العودة إلى تفاصيل المؤلَّف قراءة الشافعي في سياقه: نحو مقاربة جديدة

قراءة الشافعي في سياقه: نحو مقاربة جديدة

Reading Al– Shāfiʿī in his Context: Toward a New Approach

عبد الرحمن حللي

Abdulrahman Helali

الملخّص

تعرض هذه الدراسة أهم الاتجاهات في مقاربة شخصية الشافعي التي توزعت بين مناقب ودراسات ومحاكمات، وتقترح مقاربةً بديلة تعتمد على قراءة نصوصه ومقارنتها وتحليلها، وفهمها في ضوء سياقها التاريخي وما يمكن أن تكشف عنه بنفسها، وتركز على قضيتين بُنيت عليهما مواقف حادة منه؛ تتعلق الأولى بأثر أعماله وتنظيره لقواعد قراءة النصوص في التعدد والاختلاف، ومن ثم تتناول عناية الشافعي بالسياق، ومراعاته حيثيات النص اللغوية والتاريخية. أما القضية الثانية فهي تتعلق بموقفه من غير المسلم والجهاد؛ إذ تناقش الدراسة رؤية الشافعي للعالم من خلال تنظيره لموضوع الجهاد في الإسلام وأحكام العلاقة مع غير المسلم، وتنتهي إلى أن ما تكشف عنه نصوص الشافعي يختلف عن الأحكام والتعميمات التي تنسب إليه.

Abstract

Abstract: This paper presents the main trends in Al–Shafi’i’s approach, which were divided between studies, praises, and trials. It proposes an alternative approach based on reading, comparing and analysing his texts, and understanding them in the light of the historical context. It focuses on two issues: First: the impact of his work and his theorizing the rules of reading texts in multiplicity and difference (the textual context and historical context as a model). Second: his position on non–Muslims, Jihad, and his worldview through his texts. The paper concludes that the results of analysis Al–Shafii’s texts are against the common rulings attributed to him.

الكلمات المفتاحية:
  • الشافعي
  • السياق
  • الجهاد
  • ظهور الدين
  • الاختلاف
Keywords:
  • Al- Shāfiʿī
  • Context
  • Jihad
  • Non-Muslims
  • Difference

Reading Al– Shāfiʿī in his Context:

Toward a New Approach

بين مناقب ودراسات ومحاكمات، وتقترح مقاربةً بديلة تعتمد على قراءة نصوصه ومقارنتها وتحليلها، وفهمها في ضوء سياقها التاريخي وما يمكن أن تكشف عنه بنفسها، وتركز على قضيتين بُنيت عليهما مواقف حادة منه؛ تتعلق الأولى بأثر أعماله وتنظيره لقواعد قراءة

النصوص في التعدد والاخت ف، ومن ثم تتناول عناية الشافعي بالسياق، ومراعاته حيثيات النص اللغوية والتاريخية. أما القضية الثانية فهي تتعلق بموقفه من غير المسلم والجهاد؛ إذ تناقش الدراسة رؤية الشافعي للعالم من خ لاا تنظيره لموضوع الجهاد في الإس ماا وأحكام العلاقة مع غير المسلم، وتنتهي إلى أن ما تكشف عنه نصوص الشافعي يختلف عن الأحكام والتعميمات التي تنسب إليه.

تمهيد

كان التراث الإسلامي، ولا يزال، فاعلً في الفكر العربي المعاصر، تأثيرًا وتقديسًا واستلابًا،

أو منازعة ونقدًا وتشريحًا، فجمد على مآلاته وارتهن بأحكامه، في حين أنهكه آخرون

حفرًا وتنقيبًا حتى غدا كُتَلً مفككة يصعب إعادة بنائها، إلى حدّ أنْ شُبِّهت بعض مقاربات التراث

ب «المذبحة» التي لم تتوقف، بل تنوعت أشكالها بعدد المُدَى التي أُعمِلت في جسده، وأعيد تخيلُه

مرات عِدَّة بعدد المناظير التي سلطت على الظُّلْمة التاريخية التي أحاطت به، فتخيله السلفيون نسقًا دينيًا طهوريًا تدنَّس تدريجيًا مع تطور الزمان، وقرأه القوميون حركة عروبية، واليساريون نزاعًا طبقيًا،

والثوريون استبدادًا متوارثًا، وبعض المتفلسفين ظلامية ضد العقلانية. وهكذا، قلما نجت مقاربة من نزعة مناقبية أو محاكمة ذات مرجعية، فكرية أو مذهبية أو طائفية أو سياسية. تؤكد هذه الكثافة من الاهتمام المتضاد بالتراث أنه لا يزال حاضرًا وفاعلً، وأنه في حاجة إلى مقاربات

تحاول تجاوز إسقاط القيم المعاصرة عليه، أو الارتهان في قراءته لأفكار مسبقة، أو إنطاقه بما لا يتسع له. ولعل أنجع طريقة لتجاوز هذه المزالق مقاربته من زوايا دقيقة ومحددة، بالاعتماد على نصوصه ومقارنتها وتحليلها، وفهمها في ضوء سياقها التاريخي وما يمكن أن تكشف عنه بنفسها. وهذا ما تسعى إليه هذه الدراسة؛ إذ اتخذت جوانب من شخصية الإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت. 204 ه/ 820 م) موضوعًا للدراسة، نظرًا إلى ما تحتله من مكانة واهتمام في التراث والفكر المعاصرين، كما يوضح المحور الأول

من الدراسة «مقاربات الشافعي: مناقب ودراسات ومحاكمات»، ولما أحاط بشخصية الشافعي من التباس حول أثر أعماله في التعدد والاختلاف، والادعاء أن التنظير لقواعد قراءة النصوص آل إلى قراءة ظاهرية تلغي الاختلاف. يتناول المحور الثاني «عناية الشافعي بالسياق: حيثيات النص اللغوية والتاريخية»، ويناقش المحور الأخير أهم قضية فقهية تنسب إلى الشافعي، وتساق شاهدًا على موقفه المناهض للتعددية، من خلال ما نسب إليه من تعليل الجهاد بالكفر؛ إذ يبحث هذا المحور «رؤية الشافعي للعالم: الجهاد والعلاقة مع غير المسلم»، وذلك بتحليل نصوص الشافعي نفسه وآرائه المنثورة في مجمل أعماله التي وصلت إلينا. والعلاقة بين المحاور الثلاثة تكاملية وليست تركيبية، إذ يوضح المحور الأول سعة الاختلاف في شخصية الشافعي وتناقض مقارباته، وهي تمثل نموذجًا لمقاربات التراث عمومًا. وبطبيعة

الحال، لن تتسع الدراسة لمناقشة ما سأعرضه منها اكتفاءً بما يفهم من المحورين الثاني والثالث من نقد

غير مباشر لها. أما المحور الثاني، فيوضح أن جهد الشافعي في التقعيد والاجتهاد إنما هو محاولة تأويلية لم تُلغِ ما يخالفها، ولم تكن خارج ظروفها وسياقها، في حين يفكك المحور الثالث قضية مشكلة وراهنة تبنى على فكر الشافعي، ويبين أن رؤية الشافعي للجهاد ذات تأويل سياسي للنصوص مرتبط بعصره. ومن مجمل هذه المحاور، يبرر الباحث مشروعية الاعتماد على نصوص التراث لتكشف عن دلالتها التاريخية، مع التحفظ من قراءات التراث بهواجس وقيم معاصرة مسقطة عليه.

(((تم نشر هذا المقال في سياق مشروع البحث العلمي LOEWE الممول من وزارة العلوم والفنون بولاية هيسن الألمانية، وذلك ضمن محور: «تحديد المواقع الدينية: الأنماط والجماعات في السياقات اليهودية والمسيحية والإسلامية»، في جامعة فرانكفورت.

"This article has been published within the framework of the Hessian Ministry for Science and Art funded LOEWE research hub ‘Religious Positioning: Modalities and Constellations in Jewish, Christian and Muslim Contexts’ at the Goethe University Frankfurt."

أولا: مقاربات الشافعي: مناقب ودراسات ومحاكمات

تؤكد كثرة الكتب عن مناقب الإمام الشافعي – التي ناهزت عشرين كتابًا – أهميته؛ لا من حيث الاحتفاء

به فقط، بل – في الآن نفسه – من حيث كونه شخصية خلافية في التراث تنازعتها الآراء والاتجاهات، فاقتضت الدفاع عنه وإبراز مكانته. ومن أهم ما يمكن أن نلاحظه مما أوردته هذه الكتب، ما تميز به علميًا وفقهيًا. فاختلافاته مع المدارس الفقهية في بيئاتها الجغرافية المختلفة التي مر بها في حياته جعلته

يتميز منها جميعًا، فلم يكن من مدرسة أهل الحديث (في الحجاز)، ولا من مدرسة أهل الرأي (في العراق)، اللتين كانتا سائدتين في عصره، وتتلمذ على روادهما، بل إنه – كما عبر عبد الرحمن بن خلدون.(ت 808 ه/ 0614 م) – «مزج طريقة أهل الحجاز بطريقة أهل العراق واختص بمذهب»، فتمكن بخبرته المبكرة بعلم الكلام من أنْ يقدم نمطًا جديدًا من التنظير الفقهي تركَ أثره على من جاء بعده، حتى من غير أتباعه، بل من أتباع أسلافه أيضًا، حتى قارن فخر الدين الرازي (ت. 06/6 ه 2091 م) مكانته في الشريعة بمكانة أرسطو في الفلسفة والمنطق. ويُعَدُّ كتابه الرسالة الأقدم والأهم في التنظير لقواعد البيان وتقنين

أصول التشريع وترسيخ مكانة السنة فيه، بل تركت الرسالة أثرًا في مختلف العلوم الإسلامية، وتوطَّنت

مصطلحاتها في أكثر من علم، بما فيها المصنفات الفلسفية، فاستوحى أبو نصر الفارابي (ت. 933 ه/ 950 م) الكثير من كتاب الرسالة في كتابه الملة. أما مكانة الشافعي في اللغة فمعروفة، حتى عُدَّ حجة فيها، وصنفت معاجم في غريب ألفاظه، ووصفه أحمد بن حنبل (ت. 241 ه/ 855 م) بأنه «فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، والفقه، والمعاني». أما في العصر الحديث، فقد أثير النقاش حول الشافعي ورسالته ومكانته من زوايا مختلفة، فنافح مصطفى حسن عبد الرازق (947–18851) عن مكانة أصول الفقه في الفلسفة الإسلامية، وأكَّدَ بالخصوص على مكانة الشافعي ورسالته، وهو ما تابعه فيه محمد عابد الجابري) 2010–1935(الذي يرى أن «مهمة أصول الفقه هي التشريع للعقل»، وأن «القواعد التي وضعها الشافعي لا تقل أهمية بالنسبة لتكوين العقل العربي الإسلامي عن ‘قواعد المنهج’ التي وضعها ديكارت بالنسبة لتكوين

(((عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، تحقيق علي عبد الواحد وافي، ج 3، ط 7 (القاهرة: دار نهضة مصر، 2014)، ص.951 (((فخر الدين الرازي، مناقب الإمام الشافعي، تحقيق أحمد حجازي السقا (القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية، 9861)، ص.156

(4) Mokdad Arfa Mensia, "Al–Fārābī et la science des uṣūl al–fiqh," Arabic Sciences and Philosophy , vol. 27, no. 1 (March 2017), pp. 139–163.

