العودة إلى تفاصيل المؤلَّف نظرية بشارة وآفاق مقاربة ديناميات التديّن الإسلامي المعاصر: مقدمات في ضوء أزمة النماذج السائدة

نظرية بشارة وآفاق مقاربة ديناميات التديّن الإسلامي المعاصر: مقدمات في ضوء أزمة النماذج السائدة

Bishara ’ s Theory and the Horizons of Comparing Dynamics of Contemporary Islamic Religiosity Prolegomena in Light of the Crisis of Current Models

سهيل الحبيب

Suhail Lahbib

الملخّص

تحاول هذه الدراسة أن تجلّي وجهًا من وجوه راهنية منجز كتاب الدين والعلمانية في سياق تاريخي للمفكر العربي عزمي بشارة، من حيث إنه منجز نظري يتوفّر على مفاهيم ومقولات منهجية جديدة في فهم مآلات الديني، وديناميات التديّن في سياقات العلمنة الحديثة، غير تلك التي استقرت في نظرية العلمنة الكلاسيكية. وقد طبّق بشارة هذه المقولات في مقاربة التديّن الإسلامي ودينامياته المعاصرة والراهنة، ومنها ظواهره الأكثر إثارة للإشكال اليوم: الحركات السياسية الإسلامية الإخوانية والسلفية والجهادية والجماعات الطائفية. وإذا كانت هذه الظواهر تشكّل، من المنظور الكلاسيكي للعلمنة، عناوين لجمود التديّن الإسلامي وثباته واستثناء المجتمعات المسلمة من صيرورات العلمنة، فإنها تشكّل، من وجهة مقولات نظرية بشارة في مآلات التديّن في العلمنة، عناوين لديناميات هذا التديّن في إطار خصوصية صيرورات العلمنة التي شهدتها البلدان العربية الحديثة. وهذا ما تعتبره الدراسة فتحًا لآفاق جديدة في دراسة أنماط التديّن المعاصرة والراهنة.

Abstract

Abstract: This paper seeks to shed light upon one facet of the contemporary interest of Azmi Bishara’s work Religion and Secularism in a Historical Context , inasmuch as it is a theoretical achievement that has at its disposal new methodological

الكلمات المفتاحية:
  • الاستثناء الإسلامي
  • العلمانية
  • السلفية
  • الجهادية
  • الطائفية
Keywords:
  • Islamic Exceptionalism
  • Secularism
  • Salafism
  • Jihadism
  • Sectarianism

مقدمات في ضوء أزمة النماذج السائدة **

في سياق تاريخيللمفكر العربي عزمي بشارة، من حيث إنه منجز نظري يتوفّر على مفاهيم ومقولات منهجية جديدة في فهم مآلات الديني، وديناميات التديّن في سياقات العلمنة

الحديثة، غير تلك التي استقرت في نظرية العلمنة الكلاسيكية. وقد طبّق بشارة هذه المقولات

في مقاربة التديّن الإسلامي ودينامياته المعاصرة والراهنة، ومنها ظواهره الأكثر إثارة للإشكال

اليوم: الحركات السياسية الإسلامية الإخوانية والسلفية والجهادية والجماعات الطائفية. وإذا

كانت هذه الظواهر تشكّل، من المنظور الكلاسيكي للعلمنة، عناوين لجمود التديّن الإسلامي

وثباته واستثناء المجتمعات المسلمة من صيرورات العلمنة، فإنها تشكّل، من وجهة مقولات نظرية بشارة في مآلات التديّن في العلمنة، عناوين لديناميات هذا التديّن في إطار خصوصية

صيرورات العلمنة التي شهدتها البلدان العربية الحديثة. وهذا ما تعتبره الدراسة فتحًا لآفاق

جديدة في دراسة أنماط التديّن المعاصرة والراهنة.

العربية، اختصاص حضارة (فكر عربي حديث ومعاصر).

Researcher and Lecturer at the Center for Islamic Studies – Al–Zaytoonah University, Tunisia. He holds a PhD in Arabic Language and Literature, with a specialization in Civilization (Modern and Contemporary Arab Thought).

عند الإسلاميين العرب.

concepts and terminology that makes sense of the outcomes of the religious, and the dynamics of religiosity in contexts of modern secularization, aside from those which have become mainstays of the classical theory of secularization. Bishara applies these terms to an approach to Islamic religiosity and its modern, present–day dynamics, including its most controversial phenomena: Islamic political movements (Ikhwani, Salafi, and Jihadi) and sectarian groups. From the classical perspective on secularization, these phenomena once characterized the rigidity and resilience of Islamic religiosity, as well as the exclusion of Muslim societies from the process of secularization, but in Bishara’s theory of the outcomes of piety within secularization they instead represent the dynamics of this religiosity, as part of the particularity of the outcomes of secularization as witnessed by modern Arab states. Therein, this paper finds an opening for new horizons in the study of contemporary modes of religiosity.

مقدمة

توّج عزمي بشارة المجلد الثاني من الجزء الثاني من كتابه الدين والعلمانية في سياق تاريخي

بخلاصات نظرية مكثّفة وضعها تحت عنوان «أنموذج نظري في فهم علمنة السياسة والدولة». وهذا يعني أن ما انتهى إليه يتخطى مجرّد إثراءات أو تعديلات نظرية في النموذج النظري السائد

المعتمد في فهم صيرورات العلمنة ومظاهرها وشروط تحقّقها في دول ومجتمعات بعينها، وشروط امتناع ذلك في دول ومجتمعات أخرى. وإذا كان عملنا حول تقصّي راهنية منجز بشارة في علاقة بتمثلّات الفكرة العلمانية ومتخيلّاتها الأيديولوجية عند دعاتها في السياق العربي المعاصر قد مكّننا

من الوقوف على وجوه متعيّنة من الإضافات النظرية النوعية في هذا المنجز، فإن عملنا حول

تقصّي الراهنية ذاتها، وفي السياق عينه، في علاقة بتمثلّات الإسلاميين للفكرة العلمانية ومتخيلّاتها

الأيديولوجية والسرديات التي تنتظمها، يضعنا، على نحو مباشر وصريح، في مواجهة مسألة راهنية منجز من حيث هو أنموذج نظري، أو براديغم، في فهم صيرورات العلمنة وما يمكن أن يتخلّلها من تحولّات ومنعرجات ومتغيّرات. تبدو اليوم الموضوعات التي تطرحها سرديات الإسلاميين حول العلمانية ومتخيلّات الأيديولوجية،

مقارنة بالموضوعات التي تطرحها تمثلّات العلمانيين العرب، أكثر عمومية وألصق بالإشكاليات المعرفية الحارقة التي تطرح نفسها في الوقت الراهن على نظرية العلمنة والبردايغمات المعتمدة في رصد ظواهرها وفهم صيرورتها ومنعرجاتها، ذلك أن الموضوعات والإشكاليات التي عادةً ما نجمعها ونكثّفها تحت عنوان «الإسلام والعلمانية» لم تعُد اليوم محاور خاصة بالسياق الفكري والأيديولوجي العربي والإسلامي، بل غدت من أبرز المحاور التي تتقاطع عندها شواغل «الشرق» مع شواغل «الغرب»، بعد أن أصبح المسلمون جزءًا لا يتجزأ من سوسيولوجيا الدول الأوروبية خاصة، وأصبح التعامل معهم

(((سهيل الحبيّب، العلمانية من سالب الدين إلى موجب الدولة: راهنية مشروع بشارة عربيًا (الدوحة/ بيروت: المركز العربي

للأبحاث ودراسة السياسات،.)2019

بصفتهم مواطنين كاملي الحقوق، والتعامل مع «الإسلام السياسي»، ومنه – بالخصوص – «الإسلام الجهادي»، من العناصر الفاعلة والمحدّدة لسياسات هذه الدول الداخلية والخارجية. صحيح أن مشروع الدين والعلمانية في سياق تاريخي، كما سبق أن بيّنا، قد تناسل من رحم كتاب في

المسألة العربية الذي انشغل فيه بشارة بقضايا تحوّل البلدان العربية إلى دول أمم مواطنية ديمقراطية حديثة، لكن أن يكون منطلق العمل، أو محفزّه، أوضاعًا أو إشكالات مخصوصة، فهذا لا يعني مطلقًا أنه يعالجها بمفاهيم نظرية وأدوات معرفية خاصة؛ إذ إنّ منجز بشارة ينخرط كلّه في منطق العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة؛ فهو إذ ينطلق من مشكلات خاص الوضع العربي المعاصر والراهن، لا يشذّ، في هذا التمشّي، عن المسارات العادية التي تسلكها كل المعارف والنظريات العلمية، ومنها بالخصوص تلك التي تنتمي إلى مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية خاصة. فنزوعات المعرفة تنطلق بالضرورة من الاهتمام بظواهر متعيّنة (وكل متعيّن هو خاص بالضرورة)، من أجل الاستجابة

لتحديات فهمها وتفسيرها وإدراك شروط السيطرة عليها أو تغييرها، بيد أنها لا يمكن أن تكتسب صفة النظرية إلا بعد أن تنتهي إلى التشكّل في صيغ من المقولات والمفاهيم المعمّمة والمجرّدة والمكثّفة

القابلة للتجريب والتطبيق على ظواهر مشاكلة أو مقاربة لظواهر المنطلق. حين نعود إلى حيثيات نشأة هذا المشروع وتطوّره، يمكن أن نستقرئ بيسرٍ المسارَ الذي قاد بموجبه

الاشتغالُ بالخاص العربي الراهن، بشارة، إلى إضافات نظرية، وبالتدقيق إلى الإضافة الرئيسة التي نهتم بها في هذا العمل، المجسّمة في التأسيس لجملة من المفاهيم النظرية وإجرائها منهجيًّا في فهم

تحولّات الديني ومتغيّراته في نطاق صيرورات العلمنة وتحولّاتها ومتغيّراتها ضمن السياقات التاريخية

الاجتماعية المختلفة. فلقد أشار بشارة في مقدمة الطبعة الأولى من كتاب في المسألة العربية إلى أن خطته الأصلية تمثّلت في وضع كتاب من جزأين، لكنه قرّر بعد ذاك أن يحوّل كل جزء إلى كتاب

قائم بذاته؛ الأول ذاك الذي صدر تحت عنوان في المسألة العربية، والثاني كان من المفروض أن يصدر خلال فترة قصيرة من صدور الكتاب الأول (2007) بعنوان التحوّل الديمقراطي: الدين وأنماط التديّن. وهذا ما يعني أن الاشتغال بقضايا الدين والتديّن يشكّل عنصرًا أساسيًا في بنية مشروع بشارة

الفكري حول حلّ المسألة العربية وتحويل البلدان العربية إلى دول أمم مواطنية ديمقراطية، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى مكانة الإسلام والثقافة الدينية الإسلامية في مجتمعات هذه البلدان. بيد أن هذا الاهتمام بقضايا الدين والتديّن الذي انخرط فيه بشارة من موقع الانشغال بالوضع العربي، بات منذ بدايات القرن الحادي والعشرين، بصورة خاصة، مدارًا من مدارات اشتغال الدارسين ومراكز البحث العالمية تحت عناوين رائجة من قبيل: «الإسلام والحداثة»، أو «الإسلام والعلمانية»، أو «الإسلام والديمقراطية»... إلخ. وإذا كان بشارة وضع، من البداية، إشكاليات مكانة الدين والتديّن في سياق التحوّل الديمقراطي عربيًا تحت عنوان «أنماط التديّن والديمقراطية» بدلً من عنوان

(((المرجع نفسه، ص.31–27 (((عزمي بشارة، في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007)، ص.8

«الإسلام والديمقراطية» الدارج، رغم أنه معني عمليًا بالإسلام من حيث هو الدين السائد والفاعل في

المجتمعات العربية، فإن لهذا الأمر دلالة واضحة على أنه يتحرّك من داخل المنطق العلمي الإنساني

الاجتماعي، وتدقيقًا الأنثروبولوجي، ذلك أن خاص التديّن الإسلامي في المجتمعات العربية المعاصرة ليس إلا حالة من حالات عام ظواهر التديّن في المجتمعات الإنسانية. ولا يتجلّى الأفق المعرفي الإنساني الذي ينخرط فيه منجز بشارة فقط في منطلقاته التي تدرج التديّن الإسلامي في إطار المشترك البشري من ظواهر الدين والتديّن، بل يتجلى كذلك، وهذا الأهمّ في تقديرنا، في الأفق الذي سار إليه مسار البحث في العمل، حينما أدرك بشارة «بسرعة أن دراسة أنماط التديّن في المجتمعات العربية الحالية غير ممكنة من دون دراسة السياقات التاريخية. والسياقات التاريخية بالنسبة إلى الدين وأنماط التديّن السائدة هي أولً وقبل أي شيء عملية التحديث التي جرت وشكلها وظروفها، ولا سيما منها سياقات عملية العلمنة الجارية والتي جرت». وعلى هذا النحو، وجد بشارة نفسه مجبرًا على الاشتغال في إطار بنية نظرية ومنهجية مركّبة من أجل مقاربة ظواهر التديّن

وأنماطها في المجتمعات العربية التائقة إلى صيرورة التحوّل إلى مجتمعات مدنية، أي إلى دول أمم

مواطنية ديمقراطية. ووجه التركّب قائم في أن بشارة لا يعتبر أن خاص التديّن الإسلامي في السياقات العربية المعاصرة مندرج في إطار مشترك ظواهر التديّن المعاصرة فحسب، بل يعتبر أن هذه الظواهر، في حدّ ذاتها، خاص مندرج في إطار الأعمّ الذي هو صيرورات العلمنة في الحداثة. هكذا انساق بشارة إلى مشروع الدين والعلمانية في سياق تاريخي من أجل تهيئة العدة النظرية والمنهجية التي تمكّنه من فهم أنماط التديّن في المجتمعات العربية الحالية. وإذا كان هذا المشروع قد فرض على بشارة إعادة قراءة تجارب التحديث الأوروبي على مدار خمسة قرون من الزمن تقريبًا،

وهو ما أفضى به إلى تطوير نظرية العلمنة عبر وضع معالم أنموذج نظري جديد لفهم صيرورات علمنة الدولة والسياسة، فإن أحد أهم عناصر الإضافة الرئيسة في هذا النموذج هو قوله إن من المكوّنات

البنيوية في هذه الصيرورات تحولّات تطرأ على أنماط التدين، وديناميات تشهدها هذه الأنماط وتأخذ

صيغًا وأشكالً مختلفة بحسب اختلاف السياقات التاريخية والاجتماعية. ولعل السؤال الذي يُطرح في هذا السياق هو: هل كان الأمر يستدعي بالفعل تطوير نظرية العلمنة على هذا النحو من أجل فهم أنماط التديّن المعاصرة، ومنها بالخصوص الأكثر إثارة للإشكال اليوم، أي أنماط التديّن الإسلامي في المجتمعات العربية والمجتمعات الغربية؟ من أجل مقاربة هذا السؤال سنحاول في هذا العمل أن نطبّق مفترضات الدرس الإبستيمولوجي المعاصر وقواعده في فهم أفول

النظريات ونشوء أخرى في تاريخ العلوم. فهذا الدرس الذي اشتغل بتاريخ نظريات العلوم الطبيعية يفترض «أن الأزمات هي شرط مسبق وضروري لظهور نظريات جديدة». ومن قواعد هذا الدرس

(((عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي: ج 1: الدين والتدين (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص.8 (((توماس س. كوهين، بنية الثورات العلمية، ترجمة حيدر الحاج إسماعيل، مراجعة محمد دبس (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص.159

«أن الحكم الذي يؤدي بالعلماء إلى رفض نظرية كانت مقبولة سابقًا يكون دائمًا مبنيًا على أكثر من

مجرّد مقارنة لتلك النظرية مع العالم. إن قرار رفض براديغم يكون متزامنًا مع قرار قبول براديغم آخر، وإن

الحكم المؤدي إلى ذلك القرار يشتمل على مقارنة البراديغمين مع الطبيعة ومقارنة أحدهما بالآخر».

