الأبعاد الفلسفية والفكرية للأوبئة من خلال روايتي
Philosophical and Intellectual Dimensions of Epidemics Seen Through the Novels The Plague and Blindness
الملخّص
نحاول في هذه الدراسة مناقشة فكرة الوباء، وما ينبثق منها من أسئلة وجودية متعلقة بعبث الحياة وقلق الموت، وذلك بالعودة إلى روايتين فلسفيتين: الأولى الطاعون لألبرت كامي، وما تعج بها من أحداث مستفزة تقض مضجع الذات المطمئنة وتوقظ السؤال المطمور في أعماقها؛ فهي رواية ترفض الاطمئنان إلى أجوبة الميتافيزيقا وتهدم الجواهر الثابتة والأقانيم الأفلاطونية. وسيكون من باب الادعاء القول بأن الفلسفة - مع كامي- ما زالت تتربص بالحقيقة بغية الوصول إلى الجوهر الثابت المتخفي وراء الصيرورة؛ لأن الإنسان يبدو شريدًا في عالم بلا مراكز ولا حقائق. أما الرواية الثانية فهي العمى لجوزيه ساراماغو؛ تلك الرواية المرعبة التي تقتبس من الأساليب السريالية احترافها للرمز المفعم بالألغاز، حيث يضعها الكاتب أمام القارئ ويدعوه إلى فك شفراتها بغية سبر أغوار الذات وفضح معاناتها مع السلطة الجاثمة على أنفاسها. فمن خلال حديث ساراماغو عن العمى، باعتباره وباء يصيب بلدة صغيرة، يكشف عن أشكال الاستلاب والاغتراب التي تشذ بالفرد عن جوهره الحر والمسؤول، وتزج به في متاهات تحجب عنه رؤية الحقائق. ولعله أراد بذلك أن يبين مدى استفحال أساليب العنف والتنميط Profiling في الحياة المعاصرة التي تتخذ من الديمقراطية والحداثة قناعًا تتستر به عن آلياتها التدجينية.
Abstract
Professor of Philosophy, Qualifying Secondary Education, Morocco.
- الطاعون
- العمى
- ألبرت كامي
- جوزيه ساراماغو
- الوباء
- فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19).
- Plague
- Blindness
- Albert Camus
- Jose Saramago
- Epidemic
- Corona
- Covid-19.
ب مراكز ولا حقائق. أما الرواية الثانية فهي العمىلجوزيه ساراماغو؛ تلك الرواية المرعبة التي تقتبس من الأساليب السريالية احترافها للرمز المفعم بالألغاز، حيث يضعها الكاتب أمام القارئ ويدعوه إلى فك شفراتها بغية سبر أغوار الذات وفضح معاناتها مع السلطة الجاثمة على أنفاسها. فمن خ لاا حديثه عن العمى باعتباره وباء يصيب بلدة صغيرة، يكشف عن أشكال الاستلاب والاغتراب التي تشذ بالفرد عن جوهره الحر والمسؤول، وتزج به في متاهات تحجب عنه رؤية الحقائق. ولعله أراد بذلك أن يبين مدى استفحال أساليب العنف والتنميط Profiling في الحياة المعاصرة التي تتخذ من الديمقراطية والحداثة قناعًا تتستر به عن آلياتها
التدجينية.
lying in wait for the truth in order to arrive at the fixed essence hidden behind the becoming, because man appears to be absent in a world without centers or facts. We have also invoked José Saramago’s Blindness , a terrifying novel whose surrealist methods in the mastery of symbols brimming with mysteries, which the author presents the reader, inviting her to decipher codes and probe depths of the self to expose forces constricting the breath. Saramago writes on blindness as an epidemic afflicting a small town and revealing the forms of banishment and alienation that divert the individual from his free and responsible core and casts him into labyrinths that obscure the facts of reality from him, suggesting that violence and profiling runs rife in contemporary life and uses democracy and modernity as a mask to conceal its taming mechanisms.
مقدمة
زعزعت جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–) مجمل اليقينيات وبعثرت الحسابات
البشرية، ووضعت الإنسان في عري تام مع ذاته، ولم تنأ السيناريوهات المرعبة عن المشهد، والتي تعبر أذهان المواطنين وتبعث فيهم رعشة الخوف من المجهول. فالإنسان الذي يتبجح بقدراته الفائقة، ويتغنى باستحواذه على الطبيعة وطمس حقوق بقية الكائنات الأخرى، أصبح اليوم يتوارى خلف الأبواب المغلقة خوفًا من فيروس مجهري؛ مشهد درامي يعيدنا إلى تاريخ الأوبئة وبقاياها في الذاكرة، والتي ظن العلم المعاصر أنه تجاوزها. يرفع وباء كوفيد 19 اللثام عن الخبايا التي حجبتها قوانين الربح والرأسمال، وانتهت بالفرد مغتربًا عن ذاته، وكأنه حجر نرْد تحركه قوى الاستهلاك وتقذفه بعيدًا عن المعنى والسعادة. وحتى لا ننغمس في
نقد الرأسمالية وضروب الاغتراب Alienation المحيطة بها – وهو الأمر الذي حذّر منه الفلاسفة – فإننا حاولنا في هذه الدراسة تركيز اهتمامنا على سؤال الوباء والجروح التي تتفتق بمجيئه؛ وذلك عبر التطرق إلى المخيال الذي رصد الوباء في أقصى مداه، ومقارنته بما نعيشه اليوم. وقد تفيدنا الرواية الفلسفية في هذا المضمار كثيرًا؛ بوصفها جنسًا أدبيًا يحمل بين طياته أسئلة فلسفية محايثة لوجودنا. حينما بدأ (كوفيد 19–) ينتشر مبتلعًا ضحاياه، ارتفعت مبيعات الروايات التي تقارب موضوع الأوبئة، وانساق الفرد يبحث عن أحداث تشبه ما نعيشه؛ فنحن نقرأ، في آخر المطاف، ما يشبهنا ويستطيع فهم مشاعرنا وتطلعاتنا ويستوعب معاناتنا؛ أي إننا نقرأ كتابًا يجيد الإنصات لكل ما يعترينا من أفكار
وأحاسيس نعجز عن البوح بها حتى لأنفسنا. فكانت روايات الأوبئة ملاذًا، يضم جراحنا ويضمدها. إن تفكير الإنسان، أصبح يحصر نفسه في تأمل إنتاجات الإنسانية ويهتم بميادين أكثر مردودية من الفلسفة الخالصة، ويبرر ذلك بلا جدوى بعض الأسئلة التي تزج بنا في متاهة قد تقضّ مضجع الذات، وتخلق لها ارتباكًا وغموضًا لا يرتوي بتاتًا، وتخلق عوالم تتشظى أمامها جميع الحقائق ويغيب الاطمئنان المعرفي. إننا أصبحنا نميل إلى الجاهز وإلى الأسئلة التي نجد لها أجوبة مباشرة، نخاف من