(((أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري، الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي الذي أودعه المزني في مختصره، تحقيق محمد جبر الألفي (الكويت: إدارة الشؤون الإسلامية، 979.)1 (((الرازي، ص.63 (((مصطفى عبد الرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، تقديم محمد حلمي عبد الوهاب (القاهرة: دار الكتاب المصري؛ الإسكندرية: مكتبة الإسكندرية؛ بيروت: دار الكتاب اللبناني، 2011)، ص 24؛ وعن مكانة الشافعي ينظر: المرجع نفسه، ص 317

وما بعدها، وكان مصطفى عبد الرازق أعدَّ أطروحة الدكتوراه عن الإمام الشافعي أكبر مشرعي الإسلامفي فرنسا 9121 ولم يتمكن

من مناقشتها بسبب الحرب العالمية الأولى، ونشر لاحقًا كتابًا عن الإمام الشافعي، صدر ضمن سلسلة أعلام الإسلام سنة 9451،

ويبدو أنه طبع ضمن: الأعمال الكاملة للشيخ مصطفى عبد الرازق، دراسة وتحقيق عصمت نصار (القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة،.)2019 (((محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، نقد العقل العربي (1)، ط 9 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2009

الفكر الفرنسي خاصة والعقلانية الأوربية الحديثة عامة»، مؤكدًا «تأثير منهج اللغويين والنحاة في الرسالة شكلً ومضمونًا»، معتبرًا أنه «من العبث البحث في المنطق اليوناني أو في الطب والتنجيم

عن السلطة المرجعية التي اعتمدها الشافعي في عمله». من جانب آخر ذهب أوائل المستشرقين الذين درسوا التشريع الإسلامي، مثل إغناتس غولدتسيهر Ignác Goldziher 921–1850(1) – رغم أنه لم يكن اطلع على الرسالة لأنها لم تطبع في حياته – وجوزيف شاخت Schacht Joseph (969–19021)، إلى اعتبار الإمام الشافعي مؤسس علم «أصول الفقه»، بل ذهب نويل ج. كولسون Coulson. J Noel (986–19281) إلى وصف الشافعي بأنه «عملاق» لا يطاول في تاريخ التشريع الإسلامي، قائلً: «كان منهجه إبعاد دواعي الاختلاف، بإقامة نظرية متماسكة تحدد المصادر التي يجب استمداد الأحكام الفقهية منها»، وإنه «لا تكمن عبقرية ابتكار هذه النظرية في تقديم تصورات جديدة تمامًا، بل في إعطاء الأفكار القائمة دلالة وبروزًا جديدين، ثم صهرها داخل خطة تطرد»، ويؤكد جورج مقدسي (2002–1920) ما سبقه إليه غولدتسيهر من ريادة الشافعي في أصول الفقه، ويضيف قوله إن مقصد الشافعي من الرسالة هو إبداع علمٍ يمكن أن يواجه به علم الكلام الذي كان ينحو منحى عقلانيًا معتزليًا، وإبراز مكانة الشرع علمًا مصدره الكتاب والسنة والإجماع

والقياس، بينما يرفض وائل حلاق عزو تأسيس أصول الفقه إلى الشافعي، ويرى أنه كان أول من أكد على اشتمال الوحي على تقييم لأفعال العباد وأرسى مرجعية السنة، وأرسى توفيقًا بين أهل الرأي وأهل الحديث، إلا أن دوره في أصول الفقه هذا كان سيبقى هامشيًا لولا جهود آخرين من بعده، وأن

علم أصول الفقه لا يدين للشافعي نفسه بقدر ما يدين للمذهب الشافعي ورواده كأحمد بن عمر بن سُريج البغدادي (ت. 06/3 ه 918 م)، وأبي بكر الصيرفي (ت. 0/33 ه 942 م)، وأبي بكر القفال الشاشي (ت. 336 ه/ 976 م). وبدءًا من التسعينيات ظهر اتجاه آخر في الدراسات الغربية يميل إلى التشكيك

في صحة نسبة الرسالة إلى عصرها، ويرى أنها تطورت، وينسبها إلى نهاية القرن الثالث الهجري أو

(((المرجع نفسه، ص.100 1(((تؤكد الدراسات هذا التأثير النحوي في رسالة الشافعي، ينظر مثلً: المتولي عوض حجاز، الأصول الكبرى بين سيبويه والشافعي،

حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية، الحولية 36، الرسالة 445 (الكويت: مركز النشر العلمي بجامعة الكويت، 2016)، ص.133 (((1 الجابري، ص.103 1(((ن. ج. كولسون، في تاريخ التشريع الإسلامي، ترجمة محمد أحمد سراج، مراجعة حسن محمود عبد اللطيف الشافعي (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 9921)، ص.83

(13) George Makdisi, "The Juridical Theology of Shâfi’î: Origins and Significance of uṣûl al–fiqh," Studia Islamica , no. 59 (1984), pp. 5–47.

(((1 وائل حلاق، نشأة الفقه الإسلامي وتطوره، ترجمة رياض الميلادي (بيروت: دار المدار الإسلامي، 2007)، ص 170–169، 821؛ وينظر أيضًا:

Wael B. Hallaq, "Was al–Shafii the Master Architect of Islamic Jurisprudence?" International Journal of Middle East Studies (Cambridge University Press), vol. 25, no. 4 (November 1993), pp. 587–605.

ودافع عن فكرته نفسها في آخر مقالاته عن الموضوع نفسه:

Wael B. Hallaq, "Uṣūl al–fiqh and Shāfiʿī’s risāla Revisited," Journal of Arabic and Islamic Studies (JAIS), vol. 19 (December 2019), pp. 129–183.

القرن الرابع، مستندًا إلى عدم ظهور شروح لها أو اهتمام بها طوال القرن الثالث، وإلى مقارنات بينها وبين نصوص أخرى، أو إلى تحليل لمحتواها. وإذ تستمر المقاربة العلمية (أصوليًا وفقهيًا)، أو المقاربة المناقبية لشخصية الشافعي في الدراسات

الإسلامية العربية، فإن الفكر العربي المعاصر شهد تحولً في مقاربته، فلم تعد مكانة الشافعي التأسيسية في أصول الفقه موضوعًا للبحث، إنما قُرئت محاولة الإمام الشافعي في كتابه الرسالة بهواجس معاصرة فكرية أو سياسية تستدعي التاريخ للإدانة أو البراءة من مشكلات لا يزال ينوء الفكر العربي بعبئها التاريخي، فرأى عبد المجيد الصغير أنّ كتاب الرسالة ردّ ضمني على رسالة الصحابة لعبد الله بن المقفع (ت. 2/14 ه 759 م) التي دعا من خلالها إلى مسلك سياسي يحصر الشأن الديني في السلطان، فجاءت رسالة الشافعي لتضع معايير لسلطة علمية تكون مرجعًا للسلطة السياسية، وغيرها مما يتصل بالشأن الديني وفهم النص. وهكذا، كان «من بين أهداف ذلك الشغف بوضع الأصول عند الشافعي، نزع الطابع الشخصي المحض عن مجال تقنين الأحكام وإصدار الفتاوي والأوامر، مع إضفاء الشمولية عليها قدر الإمكان. ثم بالتالي عدم الاحتكام في عملية التقنين والضبط لغير ما هو مشترك ومجمع عليه بين المختلفين، مما يعتبر مصدرًا أصليًا في التشريع». وفي اتجاه آخر، رأى

محمد أركون (2010–1928) نقيض ذلك، وقال إنّ رسالة الشافعي نفسها استجابة لحاجة سياسية كان عبر عنها ابن المقفع، وتابع نصر حامد أبو زيد (2010–1943) بعيدًا في مسلك إدانة الشافعي ومحاكمته، محملً إياه مسؤولية ما يراه انحدارًا في الثقافة الإسلامية نحو منزع ظاهري يعلي من سلطة النص ويحجم الرأي، واتجه إلى تفسير قومي لحالة الشافعي ترجع إلى قرشيته. وبحسب أبو زيد، كان الشافعي «الفقيه الوحيد من فقهاء عصره الذي تعاون مع السلطة السياسية مختارًا راضيًا»، وانحاز إلى

الأمويين لتشبثهم بالعروبة، خلافًا لموقف الفقهاء الآخرين منهم، وتابع ولاءه للسلطة مع العباسيين مع لومهم لاستنادهم إلى الفارسية، ويربط ذلك كله بنسب الشافعي وموقفه من عربية القرآن وقوله بالقرشية في الخلافة. وبخلاف هذه القراءة، تتجه قراءة أخرى إلى الإدانة من وجهة نظر أخرى، هي ادعاء تحول الشافعي من الاعتزال إلى التسنن بعد لقائه بهارون الرشيد (ت. 93/1 ه 809 م)، والتحاقه

(15) N. Calder, Studies in Early Muslim Jurisprudence (Oxford: Clarendon Press, 1993), pp. 223–243; C. Melchert, The Formation of the Sunni Schools of Law, 9 th –10 th Centuries C.E. (Leiden: Brill, 1997), p. 68; C. Melchert, "Qur’ānic Abrogation across the Ninth Century: Shāfiʿī, Abū ʿUbayd, Muḥāsibī and Ibn Qutaybah," in: Bernard G. Weiss (ed.), Studies in Islamic Legal Theory (Leiden: Brill, 2002), p. 96; Joseph E. Lowry, "The Legal Hermeneutics of al–Shāfiʿī and Ibn Qutayba: A Reconsideration," Islamic Law and Society , vol. 11, no. 1 (2004), pp. 1–41; Joseph E. Lowry, Early Islamic Legal Theory: The Risāla of Muhammad ibn Idris al–Shāfiʿī (Leiden: Brill 2007); Pavel Pavlovitch, "The Islamic Penalty for Adultery in the Third Century ah and AlShāfiī’s Risāla," Bulletin of the School of Oriental and African Studies , vol. 75, no. 3 (October 2012), pp. 473–497.