أولا: كيف تحوّل التديّن الإسلامي إلى مسألة مربكة لنظرية العلمنة الكلاسيكية؟

منذ عقدين من الزمن تقريبًا عادت النقاشات حول العلمانية ونظرية العلمنة لتفرض نفسها بقوة

على المفكرين والمثقّفين والمشتغلين داخل حقول مختلفة في العلوم الإنسانية والاجتماعية وعموم المهتمين بالشأن العام في البلدان الغربية. وإجمالً، يمكن الحديث عن عاملين أساسيين أسهما بفاعلية كبرى في عودة هذه النقاشات؛ أولهما جملة الظواهر التي وقع تصنيفها تحت عنوان «عودة الديني»، وعودة تجسيداته العينية في الفضاءات العمومية في هذه البلدان السبّاقة إلى العلمانية

وذات «الإرث العلماني» الضارب في التاريخ مقارنة ببقية بلدان العالم. أما ثاني هذه العوامل، وهو الذي يهمنا في هذا العمل أساسًا، فيتعلّق بالجدالات الواسعة التي اندلعت في صفوف الباحثين والمهتمين بقضايا الإسلام والمسلمين في عالمنا المعاصر، على خلفية أحداث بارزة كان لها أثر مباشر في مجريات الحياة السياسية في الكثير من الدول الأوروبية وفي الولايات المتحدة الأميركية. طبعًا، تأتي حادثة 11« سبتمبر» 2001 في مقدمة هذه الأحداث، لكنْ ثمة أحداث أخرى كانت محفّزة لجدالات العلمانية والعلمنة، في علاقة مباشرة بالإسلام ومعتنقيه، مثل قانون حظر ارتداء الحجاب (وإظهار كل رموز الانتماء الديني) في الفضاءات العمومية الذي اتخذته السلطات الفرنسية سنة 2004، وكذلك الرسوم المسيئة إلى الرسول محمد التي نشرتها صحيفة يولاندس بوستنالدنماركية سنة 2005. من جهة أخرى، كانت الثورات العربية المندلعة بصورة «مباغتة» سنة 2011، ونتائج الانتخابات الديمقراطية التي أوصلت الإسلاميين إلى السلطة في كل من مصر وتونس والمغرب من العناصر الأساسية التي دفعت بأسئلة الإسلام والعلمانية إلى واجهة اهتمامات الباحثين والخبراء في الغرب. عمومًا، يمكن القول إن فكرة جوهرية قد استقطبت جدالات الإسلام والعلمانية في الأوساط البحثية والأكاديمية في الغرب خلال العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين. ومضمون هذه الفكرة يتعلّق بصورة نمطية جوهرانية ثابتة عن الإسلام والمسلمين. ولعلّ أهم ما يلفت الانتباه في هذه الصورة، على الأقل من جهة ما يشغلنا في هذا السياق، أنها غير قائمة بذاتها، بل هي منزّلة في سياق سردية جديدة تعيد تخيّل العلمانية في علاقتها بالمسيحية الغربية. ونجد في كتابات المستشرق الشهير برنار

لويس نماذج دالّة في تكريس هذه الصورة في سياقها السردي التخيّلي الجديد. من ذلك ما جاء في

What Went Wrong? The Clash Between Islam & Modernity in the Middle East كتابه

(((المرجع نفسه، ص.160 (((في هذا الصدد، ينظر مثلً: يورغن هابرماس [وآخرون]، قوة الدين في المجال العام، ترجمة فلاح رحيم (بيروت: دار التنوير،

الصادر سنة 2002، وهو كتاب يلوح في ظاهره كأنه دراسة تاريخية أنثروبولوجية للعالم الإسلامي ومجتمعاته، لكنه، في تقديرنا، لا يتجاوز كونه مصنفًا مدرسيًا مبسطًا لا يخلو من الأحكام الجاهزة

والمغرضة. فأمام ما يصفه لويس ب «غياب أي نوع من العلمانية الأصيلة في ديار الإسلام، ورفض المسلمين على نطاق واسع للعلمانية المستوردة المستوحاة من النموذج المسيحي»، نراه يطرح «فرضية تفسيرية» مؤداها أنه «من الممكن أن يُعزى [ذلك] إلى بعض الاختلافات العميقة في العقيدة والخبرة الثقافتين الدينيتين». وهذه «الفرضية» سرعان ما تتحوّل عنده إلى استنتاج نصه: «وهكذا فإن أسباب

عدم إنشاء المسلمين لحركة علمانية خاصة بهم، ورد فعلهم العنيف ضد كل محاولات استعمال مصطلح قادم من الخارج، سوف تتضح من صورة التضاد القائمة بين تاريخ المسيحيين وخبرتهم وتاريخ المسلمين وخبرتهم؛ إذ تعلّم المسيحيون منذ البداية، نظريًا وعمليًا، أن يميّزوا بين الله وقيصر،

وبين الواجبات المختلفة التي يلتزمون بها لكل منهما، ولكن المسلمين لم يتعلّموا ذلك». والمعطى البارز الذي يعتبره لويس «دليلً» على التنافر الهيكلي بين الإسلام والعلمانية هو نشأة واتساع نطاق «الحركات الإسلامية، الراديكالية والمناوئة، التي تُطلَقُ عليها صفة فضفاضة وغير دقيقة هي الأصولية، وهي تشترك في غاية واحدة، ألا وهي إلغاء الإصلاحات الموجّهة نحو العلمانية في القرن الماضي

[العشرين] وإبطال النصوص القانونية المستوردة والعادات الاجتماعية التي جاءت معها، والعودة إلى قانون الشرع الإسلامي وإلى نظام سياسي إسلامي». لا يمكن فهم الموقف المباطن لهذه الصورة النمطية من دون استحضار خلفيته المتمثّلة بداهة في ذهن متلقّيه في السياق الثقافي والسياسي الغربي، نعني خلفية القرن البنيوي بين العلمانية (في مفهومها المعجمي المبسط: فصل الدولة والسياسة عن الدين) والديمقراطية الليبرالية (مشاركة سياسية، وحريات، وحقوق مواطنية ومدنية). فوفقًا لهذه الخلفية، نحن تجاه موقف لا يمثّل تبخيس الإسلام إلا الوجه الأول منه، أما وجهه الثاني فهو تمجيد المسيحية، ويتخذ هذا التمجيد شكل تخيّل العلمانية

وثمارها المتجسّمة في الديمقراطية الليبرالية باعتبارها إمكانًا تحقّق من داخل المسيحية وبالتوافق معها،

لا بالتصارع والقطيعة معها. وهذا المتخيّل يصل في بعض التصوّرات إلى حدود القول إن «العلمانية

ليست منتوجًا للماضي المسيحي فقط، بل هي كذلك تقوم شاهدة على حضور المسيحية الدائم

في شكلها الما بعد مسيحي (الحضارة الأوروبية)». على هذا النحو، بدا هذا الموقف التمجيدي للمسيحية كأنه المتلازمة البنيوية ل «تفسير» تعذّر العلمانية في البلدان العربية والإسلامية، بل استحالة

(((برنار لويس، أين الخطأ: التحدّي الغربي واستجابة المسلمين، ترجمة محمد عناني، تقديم ودراسة رؤوف عباس (القاهرة:

سطور، 2003)، ص.152 (((المرجع نفسه، ص.156 (1((المرجع نفسه، ص.161

(11) Santiago Zabala, "A Religion Without Theists or Atheists," in: Richard Rorty & Gianni Vattimo, Future of Religion , Santiago Zabala (ed.) (Columbia: Columbia University Press, 2005), p. 2;

نقلً عن:

Talal Asad, "Free Speech, Blasphemy, and Secular Criticism," in: Talal Asad et al., Is Critique Secular? Blasphemy, Injury, and Free Speech (London: The Townsend Center for the Humanities University of California, 2009), p. 23.

الموقف العلماني أيضًا؛ بمعنى الموقف الديمقراطي والليبرالي الحقوقي، عند أتباع الديانة الإسلامية، بمن فيهم مواطنو الدول الغربية. صحيح أن هذه السردية في جانبها القائل بأن العلمانية هي سليلة جوهر المسيحية وعنوان توافق معها تثير إشكالية بالنسبة إلى نظرية العلمنة الكلاسيكية، وتحديدًا بالنسبة إلى مقولات صراع الدولة مع الكنيسة وصراع النخب الفكرية الصاعدة (رجالات العلم والفلسفة) والنخب الاجتماعية الجديدة (البرجوازية) من جهة، مع طبقة الإكليروس المسيحي (الكاثوليكي) من جهة ثانية، وهي المقولات الكلاسيكية الناظمة لفهم وتفسير صيرورة العلمنة التي عرفتها أوروبا في عصورها الحديثة. غير أن هذا الجانب لم يكن العنصر الرئيس الذي حفّز قسمًا من الباحثين للتصدّي النقدي لهذه السردية، ذلك أن تفنيد هذا الترابط الجوهري والماهوي المزعوم بين المسيحية والعلمانية، من الناحيتين التاريخية والنظرية، كان أمرًا ميسورًا عند بعض نقّاد هذه السردية كما سنرى ذلك في قادم السطور. الجانب الإشكالي الحقيقي في هذه السردية هو مقولة تعذّر العلمنة إسلاميًا باعتبارها القاعدة الفكرية

التي تضفي المشروعية السياسية والأخلاقية على أكثر المواقف العدائية والعنصرية تطرّفًا، والتي

تستهدف الإسلام والمسلمين عامة، ومنهم مواطنو البلدان الغربية خاصة؛ إذ «لا شكّ في أن أكثر الناس عداء لوجود المهاجرين وللإسلام في آن هم أولئك الذين يرون أن الإرث المسيحي يشكّل جزءًا من الهوية الفرنسية والأوروبية، وبناء على ذلك يرون أن الإسلام غير قابل للاندماج، حتى في

شكل ‘علماني’ [...] وهذا هو الموقف التقليدي لليمين المسيحي واليمين المتطرّف [...] ولكن،

إلى هذا العداء، ولنقل التقليدي، إزاء الإسلام ينضاف اليوم عداء الأوساط التي تدعي الانتماء إلى الجمهورية والعلمانية». إن هذه السردية التي تجعل من العلمانية (مترادفة مع دلالات الديمقراطية والحقوق والحريات) إمكانًا متعذرًا بالنسبة إلى التديّن الإسلامي، خلافًا للتديّن المسيحي، هي التي تجعل «الإسلاموفوبيا تتدثّر في ثوب الخطاب المدافع عن التنوير ذاته. فهؤلاء السياسيون الفاشيون الجدد المنتمون إلى اليمين المتطرّف هم نشطاء يستمدون مشروعيتهم بالدفاع عما كان يدعى يومًا

ما القيم الكونية التي تبنّاها التنوير الأوروبي، وغالبًا ما يحظى مسعاهم بدعم الليبراليين واليساريين

المعادية للدين». حملت هذه الوضعية بعض الباحثين الجديين على طرح أسئلة نقدية بغية إحراج هذه السردية التي باتت قاعدة صلبة لأكثر المواقف تعصبًا وعنصرية، في بلدان تتباهى بأنها محاضن لحقوق الإنسان

والمواطنة. عمومًا تحوم هذه الأسئلة في حيز المعاني التالية: «هل المشكلة هي الإسلام خاصة أم الأديان عامة؟ بعبارة أخرى، هل أسهمت المسيحية في إرساء النظام العلماني والسياسي الحالي، حتى وإن وُضعت الكنيسة على الهامش، في حين أن الإسلام ممتنع جوهريًا على كل أشكال العلمانية

1(((أوليفييه روا، الإسلام والعلمانية. ترجمة صالح الأشمر (بيروت: دار الساقي، 2016)، ص.11–10 (((1 داستن بورد، الإسلام في المجتمعات العلمانية وما بعد العلمانية، ترجمة محمد أعفيف، مراجعة إدريس بنسعيد (بيروت: مؤسسة مؤمنون بلا حدود، 2019)، ص.19

[Laïcité]، لا بل الدنيوة [Sécularisation]؟ أم أننا نعيش اليوم مع الإسلام ما عشناه مع الكاثوليكية منذ قرن من الزمن: مسألة ترتيب المعطيات والضوابط القانونية والمفاوضات الآيلة أخيرًا إلى ظهور

إسلام حديث، ليبرالي وأوروبي؟». إن هذه الأسئلة التي فرضها الواقع العملي تتعلّق، بشكل مباشر وصميمي، بنظرية العلمنة، وتحديدًا بإشكالات تفاعلات الديني ومتغيّراته وتحولّات أنماط التديّن في نطاق العلمنة. ولم يكن من العسير

إيجاد إجابات واضحة، بل ربما قاطعة، بخصوص الشطر المتعلّق بالديانة المسيحية في هذه الأسئلة، ذلك أن المعطيات الموضوعية والتاريخية لا تخدم مطلقًا فكرة وجود خصوصية تميّز المسيحية من

غيرها من الأديان، وخاصة عن الإسلام، وتجعلها تقبل العلمنة. هذه الخصوصية وهمية باعتبار أن «الفكرة القائلة بأن الدين لا يمكن أن يقتصر على المجال الخاص مشتركة في الأديان الكبرى كافة». وهذه الخصوصية الوهمية هي صنيعة أيديولوجية للسياق السجالي الراهن بامتياز؛ إذ «عندما يراد التأكيد على خصوصية الإسلام يصار إلى التركيز على أن المسيحية تقبل مبدأ العلمانية». وفي شأن «الدليل النصي» الذي عادة ما يُستحضر في الاستدلال على تماهي العلمانية مع «طبيعة» المسيحية، أي عبارة «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله»، يلاحظ الموقف النقدي أنه «يُرتكب هنا الخطأ المنهجي الذي لا ريب في أنه أكثر ما يثير النقاش: ألا هو خطأ الانتقال دومًا من المستوى اللاهوتي إلى مستوى الممارسة السياسية، وحتى الممارسة الدينية. وما من شيء أكثر كاثوليكية من قيام عالم لاهوتي أو بابا بإخراج هذه الآية عندما يريد أن يبارك العلمانية. غير أن وجود هذه الآية لم يضمن يومًا لا ممارسة علمانية ولا نظرية لاهوتية للعلمانية». ويعني هذا ببساطة أن قبول المسيحية بالمبدأ العلماني القائل بفصل السياسة عن الدين، أو على نحو أدق التطبيع معه، لم يكن بسبب طبيعة نصوصها أو تعاليمها، بل بسبب شروط وسياقات العلمنة التي فُرضت عليها؛ إذ «عندما خلصت الكنيسة إلى الاعتراف بالجمهورية العلمانية لم يكن ذلك لأن لجنة من علماء اللاهوت عكفت على دراسة الأناجيل لسنوات طويلة، بل لأن الفاتيكان استخلص الدروس السياسية لحتمية الجمهورية». بيد أن الشطر الإشكالي في مثل تلك الأسئلة النقدية الهادفة إلى تقويض سردية الوصل الماهوي بين العلمانية والمسيحية، مقابل القطع الماهوي بين العلمانية والإسلام، يبقى ذاك المتعلّق بالإسلام ومكانته في المجتمعات الإسلامية ولدى الجماعات المسلمة المهاجرة في البلدان الغربية. فأوضاع

(((1 عدنا إلى كتاب أوليفييه روا بلغته الأصلية (الفرنسية) وتأكدنا أن المترجم يستخدم «الدنيوة» مقابل Sécularisation، ويستخدم «العلمانية» مقابل Laïcité. وسنعود إلى الفرق بين المفهومين عند المؤلف في قادم السطور. ينظر:

Olivier Roy, La laïcité face à l’islam (Paris: Editions Stock, 2005).