القلق والتفكير؛ وهذا ما جعل مجموعة من المواضيع الجوهرية تنحسر من اهتمامات الفكر المعاصر إلا لمامًا، فلم يعد سؤال الوجود الإنساني يتصدر اهتمامات الفلسفة، بقدر ما أصبحنا نراها تهتم بما ينتجه الإنسان من علم واقتصاد وسياسة... إلخ. إن الأسئلة الوجودية المتعلقة بالقلق والموت والعبث والمعنى مطمورة في قاع سحيق، تنتظر من يدفعها إلى السطح، تترقب تراجع التفاهة والضوضاء الفكرية لتنشط من جديد، فهي لم تغادرنا بتاتًا. ولعل تجربة المرض أو الخوف من المرض هي فرصة لنعانق تلك الأسئلة. لهذا ارتأينا العودة إلى روايتين تقاربان الأوبئة، بحيث يبدو الإنسان داخلهما وحيدًا في مواجهة قلقه، وما يهمنا من الروايتين رصد فكر جريء، لا يشعر بأي إحراج وهو يصرح مباشرة بأنه جاء ليوقظ الذات من اطمئنانها واستكانتها للأجوبة الجاهزة، وهو الفكر الذي نحتاج إليه اليوم ونحن نعيش تجربة كورونا بوصفه وباء مستجدًا قد يفتح لنا آفاقًا أخرى لقراءة ذاتنا وقراءة النظام العالمي بطريقة مغايرة. بناء عليه، حاولنا تقسيم المقال إلى ثلاثة محاور؛ بحيث يناقش المحور الأول رواية الطاعون The Plague للأديب والفيلسوف ألبرت كامي Camus Albert (1960–1913)، بما هي رواية تطرح سؤال العبث والموت، وتحط بنا الرحال في دوامة الإنسان السيزيفي وهو يحمل أثقاله بلا هدف يرجى منها، كما تضع نصب أعيننا إشكالية الحجر وما تضمه من مخاوف حول هيمنة السلطة التي قد تحوّل ظرفًا استثنائيًا إلى حالة مستمرة. فالحجر Quarantine هو فرصة للحد من انتشار الوباء، لكنه في
الوقت نفسه قد يسمح للسلطة بتحقيق حلم الدولة في توسيع سيطرتها على الأذهان والأجساد، خاصة عندما تستغل الأمر لصالحها للتغلغل في خصوصيات الأفراد. أما المحور الثاني، فيتضمن التعريف برواية العمى Blindness للمفكر والكاتب جوزيه ساراماغو Saramago José (010–19222)، وذلك عبر الحديث عن الرموز المبثوثة في روايته، والتي تنم عن مدى رفضه للحياة المعاصرة وإدانته لما يعتبره منافيًا للعدالة الإنسانية، إذ صرنا عميانًا داخل نظام رأسمالي يبتلع الكل ويصعب الخروج من
شراكه، وهو ما أراد أن ينبهنا إليه ساراماغو بطريقة سردية درامية، يحبك فيها أحداثًا برموز برع في إبداعها. وبقدر ما كانت روايته نقدًا للحياة المعاصرة، كانت أيضًا دعوة للعودة إلى جوهر الإنسان في نقائه، وتأكيدًا للتضامن والإحساس بالمسؤولية تجاه الآخر؛ بغية الخلاص من نظام لا يرى في الفرد سوى وسيلة للإنتاج. تجسد روايتا الطاعون والعمىمقاربة الفلسفة للأسئلة الوجودية الكبرى، والبحث عن مخرج من شراك الاغتراب والرأسمال، عبر استدعاء قيم التضامن والمسؤولية؛ ما يدفعنا إلى تأمل تقاطعات الروايتين مع ما نعيشه اليوم. فليست جائحة كورونا مجرد وباء، وإنما هي عودة إلى الوجود وإلى إعادة النظر في علاقتنا بذاتنا وبالطبيعة، هي تحذير من السلطة المهيمنة، ودعوة لرؤية العالم بعيون جديدة. لذلك ارتأينا في المحور الثالث الحديث عن جائحة كورونا بوصفها حدثًا يقربنا من ذواتنا، ويمنحنا لحظة صمت قد نتأمل فيها دواخلنا ونستبطنها، كما يجعلنا نعيد النظر في أحكامنا بشأن مقولتَي الشرق والغرب.
أولا: رواية الطاعون بين قلق الموت ومعاناة الحجر الصحي
تكشف رواية الطاعونعن هشاشة الوجود وعبثيته، ويقدم من خلالها ألبرت كامي مشاهد سوداوية قاتمة، مستقاة من الحياة الإنسانية، تُترجم الصراع بين اليأس والمقاومة، بين القلق من الموت واللامبالاة؛ إذ تبدأ الرواية بتصوير مشاهد مأساوية من مدينة وهران بالجزائر الغارقة في الروتين والقذارة، فالأزبال متناثرة في كل مكان، ونظرات الأفراد باردة تنم عن روح تغترف من الخوف والمعاناة؛ أفراد يتناسلون ويعملون ليقتاتوا، ويعودون في المساء وهم يعانقون أجسادهم المتعبة، بحثًا عن بعض التسلية في مقاهٍ باتت تعرف قصة الإنسان البائس المتصدع بأحلامه المؤجلة وخيباته المتكررة. لم يصف كامي مدينة وهران، مبينًا الكآبة المحيطة بكل تفاصيلها، عبثًا، والتي تفضح تيهان الإنسان، وهو يجر خطواته البائسة ويترنح بملامحه الشاحبة وروتينه القاتل، وإنما أراد أن يبين مدى سيزيفية الفرد الحامل لصخوره المثقلة بالخسارات والإخفاقات بلا جدوى؛ إنه الوجود العبثي الذي يُخفي حقيقة الإنسان بفيض من المعاني والدلالات المزيفة، والذي غالبًا ما نُصدر عليه أحكامًا توهم التاريخ بوجود
الحقيقة والمعنى. ولتقديم فلسفته وما يعج بها من أسئلة وجودية تَهُم الحياة والموت، ينسج أحداثًا تفضح مدى ضآلة الإنسان وهشاشة وجوده؛ إذ فجأة تظهر جثث فئران تغطي الأسطح والطرقات، وقد أثارت انتباه الدكتور برنار ريو Rieux Bernard، حيث تكاثرت هذه الجثث لتبدأ التساؤلات حول أسبابها وانتهت بتباين الآراء إزاءها بين منكر لحقيقة وجودها مثل البواب: «أوقف البواب الطبيب متهمًا بالمزاح الثقيل أناسًا وضعوا وسط الممر ثلاثة جرذان ميتة»، ومن يعتبرها حدثًا عاديًا لا يستحق إعارته أي اهتمام، لكن هناك موقف ثالث يمثله الإنسان المرهف بوعيه وحدّة ملاحظته وهو موقف الطبيب ريو، بحيث ألح على ضرورة التوقف من أجل فهم الحدث الذي يستلزم التفكير والتساؤل وتشخيص الأسباب تشخيصًا علميًا؛ لأن المسألة غير مرتبطة فقط بفئران ميتة، وإنما الأمر قد يغدو إشارة إلى وباء
سيشخصه ريو بأنه الطاعون، خاصة إبان إعلان مجموعة من الناس عن إصابتهم بأعراض مرضية غريبة كانت الحمى القاتلة عنوانًا لها. لقد جاءت كلمة «الطاعون» محمّلة بالذاكرة التاريخية المجروحة التي تنزف كلما تذكرنا تاريخ الأوبئة ومدى فظاعتها، وهي تعد الإنسان بالموت الزؤام، مذكرةً إياه بمفاهيم القدر والحتمية، ولذلك يقدم كامي أبطال الرواية وهم يقارعون الموت، منتظرين العدم. بعدما كانت مدينة وهران تغرق في هدوئها وروتينها ممتهنة العادة، يحل ضيف «الطاعون» من دون استئذان؛ ففي البداية بدأت الفئران تتناثر جثثًا، منذرةً بقدوم واقعة مميتة، ثم ينتقل الوباء إلى الإنسان ويصبح كل واحد يمثّل خطرًا على الآخر،
وأضحت الحميمية والتقارب إنذارًا بالموت، فأن يكون الموت معديًا ذلك أفظع قدر يواجهه المرء: ف «المثير للانتباه هو أن الركاب، بقدر استطاعتهم، يولون ظهورهم بعضهم تجاه بعض تجنبًا لأي
عدوى».
(1) Albert Camus, La peste (Paris: Gallimard, 1947), p. 16. (2) Ibid., p. 113.
