العودة إلى تفاصيل المؤلَّف ترحاليون رقميون: الأوطان-الأرض والأوطان-الصفحات

ترحاليون رقميون: الأوطان-الأرض والأوطان-الصفحات

Digital Nomads: Between Homepages and Homelands

صبحي الزبيدي

Abdulrahim al-Shaikh

الملخّص

على امتداد العقود السبعة الأخيرة، نعيش، نحن الفلسطينيين، في حيِّز دائم التقلص، حيث نخسر مشهدنا وأرضنا بلا توقف لمصلحة الاحتلال الإسرائيلي. نعيش في حيّز غير مستقر، وأمكنتنا ليست عينية تمامًا، ولا صلبةً، مهما وضعنا فيها من إسمنت وحديد. دروبنا غير يقينية، وغير آمنة، وخطرة. لا يمكننا، أبدًا، أن نكون واثقين بالوصول إلى وجهتنا. وإن وصلنا فلا يمكننا التيقن، أبدًا، من إمكانية العودة إلى حيث كنا. استنادًا إلى مفاهيم نظرية طوَّرها كل من هنري برغسون Henri Bergson 1895-1941، وجيل دولوز Gilles Deleuze 1925-1995، وإدوارد سعيد Edward Said 1935-2003)، تفحص هذه الدراسة الكيفية التي استطاع الفلسطينيون من خلالها التصدّي لفقدان حيّزهم الفيزيائي الفعلي، عبر اللجوء إلى الإعلام وإلى تقنيات حديثة، على نحو يمكِّنهم من امتلاك إحساس بمعرفة وجهتهم في العالم، وذلك بغية تدشين هويات فردية وجمعية.

Abstract

Abstract: For the last seven decades, we Palestinians have been living in an ever–diminishing space, constantly losing our landscape and our land to Israeli occupation. We live in an unstable space; our places are not concrete enough no matter how much cement and steel we put in them. Our paths are uncertain, risky and dangerous. We are never sure that we can get to our destination, and if we do get there, we are never sure that we can get back to where we started. Drawing on theoretical notions developed by Henri Bergson, Gilles Deleuze, and Edward Said this paper examines how Palestinians can combat their loss of real physical space by resorting to new media and new technologies in the way of negotiating a sense of orientation in the world, and for constructing both personal and collective identities.

الكلمات المفتاحية:
  • فلسطين
  • الذاكرة
  • الحيِّز
  • الإنترنت
  • الجذمور
  • الاحتلال
  • السلب
  • اللاجئون
Keywords:
  • Palestine
  • Memory
  • Space
  • Virtual
  • Internet
  • Rhizome
  • Occupation
  • Dispossession
  • Refugees

حيث نخسر مشهدنا وأرضنا ب توقف لمصلحة الاحت لاا الإسرائيلي. نعيش في حيّز غير

مستقر، وأمكنتنا ليست عينية تمامًا، ولا صلبةً، مهما وضعنا فيها من إسمنت وحديد. دروبنا

غير يقينية، وغير آمنة، وخطرة. لا يمكننا، أبدًا، أن نكون واثقين بالوصول إلى وجهتنا. وإن

وصلنا ف يمكننا التيقن، أبدًا، من إمكانية العودة إلى حيث كنا. استنادًا إلى مفاهيم نظرية

طوَّرها كل من هنري برغسون Henri Bergson (1941–1895)، وجيل دولوز Gilles Deleuze

(1995–1925)، وإدوارد سعيد Edward Said (2003–1935)، تفحص هذه الدراسة الكيفية

التي استطاع الفلسطينيون من خلالها التصدّي لفقدان حيّزهم الفيزيائي الفعلي، عبر اللجوء

إلى الإع ماا وإلى تقنيات حديثة، على نحو يمكِّنهم من امتلاك إحساس بمعرفة وجهتهم في

العالم، وذلك بغية تدشين هويات فردية وجمعية.

بالعديد من الجوائز.

Professor of Philosophy, Arab and Cultural Studies–Birzeit University, Palestine.

Sobhi Al–Zobaidi, «Digital Nomads: Between Homepages and Homelands,» Middle East Journal of Culture and Communication , vol. 2, no. 2 (2009), pp. 293–314.

مقدمة

منذ عام 1947، ومع تأسيس وطن لليهود في فلسطين، يعيش الفلسطينيون في حيِّز دائم

التقلّص. ولعل هذا أحد أكثر الأوضاع فرادة في تاريخ البشرية المعاصر؛ فنحن، منذ أكثر من سبعين عامًا تعرّضنا فيها لحالة وجدنا فيها أنفسنا، باستمرار، في جغرافيات أقل. إن حياتي الشخصية،

مثل حياة كل فلسطيني آخر، هي حكاية فقدان دائم للأمكنة. فالمكان الذي اعتدت اللعب فيه، حين كنت في الخامسة من عمري، صار مستوطنة يهودية حين أصبحت في العاشرة، وعلى نحو مفاجئ، صار المكان غريبًا ومحظورًا. في العاشرة من عمري، كان في وسعي الذهاب إلى يافا وغزة، ولكنني

في العشرين لم أستطع. في سنّ الثلاثين كنت أستطيع دخول القدس، لكنني في الأربعين لم أستطع،

وقيل لي ألّ أحب مخيم اللاجئين الذي نشأت فيه، وألّ أعتبره وطنًا أبدًا. لقد كان المخيم مرحليًا:

شيئًا لم يظهر إلا ليختفي، كان مشهدًا بائسًا. لم أولد في ذلك المشهد، بل ولدت في ذاكرة والديَّ عن

وطنهما. لقد كبرتُ والحكايات ذاتها تتكرر على مسمعي عن الماضي المجيد، والفردوس المفقود، والحصاد، وما كان لهم من خيول. المستوطنات اليهودية ليست محض أمكنة للعيش الرخيص والمريح، بل يتم عرضها، أيضًا، كصور

مُنحت سماتٍ توراتيةً. تنمو المستوطنات وتحوِّل المزيد ثم المزيد من الأراضي المحيطة بها متخيِّلةً

إياها بوصفها مستقبل الأرض، كلها، ومصيرها. إن هذه الجغرافيا المخترَعة تحكمها زمانية مزدوجة، كما

يكتب ويليام ميتشيل: «زمانية مزدوجة شبيهة بتلك التي تحكم الصورة الأسطورية للمشهد المقدس. إنها مكان الأصل والاحتمال المثالي للمستقبل في آنٍ معًا، وهي دائمة الأفول في ما وراء الحاضر». الصورة (1) مستوطنة يهودية في الضفة الغربية

المصدر: من أعمال آنا بالتزر.

(1) W.J. Thomas Mitchell, «Holy Landscape: Israel, Palestine, and the American Wilderness,» Critical Inquiry , vol. 26, no. 2 (Winter 2000), p. 213.

(((بشأن الجوانب التوثيقية المتعلقة بهذه الدراسة، جرى الالتزام بالنص الأصلي للمؤلف.

استنادًا إلى صورة المستوطنة الإسرائيلية (الصورة 1)، فإن عملية التحويل هذه يتعذر عكسها، عملية

تخضع فيها الجغرافيا للزمن، ويعاد اختراع الحيِّز كصورة زمنية تُسكِتُ العلاقة الحيِّزية بين هذه

القطعة من الأرض وكل ما يحيط بها. هذه التلة قرب قرية «سلفيت» في الضفة الغربية جرى ابتلاعها، واستدخالها، وجعلُها كثيفة. وهذا الحيِّز المشوَّه، بكلمات فريدرك جيمسون في دراسته «نهاية الزمنية»،

ينبّهنا إلى ضرورة «الانتباه إليه حين ننظر إليه من زاوية الزمن». ولكن، كيف يمكننا مقاربة الحيِّز من

زاوية الزمن، والزمن من زاوية الحيِّز؟ وما هو هذا «التشوّه» الذي يحيل إليه جيمسون؟ أهو اندغام

الاثنين، الواحد في الآخر؟ وما تبعات اللاحيِّزيَّة، حين يُتركُ الناس بلا حيِّز يمارسون فيه إحساسهم

بتحويله إلى بيت، أو حيٍّ، أو بلدة، أو وطن؟ كيف يمكن الناس النجاة من جغرافيتهم؟ وماذا سيحلّ

بالذكريات حين يجد الناس أنفسهم يعيشون وسط أمكنة غير مستقرة يمكن أن تظهر أو تختفي نتيجةً لقوى خارجية هائلة؟ في سعيي لجواب عن هذه الأسئلة، أو الإمعان في أشْكلتها، فإن غايتي هي إظهار فرادة الشرط الفلسطيني، ليس سياسيًا، بل وجوديًا. إن هذه الدراسة هي جزء من مشروع بحثي أوسع يركِّز على

الديناميات الفاعلة بين الحيِّز والذاكرة، وعلى نحو أدقّ بين اللاحيِّزيَّة والذاكرة. في «سينما تورا بورا»،

فُحصت هذه الظاهرة بالتركيز على الأفلام والفيديوهات التي أنتجت بين عامَي 1995 و 2005. في هذه

الأعمال، وجدتُ فلسطينيًا مذعورًا، نازحًا، مفعولً بلا مركز ولا مكان، ومن أجل أن يبقى، عليه ألّ