(((1 عبد المجيد الصغير، الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام: قراءة في نشأة علم الأصول ومقاصد الشريعة (بيروت: دار المنتخب العربي، 9941)، ص.157 (1((المرجع نفسه، ص.164 1(((«حوار مع محمد أركون: التراث والموقف النقدي التساؤلي»، مجلة مواقف، العدد 04 (شتاء 9811)، ص.45–44 1(((نصر حامد أبو زيد، الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية (القاهرة: مكتبة مدبولي، 9961)، ص.63–62

بالسلطة، وتحوله من كونه معارضًا معتزليًّا إلى منظّر رسميّ للمذهبيّة السنيّة، فنجح – بحسب هذه

القراءة – في توفير البنية الاستدلاليّة اللازمة لحجيّة كلّ المقولات التي كرّسها أصحاب الحديث.

الغريب، لو سلّمنا بهذا الاستنتاج، أن الشافعي لم يرجع إلى اعتزاليته المدعاة مع توافر الظروف لذلك، وإنما غادر بغداد إلى مصر. وفي «محاكمة» أخرى للشافعي، يقول علي مبروك (2016–1958): «يبدو أن تأسيس الشافعي لعلم أصول الفقه وتدشينه للفعل المعرفي المصاحب هذا التأسيس قد ارتبط – جوهريًا – بالسعي الحثيث إلى القطع كليًا مع الاختلاف، وإقصائه، ومعه الرأي، من الحقل الفقهي،

الذي يبدو أنه كان – قبل الشافعي – ساحة مفتوحة لكل من الرأي والاختلاف». إن هذا الاتجاه الحداثوي لاتهام الشافعي برفض الاختلاف في الرأي، ورفض والتسامح والقضاء عليه، وتحميله مسؤولية نمط من القراءة ساد في التراث الإسلامي، يتجاهل السياقات التاريخية التي تكشف عن الفوضى الفكرية التي كانت سائدة، والعوامل الموضوعية التي وفرت لمدونة الشافعي أن تحظى بمكانة التأسيس والتأثير، وما كان لها أن تكون كذلك لولا المتابعة المعرفية والمنهجية في التقليد الأصولي لمشروعه المنهجي، والتي رسَّخت نظام التقليد الفقهي في المذاهب كلها، وطورت قواعد علم جديد في قراءة النصوص، هو الجدير بالتحليل والنظر، فضبط قواعد للاختلاف ليس نفيًا له، إنما هو تفريق بين

ما يستند من الأقوال إلى دليل معترف به بين المختلفين، وبين إبداء الرأي من غير سند علمي لأسباب شخصية أو سياسية أو طائفية، ولا يمكن بحال أن يفهم من عمل الشافعي أنه ينفي الاختلاف أو يرفض التسامح مع المختلفين لمجرد أنه نظَّر للقواعد والأدلة، لا سيما إذا لاحظنا أن الشافعي نفسه – والذي قنَّن قواعد النظر الفقهي – كان أشهر أئمة المذاهب تغييرًا لآرائه، فالرسالة نفسها أعاد تصنيفها مرتين، واختلفت

آراؤه مع تنقله بين الأقاليم، فعُرِف بالمذهب القديم والمذهب الجديد، بل إن المصادر تنقل تنازع أكثر من فرقة واتجاه في ادعاء انتسابه إليهم، وقد اشتهرت مقولاته في احترام المخالف له واتباع الدليل، ومن يقرأ مدونة الشافعي يلحظ احترامه لمخالفيه، واللغة النسبية في التعبير عن آرائه، وأنه، وإن كان واعيًا

بالدور التأسيسي الذي يقوم به – وهو تقنين أصول التشريع وقواعد بيان النصوص – فإن حاله يؤكد، في الآن نفسه، أنه لا يلغي الاختلاف وإنما يحاول ضبطه بقواعد وأسس منهجية كلية متفق عليها، تستند على نحو أساسي إلى قوانين اللغة وأساليبها عندما يتعلق الأمر بفهم النصوص، وهكذا شغلت مباحث البيان الحيز الأهم من رسالته، بوصفها تقريرًا لأساليب العرب، فابتكر الشافعي مصطلحات في تقنين هذه

((2(ناجية الوريمي، «الرشيد ومصادرة الاختلاف الفكري: محاكمة الشافعي وتحوله المذهبي»، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 2016/6/30، شوهد في 2020/7/28، في: https://bit.ly/2PeU1rn؛ ناجية الوريمي، «بنية خطاب الشافعي وآليات التأسيس»، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 2017/8/24، شوهد في 2020/7/28، في: https://bit.ly/330BE17 (2((علي مبروك، ما وراء تأسيس الأصول: مساهمة في نزع أقنعة القداسة (القاهرة: دار رؤية، 2007)، ص.72 ((2(يمكن الاطلاع على وصف شامل للفوضى التي كانت، من خلال ما كتبه معاصر الشافعي ضرار بن عمرو الغطفاني في كتابه

التحريش، ينظر: عبد الرحمن حللي، «التنوع الديني والطائفي في الفترة الإسلامية المبكرة من خلال كتاب ‘التحريش’ لضرار

بن عمرو الغطفاني (ت. نحو 200 ه/ 815 م)»، أسطور، العدد 01 (تموز/ يوليو 2019)، ص.48–33 (2((من ذلك ما ورد في كتابه جماع العلم: «وليست تدخلني أنفة من إظهار الانتقال: عما كنت أرى إلى غيره إذا بانت الحجة فيه

بل أتدين بأن علي الرجوع عما كنت أرى إلى ما رأيت الحق»، ينظر: محمد بن إدريس الشافعي، جماع العلم (ضمن كتاب الأم)، تحقيق رفعت فوزي عبد المطلب، ج 9 (المنصورة: دار الوفاء، 2001)، ص.11

الأساليب أصبحت عمدة في علوم اللغة وقراءة النصوص من بعده، ومن أهمها مصطلح «السياق»، وهو موضوع الفقرة التالية التي تكشف عن عناية الشافعي بحيثيات النص لغة وتاريخًا، والتي تؤثر في فهمه، وسأعتمد في تقرير ذلك على نصوصه.

ثانيًا: عناية الشافعي بالسياق: حيثيات النص اللغوية والتاريخية

اهتم الشافعي، على نحو أساسي، ب «ضبط أساليب الاجتهاد، ووضع حدود رسوم للمجتهدين»، فاعتنى بقوانين اللغة وأساليبها عندما يتعلق الأمر بفهم النصوص، ورأى أن لكل لغة نظامًا يفهم به خطابها،

ويختلف من لغة إلى أخرى. ولئن كان هذا مفهومًا من عنايته باللغة العربية وتقريره أساليبها، فقد نسب

جلال الدين السيوطي (911 ه/ 0515 م) هذا المعنى إلى الشافعي قولً صريحًا: «ولم ينزل القرآن ولا

أتت السنة إلا على مصطلح العرب ومذاهبهم في المحاورة والتخاطب والاحتجاج والاستدلال، لا على مصطلح يونان. ولكل قوم لغة واصطلاح»، فإصرار الشافعي على عربية القرآن يتنزل في هذا السياق، فهو «لا يقصد ببحثه مسألة كون القرآن عربيًا مجرد البحث النظري أو الاعتقادي، كما فعل مَن بعده

من علماء الأصول، بل يقصد بهذا البحث أن يكون مقدمة نتيجتها التنبيه إلى أن استنباط الأحكام من القرآن يجب أن يكون قائمًا على تفهم الأساليب العربية، لأن القرآن جاء على منهاجها وإن كان أعلى

منها، وعلى طريقة العرب في البيان والإيضاح. لذا، كانت مباحث البيان هي الأهم من رسالته؛ ففيها نعثر على أقدم استعمال اصطلاحي واضح لمفهوم «التأويل» من حيث الدلالة على رأي المجتهد في فهم النصوص المستند إلى احتمال يقتضيه. وهذا المستند الذي يشترطه الشافعي لصحة التأويل، كان الدافع الأساسي لتنظيره، فابتكر مصطلح «السياق» الذي سيغدو مركزيًا في علوم اللغة وأصول الفقه

وقواعد قراءة النصوص. ولا نجد أيًّا من المصادر المنسوبة إلى الفقهاء أو المفسرين أو اللغويين أو

الأدباء من معاصري الشافعي ومَن بعده يتضمن استخدام «السياق» بوصفه مصطلحًا تأويليًّا حتى عودة

المصطلح إلى الظهور، بكثرة، مع محمد بن جرير الطبري (0/31 ه 923 م).

