الطاعون والوباء: من اللاهوت العملي إلى الأخلاقيات التطبيقية
Plague and Epidemic: From Practical Theology to Applied Ethics
الملخّص
يناقش هذا البحث إشكالية العلاقة بين النص والتجربة، وبين النظر والعمل، من خلال النقاشات الكلاسيكية حول وباء الطاعون. ويُحاجّ أنه إذا كان اللاهوت العملي قد هيمن على مناقشة وباء الطاعون، فإن الأخلاقيات التطبيقية (وتحديدًا أسئلة الأخلاق الطبية) قد هيمنت في ظل وباء كورونا. فقد أدى توسع سلطة الطب، ونظام الدولة الحديثة، وبروز حقل الأخلاقيات التطبيقية إلى تراجع الأسئلة الكلامية. ينقسم البحث إلى محورين رئيسين؛ يتناول أولهما الوباء وخصوصية الطاعون، وكيف تحول من موضوع طبي (طبيعي) إلى موضوع ديني (ميتافيزيقي). ويتناول ثانيهما كيف أدى القول بخصوصية الطاعون إلى أمرين، الأول، بروز نقاش منهجي يتصل بمصادر المعرفة التي تمثلت في ثنائية النص والتجربة، وبتحديد طبيعة مجالَي الطب والشرع ووظيفة كل منهما. والثاني، بروز مناقشات وتطبيقات فقهية وكلامية تتأسس على خصوصية الطاعون، وتتصل بفكرة اللاهوت العملي.
Abstract
Abstract: This paper examines the complex nexus of «Text» and «Empirical Reality» as unfolded in the classical discussions on plagues and pandemics. It is argued that whereas practical theology dominated the classical discussions on plagues, applied ethics (particularly, medical ethics) dominated the discussions on the COVID–19 pandemic. The growing power of medicine, the system of modern nation state and the birth of applied ethics as a distinct discipline, all contributed to overshadowing the theological discourse. This paper is divided into two main sections. The first section examines the pandemic and the particularity of the plague and how this topic moved from being medical, or part of natural sciences, in nature to assuming a religious (metaphysical) character. The second section analyzes how the thesis of the particularity of plague led to
- كورونا
- الوباء
- الطاعون
- الأخلاق
- النص
- التجربة
- العدوى
- الطب
- الشرع
- اللاهوت العملي
- Corona
- Epidemic
- Plague
- Morality
- Text
- Experience
- Contagion
- Medicine
- Law
- Practical Theology
هيمن على مناقشة وباء الطاعون، فإن الأخلاقيات التطبيقية (وتحديدًا أسئلة الأخلاق الطبية) قد
هيمنت في ظل وباء كورونا. فقد أدى توسع سلطة الطب، ونظام الدولة الحديثة، وبروز حقل الأخلاقيات التطبيقية إلى تراجع الأسئلة الكلامية. ينقسم البحث إلى محورين رئيسين؛ يتناول أولهما الوباء وخصوصية الطاعون، وكيف تحول من موضوع طبي (طبيعي) إلى موضوع ديني (ميتافيزيقي). ويتناول ثانيهما كيف أدى القول بخصوصية الطاعون إلى أمرين، الأول بروز نقاش منهجي يتصل بمصادر المعرفة التي تمثلت في ثنائية النص والتجربة، وبتحديد طبيعة
مجالَي الطب والشرع ووظيفة كل منهما؛ والثاني بروز مناقشات وتطبيقات فقهية وك مااية تتأسس على خصوصية الطاعون، وتتصل بفكرة اللاهوت العملي.
حمد بن خليفة، وأحد محرري سلسلة دراسات في الأخلاق الإسلامية Ethics Islamic in Studies التي تصدرها دار بريل في ليدن.
Associate professor of Islamic Ethics and the program coordinator of Applied Islamic Ethics MA program in the College of Islamic Studies at Hamad Bin Khalifa University.
(a) epistemological discussions on the sources of knowledge, and the related nexus of text and empirical reality, and delineating the scope of medicine and Sharia and the functions of each of them, and (b) applied discourse within the disciplines of theology and jurisprudence, premised on the thesis of the particularity of plague and related to the concept of practical theology.
مقدمة
يمكن تصنيف موضوع وباء كورونا (كوفيد 19–) ضمن الموضوعات المتعددة التخصصات نظرًا إلى ثلاثة عوامل: أولها أن الوباء أثّر في الجميع حتى بات سكان العالم معنيين به على
نحو ما. وثانيها أنه أثار أسئلة عديدة ومتنوعة أبرزت مجددًا أولوية تفسير العالم على تغييره، وذلك على عكس المقولة الشهيرة لماركس. وثالثها سعة المجالات التي اشتركت في مناقشته، كالطب والاقتصاد والسياسة والاجتماع والدين والأخلاق بل الفلسفة التي لا تنشغل عادة بالمسائل العملية المباشرة؛ فقد كتب عدد من الفلاسفة المعاصرين عن الوباء والدروس المستفادة منه، مثل جوديث بتلر Butler Judith، وآشيل مبيمبي Mbembe Achille، وجورجيو أغامبين Agamben Giorgio، وغيرهم. ويمكن أن نميز في هذه المناقشات بين ثلاثة مستويات: ما يتناول الوباء وتفسيراته، وما يتناول الفعل الإنساني في ظل الوباء، وما يتناول تأثيراته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ ما يعني أنه لا بد في أسئلة الوباء من التمييز بين الوصفي والمعياري، حتى نستطيع أن نميز بين الأخلاقي وغير الأخلاقي، وبين ما يتناول الموضوع ذاته وما يتناول تأثيراته أو توابعه. ولكن هذه السعة التي يحيل إليها وباء كورونا ليست خاصة به، بل هي سمة عامة في الأوبئة، ومنها الطاعون الذي كان الوباء الأبرز تاريخيًّا؛ إذ كان يصيب العالم القديم على نحو متكرر وشبه منتظم،
ومن ثم تكثفت الكتابة عنه، استقلالً، منذ الطاعون الكبير أو الجارف (749 ه/ 1348 م)، حتى نشأ نوع خاص Genre سمي أدبيات الطاعون. وحين نستعرض قوائم الكتب والرسائل المفردة حول الطاعون، نجد أنها ألّفها فقهاء ومحدّثون لا أطباء، وكثير منها يكاد ينطبق عليه تسمية المنهج المتعدد التخصصات، وفي هذه الكتابات يدور النقاش حول أمرين: الأول: نظري ويعالج تفسير الوباء وأسباب وقوعه؛ وفي هذا الجانب نلحظ وجود تطور في تفسيرات الوباء على نحو يتوافق مع المذهب الكلامي السائد (الأشعري)، وهو ما يظهر بوضوح من خلال النقاشات المطولة التي دارت حول العدوى إثباتًا ونفيًا، واختلف فيها القول حتى انشغل بعض
متأخري الفقهاء بإحصاء تلك الأقوال أو عدّها. الثاني: عملي يتناول الأسئلة التي تتصل بتصرفات الإنسان عند وقوع الطاعون، وهي تصرفات تشتمل على نوعين من الأفعال: أفعال دينية شعائرية (كالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والدعاء
والأذكار، والرقية، وقراءة صحيح البخاري، وغير ذلك)، وأفعال دنيوية تتصل بحفظ الوجود المادي للإنسان (كالأخذ بأسباب الاحتراز، وتطبيب المرضى، والحرص على المصالح العامة). وقد يتم الجمع بين النوعين كما نجد في عدد من كتب الطاعون. وثمة تداخل هنا بين النظري والعملي، وهما ينطويان على ما هو كلامي وفقهي وأخلاقي؛ بالرغم من أن التصنيف التقليدي لما هو كلامي أنه نظري ولما هو فقهي أنه عملي، ولكن ثمة تداخل بين الفقه والكلام من جهة، والأخلاق من جهة أخرى. ويتضح هذا التداخل أكثر في موضوع الوباء الذي أشرنا إلى أنه موضوع متعدد التخصصات. فالتفسير الديني للوباء سيفرض استجابة مختلفة عن تلك التي يفرضها التفسير التجريبي، ومن ثم يتحول النظري إلى ممارسة، وهو ما نطلق عليه هنا اللاهوت العملي
. Practical Theology
لا يمكن الفصل بين التصورات والتصرفات، ومن هنا تداخل الكلامي والفقهي، أو النظري والعملي، واكتسب البحث في مفاهيم الطاعون والوباء وتفسيرهما أهمية خاصة؛ لأن التفسير سيكون له دور في التقويمات والتعليلات التي ستسوّغ تصنيف سلوكٍ ما أنه صالح، دنيويًّا وأخرويًّا. فإذا ما فُسر الطاعون