يتذكَّر. البارانويا والنسيان يظهران في هذه الأفلام كديناميات يمكن من خلالها مقاربة الوجود في ظل أنظمة سلطة قمعية. إنها تقنيات بقاء يمكن من خلالها أن يتغلّب المرء على فقدان الإحساس بالوجهة الناتج من ضياع الأرض. أما هنا، فأركّز على الإنترنت بصفتها فضاءًافتراضيًا ترحابيًا بالفلسطينيين بوصفهم شعبًا سليبًا له علاقة

فريدة بالحيِّز والذاكرة كليهما. على السطح، تُمكّن الإنترنت الفلسطينيين من الانتقال في اتجاهات متعددة

في آنٍ واحد، ملتفّين على منطق الزمكنة وقوانينها. وكما في الفيلم، تمكّننا الإنترنت من الذهاب إلى أمكنة لا يمكن الوصول إليها دونها، ولكن بأكثر من الفيلم، ترعى الإنترنت تناتج أنواع شتى من الجماعات المتناثرة على جغرافيات غير متواصلة. ولعل الأهمّ بالنسبة إلى الفلسطينيين أن الإنترنت تتيح لنا، للمرة

الأولى، أن نمارس ما هو محظور دونها: إنه التذكّر الجماعي العلني. لا يوجد مكان في «إسرائيل» ولا في الدول العربية سُمح فيه للفلسطينيين بأن يقيموا متاحف، أو صروحًا، أو إشهارات عامة تختزن الملامح

الجمعية لنكبتنا. فعلى امتداد سنوات الاحتلال الطويلة، سيطرت إسرائيل بقوة على وسائل التواصل بين الجماعات الفلسطينية المشتتة، وبين هذه الجماعات وبقية العالم. فمحطات الإذاعة والتلفزة، وخدمات البريد، وخطوط الهاتف، والفاكس، واللاسلكي، كانت كلها محظورة. قبل الإنترنت، لم يكن في وسع الفلسطينيين داخل فلسطين التواصل على نحو مباشر بالفلسطينيين في لبنان وسورية.

(3) Fredric Jameson, «The End of Temporality,» Critical Inquiry , vol. 29, no. 4 (2003), p. 698. (4) Sobhi Al–Zobaidi, «Tora Bora Cinema,» Jump Cut: A Review of Contemporary Media , no. 50 (Spring 2008), accessed on 25/5/2009, at: https://bit.ly/3bLTgPW

ولكن، قبل تناول الإنترنت، سأوضح مفهومَي الحيِّز والذاكرة. وفي صميم طرحي، هنا، أبني علاقة عضوية بين الحيِّز والذاكرة في فكر كل من برغسون ودولوز اللذين ضمّنا اللحظة الراهنة في خطابهما عن الذاكرة. وعلى عكس الفكرة الشائعة أن الذاكرة هي أشياء الماضي، طوَّرا إطارًا يلائم تزمينات متعددة. فمفاهيم دولوز وفيليكس غتّاري، نحو «الافتراضي»، و«الحقيقي»، و«الجذمور»، و«الترحالي»، هي عناصر مفتاحية في هذه الدراسة، وأنا أستلهم قراءة إيان بيوكنان حول «دولوز والإنترنت». وكذلك، فإن مفهوم «الكوكبة» المأخوذ من أطروحة فالتر بنيامين حول التاريخ هو مفهوم مركزي في نقاشي هنا. وقبالة «كوكبة» بنيامين، أقرأ مفهوم إدوارد سعيد ل «المشهد» كما طوّره في مقالته عن النثر العربي بعد

عام 1948. كما أنني أستلهم تأملات سعيد التنبُّئِية حول ضرورة تعدد الأصوات وتعدد الرؤى بالنسبة إلى الفلسطينيين: «إن الرؤية التعددية ضرورة لأي تمثيل لنا. إننا، بلا دولة، ولا مركزٍ، ومسلوبون، نجد أنفسنا مرارًا وتكرارًا غير قادرين على قول ‘حقيقة’ تجربتنا، وجعلها مسموعة». إنني أستخدم أفكارًا وملاحظات من كتّاب مختلفين كذلك، وكلها بغية بلورة لحظة أخرى في المأساة المستمرة لشعب سُرق حيِّزه كلّيًا. لست مهتمًا، هنا، بإيضاح مقدار معرفة الفلسطينيين بالإنترنت، ولا بإجراء مسح لاستخدامات الفلسطينيين للإنترنت وممارساتهم تجاهها. ولكن اهتماماتي هنا، أكثر من ذلك، هي نظرية؛ إذ أرغب في ربط الشرط الفلسطيني بسجالات معاصرة في الدراسات الثقافية والإعلامية ما بعد الاستعمارية. فالشرط الفلسطيني، نظرًا إلى فداحته، في وسعه أن يمنح فرصة لإعادة الفحص، وإعادة التفكير في العديد من المفاهيم في خطابات الاستعمار ونظريات ما بعد الاستعمار، ذلك أن دراسات الذاكرة والصدمة يمكنها الإفادة، على نحو بعيد، من التجربة الفلسطينية. وكذلك دراسات الهوية، والجماعة، والدولتية، يمكنها أن تكسب طرقًا جديدة في استكناه الكيفية التي تتناتج بها هذه التشكيلات، وتحافظ على ذاتها، في ظل إجراءات سيطرة، وسلطة مفرطة. إن طلبة الإعلام والاتصال سيجدون تأطيرات معقَّدة لسلطة الإعلام، ليس حين تكون وسائل الإعلام مملوكة ومسيطرًا عليها من الأقوى، بل حين يُستخدم الإعلام لتجريد الضعيف من السلطة وسلبه. إننا نجد في الشرط الفلسطيني أمثلة غنية للكيفية التي تلهم بها التكنولوجيا إعادةَ إنتاج هويات فردية وجماعية في القرن الحادي والعشرين. وفيما يلي، سأوسّع، أولً، تصوّري للذاكرة، ومن ثم، أسرد تاريخ المكان المتآكل للفلسطينيين، وسأختم بموضعة الإنترنت بين هذه الأطر.

(5) Gilles Deleuze & Félix Guattari, A Thousand Plateaus: Capitalism and Schizophrenia (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1987). (6) Ian Buchanan, «Deleuze and the Internet,» Australian Humanities Review , no. 43 (December 2007), accessed on 25/5/2009, at: https://bit.ly/3blt1yL (7) Edward W. Said, «Invention, Memory, and Place,» Critical Inquiry , vol. 26, no. 2 (Winter 2000), pp. 175–192. (8) Edward W. Said, After the Last Sky: Palestinian Lives (New York: Pantheon Books, 1986), p. 6.

أولا: الذاكرة

في كتابه فن الذاكرة، يشرح فرانسيس ييتس (1981–1899) كيف يفترض التوزيع المكاني، كما تمّ

تصوّره في العصور القديمة، ويبين أن «فنان الذاكرة» في وسعه أن يكون في مكانين أو أكثر في الآن

نفسه: «علينا أن نفكّر في الخطيب القديم وهو يتحرّك في خياله عبر مبنى ذاكرته بينما يلقي خطبته،

يرسم من الأمكنة المتذكَّرة الصور التي رشقها عليها». إن هذا النموذج يبيّن لنا إلى أي حدّ يمكن أن

يكون فن الذاكرة مشفَّرًا وحيويًا، ولكنه يمنحنا، أيضًا، صورة بصرية مجازية للذاكرة. الخطيب يتحدث

في مسرح أمام جمهور، ولكنه، في الوقت ذاته، يدخل بيتًا كبيرًا ويتجوّل فيه. هو على الدوام في

مكانين متماثلين في الحيوية والقوة. في مخيالنا وأدبنا، نسب البشر هذه القدرات، دائمًا، إلى قوى

فوق طبيعية؛ كالآلهة، والأرواح، والشياطين، والملائكة الذين يقيمون في عوالم السحري، والغرائبي، والغيبي. وبمصطلحات حديثة، يمكن أن يقول المرء إن الخطيب لديه فيلم في رأسه، وحين يرغب، يشغِّل العارض السينمائي الداخلي، على نحو مشابه للمحاضر الذي يستخدم اليوم وسائل سمعية – بصرية معينة؛ كالشرائح، والرسومات، والفيديوهات، والإنترنت. تتيح لنا الذاكرة أن نكون في مكان آخر في أي وقت. وهي، على غير ما هي عليه الحال في أنواع أخرى من السفر، لا تتطلب أي تنقّل، وهي غير مادية، وجوّانية كلّيًا، وتربط أجسادنا المادية بما تبقّى من غير

الماديات. لقد تغلب برغسون على ازدواجية المثالية/ المادية للذاكرة. ففي بحثه عن جسر بين الجسد والروح، بين المادة والصورة، بين الواقعي والافتراضي [هناك] مَوْضعَ الذاكرة. فالذاكرة هي كل ما

هو مادي باستثناء ما ارتبطت به أجسادنا، أو كان في وسعها الارتباط به في أي وقت، وفي كل حين. ولعل من الأهمية القصوى أن برغسون عنون كتابه ب  المادة والذاكرة، وليس الذاكرة والروح، وجاء فيه: «بالذاكرة نحن [موجودون] حقيقة في مجال الروح». في القصص، والحكايات الدينية، والأفلام، وفي كل مكان آخر يظهرن فيه: تستعصي الأرواح على الزمن؛ ترتحل من مكان إلى آخر من دون أن تهرم.