(2((محمد أبو زهرة، الشافعي: حياته وعصره وآراؤه الفقهية (القاهرة: دار الفكر العربي، [د. ت.])، ص.331 (2((جلال الدين السيوطي، صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام، تحقيق علي سامي النشار وسعاد علي عبد الرازق، ج 1، ط 2 (القاهرة: مجمع البحوث الإسلامية؛ سلسلة إحياء التراث الإسلامي، [د. ت.])، ص.48 ((2(أبو زهرة، ص.193–192 (2((عبد الرحمن حللي، «التفسير والتأويل في علوم القرآن: دراسة في المفهوم»، التجديد، الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، العدد 30 (2011)، ص.35–11 ((2 (تتبعت المصادر المنسوبة إلى الأعلام الآتية: مقاتل بن سليمان (ت. 0/15 ه 767 م)، مالك بن أنس (ت. 79/1 ه 767 م)، القاضي أبو يوسف (ت. 82/1 ه 798 م)، محمد بن الحسن الشيباني (ت. 89/1 ه 805 م)، يحيى بن سلام (ت. 200 ه/ 816 م)، أبو زكريا الفراء (ت. 207 ه/ 823 م)، أبو عبيدة معمر بن المثنّى (ت. 209 ه/ 825 م)، الأخفش الأوسط (ت. 215 ه/ 830 م)،

القاسم بن سلام (ت. 224 ه/ 839 م)، أحمد بن حنبل (ت 241.ه/ 856 م)، الحارث المحاسبي (ت. 243 ه/ 857 م)، أبو يوسف بن السكّيت

الدروقي (ت. 244 ه/ 858 م)، الجاحظ (ت. 255 ه/ 869 م)، ابن قتيبة الدينوري (ت. 276 ه/ 890 م)، ابن إسحاق الجهضمي (ت. 282 ه/ 895 م)، ابن رفيع التستري (ت. 283 ه/ 896 م)، محمد بن يزيد المبرد (ت. 285 ه/ 898 م)، فلم أجد سوى استخدام فريد

لأبي عُبيد القاسم بن سلام في كتابه غريب الحديثيستند فيه إلى «السياق» ترجيحًا لبعض المعاني، وعبارته «ولَكِن الحَدِيث الأول لَيْسَ يَجِيء

سِيَاقه ولَ لَفظه على هذَا التَّفْسِير ولَ على هذَا يحملهُ النَّاس»، ينظر: أبو عُبيد القاسم بن سلام، غريب الحديث، تحقيق محمد عبد المعيد خان،

ج 3 (حيدر آباد/ الدكن: مطبعة دائرة المعارف العثمانية، 9641)، ص 31، لكن غياب المصطلح لا يعني بالضرورة عدم وجود فكرته.

يأتي تنظير الشافعي للسياق بعد تقريره المطول «أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره»، وأنه «لا يعلم مِن إيضاح جُمَل عِلْم الكتاب أحد، جَهِل سعَة لسان العرب، وكثرةَ وجوهه، وجماعَ معانيه، وتفرقَها»، ثم بين أنواع الخطاب الذي تعرفه العرب، والذي نزل القرآن على أساليبهم فيه، وخصَّ السياق بوصفه محددًا

لدلالة النوع الرابع من أنواع الخطاب وهو الظاهر الذي «يُعْرَف في سِياقه أنَّه يُراد به غيرُ ظاهره»، وقد

أفرد له لاحقًا عنوانًا مستقلً: «باب: الصنف الذي يُبَيِّن سياقُه معناه»، ويتضح من خلال ما أورده أن ما

يعنيه هو السياق اللغوي/ النصي بوصفه قرينة تحدد دلالة النص، وتوضح مدى اعتبار ظاهره أو إهماله، أو أن ظاهر بعض الألفاظ في النص غير مقصود، أو «الصنف الذي يدل لفظه على باطنه، دون ظاهره»، وأورد ثلاث آيات (الأنبياء: 21، والأعراف: 163، ويوسف 82–81:) أمثلة له، ورد فيها لفظ «القرية»، ولم يكن مدلوله مقصودًا، لورود ألفاظ أخرى في سياق الآيات تجعل ظاهر لفظ القرية غير مقصود، وأن المراد «أهل القرية»، وهو ما عُرف لاحقًا بالمجاز أو دلالة المقتضى التي يحددها السياق. فالسياق هنا هو نفسه ما أصبح يعبر عنه بأنه «ما يسبق أو يلحق ما هو موضوع بيان أو تأويل، أو جملة العناصر البحثية المحيطة بالآية أو الجملة موضوع الدراسة»، وهو ما عبر عنه لاحقًا بالسباق واللحاق. واستعمل الشافعي في الموضع الثاني من الرسالة عبارة «سياق الكلام» في نفي ادعاء احتمالٍ في فهم الآية يخالف ظاهرها، بل يذهب أكثر إلى اعتبار السياق شاهدًا للظاهر، فيعرض سؤال المعترض على استدلاله بالظاهر، «قال: فما في سياق الآية ما يدل على ما وصفتَ؟»، ثم يجيبه. يقرر الشافعي، إذًا، أنّ للسياق وظيفتين؛ الأولى: صرف المعنى عن ظاهر اللفظ إلى معنى باطن يدل عليه سياق الكلام، والثانية: تأكيد السياق المعنى الظاهر ما لم يدل سياق آخر على صرف اللفظ عن ظاهره. تنظير الشافعي للسياق في الرسالة سيبدو أوضح عند الاعتماد عليه بوصفه أداة استدلالية في مباحث الفروع من كتابه الأم، سواء في فهم النص القرآني، أو الحديثي، أو الكلام على نحو عام؛ إذ يستخدمه كأداة لغوية تساعد في فهم النص، تأكيدًا لدلالة ظاهر النص أو العدول عنه إلى أحد احتمالاته، أو تحديد دلالات فعل الأمر، أو قصد المتكلم، أو دلالة الأدوات النحوية، كما نجده في مواطن يقارن بين سياقات آيات مختلفة، أو بين سياق النص اللغوي وظرف نزوله (السياق

(2((الشافعي، الرسالة (ضمن كتاب الأم)، ج 1، ص.20 3(((قال الشافعي: «فإنما خاطب الله بكتابه العربَ بلسانها، على ما تَعْرِف مِن معانيها، وكان مما تعرف من معانيها: اتساعُ لسانها،

وأنَّ فِطْرتَه أنْ يخاطِبَ بالشيء منه عامًّا، ظاهِرًا، يُراد به العام، الظاهر، ويُسْتغنى بأوَّل هذا منه عن آخرِه. وعامًّا ظاهرًا يراد به العام،

ويَدْخلُه الخاصُّ، فيُسْتَدلُّ على هذا ببَعْض ما خوطِبَ به فيه؛ وعامًّا ظاهرًا، يُراد به الخاص. وظاهرًا يُعْرَف في سِياقه أنَّه يُراد به غيرُ

ظاهره. فكلُّ هذا موجود عِلْمُه في أول الكلام، أوْ وسَطهِ، أو آخِرَه. وتَبْتَدِئ الشيءَ من كلامها يُبَيِّنُ أوَّلُ لفظها فيه عن آخره. وتبتدئ

الشيء يبين آخر لفظِها منه عن أوَّلهِ»، ينظر: المرجع نفسه، ج 1، ص.22 (((3 المرجع نفسه، ص.27 (3((المرجع نفسه، ص.28 (((3 محمد إبراهيم أحمد، «السياق والتناص بين علم لغة النص وعلم أصول الفقه»، حوليات آداب عين شمس، مج 04 (تشرين الأول/ أكتوبر – كانون الأول/ ديسمبر 2012)، ص.193–169 (((3 الشافعي، الرسالة، ج 1، ص.267 (((3 المرجع نفسه، ص.268

(((3 الشافعي، الأم، ج 2، ص.97–96 (3((المرجع نفسه، ج 8، ص.110 (3((المرجع نفسه، ص.191 (3((المرجع نفسه، ج 2، ص.469 (4((المرجع نفسه، ج 8، ص.110 (((4 المرجع نفسه، ص.66 4(((الشافعي، الرسالة، ج 1، ص.70 (((4 الشافعي، الأم، ج 6، ص.298 (((4 المرجع نفسه، ج 3، ص.326 (((4 المرجع نفسه، ج 6، ص.536 (((4 المرجع نفسه، ص.407 (4((المرجع نفسه، ج 9، ص.50 (4((المرجع نفسه، ج 6، ص.710 (4((المرجع نفسه، ج 5، ص.215 (5((المرجع نفسه، ج 2، ص.139 (((5 المرجع نفسه، ج 5، ص 933؛ المرجع نفسه، ج 9، ص.305 (5((المرجع نفسه، ص 92.6 (((5 أحمد، ص.193–169 9711)، ص 3–51.5 (((5 الشافعي، الأم، ج 4، ص.180

التاريخي). ومن أمثلة ذلك اعتماده عليه في تأكيد عموم الدلالة (عموم السفَر، عموم الاستثناء) أو خصوصها (تحديد جنس الشهود بحسب موضوع الشهادة)، أو إطلاقها أو تقييدها بحالات أو شروط (تقييد مشروعية صلاة الخوف بالقتال المباح)، وكثيرًا ما يعتمد الشافعي على السياق في ضبط الدلالة، من دون أن يسميه، وقد يعبر عنه ب «الظاهر»؛ إذ نجده في المسألة الواحدة يسمي الشاهد نفسه لما يستدل به «السياق» في مكان، وفي مكان آخر يسميه «الظاهر». ففي الاستدلال لعموم ما يشمله الاستثناء سمّاه في موضع السياق، وفي موضع آخر «ظاهر الكِتَاب»، ومن ذلك عباراته: «وأشْبَهُ الأمرين بظاهر الآية»، «والذي يشبه ظاهر الآيَة»، «والذي هو أشبه بظاهر القرآن»، «وهذا يشبه والله أعلم ظاهر القرآن»، «وهذا أشبه بظاهر القرآن»، كما أنه قد يطلق عبارة «ظاهر القرآن» وهو يقصد ما يدل عليه السياق من عموم اللفظ أو إطلاقه. وقد يعبر بالسياق ويقصد به موضوع النص الأساسي، أو ما يدل عليه ظاهره، أو للإشارة إلى دلالة أو مضمون نص آخر، وكذلك فيما يخص الأخبار التاريخية، وهو أحد معاني السياق التي انتشرت لاحقًا في علم أصول الفقه وهو «ما سيق الكلام لأجله»، ويستخدم هذا المعنى لضبط الحكم المستنبط من النص بما يتناسب مع مقصد إيراده، ويحدد به دلالة فعل الأمر التكليفية،

(((5 أبو حامد الغزالي، شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل، تحقيق حمد الكبيسي (بغداد: مطبعة الإرشاد،

أو كونه أمرًا على سبيل فرض الكفاية، كما يستند إليه في تحديد دلالة الأدوات النحوية كدلالة

الواو على العطف أو الاستئناف. ومما يلفت النظر في مدونة الشافعي أنه لا يكتفي بتحديد دلالة الآية على سياقها الموضعي (السباق واللحاق)، إنما يوسع ذلك إلى عموم النص كالآيات ذات الموضوع أو الألفاظ المتشابهة فيقارن بين السياقين والموضوعين، ويبني الحكم استنادًا إلى سياق كلٍّ وتشابهه مع الآخر، وكأنه يرى القرآن – حال كونه نصًا – سياقًا كليًّا حاكمًا على السياقات الجزئية، بحيث لا يمكن أن يفهم جزء من النص من غير

فهم نظائره في القرآن، ومقارنة سياقات المواضع المختلفة، وقد يربط بين سياقين، فيثبت بأحدهما شيئًا وينفي بالآخر شيئًا آخر. هذه المقارنة للسياقات المتعددة في غير مكان في القرآن لضبط دلالة كل منها، وإن بدت من خلال أمثلة تطبيقية في مدونة الشافعي من غير تنظير لها، فإنها تكشف عن إدراك مبكر للنظر إلى القرآن بوصفه سياقًا واحدًا لا يمكن فهم أجزائه إلا من خلال مقارنة بعضها ببعض، وهي الفكرة التي نظَّر لها أبو إسحاق الشاطبي (ت. 790 ه/ 88 13 م) لاحقًا في الموافقات، وأصبحت أحد المعاني غير الشائع للسياق الموسع عند الأصوليين.