على أنه عقوبة أو رجز أو وخز من الجن، فأي أثر سيتركه ذلك في حرية الاختيار والفعل الإنساني؟ وهل سينفصل الفقهي عن الكلامي أم يتداخلان؟ فالبحث في مسائل القدر والاختيار – وهي مسائل كلامية نظرية – لا يمكن فصله عن الفعل الصالح أخلاقيًّا في زمن الوباء؛ لأننا سنكون أمام أسئلة تتعلق
بالإرادة والمسؤولية وتأثير الأسباب وجدوى الأخذ بها، وأثرها في دفع المرض أو علاجه، كما أنها ستتصل بالسؤال عن جدوى البحث في الأسباب نفسها لفهم قوانين الظواهر الطبيعية ومنها الأمراض والأوبئة. كما أن البحث في العدوى من الناحية الكلامية لا يمكن فصله عن الآثار العملية للإثبات أو النفي، والتي تتصل بحركة الإنسان في ظل انتشار الوباء، وبفاعلية أسباب الوقاية والعلاج، وبالعلاقات الاجتماعية وتفاصيلها الكثيرة (كعيادة المرضى، وتمريضهم، ودفن الموتى وتجهيزهم، وغير ذلك)، وبالأبعاد الروحية والنفسية التي لا تنفك عن الأوبئة التي تثير الذعر أو القلق أو أسئلة وجودية لدى الإنسان، ومن ثم يحتاج فيها إلى البحث عن اليقين أو الطمأنينة. تتصل هذه الثنائية (النظري والعملي) بثنائية أخرى هي النص والتجربة (أو الغيبي والتجريبي)، وهي ثنائية تتعلق بالسؤال عن مصادر المعرفة، وهنا نجد أن عامة أدبيات الطاعون التي كتبها فقهاء ومحدثون احتفت بأحاديث الطاعون مصدرًا رئيسًا ومهيمنًا؛ لمعالجة الجانبين السابقين: النظري
والعملي. في حين أن الأطباء المتشرّعين استندوا، أصالةً، إلى المشاهدة والتجربة اللتين أسسوا
من خلالهما ثبوت العدوى وتفسير الوباء ووضع أساليب الاحتراز منه. هذا الاختلاف حول مصادر المعرفة بين النص والتجربة سيقود إلى اختلاف النتائج، ومن ثم إلى توترات بين الفريقين ونزاع على السلطة والمرجعية؛ وهي مسألة تتوزع بين الفاعلية والوظيفة الاجتماعية العملية التي تشتد الحاجة
(((صنف ابن أبي حجَلة أكثر من رسالة في الطاعون، ووضح في إحداها أن السبب الشرعي له هو شيوع الزنا والمنكرات
كالمسكرات، وأن كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تدفع الطاعون. يُنظر: أحمد بن يحيى بن أبي بكر بن أبي حجلة، دفع
النقمة في الصلاة على نبي الرحمة، نسخة خطية محفوظة في مكتبة الأسكوريال بإسبانيا، برقم 5.10
إليها في زمن الوباء، وبين السلطة الروحية التي يمثلها نص الحديث النبوي، وسنجد توترًا بين القول
بأسباب مادية والقول بأسباب غيبية، وكيفية التوفيق بين النوعين اللذين يحيلان إلى الاختلاف حول مصادر المعرفة أصالةً. يعالج هذا البحث إشكاليتي العلاقة بين النص والتجربة، وبين النظري والعملي، من خلال النقاشات الكلاسيكية حول وباء الطاعون، والتي كانت ثرية ومتعددة المجالات؛ فقد جمعت بين جوانب كلامية وفقهية واجتماعية ونفسية وأخلاقية وطبية؛ من أجل صياغة تأويل متماسك يجمع، بانسجام، بين مصادر المعرفة الدينية المختلفة، ويطور حججه لمساندة مذهبه الكلامي من جهة، ويتفاعل، نقديًّا، مع المعرفة الطبية المتاحة في زمنه من جهة أخرى. ويحاجّ هذا البحث لإثبات أنه في حين هيمن اللاهوت
العملي على مناقشة وباء الطاعون في الأزمنة الكلاسيكية، فإنه قد تراجع السؤال الكلامي لمصلحة السؤالين الطبي والأخلاقي في زمن وباء كورونا؛ نظرًا إلى توسع سلطة الطب (خاصة علم الأوبئة)
ونظام الدولة الحديثة وبروز حقل الأخلاقيات التطبيقية، فقد ساهمت هذه الأسباب جميعًا في انحسار التفسيرات الغيبية لمصلحة التفسيرات العلمية وتغليب المصلحي على الكلامي. ينقسم البحث إلى محورين رئيسين؛ يتناول أولهما الوباء وخصوصية الطاعون، وكيف تحول الطاعون من موضوع طبي (طبيعي) إلى موضوع ديني/ سمعي (ميتافيزيقي). ويتناول ثانيهما كيف أدى القول بخصوصية الطاعون إلى أمرين: الأول بروز نقاش منهجي يتصل بمصادر المعرفة التي تمثلت في ثنائية النص والتجربة، وبتحديد طبيعة مجالي الطب والشرع ووظيفة كل منهما؛ والثاني بروز مناقشات وتطبيقات فقهية وكلامية تتأسس على خصوصية الطاعون، وتتصل بفكرة اللاهوت العملي.
أولا: الوباء وخصوصية الطاعون: من الطبي إلى الديني
شكّل الطاعون لغزًا منذ قرون مضت، وبسبب هذا الغموض اختلف القول فيه على أمرين: الأول في تحديد مدلول لفظ «الطاعون» ووجه العلاقة بينه وبين الوباء؛ والثاني حول تفسيره وأسباب وقوعه. وكلا الأمرين كان لهما أثر في تحول الطاعون من مسألة طبية إلى مسألة دينية تتصل بما نسميه هنا اللاهوت العملي، وفيما يأتي سنوضح: كيف حصل هذا؟ ولماذا؟
1. العلاقة بين الطاعون والوباء
ثمة غموض في مدلول «الطاعون» في المصادر العربية المختلفة، وقد التفت إلى هذا الإشكال من أفردوا الطاعون بالبحث في الأزمنة الكلاسيكية، خاصة بعد الطاعون الكبير، حيث يميزون،
(((تحدثت كتب التاريخ والتراجم عن طواعين عديدة، وبعض الطواعين اتخذت اسمًا خاصًّا كالطاعون الجارف، وقد اختُلف في
تاريخه اختلافًا كبيرًا، ولكنه وقع في زمن مبكر في القرن الأول (عبد الله بن الزبير، ت. 73 ه/ 692 م)، وقيل في القرن الثاني الهجري.
ومنها: طاعون الفتيات، والطاعون الكبير أو العام الذي وقع سنة 749 ه، ويسميه الأوروبيون «الموت الأسود». ينظر: محيي الدين
النووي، المنهاج بشرح صحيح مسلم بن الحجاج (مطبوع بعنوان: صحيح مسلم بشرح النووي)، ج 1 (القاهرة: المطبعة المصرية بالأزهر، 1929)، ص 107–105. وقد خصص ابن قتيبة مبحثًا لذكر الطواعين وأوقاتها. ينظر: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة،
المعارف، تحقيق ثروت عكاشة، ط 2 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992)، ص.601
في الغالب، بين الطاعون والوباء. وقد التفت إليه أيضًا بعض الباحثين المعاصرين مثل مايكل دولز في كتابه عن «الموت الأسود»، ثم جاء لورنس كونراد فأفرد بحثًا لتتبع استخدامات مصطلح الطاعون في المصادر العربية الكلاسيكية. ويمكن، في رأيي، تصنيف الأقوال الواردة في المصادر العربية الكلاسيكية المختلفة، كالمعاجم وكتب الطاعون والفقه وشروح الحديث، إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: إن الوباء هو الطاعون والمرض العام، ما يعني أنهما مترادفان. وقد وقع في بعض المصادر إطلاق الطاعون على الوباء والعكس. ويمكن أن يُعزى هذا إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت. 170 ه/ 787 م) وإبراهيم الحربي (ت. 85/2 ه 898 م) والقاضى أبي الوليد الباجي.(ت 474 ه/ 1081 م) وغيرهم. قال الخليل: «الوباء الطّاعون، وهو أيضًا كلّ مرض عام»ّ، وقال الباجي: «الوباء هو الطاعون، وهو مرض يَعمّ الكثير من الناس في جهة من الجهات دون غيرها؛
بخلاف المعتاد من أحوال الناس وأمراضهم، ويكون مرضهم، غالبًا، مرضًا واحدًا، بخلاف سائر
الأوقات». ويبدو لي أن من فَهِم الترادف حمَل لفظ «الوباء» على خصيصة العموم والانتشار لمرض
ما، ومن هذه الجهة يتقاطع الطاعون مع غيره من الأمراض التي تعمّ في زمان واحد، والطاعون كان
من أكثرها انتشارًا وتواترًا. القول الثاني: إن الطاعون أعمّ من الوباء، وهو قول ابن الأثير الجزري (ت. 630 ه/ 1233 م) الذي جعل
الطاعون هو «المرض العام، والوباء الذي يَفسد له الهواء فتَفسد به الأمزجة والأبدان»، وقد فهم زكريا الأنصاري (ت. 926 ه/ 1520 م) من هذا الكلام أن ابن الأثير «جعل الوباء قسمًا من الطاعون»،
فالجزء الثاني من كلامه يتحدث عن الطاعون بالمعنى الخاص. القول الثالث: إن الوباء أعمّ من الطاعون؛ إذ إن الوباء هو المرض العام والطاعون نوعٌ منه،
فكل طاعون وباء وليس كل وباء طاعونًا، وهذا ما قرره القاضي عياض (ت. 44/5 ه 1149)م
(3) Michael W. Dols, The Black Death in the Middle East (Princeton: Princeton University Press, 1977), pp. 315–319; Lawrence I. Conrad, «Tāʿūn and Wabāʾ Conceptions of Plague and Pestilence in Early Islam,» Journal of the Economic and Social History of the Orient , vol. 25, no. 3 (1982), pp. 268–307.