إنها ليست جزءًا من الأرض على الرغم من أنها تشتبك بها؛ الأرواح لا تخضِعُها القوانين. الأرض، من

وجهة نظر الأرواح، تبدو سينما عملاقة واحدة، تراقب فيها الأرواحُ الناسَ يجيئون ويذهبون، الأرواح

تتفرَّسُ في الحضارات وهي تعبر؛ قد تتفاعل الأرواح، لكنّها تبقى خارجية، غريبة. إنه لأمر ذو دلالة، نوعًا ما، أن برغسون اختار كلمة «روح» في عموم وصفه للذاكرة. الأرواح أشياء حيّة، وقوية، ولكنها صور غير مادية. الذاكرة ليست فاعليّة توسُّطية للدماغ، بل هي قوة للجسد وعليه.

الذاكرة لها حياة تخصُّها، لا ينتجها الجسد، لكنّها تتفاعل مع حيويّته وتتلقّاها عبر الجسد: «وماضينا،

على العكس من ذلك، هو ما لا يعمل لكنّه يمكن أن يعمل، وسيعمل فقط عبر إدخال نفسه كإحساس

راهن يستمدّ حيويته من [هذا الإحساس»]. يُمَوْضِعُ برغسون الذاكرة على سطح الجسد الذي

يصل الجسد الفعلي بالصور الافتراضية للأجساد الأخرى كلها. سطح الجسد هو ما يميّز بين الداخل

(9) Frances Amelia Yates, The Art of Memory (Chicago: University of Chicago Press, 1966). (10) Henri Bergson, Matter and Memory (New York: Zone Books, 1988), p. 240. (11) Ibid.

والخارج، بين الشخص والعالم المحيط به. الذاكرة «تحتفظ بشيء من افتراضيَّتها، بما أنها حالة راهنة،

إذا لم يكن شيئًا ماثلً بمعزل عن الحاضر، ولا يكون في وسعنا أن ندعوه ذاكرة». الذاكرة لا تعمل

أبدًا ك «خزّان للصور». الخطيب لا يذهب إلى داخل البيت ليسترجع الذاكرة، بل الذاكرة هي التي

تأخذه من المسرح إلى البيت، ذلك أن الذاكرة تكون أصلً هناك، وفي كل مكان: «كلما حاولنا استعادة ذكرى، أو استدعاء حقبة ما من تاريخنا، فإننا نصير واعين بفعل فريد من نوعه، نتمكّن من خلاله من عزل أنفسنا عن الحاضر كي نستبدل أنفسنا؛ أولً في الماضي عمومًا، ومن ثم في منطقة معينة من

الماضي، أي عمل ضبط، شيء ما يشبه تركيز الكاميرا». يوسِّع دولوز نظرية برغسون ويطوّرها نظرية في الواقعي والافتراضي. يقترح دولوز أن الذاكرة ليست

صورة واقعية «تتشكَّل بعد أن يكون الشيء قد تم تذهُّنه، بل هي صورة افتراضية متعايشة مع التصوّر

الواقعي للشيء. الذاكرة هي صورة افتراضية معاصرة للشيء الواقعي، نسخة منه، صورة مرآوية له». الذاكرة بالنسبة إلى دولوز، كما هي بالنسبة إلى برغسون، عملية معاصرة تنظِّم علاقة الجسد بالعالم

الخارجي. وفي حقيقة الأمر، يُمَوْقِعُ دولوز الذاكرةَ على خط المنتصف بين الماضي والحاضر؛ إذ

يقول: «إن هذا التمييز بين الافتراضي والواقعي ينسجم مع الانقسام الأساسي في الزمن، أي التفريق بين مساره، ونافورتيه الهائلتين: عبور الحاضر، واستبقاء الماضي». في حين يموضع برغسون الذاكرة على سطح الجسد، في مخطط محرِّكنا الحسّي، يموقعها دولوز

في «الحيِّز المساربي»، وهو مفهوم الحيِّز الذي استعاره من عالم النفس كورت لوين Lewin Kurt

(1890–1947) في سينما 2. يقول دولوز: «إننا نلاحظ، ببساطة أن مخطط المحرِّك الحسي يقع على

نحو صلد في حيِّز مساربيّ يُعرَّف بحقل من القوى، والمواقف، والتوتّرات بين هذه القوى».

إن مفهوم لوين ل «الحيِّز المساربي»، أو «حيِّز الممرات»، كما شرحه جانييس فلاغ براون (–1902

)1970، تم تطويره لمقارنة الحيِّز الإقليدي الذي يهتم بقياس المسافة المقطوعة بين النقطة «أ»

والنقطة «ب»، في حين يهتم الحيِّز المساربي الذي تتعدد أبعاده، وتشكِّله مناطق لا نقاط، بالمسارب

التي عُبرت، لا بالمسافات التي قيست. لقد وضع لوين عقبةً في الخط الإقليدي بين النقطة «أ» والنقطة «ب»، ومن ثم أعاد تخيّل الحيِّز من منظور شخص يحاول تجاوز العقبة، والوصول إلى

النقطة «ب». هنا، يكفُّ المكان عن كونه فيزيائيًا، ويغدو «مفهوميًا واجتماعيًا». يجادل دولوز بأن

انهيار الحيِّز المساربي (مقدرة المرء على الوصول إلى مسرب ما أو تتبعه) ينتج منه انهيار في مخطط

المحرِّك الحسي؛ ما يمكن أن يفضي إلى فقدان الإحساس بالجهات، والتفكك، وفقدان الذاكرة.

(12) Ibid., p. 134. (13) Ibid., p. 237. (14) Ibid., p. 134. (15) Gilles Deleuze & Claire Parnet, Dialogues II (New York: Columbia University Press, 2002), p. 150. (16) Ibid., p. 151. (17) Gilles Deleuze, Cinema 2: The Time–Image (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1989), p. 127. (18) J.F. Brown, «On the Use of Mathematics in Psychological Theory,» Psychometrika , vol. 1, no. 2 (1936), pp. 77–90.

وفي ظل ظروف كهذه، تنهار العلاقة العضوية بين الواقعي والافتراضي. حين أغادر بيتي ولا أستطيع العودة إليه، وحين أغادر مدينتي ولا أستطيع العودة إليها، وحين أغادر بلادي ولا أستطيع العودة إليها؛ أنا إنسان بلا طريق. في اللحظة التي تفشل فيها الروابط القانونية والسببية في إعادتي إلى هناك، ألجأ إلى كل شيء آخر. أقفز، أغزو، أتخيّل، أحلم، أتذكّر. آخذ أي مسار ممكن. وحين يفشل العضوي، يتسلّم الدّفة نظام

بلُّوري من الصور. يطلق فالتر بنيامين (1940–1892) على هذه اللحظة «كوكبة»، حين تترابط صور مختلفة على نحو غير سببي أو تزامني. حين كتب بنيامين، في أعقاب الفاشية والنازية، لم يفكِّر في التاريخ كسيرورة للأحداث في «زمن متجانس أجوف» يظهر للعيان بانتظام «كخرز المسبحة»، لكنّه، بدلً من ذلك، يصوّر المؤرِّخ كمن «يستوعب الكوكبة التي شكّلتها حقبته مع الحقب المحددة السابقة.

ولذا، فإنه يدشّن مفهومًا للحاضر بوصفه ‘زمن الآن»’. إن تعايش تزمينات مختلفة في مفهوم بنيامين

للتاريخ يتحدّى السردية التقدّمية للتاريخ حين ينبثق الزمن من الحركة والفعل، ويُصنَّف، على الدوام،

بين الماضي والحاضر. إن بنيامين يواجه التاريخ بالذاكرة. إذا كان التاريخ يبدو كخرز المسبحة، فإن الذاكرة هي «قفزة في الهواء الطلق للتاريخ». لقد أوجزت، في ما سبق، المفاهيم النظرية التي تتصوّر الذاكرة كشيء مرن، إبداعي، استطرادي،

يتموضع في الحيِّز المساربي، الذي ينتج من انهياره أو فقدانه انهيار أو اختلال للذاكرة. إذا قبلنا بأن

الذاكرة ليست عملية فطرية، ولا تقع لا في أجسادنا ولا في أدمغتنا، بل على السطح بين أجسادنا والعالم، فإن النقاش يغدو أكثر انسجامًا، إلى حد بعيد، بالقول إن ذاكرتنا مصممة على أيدي قوى

خارجية مثل بقية الأجسام حولنا؛ الأشياء والأوساط التي نتّصل بالذكريات من خلالها، والخطابات والقوى الفاعلة. لا ينبغي أن يتم فهم الذاكرة بصفتها سمة متجانسة تفعل على نحو متشابه بين كل البشر، بل إن الأمر هو مثلما كتبت ماريتا ستوركين: «إن المواقف من صور التذكّر تحدد مكانة الذاكرة في ثقافة معينة». الإعادة، والاستعادة، والتذكّر هي فقط بعض الطرق التي نمارس من خلالها الذاكرة، حيث تشدد الكثير من التخصصات، أو تركِّز، على التذكّر وتحولّاته، والطرق التي تلهم بها

صورُ التذكّر فهم الناس للهوية بوصفها جمعيّةً أو أمّةً.