وُضعت وهران داخل الحجر مغلقة حدودها، وصارت تعاني العزلة والضياع، حيث بدأت الأخبار
تتقاذفها وأصبح الأفراد تائهين بين المزيف منها والحقيقي، وشرعت التأويلات تتنافس محاولةً القبض على أسباب قدر بات يبتلع ضحاياه بلا رحمة. في هذا السياق، يعظ الأب بانولو الناس مخاطبًا: «ظهر
هذا البلاء لأول مرة في التاريخ لمعاقبة أعداء الرب، إذ كان فرعون يعارض التعاليم المقدسة، فخر راكعًا من الطاعون، منذ بداية التاريخ والطاعون يجبر المتكبرين والعميان على الركوع، تأملوا واتعظوا واركعوا للرب»؛ عندما يحل وباء على منطقة ما تُعتبر ملعونة، تقدم أفرادًا باعتبارهم كبش فداء، وعلى كل شخص أن يعي هذا العقاب الرباني ويأخذ العبرة محصنا نفسه من المعاصي والخطايا والشرور المحيطة به، يقول الراهب: «لقد تآلف العالم مع الشر لزمن طويل، معتمدًا على رحمة الرب، فيكفي أن تندم لتنال رضاه»، يكون الوباء هنا لحظة تصفية حسابات لأن مغفرة الرب وصلت إلى مداها، ويريد الآن أن يقتص لنفسه بمعاقبة الأشرار وإعلان الحرب عبر تسليط الأوبئة عليهم. يُعتبر المرض إذًا لعنة، ولا سيما إن كان معديًا، فإضافة إلى الألم وانتظار النهاية، يعانق المريض الرفض وابتعاد الآخرين عنه في أسى عميق، منعزلً في معاناته ووحيدًا في آلامه وكأنه يختبر الموت قبل الموت، لتختفي الحياة فجأة وتُطمس الأحلام في ومضة شاردة، إذ يواجه الفرد حقيقة الموت وهو يتشظى بين الدين والعلم، تارة يبحث في أرشيف أفعاله وخطاياه عن مبرر لمرضه، وتارة أخرى ينصت إلى العلم وإلى التفسيرات العقلية الخاصة بالوباء المتسلل إلى جسمه. ولقد كان الطبيب ريو في رواية الطاعونبمنزلة الشخصية العلمية الباحثة عن حل للأزمة، وأبدى حرصًا شديدًا على التنقيب عن دواء للطاعون، وطفق يصارع ويقاوم القدر في تحد يرفض الاستكانة إلى التأويلات اللاهوتية التي لم تعد تقنع حتى رجال الدين أنفسهم، يقول ريو: «لو كنت أومن بإله قادر على كل شيء، لتوقفت عن مداواة الناس، تاركًا له هذه المهمة». فالمرض شأن إنساني يُحتم التفكير والبحث عن علاج من دون الاستغراق في التفسيرات الميتافيزيقية التي لن تساهم في – نظره
– إلا في تثبيط العزائم وكبح جماح الإرادة؛ ولذلك يطل علينا ريو من وراء صدمة الطاعون، متخذًا الصراع والتحدي طريقًا للبحث عن مخرج، حيث سيساهم في اكتشاف دواء يقضي على الوباء.
1. الطاعون وقلق الموت
يفتح الطاعون سؤال الموت على مصراعيه، ويغذي في الإنسان القلق منه، وقد ينتشله من نسيان فرديته ولامبالاته بحقيقة وجوده، فالموت وحده قادر على إسباغ صفة العبثية والعرضية على حياتنا، والزج بنا في أسئلة فلسفية وجودية؛ إذ إن هشاشتنا أمام الفناء هي دافع نحو التفلسف، لأن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعرف سلفًا أنه ميت ويحمل معه هذا الثقل والخوف ويئده في عمق ذاته مستغرقًا في الحياة اليومية. تفوح الحياة برائحة الموت، لكن الجديد الذي تأتي به الأوبئة هو تعليمنا شم رائحة الموت، وكأنها تنمي إحساسنا وترهف مشاعرنا، فإما نتشرنق في ذهول وترقب، وإما نعتبرها فرصة لإعادة ترميم الذات عبر الفكر والفلسفة.
(3) Ibid., p. 91. (4) Ibid., p. 92. (5) Ibid., p. 120.
سبق أن نبهَنا مارتن هايدغر Martin Heidegger (1889–1976) إلى اللامبالاة التي تسم حياتنا، وكشف عن الاغتراب والتيهان المطبقَين على الإنسان المنغمس في اليومي والمستسلم لدوامة المجتمع في بلاهة وشرود، تجعلان منه مجرد شبيه للآخر ولا يستطيع أن يكون نفسه. توجد الذات إذًا وجودًا غير حقيقي، تكون على شاكلة غير المستغرقة في الحاضر، بحيث «ينسى الدازين Dasein محدوديته، ويعيش معظم وقته وجودًا زائفًا مستغرقًا في اللامبالاة، فيفقد ذاته ويصبح ‘ضميرًا مبنيًا للمجهول’
موضوعًا بين موضوعات». وخلال تحليل هايدغر لهذا الوجود الزائف، وظف مفاهيم من شأنها إبراز المسكوت عنه في الخطاب الميتافيزيقي، بوصفه خطابًا متخمًا بالزيف والوهم؛ لأنه أخطأ الوجهة وبات رديفًا لنسيان الكينونة. حينما نتحدث عن هايدغر، يتبادر إلى أذهاننا نقده لتاريخ الفلسفة؛ لأنها نسيت الكينونة وانغمست في الموجود، إلى أن صارت هذه الفكرة بمنزلة عنوان لفلسفته، لكن ما معنى نسيان الكينونة؟ وكيف تحصل عملية الاستذكار؟ يرى هايدغر أن الإنسان كينونة لأجل الموت، بحيث يعيش تجربة محدودة في الزمان، « يتجذر الدازين في التاريخ عندما يكون على علم بأنه فان ومحكوم عليه بألا يعيش سوى تجربة محدودة في التاريخ»، فالوجود الحقيقي للفرد يكون منوطًا بالوعي بمحدوديته حيث يعيش تجربة القلق الوجودي ويستشعر معها قلق الموت، لذلك يعتبر هايدغر أن الموت هو التجربة الأصيلة لكن الذات تعمد خلال حياتها اليومية إلى نسيان هذه الحقيقة الموجعة. لا غرو أن هايدغر قام بتقويض الميتافيزيقا على نحوٍ جذري، وحاول تدمير مفاهيمها الكبرى ومبادئها (الروح، اللوغوس، العقل)، وانتقد الحياة المعاصرة لأنها مجرّد انجذاب تامّ نحو العدم وفقدان
المعنى، ولذلك وجب تدمير أسس الميتافيزيقا عبر التضحية بالإرث العقليّ وبالفلسفة نفسها،
واصفًا ذاته بالمفكّر وليس بالفيلسوف، فنهاية الميتافيزيقا استتبعتها نهاية الفلسفة. إن هذه النتيجة القاتمة التي أودت بتاريخ الفلسفة منذ سقراط Socrate (480 ق. م 99–3 ق. م) وأفلاطون Plato (427 ق. م 47–3 ق. م) إلى حدود فريديريك نيتشه Nietzsche Friedrich (1844–1900) لا تمنعنا من الأخذ ببعض استنتاجات فلسفته؛ فعلى الرغم من حدة النقد وربما المبالغة في توسيع مفهوم الميتافيزيقا بحيث أصبح يشمل العقل والعلم والتقنية وكل ما أنتجه الفكر، فإننا في حاجة إلى أنطولوجيا هايدغر، من أجل جعل الإنسان يعود إلى موقعه داخل الوجود باعتباره جزءًا ينتمي إليه،
وليس مركزًا ينتج حقائق ويحنطها. تكتسي فلسفة هايدغر طابعًا سلبيًا، تهدم وتعري التاريخ، بحيث يظهر الإنسان وحيدًا بلا عزاء، ولكنها
تحمل أيضًا أفقًا إيجابيًا تتبلور معه رؤية جديدة، تمّحي أمامها فلسفة الذاتية والحضور، ولربما حديثه
المسهب حول نسيان الفلسفة للكينونة ودعوته إلى استذكارها هو إدانة لما آلت إليه الإنسانية التي ركزت اهتمامها على إنجازات الإنسان، ولم تعر وجوده بغموضه واستفهاماته أي اهتمام؛ إذ «تغاضت الفلسفة
(6) Christian Delacampagne, Histoire de la philosophie au XX e siècle (Paris: Seuil, 1995), p. 105. (7) Ibid., p. 105.