(((1 روا، ص.19–18 (((1 المرجع نفسه، ص.70 (1((المرجع نفسه. (1((المرجع نفسه. (1((المرجع نفسه، ص.72

هذه المجتمعات والجماعات وما يعتمل داخلها من حراكات سياسية واجتماعية، بل حتّى قتالية وأمنية، تبدو كأنها تسند وتعزّز مقولة «إن الإسلام ممتنع جوهريًا على كل أشكال العلمانية لا بل الدنيوة». إن أي موقف نقدي تجاه هذه السردية المغذية للتوجّهات العنصرية اليمينية كان من الحتمي

عليه أن يتحرّك خارج هذا الأفق الذي يستثني أتباع الدين الإسلامي من صيرورة العالم الحديث، بما

في ذلك صيرورة العلمنة أو الدنيوة. وعلى هذا الأساس، نرى أن أهمّ معلم قامت عليه بعض الأدبيات النقدية التي ظهرت في الفكر الغربي هو، في تقديرنا، نفي مثل هذا الضرب من الاستثناء بالتأكيد على أن «المجتمعات المسلمة صنعت أشكالً من الدنيوة خاصة بها»، و«أن الإسلام عرف الدنيوة بالفعل سواء من وجهة نظر سياسية أو اجتماعية». ولقد جاءت الثورات العربية المندلعة سنة 2011 لتعزّز منحى أفق التفكير خارج مقولة أن الشعوب العربية، والمسلمة عمومًا، «استثناء» من صيرورات العالم الحديث، فلقد أثبتت هذه الثورات أنه «إذا كان الدين قد مثّل دومًا في أرض الإسلام مرجعية معيارية قوية، وهو لا يزال كذلك، فإن هذه الحقيقة لا تنفي وجود صيرورات من العلمنة تشمل حركة المجتمع الوظائفية ومكانة المرأة والحقوق». ثم إن أحداث الربيع التونسي والمصري تحديدًا «أثبتت إلى أي حد كان ثمة تفاعل يجري بصورة متداخلة ومركّبة بين الحداثة والعلمانية وأنماط التديّن، كما جاءت هذه الأحداث لتدعّم رأي القائلين بأن العالم العربي الإسلامي كان بصدد إنتاج شكل جديد من أشكال العلمنة». لم يكن في إمكان هذا الموقف النقدي أن يقوم من دون أن تكون له، بشكل أو بآخر، تبعات نظرية ومنهجية مجسّمة في إعادة طرح أسئلة العلمانية ومسارات العلمنة في علاقة مباشرة بالتديّن الإسلامي

وتجلّياته المعاصرة والراهنة، سواء في المجتمعات العربية والإسلامية أو في المجتمعات الغربية، ذلك أن هذا الموقف النقدي قام من أساسه على نقل الجدال حول العلمنة ومظاهرها وإمكانات تحقّقها وتفاعلات التديّن في صيروراتها من نطاق النظرة الجوهرانية الساكنة إلى نطاق النظرة التاريخية المتحرّكة. وفي مواجهة أطروحة تعذر العلمنة في البلدان العربية والإسلامية كان التنصيص المنهجي

على وجوب «أن نأخذ في الاعتبار مفهوم ‘التفاوت التاريخي’ بدلً من مفهوم ‘الفرق الجوهريّ’، من أجل أن نقارن التطوّر الخاص بكل من أوروبا والعالم العربي الإسلامي». وإذا كان منحى الفهم

التاريخي المخالف لتنميط الأفكار والظواهر في جواهر ثابتة هو عمق الرهان المنهجي الذي كان يجب على هذا الموقف النقدي رفعه، فإن مدار التحقّق المتعيّن لهذا الرهان ليس إلا تقديم أدوات

نظرية ومنهجية تتيح فهمًا للإسلام، بل بالأحرى للتديّن الإسلامي، وخاصة المعاصر منه، بشكل لا يبرز ديناميته (أي تعدديته وحركيته)، فحسب، بل كذلك كيف أن هذه الديناميات غير مقطوعة الصلة بأشكال

((2(المرجع نفسه، ص.24 ((2(المرجع نفسه، ص.89

(22) Jacques Huntzinger, Les printemps arabes et le religieux la sécurisation de l’islam (Paris: Editions Parole et silence, 2014), p. 40. (23) Ibid., pp. 54–55. (24) Ibid., p. 79.

وسياقات تفاعل المسلمين مع العالم الحديث المعلمن الذي هم جزء من صيروراته الموضوعية لا استثناء منه. وينطلق أصحاب هذا الموقف النقدي من التباين الصريح مع تعريف الإسلام والمسلمين المتمثَّل، بصورة صريحة أو ضمنية، في الخطابات العنصرية اليمينية والخطاب «الأكاديمي» الذي يغذّيها. وهو «تعريف الإسلام كمجموعة من المعايير المغلقة والمسلمين كما لو أنهم يشكّلون طائفة حصرية معزولة عن أي انتماء آخر». فمثل هذا التعريف «هو على وجه الدقة اقتباس تعريف الأصوليين للإسلام». ولم يكن من العسير تفنيد مثل هذا التمثّل للإسلام وإبراز تهافته، فيكفي التذكير بالمعطيات التاريخية والسياسية والاجتماعية التي هي في متناول «الحسّ المشترك»، والتي تفيد أن «الإسلام والمسلمين

ليسوا وحدة منسجمة، فالجماعة المسلمة سواء في الغرب أو في العالم الإسلامي التقليدي منقسمة بالانقسامات والخلافات نفسها التي تقسم الغرب، فعلى الرغم من العامل الموحد للتقاليد الإسلامية المسلمون منقسمون بحسب العرق والجنس والطبقة [...] وأيضًا بحسب الفلسفة السياسية والجغرافيا والمذاهب الفقهية والميول الجنسية واللغة والقوميات... إلخ. فبينما يتفق المسلمون على المبادئ الأساسية لدينهم، تأتي تأويلاتهم وتوجهاتهم في إطار الدين الإسلامي متعددة ومختلفة». بيد أن الإشكال الحقيقي الذي يواجه هذا الموقف النقدي لا يكمن في إبراز كيف أن الإسلام، من الناحية الاجتماعية والتاريخية، هو جُماع فهوم مختلفة وأشكال تديّن متحوّلة بحسب متغيّرات الزمان

والمكان والسياسية والاجتماع والاقتصاد والثقافة وغير ذلك، فالمقاربة المنمّطة للإسلام في جوهر ثابت لا تصمد كثيرًا أمام معطيات الواقع العياني. الإشكال الحقيقي، في تقديرنا، هو ذاك الذي يمكن

أن نكثّفه في السؤال التالي: كيف يمكن أن نقرأ التديّن الإسلامي ونفهم أشكاله ودينامياته المتعيّنة

في المجتمعات الراهنة خارج اعتبارها أدلة على استثناء الإسلام وأتباعه من صيرورات العلمنة، وصيرورات العالم الحديث الكونية بصورة عامة؟ الجانب الرئيس في هذا الإشكال ذو طبيعة نظرية ومنهجية في تقديرنا، بمعنى أن الأمر الرئيس فيه لا يتعلّق برصد الوجوه المتعيّنة لديناميات التديّن

الإسلامي المعاصرة والراهنة، بل بالأطر والمفاهيم النظرية التي تُعتمد في توصيف هذه الديناميات وتحليلها واستجلاء علاقتها بسياقات العلمنة والتحديث.

ثانيًا: أزمة فهم التديّن الإسلامي ودينامياته باعتبارها أزمة نظرية: بين استثمار مفهوم العلمانية/ الدنيوة في تقابله مع العلمانية/ اللائكية ومفهوم ما بعد العلمانية

لا تغيب في مدونات هذه النماذج من الخطاب النقدي، التي نعتمدها في هذا العمل، الإشارات الصريحة إلى وعي بعمق الإشكال النظري الذي يواجه منحى المقاربة التي تتحرّك خارج أفق مقولة

((2(روا، ص.76 ((2(برود، ص.27

الاستثناء الإسلامي من صيرورات العلمنة والتحديث الكونية. وهذا الإشكال مرتبط، بصورة صميمية، بالنظرية الكلاسيكية للعلمانية وافتراضها المركزي القائل إن انتفاء نهوض الدين بأي دور في المجال العام هو العنوان الرئيس للعلمنة في أي مجتمع من المجتمعات أو أي بلد من البلدان. ويتجلّى هذا الوعي في مثل القول: «ليس ثمة تطوّر وحيد وخطّي لعلاقة بين الديني والاجتماعي والسياسي والقانوني. و‘النموذج الأوروبي’ للعلمنة لا يتيح فهم العلمنة الجارية في العالم العربي الإسلامي». وما يترتّب منطقيًا على هذا القول هو التنصيص على أنه «لا يجب دراسة تطوّر العلاقة بين الديني

والسياسي والاجتماعي والقانوني في جنوب المتوسّط [العالم العربي الإسلامي] بمناهج أوروبية، بل يجب أن يتمّ ذلك بمناهج تراعي اختلاف الثقافات والتواريخ بين ضفتي هذا البحر». وعند التدقيق نرى أن مكمن الإشكال النظري والمنهجي يتجسّد في تحرير وضعيات العلمنة وسياقاتها من نموذج حصري لحضور الديني وفاعليته في الشؤون الخاصة كما في الشؤون العامة باعتبار أن «مجتمعاتنا المُدَنْيوة مسكونة بالديني، وبالتالي هناك تواريخ مختلفة عن العلمنة والدَنْيَوة ولا يفيد في شيء إقامة

نموذج نهائي». ولئن نصّص أصحاب هذا الموقف النقدي على وجوب التحرّر من سلطة النماذج التي وقع استخلاصها

من مجريات صيرورات العلمنة في البلدان الأوروبية، وما أفضت إليه من مآلات مخصوصة لمكانة الدين والتديّن في المجالات العامة، فإن ما بدا لنا هو كون الخيارات النظرية المتاحة أمامهم لم تكن توفّر إمكانات كبيرة لتجسيم هذا التحرّر واستقراء النماذج المخصوصة التي سارت بموجبها صيرورات

العلمنة في البلدان العربية والإسلامية وتحليلها. وهذا ما يمكن استخلاصه من استقراء المسالك النظرية المعتمدة وطبيعة ما قادت إليه من نتائج. وكان أحد أهمّ هذه المسالك استثمار الاختلاف بين التجربة العلمانية الفرنسية التي عادة ما يطلق عليها مفهوم اللائكية Laïcité والتجارب الأوروبية الأخرى والأميركية المشمولة بمفهوم العلمانية بمعنى الدنيوة Sécularité. نجد مفهوم العلمانية/ اللائكية يحدّد في هذا السياق بمعنى «خيار سياسي يحدّد بأسلوب سلطوي وقانوني مكان الدين. تنشأ العلمانية بمرسوم تصدره الدولة التي تنظم المجال العام [...] إن مسألة العلمانية هي قضية الفصل بين الدائرة الدينية والدائرة السياسية على صعيد المجتمع». وهكذا تُقدَّم العلمانية/ اللائكية على أنها «فعل الدولة وليس فعل المجتمع. واللائكية تجمع بين حيادية الدولة الضرورية ودفع الديني إلى مجال الحياة الاجتماعية». إن أهمية بناء مفهوم العلمانية/ اللائكية، على هذا النحو، تكمن في مساعدته على فكّ الارتباط بين مطلق العلمنة والوضع التشريعي المنصّص على فصل الدين عن الدولة وعن السياسة بصورة عامة، ذلك أن العلمنة قد تأخذ مظاهر أخرى غير مظهر هذه اللائكية السلطوية القانونية، وهي مظاهر الدنيوة التي

(27) Huntzinger, p. 37. (28) Ibid., pp. 70–17.

((2(روا، ص.25 (3((المرجع نفسه، ص.20 (((3 المرجع نفسه، ص.49

«لا تتطلّب أي استخدام سياسي: وذلك عندما يكفّ الدين عن احتلال مكان المركز في حياة البشر، وحتى وإن استمروا في وصف أنفسهم بالمؤمنين، كما أن ممارسات الناس والمعنى الذي يضفونه على العالم لا تحمل سمة التسامي الديني». وبهذه الكيفية يقع التأسيس لهذا الزوج المفاهيمي والتمايز في نطاقه على أساس أن «العلمنة Sécularisation [الدنيوة] مفهوم مطبّق في الحقل الاجتماعي الثقافي في

حين أن اللائكية مفهوم مطبّق في الحقل المؤسساتي. ويجب استخدام هاتين الأداتين الذهنيين بالأخذ

في الاعتبار تعدّدية الحقول الاجتماعية والثقافية القائمة». وبعد التذكير بأن ما ساد في أوروبا ليس النموذج الفرنسي، بل نموذج «علمانية الاعتراف» أي «الاعتراف بالديني من خلال أطر تشريعية خاصة»، يقع التنصيص على أنه «في إطار تدبّر مسألة تطوّر العلمنة في بلاد المسلمين، لا بد أن تكون لنا القدرة

على التفكير انطلاقًا من الأشكال الجديدة ل ‘علمانية الاعتراف’ [بالدين]، آخذين في الاعتبار أنه يبدو من المستحيل أن يذهب هذا التطور إلى حدود قصوى من العلمنة يغدو بموجبها الشأن الديني راجعًا إلى القناعات الفردية». هكذا بدا مفهوم العلمانية/ الدنيوة، في تمايزه عن مفهوم العلمانية/ اللائكية، أفقًا نظريًا بالنسبة إلى البعض من أصحاب هذا الموقف النقدي الرافضين لمقولات «الاستثناء الإسلامي» من صيرورات العالم الحديث و«التعذر الإسلامي» على الانخراط في مسارات العلمنة، وذلك انطلاقًا من المراهنة على أن مفهوم العلمانية/ الدنيوة يوفّر إمكانية تعقّل حضور الديني وفاعليته في إطار العلمنة ذاتها، ومن ثمة يوفّر إمكانية تعقّل تحقق العلمنة، أو بصفة أدق أشكالً من العلمنة، في سياقات اجتماعية سياسية يحظى فيها التديّن الإسلامي بحضور مكثّف وفاعلية كبرى. إن هذه المراهنة عينها نجدها ماثلة وراء استنجاد البعض الآخر بمفهوم ما بعد العلمانية المستجد الذي سُكّ خلال السنوات الأخيرة، بغية توصيف متغيّرات الديني

والتديني في المجتمعات الغربية الراهنة وتحليلها. لقد وقع اقتراح وسم هذه المجتمعات بكونها ما بعد علمانية من منطلق القول إن «المجتمعات ما بعد العلمانية، التي ظلت الجماعات الدينية فيها مهمّة وقوية الحضور، على الرغم من استمرارية علمنة الحياة اليومية، هي في واقع الأمر مزيج من رؤى كونية ومعايير ثقافية متعدّدة ومن أنظمة إبستيمولوجية وأخلاقية مختلفة». ليس مفهوم ما بعد العلمانية إلا مفهومًا واصفًا للمجتمع العلماني ذاته الذي تكرّس على أرض الواقع في دول الغرب الحديث لكن من دون تخيّل

تطوره «الحتمي» إلى مرحلة يكون فيها «الدين الذي عاش زمنًا طويلً قربت نهايته وما عاد بإمكانه ترسيخ دعاويه الثيولوجية والدفاع عن أدواره التقليدية في ظل شروط الحداثة العلمانية». إن ما بعد العلمانية هو توصيف للمجتمع العلماني وقد غدا حضور الدين والتدين عنصرًا من عناصره،

وذلك بعد أن تبيّن أن «العلمانية المحكمة قد أنتجت الشروط والظروف الملائمة لاستمرارية حضور

(3((المرجع نفسه، ص.19

(33) Huntzinger, p. 40. (34) Ibid., pp. 49–50.