ثانيًا: الحيِّز

تفصح الصورة (2)، وهي مأخوذة من موقع إلكتروني إسرائيلي مناهض للاحتلال، عن جزء مهم من القصة التي أحاول إيصالها هنا: التناقض بين الحيِّز المتناقص والشعب المتزايد. في عام 1922،

(19) Walter Benjamin, Illuminations (New York: Harcourt, Brace and World, 1968), p. 260. (20) Ibid., pp. 260–261. (21) Ibid., p. 261. (22) Marita Sturken, Tangled Memories: The Vietnam War, the AIDS Epidemic, and the Politics of Remembering (Berkeley: University of California Press, 1997), p. 44.

سجّل أول إحصاء بريطاني لفلسطين تعدادًا للسكان مقداره 757182 نسمة، وكانت نسبة اليهود 11 في المئة، وكانوا يملكون 3 في المئة من الأرض. أما إحصاء عام 1931، فقد سجّل 1.04 مليون بنسبة من اليهود مقدارها 16 في المئة. وقد زاد تدفُّق اليهود إلى فلسطين النسبة إلى 30 في المئة في عام 1947، لكنهم يملكون أقل من 7 في المئة من الأرض. وفي عام 1947، صوَّتت الجمعية العامة للأمم المتحدة على تقسيم فلسطين، معطية 56 في المئة من الأرض للدولة اليهودية و 43 في المئة للفلسطينيين. وفي عام 1948، أعلنت العصابات الصهيونية سيطرتها على 77 في المئة من فلسطين. لقد كانت المهمة الأولى، والأهم، للدولة الناشئة حديثًا هي إعادة/ اختراع فلسطين كمشهدية توراتية، قديمة وخالية، وذلك باقتلاع كل الأشياء والصور التي قد تحيل إلى الذين هُجِّروا. وقد جرى نوع من التطهير للمكان، تدمير طقوسي، أودى في الأشهر الأولى بحياة ما يزيد على 400 قرية وبلدة مُحِيَت جميعها كلّيًا. الصورة (2) فلسطين المتآكلة

المصدر: il. co. kibush. www:// http

(23) Palestinian Academic Society for the Study of International Affairs (PASSIA) (December 2007), accessed on 19/5/2020, at: https://bit.ly/3e3xfg6

((2(يحصر المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس (1987) الرقم في 380 قرية، في حين يوثق المؤرّخ الفلسطيني وليد الخالدي (1992)

421 قرية.

منذ عام 1948 حتى 1966، قُطِع التواصل بين الفلسطينيين الذين بقوا داخل فلسطين المحتلة في عام 1948 (يُقدَّر عددهم ما بين 150 و 200 ألف نسمة) والفلسطينيين والعرب من حولهم. وصُمِّمَ نظام حكم عسكري خاص لإدارة شؤونهم، مهمّته التأكد من أنهم لا يعبِّرون عن أي شيء فلسطيني، ولا يظهرونه. لقد احتاجوا إلى تصاريح عسكرية لمغادرة بلداتهم. وفي السياسات التعليمية والثقافية، بذلت إسرائيل جهودًا واعية وجدية لجعل الفلسطينيين ينسون ماضيهم. غُيِّرت أسماء القرى والبلدات، ومعاني المعالم الدينية والأمكنة المقدسة أعيد اختراعها، وثبتت في السياق اليهودي، بمعنى: تهويدها. وأصبحت العبرية اللغة الرسمية التي تعلَّم في المدارس. وعلى نحو عام، حاول الإسرائيليون إعادة اختراع الفلسطينيين الذين بقوا كشعب بلا ذاكرة. لقد قال لي عالم الإنسانيات شريف كناعنة في مقابلة مصوَّرة في عام 2004: «إسرائيل أرادت خلق عربي نسَّاء، ليس إسرائيليًا، ولا فلسطينيًا». هذا الفلسطيني النسَّاء لا يوجد في وصفه أفضل من شخصية

سعيد المتشائل في رواية إميل حبيبي الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل. فقط في عام 1967، وباحتلال إسرائيل ما تبقى من الأراضي الفلسطينية، صار في وسع هؤلاء الفلسطينيين إعادة التواصل مع أشقائهم الفلسطينيين. لقد تمكن العديد من بين أكثر من 500 ألف لاجئ (الآن) من الرجوع وإلقاء نظرة على بيوتهم السابقة. أتذكر في بداية عقد السبعينيات من القرن الماضي، في مخيم الجلزون الذي نشأت فيه، حين أخذنا والدي في أول رحلة عائلية إلى قريته (السافرية). أتذكر البيت و«البيارة» (البستان). لم ندخل البيت. ما أزال أتذكر وجه أبي ودموعه، والمرأة اليهودية التي كانت تحاول مواساته بإعطائه سلة من البرتقال. كل الصيف، وكل صيف، كان مخيمنا، كغيره من المخيمات، ينشغل بتنظيم هذه «الرحلات العائلية السعيدة» كما كانت الملصقات تعلن عنها حينئذ. ولطفل مثلي، كانت هذه الرحلات أكثر أوقات حياتي فرحًا وحزنًا في آنٍ معًا. لقد فَطر قلبي النظرُ إلى الناس وهم يقفون أمام بيوتهم كالغرباء، وسماعُ بكائهم وصلواتهم. كانت حرب عام 1967 الحدث الأهم بعد النكبة، وهو الحدث الذي أتاح للفلسطينيين تعهُّد ذكرياتهم عن فردوسهم المفقود، ورغباتهم فيه. ثمة سيل لا يتوقف من الحكايات والصور متواصلة الظهور عن اللقاء بين الناس وبيوتهم السابقة وقراهم. يعقِّب أحمد سعدي وليلى أبو لغد على لقاءات اللاجئين ببيوتهم السابقة: «في بيت الجد، لدينا لحظة لموقع ترتبط به الذاكرة، أحد أنواع الأشياء التي أطلق عليها بيير نورا وصفه الشهير «أماكن الذاكرة». «لدينا عودة الجيل الثاني إلى موقع الحياة السابقة لآبائهم وأجدادهم؛ فاعلية ‘ما بعد الذاكرة’ التخيِّلية التي حفَّزتها صورة تاريخية للعائلة؛ لدينا، ونحن جلوس

(25)  Emile Habiby ,  Secret Life  of  Saeed the Pessoptimist , Salma Khadra Jayyusi & Trevor Le Gassick (trans.) (London: Zed Books, 1985). (26) Pierre Nora, Lawrence D. Kritzman & Arthur Goldhammer, Realms of Memory: Rethinking the French Past (New York: Columbia University Press, 1996).

في السيارة خارج البيت، ناجية مصابة بالصدمة لا تطيق رؤية وجه من اقتحم وجودها [...] وفي نهاية المطاف، لدينا [...] المواجهة المهينة مع السردية المسيطرة للمنتصر، التي لا يمكن فيها الجهر بحقيقة بديلة». في عام 1993، اعترفت إسرائيل بنوع من الوجود الفلسطيني ووافقت على التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية. لقد بدؤوا المفاوضات على ما بين 20 و 30 في المئة من فلسطين المحتلة في عام 1967. وفي عام 2000، اندلعت الانتفاضة الثانية، وأدت إلى تدمير إسرائيلي شامل للبنية التحتية للسلطة الفلسطينية محوِّلة الضفة الغربية وقطاع غزة إلى غيتوهات معزولة. وقد صودر المزيد من الأرض لأغراض عسكرية، وللمستوطنات، والطرق الالتفافية. وفي عام 2002، شرعت إسرائيل في بناء جدار إسمنتي يبلغ ارتفاعه 25 قدمًا يقسم الضفة الغربية إلى خمسة سجون، ويحوّل غزة إلى سجن كبير؛ كلها محاط بالألواح الإسمنتية العالية، والخنادق، والأسلاك الشائكة، و«المناطق العازلة»، والأسيجة المكهربة، وأبراج المراقبة الهائلة، وكاميرات التصوير الحرارية، وأبراج القنص، والدوريات على الطرق. لقد قلَّص جدار ال 23 في المئة من فلسطين إلى 12 في المئة. إن الجدار هو الإجراء الأقصى للسيطرة والتضييق على الأحيزة الفلسطينية في حدّها الأدنى، وهو يفصل الفلسطينيين عن الإسرائيليين. في عام 2007، نشر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو بعثة أسستها وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى UNRWA، عددًا من الوثائق التي تفصِّل الأساليب والسياسات الإسرائيلية التي تعيق حركة الناس وتضيِّق عليهم في مناطق صغيرة. تشتمل إحدى هذه الوثائق على 268 صفحة من المعلومات التفصيلية والصور للعديد من نقاط التفتيش، والعوازل، والحواجز العسكرية، والمتاريس، والسواتر الترابية التي بلغ عددها 539 في عام 2007. ويوجد مع الوثيقة ملحق للعرض، بصيغة PowerPoint، يحتوي على مفتاح خارطة طريق ليس له مثيل (الصورة 3). هنا، استُبدِلت كل إشارات الشوارع والطرق بما يطمسها. إنه مفتاح خارطة تقود إلى لا مكان، خارطة بلا مسارات، ولا مسارب، ولا طرق. وبالمطلق خارطة لا تشير إلى أي حيِّز جغرافي، أو سكني، أو اجتماعي. إنه مفتاح لمكان خُطِّط كلّيًا؛ خارطة لا تشير إلى أي حيِّز مساربي، بل إلى العقبة، والعقبة فحسب.

(27) Ahmad H. Sa’di & Lila Abu–Lughod, Nakba: Palestine, 1948, and the Claims of Memory (New York: Columbia University Press, 2007).