(((أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، تحقيق مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، ج 8 (القاهرة: دار ومكتبة الهلال، [د. ت])، ص 418. وقد استمر هذا التعريف للوباء في المعاجم اللاحقة. ينظر مثلً: أبو الحسن علي بن إسماعيل
المعروف بابن سيده، المحكم والمحيط الأعظم، تحقيق عبد الحميد هنداوي، ج 10 (بيروت: دار الكتب العلمية، 0002)، ص 665؛
جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، ج 1 (بيروت: دار صادر، [د. ت])، ص.189 (((أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي، كتاب المنتقى شرح موطأ إمام دار الهجرة مالك بن أنس، ج 7 (القاهرة: مطبعة السعادة، 1332 ه)، ص 198. (((مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري (ابن الأثير)، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، ج 3 ([د. م]: الناشر المكتبة الإسلامية لصاحبها الحاج رياض الشيخ، [د. ت])، ص.127 (((زكريا الأنصاري، أسنى المطالب شرح روض الطالب، وبهامشه حاشية أبي العباس أحمد الرملي الكبير، ج 3 ([د.م]: [د.ن]، [د.ت])، ص.38
ونصره ابن حجر العسقلاني (ت. 852 ه/ 1448 م) ومال إليه آخرون، بل إن ابن قيم الجوزية.(ت 751 ه/ 1350 م) قال: «والتحقيق أن بين الوباء والطاعون عمومًا وخصوصًا، فكل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعونًا»، وتبعه زين الدين بن نجيم الحنفي (ت. 970 ه/ 1563 م)، فقال: «إن الذي عليه المحققون أن كل طاعون وباء وليس كل وباء طاعونًا». وقد أشار ابن سينا.(ت 428 ه/ 1037 م) إلى أن «الطواعين تكثر في الوباء وفي بلاد وبيئة»، ويُفهم من هذا أن الوباء
مختلف عن الطاعون، وقد يفسر هذا لماذا أُطلق على الطاعون وباء والعكس؛ فقد كان ثمة اقتران بينهما، وكلاهما يتسم بالعموم والانتشار، ويسبب كثرة الموت والهلاك. هذا التمييز بين الطاعون والوباء له ثمرته في ثلاثة حقول: أولها: دراسة تاريخ الطواعين وتأثيراتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية دون سائر الأوبئة، خصوصًا أن «الطاعون الكبير» قد لقي اهتمامًا كبيرًا لجهة تتبع تأثيراته في دول أوروبا ومنطقة
الشرق الأوسط. ثانيها: حقل الطب، وذلك لأجل البحث في العلاج وأسباب الوقاية منه، وقد انشغل ابن سينا، مثلً، بسرد الألفاظ اليونانية ذات الصلة بالطاعون. ثالثها: الحديث النبوي، وذلك أن أحاديث الطواعين والأوبئة لقيت اهتمامًا خاصًّا على مرحلتين:
(((ينظر: أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي، إكمال المعلم بفوائد مسلم، تحقيق يحيى إسماعيل، ج 7 (المنصورة: دار الوفاء،
1998)، ص 132؛ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، بذل الماعون في فضل الطاعون، تحقيق أحمد عصام عبد القادر الكاتب
(الرياض: دار العاصمة، 1411 ه)، ص 100–95، 104–102؛ سراج الدين عمر بن إبراهيم بن نجيم الحنفي، النهر الفائق شرح كنز
الدقائق، تحقيق أحمد عزو عناية، ج 1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 0022)، ص 76–375.3 ومن اللافت أن جمال الدين السُّرَّمرِّي
.(ت 776 ه/ 1374 م)، افتتح رسالته عن الطاعون بالحديث عن ماهية الطاعون والوباء، وميز بينهما بأن الطاعون – بناء على الأحاديث – هو «غدة كغدة الجمل»، و«وخز الجن»، وعند الأطباء هو «بثور أو ورم»، وأن الوباء «فساد مزاج الفعل وخروجه عن طبعه الذي خُلق له» أي الجو المحيط. فإذا كان الهواء وبائيًّا كان الطاعون أردأ وأخطر. ينظر: جمال الدين يوسف بن محمد
السرمري، كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون، علق عليه شوكت بن رفقي بن شوكت (عمان: الدار الأثرية؛ دمشق: دار المحبة، 0052)، ص.26–21 (((شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر (ابن قيم الجوزية)، زاد المعاد في هدي خير العباد، تحقيق شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط، ج 4 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1998)،.36–35 (1((زين الدين بن نجيم الحنفي، رسالة فيما ضبطه أهل النقل في خبر الفصل في حق الطاعون والوباء، مخطوط رقم 9355، مكتبة جامعة الملك سعود، ق.2 (1((أبو علي الحسين بن علي بن سينا، القانون في الطب، وضع حواشيه محمد أمين الضناوي، ج 3 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1999)، ص 164؛ وفي: المرجع نفسه، ج 3، ص 154، أشار إلى أن الأورام الطاعونية تكثر في سنة الوباء، كما أشار في: المرجع نفسه، ج 3، ص 90–87، إلى حمى الوباء وعلاماته والتحرز منه والعلامات التي تجري مجرى الأسباب، والطاعون داخلٌ فيها، بل
إنه أشار إلى أن من العلامات المقارنة للسبب خروج الفأر إلى ظاهر الأرض، وقد تبين بعد قرون أن سبب الطاعون بكتيريا تسببها البراغيث وتحملها القوارض المصابة بالجرثومة من البراغيث. (1((جعل ابن حجر تسمية الوباء؛ لأجل ما ينشأ عنه من كثرة الموت، ولما كان الطاعون كذلك أطلق عليه اسمه. ابن حجر العسقلاني، ص 104،.107 ((1(ابن سينا، ج 3، ص.165
• المرحلة الأولى: الجمع والتصنيف سواء داخل مدونات الحديث الرئيسة – حيث نجد أبوابًا
خاصة بالطاعون داخل صحيحي البخاري (ت. 6/25 ه 870 م) ومسلم (ت. 61/2 ه 875 م)، وسنن أبي داود (ت. 75/2 ه 888 م)، والترمذي (ت. 79/2 ه 892 م) – أم في الكتب المفردة التي بدأت – بحسب ما نعلم – مع ابن أبي الدنيا (ت. 81/2 ه 894 م) الذي أفرد رسالة بعنوان الطواعين. • المرحلة الثانية: تمثلت في كتب شروح الحديث وخاصة بعد الطاعون الكبير، حيث استقر الفرق بين الطاعون والوباء، وانشغل بعض شراح الحديث بالجمع والتوفيق بين الأحاديث التي يوهم ظاهرها التعارض، وفي هذا السياق أمكن لهذا التمييز أن يدفع ذلك التعارض بين الأحاديث التي تتحدث عن انتشار بعض الأوبئة في المدينة المنورة، والأحاديث التي
تتحدث عن أن الطاعون لا يدخل المدينة أصلً، وقد حكى غير واحدٍ في أزمنة مختلفة أن المدينة المنورة لم يدخلها الطاعون، بدأ ذلك مع الجاحظ (ت. 255 ه/ 869 م) وابن قتيبة.(ت 76/2 ه 889 م) وجماعة من العلماء، ثم انتشر في القرون المتأخرة مع أمثال محيي الدين النووي (ت. 676 ه/ 1277 م) وسراج الدين بن الملقن (ت. 804 ه/ 1402 م) وابن حجر
وغيرهم، بل إن علي بن عبد الله السمهودي. 911 ه/ 1505 (ت م) قد خصص فصلً في تاريخ المدينة المنورة، لإثبات عصمة المدينة من الطاعون، وأنه لم يدخلها قط، وقد أكد هذا المعنى فيما بعد بعض الرحالة الأوروبيين في القرن التاسع عشر مثل ج. ل. بوركهارت
J. L. Burckhardt، وريتشارد ف. بورتون Richard F. Burton.
2. الطاعون بين الأسباب الظاهرة والباطنة
قاد هذا التمييز بين الطاعون والوباء في المصادر الإسلامية الكلاسيكية إلى إضفاء طابع الخصوصية على الطاعون، وهي خصوصية لا تتحقق في عموم الأوبئة، وتتجاوز مظاهره المادية إلى أبعاد ميتافيزيقية كما سنوضح لاحقًا. فإذا كان الأطباء والعلماء من فقهاء ومحدثين قد اجتهدوا جميعًا في وصف الطاعون ومظاهره الجسدية – وهو أمر خارج عن نطاق هذا البحث – فإنهم قد افترقوا في تعيين أسباب وقوعه. فالطب يجتهد في معرفة الأسباب الظاهرة، ولكن الفقهاء والمحدثين كانوا منشغلين بالبحث عن «الأسباب الحقيقية» له، وهو افتراق سيعكس اختلاف وظائف كل حقل، ومصادر المعرفة لدى كل فريق كما سنفصل.