(((3 بورد، ص.23 (((3 المرجع نفسه، ص.33

الدين، بل وإرجاعه إلى شبابه في المجتمع [...] وهذا العالم [ما بعد العلماني] ليس بذاك الذي ينتصر فيه الدين على العلمانية كما قد يبدو من قراءة خاطئة ل ‘ما بعد’ التي تعني ببساطة ‘بعد’ في الزمن، بل هو عالم يظل فيه الدين حاضرًا وبإصرار داخل هذا العالم العلماني [...] فكلما أضحى العالم علمانيًا،

خلق الظروف الملائمة لدين جديد في فترة ما بعد العلمانية». لا شكّ في أننا تجاه مفهومين، مفهوم العلمانية/ الدنيوة ومفهوم ما بعد العلمانية، يتقاطعان في عنصر نظري مركزي يمثّل نقطة قوة بالنسبة إلى هذا الخطاب النقدي، ومؤدى هذا العنصر النظري، المسنود بوقائع عينية ثابتة في المجتمعات الغربية ذاتها، أن حضور الديني وشيوع التديّن لا يفيد، في حدّ ذاته،

انتفاء العلمنة. وهذا ما يعني، في سياق الحال، أن المفهومين يوفّران حلًّ نظريًّا لهذا الموقف النقدي

من جهة إتاحة إمكانية القول إن الحضور المكثّف للإسلام وللتديّن الإسلامي، سواء في المجتمعات

الإسلامية أو لدى الجماعات المسلمة المهاجرة في بلدان الغرب، لا يعني، في حدّ ذاته، أنها استثناء من صيرورات العلمنة الحديثة. لكن مثل هذا القول، على أهميته، لا يحلّ إلا شطرًا من الإشكالات

التي تطرحها مقولات «الاستثناء الإسلامي»، باعتبار أنه ثمة شطر آخر أساسي في هذه الإشكاليات يتعلّق ببيان كيف أن ديناميات التديّن الإسلامي، في مظاهرها المعاصرة والراهنة، قابلة للتحليل والفهم

باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من ديناميات العلمنة، بما فيها تلك المظاهر التي تبدو خاصة، وأكثر الأدلة على

امتناع العلمنة إسلاميًا، وفي طليعتها ظواهر ما بات يعرف ب «الإسلام السلفي» و«الإسلام السياسي»

و«الإسلام الجهادي»، فضلً عن ظواهر الصراعات الدينية المذهبية الطائفية التي باتت تنهش العديد من المجتمعات الإسلامية الراهنة. تبرز الحدود النظرية لمفهومَي العلمانية/ الدنيوة وما بعد العلمانية، ومن ثمة حدود نظرية العلمنة

الكلاسيكية كما سنرى لاحقًا، بمجرد الاصطدام بالإشكاليات المتعيّنة لديناميات التديّن الإسلامي

المعاصرة والراهنة، أي إشكالات توصيفها وتحليلها واستجلاء وجوه تطوّراتها المستقبلية الممكنة

وعلاقة كل هذا بسياقات العلمنة والتحديث الجارية. ومن خلال نماذج الموقف النقدي التي نعتمدها في هذه الدراسة، يتبيّن لنا بوضوح أننا تجاه مقاربات تعتمد عدة نظرية لا تمكنها من

أكثر من الإقرار بحقيقة مظاهر حضور الدين في الشأن العام وفي السياسة وتوصيفها، ولا تتيح أي إمكان من إمكانات تحليلها وفهمها من حيث كونها عناوين لديناميات جرت وتجري في سياقات مخصوصة. فالزوج المفاهيمي، العلمانية/ اللائكية والعلمانية/ الدنيوة، في أصله، أي قبل تطبيقه على مظاهر التديّن الإسلامي، لم يكن يتوفّر، في علاقة بمقاربة الديني في العلمنة، على أكثر من

إمكانات توصيفية على غرار ما يلي: «يمكن لبلد ما أن يكون دنيويًا لكنه ليس علمانيًا [= لائكيًا]

لأنّ لديه دينًا رسميًا (بريطانيا العظمى والدنمارك) ويمكنه حتى أن يكون علمانيًا (مؤكدًا كل

التأكيد فصل الكنيسة عن الدولة) مع الاعتراف بالديني في الدائرة السياسية (الولايات المتحدة الأميركية حيث ثبتت المحكمة العليا حديثًا صلاة ‘تحت نظر الله’ التي تتلى في المدارس). إن دولة تدعي أنها علمانية (كتركيا) حيث لا توجد أي إشارة مرجعية إلى الإسلام في القانون لا تعرف

(3((المرجع نفسه، ص.37

في الواقع الفصل بين الدين والدولة، لأن الأئمة موظفون لدى الدولة على غرار القساوسة في الدنمارك». لم يُفضِ تطبيق مفهوم العلمانية/ الدنيوة على التجارب السياسية والاجتماعية الإسلامية المعاصرة والراهنة، في واقع الأمر، إلى آفاق جديدة في فهم التديّن الإسلامي ودينامياته في علاقة بصيرورات العلمنة الحديثة؛ إذ لم نظفر في هذا الصدد بأكثر من توصيفات، بعضها لا يكاد يغادر مربع مفترضات نظرية العلمنة الكلاسيكية، وخاصة في وسم أهم مظهر من مظاهر التديّن الإسلامي المعاصرة والراهنة، أو لنقل أكثرها إشكالً وخطورة من حيث هي ظواهر سياسية واجتماعية، ونعني به التديّن السياسي أو الإسلام السياسي. فقد ذهبت بعض المقاربات من داخل هذا الموقف النقدي إلى التسليم بالتوصيف الكلاسيكي الذي مؤداه أن «الإسلام السياسي هو علامة الحضور القوي للديني في السياسة»، الأمر الذي جعل هذه المقاربة، وإن لم تقل باستثناء البلدان العربية والإسلامية من صيروروات العلمنة الحديثة، تحافظ على مضمون الموقف الكلاسيكي الذي يعتبر الإسلام السياسي الوجه النقيض أو المضاد للعلمانية. وفي هذا الاطار، نراها تقرأ ثورات الربيع العربي من جهة أنها «كشفت عن عمليات تحديث جارية غير ملاحظَة بشكل جيّد، وكشفت بعد ذلك أيضًا عن تديّن هوياتي تقليدي

عبر الانتصارات الانتخابية للأحزاب الإسلامية وعبر اكتساح الحركات السلفية للمشهد السياسي». وما يبدو واضحًا في هذا السياق هو أن مفهوم العلمانية/ الدنيوة يوصّف حضور الديني من جهة كونه يساكن ظواهر العلمنة في المجتمعات العربية ويوجد معها جنبًا إلى جنب، من دون أن يُفهم باعتباره

جزءًا منها أو يعكس ضربًا من ضروب ديناميات التديّن المتداخلة والمتفاعلة مع ديناميات العلمنة

السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ومن الواضح كذلك أننا هنا تجاه إطار نظري ما زال أسيرًا

لمقولة التناقض المطلق بين العلمنة وحضور الدين في المجال العام، بكيفية تجعله لا يملك إمكانات تحليلية وتفسيرية لما يسمّيه «التعقّد الذي يسم عملية إعادة تشكّل العلاقة بين التديّن والعلمانية، إذ يوجد تعايش مفارق، لكنه واقعي، بين ضرب من الأسلمة وضرب من العلمنة». وفي غياب الحلول النظرية التي توفّر إمكانات معالجة مثل هذه «التعقيدات» و«المفارقات»، يقع الاكتفاء بتوصيفات عامة غير ذات قيمة معرفية كبرى، من قبيل القول: «تولّدت عن الثورات العربية مجتمعات تتّسم بالتعدّد، فهي شبه علمانية شبه دينية، وشبه حداثية ومعولمة شبه تقليدية ومحافظة، وهي كذلك شبه مجتمعات مدنية مشكّلة من الأفراد والجمعيات شبه مجتمعات كلاسيكية عائلية وقبلية». لكن هذا لا يمنع أن مقاربات أخرى اعتمدت مفهوم العلمانية/ الدنيوة في فهم متغيّرات المجتمعات

الإسلامية قد أدمجت الظواهر الدينية، وأهمها ظاهرة الإسلام السياسي، ضمن هذه المتغيّرات الحادثة

(3((روا، ص.30

(39) Huntzinger, p. 67. (40) Ibid., p. 58. (41) Ibid., p. 53. (42) Ibid., p. 61.

بسبب مستجدات الدنيوة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. إن حركات الإسلام السياسي التي قامت على أساس مطلب إقامة الدولة الإسلامية باعتبارها بديلً من الدولة العلمانية الحديثة، لا تمثّل، في نهاية المطاف، إلا شكلً من أشكال استبطان العلمنة السياسية، باعتبار أن «الدولة الإسلامية نتاج تحوّل الإسلام إلى أيديولوجيا متأثرة إلى حدّ بعيد بالفلسفات السياسية الأوروبية حيث الدولة هي التي تشّكل المجتمع». ووفق هذا المنظور، لا تمثّل مسألة الإسلام السياسي في المجتمعات المعاصرة «مسألة دوام ‘ثقافة إسلامية’ بل انبثاق أشكال جديدة من أدلجة الدين والتديّن في نطاق الدولة الأمة الحديثة». بيد أن ما يلفت النظر هو أن هذه المقاربة، وإن خرجت بوضوح عن مُستتبَع من أهمّ مستتبعات نظرية

العلمنة الكلاسيكية حين ربطت ظاهرة الإسلام السياسي بوجود العلمنة لا بانتفائها (كما يحدث عادة)، فإنها لم تتجاوز المستوى التوصيفي. فعلى أهمية التفطن إلى أن الحركات الإسلامية تمثّل «أشكال جديدة من أدلجة الدين والتديّن في نطاق الدولة/ الأمة الحديثة»، فإن هذه المقاربة تتجنّب طرح أسئلة من قبيل: ما الذي يجعل الحراك الأيديولوجي والسياسي، أو شطرًا أساسيًا منه على الأقل، يتّخذ، في

نطاق الدول الحديثة للمجتمعات العربية والإسلامية، لا شكلً دينيًا فقط، بل كذلك مضمونًا صريحًا

مناهضًا للعلمانية؟ وما الذي يجعل أحد مكوّنات علمنة الحياة السياسية في الدولة الحديثة العربية، إذا لم نقل المكوّن الرئيس، يقوم على أيديولوجيا عمادها معاداة مبدأ إقصاء الدين من السياسة ومن الشأن العام إجمالً؟ وكيف نفسّر مفارقة العلمنة على هذا النحو: علمنة في المجتمعات الأوروبية الحديثة قادت، من بين ما قادت إليه من متغيّرات فكرية، إلى أيديولوجيات علمانية تحارب حضور الدين في

المجال العام، وعلمنة في المجتمعات الإسلامية كرّست أيديولوجيات دينية تدافع باستماتة عن تحكيم

الدين في السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة؟ تبرز أزمة نظرية العلمنة الكلاسيكية، في تقديرنا، عند مجابهة مثل هذه الأسئلة. هي أزمة نظرية بامتياز، كما نراها، لأنها مرتبطة بإمكاناتها المنهجية في تفسير كل أشكال متغيرات وديناميات الديني والتديّن في العلمنة. فمقولات فصل الدين عن الدولة و«فردنته» و«خصخصته» (تحويله إلى شأن فردي محصور في النطاق الخاص) التي تتوفّر عليها نظرية العلمنة الكلاسيكية، «تتهاوى» تمامًا أمام ظواهر دينية سياسية جماعية من قبيل حركات الإسلام السياسي في البلدان الإسلامية والجماعات الجهادية العابرة للبلدان والأشكال الاحتجاجية، التي تتّخذ مضامين دينية هوياتية في صفوف المهاجرين المسلمين في البلدان الغربية؛ الأمر الذي يجعل تصنيف هذه الظواهر باعتبارها علامات على انتفاء العلمنة أو تعذرها أكثر انسجامًا مع متاحات نظرية العلمنة الكلاسيكية. لذا، نرى كيف أن الموقف النقدي يبقى عاجزًا عن تخطّي المستوى الوصفي لأن هذه النظرية لا توفّر الأدوات والمقولات التي تمكّنه من تحليل هذه الظواهر من التديّن الإسلامي وتفسيرها وفهمها، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من ديناميات العلمنة.