((2(هذه الوثائق متوافرة على موقع: (January 2008) www.ocha.org

المصدر: www.unocha.org

في: www.pcbs.gov.ps

اللاجئين والنازحين الفلسطينيين، 2006»، كانون الأول/ ديسمبر 2007، في: www.badil.org

الصورة (3) صورة مقربة لمفتاح الخارطة

مع نهاية عام 2006، بلغ تعداد الفلسطينيين في العالم 10 ملايين؛ 3.95 ملايين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة، و 1.2 مليون في فلسطين المحتلة في عام 1948، و 2.7 مليون في الأردن، و 1.6 مليون في لبنان، و 0.6 من المليون في بلدان أجنبية أخرى. لقد بلغ تعداد اللاجئين من التعداد العام للشعب الفلسطيني ما مقداره 70 في المئة، ونحو 450 ألف نازح. وقد تبنّت إسرائيل، دائمًا،

((2(الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، «إحصاءات فلسطينية، 2006»، كانون الأول/ ديسمبر 2007، شوهد في 2020/5/19، ((3(المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين (بديل)، 2000–1948«، ستون عامًا من النكبة الفلسطينية، إحصاء

استراتيجية عزل هذه الجماعات الفلسطينية، ومارست أقصى ما يمكن من السيطرة على قدرتهم على الوصول إلى فلسطين وتواصل بعضهم مع بعضهم الآخر. هنا، عليَّ تأكيد، وليس مجرد الأخذ في الاعتبار، صورة الفلسطيني بوصفه شخصًا سجينًا لا يستطيع

الحركة. وعلى الرغم من صحة هذه الصورة، فإنها لا تنقل الحقيقة الكاملة. لقد كان على الفلسطينيين أن يُطردوا خارج فلسطين طردًا مطلقًا. ولكن من لم يخرجوا من هؤلاء، كان عليهم أن يُسحَقوا في

الداخل. هناك، على الأقل، نوعان من الفلسطينيين: من هم في الخارج بلا نقطة للعودة، ولا مركز، يناضلون في مخيمات لجوئهم أو في المعابر بوصفهم لاجئين ومنفيين، وهؤلاء هم الفلسطينيون الذين قال عنهم الشاعر محمود درويش: «نسافر كالناس، لكننا لا نعود إلى شيء». أما الفلسطينيون الآخرون، فهم القابعون بين الجدران والغيتوهات، بلا أفق، ولا امتداد، ولا حركة؛ فهناك المتحرِّكون

على الدوام («المعبريُّون» كما وصفهم إدوارد سعيد)، وهناك من هم في المصيدة بلا حراك. ولعل هذا

ما نوَّع تجارب النزوح والاستلاب بوصفهما موقعيَّتين مختلفتين ينبثق منهما إحساس المرء بالانتماء

إلى العالم، وتحديد الوجهة نحوه. بغضّ النظر عما أسوقه من أرقام، أو حقائق، أو خرائط، أو مجازات لوصف الواقع، ليس ثمة ما يكفي. إن مقدار القسوة المختزن في هذه العملية يجعل التجربة عصيةً على الوصف. ليس ثمة حكاية جامعة أو صورة كبرى في وسعها أن تلمَّ القصة أو تبسِّطها بالنسبة إليّ؛ إذ في اللحظة التي أتحدّث فيها،

سأكون أفكِّر في الأشياء التي لم أتحدث عنها. لقد شكَّلت التجربة الجمعية الفلسطينية، على ما أعتقد، ما أطلق عليه بندكت أندرسون (2015–1936) «نمطًا من فهم العالم الذي مكَّن، أكثر من أي شيء آخر، من التفكير في ‘الأمة»’. وبكلمات سعيد: «لنكن على ثقة بأنه ليس ثمة فلسطيني في وسعه الإحساس بما يحس به الفلسطينيون الآخرون: لقد كان مصيرنا متعددًا ومذرَّرًا، على نحو يحول دون

ذلك النوع من التماثل. لكن ما من شك في أننا في حقيقة الأمر نكوِّن جماعةً، إذا كانت الجماعة، في

صميمها، قائمة على المعاناة والمنفى».

ثالثًا: الإنترنت

في بحثه للنثر العربي بعد عام 1948، يعرِّف سعيد «المشهد» بوصفه الوحدة الإنشائية الرئيسة، ويذكِّر

بالمشهد في فيلم. ويؤكد سعيد على أن الترابط بين المشاهد «هشٌّ»، مع ميل «نحو التسلسل، وتكرار المشاهد، وكأن التتابع الإيقاعي للمشاهد بوسعه أن يصير بديلً مما يشبه الجماعة العضوية». وفي تعقيبه على الرواية الفلسطينية المثالية، رجال في الشمس (1962) لغسان كنفاني، يكشف سعيد عن

(31) Mahmoud Darwish. Unfortunately, It was Paradise: Selected Poems (Berkeley: University of California Press,

(32) Benedict R. Anderson, Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism (New York: Verso, 1991), p. 22. (33) Said, After the Last Sky , p. 5. (34) Edward W. Said, Reflections on Exile and Other Essays (Cambridge: Harvard University Press, 2000), p. 49.

طبقات متعددة من الزمن المطوي في مشاهد الرواية: «إن هذه الفقرة هي واحدة من المشاهد العديدة التي تتوزع فيها الرواية. في كل إنسان، تقريبًا، الحاضر غير مستقر ويبدو متأثرًا بأصداء من الماضي.

[الماضي الذي هو] إحساس ينتج حين يفسح النظرُ المجالَ أمام الصوت، أو الشمِّ، حين تتشابك

حاسة بأخرى، إلى مزيج من الدفاعية ضد قسوة الحاضر، والتحصُّن من بعض الخصوصية المحتفية

بشذرة من الماضي». الحاضر هو العنصر الأساسي في المشهد، وما يميِّز الحاضر بالنسبة إلى الفلسطينيين هو الاستلاب

والمنفى. المشهد هو «صورة للحاضر لا يمكن اختزالها»، وقد تم التعبير عنها بمصادر اللغة والرؤية. المشهد هو صورة زمنية، حيِّز منظور إليه من زاوية الزمن، حيِّز مشوَّه، أو حيِّز لا يتماشى مع

المنطق الزمكاني، حيِّز موزَّع أفقيًا. إن «مشهد» سعيد هو صورة زمنية للحيِّز: غير خطيَّة، غير متوالية،

عرَضيَّة (أو على أجزاء)، إعادية، ضامنة للتحقُّق، تستعصي على الموت والعدم، موقع للنضال، يعوِّض

عن وجود الجماعة العضوية. في السينما، يقترح دولوز ظهور «نظام بلُّوري من الصور» كتعويض عن انهيار «النظام العضوي للصور» في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث ثم تحول الحيِّز في ركام

المدن في أوروبا من أحيزة مساربية إلى «أيِّ–حيِّز–كان». لقد بحث دولوز هذه اللاحيِّزية، أو فقدان

الإحساس بالوجهة في الأفلام التي طغت فيها الصور الزمنية أكثر من صور الحركة، حيث الواقع «لا يتم تمثيله أو إعادة إنتاجه، بل يُشار إليه»، وحيث «تعاقب اللقطة يسعى إلى استبدال مونتاج التمثيل». إن «مشهد» سعيد، و«كوكبة» بنيامين، و«متوالية» دولوز هي صور زمنية للحيِّز، صور نالت منها الصدمة،

وأنتجت بعد الموت، والدمار، والاستلاب. أين تقيم هذه الصور المشوَّهة للحيِّز؟ أي نوع من الحيِّز

يمكنها أن تحتل؟ وأي نوع من الزمكنات يمكنه مواءمة هذه الانقطاعات والصدوع؟ أين يقيم مثل هؤلاء الناس؟ «المشهد» و«الكوكبة» و«المتوالية» تقيم، حرفيًا، في أحيزة فلسفية وسينمائية، ولكن

هل ثمة أحيزة أخرى خارج هذه الإمكانيات التخيُّلية؟ هناك السجن (الأسرى يصفون أنفسهم بأنهم

«يُمضون الزمن»، وهذا الزمن يُرى من زاوية الحيِّز)، وهناك مصحة الأمراض العقلية، (ولا حاجة إلى

أي تنسيق بين الزمن والحيِّز). وهناك، أيضًا، المنفى والمهجر اللذان يتطلبان تفاوضًا يوميًا. هذه هي

الأشكال من المواءمات أو الاحتمالات التي أعطتها السلطةُ المهيمنة للمستلبين الذين احتلَّت حيِّزهم

وخطّطته. هنا، أقترحُ الإنترنت نموذجًا حيِّزيًّا يتيح وجود هذه الحيوات غير المتواصلة، ويسمح بتفاعلها. وكما يقول

بول باسو، فإنّ الإنترنت «فيها ترتيبات زمنية وحيِّزية». الإنترنت تتيح لنا أن نصير المؤلفين للفاعلين

(35) Ibid., p. 52. (36) Ibid., p. 49. (37) Deleuze, p. xi. (38) Ibid., p. 1. (39) Paul Basu, Highland Homecomings: Genealogy and Heritage Tourism in the Scottish Diaspora (London/ New York: Routledge, 2007), p. 97.