ثالثًا: بين السياق النصي والسياق التاريخي

اصطلاح «السياق» عند الشافعي يخص السياق النصي اللغوي فقط، ووظيفته الرئيسة – كما أشرت – تأكيد ظاهر النص أو العدول عنه لاحتمال من احتمالاته، لكن ذلك لم يُلغِ لدى الشافعي أهمية المعطيات الأخرى من خارج النص (السياق التاريخي) وإمكانية تأثيرها في عدم العمل بالسياق الظاهر ما دام هناك احتمال آخر يرجح خلافه. وتتعدد الأسباب الخارجية التي تجعل الشافعي يعدل عن دلالة السياق الظاهر، فنجده مثلًاعتمد على الإجماع في ترجيح نفي احتمال يشهد له ظاهر السياق، وكذلك اعتمد على السنة – وهي بالنسبة إلى القرآن معطى من خارجه – في العدول عن ظاهر النص، وأمثلة ذلك كثيرة جدًّا في بيانه أن السنة تلغي العموم أو الإطلاق في السياق القرآني الظاهر، وتضبط الدلالة بما هو أضيق وأخص. ونجده أحيانًا يضيف إلى السياق النصي، دلالة السياق التاريخي – وإن لم يسمّه سياقًا – ليكمل الاستدلال. فمثلً، استند في تقريره اعتبار ما تم من عقود بالتراضي مع المحاربين، وإثبات ما يترتب عليها من حقوق، إلى نوعين من السياق: الأول السياق النصي الدال على ثبوت رأس المال وإلغاء الربا في آية حرمة الربا، وقد سماه «سياقًا»، والثاني لم يسمه سياقًا وهو السياق غير النصي، أو التاريخي،

(((5 المرجع نفسه، ج 8، ص.208–207 (5((المرجع نفسه، ج.4152، ص (5((مثال ذلك جوابه عن تفريقه في معنى بلوغ الأجل في العدة بين حالتين، ينظر: المرجع نفسه، ج 6، ص.304 (5((مثاله إمكان التسييب في المعتَق، فيملك نفسه ويصبح حرًّا، ينظر: المرجع نفسه، ج 7، ص.465–460 (6((أحمد، ص.193–169 (((6 الشافعي، الأم، ج 7، ص.610

أو سياق الحال، وهو ثبوت التعامل بالربا في الجاهلية، وهذا الأمر معروف من خارج النص. فهو بهذا المثال قد جمع بين السياقين النصي والتاريخي في تحرير دلالة النص وبناء الحكم، وهو اعتبار آثار العقود الجارية بالتراضي مع المحاربين وهو معنى لا يفيده سياق النص القرآني من دون مراعاة السياق التاريخي. وفي تقريره دلالة آيات قرآنية عِدَّة، نجده يعتمد بوضوح على السياق التاريخي في بيان مدلول ألفاظها، أو موضوعها، أو المَعنِيين بحكمها. فمثلً، يعلل ترجيحه تفسير «أولو الأمر» المأمور بطاعتهم في القرآن (النساء: 95) بأنهم «أمراء سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم»، «لأن كلَّ من كان حوْل مكة

من العرب لم يكن يعرف إمارة، وكانت تأنَف أن يُعْطِيَ بعضُها بعضًا طاعةَ الإمارة. فلما دانت لرسول

الله بالطاعة، لم تكن ترى ذلك يَصلح لغير رسول الله. فأُمِروا أن يُطِيعوا أولي الأمر الذين أمَّرَهم رسول

الله، لا طاعةً مطلقة، بل طاعة مُسْتَثْناة، فيما لهم وعليهم»، وهذا الاستدلال من الشافعي هو إعمال

واضح للسياق التاريخي في العدول عن دلالة لغوية نصية، والأمر نفسه نجده عند تفسيره دلالة آيات أخرى، فيربط معناها بسياقها التاريخي، بما فيها آيات الجهاد، ومن ذلك قوله: «فلم يكن من الناس أحد في أول ما بعث أعدى له من عوام قومه ومن حولهم، وفرض الله عز وجل عليه جهادهم فقال: ﴿وقَاتِلُوهُمْ حتَّى لَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كلُّهُ لِلَّهِ﴾ (الأنفال: 9»)3، «وقال في قوم كان بينه وبينهم

شيء ﴿فَإِذَا انْسلخَ الشْهرُ الْحرمُ فَاقْتلُوا الْمُشْركِينَ حَيْثُ وجَدْتمُوهُمْ وَخذُوهُمْ وَاحْصرُوهُمْ﴾ الآية

[التوبة]5: مع نظائر لها في القرآن»، وعن فهم الأحاديث الآمرة بالقتال قال: «وإنما يراد به – والله تعالى أعلم – مشركو أهل الأوثان، ولم يكن بحضرة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولا قربه أحد من مشركي أهل الكتاب إلا يهود المدينة وكانوا حلفاء الأنصار، ولم تكن أنصار اجتمعت أول ما قدم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إسلامًا فوادعت يهود رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولم تخرج إلى شيء من عداوته بقول يظهر، ولا فعل حتى كانت وقعة بدر»، فهو يفهم الأحاديث، بل يخصص أحكامها بما كان معروفًا تاريخيًا من حياة الرسول وعلاقاته بمحيطه. إنَّ بيان الشافعي معنى الآيات في ضوء سياقها التاريخي لم يكن استثناء بين المفسرين الأوائل، لكن ذلك لا يعني أن الشافعي لم يأخذ بدلالة العموم في الآيات وما يستتبعها من أحكام، لا سيما أنه هو نفسه مَنْ نظَّر للعموم والخصوص، لكن الفارق دقيق ومهم بين تفسير النص نفسه في ضوء سياقه التاريخي، كما تم فهمه في عصر النزول، وبين أن يبنى الحكم على ما يمكن أن يستنبط منه من دلالة ليست نصية بالضرورة، فتفسير النص يتقيد بسياقيه النصي والتاريخي، أما الحكم المبني عليه والذي يشمل ما هو أوسع من السياق، فهو عمل اجتهادي – لا يقف عند دلالة النص نفسه – بل يتسع لمقارنة نصوص متعددة وإعمال للعلل والقياس وغيرها، وهذا الفارق الدقيق يحتاج إلى تعمق

(6((المرجع نفسه، ج 5، ص.708 (((6 المرجع نفسه، ج 1، ص.35 (((6 المرجع نفسه، ج 5، ص.400–399 (((6 المرجع نفسه، ص.401

وتوسع في اجتهادات الشافعي نفسه، ومقارنة تفسيره للنصوص في سياقها وبيان ما استدل له من أحكام بالنص نفسه. فالسياق ليس إلا قرينة من بين أمور كثيرة ينبغي مراعاتها في الفهم وليس حكَمًا

وحيدًا فيها. وعليه فإن تنظير الشافعي للسياق النصي وإعماله في فهم النصوص مع مراعاته السياق التاريخي للنصوص نفسها، كل ذلك يؤكد أن الشافعي لم يكن حرفيًّا أو ظاهريًّا في فهم النصوص، وأن

فهمه لها نسبي اجتهادي، فهو – فيما يبدو لي – يضبط في مرحلة أولى دلالة النصوص في ضوء اللغة والتاريخ، وهذه وظيفة السياقين النصي والتاريخي، وتاليًا يعمم دلالتها اجتهادًا في تنزيل أحكامها على

أزمنة أخرى، وهذه وظيفة الإجماع والتعليل والقياس والأدلة الأخرى، وهي أُمور تختلف فيها الأنظار.

رابعًا: رؤية الشافعي للعالم: الجهاد والعلاقة مع غير المسلم

تنبع أهمية تفكيك هذه المسألة من خلال نصوص الشافعي نفسه أنه يُنسَبُ إليه الرأي الأكثر تشددًا

في الفقه الإسلامي، وقد بُنِيت معظم هذه التصورات عنه على كتب المذاهب اللاحقة وليس على

كتبه، كما أن تلك الكتب تنسب له رأيَيْن، وأنه رجح الأشد منهما، كما أُسِّست على رأيه كثير من

الآراء المتشددة التي تعلل أحكام القتال في الفقه الإسلامي تعليلً دينيًّا. لكنَّ تتبع نصوص الشافعي

المطولة في التنظير للجهاد، وما تضمنته كتبه من بعض الأحكام المتعلقة بالعلاقة بين المسلم وغير المسلم في غير أبواب الجهاد، تُمَكِّن من التمييز في رؤيته بين مستويات من النظر مختلفة، فهو ينطلق

ابتداءً من تحديد موقع الإسلام في سياق الأديان ومستقبله في العالم، ويبني على ذلك رؤيته حول

محورية جغرافية الإسلام في التنظير للجهاد، ودور الحاكم (الدولة) في ذلك، لكن لغته وخطابه في الأحكام المتصلة بالأفراد في قضايا عابرة للأديان والجغرافيا لا تحمل الرؤية والشدة نفسيهما اللتين عبَّرَ عنهما في تنظيره للجهاد بوصفه موضوعًا يتعلق بالجماعة والدولة، وهذا سنحاول تجليته من

خلال تحليل نصوصه واستخراج شواهد لما أشرت إليه.

