماعة أو عائلة، عن المستقبل الذي كان يملي عليها ما يجب أن تحتفظ به من الماضي لإعداد هذا المستقبل، ومن ثم لتعطي معنى للحاضر الذي كان
أداة وصل فحسب. وللتعبير عن الأشياء ببساطة إلى حد ما، قد يستطيع المستقبل أن يميط اللثام عن نفسه وفقًا لثلاثة رموز كانت تتحكّم في وجه الماضي. يمكن المرءَ أن يتخيّل المستقبل بصفته شكلً
من أشكال ترميم الماضي، أو شكلً من أشكال التقدّم، أو شكلً من أشكال الثورة. لقد عدنا اليوم من الصور الثلاث المعقولة التي أتاحت تنظيم «التاريخ». ومن الآن فصاعدًا، بات هناك ارتياب مطلق ينوء بثقله على ما سيكون عليه المستقبل. ويلزم عدمُ اليقين هذا، الحاضرَ – الذي ينعم تمامًا بوسائل تقنية
غير مسبوقة للحفظ – بالاستذكار. نحن لا نعرف ما سيحتاج أحفادنا إلى معرفته عنّا لفهم أنفسهم. وفي المقابل، يُلزمنا عدم القدرة على استباق المستقبل بالمراكمة الدقيقة، ومن دون تمييز يذكر، لجميع الآثار المرئية وجميع العلامات المادية التي ستشهد (ربما) على ما نحن عليه أو سنكونه. وبعبارة أخرى، إنها نهاية جميع أنواع الغائية التاريخية – نهاية التاريخ الذي نعرف نهايته – التي تشحن الحاضر ب «واجب الذاكرة» الذي طالما يحدثوننا عنه. بعكس صديقنا بول ريكور Ricoeur Paul –1913(2005)، الذي ينأى بنفسه عن هذه الصيغة البالية؛ إذ يفضل تعبير «عمل الذاكرة» الذي أقبله من جهتي، ولكن شرط إعطائه معنى أكثر عمومية من ذلك الذي يُمنح له عادة: معنى أكثر اتساعًا، وآلية، ومادية،
وتراثية من المعنى الأخلاقي المعتاد. معنى لا يتعلّق بالدَّيْن، وإنما بالخسارة، وهو أمر مختلف تمامًا. فتأثير «تسارع التاريخ» هذا فظّ ومتماثل للمستقبل، ويكمن في إبقاء الماضي كله على مسافة، نحن معزولون عنه. والماضي، وفقًا للمقولة الشهيرة لمؤرخ ديموغرافي إنكليزي، هو العالم الذي فقدناه. فلم نعد نسكنه، ولا يخاطبنا إلا من خلال آثار متداخلة، وآثار أمست غامضة يجب أن نشكّك فيها، لأنها تحمل سرّ ما نحن فيه؛ «هويتنا». نحن لم نعد بمستوى هذا الماضي. لا يمكننا العثور عليه إلا من
خلال عملية إعادة بناء وثائقية وأرشيفية ضخمة تجعل من «الذاكرة» – الذاكرة نفسها التي تم إنشاؤها– الاسمَ الحالي لما كان يسمى في السابق، ببساطة، «التاريخ». هناك انقلاب عميق وخطر جدًّا لمعنى الكلمات الذي يعبّر هو أيضًا عن روح العصر. لقد اكتسبت كلمة «الذاكرة» معنى عامًا ومتفشّيًا، إلى
درجة أنها تميل إلى حل مكان كلمة «التاريخ» ببساطة، وتميل إلى استعمال التاريخ في خدمة الذاكرة. لذلك، وبإيجاز، فإن «تسريع التاريخ» له تأثيران مرتبطان بالذاكرة: • من ناحية، تأثير تراكمي يرتبط بالشعور بالفقدان، وهو المسؤول عن التوسّع في وظيفة الذاكرة،
وتضخّم مؤسسات الذاكرة وأدواتها: المتاحف والأرشيفات والمكتبات والمجموعات وتحويل كل من المخزونات وقواعد البيانات، والتسلسل الزمني للأحداث (كرونولوجيا) وغيرها إلى الشكل الرقمي. • ومن ناحية أخرى، بين مستقبل لا يمكن التنبؤ به وماضٍ مستسلَم لظلامه وعتمته، واستقلال الحاضر، وظهور الحاضر بصفته نوعًا من قابلية فهم أنفسنا، ولكنه حاضر تاريخي بالفعل، إلى جانب وعيه بذاته وبحقيقته. ووفقًا لرأيي، فإن انفجار الاستمرارية التاريخية والزمنية هو الذي أعطى الذاكرة راهنيتها كلها: فلم يعد الماضي ضمانًا للمستقبل، وهنا يكمن السبب الرئيس لتعزيز الذاكرة بصفتها
(((هي عنوان الكتاب الذي وضعه بيتر لانسليت The World We Have Lost.