((1(لا نعلم عن هذا الكتاب شيئًا، وقد ذكر ضمن مؤلفات ابن أبي الدنيا الكثيرة. انظر مثلً: أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي،
سير أعلام النبلاء، تحقيق مجموعة بإشراف شعيب الأرناؤوط، ج 13، ط 3 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1985)، ص.403 (1((أبو حفص عمر بن علي بن الملقن، التوضيح لشرح الجامع الصحيح، تحقيق دار الفلاح بإشراف خالد الرباط وجمعة فتحي،
ج 72 (الدوحة: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 0082)، ص 473؛ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح
البخاري، قام بإخراجه وتصحيح تجاربه محب الدين الخطيب، وأشرف على طبعه قصي محب الدين الخطيب، ج 10 (القاهرة:
المكتبة السلفية، [د. ت])، ص 190؛ علي بن عبد الله بن أحمد الحسني السمهودي، خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى (مع زيادات
من كتاب وفاء الوفا)، دراسة وتحقيق محمد الأمين محمد محمود الجكني، طبع على نفقة السيد حبيب محمود أحمد، ج 1 ([د. م]،
[د. ن]، [د. ت])، ص 158–153؛ عبد الرؤوف المناوي، فيض القدير شرح الجامع الصغير، ج 4 (بيروت: دار المعرفة للطباعة والنشر، 1972)، ص 132؛ ينظر أيضًا:
Conrad, pp. 284–288.
وقد وردت رواية في أن مكة كذلك لا يدخلها الطاعون، ولكن إسنادها ضعيف، كما أن عددًا من العلماء قد حكوا أنه دخلها الطاعون
الكبير (749 ه)، منهم ابن الملقن وابن حجر والسمهودي، وغيرهم.
بحث الأطباء في أسباب الطاعون «الظاهرة»، وهي ترجع إلى أسباب مادية بيئية أو فلكية أو تجمع بينهما في بعض الأحيان؛ فالفيلسوف والطبيب ابن سينا شخّص الطاعون بأنه مادة سُمِيّة تُحدث
ورمًا قَتّالً يحدث في المواضع الرخوة من البدن، وأنه أغلب ما يكون تحت الإبط وخلف الأذن وغير
ذلك، وقد أرجع الأوبئة عامة إلى فساد جوهر الهواء الذي هو مادة الروح ومدَده، وقد تحدث بعضهم عن علامات فلكية يقترن الطاعون بها تتصل بحركة النجوم والكواكب، وهو ما أشار إليه المؤرخ ابن إياس (ت. 930 ه) حين قال في طاعون سنة 919 ه/ 1512 م: «فلما نُقلت الشمس إلى برج الحمَل
ظهر الطاعون»، أي في أول فصل الربيع. ويرجع أصل هذا الربط بين وقوع الطاعون والتغيرات الفلكية إلى ابن سينا، ونجده شائعًا في بعض كتب التراجم، وإن كان من غير الحاسم اعتباره تفسيرًا
بالمعنى السببي، فهو لا يعدو ربطًا اقترانيًّا. أما الطبيب ابن النفيس (ت. 687 ه/ 1288 م) فقد جمع بين
الأمرين؛ فربط الطاعون بأسباب أرضية وسماوية معًا. فالأرضية ترجع إلى فساد يعرض لجوهر الهواء، وهو فساد قد يكون بأسباب أرضية كتراكم الجيف والماء الآسن وكثرة الحشرات وغيرها، وقد يكون بأسباب سمائية فلكية ككثرة الشُّهُب والرجوم في آخر الصيف وفي الخريف، وإذا كثرت علامات المطر في الشتاء ولم تمطر. وكذلك فعل الطبيب والأديب لسان الدين بن الخطيب (776 ه/ 1374 م)؛ إذ جعل للطاعون سببين: أقصى «وهو الأمور الفلكية من القرانات التي تؤثر في العالم حسبما يزعمه أرباب صناعة النجوم ويأخذه الطبيب مسلّمًا عنهم، وسبب أدنى وهو فساد الهواء الخاص بمحل
ظهوره ابتداء أو انتقالً». وفي المقابل، انشغل الفقهاء والمحدثون ممن أفردوا الطاعون بالتصنيف بالبحث عن «الأسباب الحقيقية» (أو الباطنة) من خلال نصوص الحديث النبوي. أورد ابنُ حجر، مثلً، التفسيرات والأوصاف المادية للطاعون، ذهب إلى أن ما يميز الطاعون عن الوباء هو أصله، فالطاعون يفارق الوباء «بخصوص سببه الذي لم يَرد في شيء من الأوباء نظيره، وهو كونه من طَعْن الجن». وكتاب ابن حجر في
الأصل كتاب حديثي بامتياز؛ لأنه جمع أحاديث الطاعون وعلق عليها مستفيدًا من المصنفات قبله، حتى إنه جاء بعده من اختصره وجرد أحاديثه فقط، وأحاديث الطاعون كثيرة، منها حديث «فناء أمتي
((1(يُنظر في أسباب الطاعون المختلفة التي كانت سائدة في أوروبا ولدى بعض الكتاب المسلمين: روبرت. س. جوتفريد،
الموت الأسود: جائحة طبيعية وبشرية في عالم العصور الوسطى، ترجمة وتقديم أبو أدهم عبادة كحيلة (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 0172)، ص.175–170 ((1(ابن سينا، ج 3، ص 164؛ ابن حجر العسقلاني، بذل الماعون، ص 99؛ مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي، ما يفعله الأطباء
والداعون بدفع شر الطاعون، تقديم وتعليق خالد بن العربي مدرك (بيروت: دار البشائر الإسلامية، 0002)، ص.37 (1((محمد بن أحمد بن إياس، بدائع الزهور في وقائع الدهور، حققها وكتب لها المقدمة محمد مصطفى، ج 4 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984)، ص 962، والإحالة في هذا إلى ابن سينا نجدها في مصادر أخرى. يُنظر مثلً: إلياس بن إبراهيم
اليهودي الإسباني، مجنة الطاعون والوباء، نسخة خطية ألَّفها هذا الطبيب سنة 915 ه/ 1509 م للسلطان العثماني بايزيد الثاني، وقد
ذُكر أن له شرحًا على كتاب القانونلابن سينا. (1((ينظر: ابن حجر العسقلاني، بذل الماعون، ص.101–100 2(((أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الخطيب، مقالة مقنعة السائل عن المرض الهائل، تحقيق حياة قارة (الرباط: دار الأمان، 0152)، ص.65 2(((ابن حجر العسقلاني، بذل الماعون، ص.104
بالطعن والطاعون. قيل: يا رسول الله: هذا الطعن قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: وخز أعدائكم من الجن، وفي كلٍّ شهادة». والطاعون أيضًا – كما في بعض الروايات – «رجز أو عذاب عُذب به بعض الأمم ثم بقي منه بقية»، وهو «عذاب يبعثه الله على من يشاء، وأن الله جعله رحمة للمؤمنين »، و«شهادة لكل مسلم». ورغم أن ابن حجر أكد أن هذا الفارق – وهو أن منشأه من طعن الجن – «لم يتعرض له الأطباء ولا أكثر من تكلم في تعريف الطاعون»، فإنه سُبق إلى هذا المعنى، كما نجد، مثلً، لدى ابن قيم الجوزية، وأبي عبد الله الشبلي (ت. 769 ه/ 1368 م) وشمس الدين المنبجي (ت. 785 ه/ 1383 م) وغيرهم. بل إن أبا بكر الكلاباذي (ت. 80/3 ه 990 م) قد جعل الطاعون على ضربين: 1«) منه داء، ومنه وجع ووباء يقع من غلبة بعض الأمشاج الذي هو الدم أو الصفراء؛ إذا احترق أو غير ذلك من غير سبب يكون من الجن. 2) ومنه ما يكون من وخز الجن»؛ ما يعني أنه لم يجعل وخز الجن مطردًا، وقد حاول أن يقدم رؤية مركبة تستوعب تنوع الطاعون الذي كان يقع بأشكال مختلفة، كما قد عرفنا لاحقًا التمييز بينها باصطلاحات خاصة. وقد أمكن لابن حجر، مثلً، أن يخلص إلى وجود أربعة أنواع للطاعون حدد أوصافها.