عن التفكير في مسألة الموت التي تقض مضجعها، وتناست محدودية الإنسان في الزمان، وأصبحت لا تهتم إلا بالإنسان وبطموحاته وإنجازاته وبما يؤكد ذاته، أي أصبحت نزعة إنسانية»، وهو ما جعلها أسيرة تأويلات ليست إلا استيهامات الذات المتفائلة بقدراتها المعرفية، وأصبحت تحصر نفسها في حيز ضيق لكنه مريح. إن استذكار الكينونة ليس أمرًا هينًا بل هو عملية تزج بنا في دوامة القلق ومواجهة
الأسئلة الوجودية في تراجيديتها لأن الحياة في حقيقتها بلا هدف وبلا وجهة: «إن الإنسان لا يوجد حقًا، وبكيفية أصيلة إلا إذا كان مثل الوردة يحيا بدون لماذا، إلا إذا اقتنع بضرورة مسايرة لعبة الوجود، والتخلي عن السؤال لماذا، تعني حياة خالية من الحافز ومن الهدف، ومن الغاية [...] ذلك لأن الإنسان في أعمق أعماق وجوده محروم من الغاية». تبدو الحياة في صميمها شيئًا عبثيًا وقد أخطأت
الفلسفة عندما أرادت البحث عن النظام والجوهر محاوِلةً إضفاء المعنى على الكينونة، فكل ما قامت به مجرد وهم وإسقاطات ذات باحثة عن الهروب من قلقها. ويُعتبر الموت شاهدًا على العبث، ولا غرابة أن نجده يؤثث مشاهد شتى من رواية الطاعونما دام كامي فيلسوفًا يؤمن بخلو الحياة من الهدف ويؤكد لامعقوليتها وانفلاتها من كل فهم إنساني. فالمنحى الذي سارت عليه فلسفته يعدّ منعطفًا، يتميز بالكشف عن مأساوية الوجود عبر تخليصه من المقاربات الميتافيزيقية التي دأبت على إضفاء طابع المعقولية والغائية على وجودنا. و يبدو أنه أراد إرساء معالم فلسفة العبث، عبر تحويل السؤال الفلسفي من سؤال ماهوي يبحث عن الثابت وراء الصيرورة، والحقيقي وراء العرضي، إلى سؤال ما الجدوى من الحياة. وقد استلهم في هذا السياق أسطورة سيزيف، ذلك البطل التراجيدي الذي لم يتوان في حمل صخرته المتدحرجة دائمًا والتي تسقط كلما حاول الصعود بها إلى القمة؛ فالإنسان هو سيزيف نفسُه، يحمل عذابه ويتحمل أعمالً لا فائدة لها ولا هدف يرجى منها، وخلال رحلته الروتينية المتربصة بالمجهول ينسى ذاته. يعيش الإنسان في شرود بروح باردة، يلهث نحو العدم، لكن في بعض الأحيان يعود إلى ذاته وتتجلي أمامه عبثية الحياة ولاجدواها، وتتبخر فجأة كل المجهودات التي تعاند بحثًا عن المعنى، بحيث ينساب الاغتراب مطبقًا على صدر الأفراد، ومعلنًا أن كل ما عاشه وما سيعيشه هو نسيان محض للموت ومساكنته بغية القدرة على الاستمرار بعيدًا عن القلق الوجودي. فما يوقظ عذاب المرء وآلامه هو الوعي الذي ينتاب المرء بلامعقولية وجوده، ومعرفته بأن كل ما يقوم به آيل إلى السقوط، وترصد رواية الطاعونهذه المشاعر القلقة، ولن نفهم مغزاها إلا في ضوء فلسفته، يصرح الراوي: «صار الجميع يمشون ويعيشون مع المعاناة والشكوى وكأنها هي اللغة الطبيعية للناس». فوهران المنغمسة في أعمالها اليومية يباغتها الطاعون، وتنبثق مشاهد القلق من الموت وكأن كل ما كان يقوم به الأفراد ليس إلا أضغاث أحلام، والواقع أسوأ من كل التصورات، بحيث يحفه الغموض والسؤال والعبث، ولا أحد قادر على انتشال الذات من الأسى المتجذر في أعماقها.
(((عبد الرزاق الدواي، موت الإنسان في الخطاب الفلسفي المعاصر (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1992)، ص.44 (((المرجع نفسه، ص.63
(10) Camus, pp. 106–107.
قد تبدو رواية الطاعوننصًا محفوفًا بالمآسي ويعمه التشاؤم والسوداوية، لكن الأمر لا يخلو من التفاؤل
والإقبال على الحياة على الرغم من أزمنتها العسِرة؛ لأن المسعى الفلسفي الذي كان ينشده كامي ليس تأسيسًا لفكر استسلامي خاضع وخانع أمام القدر، بل هو مقاومة وتمرد من أجل مواجهة عبثية الوجود ولا معقوليته. وهذا ما يكشفه في روايته من خلال تقديم شخصيات تعكس نظرته إلى الواقع والحياة، وتفضح قناعاته الراسخة، خاصة عندما ننصت إلى النقاشات القائمة بين ريو وصديقه تارو Taro الذي يبدي تفهمًا واضحًا لريو ويقاسمه وجهات نظره يقول تارو: «نعم أستطيع فهمك، ولكن انتصاراتك
ستكون دائمًا مؤقتة، هذا كل شيء، فاكفهرّ وجه ريو: دائمًا، أدركُ ذلك، ولكن هذا ليس مبررًا لإيقاف
الصراع»، وهنا نصل إلى جوهر فلسفة كامي المتعلق بالمقاومة والتمرد على واقع لا يفتأ يمطرنا بوابل من الخيبات ويسخر من ضعف الطبيعة البشرية، لكن في آخر المطاف، ما يميز هذه الأخيرة قدرتها على الانزلاق بمرونة على حواف الحقيقة، ممارسةً فعل الإرادة والتمرد على كل هوية مزعومة؛ ولذلك لم يتوان في رسم معالم الشخصيات وهي تواجه مصيرها؛ تارة تئن من هول الحدث وتارة أخرى تتحدى الأمر بالانخراط في البحث عن مخرج ينقذ الناس منه. يرفض كامي إسباغ صفة التشاؤم على فلسفته؛ فعلى الرغم من تأكيده عبثية الحياة وتراجيديتها، فهو لا يحبذ الحل الشوبنهاوري الذي دافع عن فكرة الانتحار للتخلص من المأساة. ذلك أن الانتحار في نظره هو استسلام لعبثية الحياة التي قد نأخذها بجدية أكبر، إذا وضعنا حدًا لحياتنا، ولذلك كلما ضعفت الذات ووهنت كانت ضحية للحياة وصارت جثة طرية جاهزة لافتراسها. كما يرفض كامي الانتصار للعالم الماورائي؛ إذ لم يستسغ هذا الحل مطلِقًا عليه عبارة الانتحار الفلسفي Philosophical Suicide، ذلك أن إبداع عوالم أخرى من شأنه خلق شرخ بين الذات وذاتها، عبر الزج بها في وهم هو بمنزلة تنويم للهروب بدلً من المواجهة. وفي هذا المضمار، اختار طريقًا ثالثًا قائمًا على التمرد والمقاومة والثورة؛ وهو الاختيار الذي لا مناص منه للاحتجاج ضد العبث، فنحن نعي لامعقولية الوجود لكن نتمرد عليه ونجازف إلى حد تخوم الموت عبر اجتراح الحياة بالفكر والمعرفة والسخرية، وفي انتظار الموت نعيش اللحظة بعمقها ونحاول فك ألغازها. إن فلسفة كامي إذًا هي فلسفة حياة، قبول بالوجود وتمرد عليه، وهو ما نستشفه من بطل الرواية ريو الطبيب المقاوم الذي عايش الموت وشاهد الجثث المتناثرة، وأدرك صعوبة الوباء المتفشي، لكنه ظل يقاوم ويرفض الاستسلام لقدر بات يبتلع الأفراد واحدًا تلو الآخر، لينجح في اكتشاف علاج للمرض ويكون بذلك شاهدًا على فرحة الناس «كان ريو يستمع إلى صيحات الفرح والمرح التي تملأ المدينة، وكان يتذكر دائمًا أن هذه الفرحة مهددة، ذلك أنه كان يعرف ما يجهله الجمهور، إذ بمقدور المرء قراءة الكتب ليكتشف أن قصيمة الطاعون لا تندثر»، كما سبق أن أشار كامي على لسان تارو وريو إلى أن الانتصار دائمًا مؤقت، وعلى الإنسانية مواجهة الأمر والقبول بالصراع بوصفه عنوان الحياة.