(((4 روا، ص.109 (((4 المرجع نفسه، ص.111

من جهة أخرى، لا تبدو الإمكانات التحليلية والتفسيرية لمفهوم ما بعد العلمانية أوفر من إمكانات مفهوم العلمنة/ الدنيوة في مجابهة هذه الظواهر التي تطبع التديّن الإسلامي المعاصر. فمفهوم ما بعد العلمانية يبدو أقرب إلى المضامين «الاسشرافية» منه إلى المضامين التحليلية والتفسيرية، وهو يُستخدم في الأساس في الحديث عن المشروع المنشود الذي هو «بناء مجتمع ما بعد علماني أكثر إنسانية، مجتمع تسود فيه في آن واحد قيم العلمانية ومنجزاتها وقيم الدين المتنوّر». ولعلّ أهم ما يلُاحظ في هذا السياق هو أنّ مفهوم ما بعد العلمانية يوصّف هذا المشروع المنشود، من حيث هو وضعية سياسية اجتماعية تأتي في امتداد الوضعية العلمانية كما تعيّنها نظرية العلمنة

الكلاسيكية، بحيث إن «حالة ما بعد العلمانية منحصرة أساسًا في الدول التي لها بالفعل دستور علماني، وسياسة علمانية، ودولة علمانية، أي تلك الدول التي بنت وأسّست للعيش بطريقة علمانية عبر نقاش عقلاني وفلسفة غير دينية». وعلى هذا النحو، فإن مفهوم ما بعد العلمانية مبني، من أساسه، على منطق تاريخاني يسلّم بكل مفترضات مفهوم العلمانية المتداول، وأهمّها مفترض التسوية الواقعية، ومن ثمة الدلالية، بين العلمنة وانتفاء الدين من الشأن العام مطلقًا. وذلك إلى درجة القول مثلً: «إن الدول التي يجري فيها فرض دستور علماني أو حكومة علمانية من الأعلى على شعب يتماهى مع الدين السائد، ويميل إلى شكل ديني في الحكم، لا يمكن أن توصف بكونها أمة علمانية بالمعنى الحرفي للكلمة». يتوفّر مفهوم ما بعد العلمانية على إمكانات فهم ديناميات منشودة، أو بصدد الحدوث، في المجتمعات الغربية ذات الصيرورات العريقة في العلمنة، وفق معايير النظرية الكلاسيكية. فهذه الديناميات تترجم «ذلك التعطش إلى التديّن الرسولي الإنساني (التديّن المتضمّن في الشهادة والاعتراف) في عصرنا العلماني، الذي فقد قيمه الروحية والأمل والمستقبل منذ بداية التنوير والتصنيع والتمدن. فبسبب الفراغ الهائل الذي لا يمكن ملؤه بنزعتَي الاستهلاك والمادية والجنس والسيارات، تحدث العودة المخلصة إلى القيم الدينية ذات الأخلاقيات الأصلية فقط في أوقات قليلة ووجيزة في المجال العلماني العام». وفي مقابل ذلك، يبدو التطوّر إلى ما بعد العلمانية إمكانية متعذّرة بالنسبة إلى المجتمعات الإسلامية والجماعات المسلمة في الغرب، وفق هذا المنطق التحليلي التفسيري لأنها لم تعرف العلمانية بهذا المعنى المستبطن في نظرية العلمنة الكلاسيكية. ومن ثمة، فإن مفهوم ما بعد العلمانية يبدو بوضوح فاقدًا لأي إمكانية نظرية من إمكانات تمثّل ديناميات التديّن الإسلامي، لا في نطاق العلمنة ولا في نطاق ما بعد العلمنة. بل الأكثر من هذا نرى هذا المنطق يقود إلى النظرة الجوهرانية الثابتة التي يعتمدها الموقف العنصري، والتي مؤداها أن الإسلام عائق دون العلمنة، في مثل القول: «وبسبب أن الدين من الظواهر الاجتماعية القليلة التي ظلت نسبيًا غير ممسوسة في ربوع العالم الإسلامي على الرغم من

(((4 برود، ص.26 (((4 المرجع نفسه، ص.41 (4((المرجع نفسه، ص.42 (4((المرجع نفسه، ص.192

العلمنة والتشظية الرأسمالية، أضحى (الدين) الحافز الأول لمعارضة انتشار الليبرالية الجديدة العلمانية في العالم الإسلامي». في غياب أي إمكانات لتفسير ديناميات التديّن الإسلامي المعاصر وفهم أسباب ظواهره في علاقة بشروط العلمنة الجارية في البلدان العربية والإسلامية، يبدو الجانب الاستشرافي في هذه المقاربات النقدية أقرب إلى «الأماني» منه إلى التقديرات أو الترجيحات المستندة إلى معطيات مبنية على تشخيص أسباب الظواهر المرتقب زوالها أو تراجعها، وعوامل الظواهر المأمول بروزها وسيادتها. فبعض المقاربات ذهب إلى استشراف ضرب من الديناميات «الحتمية» التي ستكون من نتائج علمنة/ دنيوة المجتمع والممارسة السياسية في إطار الدولة الحديثة. وهذه الديناميات ستنتهي إلى ضرب من الفكر الديني الجديد المتصالح أو المطبّع مع المبدأ العلماني، ذلك أن الرهان في هذا الاستشراف قائم

على قناعة مفادها أن «الممارسة الحسّية للمسلمين هي التي ترسم علاقة جديدة مع الدنيوة وليس أي لاهوتية جديدة». وعلى هذا الأساس، «يصبح الإسلام عرضة للتحوّل جراء عاملين، أحدهما سيرورة

دنونة المجتمع [...] والثاني اندماج سياسي قيد التفاوض، كما يدلّ على ذلك بوضوح إنشاء المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية». إن ديناميات التحولّات المنشودة في أنماط الوعي الديني، وأنماط الوعي الثقافي بصورة عامة،

لدى المسلمين لا تتعدّى أن تكون إمكانات مجرّدة؛ بمعنى أنها غير متمثّلة في شروط مخصوصة

وبمحدّدات معلومة. فهذه المقاربات النقدية لا تملك إلا أن تصوغ سيناريوهات، من قبيل: «لعلّنا نشهد تمفصلً جديدًا للعلاقات بين دين ودولة ومجتمع، بناء على نموذج أقرب إلى أشكال الدنيوة على الطريقة الأنغلوسكسونية منه إلى العلمانية الفرنسية»، أو من قبيل: «يمكن للعالم الإسلامي أن يستفيد كثيرًا من فهم أوسع للقيم المتماهية مع التنوير الغربي (علمنة الدولة، الديمقراطية، حقوق

الأفراد) ويمكن للغرب أن يستفيد على نحو متساوٍ من فهم أوسع للأصوات الإسلامية المعبرة عن الخوف من العلمنة والديمقراطية وسيرورة الرأسمالية. وبالنسبة إلى هابرماس، على الغرب الاجتهاد في فهم أوسع لهذه المخاوف والتوجسّات، وفي الوقت ذاته يتوجّب على العالم الإسلامي تثمين منافع قيم الغرب العلمانية بينما يحافظ على هويته الإسلامية». بل إن لغة الاحتمالات المجرّدة قد تتحوّل

أحيانًا إلى لغة «ينبغيات» و«وعظيات»، من مثل: «كما توجب على مسلمي أوروبا اكتشاف سبيل جديدة للتعبير عن اهتماماتهم وانشغالاتهم القصوى، ومعاييرهم الدينية واحتياجاتهم وعن حساسياتهم الأخلاقية بلغة يسيرة الفهم على كل أعضاء المجتمع، كذلك يتوجب على المسلمين في دار الإسلام ذاتها إيجاد سبيل ل 1) البقاء ملتزمين بهويتهم الإسلامية 2) أثناء الاندماج في الجماعة الكونية العلمانية،

(4((المرجع نفسه، ص.447 (5((روا، ص.159 (((5 المرجع نفسه، ص.161 (5((المرجع نفسه، ص.115 (((5 برود، ص.123

خشية أن تصبح دولهم منبوذة. مع تأكيد أن شروط ما بعد العلمانية في أوروبا وأميركا قد أضحت ظروفًا كونية عامة تشتمل على العالم برمته». على هذا النحو نرى كيف أنه في غياب القدرة على فهم وتفسير ديناميات التديّن الإسلامي المعاصرة والراهنة، وهو غياب ناجم عن عجز الأدوات النظرية المتاحة في نطاق نظرية العلمنة الكلاسيكية، يبقى الحديث عن دينامياته المنشودة أقرب إلى الاحتمالات المجرّدة أو «الأمنيات» أو «الوعظيات»،

ويبقى الحديث عن شروط هذه الديناميات متعذّرًا كما تترجم ذلك مثل هذه الأسئلة المعلّقة (من دون إجابات): «كيف يمكن ترجمة الحجة الإسلامية إلى صيغة علمانية إذا كانت تلك الصيغة تنزع المشروعية عن الحجة الإسلامية (في نظر المسلمين)، لأنها تفصلها عن أساسها القرآني الممثل الوحيد للمشروعية الحقيقية؟ هل هي قضية تتعلّق بما سميناه ‘نظرية الإدراك المزدوج أو الفهم المزدوج’، حيث يدرك المواطنون غير المتديّنين الحجة الإسلامية في شكلها العلماني كونها علمانية، بينما تعرف الأصوات الدينية في سرّها أن تلك الحجة تظل دينية؟ [...] هل يمكن ترجمة الإسلام في مجمله إلى

لغة علمانية دون تهديد مشروعية الحجج عند أولئك الذين يودون وضع الحجة الإسلامية خاضعة للعلمانية؟».

ثالثًا: مركب الديني والدنيوي في العلمنة: المفتاح النظري الذي يوفّره نموذج بشارة لفهم ديناميات التديّن الإسلامي ضمن عامّ العلمنة

نعود إلى سؤال مركزي طرحناه في المقدمة: هل كان ثمة ما يستدعي بالفعل تطوير نظرية العلمنة من أجل فهم أنماط التديّن المعاصرة، ومنها بالخصوص الأكثر إثارة للإشكال اليوم، أي أنماط التديّن الإسلامي في المجتمعات العربية والمجتمعات الغربية؟ يمكننا، في هذا المنعطف، أن نجيب بالإيجاب عن هذا السؤال بعد أن تبيّنا كيف أن نظرية العلمنة الكلاسيكية لا تستطيع أن تعالج ظواهر من

قبيل تلك التي يمثّلها شطر من التديّن الإسلامي المعاصر، إلا في شكل إطلاق أحكام نمطية جوهرانية لا تاريخية تستثني المسلمين من صيرورات العالم الحديث، وتحديدًا صيرورات العلمنة، وغالبًا ما

تكون هذه الأحكام قاعدة للمواقف الأيديولوجية العنصرية ضد المسلمين. كما تبيّنا كيف «تخذل»

الأدوات والمفاهيم المتاحة في هذه النظرية المواقف النقدية التي تسعى لتجاوز هذه الأحكام، فلا تسعفها بإمكانات تحليلية وتفسيرية لأنماط التديّن الإسلامي في علاقاتها بصيرورات العلمنة الحديثة ومتغيّراتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وبناءً على هذا، يغدو السؤال هو: ماذا يوفّر براديغم

بشارة في فهم علمنة السياسة والدولة وإضافته النظرية من مفاهيم ومفاتيح تتيح إمكانات لفهم أنماط التديّن المعاصرة، وأنماط التديّن الإسلامي تحديدًا، في علاقة بصيرورات العلمنة؟

(((5 المرجع نفسه، ص.448 (((5 المرجع نفسه، ص.208

المدخل إلى معالجة هذا السؤال هو الإجابة عن سؤال بسيط (أي غير مركّب): ما العلمنة عند بشارة؟ وهي إجابة نظفر بها، بشكل مباشر، منذ الحيز الأخير من الجزء الأول من كتاب الدين والعلمانية في سياق تاريخي: «العلمنة باعتبارها صيرورة تاريخية تمسّ مجالات اجتماعية متعدّدة، كما تمسّ الفكر الإنساني، هي عملية التمايز المستمّرة بين قطاعات يعيد التمايزُ تعريفها، مثل العلم والأسطورة، والمقدّس والدنيوي، والدين والدولة، وغيرها». يفترض مفهوم التمايز في المعنى الذي يجريه بشارة وجود عناصر كانت في مرحلة ما مؤتلفة في وحدة عضوية ثم تمايز بعضها عن بعض في سياق تاريخي صيروري معلوم. التمايز، بهذا المعنى، هو عماد مفهوم العلمنة عند بشارة، إلى درجة إمكان القول: «إن العلمنة في كل مكان هي عملية تمايز في مجالات أو نطاقات في العالم». نقدّر أن مفهوم التمايز الذي يجعل منه بشارة أساس مفهوم العلمنة يتسم بدرجة عالية من الخصوبة النظرية في منجز الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ولقد سبق أن بيّنا كيف قاد هذا المفهوم إلى نظرية

في الدولة، من جهة استقراء صيرورة العلمنة في الحداثة، باعتبارها عمليات تمايز من نطاق الدين نشأت بموجبها الدولة الحديثة (والعلم الحديث). وفي سياق هذه الدراسة نحاول أن نستكشف جوانب أخرى من المستتبعات النظرية والمنهجية لتعريف العلمنة باعتبارها صيرورات من التمايز، وهي جوانب نرى أن نظرية بشارة قد وفّرت من خلالها أدوات ومفاهيم معرفية جديدة في دراسة التديّن وديناميات أنماطه في سياقات العلمنة، ومنها أنماط التديّن الإسلامي المعاصرة والراهنة وما تثيره إشكالات اليوم. إن تعريف العلمنة باعتبارها صيرورات تمايز، بالمعنى المشار إليه، يجعلنا تجاه مفهوم يتباين عن ذاك المعتمد في نظرية العلمنة الكلاسيكية في نقطة أساسية مفادها أن «التمايز لا يعني خصخصة المجال الديني حصرًا»؛ بمعنى أن حالات انحسار التديّن وانسحاب الدين إلى المجال الخاص وفصله عن

الدولة في النصوص الدستورية والقانونية ليست إلا حالات خاصة من حالات العلمنة، من حيث هي عمليات تمايز خرجت بموجبها الدولة من نطاق الدين واستقلت بذاتها بوصفها شأنًا دنيويًا. صحيح أن الحديث عن تجليات التديّن في العلمنة باعتبارها أوسع من مظاهر «الفردنة» و«الخصخصة» وتحييد الدولة دينيًا هو فكرة نظرية وإمكان منهجي (متاح للاختبار بحثيًا) في منجز بشارة، لكنه قبل أن يكون

كذلك هو مستقرأ من التاريخ والواقع. ثمة وضعيات عديدة يرصدها بشارة في المتعيّن من تاريخ

صيرورات العلمنة في أوروبا، من قبيل «صعود لقوة الدولة في الملكية المطلقة التي جمعت السلطة الزمنية إلى الكنسية» (إنكلترا في القرن 71)، و«إخضاع الكنيسة للدولة الوطنية باعتبار أن الثانية هي

(((5 بشارة، الدين والعلمانية، ج 1، ص.407–406 5(((عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي: ج 2: العلمانية ونظرية العلمنة، مج 2 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص.182 (5((في هذا الصدد، ينظر: الحبيّب، ص.79–74 5(((بشارة، الدين والعلمانية، ج 2، مج 2، ص.216 (6((المرجع نفسه، ص.87

المرجعية السياسية والقانونية» (فرنسا في القرن 8.)1 هذه وضعيات علمنة، بالنسبة إلى بشارة، رغم أننا لا نجد فيها «أثرًا للعلمنة بالمعنى المتداول كفصل الدين عن الدولة، فضلً عن خصخصة الدين،

وهذا الأخير هو أصلً مفهوم متأخر جدًّا، بل معاصر». ولا يقتصر الأمر على المراحل المبكرة من صيرورة التحديث الأوروبي، بل توجد نماذج معاصرة يرصدها بشارة: «تحوّلت الكنيسة الكاثوليكية

في إسبانيا من كنيسة دولة رسمية إلى كنيسة غير معترف بها ولا تحمل طابعًا رسميًا، وفاعلة في مجتمع

مدني تعدّدي في النظام الديمقراطي [...] أما في البرازيل فتحوّلت الكنيسة الكاثوليكية من كنيسة

نخبوية إلى كنيسة شعبية مدنية. وتحوّلت الكاثوليكية في الولايات المتحدة الأميركية من فرقة دينية تكاد

تكون إثنية [...] إلى مذهب ديني يهتم بشؤون رعيته في إطار نظام علماني». الثابت في تجارب العلمنة في الحداثة، بحسب بشارة، هو تمايز الدولة عن الدين، واستقلالها عنه، باعتبارها شأنًا دنيويًا، أما في ما يتعلّق بمآلات الدين أثناء صيرورات التمايز وبعد اكتمالها وعلاقته

بالدولة التي تمايزت عنه ومكانته في المجتمع فكلها عناصر متغيّرة، فتحت سقف العلمنة ذاتها:

«ومثلما تتغيّر الحدود بين العام والخاص، كذلك تتغيّر طبيعة الديني والدنيوي ومجالاتهما في السياق

التاريخي والحضاري (حتى لو كان كلاهما جزءًا من الدنيا) [...] فحالما نشأت إمكانية التمايز تنشأ

معها أيضًا إمكانية تغيّر ترسيم الحدود بين المجالين في السياق الحضاري والتاريخ، وفي سياق صراع

القوى الاجتماعية وتمثلّاته أيضًا». لكن هل يعني هذا أن بشارة يترك توصيف الديني وتعيين متغيّرات

دينامياته وتنوّع مكانته في سياقات العلمنة المختلفة للرصد العيني المباشر فحسب؛ بمعنى أنه يترك

عملً كهذا بلا ضابط نظري يحدّد ثوابت متغيّرات الديني في العلمنة الحديثة وخصائصه، ويميّزها

من متغيّراته في الأزمنة الأخرى؟ طبعًا لا، ولو كان الأمر كذلك لما أمكن الحديث عن معرفة علمية

بالمعنى الدقيق للكلمة، باعتبار أن التوصيف الحسّي للظواهر المتعيّنة (كما هي في تجلّياتها العينية)،

لا يصنع معرفة كهذه تستدعي ضرورة مقولات ومفاهيم عقلانية لتحليل المتعيّنات الحسّية وتفسيرها.