(((2 حديث «وخز أعدائكم من الجن»، في: أحمد بن حنبل، مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق شعيب الأرناؤوط ومحمد نعيم
العرقسوسي، وشارك في تحقيقه محمد رضوان العرقسوسي، ج 32 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1999)، ص 93 2؛ أبو بكر البزار، البحر
الزخار المعروف بمسند البزار، تحقيق محفوظ الرحمن زين الله، ج 8 (المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم، 1996)، ص 16؛
يعقوب بن إبراهيم (القاضي أبو يوسف)، كتاب الآثار، عني بتصحيحه والتعليق عليه أبو الوفا الأفغاني (الهند: لجنة إحياء المعارف
النعمانية [صورته دار الكتب العلمية ببيروت]، [د. ت])، ص 01 2؛ محمد بن الحسن الشيباني، كتاب الآثار، عني بتصحيحه والتعليق عليه أبو الوفا الأفغاني، ج 1، ط 2 (الهند: لجنة إحياء المعارف النعمانية [صورته دار الكتب العلمية ببيروت]، 1993)،
ص 72 2؛ أبو يعلى أحمد بن علي الموصلي، مسند أبي يعلى الموصلي، حققه وخرج أحاديثه حسين سليم أسد، ج 13 (دمشق: دار
المأمون للتراث، 1988)، ص 194؛ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، المعجم الأوسط، تحقيق طارق بن عوض الله وعبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، ج 3 (القاهرة: دار الحرمين للطباعة والنشر، 1995)، ص 673، وغيرهم. والرواية الأشهر هي عن أبي موسى الأشعري، من طريق زياد بن علاقة، وفي رواية ابن أبي شيبة: «عن زياد عن اثني عشر رجلً من بني ثعلبة، عن
أبي موسى». والظاهر أن هذا الحديث كان معروفًا في بني ثعلبة قوم زياد بن علاقة نفسه. ولكن ثمة روايات أخرى عن ابن عمر عند
الطبراني في: الطبراني، ج 2، ص 75.3 وعن عائشة عند: أبو سعيد أحمد بن محمد (ابن الأعرابي)، المعجم، تحقيق عبد المحسن بن إبراهيم بن أحمد الحسيني، ج 3 (الدمام: دار ابن الجوزي، 1997)، ص.1139 (((2 محمد بن إسماعيل البخاري، الجامع الصحيح المختصر، تحقيق مصطفى بن ديب البغا، ج 6، ط 3 (بيروت/ دمشق:
دار ابن كثير؛ بيروت: دار اليمامة، 1987)، ص 7 255؛ مسلم بن الحجاج، المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم (مطبوع بعنوان: صحيح مسلم)، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ج 4 (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه، 1991)، ص 1737. (2((البخاري، ج 3، ص.1281 (((2 المرجع نفسه، ج 3، ص 1041؛ ج 5، ص 1652؛ مسلم، ج 3، ص.1522 2(((محمد بن عبد الله الشبلي، آكام المرجان في أحكام الجان، تحقيق إبراهيم محمد الجمل (القاهرة: مكتبة القرآن، [د. ت])،
ص 168؛ أبو عبد الله محمد بن محمد المنبجي، كتاب الطاعون وأحكامه، تحقيق أحمد بن محمد بن غانم آل ثاني (بيروت: دار ابن حزم، 0162)، ص.185 2(((أبو بكر محمد بن إبراهيم بن يعقوب الكلاباذي، بحر الفوائد (المشهور بمعاني الأخبار)، دراسة وتحقيق وجيه كمال الدين زكي، ج 2 (القاهرة: دار السلام، 0082)، ص.802
وفي بعض الأحاديث أن الطاعون يقع عند فشو الفاحشة كما في حديث «ولم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعملوا بها إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم». ولذلك قرر المنبجي وغيره أن من أسباب الطاعون والزلازل والفتن شيوعَ الزنا، وهو يندرج تحت أصل عامّ وهو أنه «سبق حكم الله النافذ وحكمته البالغة أنه إذا عُصي أمره وضُيعت حدوده وانتُهكت محارمه وبُدلت
أحكامه وغُيرت معالم دينه: أن يُنزل بالخلق عقوبته ويُمسك عنهم رحمته ويبلوهم [...] ويعاقبهم بأنواع
العقوبات المختلفات»، ثم حاول ابن نُجيم أن يستخلص الحكمة من ذلك فقال: «ولعل حكمته أن الزنا لما كان غالبًا يقع في السر، سَلّط الله عليهم عدوًّا في السر يقتلهم من حيث لا يرونه». ولكن
هذا التفسير بقي غامضًا ومرتبكًا؛ إذ إنه يَصدق على كل الابتلاءات، ومن ثم يصعب التمييز فيها بين
ما هو اختبار وما هو عقوبة، كما أن الطاعون كان يقع باستمرار ويَعُمّ، فيحصد الكثير من الأرواح دون
تمييز بين الصحابة أو الصالحين وغيرهم، ودون تمييز أيضًا بين المسلمين وأهل الذمة من النصارى واليهود الذين خرجوا في العصر المملوكي، مثلً، إلى جانب المسلمين يبتهلون إلى الله لرفع البلاء، وإن كانت الإجابة المعتادة في مثل هذا أن العقوبة تَعمّ المسيء والمحسن، ولكن بقي تفسير وخز الجن أكثر خصوصية وملاءمة – فيما يبدو – من وجهة نظر بعض شراح الحديث ومَن صنّف في
الطاعون، خصوصًا أن وخز الجن يحيل إلى الوسيلة التي يقع بها العقاب، بينما المعاصي والفواحش تحيل إلى السبب الذي لأجله استحق الناس العقوبة الجماعية، ومن ثم ينتفي التنافر بين التفسيرين لديهم. فالطاعون، إذًا، يندرج ضمن العقوبات والابتلاءات الإلهية التي تتم بوسائل ميتافيزيقية (الجن)، وهو نتيجة لتصرفات الناس؛ «ففيه نوع مؤاخذة»، كما قال السمهودي. ورغم أن أغلب أدبيات الطاعون كتبها فقهاء ومحدثون لا أطباء، فإن كلامهم فيه أكثر تفصيلً وأوسع مجالً، حيث يغطي مسائل حديثية وكلامية وفقهية وطبية ولغوية. ومع ذلك فإننا نلحظ فيها هيمنة للأسئلة الكلامية؛ لسببين: الأول مرجعية الوحي المتمثل في أحاديث الطاعون التي حظيت باهتمام شديد، سواء في كتب شروح الحديث أم في الأدبيات المفردة للطاعون، وهو ما أفسح مجالً واسعًا للتفسير الغيبي للطاعون، خاصة مع غموض الأسباب المادية وعدم تماسكها؛ والسبب الثاني عجز الأطباء عن تقديم علاج ناجع للطاعون، ولذلك كثر تواتره تاريخيًّا وحصد خلقًا كثيرًا في أماكن وأزمنة مختلفة، بل إن هذا
العجز أثار أسئلة حول إمكان التداوي من الطاعون وهل للطب مدخل فيه، وهل ينفع. ففي ظل غياب فاعلية الطب، مع وجود أحاديث الطاعون، تحول من مجرد مرض أو موضوع طبي إلى ظاهرة إنسانية ذات آثار دينية على مستويين: كلامي وفقهي؛ وتتمثل في 1) تحديد التصرفات المعيارية
2(((أبو عبد الله الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، تحقيق مقبل بن هادي الوادعي، ج 4 (القاهرة: دار الحرمين، 1997)، ص 712؛ البزار، ج 12، ص 153؛ الطبراني، ج 5، ص 61، وغيرهم. (2((المنبجي، ص 77–76، ص.87 3(((زين الدين بن نجيم الحنفي، رسالة فيما ضبطه أهل النقل في خبر الفصل في حق الطاعون والوباء، مخطوط، مكتبة جامعة الملك سعود، رقم 9355، ق.3 (3((السمهودي، ج 1، ص.154 (((3 ينظر معالجة هذا السؤال في: المقدسي، ص 35 وما بعدها.