(11) Ibid., p. 121. (12) Ibid., p. 279.
2. الطاعون والحجر الصحي
انتشر الطاعون، وأغلقت مدينة وهران أبوابها، وأعلنت السلطة حالة الحجر، وصار الفرد مختبئًا من
مصير قد لا تُحمد عقباه: «عندما أغلقت الأبواب، أدرك جميع الناس، وفيهم الراوي نفسه، أنهم جميعًا أصبحوا عالقين، وينبغي تدبير أمرهم، وهكذا تولَّد فجأة شعور فرديّ غريب، يشبه شعور الانفصال عن
كائن عزيز، ليصير هذا الشعور يخص شعبًا بأكمله». اتخذت المعاناة طابعًا اجتماعيًا وصار الأسر
قدرًا لا مناص منه، وبدأت السلطة تتحكم في تنظيم الأفراد وفرض قوانين الانضباط، ليصبح «كل فرد سجينًا في قفصه»، وهو يدلف إلى ما يشبه الانكفاء على الذات مترقبًا ما ستؤول إليه الأحداث. يفتح الطاعون الأبواب للسلطة لتُحكم قبضتها على كائنات مرتعشة تطلب الحماية، مادام حق البقاء يسمو على جميع الحقوق الأخرى، ويستطيع الفرد التنازل عن حريته والسماح للسلطة بالتغلغل في تفاصيله، ما دامت ستحافظ على حياته، فهل هناك شيء يعادل هذا الوضع لتعزيز قوة السلطة؟ يقول ميشيل فوكو Foucault Michel (1984–1926): «يحمل الطاعون حلمًا سياسيًا، هو الحلم بمجتمع
منضبط»؛ إذ تجد الحكومة المسوغات للسيطرة على الأذهان والأجساد، ولذلك فكل دولة استبدادية تحلم بتفشي الطاعون داخل حدودها لتسهيل مهمتها وإحكام قبضتها عبر إعادة تشكيل فضاء نفوذها. فالمدينة المصابة بالطاعون تعد بمنزلة «طوباوية المدينة المحكومة بشكل كامل [...] فالحكام لكي يشاهدوا كيفية عمل الانضباطات الكاملة فإنهم يحلمون بحالة الطاعون»، حيث تتهاوى إرادة الأفراد أمام قوانين الطوارئ وآليات الحجر، وهذا قد يمنح السلطة تحويل حالة الاستثناء إلى شيء اعتيادي، ما دامت البداية دائمًا هي الأصعب وما عداها مجرد نواتج وتبعات. يُعمّق الحجر الصحي إحساسنا بالخوف، ويوقظ فينا وساوس المرض، ونقف أمامه في مواجهة مصيرنا، ونصبح فجأة كائنات أكثر هشاشة تبحث عن الحماية وعمّن يطمئنها، ولو كذبًا، بأن كل
شيء سيكون على ما يرام. ولذلك ليس من المصادفة ارتفاع مبيعات رواية الطاعون، ونحن نعيش أوضاعًا مشابهة ونصطدم بشخصيات تشعر بآلام الإنسان في زمن كورونا؛ إنسان يترنح في انتظار الموت، معتقدًا أنه شيء مستجد. وأمام هذا الوضع، تتجند الدولة الوصية في زي القلق على مواطنيها لتوسيع سيطرتها، وتعبئة أجهزتها من أجل اقتحام خصوصية المواطنين والحد من حريتهم، «غالبًا
ما كانت تُشاهَد دوريات تمتطي جيادها تتجول في الشوارع الخالية الملتهبة وتمر بمحاذاة النوافذ المغلقة»، إن ترهيب السلطة للناس أثناء الحجر سيف ذو حدَّين: يتجلى أولً في محاولة القضاء على العدوى والتحكم في الوباء، وثانيًا، تذكير المواطن بأنه يقع تحت سلطتها ويخضع لقرارتها بلا قيد
أو شرط؛ لأنه في حاجة إليها وإلى عنايتها ما دامت تدرك الصالح العام ووحدها القادرة على حمايته،
(13) Ibid., p. 67. (14) Michel foucault, Surveiller et Punir: Naissance de la prison (Paris: Gallimard, 1975), p. 198. (15) Ibid., p. 200. (16) Ibid. (17) Camus, p. 107.
ولربما يكون التجلي الأول قناعًا للثاني. لذلك لم يبالغ فوكو حينما أكد أن الطاعون هبة تقدم للدولة لتذكر المواطن بضعفه، وتثبت في المقابل قوتها عن طريق إشاعة مظاهر القلق والترهيب، وبقدر ما تزرع مشاعر الخوف داخل الأفراد تكون قد كسبت الرهان، وعليه عمدت دوريات المراقبة داخل رواية الطاعونإلى نشر هذه المشاعر داخل المدينة المنكوبة من خلال «إطلاق النار على القطط والكلاب بغية إشاعة أجواء الإنذار والخوف». لا ترفض الفلسفة حالة الحجر والعزل ولكن تحذر من نتائجهما، ومن استغلال السلطة للوضع، لينقلب الأمر من خوف متعلق بمرض قاتل زائل لا محالة إلى وباء أعمق وأخطر ملازم للإنسانية، بحيث تنحرف السلطة إلى الشمولية وتسترجع الدولة الاستبدادية أمجادها، وسيكون الوضع أسوأ في الدول المستضعفة التي تلعق أوبئتها الفكرية في عمى مميت.