فاعلً ديناميكيًا ووعدًا بالاستمرارية. في السابق، كان هناك تضامن بين الماضي والمستقبل، حيث لم
يكن الحاضر سوى صلة وصل فحسب. إلا أن هناك تضامنًا، اليوم، بين الحاضر والذاكرة. أما السبب الثاني لاندفاعة الذاكرة هذه، على المستوى الاجتماعي هذه المرة، فمرتبط بما يمكن أن يسمّيه المرء عملية «دمَقْرَطة» Démocratisation التاريخ، قياسًا على التشابه مع عملية «التسارع».
وتتشكّل تلك العملية في الحركة الفاعلة لتحرّر وانعتاق الشعوب والإثنيات والجماعات وحتى الأفراد
الذين يصنعون العالم المعاصر، أي باختصار، هذا الظهور السريع لجميع أشكال ذاكرة الأقليات الذين تُعتبر عملية استعادة ماضيهم جزءًا لا يتجزأ من تأكيدهم للهوية. تسلّط ذكريات الأقليات الضوءَ، على نحو رئيس، على ثلاثة أنواع من إنهاء الاستعمار Décolonisation:
إنهاء الاستعمار العالمي الذي أتاح الوصول إلى الوعي التاريخي واستعادة/ إنتاج ذاكرة المجتمعات التي كانت غارقة في السبات الإثني نتيجة القمع الاستعماري؛ وفي المجتمعات الغربية الكلاسيكية، إنهاء الاستعمار الداخلي تجاه الأقليات الجنسية والاجتماعية والدينية والمحلية التي لا تزال في طور الاندماج، والتي يشكّل تأكيد «ذاكرتها» بالنسبة إليها – ما يعني في الواقع تاريخها – طريقة تجعل المجتمع العام يعترف بخصوصيتها بعد أن كان ينكر عليها ذلك. وفي الوقت نفسه، تنمّي تلك
الأقليات اختلافها ووفاءها لهوية في طور الاندثار. وأخيرًا، هناك نوع ثالث من إنهاء الاستعمار يزدهر
عند القضاء على الأنظمة الشمولية في القرن العشرين، شيوعية كانت أم نازية، أو ببساطة دكتاتورية: إنهاء استعمار أيديولوجي يؤيد لم شمل الشعوب المحرّرة التي تنعم بذاكرات طويلة وتقليدية، كانت
تلك الأنظمة قد صادرتها أو دمرتها أو تلاعبت بها: هذا هو حال روسيا أو دول أوروبا الشرقية أو البلقان أو أميركا اللاتينية أو أفريقيا. كمن تأثير انفجار ذاكرات الأقليات في إحداث تغيير عميق في الوضع الخاص لكل من التاريخ والذاكرة ولعلاقاتهما المتبادلة. ولمزيد من الدقة: أدّى هذا الانفجار إلى تعزيز مفهوم «الذاكرة الجَمْعية»، الذي
لم يكن مستخدمًا إلا لمامًا حتى الآن. مقارنةً بالتاريخ الذي طالما سيطرت عليه الحكومات والسلطات العلمية أو المهنية، تحلّت الذاكرة بالامتيازات الجديدة التي اكتسبتها بفعل المطالبات الشعبية والاحتجاجية. وبدت كأنها انتقام للمذلولين والمهانين والبائسين، فكانت تاريخ أولئك الذين لم يكن لديهم حق في التاريخ. قد لا تكون الذاكرة قد امتلكت الحقيقة حتى ذلك الحين، إلا أنه كان لها الوفاء على الأقل. أما بالنسبة إلى ما هو جديد في الذاكرة، فهي نهلت من مأساة العصر السحيقة، وإطالة العمر، واستمرارية الباقين على قيد الحياة، فهي المطالَبة بحقيقة أكثر «حقيقة» من حقيقة التاريخ، وحقيقة المعيش والذكرى. بعكس التاريخ الذي جرى بناؤه كله حتى اليوم انطلاقًا من الذاكرة، إذ بات تخصّصًا ينعم بطموح علمي،