من هنا نرى أنّ بشارة إذ يرصد تعدّد متغيّرات أنماط التديّن ومكانة الدين بتعدّد صيرورات العلمنة

وشروطها المتنوعة، فإنه يفعل ذلك باعتماد مقولة نظرية عامة، تكثّف وحدة هذه المتغيّرات والحالات

المتنوّعة في عموم العلمنة الحديثة وتميّزها من الظواهر السابقة لها. هذه المقولة هي من الاستتباعات

النظرية المهمة لمفهوم التمايز، وواحدة من مظاهر خصوبته المنهجية التحليلية والتفسيرية، ويترجمها بشارة نظريًا في مثل قوله: «التعامل مع العلمنة باعتبارها جزءًا من نظرية الحداثة، كتمايز وتمفصل في

الوظائف الاجتماعية والمؤسسات، يعقبهما وحدة بين هذه الوظائف، والمقصود هو وحدة تركيبية لا عضوية أو معطاة». إنها، إذًا، مقولة «الوحدة التركيبة» التي تتأسس منطقيًا على مقولة التمايز؛ إذ إن

القول إن «التمايز بين مجالات الحياة الاجتماعية والفكرية المختلفة هو القاعدة في المجتمع الحديث»

(((6 المرجع نفسه، ص.141 (6((المرجع نفسه، ص.87 (((6 المرجع نفسه، ص.211 (((6 المرجع نفسه، ص.216 (((6 المرجع نفسه، ص.203

هو الذي يتيح إمكانية الاستتباع بالقول: «وكل تمايز في عناصر ظاهرة كانت تشكل وحدة واحدة يعود وينتج وحدة جديدة أكثر تركيبًا في هذه الدنيا». من الناحية النظرية، يلحّ بشارة على الفرق بين الوحدة العضوية التي لا تشتمل على عناصر بعضها

متمايز عن بعضها الآخر، والوحدة المركبة التي تجسّد صور التداخل الذي قد يحدث بين عناصر أو مجالات قد تمايز بعضها عن الآخر، ذلك أن «التداخل بين مجالين لا يعني وحدتهما، ولا يعني عدم وجود انفصال. فهنالك فرق بين وحدة أصلية غير متمايزة العناصر، واقتحام مجال للآخر». قد يبدو التمييز بين هذين الضربين من الوحدة، في صورته هذه النظرية المجرّدة، غير ذي أهمية

تذكر. غير أن أهميته تبرز بشكل جلي بمجرد أن يتجسّد في صورة خيار منهجي لفهم متغيّرات الدين

والتديّن بين سياقات ما قبل العلمنة الحديثة وسياقات هذه العلمنة ذاتها. فوفق هذا الخيار، «يُفترض أن تكون العلمنة إذًا صيرورة تاريخية تتضمّن وحدة الدين والسياسة والمجتمع والأخلاق والمعرفة، وتمفصلها وتمايزها الدائم، وجدلية العناصر المفصولة وصراعها، ثم إعادة بناء وحدتها من جديد كوحدة أغنى (أكثر تركيبًا وأكثر تطوّرًا) ثمّ تمايزها من جديد». عمليًّا، يعني هذا الافتراض تفريقًا

حاسمًا (على الأقل من جهة فهم طبيعة ديناميات التديّن تاريخيًا) بين «الجماعات البشرية ما قبل

المجتمع والدولة»، حيث لم يكن الدين «مجالً قائمًا بذاته»، والمجتمعات التي تمايزت فيها الدولة ومجالاتها (باعتبارها سياسة واقتصادًا واجتماعًا وثقافة) عن الدين، وغدا في إمكان أحدهما أن يُحيّد الآخر، لكن غدا في إمكانه كذلك أن يتحوّل إلى عنصر متداخل معها في شكل وحدات

مركبة، على نحو ما هو مرصود في أكثر من سياق من سياقات العلمنة في بلدان الغرب الحديث ذاتها في صور مختلفة (سيطرة الدولة على الدين، ومؤسسات دينية فاعلة في المجتمع المدني، وجماعات دينية ضاغطة سياسيًا واجتماعيًا... إلخ). وفي منظور بشارة، ترتبط متغيّرات مكانة الدين

في صيرورات العلمنة المفضية إلى تمايز الدولة (نشوء الدولة بمفهومها الحديث) بطبيعة أنماط التديّن الناشئة عن هذا التمايز وتأثرها الكبير بالحيثيات والشروط التاريخية الخاصة التي تحفّ بكل صيرورة علمنة معلومة. يقول بشارة في هذا الصدد: «ونحن نعتقد أن طبيعة صيرورة العلمنة التي مرّت بها المجتمعات هي التي تحدّد ليس طبيعة العلمانية التي تنتج فيها، وموقفها ومدى هيمنتها

كأيديولوجيا فحسب، بل طبيعة أنماط التديّن أيضًا». وعلى وجه الإجمال والتكثيف، يمكن القول إن نظرية بشارة إذ جعلت من تمايز العناصر الدنيوية من الدين أساسًا لمفهوم العلمنة، فإنها فتحت المجال لتأسيس مقولة نظرية أخرى على غاية من الأهمية، في تقديرنا، وهي مقولة الوحدة المركبة بين الديني والمجالات المتمايزة عنه في العلمنة الحديثة، باعتبارها

(((6 المرجع نفسه، ص.419 (6((المرجع نفسه، ص.216 (6((المرجع نفسه، ص.221 (6((المرجع نفسه، ص.220 ((7(المرجع نفسه، ج 1، ص.407

مقولة أعمّ من مقولات نظرية العلمنة الكلاسيكية (فصل الدين عن الدولة وانحسار التديّن وخصّخصته

و«فردنته)»، لتحليل وتفسير وفهم متغيّرات مآلات الدين والتديّن ومكانتهما ووظائفهما في سياقات

العلمنة الحديثة. إن مقولة الوحدة التركيبية بين الديني والدنيوي يقترحها باعتبارها مقولة تعيّن وضعيات

العلمنة الحديثة، مقارنة بوضعيات ما قبلها (حيث كان الدين وحدة عضوية تشمل الدنيوي) وتستوعب، في الآن نفسه، إمكانية تعدّد العلاقات بين الديني والدنيوي (ومنه خاصة السياسي) وتنوّعها واختلافها، بحسب

السياقات التاريخية والحضارية لصيرورات العلمنة، وما تتيحه هذه السياقات من إمكانات لنشوء أنماط تديّن

مختلفة تستصحب أشكالً مختلفة من الوحدات المركّبة التي تعقب صيرورة التمايز وانتفاء الوحدة العضوية. وإذ نعتبر أن مقولة الوحدة التركيبية هذه تمثّل مفتاحًا نظريًا يوفّره نموذج بشارة لفهم أنماط التديّن

الإسلامي المعاصرة والراهنة ودينامياتها، فذلك من منطلق أنها تمكّن من إدراك «الفرق بين المدينة الإسلامية في يثرب أو الجماعات المسيحية الأولى من جهة، والموقف الداعي إلى وحدة الدين والدولة عبر الحركات والأحزاب الإسلامية المعاصرة، أو التدخل المباشر في شؤون المجتمع والدولة لحركات الصحوة الدينية البروتستانتية أيضًا من جهة أخرى. فهذه كلها في واقع الأمر تعبيرات (أقل حدة أو أكثر، متشنّجة أو مسترخية) عن توسّطات وعلاقات جدلية بين عناصر تمفصلت وتمايزت،

وما عادت وحدة عضوية واحدة غير متوسّطة». إن شطرًا مهمًّا من الإشكالات والمآزق التي عرضنا

لها وقادت إليها مفترضات نظرية العلمنة الكلاسيكية تجد حلّها، في تقديرنا، في ما تقترحه نظرية بشارة من تفريق نظري بين الوحدة العضوية التي كان يمثّلها الدين قبل أن تتمايز عنه عناصر من قبيل الدولة والمجتمع والأخلاق، والوحدات المركّبة التي تدخل بموجبها هذه العناصر المتمايزة في علاقة مع الدين. فاستنادًا إلى هذا التفريق، تغدو ظواهر التديّن الإسلامي المعاصرة والراهنة أشكالً مخصوصة

من ديناميات التديّن في العلمنة الحديثة، لا تعبيرًا عن استثناء منها. وينسحب هذا الأمر على أكثر

هذه الظواهر استشكالً وإثارة للجدل اليوم باعتبار أن عناوينها الأيديولوجية المعلنة والصريحة هي معاداة العلمانية والتمسّك بشعار الدولة الإسلامية، ونعني بها الظواهر التي تدخل في مسميات الإسلام

السياسي والإسلام السلفي والإسلام الجهادي... إلخ. يفتح بشارة أفقًا جديدًا لفهم الحركات الإسلامية المصنفة في هذه المسميات باعتبارها علامات على حدوث العلمنة الحديثة أو، على نحو أدق، ضربًا

مخصوصًا من ضروب هذه العلمنة، كما سنرى، في المجتمعات الإسلامية، لا علامة على تعذرها.

فهذه الحركات تجسّد ظواهر وأشكالً من الوحدات المركبة بين الديني والعناصر الدنيوية المتمايزة

عنه في العلمنة، مختلفة تمامًا عن الوحدة العضوية التي يمثّلها الدين في أزمنة ما قبل العلمنة الحديثة. لكن كيف لأيديولوجيات، مثل تلك التي تتبناها هذه الحركات الإسلامية، أي قائمة أصلً على دعوى الحكم الديني ورفض العلمانية، أن تدخل ضمن عموم العلمنة وديناميات مركب الديني والدنيوي فيها؟

(7((لم نصادف في المجلدات المنشورة من كتاب الدين والعلمانية في سياق تاريخي ما يفيد إن كان بشارة يعتبر هذه المظاهر صورًا

من صور مركب الديني والدنيوي في العلمنة أم لا. غير أننا نميل إلى اعتبار أن الأمر كذلك؛ ففي الأخير، نحن هنا تجاه شكل من أشكال العلاقة في مركب الدين المحصور في النطاق الفردي الخاص من جهة، والمجالات المعلمنة (الدولة، المجال العام... إلخ) من جهة أخرى، وإن كانت هذه العلاقة سالبة. ويبقى هذا الأمر تأويلً من كاتب هذه الدراسة. ((7(المرجع نفسه، ص.216

في البداية لا بد من تأكيد أن الأمر يتعلّق بظاهرة تنتمي بالفعل إلى عموم العلمنة، بدليل ما لاحظه بشارة من أنه في الولايات المتحدة «تنشأ أيضًا تيارات تدعو إلى إقامة دولة دينية ديمقراطية مسيحية، لكن الحركات الدينية السياسية التي تدعو إلى دولة دينية تتحول في حالة الولايات المتحدة والمجتمعات الصناعية بشكل عام، حيث تمأسست الدولة العلمانية، إلى حركات هامشية». لكن ما الذي يجعل الحركات الرافعة لمطلب الدولة الدينية في سياقات أخرى، مثل سياقات الدول العربية والإسلامية المعاصرة، حركات واسعة ونافذة وفاعلة؟ أجاب بشارة نظريًا عن مثل هذا السؤال في كتاب الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ثم عاد واختبر مفترضاته النظرية في مقاربة موضوعات متعيّنة من التديّن الإسلامي المعاصر والراهن، في مؤلفات

نشرها بعد ذلك. تفترض الإجابة النظرية إمكانية «تخيّل التوتر الناجم عن علمنة الدولة من أعلى في

مجتمعات متديّنة من دون علمنة أنماط الوعي، ماذا قد تعني العلمنة بالإكراه لناحية تحوّل الدين إلى

مسألة أصالة وهوية، ومخزون رمزي يمنح قوة في وجه القمع. وبالإمكان استنتاج احتمالات أخرى يمكن فحصها في الواقع». إن سياقات العلمنة الفوقية التي تمارس فيها دولة ذات نمط حديث الاستبداد على مجتمع متديّن تشكّل شروطًا موضوعية لبروز بنى أيديولوجية كتلك التي تستند إليها جماعات الإسلام السياسي والإسلام الجهادي السلفي، ذلك أن مقاومة كل مظاهر فشل الدولة الحديثة وفسادها واستبدادها يمكن أن يتخذ في هذه الحالة شكل «مقاومة العلمنة بنشوء أيديولوجيات دينية جديدة تتحوّل إلى تيارات سياسية. وتستند هذه عادة إلى قوى متضرّرة من الحداثة على مستوى الواقع

المادي كما على مستوى الهوية. وهي تنطلق من الواقع الحديث نفسه وتستخدم أدواته، وتشكّل جزءًا

من عملية العلمنة نفسها». إن تبنّي حركات وجماعات سياسية أيديولوجيا دينية تعلن العداء الصريح للعلمانية، لا يعني أنها غير معلمنة. فهذه الحركات بتحويلها الدين إلى أيديولوجيا ورافعة للعمل السياسي الجماهيري تقوم عمليًا

ب «علمنة» الدين بجعله يستوعب شطرًا من منتجات الحداثة السياسية التي تقترن بوجود الدولة الحديثة.

وهكذا، «حين يعود الدين للقيام بدور في السياسة والمجتمع بعد نشوء المجالات المتمايزة لا يعود في إمكانه التأثير في المجتمع والدولة الحديثين إلا إذا تأثر بهما. فهو يتبنّى قواعد لعبة ومفردات، وقيمًا

من خارجه أيضًا. كما يتكيّف مع حقيقة كونه لا يشكّل بحدّ ذاته مصدر شرعية». إن الجماعات التي

تحوّل الدين إلى أيديولوجيا ورافعة للعمل السياسي في إطار الدولة الحديثة إذ تقدم نفسها بوصفها حاملة

لمشروع العودة إلى وضع ما قبل العلمنة الحديثة، فإنها تفعل ذلك من باب التخيّل، أو بالأحرى التوهّم.