ثانيا: رواية العمى بين أخلاق العناية وإيتيقا المسؤولية
تحمل هذه الرواية قدرات فائقة على تصوير العبث والرعب والدفاع عن البقاء بمختلف الطرائق، فمن دون سابق إنذار بدأ يصرخ الواحد تلو الآخر معانيًا عمى أبيض، من فراغ موحش، فقدَ الفرد على إثره
بصره، وأفَلت قدرته على التحكم في حياته، وبدأ يختبر ضروبًا شتى من المعاناة والتيهان. وأمام هذا الوضع شرعت الحكومة تحصي العميان، وتزج بهم في مكان يفتقر إلى أساسيات العيش مقترة في الطعام والشراب، وأصبحوا منبوذين يعيشون في مكان قذر كان يُستخدم لاحتجاز المجانين. ذلك أن الحكومة وضعتهم في حجر داخل مستشفى الأمراض العقلية بعدما صار من دون مرضى، وقد تركتهم بلا حماية، يلعقون مصيرهم في صمت وحزن قاتل، وأطلقت أبواقًا تسرد من خلالها مجموعة من التعليمات والأوامر: «يجب على المحتجزين عدم التفكير في الاعتماد على أي تدخل خارجي إذا تم تفشي أي مرض، أو انتشار الفوضى والاعتداءات [...] وإذا تم تسجيل أيّ حالة وفاة، مهما كان
السبب، ينبغي على المرضى دفن الجثث في الفناء من دون الطمع في أيّ مساعدة خارجية»، تعرف
الحكومة سلفًا الوضع المزري الذي سيعانيه المرضى وحتمًا سيكون مآلهم الموت، لكن ما يهم هو
إبعادهم بشتى الطرائق. بدأ العميان يعيشون عزلتهم، وهم على مشارف الانهيار منتظرين حتفهم، إن لم يكن من المرض فمن الجوع وغياب شروط النظافة، ولا سيما أنهم يعانون عمى مستجدًا لم يعتادوا التكيف معه. لذلك
قرروا الانتظام في مجموعات تحكمهم القيم والقوانين التي وضعوها لأنفسهم، «قال الطبيب: لقد سمعتم التعليمات، وأدركتم تمامًا أن لا أحد سيساعدنا مهما حصل، لذلك علينا تنظيم أنفسنا لأن الغرفة ستمتلئ عما قريب»، وشرع زمرة منهم في أخذ المبادرة وتسلم الطعام الذي يضعه الحراس في الساحة ليظلوا في مأمن من المرض.
(18) Ibid. (19) José Saramago, L’aveuglement , Geneviève Leibrich (trad.) (Paris: Seuil, 1997), p. 27. (20) Ibid., p. 28.
يتفاجأ العميان بحضور مجموعة جديدة تتخذ من القوة قانونًا، وتجبر الآخرين على الانصياع لها، معتمدة على السلاح، وتستحوذ على طعامهم وتغتصب نساءهم، يقول أحد أفرادها (العصابة) وهو يتحدث عن مشروع الاغتصاب: «عمليًا يمكن لكل امرأة إمتاع ثلاثة رجال، بمقدوركن القيام بذلك»،
ثم يستطرد: «بعدما تفرغن من تناول طعامكن، التحقن بغرفتنا، هذا إن كنتن ترغبن في الطعام غدًا، وإطعام رجالكن». لم تتردد النساء في منح أجسادهن فدية للقمة تسد رمقهن ورمق الرجال، ولم يعترض الأزواج، على الرغم من حزنهم وإحباطهم، على منح نسائهم وليمة لأضراس متوحشة تغرف من الأنانية والسادية، فأمام الجوع وقوة غريزة البقاء تخمد الغيرة ويخبو الحب. بدأت لعبة الاغتصاب وشرعت النساء في الاستسلام لسادية الإنسان، يقدمن أجسادهن مقابل قطعة خبز يابسة وشريحة لحم صغيرة، وكانت العصابة تتلذذ بممارسة قوتها وتملكها للنساء. ولحسن الحظ، توجد امرأة لم تفقد بصرها ادّعت العمى لتظل بجانب زوجها، وهي زوجة الطبيب، وكانت تعيش معهم حيث تعاني وهي تتأمل قاذورات الإنسان المثيرة للغثيان، وتحتمي بصمتها متألمة من الرؤية. فأن يرى الإنسان وسط عميان معناه أن يحمل على عاتقه مسؤولية توجيه الآخرين وحمايتهم، واستجابة لنداء المسؤولية لم تتردد في قتل سيد القوة؛ رئيس المجموعة التي ما برحت تمارس العنف بشتى أشكاله، بحيث قامت بتحريرهم من سلطته وتخليصهم من بطشه، بالاعتماد على مقص كانت تحتفظ به في حقيبتها، ودافعت بذلك عن كرامتها وكرامة بقية النساء اللواتي تعرضن لكل أنواع التنكيل والاغتصاب. مات رجل القوة وسادت مشاهد العنف والصراع والخوف، وصار المكان مضرّجًا بالدماء يضج بالموت،
حيث تتساقط الجثث فجأة: «من السذاجة أن يسأل أحد عن سبب موت أي شخص، ففي اللحظة التي ننسى فيها سبب الموت، تظل كلمتان عالقتان هما: لقد مات»، للموت حرمته، وللجثث هبتها التي تجبرنا على احترامها، ألم تختر أنتيغونه Antigone في الأسطورة الإغريقية التضحية بحياتها ومواجهة عمّها من أجل الدفاع عن حرمة جثة أخيها وحقه في الدفن؟ لكن عندما يشتعل وطيس الصراع وتشتد
الحرب، لا نعير اهتمامًا للجثث التي تتحول إلى أشياء ندوس عليها، محاولين الركض حتى لا نصبح
نحن أيضًا أشياء تعتليها أقدام الآخرين. اختارت زوجة الطبيب قيادة مجموعتها إلى الخارج، بعد أن تنبهت إلى خلو البوابة من كل مراقبة، لكن الصدمة الكبرى تولدت إبان اكتشافها أنّ الخارج لا يختلف عن الداخل، فكلاهما يسبح في العمى، وجميع الناس أصابهم الوباء، لتجد نفسها وحيدة في رؤيتها لوجودٍ بات أبيضَ، مسؤولة عن قيادة أفراد مجموعتها وإطعامهم، حيث اختارت مرافقتهم إلى منزلها والاعتناء بهم إلى حين استعادة بصرهم. يُنهي ساراماغو روايته بمشهد الفرح والتفاؤل، وهو يقدم شخصيات الرواية التي اختبرت الرؤية من
جديد، واستعادت معها أحلامها وطموحاتها، حيث تتلاشى متاعب العمى وما يحمله من قلق وترقب وتبدأ مرحلة أخرى قد تكون أفضل؛ تأخذ في الاعتبار تجارب الماضي، وتفتح الفرد على رهانات تعيد
(21) Ibid., p. 89. (22) Ibid. (23) Ibid., p. 92.
بناء الذات عبر تنقيتها من شوائب الأنانية والتسلط، وربما تصاحب تجربة الرؤية من جديد نظرة ثاقبة تستكنه الوجود، وتتخلص من القيود وتسير في طريق الحرية والحقيقة، وهو ما ناقشه ساراماغو في روايته البصيرة Seeing التي هي بمنزلة جزء ثان لرواية العمى. يبدي ساراماغو إرادة واضحة في تحليل خطابات السلطة المساهمة في استفحال العمى داخل عالمنا المعاصر الذي بات عنوانًا لحياتنا. ولعل تجربة الرؤية التي أنهى بها روايته العمىتعبر عن وعي الشخصيات بعماها وبأوبئتها الفكرية، تقول زوجة الطبيب: « لا أدري لماذا أصابنا العمى، فربما سنكتشف الإجابة ذات يوم [...] لا أعتقد أننا عميان بل أعتقد أننا عميان يرون، أناس عميان يستطيعون الرؤية، لكنهم لا يرون»، وكأن ساراماغو يقدم العمى باعتباره مجرد قلق يصيب الذات ويفضي بها إلى دوامة تشعرها بدوار الصدمة، ووجع التيهان وغياب الوجهة وإرادة البحث عن بداية جديدة خارج أشكال الهيمنة والتسلط. ولعل تجربة الرؤية هي مجرد وعي بضرورة إعادة النظر في ذواتنا؛ لأن كل ما عشناه هو مجرد ترويض على الخضوع والتبعية لأنظمة استبدادية يصعب الخروج من قبضتها.