في هذه «المشاهد والمتواليات». الإنترنت هي، بامتياز، الوسط الذي يمنح الشعب المسلوب مثل هذه الاحتمالية للحياة. تشرح الباحثة الأصلانية كاترينا ساوكوب، خلال عملية الاستيلاء على تقنيات حديثة من قِبَل فناني الإنويت (أهالي المناطق المتجمدة الشمالية الأصليون)، كيف أنّ المندوب الرسمي

للغات اختار كلمة إيكياكيفيك Ikiaqqivik، التي تعني «السفر عبر الطبقات»، وذلك حين جاء وقت اختيار كلمة «إنويتية» للتعبير عن الإنترنت. وتقول ساوكوب: «الكلمة مشتقة من المفهوم الذي يصف ما يفعله الشامان حين يطلب منه أن يجد قريبًا، حيًا أو ميتًا، أو حيوانات اختفت آثارها، وأن يسافر عبر

الزمان والمكان ليصل إلى الإجابات». في كتاب ألف هضبة، يطوّر دولوز وغتاري مفهوم «الجذمور» بصفته نموذجًا حيِّزيًا يمكن من خلاله

تناول الظواهر في تعدديات مختلفة، ويقولان إن الجذمور يربط أيَّ نقطة بأي نقطة أخرى. فالجذمور

لا يتكوّن من وحدات، بل من أبعاد؛ ليس له بداية ولا نهاية، وليس شيئًا لإعادة الإنتاج، وهو يعمل

بالتوسّع والغلبة. وعلى خلاف الفنون الغرافيكية والتصوير والتخطيط، يرتبط الجذمور بخارطة. وهو

يتشكَّل من ألف هضبة، والهضبة دائمًا تقع في المنتصف، لا في البداية ولا في النهاية، ويرتبط بذاكرة

قصيرة المدى، على عكس التاريخ: ف «التاريخ يُكتب، دائمًا، من وجهة نظر ثابتة، وباسم جسم الدولة

الموحِّد، على الأقل الممكن، حتى حين يكون الحديث عن الترحاليين. ولكن الأمر المفقود هو علم

الترحال، نقيض التاريخ». يقرأ بيوكنان الإنترنت على نحو مضاد لكل هذه المبادئ؛ للوصول إلى نتيجة مؤدَّاها أن الإنترنت، بدرجة كبيرة، تشبه الجذمور. الإنترنت تربط أيَّ نقطة بأي نقطة أخرى،

وهي تتكوَّن من أبعاد؛ لذا، لا يمكن اختزالها إلى واحد أو متعدد، إنها بلا مركز وتعمل بالمغايرة،

والتوسُّع، والتشعُّب، وليس بإعادة التناتج. في صميم الجذمور، ثمة ما يطلق عليه دولوز «الترحالية»، وهي نوع من الوجود الحيِّزي حيث لا يملك

المرء، ولا يحتاج أن يملك، أرضًا أو جغرافيا لكي يضمن الحركة. الترحالية هي مكان أملس، خال من الأثلام والتخطيطات: الحواجز، والجدران، والبوابات، والطرق. في المكان الأملس، ليس ثمة نقاط، بل تبديلات في المسار. ليس ثمة طرق، لكن ليس هناك مسارب كذلك؛ ينتقل المرء من النقطة «أ» إلى النقطة «ب»؛ فقط ليترك النقطة «ب» وراءه. إنه لمن المغوي إسقاط هذا النموذج على الفلسطينيين فيما يخص علاقتهم بالأرض، والجغرافيا، والحيِّز عمومًا. ويفسر دولوز الترحالية بالرجوع إلى شخصية

المهاجر. لكنه يحذرنا من التفكير في المهاجرين كترحاليين: «إن الترحالي ليس هو تمامًا المهاجر،

ذلك أن المهاجر يذهب، على نحو أساسي، من نقطة إلى نقطة، حتى إن كانت النقطة الأخرى غير يقينية، وغير متوقعة، أو غير محددة بصورة جيدة. ولكن الترحالي يذهب من نقطة إلى أخرى فقط كمحصلة وكضرورة، من حيث المبدأ، ذلك أنّ النقاط بالنسبة إليه هي تبديلات مسار. الترحاليون

(40) Katarina Soukup, «Report: Traveling through Layers: Inuit Artists Appropriate New Technologies,» Canadian Journal of Communication , vol. 31, no. 1 (2006), p. 239. (41) Deleuze & Guattari, p. 23. (42) Buchanan.

والمهاجرون يمكن أن يختلطوا بطرق عدة، أو يمكنهم تشكيل تجمُّع، فقضاياهم وظروفهم ليست أقل

تميُّزًا». لا يذهب دولوز بصورة المهاجر إلى أبعد من ذلك في نقاشه، لكنه يواصل مع الترحالي، تاركًا إيّانا مع

أسئلة عديدة حول المهاجر. هل هو الصورة الحديثة للترحالي؟ وما الذي جعل دولوز ينبّهنا إلى أن

«الترحالي ليس هو، تمامًا، المهاجر»، إذا لم تكن هذه هي الإمكانية بعينها التي تحدث بموجبها مثل

هذه المساواة بين الاثنين؟ ثمة متسع هنا لإسقاط هذا المفهوم؛ ليس على الفلسطينيين فحسب، بل على كل مجموعة أخرى مشرَّدة، أو مسلوبة أيضًا. ففي زمن الحرب الحديثة، والعولمة، والإمبريالية،

وجشع الشركات، نعيش في عالم فيه الكثير من الضحايا، مليء باللاجئين والمنفيين. بالنسبة إلينا، نحن الفلسطينيين، فإننا نشكِّل مثالً نادرًا؛ ذلك أننا أكثر من مهاجرين، فنحن مسلوبون أيضًا، شعب بلا

جغرافيا نعود إليها. الفلسطينيون ليسوا ترحاليين، لكنهم أكثر من مهاجرين؛ إنهم لاجئون، أو منفيون، أو مبعَدون، أو شهداء، أو أسرى. إنهم يزاوجون بين نماذج من «الوجود هناك من دون أن يكونوا فعلً هناك». أما بالنسبة إلى الترحاليين، فالأرض تكفُّ عن كونها أرضًا، وتصبح ترابًا يدعمهم، وبالنسبة إلى

الفلسطينيين فالأرض تكفّ عن كونها الحالتين الاثنتين. الفلسطينيون لديهم السمات الأساسية للترحاليين، فهم «يختلطون بهم بعدة طرق» رغم الفروق في القضايا والظروف. إنه لَمن المغوي، أيضًا، التفكير في الفلسطينيين كترحاليين لأنهم، بسبب مقاومتهم وثورتهم، يستحضرون إمكانيةً ترحالية. ف «في كل مرة ثمة عملية ضد الدولة، أو عصيان، أو تمرد، أو حرب غوار، أو ثورة كفعل، ويمكن القول إن ماكينة حرب تم بعثها، أي إمكانية ترحالية ظهرت، مصحوبة بإعادة تدشين مكان أملس أو نمط من الوجود في الحيِّز وكأنه أملس». إن الأحيزة الجذمورية ترحب بالأفكار والقوى الترحالية، وهكذا أفكر في الإنترنت كحيِّز ترحابي

بالفلسطينيين. جذموري وترحالي: منظور يقع خارج المعجمية الباعثة اليائسة التي صارت معوقة عن الحركة عند الحديث عن الاستعمار الصهيوني لفلسطين. ليس من اختصاص هذه الدراسة تفصيل القول في ممارسات الإنترنت الفلسطينية، وبخاصة أن ثمة مئات الآلاف من المواقع الإلكترونية التي يديرها الفلسطينيون، ولأجلهم، وعنهم. وفيما يلي، سوف أركز، حصريًا، على موقع إلكتروني بوصفه مثالً جيدًا على الاستخدام الفلسطيني للإنترنت على نحو

يدمج بين النظريات السابقة. لقد تم إنشاء موقع «فلسطين في الذاكرة» في الشتات في عام 2000، ويوضِّح الموقع الجوانب الحيَّة والصالحة للإقامة في الإنترنت. لا يمكنني أن أنسى المرة الأولى

التي زرت فيها الموقع: وجدت صورة لوالدي في قريته أخذت قبل عام 1948 مع فريق كرة القدم (الصورة 4). تساءلت عن الشخص الذي حمَّل الصورة. سجَّلت في الموقع، وكتبت ملاحظة أن أبي

(43) Deleuze & Guattari, p. 380. (44) Ibid., p. 386. www.Palestineremembered.com (4(ينظر عنوان الموقع:(

كان في الصورة. أردت أن أشارك أي قصص يمكن أن تكون هناك عن الصورة، ولكن لديَّ العديد من

الأسئلة: هل لعبوا مباراة ذلك اليوم؟ ومع من؟ ومن هم هؤلاء الأشخاص الذين لا يرتدون ملابس الرياضة، ومن ضمنهم والدي؟ وثمة رجل واحد يلبس طربوشًا؛ من هو؟ وماذا عن الرجل بالبدلة؟ وأين هم الآن؟ الصورة (4) السافرية، أبي في عام 1940

مع مرور الأيام، بدأت الملاحظات تُكتب. قام أحدهم بتحديد هوية الشخص على أقصى اليمين؛ إنه الأستاذ محمود «شهبندر تجار الشام». كتب آخر أنه كان سعيدًا لرؤية صورة جده، في حين عبَّأ

ثالث أسماء الأشخاص. الرجل الذي يلبس الطربوش كان أستاذ مدرسة. الكتابة العربية تقول: «النادي الرياضي بالسافرية سنة 1940». أما الكتابة الإنكليزية المطبوعة، فتقول: Safria village palesti» « (كلمة فلسطين غير مكتملة). لكن العربية مكتوبة على قطعة ورق ملصقة بالصورة؛ ما يفيد أنها صورة عن صورة. إن الذين كتبوا تلك الكلمات على الصورة، مستخدمين أساليب مختلفة، كانوا يثبِّتون

الصورة في الزمان والمكان. الصورة التي عليها الكتابة، وصورة الصورة، تؤلفان «مشهدًا»، أو «كوكبة»، أو صورة زمنية للقرية ولهؤلاء الأشخاص. إن هذا نوع من التعدديات تستعصي على السرديات الكلَّنية؛ إذ ليس ثمة من ملاحظة أكثر مصداقية أو أعظم من الملاحظات الأخرى. كل جزء من الكتابة أو الخطِّ يضيف بعدًا جديدًا، من دون أن يقلل من شأن الآخر. إنها جميعها توجد أفقيًا، متساوية الحضور،

متساوية القوة.