1. موقع الإسلام في تاريخ الأديان ومستقبله في العالم من منظور الشافعي

أوضح الشافعي تصوره موقع الإسلام وتطوره دينًا في العالم بتفصيل دقيق لم يُسبَق إليه، اعتمد فيه على

بناء رؤية تاريخية ومستقبلية للإسلام تتدرج من بدء الوحي إلى اكتمال أحكام الجهاد، وجعلها مُفصَّلَة

على مراحل، ووضع لكل منها شواهدها من النصوص. ويدل إيراده هذه المراحل في مطلع «كتاب الجهاد والجزية» على تصور تاريخي متكامل لديه تتأسس عليه فلسفة الجهاد، وقد استخرجتُ من كلامه ست عشرة مرحلة أرَّخ بها تطور الإسلام من بدء الوحي إلى اكتمال أحكام الجهاد وظهور الدين،

وهي كما يلي:.1 بدء الوحي واصطفاء الرسول الخاتم. 2. استمرار الوحي من غير تكليف بالدعوة.

(((6 استخدم الشافعي تعبير الجهاد وتعبير القتال في السياق نفسه بمعنى واحد. (6((المرجع نفسه، ص.399–361

.3 تكليف الرسول بالدعوة وعصمته من الناس..4 أمره بالثبات والصبر بعد أن استهزأ به قومه..5 إعلام النبي أن من قومه من لا يؤمن به..6 تثبيت النبي إذ ضاق من أذاهم. 7. الأمر بالتبليغ فقط، وتوجيه المؤمنين أن لا يسبوا الأنداد. 8. الأمر باعتزال المشركين عندما يستهزئون بآيات الله. 9. الإذن بالهجرة الأولى (الهجرة إلى الحبشة.) 0.1 الإذن بالهجرة إلى المدينة، ولم يأذن للمؤمنين بالجهاد..11 الإذن للمؤمنين بالجهاد. 2.1 فرض الهجرة من دار الشرك..13 الإذن للمؤمنين بأن يبتدئوا المشركين بقتال..14 الاستثناء لحالات من فرض الهجرة..15 فرض الجهاد بعد امتلاك القوة وبيان تفاصيل من أحكامه..16 إظهار دين النبي على الأديان.

مستمرة في نظره بعد ختم النبوة.

(6((المرجع نفسه، ص.362

إن رؤية الشافعي لتطور الإسلام من خلال تلك المراحل التي ربط فيها بوضوح بين الآيات القرآنية وسياقها التاريخي، تتأسس في إطار رؤية كلية أوسع لديه ذات بعد عالمي تكويني مرتبط بتصوره للإرادة الإلهية لتطور العالم، فهو يرى أن الاصطفاء الإلهي لخاتم النبيين مرتبط بآل إبراهيم الذين كان فيهم الأنبياء من قبل، وفي هذا حجاج غير مباشر ضد مقولة حصرية الاصطفاء ببني إسرائيل من آل إبراهيم، وفي تأكيده مفهوم الأميين، وأنهم من يقابل أهل الكتاب يؤصِّل عالمية بعثة الرسول، والتي تشملهما، وبتعبير واضح يلخص رؤيته يصف دعوة النبي (صلى الله عليه وسلم) بقوله «فتح به رحمته وختم به نبوته»، ما يعني أنه يرى أن الرحمة الإلهية كانت مغلقة على أتباع الأديان الكتابية، وجاءت الدعوة المحمدية تفتحها لتشمل الأميين أيضًا (العالم)، وهذا يقتضي ختم النبوة، ونسخ الأديان، وهو من معاني ظهور الإسلام لديه. فتشريع الجهاد في هذا المستوى من التنظير لديه يتنزل في سياق التدبير الإلهي لسنن التدرج في ظهور الإسلام من بدء الوحي إلى اكتمال التشريع وظهور الدين، وهي مهمة

2. «ليظهره على الدين كله» بين الديني والسياسي

يربط الشافعي إخبار القرآن عن إظهار الدين بتشريع الجهاد، وهو بذلك يُحَمِّله – فيما يبدو – بعدًا يتجاوز المعنى الديني المجرد ليحمل معنى سياسيًا ورمزيًا يتماشى مع سعة رقعة بلاد الإسلام في

عصره التي كان شعار الفتوحات ورموز الخلافة فيها هو إظهار الدين، فالشافعي يتَأوَّل ظهور الإسلام بجريان حكم الإسلام على أهل الكتاب والأميين (أي الذين ليسوا من أهل الكتاب)، مستشهدًا لذلك بفتوح بلاد الشام وفارس، والتي يروي بشأنها بشارات وردت عن النبي، وفي تأكيدٍ على منزعه الاجتهادي في فهم الآية المتعلقة بظهور الدين وتحويله دلالتها من خبر إلى تكليف، يورد احتمالً آخر لا يرجحه أن يكون معنى الآية «ليظهرن الله عز وجل دينه على الأديان حتى لا يدان الله عز وجل إلا به وذلك متى شاء الله تبارك وتعالى». إن ما يؤكد هذا البعد الرمزي والسياسي لظهور الدين لدى الشافعي، هو المكان الذي فصَّلَ فيه ذلك من كتابه، حيث أورده في مطلع «كتاب الجهاد والجزية» الذي يعقب «كتاب قسم الفيء والغنيمة» ويسبق مباحث تتابع الحديث أصالةً عن أحكام الأموال التي تتصرف فيها الدولة وما يتعلق بها من حقوق؛ كأموال الحربي، وأموال أهل البغي والجزية. وفي ثنايا هذه المباحث، يرد ذكر تفاصيل بعض الأحكام الأخرى، مما يعطي دلالة أساسية مفادها أنّ التنظير الأساسي لموضوع الجهاد وظهور الدين إنما يأتي في سياق أمور تتصل بالدولة والحكم، وهي القضية المركزية الموجهة، وينبغي أن تفهم كل التفاصيل في سياقها، لا سيما مع استخدام تعابير صريحة في هذه المباحث دالة على أن معنى «ظهور الدين» هو معنى سياسي، من مثل: «حكم المسلمين الظاهر»، و«حكم الإسلام الظاهر» وغير ذلك، فهو يستخدم معنى ظهور الإسلام أو المسلمين بمعنى الحكم والغلبة السياسية، ويبني على توفرها بعض الأحكام التي يذكرها في تلك السياقات، كأحكام الاستعانة بغير المسلمين في القتال. ويمكن أن نجد في مدونة الشافعي أفكارًا واصطلاحات مركزية أخرى تؤكد هذا المعنى الرمزي لظهور الدين، وخصوصًا عندما يتحدث عن بلاد الإسلام، وحكم الإسلام، وما يقره الإسلام من أديان، وما يعقده الحاكم من معاهدات، وغير ذلك مما يحيل على بعد سياسي ورمزي. فالشافعي ينظر إلى الأديان بوصفها جماعات في بلاد المسلمين لها حقوقها المفصلة، وطبيعة المواثيق والمعاهدات معهم أساسية في تفاصيل هذه الحقوق، وللحاكم صلاحيات مهمة في هذا المجال بشرط ألا يتنازل لغير المسلمين عن شرط أساسي، هو: «أن يجري عليهم حكم الإسلام»، ويقصد به إقرارهم بسلطة الإسلام السياسية

6(((الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ ودَِينِ الْحَقِّ ليُظْهِرَهُ علَى الدِّينِ كُلّهِولَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة.)33: ((7(أشير في هذا الإطار إلى أنّ أول دينار ذهبي تمّ سكّه في عهد عبد الملك بن مروان عام 77 للهجرة حفر عليه بالخط الكوفي

«محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله.» (7((الشافعي، الأم، ج 5، ص 3.97 ((7(المرجع نفسه، ص.399 ((7(المرجع نفسه، ص 527،.548

عليهم، ورمز ذلك هو دفع الجزية، وهو معنى الصغار، وكأنه يرى هذا الإقرار بحكم الإسلام هو نفسه معنى ظهور الإسلام الذي أشار إليه. إن مركزية فكرة «ظهور الدين» لديه جعلته يتفرد ببعض الأحكام التي تدعم هذا التوجه، فهو يحصر قبول الجزية في مَن كان من أهل الكتاب قبل الإسلام أو تناسل منهم، ولا يرى قبول الجزية ممن

تنصر بعد الإسلام، ولئن كان يبني رأيه هذا على الأخبار عمّن أُخذت منهم الجزية من قبل من عرب أو عجم، فإنّ رأيه منسجم مع رؤيته لظهور الإسلام، ذلك أنه لو تنصر الوثنيون وأصبحوا أهل كتاب وأخذت منهم الجزية سيحول ذلك دون ظهور الإسلام، وكذلك تفريقه بين أهل الكتاب وأهل الأوثان رغم وصفه الفريقين بالمشركين – كما هو شائع لدى المتقدمين – وإن استند إلى تأويل الأخبار فيما يبدو، إلا أنه يُفهم أكثر على أنه تفريق سياسي أيضًا مرتبط برؤيته بخصوص ما يُمَكِّن من «ظهور الدين». إنّ مشروعية الجهاد مرتبطة لديه بأمرين: «أحدهما أن يكون بإزاء العدو المَخُوفِ على المسلمين من يمنعه، والآخر أن يجاهد من المسلمين من في جهاده كفاية حتى يسلم أهل الأوثان، أو يعطي أهل الكتاب الجزية»، فهو يربط القتال بمنع العدو والتمكين من ظهور الإسلام بإسلام أهل الأوثان وخضوع أهل الكتاب لحكم الإسلام، وهو في الحالتين يتحدث عن الجماعات التي تواجه المسلمين، وكل تنظيره عن الجهاد إنما يتنزل في الحديث عن جماعات متحصنة وممتنعة ومناوئة. لذا، يمكن للحاكم إذا اقتضت المصلحة ترك القتال والموادعة على النظر حتى من دون مقابل، بل لو اضطر المسلمون في ظروف خاصة إلى أن يدفعوا لكف عدوهم فلهم ذلك. إنّ ما تحمله هذه الشواهد من دلالات سياسية لا يلغي أن الشافعي كان صريحًا في تعليله القتال بالكفر في مدونته، لكن ما أحاجُّ به هنا أن هذا التعليل الديني شكل يكتنف عللً سياسية ويلتبس بها، بقرينة ما أوردته وما سأورده من أحكام مختلفة تخص الأفراد، على أن هذه التعليلات الدينية لا تقتصر على الشافعي، فنحن نجدها في كتب المذاهب الأخرى أيضًا، ولا سيما فيما يتعلق بأحكام المرتد، وأرى أنها ينبغي أن تفهم جميعًا في سياق التنظير لأحكام تتصل بالدولة التي تتولى حراسة الدين.