فهي تعيد بناء علاقة الوصل بين الدين ومجالات الدنيا (دولة، سياسة، اجتماع، أخلاق... إلخ) في إطار وحدة تركيبية تأخذ في الاعتبار صيرورة تمايز هذه المجالات عن الدين. فما عاد ممكنًا الرجوع

((7(المرجع نفسه، ص.373 ((7(المرجع نفسه، ص.421 ((7(المرجع نفسه، ص.340 ((7(المرجع نفسه، ص.217

إلى الوضعية القديمة التي كان فيها الدين يمثّل وحدة عضوية تضمّ المجالات الحياتية التي باتت اليوم معدودة من شؤون الدنيا. إعادة إنتاج مثل هذه الوحدة العضوية، لأن عمليات تمايز هذه المجالات قد حدثت بعد، وعمليات إعادتها إلى «حظيرة» الدين لا تكون إلا في شكل وحدات مركّبة بالضرورة. على هذا الأساس، «يمكننا أن نتخيّل أنه إذا تحكّم الدين باعتباره أيديولوجيا سياسية حركية بالدولة في عصرنا،

فسيكون حكمًا مختلفًا تمامًا عن ‘الدولة الدينية’ التي نعرفها من التاريخ، والتي لم تكن دولة في الواقع بالمعنى الحديث للدولة، ليس لأن فهم الدين تغيّر فحسب بتغيّر وظيفته وحدوده، بل لأن الدولة تغيّرت

جذريًا أيضًا».

رابعًا: السلفية والجهادية والإسلام السياسي والطائفية: ديناميات في سياق العلمنة عربيًا وخصوصياته

لا شكّ في أن بشارة قد طوّر نظرية العلمنة، وخصوصًا بالنسبة إلى هذا الجزء المتّصل بفهم ديناميات الديني والتديّن في السياقات الحديثة، على سبيل إعداد العدة النظرية لمقاربة أنماط التديّن الإسلامي المعاصرة، وقد كانت هذه المقاربة المحفّز الرئيس لإنجاز مشروع الدين والعلمانية في سياق تاريخي من أصله، كما أشرنا إلى ذلك في مقدمة هذه الدراسة. وذلك باعتبار أن إشكالات أنماط التديّن الإسلامي ودينامياتها المعاصرة والراهنة جزء لا يتجزأ من إشكالات معوقات تحوّل البلدان العربية إلى دول مواطنية ديمقراطية أو حلّ المسألة العربية، وهو المشروع الرئيس الذي يشتغل به بشارة منذ سنوات. على هذا الأساس، لا يمكن أن نفهم أهمية بعض الدراسات التي أنجزها بشارة خلال السنوات القليلة الماضية، إلا إذا فهمناها من جهة كونها تطبيقات عملية لهذه المفترضات النظرية التي وضعها لتحليل ديناميات التديّن ومتغيّراته وتفسيرها، في نطاق نموذج نظري لفهم علمنة الدولة والسياسة. ونعني بها

الدراسات التي اهتمت بظاهرة الطائفية وظاهرة داعش وسؤال السلفية. وإذ يبدو في ظاهر الأمر أن بشارة قد صرف جهدًا أكبر في مقاربة موضوعات الجماعات والصراعات الطائفية في البلدان العربية المشرقية المعاصرة، مقارنة بما بذله في مقاربة موضوعات الجماعات السلفية والجهادية والحركية السياسية (الإخوانية)، فإن القارئ المتمعّن يكتشف بيسر أن بشارة اشتغل في هذه الدراسات، التي ظهرت جميعها سنة 2018، بصورة متداخلة مع هذه الموضوعات، بحكم أنها تترابط وتتداخل بصورة أساسية ومباشرة في نطاق إشكالات ديناميات التديّن الإسلامي المعاصرة والراهنة. يمكن أن نعتبر أن بشارة ينطلق، في هذه الدراسات التطبيقية، من حيث انطلق أصحاب الموقف النقدي الذين عالجنا مقارباتهم في الجزء الأول من هذه الدراسة، نعني أنه انطلق من التباين الصريح مع النظرة الجوهرانية الثابتة للإسلام والمسلمين المتمثَّلة، بصورة صريحة أو ضمنية، في الخطابات العنصرية

((7(المرجع نفسه، ص.411 (7((نقول هذا الكلام بالنظر إلى حجم كتاب الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة (926 صفحة من الحجم الكبير)، مقارنة بحجم

كتاب تنظيم الدولة المكنّى «داعش»، ج 1: إطار عام ومساهمة نقدية في فهم الظاهرة 8(36 من الحجم الكبير)، وكتاب في الإجابة

عن سؤال: ما السلفية؟ (255 صفحة من الحجم الصغير). وستأتي بيانات هذه الكتب في قادم الإحالات.

اليمينية والخطاب «الأكاديمي» الذي يغذّيها. ولا يتوانى بشارة، بين الفينة والأخرى في سياق هذه الكتابات، أن يوجّه النقد المباشر للمقاربات الاستشراقية و«العلمية» المنمّطة للإسلام في جوهر ثابت

في مثل قوله: «الإسلام من الناحية السوسيولوجية كما هو معتنق وممارس ‘إسلامات’ لا تقبل اختزالها في نمط واحد هو ‘نمط الكائن الديني’ الجوهري، المتماسك والمتجانس والمتراص حول نفسه». غير أن مضمون الموقف النقدي الذي يتوخّاه بشارة تجاه هذه الرؤية النمطية اللاتاريخية والعنصرية لا يقف عند هذا الحدّ الذي ينصّ على تعدّدية الإسلام في الاعتقاد والممارسة، وهو تنصيص يمكن أن يعتمده أي باحث منصف يأخذ بالمعطيات العيانية المباشرة لمتغيّرات الاجتماع والسياسة والأفكار

لدى معتنقي الإسلام عبر التاريخ، ذلك أن هذا الموقف الذي يبنيه بشارة يبلغ مستويات أبعد وأعمق كثيرًا من مستوى هذا التوصيف «الحسّي» المباشر لحقيقة التعددية في الإسلام، فهو يبرز باعتباره

موقفًا تحليليًا يبيّن كيف أن هذه التعدّدية تعكس، أو تترجم، ديناميات تاريخية عرفتها، وتعرفها، البنى

الاجتماعية والسياسية والفكرية للمجتمعات المسلمة باستمرار، ويبيّن – وهذا هو الأهم – كيف أن

شطرًا من هذه الديناميات التاريخية، الشطر الحادث في الأزمنة المعاصرة والراهنة، غير مفصول عن

صيرورات العالم الحديث الكونية بصورة عامة وعن صيرورات العلمنة تحديدًا. لم يكن للموقف النقدي من الخطابات الاستشراقية والعنصرية حول الإسلام أن يتطوّر عند بشارة

إلى خطاب علمي، تحليلي وتفسيري، بديل منها، لولا الأدوات والمفاتيح المنهجية المطوَّرة في

نطاق النموذج النظري للعلمنة الذي اقترحه، ذلك أن مفترضات نظرية العلمنة الكلاسيكية، كما رأينا، لا تتيح إمكانات التطوّر لمثل هذا الموقف النقدي على هذا النحو. فعبر هذه الأدوات والمفاتيح

سيتمكّن بشارة من تحليلٍ وتفسيرٍ لأوجه الدينامية والحركية المرتبطة بسياق العلمنة في ظواهر من التديّن الإسلامي معاصرة وراهنة، عادة ما تُعتمَد باعتبارها عناوين على جمود الفكر الإسلامي وثباته

عبر التاريخ، وأدلة على مقاومة العلمنة وتعذّرها في الدول والمجتمعات الإسلامية. وهذه الظواهر كثيرًا ما تُختزَل «في مفهوم الأصولية المستخدم في الأدبيات الشرق – أوسطية المعاصرة، والتي لا تعدّ

الأصولية متماهية مع السلفية بمعناها الدقيق الاصطلاحي فحسب، بل مرادفة أيضًا للحركات الإسلامية كلها اليوم، على اعتبار أنها حركات إحيائية وسلفية وصحوية». والأمر ذاته ينسحب على قراءة مثل هذه الأدبيات للصراعات الطائفية التي تشقّ اليوم بلدانًا عربية المشرقية، فهي تُفسّر بالصراعات الدينية

المذهبية الضاربة في القدم والمتواصلة إلى الآن؛ إذ «لم يبق صحافي أو سياسي أو معلق غربي إلا وحفظ عن ظهر قلب المقولة الزائفة التي تعيد الصراع الشيعي – السني في عصرنا إلى وقائع جرت قبل 0014 عام، من دون أن تخطر ببالهم فكرة بديهية وهي أنه صراع سياسي راهن يتخذ أشكالً طائفية».

(7((عزمي بشارة، تنظيم الدولة المكنّى «داعش»: ج 1: إطار عام ومساهمة نقدية في فهم الظاهرة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي

للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.50 (8((عزمي بشارة، في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟ (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.13 (8((عزمي بشارة، الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.434

كرّس بشارة شطرًا من هذه الأعمال التطبيقية لتحليل خطابات الجماعات السلفية والجهادية والإخوانية

والطائفية، محاولً تتبّع «الأصول» التي تدعي هذه الجماعات العودة إليها أو استعادتها في مظانها

التراثية الأصلية، منبّها إلى أن ذلك «لا يعني أن هذه الأصول أنتجته [داعش وغيره من هذه الجماعات]،

فهو ليس مجرد فكرة أو نص، إنه ظاهرة اجتماعية هي نتاج الظرف التاريخي الاجتماعي والسياسي، لكنه مثل كل الحركات الاجتماعية، يدّعي تجذير نفسه في الماضي التاريخي معتبرًا نفسه ‘أصيلً»’.

غير أن بشارة لا يكتفي بخطاب عام يلحق فيه هذه الجماعات بمفرزات ونتاجات الظروف التاريخية الاجتماعية والسياسية التي تمرّ بها المجتمعات العربية، فمثل هذا الخطاب العام سهل ولا يقدّم كثيرًا

لجهة فهم الظاهرة. بشارة يعيّن ويدقّق طبيعة هذه الظروف التي نشأت بتأثير منها وبالتفاعل معها

هذه الجماعات، وفي هذا التعيين والتدقيق نقف بشكل مباشر على أهمية الإضافات المنجزة في إطار نظرية العلمنة، ذلك أنه يربط نشأة هذه الجماعات، باعتبارها جماعات حديثة وليست امتدادًا لجماعات وُجدت في الماضي، بسياق العلمنة الحديثة العام الذي شمل البلدان العربية والإسلامية (أي إنها ليست استثناء من هذا السياق)، وهو سياق تمثل فيه الدولة الحديثة المتمايزة عن الدين العامل القاعدي والمحرّك. من هنا، نرى بشارة ينصّ بوضوح على أن «حركة إسلامية تنشأ في

الحداثة، وفي إطار الدولة القومية، ليست مجرّد نص أصولي يتكرّر منذ ابن حنبل أو ابن تيمية أو

ابن عبد الوهاب وغيرهم. وحتى لو تكرّر ظهور الأصولية والدعوة إلى العودة إلى الأصول في مراحل

الأزمات، بحيث تشكّل نمطًا، تبقى حركات وتيارات في سياق تاريخي محدّد في إطار الدولة القومية الحديثة أو المستحدثة بجيشها وعلمها ورموزها وجمهورها وإعلامها ومنابرها السياسية، وبنية السلطة التي يراد التأثير فيها أو حتى انتزاعها والاستئثار بها». جزء مهم، إذا لم نقل الجزء الأهم، من الرهان الذي كان يجب على هذا التمشّي التحليلي تحقيقه متعلّق بالخطاب السلفي عند هذه الجماعات، باعتباره خطابًا يشي بأنها تعتمد مضامين دينية أصيلة قديمة لا تشوبها «شائبة» الأفكار العلمانية الدخيلة الحديثة. كان تحليل الخطاب عند هذه الجماعات عملً ضروريًا في نطاق هذا الخطاب لبيان كيف أنه «لا يعني مصطلح السلفية عندها عودة فعلية إلى السلف أو التراث إلا انتقائيًا تخيليًا مختلطًا بمفاهيم حديثة وردّات فعل على الحداثة، وتفسيرات

حديثة لما يقوله السلف، وذلك في خضم استخدامه في الردّ على خصوم معاصرين مثلً». وفي هذا الإطار يبدو لنا أن أحد أهم الآفاق المنهجية، التي تفتحها إضافات نظرية العلمنة عند بشارة، هو مسلك التحليل الخطابي المقارن بين مضامين المصلحات والمفاهيم كما أجراها علماء الإسلام في حقبات ماضية من التاريخ العربي الإسلامي، ومضامينها كما تتجلّى في الخطابات الإسلامية المعاصرة، وخاصة خطابات الجماعات التي تدّعي أنها تتمسّك بفهم الإسلام «على طريقة سلف الأمة».

(8((بشارة، في الإجابة عن سؤال، ص.84 ((8(بخصوص كون الدولة متغيّرًا قاعديًا في صيرورة المجتمعات الحديثة في نظرية بشارة، يمكن النظر في: الحبيّب، ص.92–84 (8((بشارة، في الإجابة عن سؤال، ص.120 ((8(المرجع نفسه، ص.118

وقد مارس بشارة هذا التحليل الخطابي المقارن في أجزاء معتبرة من أعمال تطبيقية، ومن بين مخرجات هذا التحليل الوقوف عند التحولّات المضامينية والدلالية التي يجريها الدعاة المعاصرون على

المصطلحات والمفاهيم القديمة في مثل هذا النموذج: «ثمة فرق بين الأمر والنهي عن المنكر عند ابن حنبل وأصحاب الحديث، وبين العبارة ذاتها بوصفها شعارًا وبوصفها تبريرًا حزبيًا سياسيًا أيديولوجيًا،

لاستخدامها العنف ضد الحاكم أو ضد من يخالف الرأي. وحتى عند ابن حنبل لم تعن هذه المبدئية المتمسّكة بالقرآن والسنة ضد عسف الحاكم الخروج عليه، كما لم يعن نقد الحاكم الدعوة إلى تحليل

العنف ضدّه، تحت عناوين مثل الجهاد وغيره». ومن عناصر التحليل الخطابي الذي يمارسه بشارة مقارعة المفاهيم المعتمدة في خطابات الجماعات الإسلامية الحركية والسلفية، وهي مفاهيم تراثية قديمة، بممارساتها على أرض الواقع، قصد بيان تباين الممارسة التي تنخرط في سياق حديث عن العناوين القديمة التي تتخذها، فمثلً: «يدّعي تنظيم ‘داعش’ أن مفهومه للدولة ينبثق من التقاليد الإسلامية، ويقوم عبر نموذج الدولة في فترة النبي والخلفاء الراشدين، أي على منهاج النبوة، إلا أن نموذج الدولة لدى التنظيم يستند في الحقيقة، حتى نظريًا، إلى الخلافة كملك عضوض، وإلى إمارة التغلّب، وهكذا برّر طلب مبايعته

من الفصائل الإسلامية. وهو في الحقيقة لا خلافة راشدة ولا ملك عضوض، لا خلافة بمبايعة أهل الحلّ والعقد، ولا خلافة بالتغلّب، بل تنظيم سياسي عنيف يمارس سلطة خارجة على الدولة على سكان يعيشون في دولة أو أكثر». وعمومًا، يمكن القول إن تحليل الخطاب الأيديولوجي، أي مقارنة المضامين القديمة والمضامين المعاصرة للمفاهيم عينها ومقارعتها بالممارسات العملية، هدف عند بشارة، لا إلى بيان كيف أن العناوين القديمة في خطابات الجماعات الحركية والسلفية والجهادية تخفي مضامين وممارسات حديثة فحسب، بل كذلك إلى بيان كيف أن هذه المضامين والممارسات الحديثة هي من جنس متغيّرات العلمنة تحديدًا، أي متغيّرات نشأة الدولة الحديثة. فبالنسبة إلى بشارة، تعكس شعارات