للمؤمن أثناء الطاعون، 2) وبيان الجزاء الأخروي المترتب على من يُصاب به أو يموت في زمنه، وهي مسألة تحول دون إصابة الناس بالذعر في زمن الوباء، وتتصل بما يسمى اليوم الذعر الأخلاقي Panic Moral. ففي تصرفات المؤمن، يأتي الحديث عن «ذكر الآثار الواردة في الأذكار التي تحرس قائلها من كيد الجن»؛ بناء على اعتقاد أنه من وخز الجن، كما تتحدث عن مشروعية الدعاء برفعه (مع أنه رحمة وشهادة)، والصبر عليه وحُسن الظن بالله وعدم الفرار من أرض الطاعون، ومنع التعرض إلى البلاء بعدم الدخول إلى الأرض التي وقع فيها. أما فيما يخص الجزاء عليه في الآخرة فنجد الأحاديث التي تفيد أنه «رحمة للمؤمنين ورجز على الكافرين»، والبحث في أجر الشهادة لمن طُعن (أصابه الطاعون) أو مات في زمن الطاعون ولو مات بغيره، وتحديد شروط ثبوت الشهادة لمن يموت بسببه أو فيه (أي في زمنه). وكل هذه مسائل وتفريعات تتمحور حول مسائل كلامية في الأساس تتصل بالقدر والتوكل والأخذ بالأسباب، سواء للوقاية منه أم للعلاج، وهل هي أسباب مادية أم دينية أو كلاهما، وتأثير الأسباب في مسبَّباتها، وهي
جميعًا تتصل بما يسمى اليوم اللاهوت العملي؛ لجهتين: الأولى أنها تعبر عن المعتقدات المعيشة أو كما يجب أن تعاش، والثانية أنها تتناول مسائل دينية أو أخروية. أي إن المعتقد هنا لم يعد مسائل نظرية محضة، بل لها آثار وتطبيقات وتعبّر عن رؤية محددة للواقع والعالم. وبالرغم من هيمنة الجانب الكلامي،
فإنه لا يمكن إغفال أهمية الجانب الفقهي هنا والذي تأسس على خصوصية الطاعون، ومن ثم تمت مناقشة حكم الصلاة والدعاء برفعه أو الاجتماع لأجل ذلك، وحكم التصرفات المالية، سواء للمطعون أم في زمن الطاعون، وهل يُعتبر هذا المتصرّف كمن أشرف على الموت فتبطل تصرفاته؟ هكذا أدى التمييز بين الوباء والطاعون إلى القول بخصوصية الطاعون وأنه مسألة دينية/ سمعية، لا يملك الأطباء الوسائل التي تمكّنهم من الوقوف على أسبابه الحقيقية (وخز الجن وشهادة)؛ بالرغم من أنه داخلٌ في عموم الأوبئة، ومن ثم فإن الطاعون لم يَعد مسألة طبية محضة بل فرض أسئلة كلامية وفقهية وقانونية (كالتصرفات المالية زمن الطاعون)، وهذا شأن الأوبئة التي تنتمي اليوم إلى ما نسميه بالحقل المتعدد التخصصات Field Interdisciplinary. وقد قادت هذه الخصوصية إلى أمرين: الأول بروز نقاش منهجي يتصل بمصادر المعرفة التي تمثلت في ثنائية النص والتجربة من جهة، وبتحديد طبيعة مجالي الطب والشرع ووظيفة كل منهما من جهة أخرى؛ والأمر الثاني بروز مناقشات وتطبيقات فقهية وكلامية تتأسس على خصوصية الطاعون، وتتصل بفكرة اللاهوت العملي، وسنفصل في هذا فيما يأتي.
ثانيًا: التجربة ومرجعية النص: مصادر المعرفة وسؤال المنهج
تشير التشخيصات السابقة للطاعون، إلى أن ثمة مجالين متمايزين: 1) طبي مستندُه التجربة والملاحظة وفق الأدوات العلمية المتاحة في الأزمنة الكلاسيكية؛ 2) وشرعي مستندُه السمع أو الوحي (الحديث النبوي في هذه الحالة). ولذلك نتج لدينا تفسيران للطاعون؛ طبيعي وميتافيزيقي، وهو ما أثار بعض النقاشات المنهجية المتعلقة بمصادر المعرفة (المرجعية العليا) ومنهج النظر. أتكون البداية من النص أم من الواقع التجريبي؟ وهل تقوى المعرفة التجريبية على معارضة المعرفة النصية أو السمعية؟
1. الطاعون والتوتر بين التجربة والنص
تظهر الأسئلة السابقة بعض التوتر في موضوع الطاعون بين التجربة والنص؛ لأنه يتقاطع فيها النظري والعملي، والكلامي والفقهي، والطبي والشرعي؛ الأمر الذي أثار الكثير من النقاش والاختلاف الذي قد تشتد لهجته أحيانًا. وقد منح الغموض الذي أحاط بالطاعون، وأدى إلى ضعف فاعلية الطب الكلاسيكي في معالجة المطعونين، التفسيرَ الميتافيزيقي قوةً؛ لتأكيد فكرة أن الطاعون ينتمي إلى مجال
الغيبيات التي استأثر الله بعلمها، ومن ثم فمصدر معرفتها الوحيد هو الوحي/ السمع، وهو ما يفسر أن السواد الأعظم من مصنفات الطاعون كتبها فقهاء ومحدثون، ونشهد فيها حضورًا كثيفًا للحديث النبوي مصدرًا لدراسة ظاهرة الطاعون وأسبابها وعلاجها. كان ثمة ما يشبه الاتفاق على محدودية الفاعلية العلاجية للطب، بالنسبة إلى المطعون الذي استحكم فيه المرض، من ذلك أن ابن خاتمة يقول مثلً: «اعلم أن علاج هذا المرض – بعد تمكنه واستحكامه – قليل الجدوى في الغالب». وهذا أبو العباس الصقلي الطبيب (ت. نحو 820 ه/ 1417)م يقول: «هذه الأمراض [الأوبئة] لا نستطيع طبها»؛ لأنها قد تدخل على الشخص «فننظر في صفتها على القانون الطبي فيغلب على الظن أن صاحبها ميت فربما يَصح ويَبرأ من ذلك»، وقد تدخل على آخر ف «يغلب على الظن من صفتها أن صاحبها حي بما اقتضته قواعد الطب، فإذا به عن قريب يموت». وكان الصقلي «لا يذكر من الأدوية إلا ما يُقوي القلب ويبرّد ويمنع من اختلاط العقل»، أي إن الأدوية التي
كان يصفها إنما هي للتخفيف من آثار الطاعون وليست لعلاج أصل الداء، وقد استمر هذا الاعتراف بالقصور إلى زمن متأخر؛ يقول الطبيب يحيى الهشتوكي (ت. 1163 ه/ 1750 م): «وأما علاج المريض
(((3 يقول مثلً جمال الدين السُّرَمّرِّي: «وقد زعم قوم جهال ينتسبون إلى العلم وليسوا من أهله، ويجرون في ميدانه وليسوا بخيله
ولا رَجِله، أن هذا الداء وغيره من بقية الأدواء يُعدي، وأن من قارب من به شيء من ذلك أصيب بمثل ما أصابه. وقد رأيت رجلً قدم
من ضيعة يستفتي الفقهاء في ذلك، وزعم أن عندهم فقيهين يحذران الناس من القرب من المرض حتى استقر قولهما في قلوب الناس، وأن الرجل يموت ولده ووالده ولا يحضره؛ حتى إن أكثر الناس يموتون على غير القبلة ومن غير وصية ولا من يذكّره بالتوبة
والشهادة؛ حذرًا من أن يُعديهم مرضه؛ لما وقر في صدورهم من قول هذين الفقيهين بل الجاهلين السفيهين». السرمري،
ص.49–44 3(((صرح الفقيه الأندلسي المالكي ابن لب (ت. 782 ه/ 1380 م) مثلً باعتبار العدوى من أمور الغيب. ينظر:
أبو العباس أحمد بن يحيى الونشريسي، المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب، خرجه جماعة بإشراف الدكتور محمد حجي، ج 11 (الرباط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية للمملكة المغربية، 1981)، ص 835، وجعل بعضهم النهي عن الفرار من أرض الطاعون من باب التعبديات، أي التي لا يُعقَل معناها وإنما يُطلب فيها الامتثال. ينظر: محمد
المواق ومحمد الرصاع، الأجوبة التونسية على الأسئلة الغرناطية، تحقيق ودراسة محمد حسن (بيروت: دار المدار الإسلامي،
0072)، ص 146، ونقله عن ابن حجر في بذل الماعون. (((3 كان هذا العجز عامًّا وشمل أوروبا حينها أيضًا؛ فقد تسبب الموت الأسود (أو الطاعون الكبير) في أزمة عرضت للطب في
ذلك العصر. وكانت مدرسة الطب في فرنسا التعبير الأرقى في أوروبا، ومع ذلك «عندما طلب فيليب ملك فرنسا من كلية الطب بجامعة باريس الرأي بشأن الطاعون، أتاه هذا الرأي بغير فائدة». يُنظر: جوتفريد، ص 170، وقد بحث في أحد فصول كتابه كيف
استنهض الطاعون الطب الحديث. يُنظر: المرجع نفسه، ص.194–163 3(((أبو جعفر بن خاتمة، تحصيل غرض القاصد في تفصيل المرض الوافد، مخطوط، محفوظ في مكتبة الإسكوريال، رقم 1785، ق 73، أ، وثمة نسخة ثانية مخطوطة سأشير إليها لاحقًا بلفظ «نسخة ثانية.» (3((المواق والرصاع، ص.126–125