ولكنه ضد الذاكرة التي تُعَدّ فردية، ونفسية، ومضلّلة، تتعلّق بالشهادة فحسب. كان التاريخ مجالً مرتبطًا
بالجماعة، في حين ترتبط الذاكرة بالفرد. كان التاريخ واحدًا والذاكرة بحكم تعريفها، متعدّدة، بسبب جوهرها الفردي. تفترض فكرة الذاكرة الجمْعية المحرّرة والمقدّسة انقلابًا كاملً. لقد كان لدى الأفراد
ذاكراتهم، وللجماعات تاريخها. إن فكرة أن الجماعات التي تتمتع بذاكرة تستتبع ضمنًا تحوّلً عميقًا
في موقع الأفراد في المجتمع وعلاقتهم بالجماعة: هنا يكمن سر هذا الارتقاء الآخر الذي يحتاج إلى توضيح: الهوية التي من دونها لا يستطيع المرء أن يفهم تفشّي الاهتمام المتنامي بالذاكرة. شهدت فكرة الهوية انقلابًا للمعنى مشابهًا ومتوازيًا مع ذاك الذي شهدته الذاكرة. فقد أصبحت الهوية
مفهومًا جمْعيًا وذاتيًا بعد أن كانت مفهومًا فرديًا، وباتت شبه رسمية وموضوعية. تميّز الهوية تقليديًا
الفرد بما لديه من فرادة إلى درجة تكتسب فيها، بصورة أساسية، أهمية إدارية وبوليسية: فتعبّر بصمات
أصابعنا عن «هويتنا»، فلديكم بطاقات وأوراق «هوية». أصبحت العبارة تشير إلى فئة ضمن جماعة، وهي شكل من أشكال التعريف عنكم من الخارج. وقد كتبت [الفيلسوفة الفرنسية] سيمون دي بوفوار Beauvoir de Simone (1986–1908)، في معادلتها الشهيرة: «لا تولد المرأة امرأة، بل تصبح امرأة». وقد تنطبق تلك المعادلة على جميع الهويات التي يولّدها تحقيق الذات. فالهوية، تمامًا كما الذاكرة،
هي شكل من أشكال الواجب. فأنا ملزم أن أصبح ما أنا عليه: كورسيكي؛ يهودي؛ عامل؛ جزائري؛ أسود. عند هذا المستوى من الإلزام ينشأ الرابط الحاسم بين الذاكرة والهوية الاجتماعية. من وجهة النظر هذه، يخضع الاثنان للآلية نفسها: فقد أصبحت الكلمتان مترادفتين عمليًا، ويسم اتحادُهما بنيةً
جديدة للدينامية التاريخية والاجتماعية. شهدت فرنسا بوجه خاص هذا التحوّل من الوعي التاريخيللذات إلى الوعي الاجتماعي، بكثافة، لأنها
تنعم بتراث الحفاظ على علاقة أساسية وحاسمة بماضيها وتاريخها. وقد اكتسبت هذه العلاقة مركزية خاصة مع الجمهورية الثالثة، بعد أن أمسى التاريخ عصب الروابط الاجتماعية والسياسية. فمن خلال المدرسة، أرست الكتب المدرسية الصغيرة [المؤرخ الفرنسي] لإرنست لافيس Lavisse Ernest –1842(1922)، وكتب الأطفال مثل الكتاب الشهير تجوال طفلين لفرنسا Tour de la France par deux enfants، السردية المهمة للجماعة الوطنية: ملحمة هائلة بصيغ متعدّدة ومتنوّعة، لكنها متاحة للجميع، والتي
صقلت جميع السمات الخاصة، إقليمية أكانت أم عائلية أو لغوية أو دينية أو اجتماعية أو جنسية، والتي لا يبدو أنها تخضع للتاريخ الوطني العظيم. لذلك كان هناك، من ناحية، إيماءة، وسردية مؤثرة تحييها نفحة ملحمية، بما تشمله من تقلّبات، وبعظمتها وتجاربها، وبمخزون لا ينضب من الشخصيات والمشاهد والحوارات والدسائس والتواريخ والخيار والأشرار، ورواية عائلية مشوّقة انطلقت مع فرسانجيتوريكس