3. العلاقة بين المسلم وغير المسلم في قضايا عابرة للجغرافيا والأديان

إن مما يؤكد المعنى الرمزي السياسي لظهور الدين ما يقرره الشافعي نفسه من أحكام عندما يتعلق الأمر بحالات يكون الدين فيها ظاهرًا، فهو في هذه الحالة لا يجد حرجًا فيما يراه الحاكم في التعامل

مع غير المسلم ما دام مقدورًا عليه ف «يجوز للحاكم أن يأخذ الجزية من المجوسي ويُقِرَّه على دينه

((7(المرجع نفسه، ص 416،.504 ((7(المرجع نفسه، ص.410 ((7(المرجع نفسه، ص.436 ((7(المرجع نفسه، ص.383 ((7(المرجع نفسه، ص.451–450

ويجوز له بعد القدرة على الحربي أن يدعه بلا قتل»، فقدرة الحاكم وعدم امتناع غير المسلم أيًّا كان دينه مركزيان في العلاقة مع غير المسلم من منظور الشافعي، وينبغي أن يفهم جميع تنظيره من خلالهما. بل إن مواقف الشافعي من العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين على مستوى الأفراد وفي العلاقات الاجتماعية مع غير المسلمين تبدو مختلفة، وغير متأثرة بموقف الدولة منهم كجماعات معادية في دار الحرب – وإن وُسموا ب «الكفار» – فما يجوز للأفراد من التعامل (غير السياسي) مع غير المسلمين يجوز في كل الأحوال «حيثما كان محاربًا، أو مهادنًا، أو معطيًا للجزية لا فرق بين ذلك»،

لكن الشافعي كره الزواج في بلاد الحرب لأسباب تتعلق بالأمن والسلامة. بل إنه يرى إمكان مشاركة المشركين في الغزو مع المسلمين، وأن في ذلك سعة بحسب المصلحة، واستدل بأن صفوان بن أمية شهد حنينًا بعد الفتح وهو مشرك، فهو لم يقتل لأنه وثني (كما يقتضي التعميم الذي يفهم من ظاهر كلام الشافعي)، إنما استعين به في معركة يخوضها المسلمون مع أعدائهم، ويرى الشافعي أن ذلك مشروع في كل وقت بحسب ما يراه الإمام، بل إنه يذهب إلى أن العلاقات التجارية الظاهرة تقتضي الأمان تلقائيًا حتى إن كان التاجر قادمًا من دار الحرب؛ إذ يقول: «وإذا دخل قوم من المشركين بتجارة

ظاهرين فلا سبيل عليهم لأن حال هؤلاء حال من لم يزل يُؤمَّنُ من التجار». وقد حصر الشافعي من تجب عليه الجزية بمن يتأتى منه القتال (وهم الرجال البالغون) فلا جزية على النساء والصبيان، وهذا تعليل غير ديني يتوافق مع رأي الفقهاء الآخرين، بل إن الشافعي يذهب إلى جواز وصية المسلم بماله: «أن تبنى كنيسة ينزلها مار الطريق، أو وقفها على قوم يسكنونها، أو جعل كراءها للنصارى أو للمساكين»، ويرى أنه «ليس في بنيان الكنيسة معصية إلا أن تتخذ لمصلى النصارى الذين اجتماعهم فيها على الشرك»، ويتابع قائلً: «وأكره للمسلم أن يعمل بناء أو نجارة أو غير ذلك في كنائسهم التي لصلواتهم»، بل «لو أوصى بثلثه [ماله] لبعض أهل الحرب جاز؛ لأنه لم يحرم أن يعطوا مالً، وكذلك لو أوصى أن يفتدى منه أسير في أيدي المسلمين من أهل الحرب»، ويخوض الشافعي في بيان تفاصيل من الأحكام في أبواب مختلفة، تتعلق بحقوق غير المسلمين من محاربين، أو مهادنين، أو مستأمنين، أو ذميين، ويلاحظ المتأمل في كلامه انتفاء ما يمكن أن يبنى عن التعميم الذي يطلقه الشافعي في أحكام الجهاد، بقتال غير أهل الكتاب حتى يسلموا، وأهل الكتاب حتى يدفعوا الجزية؛ إذ يبدو، من خلال مقارنة مواقفه، أن أحكام القتال التي فصَّلها ترجع إلى فكرة محورية لديه هي «ظهور الدين» وهذا الظهور سياسي مرتبط بالحكم مقابل جماعات تهدده؛ فحيثما كان الإسلام ظاهرًا، كانت ثمة سعة فيما

دونه مما يتعلق بأحكام الأفراد غير المسلمين ما دامت هذه الأحكام تنتظم في سياق المعاهدات والمواثيق.

((7(المرجع نفسه، ج 3، ص.609 ((8(المرجع نفسه، ج 5، ص.435 ((8(المرجع نفسه، ص.383 ((8(المرجع نفسه، ص.712 ((8(المرجع نفسه، ص.413–412 ((8(المرجع نفسه، ص.510 ((8(المرجع نفسه، ص.511

خاتمة

إن استحضار السياق التاريخي الذي عاش فيه الشافعي يُمَكِّن من فهم دوره، وفهم أفكاره، ونصوصه على نحو أفضل وأكثر انسجامًا بعيدًا عن المناقب أو المحاكمات، ذلك أنّ الحيثيات التاريخية اقتضت أن تبرز شخصية تمتلك المؤهلات التي يتميز بها الشافعي؛ فعلى المستوى العلمي كان ثمة تطلع إلى معايير علمية للجدل تمكّن من تجاوز الفوضى في الرأي الديني والعبث به أحيانًا، ولم يكن ذلك يخص قواعد فهم النصوص فقط، بل ضبط ما يعتمد من النصوص نفسها. لذا، لم يكن الشافعي الوحيد الذي ناقش هذه المسائل، فقد خاض فيها المتكلمون، كالمعتزلة وغيرهم، لكن الشافعي تمكّن من نسج رؤية متكاملة تركت بصمتها، وحققت الغاية المنتظرة في ضبط الأدلة والتقعيد اللذين يمكن أن يدور الخلاف في فلكهما. وفي السياق العلمي الأعم، لم يكن الشافعي استثناءً في ضبط العلوم،

فقد كان عصره هو عصر الضبط والتقعيد، على مستويات عدة؛ كاللغة، والعروض، والنحو، بل كان ثمة مشتركات بين تلك العلوم إن لم تكن مقترضات متبادلة، فما أورده الشافعي فيما يخص السياق (اللغوي والتاريخي) كان النحويون واللغويون واعين به في مجال اشتغالهم، وكانت تدل على هذا المعنى لديهم اصطلاحات أخرى ف «مفهوم السياق في معنى الظرف الخارجي يرادفه في التراث العربي كلّ من المقام والحال والموقف»، ويعدّ الكتابلسيبويه (ت. 80/1 ه 796 م) شاهدًا مبكرًا على الاهتمام

بسياق الحال في المجال اللغوي: «لم يصرح سيبويه بمصطلح سياق الحال، ولكنه عبر عن مفهومه من خلال ألفاظ عدة تكرر ذكرها في سائر أجزاء الكتاب، ومعظم هذه الألفاظ تدور حول الكلام والمتكلم والمخاطب، وهناك ألفاظ أخرى نحو التباس وملتبس ونية، وهي تتصل بمدى التفاهم والتواصل الذي يتم بين المتكلم والمخاطب أو انعدام هذا التفاهم»، كما «استعمل سيبويه مصطلحًا تكرر في أكثر من موضع هو مصطلح (الحال) ويُعد أقدم مصطلح في التراث العربي والنحوي يقترب من مفهوم سياق الحال، ولعل هذا المصطلح عند سيبويه يرجع إلى أستاذه الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت. 701 ه/ 786 م»)، هذا الاهتمام بسياق الحال والمقام عند سيبويه واضع قواعد «علم النحو» لن يكون غائبًا

عند معاصره الشافعي واضع «علم الأصول» الذي بادر إلى وضع اصطلاح «السياق» المتصل بالنص، واكتفى بما هو معهود عند الفقهاء والمفسرين من مراعاة أحوال النزول ومعهود المخاطبين. وعليه، فاتهام الشافعي بالقضاء على الاختلاف في الرأي بين المسلمين لا يحظى من العلمية إلا بقدر ما يمكن أن يتهم به منظرو العلوم فيما كشفوه من قواعد تنظمها. أما على المستوى السياسي، فقد عاش الإمام الشافعي في ظل إمبراطورية إسلامية واسعة ممتدة شرقًا وغربًا، كانت محور العالم، وكان ينظر إليها على أنها تحمل راية الإسلام، حيث كان الدين هو معيار تميزها، والإسلام هو شعارها، وكانت علاقة المسلمين بغير المسلمين إما علاقة بأقاليم مناوئة (دار الحرب/ دار الكفر)، وإما علاقة بأفراد وجماعات ضمنها (دار الإسلام)، وكانت لكل

(8((عبد الفتاح البركاوي، دلالة السياق بين التراث وعلم اللغة الحديث ([د. م.]: دار المنار للطبع والنشر والتوزيع، 1991)، ص.30 (8((أسعد خلف العوادي، سياق الحال في كتاب سيبويه: دراسة في النحو والدلالة (عمان: دار الحامد، 2011)، ص.231