به – بعد تمكنه – فهو قليل الجدوى في الغالب»، و«الذي ينفع عادة هو استعمال الدواء قبل نزوله بالإنسان»، أي إن الفاعلية الطبية التي كانت متاحة إلى مشارف الأزمنة الحديثة ظلت وقائية لا علاجية، ومع ذلك فإن هذه المساحة الوقائية كانت محل جدل بين الأطباء والفقهاء؛ لأسباب كلامية تتصل بمصادر المعرفة. وقد أتاحت حالة الطب مع الطاعون مجالً خصبًا لحضور الحديث النبوي، من خلال مؤلفات
الطاعون. ويبدو أن الحضور الكثيف لأحاديث الطاعون لدى الفقهاء والمحدثين فرض على الأطباء المتشرعين أن يتناولوا أيضًا تلك الأحاديث أو بعضها، إلى جانب مناقشاتهم الطبية حول الطاعون، في حين أننا لا نكاد نعثر على حضور للحديث في كتابات الأطباء السابقين كأبي بكر الرازي.(ت 11/3 ه 923 م) وابن سينا وابن النفيس، ممن تعرضوا لمناقشة الطاعون في كتبهم الطبية، بالرغم من أن بعضهم قد خصص له فصلً كاملً؛ فقد اقتصروا على ما تفرضه صناعتهم الطبية ومنهجها التجريبي. ويبدو أن ابن قيم الجوزية وجدها فرصةً للانتصار للتفسير الميتافيزيقي للطاعون، ولتأكيد فاعلية المعرفة الدينية في ظل الاتفاق على ضعف فاعلية المعرفة الطبية العلاجية من جهة، والجدل حول فاعلية الجانب الوقائي منها من جهة أخرى. قال ابن القيم: «والطاعون يُعبَّر به عن ثلاثة أمور:
أحدها: هذا الأثر الظاهر وهو الذي ذكره الأطباء. والثاني: الموت الحادث عنه، وهو المراد بالحديث الصحيح في قوله: «الطاعون شهادة لكل مسلم». والثالث: السبب الفاعل لهذا الداء، وقد ورد في
الحديث الصحيح «بقية رجز أرسل على بني إسرائيل»، وورد فيه أنه «وخز الجن»، وجاء أنه «دعوة نبي». يبيّن ابن القيم هنا – بالاستناد إلى الحديث – أن للطاعون ثلاث علل أو أسباب، وهي: أنه رجز،
أو وخز الجن، أو دعوة نبي. وهي أسبابٌ تحيل إلى فعل الأرواح أو الأبعاد الميتافيزيقية، وليس ثمة
ما يمنع – في رأيه – من كون الأرواح وسيطًا من الوسائط لحصول الطاعون؛ «فإن تأثير الأرواح في الطبيعة وأمراضها وهلاكها أمر لا ينكره إلا من هو أجهل الناس بالأرواح وتأثيراتها، وانفعال الأجسام وطبائعها عنها. والله – سبحانه – قد يجعل لهذه الأرواح تصرفًا في أجسام بني آدم عند حدوث الوباء وفساد الهواء، كما يجعل لها تصرفًا عند بعض المواد الرديئة التي تُحدث للنفوس هيئة رديئة، ولا سيما عند هيجان الدم والمرة السوداء وعند هيجان المني، فإن الأرواح الشيطانية تتمكن من فعلها بصاحب هذه العوارض ما لا تتمكن من غيره». ثم إن معرفة السبب الفاعل للداء تعين كذلك على معرفة السبب الفاعل في الدواء، فثمة أسباب وقائية أقوى من أسباب الداء، «كالذكر والدعاء والابتهال والتضرع والصدقة وقراءة القرآن؛ فإنه يُستنزل بذلك من الأرواح الملَكية ما يقهر هذه الأرواح الخبيثة
ويبطل شرها ويدفع تأثيرها». قال ابن القيم: «وقد جربنا نحن وغيرنا هذا مرارًا لا يحصيها إلا الله»،
فثبتت فعاليتها. ولكن هذه الفاعلية التي يصفها ابن القيم لا تزيد – في أحسن أحوالها – عن الفاعلية
3(((الشيخ العارف بالله سيدي يحيى الهشتوكي، كتاب في الطب، مخطوط، نقلً عن: حسين بوجرة، الطاعون وبدع الطاعون:
الحراك الاجتماعي في بلاد المغرب بين الفقيه والطبيب والأمير (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 0112)، ص.362 (3((من الطريف أن محمد علي البار حاول كذلك أن يقوم بأثر عكسي بإبراز علو المعرفة الشرعية على المعرفة الطبية بخصوص
الطاعون، من خلال الدراسة التي قدّم بها لكتاب السيوطي. ينظر: جلال الدين السيوطي، ما رواه الواعون في أخبار الطاعون، تحقيق
محمد علي البار (دمشق: دار القلم، 1997)، ص.56–51
التي قدمها الأطباء، فالأسباب والدوافع التي يقدمها هي وقائية أيضًا وليست علاجية، بل إنه يكاد يستعير مقولة الأطباء حين يقول: إن هذه الأسباب الدافعة للداء إنما تنفع قبل «استحكام الداء وتمكنه، ولا يكاد ينخرم. فمن وفقه الله بادر – عند إحساسه بأسباب الشر – إلى هذه الأسباب التي تدفعها عنه، وهي له من أنفع الدواء. وإذا أراد الله – عز وجل – إنفاذ قضائه وقدره، أغفل قلب العبد عن معرفتها وتصورها وإرادتها، فلا يشعر بها ولا يريدها ليقضي الله فيه أمرًا كان مفعولً»، وذلك لأن التجربة
لا تساعد ابن القيم على ادعاء فاعلية علاجية، كما أنها لم تساعد الطبيب من قبل. ينطوي النقاش السابق على مفاضلة أو تمييز – في أدنى الأحوال – بين نوعين من المعرفة بحسب المصدر والطبيعة التي تَسِم المعرفة نفسها وحدودها. يقول ابن القيم: «هذه القروح والأورام والجراحات هي آثار الطاعون وليست نفسه، ولكن الأطباء لما لم تدرك منه إلا الأثر الظاهر جعلوه نفس الطاعون». ثم جاء ابن حجر فأكد المعنى نفسه فقال: «للأطباء – إذ لم يتعرضوا لكونه من طعن الجن – معذرةٌ؛ لأن ذلك لا يُدرك بالعقل ولا بالتجربة، وإنما تلقيناه من خبر الشارع، فتكلموا على ما نشأ من ذلك الطعن؛ بقدر ما اقتضه قواعد علمهم». فالمعرفة الطبية، إذًا، ظاهرية وتجريبية (بشرية)، في حين أن المعرفة الشرعية سمعية (وحي)، وقادرة على إدراك بواطن الأمور وحقائقها، ومن ثم فلا ينبغي إقامة التعارض بين المجالين: الطب والشرع؛ لأن كل مجال له طبيعته وأدواته. يقول ابن القيم: «وهذه العلل والأسباب ليس عند الأطباء ما يدفعها، كما ليس عندهم ما يدل عليها، والرسل تخبر بالأمور الغائبة، وهذه الآثار التي أدركوها من أمر الطاعون ليس معهم ما ينفي أن تكون بتوسط الأرواح». أي إن المعرفة الطبية تتسم بأمرين: الأول أنها لا تتناول المجال الغيبي (والطاعون من هذا الباب)، لأنه خارج اختصاصها؛ والثاني، أنها لا تؤسس لمعرفة تعارض التفسير الديني، ولهذا لا ينبغي المعارضة بين المجالين. وبناء على سؤال المصدر والمنهج، يمكن أن نميز بين موقفين: موقف يعطي الأولوية للحديث النبوي على التجربة، وموقف يجعل الأولوية للمعرفة التجريبية، ويعيد تأويل الحديث لينسجم مع المعرفة التجريبية، ولكن كلا الموقفين يمارس، في الواقع، نوعًا من التأويل التوفيقي بين الطب والشرع، ويتضح ذلك من خلال أربعة أوجه: الأول: ثمة اتفاق على أهمية الطب والتداوي، بل إن بعض العلماء قد ذهب إلى أن مصدر الطب والشرع واحد وهو الله تعالى، كما أن ثمة حديثًا ينص على أن الله «ما أنزل من داء إلا وأنزل له دواء»، ولكن النزاع إنما يدور هنا حول مسائل إشكالية، كالطاعون، تحيط بها ملابسات خاصة،
(4((ابن قيم الجوزية، زاد المعاد، ج 4، ص.37–36 ((4(المرجع نفسه، ص.36 (4((ابن حجر العسقلاني، بذل الماعون، ص.105 (4((ابن قيم الجوزية، زاد المعاد، ج 3، ص.36 ((4(ابن حنبل، ج 7، ص 8 3؛ علاء الدين بن بلبان الفارسي، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه شعيب الأرناؤوط، ج 13 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1988)، ص 440؛ الحاكم النيسابوري، ج 4، ص.318
وتَرِد فيها نصوص حديثية تُخرجها، وفق منظور المحدثين والفقهاء، من دائرة الدنيوي إلى الغيبي، ومن ثم يتم التنازع على طريقة فهم الطاعون ودراسته: أمرجعه النص أم الواقع والتجربة؟ الثاني: واجه المسلك النصي نصوصًا مختلفة تحتاج إلى تأويل؛ للجمع أو التوفيق فيما بينها، حتى إن
أحاديث العدوى جُعلت مثالً على نوع «مختلف الحديث» من أنواع علوم الحديث. الثالث: اختلفت تصرفات الصحابة في طاعون عمواس وأثارت بعض الأسئلة حول تحديد ما هو معياري منها وقابل للتأسي، وما هو مجرد تجربة تاريخية غير مسبوقة. الرابع: أن المحدثين والفقهاء لم يتجاهلوا المحسوس والمشاهَد كلية بل أخضعوه لقواعدهم التأويلية
وحجاجهم الذي يسلك مسلكًا منطقيًّا. وسنفصل في هذه الوجوه فيما يأتي.