Vercingétorix ومعركة أليزيا Alésia لتنتهي بانتصار الجمهورية وحقوق الإنسان مرورًا بالحروب
الصليبية، ولويس الرابع عشر France of XIV Louis (1715–1638)، والأنوار، والثورة، والملحمة
(((نسبة إلى جزيرة كورسيكا. (((الجمهورية الفرنسية الثالثة هي نظام الحكم الذي تبنته فرنسا منذ عام 1870 عندما انهارت الإمبراطورية الفرنسية الثانية خلال الحرب الفرنسية – البروسية، واستمرت حتى 10 حزيران/ يونيو 1940، بعد هزيمة فرنسا على يد ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، والتي أدت إلى تشكيل حكومة فيشي في فرنسا. (((هو أشهر الزعماء الغاليّين. وهو واحد من قادة مقاومة الغال ضد غزو يوليوس قيصر. (((هي اشتباك عسكري ضمن الحروب الغالية التي وقعت في أيلول/ سبتمبر 52 (ق. م)، حول الأوببيدوم (مستوطنة محصنة) الغاليّة في أليزيا، وخاض المعركة جيش يوليوس قيصر ضد تحالف القبائل الغالية المتحدة.
النابليونية، والفتوحات الاستعمارية، ومحن حرب 1914، وتنتهي مع ديغول وريثًا لها. وكان هناك، من جهة أخرى، انتماءات خاصة، وولاءات فردية. فهناك تاريخ جمْعي ووطني من ناحية، وذاكرات من النوع
الخاص، من ناحية أخرى. وهناك تاريخ مقدّس، بسبب طبيعة التعليم الديني نفسه الذي أراد محاربته؛ وتاريخ مقدّس، لأنه تاريخ الوطن الذي يستحق التضحية بالحياة من أجله؛ وهو أسطورة، لكنها أسطورة عملت بصفتها محرّكًا مؤثرًا للاندماج الاجتماعي والتماسك والارتقاء. وهناك ذاكرات الجماعات، أي
الأقليات: ذاكرات الطبقة العاملة، والذاكرات اليهودية (تعرف وقتئذ بالذاكرات «الإسرائيلية»)، والملكية، والبريتانية أو الكورسيكية، أو الأنثوية. فوفق هذا التقسيم تبلورت الهوية الفرنسية التقليدية والتي تعزّزت
منذ قرن. وهذا هو القالب الذي تحطّم؛ إذ انكسر نتيجة حركة مزدوجة: تفكّك داخلي للأسطورة التي كانت تحمل مشروعًا وطنيًا وانعتاق حرّر الأقليات كلّها. تطوّرت هذه الحركة المزدوجة بالتوازي لتتسارع في تلك السنوات الحاسمة (1980–1970)، عندما
شهدت فرنسا فعليًا تبدّلً فجائيًا أساسيًا. وهنا يكمن سر ارتقاء «ذاكرة وطنية» مهيمنة واستبدادية وتكاد
تكون مؤرقة: في الانتقال من وعي تاريخي للذات إلى الوعي الاجتماعي. وبدلً من الهوية الوطنية، كان ظهور الهويات الاجتماعية. وتم تقويض الإيمان التقليدي بعظمة فرنسا وبمصيرها، من الداخل: الحروب الأوروبية، والعالمية، والاستعمارية – حرب 1918–1914، وحرب 1945–1939، وحرب الجزائر – لم تكتفِ تلك الحروب بتقليصها نفوذ النموذج الوطني الكلاسيكي تقليصًا حقيقيًا، بل
ولّدت شكًّا خبيثًا وعميقًا في شأن صحة ذلك النموذج وعصمته. جرى التعبير عنه من خلال تنامي المشاعر القومية المكبوتة (بدءًا بالرعب خلال الثورة، وصولً إلى التعذيب خلال الحرب الجزائرية).