من الصنفين أحكام منتظمة وممارسات مستقرة يتفاوت انضباطها بأحكام الشرع، وتطغى فيها المصالح المادية على المصالح الدينية أحيانًا، فجاءت التنظيرات الفقهية لهذه المسائل بغية ضبطها بما تقتضيه أحكام الشريعة، فكان الشافعي أول من نظَّرَ لمسائل الجهاد من منظور تاريخي واسع وشامل، وكان تنظيره في إطار الحديث عن أحكام تخص الجماعة والحاكم، ورأى أن العنوان السياسي المستقر هو «ظهور الدين»، فبنى رؤيته للجهاد بوصفه مهمة تتولاها الجماعة لتحقيق غاية سياسية هي ظهور الإسلام، وربط هذه الغاية بفهم ديني تاريخي لرسالة الإسلام هو ظهور رمزي سياسي يعني الغلبة والحكم. لذا، كانت الأحكام المتعلقة بالأفراد أو الجماعات، فيما دون ذلك وفي ظل ظهور الإسلام، مختلفة وكان فيها من السعة والتسامح ما يبدو مناقضًا للشدة واللغة الحاسمة التي استخدمها الشافعي نفسه في التنظير للجهاد، ولا يمكن فهم ذلك إلا بالتمييز بين مستويين؛ أولهما يتعلق بأحكام تتصل بمسؤولية الحاكم (العلاقات السياسية) وهو الذي يفهم في إطاره تشدد الشافعي، وثانيهما يتصل بالعلاقات غير السياسية التي يباشرها الناس، وهو المستوى الذي يعيشه الناس على اختلافاتهم الدينية والجغرافية وفق أسس تعاقدية تصان فيها الحقوق. لم يكن قصدنا في هذه الدراسة أن نطلق أحكامًا جديدة على الشافعي وأعماله، لا تبجيلً ولا إدانة، بل نرى أن إعادة قراءة منجزه في سياقه إنما هو مدخل ضروري لفهمه كما هو، لا كما تطور مذهبه أو تأوله قُرَّاؤه، وهذا لا ينفي أن هذه المقاربة هي الأخرى تأويلية أيضًا، لكن أحسب أن نصوص الشافعي كما تتبعتها تبرز جانبًا آخر من شخصية الشافعي لم يُلحظ من قبل، سواء من حيث فك الارتباط بين دوره

التأسيسي في التقعيد لفهم النصوص وبين ما بني على هذا الدور من مقولة الجمود ونفي الاختلاف المنسوبة إليه، أو من حيث التمييز في كلامه على الجهاد بين ما يتنزل في حقل التنظير السياسي لأحكام تتصل بالجماعة (الدولة) من جهة، وما يتصل بعلاقات الأفراد من جهة أخرى، ولا يمكن في هذا المحور الثاني أن تقارن مواقف الشافعي أو غيره بشأن العلاقة بين المسلم وغير المسلم في ضوء الرؤية الحديثة التي تجاوزت الرؤية التاريخية حتى في الخطاب الفقهي المعاصر، لكن العلمية تقتضي تحرير المسألة لما يبنى عليها ولما فيها من التباس. إن فهم الشافعي في سياقه، لا يسهم فقط في إنصافه، ووضع أفكاره في سياقها، بل يُمَكِّن أيضًا من الإفادة منها ومن تجاوزها في آنٍ، ذلك أنّ القطيعة مع تراثه الراسخ في العقلية الفقهية عبر التاريخ غير ممكنة، وغير علمية أيضًا، إذ يمثل مكونًا من مكونات المعرفة الدينية على اختلاف مذاهبها واتجاهاتها، فالمقاربة العلمية للتراث إنما تكون بفهم نصوصه في سياقها، بما يسمح بفهم خلفياتها وتنسيبها، ويُمَكِّنُ من استثمار المناهج وتجاوزها دون الارتهان إلى نتائجها، فالشافعي الحجازي، فالعراقي، فالمصري، كان سيكون شافعيًا آخر في أيّ فترة تاريخية، أو بقعة جغرافية، لو قدر له أن يكون

فيها مجتهدًا من جديد. وفي كلمة، يمكن القول إن أفضل طريقة تُمكِّن من تجاوز الشافعي هي منهج الشافعي نفسه.

المراجع

العربية

دائرة المعارف العثمانية،.1964

شمس. مج 04 (تشرين الأول/ أكتوبر – كانون الأول/ ديسمبر.)2012

(شتاء.)1981

تحقيق: محمد جبر الألفي. الكويت: إدارة الشؤون الإسلامية، 979.1

لقصور الثقافة،.2019

والتوزيع،.1991

الوحدة العربية،.2009

الإسلامية العالمية بماليزيا). العدد 30.)2011(

بن عمرو الغطفاني (ت. نحو 200 ه 815– م)». أسطور. عدد). 2019(10

References

ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة. تحقيق علي عبد الواحد وافي. ط 7. القاهرة: دار نهضة مصر،

ابن سلاّم، أبو عُبيد القاسم. غريب الحديث. تحقيق محمد عبد المعيد خان. حيدر آباد/ الدكن: مطبعة

أبو زهرة، محمد. الشافعي: حياته وعصره وآراؤه الفقهية. القاهرة: دار الفكر العربي، [د. ت.]. أبو زيد، نصر حامد. الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية. القاهرة: مكتبة مدبولي،.1996 أحمد، محمد إبراهيم. «السياق والتناص بين علم لغة النص وعلم أصول الفقه». حوليات آداب عين

أركون، محمد. «حوار مع محمد أركون: التراث والموقف النقدي التساؤلي». مجلة مواقف. العدد 4 0

الأزهري، أبو منصور محمد بن أحمد. الزاهر في غريب ألفاظ الشافعيالذي أودعه المزني في مختصره.

الأعمال الكاملة للشيخ مصطفى عبد الرازق. دراسة وتحقيق عصمت نصار. القاهرة: الهيئة العامة

البركاوي، عبد الفتاح. دلالة السياق بين التراث وعلم اللغة الحديث. [د. م.]: دار المنار للطبع والنشر

الجابري، محمد عابد. تكوين العقل العربي. نقد العقل العربي (1). ط 9. بيروت: مركز دراسات

حلاق، وائل. نشأة الفقه الإسلامي وتطوره. ترجمة رياض الميلادي. بيروت: دار المدار الإسلامي،

حللي، عبد الرحمن. «التفسير والتأويل في علوم القرآن: دراسة في المفهوم». مجلة التجديد (الجامعة

_________. «التنوع الديني والطائفي في الفترة الإسلامية المبكرة من خلال كتاب ‘ التحريش ’ لضرار

الرازي، فخر الدين. مناقب الإمام الشافعي. تحقيق أحمد حجازي السقا. القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية،.1986 السيوطي، جلال الدين. صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام. تحقيق علي سامي النشار وسعاد علي عبد الرازق. ط 2. القاهرة: مجمع البحوث الإسلامية، سلسلة إحياء التراث الإسلامي، [د. ت.]. الشافعي، محمد بن إدريس. الأم. تحقيق رفعت فوزي عبد المطلب. المنصورة: دار الوفاء،.2001 ________. جماع العلم (ضمن كتاب الأم). تحقيق رفعت فوزي عبد المطلب. المنصورة: دار الوفاء،

________. الرسالة (ضمن كتاب الأم). تحقيق رفعت فوزي عبد المطلب. المنصورة: دار الوفاء،

الصغير، عبد المجيد. الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام. بيروت: دار المنتخب العربي،.1994 عبد الرازق، مصطفى. تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية. تقديم محمد حلمي عبد الوهاب. القاهرة: دار الكتاب المصري؛ الإسكندرية: مكتبة الإسكندرية؛ بيروت: دار الكتاب اللبناني،.2011 العوادي، أسعد خلف. سياق الحال في كتاب سيبويه: دراسة في النحو والدلالة. عمان: دار الحامد،

عوض حجاز، المتولي. الأصول الكبرى بين سيبويه والشافعي. حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية. الحولية.36 الرسالة.445 الكويت: مركز النشر العلمي بجامعة الكويت، 7/143 ه.2016 الغزالي، أبو حامد. شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل. تحقيق حمد الكبيسي. بغداد: مطبعة الإرشاد،.1971 كولسون، ن. ج. في تاريخ التشريع الإسلامي. ترجمة محمد أحمد سراج. مراجعة حسن محمود عبد اللطيف الشافعي. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر،.1992 مبروك، علي. ما وراء تأسيس الأصول: مساهمة في نزع أقنعة القداسة. القاهرة: دار رؤية،.2007 الوريمي، ناجية. «الرشيد ومصادرة الاختلاف الفكري: محاكمة الشافعي وتحوله المذهبي». مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث. 2016/6/30:. في https://bit.ly/2PeU1rn ________. «بنية خطاب الشافعي وآليات التأسيس.» 2017/8/24. مؤمنون بلا حدود للدراسات

والأبحاث. في: https://bit.ly/330BE17

الأجنبية

Calder, N. Studies in Early Muslim Jurisprudence. Oxford: Clarendon Press, 1993. Hallaq, Wael B. "Was al–Shafii the Master Architect of Islamic Jurisprudence?" International Journal of Middle East Studies (Cambridge University Press). vol. 25, no. 4 (November 1993). ________. "Uṣūl al–fiqh and Shāfiʿī’s risāla Revisited." Journal of Arabic and Islamic Studies (JAIS). vol. 19 (December 2019). Lowry, Joseph E. "The Legal Hermeneutics of al–Shāfiʿī and Ibn Qutayba: A Reconsideration." Islamic Law and Society. vol. 11, no. 1 (2004). Lowry, Joseph E. Early Islamic Legal Theory: The Ris ā la of Muhammad ibn Idris al– Sh ā fi ʿī. Leiden: Brill, 2007. Makdisi, George. "The Juridical Theology of Shâfi’î: Origins and Significance of Uṣûl al–Fiqh." Studia Islamica. no. 59 (1984). Melchert, C. The Formation of the Sunni Schools of Law, 9 th –10 th Centuries C.E. Leiden: Brill, 1997. Mensia, Mokdad Arfa. "Al–Fārābī et la science des uṣūl al–fiqh." Arabic Sciences and Philosophy. vol. 27, no. 1 (March 2017). Pavlovitch, Pavel. "The Islamic Penalty for Adultery in the Third Century ah and AlShāfiī’s Risāla." Bulletin of the School of Oriental and African Studies. vol. 75, Issue. 3 (October, 2012). Weiss, Bernard G. (ed.). Studies in Islamic Legal Theory. Leiden: Brill, 2002.