كل صورة حُمِّلت على هذا الموقع لها قصص عديدة. وفي هذا التوزيع الحيِّزي فقط، يمكن أن يختبر

المرء كل القصص على نحو متساوٍ، وعلى نحو مميز وتفاعلي. الصورة (5)، على سبيل المثال، غير مسمَّاة، وغير معروفة، والمعلومة الوحيدة المعطاة تذكر أن الصورة قد التقطت في اليوم الذي كان فيه

أهل يافا يهربون من المدينة. الصورة (5) الهروب من يافا في عام 1940

تحت الصورة، أقرأ ملاحظتين؛ إذ تقول إحداهما: «لقد بدأ كل شيء صباح الأول من أيار من عام 1948. ذهبت مع والدي إلى السوق، وكان اليوم التالي عيد الفصح. التقينا بعض الجنود من جيش الإنقاذ الذين قالوا لنا إن الأسواق كلها مغلقة، وإنه لا ينبغي لنا الذهاب أبعد. عدنا أدراجنا، وقد فوجئنا بأن الجيران كلهم، تقريبًا، يقفون على أبواب بيوتهم وحقائبهم في أيديهم. كانت هناك سفينتان

‘تنتظران’ في الميناء، كما قالوا، وإنها ليست إلا 15 يومًا ونعود. ولذا، فقد عزمنا أمرنا، خلال دقائق،

وغادرنا إلى الميناء. القوارب التي ترونها في الصورة كانت تقلُّ الناس من الرصيف إلى السفينة التي تنتظر على بعد 600 متر في البحر. ربما لن تصدقوا إن قلت لكم إنه حتى قبل 24 ساعة، لم يكن لدينا

أية فكرة أننا سنغادر بلادنا». أما الملاحظة الثانية، فمفادها ما يلي: «في هذه الصورة، جدَّتي الراحلة ممدوحة الدجاني شاهدت امرأة تسقط رضيعها من القارب بالخطأ، معتقدة أنه صندوق مجوهراتها.

((4(تعليق على الصورة كتبه سليم الفار، شوهد في.2008/12/3

بعد أن أدركت خطأها، ولم يعد القارب أدراجه، فقدت المرأة المسكينة صوابها. كانت أسماك القرش تلتقط كل شيء حي في ذلك اليوم الحزين». لقد وجد هؤلاء الأشخاص هذه الصورة كما وجدت صورة والدي: وقد أعيدت زيارتها بأهوال اللحظة الراهنة عبر صورة من الماضي. هل يعرف هؤلاء الناس بعضهم الآن؟ هل عرفوا بعضهم حينذاك؟ ما الذي يربط، في حقيقة الأمر، شخصين من هؤلاء في هذه اللحظة؟ هل هي حقيقةُ أنهم أتوا من المدينة ذاتها قبل عام 1948؟ هل ثمة ذاكرة للحدث؟ هل هي صورة؟ أم أنها صفحة الموقع الإلكتروني التي تربط بينهم، وتجمع قصصهم؟ هل تبادلوا القصص والرسائل الإلكترونية؟ يحدد الموقع الإلكتروني هدفه بأنه «خلق وسطًا سهلً» للاجئين لغرض التواصل والمشاركة. هذا

مثال جيد ل «جعل الذاكرة عامة». ويعمل الموقع، كذلك، ك «موقع للذاكرة» يمكِّن الناس من السرد،

والكتابة، متيحًا لهم أن يكونوا هم المشهد، ذلك أنه «لتكون في المشهد ينبغي أن تستبدل الطمس،

وتستعيض عن الفراغ بالحياة. ولذا، فإن محض فعل الحكي، والسرد، والنطق، يضمن التحقق». يمكِّن الموقع الناس أيضًا من إعادة ممارسة السيطرة، والاستقصاء، والانتصار، والاستعادة. وعلى

الصفحة الرئيسة، ثمة قسم «نظرة القمر الصناعي» حيث يتم استخدام «غوغل إيرث» لتحديد مواقع في «إسرائيل». حين تتحرك الفأرة، ويتنقل المؤشر، فوق أي من النقاط الملونة، تقفز شاشة صغيرة، فيها ما هو، عادةً، صورة قديمة لأي مكان، ومعلومات بالعربية والإنكليزية تحمل الأصل العربي للمكان، قبل

عام 1948 (الصورة 6). وبغضّ النظر عما نطلقه على هذا الفعل، فإنه، بمعانٍ عدة، فعلُ عودة، لا زيارة، ولكنْ إعادة رسم لخارطة المكان، وإعادة فتح له. الصورة (6) إعادة فتح فلسطين

((4(تعليق كتبه حسام الدجاني، كانون الثاني/ يناير 2008 في الموقع التفاعلي: https://bit.ly/35e1Ep7

(48) Said, «Invention, Memory, and Place,» p. 50.

ثمة مثال آخر على الطريقة التي توضع بها صور قديمة وأخرى حديثة معًا من دون ترتيب معين.

فبالنسبة إلى يافا، وعكا، والقدس، ومعظم المدن الأخرى، ستجد صورًا من قبل عام 1948 إلى جانب

صور حديثة جدًا. إن هذا التأليف من الصور يقول لنا إن الاهتمام ليس منصبًّا على الماضي فحسب،

بل على الحاضر، والمستقبل كذلك. الصور القديمة (قبل عام 1948) تزعزع السلام النسبي والهدوء للصور الجديدة جالبةً الذاكرة لتُحمَل فوقها. الرابط بين الصورتين يمكن أن يصنع من قبل المشاهدين

ذوي العلاقة ذاكرةً وتاريخًا، والذين تولِّد فيهم الصورتان توتُّرًا، ومقاومة، و[رغبة] تخريب. إن عرض

هذه الصور يماثل التصوير، كما وصفته سوزان سونتاغ (2004–1933): «أن تصوِّر هو أن تستولي على

الشيء المصوَّر». في حقيقة الأمر، تذهب سونتاغ أبعد من ذلك لتقترح أن الصور «تساعد الناس في

تملُّك الحيِّز الذي يحسُّون فيه بعدم الأمان». وعلى الرغم من أنها توجه هذا المفهوم نحو «التصوير

السياحي»، فإنني أعتقد أن ملاحظتها تنطبق على حالات حيث يحدد التضارب علاقة المرء بالحيِّز،

حين يكون المرء هناك لكنه ليس هناك. إن الطريقة الحماسية التي يتم بها تحميل هذه الصور وعرضها

من قِبَل زوَّار مختلفين هو فعل تذكير، وتزويد بقرائن، وربط للماضي بالحاضر، أو كما تقول سونتاغ:

«إن من تم سلبهم في الماضي يكونون أكثر آخذي الصور حماسة»ً. إن هذا الموقع، كغيره من المواقع الفلسطينية الأخرى، يزوِّد الفلسطينيين بمكان يستطيعون فيه ممارسة

التذكُّر الجماعي. وإن حقيقة خسارتنا وطننا من أجل «الشعب اليهودي» في أعقاب النازية يبرز بوصفه شرطًا نادرًا يميِّز تجربتنا من أي شرط استعماري أو استيطاني في التاريخ الحديث. ثم إن وضعنا بوصفنا

ضحايا يتم تحدِّيه وتغطيته من قِبَل ضحَوِيَّة جلّدنا (اتخاذه موقف الضحية)، وكذلك ذكرياتنا التي

يبقى يتحدّاها على الدوام وينافسها بذكرياته. لكن صور التذكّر الفلسطيني لا تتم مقاومتها وإنكارها في «إسرائيل» ومن قبلها، بل يجد المرء في الأكاديميا والإعلام الغربيين أمثلة حية على مدى صعوبة أن تحظى الذاكرة الفلسطينية بمحض الاعتراف، وبخاصة عندما يكون العنوان هو الذاكرة والصدمة، حيث تبرز الهولوكوست رمزًا كونيًا للألم والمعاناة؛ إذ تزيح النكبة وتستبدلها تلقائيًا. والوضع ليس

مختلفًا في العالم العربي؛ إذ إن صور التذكُّر الفلسطيني مشروطة لهذا النظام أو ذاك. وفي هذا السياق، يعطي سعيد، في كتاب مقالاته المصوَّر ما بعد السماء الأخيرة، مثالً جيدًا. ففي عام 1983، تم تنصيبه

مستشارًا للأمم المتحدة في مؤتمرها حول القضية الفلسطينية. وقد كلَّف سعيد المصور السويسري

جون مور بالتقاط صور للفلسطينيين في أمكنة مختلفة: «اقترحت أن يتم تعليق صور الفلسطينيين في ردهة الاستقبال لموقع المؤتمر في جنيف [...] غادر مور في رحلة خاصة ممولة من الأمم المتحدة إلى الشرق الأدنى. كانت الصور التي عاد بها فعلً رائعة، لكن الرد الرسمي كان مربكًا، ولشخص يمتلك حسَّ السخرية، كان الرد مبهرًا. يمكنكم تعليقها، قيل

لنا، لكن لا ينبغي أن تعرض معها أي كتابة. لا مفاتيح، ولا توضيحات».