وتسبّبت تلك الحروب في أزمة شملت جميع مؤسسات تشكيل الوعي الوطني، من كنائس، ونقابات،
وأحزاب، وعائلات، كما أدّت إلى ارتياب بطبيعة الرسالة التربوية، وكان أن تبوّأت فرنسا مكانًا يصعب
تحديده بين الحملات اللامركزية والاندماج ضمن مجموعة أوروبية. خلال هذا الوقت، أدت حركة داخلية نافذة، تدعو إلى إنهاء الاستعمار وتحرير هويات الجماعات، إلى دفع كل من الأقليات الماضية في طريق الاندماج الوطني، من أجل العودة إلى تاريخها الخاص بها؛ «ذاكرتها» – إلى «استردادها»، كما يُقال – والمطالبة باعتراف الوطن بها. وقد تُسلّط المسألة اليهودية الضوءَ هنا بصفتها نموذجًا؛ إذ
لم يكن ليذكر أحدٌ «الذاكرةَ» اليهودية قبل ثلاثين سنة. حتى ذكرى فيشي، لم تكن مرتبطة على نحو رئيس بقوانين معاداة السامية وبمسؤولية الدولة الفرنسية في الترحيل والإبادة. وما يحدث اليوم هو عكس ذلك، ف «الجماعة اليهودية» – وهو تعبير لم يكن ليذكره أحد أيضًا – لم تتوقف عن مطالبة رئيس الجمهورية بالاعتراف بهذه المسؤولية. وهو ما فعله [الرئيس] جاك شيراك Chirac Jacques –1932(2019)، في 16 تموز/ يوليو 1995 في مدرج سباق الدراجات فيلودروم ديفر Hiver ’ d Vélodrome (يعرف بفيل ديف Vel ‘d’hiv’)، حيث جرى احتجاز اليهود في حملة الاعتقالات الجَمْعية الكبرى
((1(نسبة إلى المنطقة الإدارية بريتاني Bretagne في فرنسا. ((1(في 16 و 17 تموز/ يوليو 1942، قام تسعة آلاف موظف حكومي بينهم خمسة آلاف شرطي فرنسي باعتقال أكثر من 13 ألف يهودي بينهم 4115 طفلً و 5919 في منازلهم في باريس والضواحي بأمر من حكومة فيشي، بطلب من الألمان. واقتيد 8160 شخصًا،
بينهم شيوخ ومرضى في حافلات، إلى مدرج سباق الدراجات الشتوي فيلودروم ديفر. لينقلوا بعد ذلك إلى معسكرات الإبادة.
عام 1942. وما يعرف في فرنسا ب «الذاكرة الوطنية» ليس سوى تحوّل هذه الذاكرة التاريخية الأساسية
من خلال الغزو، والتخريب، وفيض ذكريات الجماعات. عند هذه النقطة، سيكون من المهم، بالطبع، القيام بمزيد من التوغّل في وصف البنية الداخلية لهذه الذاكرة الجديدة. حاولت القيام بذلك في مقدّمات [كتاب] أماكن الذاكرة Lieux de mémoire وخلاصاته. لذلك، لنكتف هنا، نهاية، بتسليط الضوء على بعض الآثار المباشرة والفورية لنهوض الذاكرة هذا، والذي بدأ منذ فترة قريبة. يبدو لي أن هناك أثريْن رئيسين: يتكوّن الأثر الأول من تكثيف
سريع لاستعمالات الماضي؛ استعمالاته السياسية، واستعمالاته السياحية، واستعمالاته التجارية. ويبدو ذلك جليًّا، على سبيل المثال، في ارتفاع منحنى احتفالات إحياء الذكرى، وهو واضح، على
نحو خاص في فرنسا. قد يبدو العقد الأخير (2000–1989)، هو ذروة حقبة احتفال إحياء الذكرى، وقد أبرزته الذكرى المئوية الثانية للثورة من ناحية، وهي التي أكسبت الظاهرةَ التي كانت قد انطلقت جميعَ أبعادها التاريخية والسياسية والوطنية والدينية والأيديولوجية والرمزية، والاحتفاء بحلول الألفية الثانية من ناحية أخرى. فأحضرت كل سنة نصيبها من الاحتفالات، من قضية دريفوس Dreyfus إلى الذكرى ال 1500 للملك كلوفيس الأول، ومن الذكرى الثمانين لهدنة عام 1918 إلى الذكرى ال 150 لإلغاء العبودية. أعتقد أن فرنسا هي الدولة الوحيدة التي شكّلت هيئة لاحتفالات إحياء الذكرى الوطنية مدة عشرين عامًا. ولهذا الإكثار في إقامة احتفالات إحياء الذكرى أسباب متعدّدة: تثبت كلّها أن الماضي