1. أخلاق العناية في رواية العمى
تمتح رواية العمىمن الأدب البرتغالي، وتفتحنا على أسئلة فلسفية تتعلق بالحياة والموت والقيم الأخلاقية وما آلت إليه وضعية الإنسان المعاصر المغترب عن ذاته. إن العمى الذي يتحدث عنه ساراماغو هو عمى رمزي، يحمل بين طياته احتجاجًا ضد اللامبالاة المحيطة بحياتنا، ولا سيما أمام
استفحال قيم الرأسمالية وهيمنة العولمة القائمة على نموذج أوحد، والتي لم تعر جوهر الإنسان أي اهتمام، وقبرت القيم الأخلاقية وألقت بها في غياهب النسيان. يعدّ ساراماغو من المفكرين الشيوعيين الرافضين لنظام الرأسمالية، معتبرًا أن الحداثة مجرد تطويع للفرد لكي يصبح عضوًا في قطيع يسهل
التحكم فيه، بينما لا تغدو الديمقراطية سوى لعبة سياسية مزيفة تُخفي أدوات هيمنتها عبر ترويض أشخاص عميان عاجزين عن التمييز؛ ذلك أن الرأسمالية، وهي تتجند بأزعومة الحداثة والديمقراطية، كانت تهدف إلى طمس حقوق الأغلبية عبر خلق طبقات اجتماعية وتوسيع الهوة بينها. يبدو إذًا بحسب ساراماغو أنه لا مخرج من المتاهة إلا بالتخلي عن كل نزعة رأسمالية، عبر اجتراح طرق أخرى تقودنا إلى العدالة الاجتماعية، والتي تتجسد بالنسبة إليه في الشيوعية Communism بوصفها نظامًا مازال راهنًا ونحتاج إليه اليوم أكثر من أي وقت آخر، ما دام العصر يعرف أزمة قيم،
وانهيار الإنسانية إلى الحضيض بات وشيكًا. ولذلك قد يصبح لزامًا علينا الخوض في تعرية الواقع
وفضح أمراضه المنتشرة، من خلال رفع الحجاب عن مظاهر الحداثة التي تطمس عنا التفاهة واللامعنى الجاثمَين على حياتنا. وفي هذا المضمار، يتحدث ساراماغو عما يسميه بالأمية الوظيفية، بحيث
يستطيع الفرد القراءة والكتابة لكنه عاجز عن تركيب أفكار منطقية. وهذا يدل على مدى توغل الفرد في حياة الاستهلاك وانغماسه في ثقافة الربح والخسارة الماديَين مبتعدًا عن ماهيته وحقيقته؛ إذ قلما نجد
(24) Ibid., p. 164.
إنسانًا يجيد فن الإنصات لوجوده بحدس وفكر مرهفَين، محاولً فهم ما يحيط به من أسئلة وأفكار، وباتت الفلسفة والفكر غريبَين في زمن يركض بوتيرة سريعة وتقاس قيمة أفراده بما يكتنزون من ثروات. تمثل زوجة الطبيب الشخص الذي يعكس الإنسانية في نقائها وبراءتها الأولية، ولا سيما أن ساراماغو يؤكد الطبيعة الخيرة للإنسان التي اعتراها الشر والعنف من جراء الانخراط في الصراع الاجتماعي: «إن الضمير الأخلاقي الذي يهاجمه كل من يفتقر إلى الوعي، وينكره معظم الناس، هو موجود وسيظل موجودًا [...] لكن مع مرور الوقت، والارتقاء الاجتماعي والتبادل الجيني، اتخذ الضمير احمرار الدم وملوحة الدمع». تَعاقَب على مكان الحجر أصناف عديدة من الناس يجسدون الصراع بين الخير والشر، بين الضمير النقي وبين تلونه باللون الأحمر. وربما أصبح في مقدورنا، في ضوء الأحداث، أن نعرف مدى عمق الرسالة التي قدمها الكاتب والمبثوثة في شخصية زوجة الطبيب، حيث يذكّر من خلالها بأخلاق العناية Ethics Care وإيتيقا المسؤولية Responsibility of Ethics، موضحًا أشكال العلاقة المثلى مع الغير، والتي تتجلى في اهتمامنا بعائلتنا وبأفراد مجموعتنا، وبالإنسان عمومًا، يقول الطبيب: «إلى متى ستتحملين مشقة ستة أشخاص؟»، وبقدر من المسؤولية ومن استشعارها بضرورة تحمل أعباء العناية، تجيب: «سأحتمل ما دمت أستطيع ذلك، بيد أنك على حق، لأني بدأت أشعر بالإرهاق، إلى درجة صرت أتمنى في بعض الأحيان لو كنت عمياء مثلكم، لأتحرر من ثقل الالتزامات». تطرح رواية العمىأخلاق العناية التي تعطي أملً جديدًا في بلورة خطابات أكثر إنسانية، تتراجع معها الممارسات اللأخلاقية؛ إذ ليس الشر قدرًا إنسانيًا، وليس الفرد بالضرورة محكومًا بغرائز عدوانية،
تسيطر عليه كلما أراد الإنصات إلى القيم. وما يميز أخلاق العناية كونها ليست مجرد نظرية أخلاقية تعكس الصراع بين ما هو فردي وما هو كوني، وإنما هي «قيمة وممارسة على السواء»، تنبع أهميتها من قيمة العطاء الممنوح للفرد الذي يحتاج إلى العناية؛ إذ لا تقوم أخلاق العناية على العطاء المجرد، وإنما تتأسس على علاقات عينية مرتبطة في أغلب الأحيان بالأسرة أو بالمجموعة التي ننتمي إليها، وأيضًا بالشخص الذي نشعر بعوزه وباحتياجه، ويوقظ فينا مشاعر التضامن بحيث نسعده بقدر ما نسعد أنفسنا. وهذا ما يجعلها أكثر واقعية مقارنةً بالواجب الكانطي، «إن الأشخاص الذين ينخرطون في علاقة رعاية يعملون من أجل أنفسهم والآخرين معًا، إن موقفهم المميز ليس بالأناني ولا هو بالغيري». وهذا ما يمنح أخلاق العناية مكانة خاصة داخل فلسفة القيم، لأن الفرد يشعر في كثير من الأحيان بصراع داخلي وهو واقع تحت خيارين إما التضحية بأنانيته ومصلحته أو التخلي عن الغير، بينما هناك وضعية أفضل تحل الصراع تتمحور حول جعل الأنانية جزءًا من الغيرية، إذ تقتضي مصلحة
(25) Ibid., p. 13. (26) Ibid., p. 155. (27) Ibid.
2(((فرجينا هيلد، أخلاق العناية، ترجمه ميشيل حنا متياس (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 0082)، ص.14 (2((المرجع نفسه، ص.19
الذات المرور عبر الغير، فأخدم بذلك ذاتي وغيري. وهذا ما نستشفه من زوجة الطبيب المدافعة عن زوجها، والتي اعتنت به في ظروف قاهرة، مادام حبها يمنعها من التخلي عنه؛ ما يعني أن عنايتها به نابعة أولً من إرضاء ذاتها التي لم تكن لتسعد أو ترتاح في حالة تنكرها له، وثانيًا منبثقة من الإحساس بحاجة
زوجها إلى عنايتها بعدما صار أعمى، كما أخذت على عاتقها مسؤولية تنظيم المجموعة التي تنتمي إليها ما دام النظام والدفاع عن حقوق المجموعة يصب في مصلحتها ومصلحة زوجها. إن الوعي بهذا التقاطع هو الذي يدفع الإنسان إلى الاستجابة لأخلاق العناية، بحيث لا يتم النظر إلى الغير بوصفه نقيض الذات لأنهما يقتسمان عالمًا بينذاتيًا، ينخرطان معًا في تنظيمه وتطوير وسائل عيشه
وشروطه كلٌّ بحسب إمكانياته وقدراته، ما داما يشتركان معًا في مصير واحد، وكل تقصير أو تخاذل يؤدي إلى تهديد العالم المشترك، حيث يتفاقم هذا التهديد كلما تزايدت أشكال العنف والأنانية.