(49) Susan Sontag, On Photography (New York: Farrar, Straus & Giroux, 1973), p. 2. (50) Ibid., p. 6. (51) Ibid., p. 7. (52) Said, After the Last Sky , p. 3.

يوضح سعيد أن سبب منع الكتابة جاء من دول عربية أعضاء (في الأمم المتحدة) تستضيف لاجئين فلسطينيين، وترغب في إبقاء الفلسطينيين محتجزين في صورة يمكنهم هم، وليس الفلسطينيين، السيطرة عليها. لقد كان من شأن التعليق والنص أن يحيلَ هذه الصور من «صور شخصية» إلى «صور نصيَّة»، إلى «نظام مزدوج التشفير للاختزان الذهني والاستعادة» بكلمات ميتشيل. وكان من شأن

تضمين نص أن يحيل الصور من حاضر غائب إلى غائب حاضر؛ ذلك أنها كانت معاصرة أكثر من كونها صورًا أرشيفية. لقد كانت صورًا من الحاضر تم منعها من امتلاك أي صلة بالماضي. وقد كان

من شأن الكتابة أن تَسْتَدْخِل هذه الصور في الماضي، محيلة إياها من محض آثار لشعب ولاجئين إلى

خارطة للتشرّد والسلب. في دراستها عن أمكنة الذاكرة والحداد في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، توضح لاله خليلي صعوبةً، إن لم تكن شبه استحالة، متمثلة بالتذكّر الجماعي لدى الفلسطينيين في لبنان المتنازع عليه سياسيًا بعد الحرب الأهلية. فعلى الرغم من المجازر، والتهجير، والعنف الممارس على الفلسطينيين

في لبنان، ليس ثمة صروح ولا إشارات تخليد ولا لافتات في هذه المواقع: «يمكن أن يتوقع المرء أنّ غياب الصروح من الأمكنة – على سبيل المثال أمكنة المجازر– يفصح عن خلافات دفينة تُسكتُ بعض السرديات التخليدية في السياق غير السهل لعلاقات السلطة في لبنان في أعقاب الحرب الأهلية». وتستكشف خليلي ما تطلق عليه أمكنة «الذاكرة اليومية»؛ كالأزقة، والسراديب، وحنفيات المياه الوحيدة. لقد تم تحويل رياض الأطفال، والمدارس، والمستشفيات، إلى مواقع للدفن، وهي أماكن «يومية» للذاكرة تشهد على القوى التخيلية للتذكُّر الجماعي. ويناقش كل من جي. وينتر وإيمانويل سيفان في الحرب والتذكُّر في القرن العشرين، كيف أن الأعمال الحكائية، والمسرح الشعبي، والشعر أدّت كلّها «دورًا حاسمًا في الحفاظ على الذاكرة الجمعية حية في مجتمع كانت فيه كتابة التاريخ عملية

روتينية مكرسة لتمجيد النظام». وهنا، يمكن إضافة الإنترنت إلى هذه القوى التخيلية والحكائية للتذكّر الجماعي.

خاتمة

يمكن أن أضيف، إلى ما تقدّم ذِكره، أن الإنترنت تمكّن الأجيال الشابة من الفلسطينيين من تحدي الركود والجمود لقوانا السياسية التقليدية. لقد عانت سياساتنا، حتى الآن، من تمجيد الله والبندقية. سيستغرق الأمر وقتًا والعديد من القوى لتغيير هذا الظرف وتطوير سياسات ثقافية مقاومة. إن الإنترنت

(53) W.J. Thomas Mitchell, Picture Theory: Essays on Verbal and Visual Representation (Chicago: University of Chicago Press, 1994), p. 192.

((5(تستخدم مارينا هيرتش ملاحظة ميتشيل في قراءتها لماوس لآرت سبيغلمان.

(55) Laleh Khalili, «Places of Memory and Mourning: Palestinian Commemoration in the Refugee Camps of Lebanon,» Comparative Studies of South Asia, Africa and the Middle East , vol. 25, no.1 (2005), p. 38. (56) Emmanuel Sivan & J.M. Winter, War and Remembrance in the Twentieth Century (Cambridge: Cambridge University Press, 2000), p. 7.

واحدة من القوى التي تتيح للشباب، والنساء، واللاجئين القانطين، أن يرفعوا أصواتهم وأن يشكِّلوا جماعات؛ ليس لتأكيد مأزقهم، بل لتحدي القوى السياسية التقليدية وإحداث التغيير.

References

المراجع

Al–Zobaidi, Sobhi. «Tora Bora Cinema.» Jump Cut: A Review of Contemporary Media. no. 50 (Spring 2008). at: https://bit.ly/3bLTgPW Anderson, Benedict R. Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism. New York: Verso, 1991. Basu, Paul. Highland Homecomings: Genealogy and Heritage Tourism in the Scottish Diaspora. London/ New York: Routledge, 2007. Benjamin, Walter. Illuminations. New York: Harcourt, Brace and World, 1968. Bergson, Henri. Matter and Memory. New York: Zone Books, 1988. Brown, J.F. «On the Use of Mathematics in Psychological Theory.» Psychometrika. vol. 1, no. 2 (1936). Buchanan, Ian. «Deleuze and the Internet.» Australian Humanities Review. no. 43 (December 2007). at: https://bit.ly/3blt1yL Darwish, Mahmoud. Unfortunately, It was Paradise: Selected Poems. Berkeley: University of California Press, 2003. Deleuze, Gilles. Cinema 2: The Time–Image. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1989. Deleuze, Gilles & Félix Guattari. A Thousand Plateaus: Capitalism and Schizophrenia. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1987. Deleuze, Gilles & Claire Parnet. Dialogues II. New York: Columbia University Press,

Habiby, Emile,  Secret Life of Saeed the Pessoptimist. Salma Khadra Jayyusi & Trevor Le Gassick (trans.). London: Zed Books, 1985. Hirsch, Marianne. Family Frames: Photography, Narrative, and Postmemory. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1997. Jameson, Fredric. «The End of Temporality.» Critical Inquiry. vol. 29, no. 4 (2003). Khalidi, Walid. Before their Diaspora. A Photographic History of the Palestinians, 1876–1948. Beirut: Institute of Palestine Studies, 1992. Khalili, Laleh. «Places of Memory and Mourning: Palestinian Commemoration in the Refugee Camps of Lebanon.» Comparative Studies of South Asia, Africa and the Middle East. vol. 25, no. 1 (2005).

Lewin, Kurt & Martin Gold. The Complete Social Scientist: A Kurt Lewin Reader. Washington, DC: American Psychological Association, 1999. Mitchell, W.J. Thomas. «Holy Landscape: Israel, Palestine, and the American Wilderness.» Critical Inquiry. vol. 26, no. 2 (Winter 2000). ________. Picture Theory: Essays on Verbal and Visual Representation. Chicago: University of Chicago Press, 1994. Morris, Benny. The Birth of the Palestinian Refugee Problem. Cambridge: Cambridge University Press, 1987. Nora, Pierre, Lawrence D. Kritzman & Arthur Goldhammer. Realms of Memory: Rethinking the French Past. New York: Columbia University Press, 1996. Sa’di, Ahmad H. & Lila Abu–Lughod. Nakba: Palestine, 1948, and the Claims of Memory. New York: Columbia University Press, 2007. Said, Edward W. After the Last Sky: Palestinian Lives. New York: Pantheon Books,

________. «Invention, Memory, and Place.» Critical Inquiry. vol. 26, no. 2 (Winter

________. Reflections on Exile and Other Essays. Cambridge: Harvard University Press, 2000. Sivan, Emmanuel & J.M. Winter. War and Remembrance in the Twentieth Century. Cambridge: Cambridge University Press, 2000. Sontag, Susan. On Photography. New York: Farrar, Straus & Giroux, 1973. Soukup, Katarina. «Report: Traveling through Layers: Inuit Artists Appropriate New Technologies.» Canadian Journal of Communication. vol. 31, no. 1 (2006). Sturken, Marita. Tangled Memories: The Vietnam War, the AIDS Epidemic, and the Politics of Remembering. Berkeley: University of California Press, 1997. Walsh, Andrea N. «Visualizing Histories: Experiences of Space and Place in Photographs by Greg Staats and Jeffrey Thomas.» Visual Studies. vol. 17, no. 1 (2002). Yates, Frances Amelia. The Art of Memory. Chicago: University of Chicago Press, 1966. Young, James Edward. The Texture of Memory: Holocaust Memorials and Meaning in Europe, Israel, and America. New Haven: Yale University Press, 1993.