لم يعد له معنى أوحد، وأن حاضرًا يقترن بوعيه التاريخي الخاص يجيز حكمًا عدّة أشكال محتملة من
الماضي. أما الأثر الثاني لهذه البنية الجديدة للذاكرة، فيعود إلى تجريد المؤرخ من احتكاره تفسير الماضي كما جرت العادة. وفي عالم عرف تاريخًا جمعيًا وذاكرات فردية، كان المؤرخ هو من يملك طريقة
للسيطرة الحصرية على الماضي. فطوال القرن الماضي، عزّز ما يُعرف بالتاريخ العلمي هذا الامتيازَ
بقوة؛ إذ يعود إلى المؤرخ وحده إثبات الوقائع، وتدبير الأدلة، وتوزيع الحقيقة. كانت هذه هي وظيفته ووجاهته. أما اليوم، فالمؤرخ لم يعد البتة وحيدًا في إنتاج الماضي؛ إذ يتشارك هذا الدور مع القاضي
والشاهد ووسائل الإعلام والمشرّع. إنه سبب إضافي يجعلنا اليوم نرفع بصوت عالٍ وواضح «واجب
الذاكرة» الذي كنا نعلنه قبل عشرين أو خمس وعشرين سنة، مقابل «واجب التاريخ». فالمشكلة الحقيقية التي تطرحها اليوم عملية تقديس الذاكرة هي معرفة كيف، ولماذا، ومتى يمكن المبدأ الإيجابيَّ للتحرّر والتحرير الذي يحرّكها أن ينقلب ويصبح شكلً من أشكال الانغلاق، وسببًا
للإقصاء وسلاحًا حربيًا. فالمطالبة بالذاكرة هي، في المبدأ، شكل من أشكال مناشدة العدالة. إلا أنه
(1((يُعتبر كتاب أماكن الذاكرة، الصادر سنة 1994 للمؤرخ الفرنسي بيار نورا، من أهم المراجع النظرية في حقل الدراسات
التاريخية التي ظهرت في فرنسا بشأن مفهوم الذاكرة الجمعية. وهو مُؤلف من سبعة أجزاء. ووفقًا لنورا، إن أي مكان للذاكرة هو أي
كيان مهم، سواء كان ماديًا أو غير مادي بطبيعته، والذي أصبح إما بحكم الإرادة البشرية أو فعل الوقت عنصرًا رمزيًا في التراث
التذكاري لأي مجتمع (في هذه الحالة، المجتمع الفرنسي). وقد يشير إلى أي مكان أو شيء أو مفهوم له أهمية تاريخية في الذاكرة الجماعية الشعبية، مثل نصب تذكاري أو متحف أو حدث أو رمز مثل العلم أو الشكل الفرنسي ماريان.
نجم عنها، تحوّلها في كثير من الأحيان إلى دعوة للقتل. ربما قد يكون آن الأوان لاستئناف محاكمة
ضد الذاكرة كتلك المحاكمة التي ساقها نيتشه ضد التاريخ قبل قرن، وتكرار ما ورد في [أعماله] اعتبارات في غير أوانها Unzeitgemässe Betrachtungen، مع استبدال كلمة «التاريخ» بكلمة «ذاكرة»: «هناك درجة من الأرق، والتأمل مليًا، والمعنى التاريخي [أي «الذاكرة»]، التي ما إن يتجاوزها
الكائن الحي، حتى يجد نفسه مزعزعًا ومدمّرًا في النهاية، فردًا أكان أم شعبًا أو حضارة». هذه هي رسالة
الذاكرة التي يجب أن نتذكرها نحن أيضًا.
(1((الاعتبارات في غير أوانها: سلسلة من أربعة أعمال فلسفية وجدلية للفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه، صدرت بين عامي 1873 و.1876