2. إيتيقا المسؤولية
تطرح رواية العمىأخلاقيات المسؤولية، حيث تؤثث مجمل المشاهد وتدعو إليها بوصفها فعلً إنسانيًا يدخل في صميم الذات وهويتها، فالمسؤولية تجاه الآخر ليست مجرد هبة نقدمها، بل هي
ضرورة تفتحنا على أهمية التضامن والتعاون داخل الجماعة. وفي هذا السياق، يربط إيمانويل لفيناس Lévinas Emmanuel (1995–1906) حقيقة الذات بالمسؤولية بدلً من الحرية؛ لطالما اعتُبرت الحرية محددًا جوهريًّا للذات، لكن ما سها عنه الفلاسفة هو أن الحرية لا قيمة لها إلا بقدر ما تمنحنا إمكانية المضي قدمًا نحو الآخر وتحمل مسؤوليته. يذهب لفيناس إلى تأكيد ضرورة تحمل المسؤولية تجاه الآخر بلا مقابل: «إن مسؤوليتي تجاه الآخر تفرض ذاتها علي مهما كان موقف الآخر، بلا مقابل، وحتى لو كلفني ذلك حياتي [...] فالمبادلة تخص الآخر وحده»، فهل هناك علاقة مثلى تعادل هذه الصورة؟ أن تعتبر الذات مسؤولة عن الآخر معناه نسف اللامبالاة السائدة في حياتنا المعاصرة، فأنا بطريقة أو بأخرى مهتم بسعادة الآخرين وأحزانهم. ولعل هذا ما أراد ساراماغو قوله من خلال أحداث الرواية؛ حيث لم تتردد زوجة الطبيب في المخاطرة بنفسها من أجل إطعام العميان والاعتناء بهم على الرغم من إرهاقها النفسي والجسدي، ولم تبتعد الفتاة ذات النظارة السوداء عن الطفل وبدأت تتحمل أعباءه، محاولة تهدئته واحتواء براءة طفولته. مما لا مراء فيه أن الفتاة كانت أمًّا للطفل بعدما جرى عزله عن أسرته ولم تصبُ إلى تحقيق أيّ مصلحة؛
فما قامت به هو استجابة لنداء المسؤولية تجاه كائنات أكثر هشاشة. كما أن زوجة الطبيب لم تكن لتنتظر مقابلً ما دام مرض العمى قد استفحل وأصاب جميع الناس ما عداها، ولا أحد يعرف سر الوباء ولا طرق علاجه لأن الكل صار أعمى، ومع ذلك شرعت بلا تردد وهي تحتمي بألمها وأنينها في تحمل المسؤولية مجهدة نفسها. قال أحد العميان: «لقد اعتدنا الاعتماد عليك، فلولا حضورك لأصابنا عمى ثان، فشكرًا لعينيك».
(30) Lévinas Emmanuel, Ethique et infini , Coll. Biblio–essais (Paris: Le livre de poche, 1992), pp. 94–95. (31) Saramago, p. 155.
يعيدنا ساراماغو في روايته إلى سؤال القيم، مؤكدًا ضرورة التضامن ومنكرًا أشكال اللامبالاة؛ إننا في
حاجة إلى الرؤية والخروج من التفاهة والعمى وتطليق الأنانية والنزعة الفردية، والانطلاق نحو الصفاء الإنساني عبر إعادة النظر في السلطة وأشكال هيمنتها. وهي الفكرة التي سيناقشها في الجزء الثاني (البصيرة)، إذ سيقدم شخصيات رواية العمىوقد شفيت من العمى وأصبح بصرها حادًا، بحيث تمتلك بصيرة تشكل تهديدًا للسلطة، فكما تدخلت الحكومة للتخلص من العميان وعزلهم، حاولت التصدي للبصيرة، ليظل السؤال مفتوحًا: ما الأصعب، معاناة العمى أم البصيرة؟
خاتمة
يعيدنا الوعي بمحدوديتنا إلى الوجود الإنساني بوصفه وجودًا عصيًّا، يتحدى العقل، لنستعيد غواية
الدهشة وننزع عن المألوف رتابته. إننا في حاجة إلى الفلسفة أو بالأحرى إلى أدوات الفلاسفة؛ علينا الإنصات لصدى سقراط وهو يعبر الطرقات محاورًا المواطن من أجل حثه على النقد وعلى رفض
الجاهز، وأن نمتهن مطرقة نيتشه بغية قراءة التاريخ جنيالوجيًا بهدف القبض على المنسي والعرضي
وفهم أصل المفاهيم وتكونها، وإعادة النظر في القيم والأخلاق وكل آليات التدجين. ويجب أن نتعلم من هايدغر تقويض الميتافيزيقا من أجل تهديم أوهام الحياة وادعاءات العلم والتقنية وإخراج الإنسان من تحت أنقاض التاريخ. ليست الحياة مجرد هبة، بل هي استحقاق وإبداع ينحته المرء وفق قناعاته وتطلعاته. وليست معطى جاهزًا محققًا سلفًا، وإنما هي جهد نبنيه كل لحظة عبر النقد والمراجعة؛ فالإنسان الذي لا يغير جلده العفن ولا يغربل قناعاته المتطرفة هو شخص ميت. ولكي نحيا باعتبارنا ذواتًا عاقلة تستشعر وجودها؛ علينا التفكير في الأنظمة التي تؤطرنا تفكيرًا نقديًا على الرغم من صعوبة الأمر، خاصة في ظل عالم
لا يرتضي من الفرد سوى المنفعة والإنتاج، متنكرًا لإنسانيته وجوهره الحر والمسؤول، مجندًا كل
أدواته لتحقيق هذا الغرض؛ لذلك أصبحت عملية التأمل ضرورة لا محيد عنها بعدما فضحت كورونا المسكوت عنه. استقبل العالم جائحة كورونا بدهشة وذهول، وصار الإنسان يتخبط داخل الصدمة التي خدشت كبرياءه وغروره، وبات لزامًا عليه التراجع والاعتراف بأنه جزء من الكل، ينتمي إلى الطبيعة التي تنفست أخيرًا
إبان هروبه إلى مخبئه محتميًا بالأبواب المغلقة. فالإنسان الذي نصب نفسه إلهًا على الأرض في
الحداثة، وأعطى نفسه السيادة الكاملة للتخريب والتهديم واستنزاف الطبيعة، ولم يراعِ أخلاقيات البيئة ولا حرمة الأرض، صار محتّمًا عليه التخلي عن عناده وغروره، ولربما حان الوقت ليموت هذا الإله.
References
المراجع
العربية
الدواي، عبد الرزاق. موت الإنسان في الخطاب الفلسفي المعاصر. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر،.1992
هيلد، فرجينا. أخلاق العناية. ترجمه ميشيل حنا متياس. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2008
الأجنبية
Camus, Albert. La peste. Paris: Gallimard, 1947. Delacampagne, Christian. Histoire de la philosophie au XX e siècle. Paris: Seuil, 1995. Emmanuel, Lévinas. Ethique et infini. Coll. Biblio–essais. Paris: Le livre de poche,
Foucault, Michel. Surveiller et Punir: Naissance de la prison. Paris: Gallimard, 1975. Nietzsche, Friedrich. Ainsi parlait Zarathoustra. Traduction et commentaires de Georges–Arthur Goldschmidt. Paris: Librairie Française, 1983. Saïd, Edward. L’orientalisme: L’orient créé par l’Occident. Catherine Malamoud (trad.). Paris: Seuil, 2000. Saramago, José. L’aveuglement. Geneviève Leibrich (trad.). Paris: Seuil, 1997.