حركات الإسلام السياسي بنية أيديولوجية معلمنة؛ بمعنى أنها تستبطن معطى تمايز الدنيوي (بالخصوص الدولة) عن الدين وتستوعب، خاصة، البنية السياسية التي نتجت من هذا التمايز. فهذه الحركات «تتعامل مع الشريعة كأنها مجموعة قوانين وضعية للتطبيق، ومع حكم النبي والخلفاء الراشدين كأنه دولة، ومع الشورى كأنها مجلس شيوخ أو مجلس نواب، وخلافة النبي بعد وفاته كأنها نظام حكم إسلامي قائم بذاته». باختصار، تعكس البنى الأيدولوجية للجماعات الإسلامية المعاصرة صورًا من العلاقات المركّبة التي يمكن أن تحدث بين الدين والعناصر المتمايزة عنه (وخاصة الدولة الحديثة)، في نطاق صيرورة العلمنة الحديثة، ولا تعكس عودة أو إمكانية عودة إلى وضع ما قبل التمايز كما تتوهم؛ إذ «لا توجد عودة إلى الإسلام باعتباره ‘دينًا ودولة’، بحسب

((8(المرجع نفسه، ص.43–42 (8((بشارة، تنظيم الدولة، ص.52 (8((بشارة، في الإجابة عن سؤال، ص.132

الترسيمة الإخوانية، أولً لأن هذا غير ممكن مستقبلً، وثانيًا لأن الإسلام لم يكن دينًا ودولة في

الماضي، فالدولة المتصوّرة في هذه العبارة مفهوم حديث. إنها كيان حديث معلمن بطبيعته، وإن

كان قابلً لاستخدام الدين كأيديولوجيا». استقطب تحليل الخطاب وتفكيكه، على هذا النحو، شطرًا مهما من جهد بشارة في فهم

الجماعات الإسلامية الحركية والسلفية والجهادية باعتبارها ظواهر من ديناميات التديّن الإسلامي

غير مفصولة عن سياقات العلمنة الحديثية في البلدان العربية والإسلامية. وفي مقابل هذا، بدا لنا طغيان واضح للتحليلات التاريخية والاجتماعية والسياسية في معالجة ظواهر الطائفية والصراع الطائفي في البلدان العربية المشرقية، باعتبارها ظواهر من الجنس نفسه؛ إذ نحا بشارة بشكل واضح إلى «دراسة شروط تشكّل الطائفية السياسية الحديثة على أساس التبعات الدينية القديمة القائمة، وتمييزها عن الصراعات الدينية القديمة، أو التي كانت تتخذ طابعًا دينيًا أو مذهبيًا –

دينيًا في الماضي، والتمييز ضد أتباع الديانات الأخرى». ولقد هدف بشارة إلى بيان كيف أن

الصراع الطائفي الذي يشقّ بلدانا عربية مشرقية في الوقت الحاضر ليس صراعًا دينيًا، ولا يمثّل

امتدادًا لصراع الجماعات المذهبية الإسلامية في الحقبات الماضية من التاريخ الإسلامي، بل هو صراع ينخرط في سياق العلمنة الحديثة ويجري فيه بموجب رهانات معلمنة، فهو يمثّل «الصرع السياسي في الدولة المعاصرة ما بعد الكولونيالية في حالة من حالتين: قبل اكتمال عملية بناء الأمة، أو بعد فشلها». سعى بشارة إلى بيان الفرق المفهومي بين الطائفة في ماضي المجتمعات العربية الإسلامية، باعتبارها تحيل على جماعات محلية تشدّها رابطة المذهب الديني أو الحرفة، والطائفة في المجتمعات العربية الراهنة باعتبارها تمثّل كيانات اجتماعية – سياسية متخيّلة في شروط الدولة

العربية الحديثة، فهي، بهذا المعنى، «جماعة تقوم على أساس الانتماء إلى دين أو إلى مذهب مصوغ أيديولوجيًا، بما في ذلك الوزن الكبير لعناصر التخيّل في الأيديولوجيا، أي أيديولوجيا،

ودور هذه العناصر في إنتاج السرديات وإدراك الذات من خلال الانتماء إلى جماعة. إنها ليست مصطلحًا دينيًا أو ثيولوجيًا. وهي عندنا مصطلح سوسيولوجي. وتتخذ ظاهرة الطائفية التي يتناولها

المصطلح بالسياقات التاريخية، والاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، وبدرجة التنافس والصراع بين قوى اجتماعية وأنماط الوعي السائدة خلال الصراع. وهي متبدّلة متغيّرة، أي إنها ليست نفسها

في كل مرحلة تاريخية». أن تكون الطوائف، في السياق العربي المعاصر والراهن، مقامة على أساس روابط مذهبية دينية، فهذا لا يعني أنها نتاج عقائد ومقولات دينية ثابتة متكلّسة، وأن أساس وجود هذه العقائد والمقولات

((8(المرجع نفسه، ص.133–132 (9((بشارة، الطائفة، ص.276 ((9(المرجع نفسه، ص.298 ((9(المرجع نفسه، ص 023، مع ملاحظة أن الفقرة مكتوبة بخط بارز.

و«نصرتها» هو مناط الرهان في ما تخوضه من حراكات وصراعات كثيرًا ما تكون ذات طابع عنيف

ودموي، ذلك أن «الطائفية ظاهرة اجتماعية وإشكالية لا علاقة لها ضرورية بتعدّد الديانات والمذاهب الطوائف، وإن كانت قابلة للتطوّر والتفعيل في شروط معيّنة في البنيات المتعدّدة دينيًا ومذهبيًا، لكن

ليس ثمة علاقة حتمية بين الأمرين. فإذا توافرت العوامل نفسها، وإن لم توجد طوائف متعدّدة، فقد تتحوّل العشيرة أو الناحية أو أي جماعة تستند إليها السلطة في الولاء والتعاطف إلى ‘طائفة’، أي

إلى كيان اجتماعي – سياسي في إطار الولاء للنظام مثلً، في مقابل تحوّل المعارضة إلى ‘طائفة’

باستنادها إلى جماعة أو جماعات هوية في معارضتها للنظام، وهذا كله في إطار الصراع على الدولة وفيها». لا يعتبر بشارة أن ظواهر الطائفية والصراع الطائفي، كما ظواهر الجماعات الإسلامية السياسية والسلفية والجهادية، دالّة على «ثقافة دينية» ثابتة تجعل المجتمعات العربية استثناء من صيرورات العلمنة التي اكتسحت العالم الحديث وتكتسحه، بل يراها عناوين لديناميات في التديّن الإسلامي جرت، وتجري، بسبب أشكال مخصوصة من هذه العلمنة عرفتها البلدان العربية في تاريخها الحديث. فهذه الظواهر حديثة، وإن بدت في ظاهرها متماهية مع أنماط تديّن قديمة أو إعادة إنتاج

لها فإنها، تمثّل – في حقيقتها – أنماطًا جديدة من التديّن الإسلامي. فيكفي أنها تأخذ هيئة حركات أو كيانات سياسية واجتماعية جماهيرية فاعلة، أو تريد أن تفعل، في المجال العام، لتكون شاهدة في حدّ ذاتها على حدوث تمايزات غدت بموجبها الدولة والمجتمع والسياسة مجالات قائمة بذاتها خارج الدين. أما أن تقتحم هذه الحركات والكيانات هذه المجالات المتمايزة بأيديولوجيات وشعارات دينية، فهذا لا يعني أنها تجسّد أو تعيد إنتاج الوحدة العضوية التي كان الدين بموجبها

يحتوي هذه المجالات، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من مكوناته، بل هي تبني وحدات مركّبة بين العناصر

المتمايزة وتجسّد صورًا منها، ذلك أن «التسييس الواعي للانتماء إلى جماعة دينية هو ظاهرة مرتبطة

بمراحل تمايز فيها الدين عن السياسة». وإذ تبدو هذه الصور من التسييس مخصوصة بالسياق العربي الإسلامي المعاصر والراهن، فهذا لا يمنع كونها داخلة ضمن عام العلمنة وديناميات التديّن في العلمنة. لكن لماذا تتّخذ مركبات الدين والدولة والدين والسياسة والدين والمجتمع في السياق العربي مثل هذه الأشكال المخصوصة التي تتجلّى في الجماعات الإسلامية السياسية والسلفية والجهادية والطائفية؟ هنا، يحاول بشارة أن يفسّر بروز هذه الظواهر وتطوّر ديناميتها بطبيعة صيرورة العلمنة في السياق العربي

وطبيعة الدولة الحديثة الناشئة في نطاقها، وكيف «أدى إبعاد الدين عن الدولة من دون علمنة الثقافة والمجتمع ومن دون تقليد قيمي أخلاقي بديل، وذلك في ظروف صناعة الجماهير وتهميشها في الوقت ذاته، إلى تعميق دوره في المجال العمومي وفي السياسة على الخصوص». ويذهب بشارة

((9(المرجع نفسه، ص 284، مع ملاحظة أن الفقرة مكتوبة بخط بارز. ((9(المرجع نفسه، ص.422 ((9(المرجع نفسه، ص 8–31731، مع ملاحظة أن الفقرة مكتوبة بخط بارز.

إلى أن صيرورة العلمنة في الدول العربية سارت، خلال فترة وجيزة تاريخيًا، إلى مرحلة فيها «عادت

الدولة نفسها، والقوى المعارضة لها، تستخدم الدين وتعتمد عليه، ولكن ليس بما هو منظومة أخلاقية تأمر بالعدل والإنصاف والتسامح وحسن الخلق في معاملات الناس، ولا بوصفه تدينًا شعبيًا أهليًا

في جماعات مكتفية ذاتيًا تمارس طقوسًا وشعائر، وتتمسك بعاداتها وتقاليدها، بل بوظائف أخرى

مختلفة متركزة وظيفيًا حول مسائل الضبط والتحكم والسيطرة، وذلك:.1 بعدّه أيديولوجيا بديلة،

2. هوية جماعية في مقابل ثقافة الطبقات الحاكمة والمستفيدة،.3 حاجة فردية نفسية تحقق الكرامة في مقابل الإذلال الذي قامت به الدولة،.4 أداء تحشيد في مواجهة الدولة التي عادت هي أيضًا بدورها إلى استخدام الخطاب الديني فساهمت في هيمنته. تجسدت هذه الصيرورات المتداخلة في التدين السياسي، وثمة حالات أخرى مهمة لم يشكل فيها التدين السياسي بديلً شعبيًا، ولا سيما

في الدولة المتعدة الطوائف، حيث اتخذ الشعور بالمظلومية الاجتماعية والسياسية صيغة طائفية. هنا برزت الطائفية السياسية في إعادة تأسيس الطائفة الدينية هوية تجمع جمهورها ما في جماعة متخيلة، بديلة من الجماعة الأهلية. وغالبًا ما تراهن قوى سياسية علمانية وغير متديّنة في هذه الحالات على

الطائفية، ولكن في حالات أخرى راهن التدين السياسي نفسه على الطائفية السياسية وتقاطع معها، ما نفى الرهان على أن يمثل الدين سدًّا ضد الطائفية».

خاتمة

إذ نعتبر أن منجز بشارة النظري والتطبيقي الذي اشتغلنا به في هذه الدراسة يفتح آفاقًا جديدة في فهم أنماط التديّن الإسلامي وديناميتها المعاصرة والراهنة، فذلك لأنه يحوّل وجهة مقاربة ظواهره الأكثر إثارة

للإشكال ومدعاة للجدال في صفوف المفكرين والباحثين شرقًا وغربًا، وجهة مغايرة لتلك تقود إليها مفترضات نظرية العلمنة الكلاسيكية. فلقد بيّنا كيف أن ما يوفّره الأنموذج النظري الذي قدّمه بشارة، من

مفاهيم ومقولات منهجية جديدة في فهم مآلات الديني وديناميات التديّن في سياقات العلمنة الحديثة، يقود إلى فهم الحركات السياسية الإسلامية الإخوانية والسلفية والجهادية والجماعات الطائفية، باعتبارها تنمّ عن ديناميات معاصرة في التديّن الإسلامي. ليس هذا فحسب، بل كذلك باعتبار أن هذه الديناميات لا تخرج عن عموم متغيّرات أنماط التديّن في العلمنة الحديثة. إن المقولات النظرية التي يقترحها بشارة

تحوّل، على هذا النحو، تفسير هذه الظواهر وفهمها شطر الإشكالات المترتّبة على حيثيات وخصوصيات مسارات العلمنة التي شهدتها البلدان العربية في الأزمنة الحديثية، بدلً من وجهة التركيز على ثوابت وتقاليد دينية يُتوهّم أنها جامدة ولا تخضع لمنطق الحراك التاريخي الاجتماعي، وبعيدة عن تأثرات الصيرورات الكونية للعالم الحديث. وإذا كانت الدراسات التطبيقية التي أنجزها بشارة تكشف، في تقديرنا، عن خصوبة معرفية لمفترضات فهم أنماط التديّن الإسلامي المعاصرة والراهنة في علاقة صميمية بسياقات العلمنة وخصوصياتها في المجتمعات العربية، فإن الرهان يبقى على تعدّد المقاربات التطبيقية التي تجرّب هذه المفترضات على أكثر من ظاهرة وأكثر من مستوى التديّن الإسلامي.

((9(المرجع نفسه، ص.319

المراجع

العربية

للأبحاث ودراسة السياسات،.2013

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013

السياسات،.2018

بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018

السياسات،.2018

إدريس بنسعيد. بيروت: مؤسسة مؤمنون بلا حدود،.2019

بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019

بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2007 روا، أوليفييه. الإسلام والعلمانية. ترجمة: صالح الأشمر بيروت: دار الساقي،.2016

رؤوف عباس القاهرة: سطور،.2003

References

بشارة، عزمي. الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج 1: الدين والتدين. الدوحة/ بيروت: المركز العربي

________. الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج 2: العلمانية ونظرية العلمنة. الدوحة/ بيروت:

________. الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة

________. تنظيم الدولة المكنّى داعش: ج 1: إطار عام ومساهمة نقدية في فهم الظاهرة. الدوحة/

________. فيالإجابة عن سؤال: ما السلفية؟. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة

________. في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،

بورد، داستن. الإسلام في المجتمعات العلمانية وما بعد العلمانية. ترجمة: محمد أعفيف. مراجعة:

الحبيّب، سهيل. العلمانية من سالب الدين إلى موجب الدولة: راهنية مشروع بشارة عربيًا. الدوحة/

س. كوهين، توماس. بنية الثورات العلمية. ترجمة حيدر الحاج إسماعيل. مراجعة محمد دبس.

لويس، برنار. أين الخطأ التحدّي الغربي واستجابة المسلمين. ترجمة: محمد عناني، تقديم ودراسة:

هابرماس، يورغن [وآخرون]. قوة الدين في المجال العام. ترجمة: فلاح رحيم. بيروت: دار التنوير،

الأجنبية

Asad, Talal et al. Is Critique Secular? Blasphemy, Injury, and Free Speech. London: The

Huntzinge, Jacques. Les printemps arabes et le religieux la sécurisation de l’islam.

Rorty, Richard & Gianni Vattimo. Future of Religion , Santiago Zabala (ed.) Columbia:

Townsend Center for the Humanities University of California, 2009.

Paris: Editions Parole et silence, 2014. Roy, Olivier. La laïcité face à l’islam. Paris: Editions Stock, 2005.

Columbia University Press, 2005.