2. الطاعون ومرجعية الحديث
اعتقد المحدثون والفقهاء غير المتطببين أن الحديث وممارسات الصحابة هما المرجع لفهم ودراسة الطاعون؛ لأنهم أخرجوه – كما سبق – من المسائل الطبية إلى المسائل الدينية، وفي هذا السياق شكل حديث «وخز الجنّ» نموذجهم التفسيري، حيث ركّبوا، بناءً عليه، كل التفاصيل الأخرى المتعلقة بكونه
من شؤون الغيب ونفي العدوى والإشكالات المتعلقة بالشهادة والدعاء برفعه وغيرها. من الناحية المنهجية، كان على المحدثين والفقهاء أن يتعاملوا مع إشكالات رئيسة تتعلق بتقديم تأويل متماسك لجملة أحاديث الطاعون. منها ثلاثة إشكالات مركزية: الإشكال الأول: نصي، يتعلق بتأويل الحديث؛ إذ كيف يتم التوفيق بين أحاديث الطاعون المختلفة؟ ففي موضوع العدوى، مثلً، حديث يقول: «لا عدوى»، وآخر يقول: «فرَّ من المجذوم فرارك من
الأسد»، وثالث ينهى عن الخروج من أرض الطاعون لمن كان فيها، وعن الدخول عليها لمن
كان خارجها. وقد طُرحت تأويلات عديدة لهذا الإشكال، ليس من غرض هذا البحث حصرها أو استقصاؤها، وثمة أقوال عدة في كيفية التوفيق بينها، وربما ذهب بعضهم إلى أن التعارض أو الاختلاف بينها غير وارد أصلً. وقد قادت مقولة «وخز الجن» إلى مواجهة أسئلة متنوعة، بعضها نصي يتعلق بأحاديث أخرى تتحدث عن الطاعون وأنه كان رجزًا على بني إسرائيل، وأنه غُدة كغدة البعير، وبعضها طبي يتصل باختصاص الطب الذي ينافس فيه الطبيبُ الفقيهَ والمحدثَ في درس
الطاعون وصياغة خطاب علمي يقدم معرفة تجريبية، وقد رصدنا حدة في اللهجة بين الطرفين في موضوع العدوى خاصة؛ لأنها ذات آثار عملية حيث تتصل بالسلوك الصالح أو الواجب على
(4((ينظر مثلً: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، تأويل مختلف الحديث، تحقيق محمد محيي الدين الأصفر (بيروت:
المكتب الإسلامي، 1999167)، صوما بعدها؛ أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن (ابن الصلاح)، علوم الحديث، تحقيق نور الدين
عتر (بيروت/ دمشق: دار الفكر، 1986)، ص 84 2؛ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في
مصطلح أهل الأثر، تحقيق نور الدين عتر، ط 3 (دمشق: مطبعة الصباح، 0002)، ص.76 ((4(سبق أن ذكرت مثالً لهذا من كلام جمال الدين السرمري، وسيأتي لاحقًا مثالان من ابن خاتمة وابن الخطيب. وقد قال
المنبجي: «وأما بعض من شذ من جهال الأطباء فقال: إنه يعدي وذلك لسوء فهمه وعدم معرفته بالأسباب والأحكام الشرعية.» المنبجي، ص.302
الناس أثناء الطاعون من جهة، ويتقاطع فيها الطبي والكلامي من جهة أخرى. والتقنيات المنهجية المتبعة هنا هي: تضعيف أحد الحديثين؛ حديث نفي العدوى أو حديث إثبات العدوى، والقول بالنسخ عند بعض من قال بإثبات العدوى، والجمع بين النصوص بالتأويل عند من نفى العدوى، بناء على أن «الأحاديث يفسر بعضها بعضًا»؛ فمثلً كون الطاعون رجزًا ووخزَ الجن وغُدةً كغدة البعير، لا تَعارض بينها؛ إذ بعضها مطلق وبعضها مقيد، ومن ثم يُحمل المطلق على المقيد ويُفسَّر
به، وهذا مسلك تأويلي عام يلجأ إليه ابن حجر وعامة شراح الحديث؛ لتغليب الجانب الوفاقي على جانب الاختلاف أو التعارض في أحاديث الباب. الإشكال الثاني: معنوي، من قبيل كيف كان رجزًا على قوم ثم صار رحمة لقوم، وكيف يكون شهادة ويُدعى برفعه أو يتم التوقي منه؟ وهل ينفع التداوي فيه؟ وهل يجوز الدعاء برفعه؟ وقد وقعت تأويلات
عدة للإجابة عن هذه الأسئلة، كما وقع الخلاف في مشروعية الدعاء برفع الطاعون، فالمنبجي انتصر
لعدم مشروعية الدعاء برفعه أصل، في حين رد عليه ابن حجر ودافع عن مشروعية الدعاء برفعه. وكونه شهادة لا يتعارض مع طلب رفعه؛ لأن الجهاد شهادة ومع ذلك يتوقى فيه المقاتل العدوَّ، وكما
جاء في الحديث: «لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية». ولم تقتصر الإشكالات على الجانب
الديني، بل سرت إلى الجانب الطبي أيضًا، ولذلك طُرح السؤال عما إذا كان التداوي من الطاعون ينفع، وعما إذا كانت الأدعية والأذكار أيضًا تنفع؟ وقد ذكر مرعي الكرمي (ت. 1033 ه/ 1624 م) قولين في المسألة، كما أن الطبيب أبا عبد الله اللخمي الشقوري (ت. بعد 749 ه/ 1348 م) كتب رسالة ينصح فيها المسلمين بالمحافظة على الطب واستعمال العلاج، الأمر الذي يحتمل أمرين؛ إما أن القناعات الدينية أورثت الزهد في التداوي أو أن عدم قدرة الطب على إيجاد علاج ناجع للطاعون
أورث شكًّا لدى الناس في فاعليته والحاجة إليه. الإشكال الثالث: يتناول العلاقة بين الطب والشرع، وهي علاقة تنطوي على توترات كلامية من جهة، ومنهجية من جهة أخرى. فالإشكالان السابقان يساعدان على صياغة تأويل ورؤية متماسكة لأحاديث الباب، وهي مطلوبة للانتقال إلى الإشكال الثالث هنا، وهو كيف يتم التوفيق بين تلك الرؤية النصية المؤسسة على تأويل محدد للنص والمعرفة الطبية السائدة؟ يخلص ابن حجر، مثلً، إلى أن كون الطاعون «من وخز الجن لا يخالف قول الأطباء من كونه
((4(أشار إليه الرصاع وغيره. ينظر: المواق والرصاع، ص.148 ((4(المرجع نفسه، ص.114–113 ((4 (المنبجي، ص 112–101؛ ابن حجر العسقلاني، بذل الماعون، ص 4–31532، وقد صنف عقيل بن عمر السقاف المكي.(ت 1240 ه)، رسالة يقول في أولها: «أما بعد فإن الذي تسأله من المخرج عن هذا الطاعون بحيلة التوبة، هل هو مكروه أو حرام يوجب الضلال؟ فأبين لك ذلك من أحاديث نبيك فيه، وأنت أبصر بنفسك فيها؛ إذا كنت ذا عقل وفهم في معرفة الحلال والحرام».
يُنظر: عقيل بن عمر السقاف، رسالة في الطاعون، نسخة خطية محفوظة في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وفي
مركز جمعة الماجد. (5((المقدسي، ص 35 وما بعدها. 5(((أبو عبد الله محمد بن علي اللخمي الشقوري، نصيحة، نسخة خطية محفوظة في مكتبة الإسكوريال، رقم 8/5067، ق.2
ينشأ عن مادة سُمِّيَّة أو هيجان الدم أو انصبابه إلى عضو أو غير ذلك؛ لأنه لا مانع أن ذلك يحدث
عن الطعنة الباطنة [أي التي يُحدثها الجن]، فيحدث منها المادة السُّمية أو يهيج بسببها الدم
أو ينصب». أما محمد الرصاع (ت. 894 ه/ 1489 م) فيوضح أن المسألة تدور على الأسباب، وأنها أسباب عادية وليست مؤثرة بطبيعتها. يقول: «فالصواب أنه كما ورد في الحديث، وأن الله يصيب به من يشاء، ويرفعه عمن يشاء، وينجي به من يشاء، ويميت به من يشاء على نحو ما سبق في سابق علمه وقضائه، ولا نمنع فساد الدم من غير تأثير، بل أمر عادي يقع فيه وخز الجان»، ففساد الدم يمكن أن يحدث من دون سبب ظاهر؛ ما دام الفاعل المؤثر هو الله تعالى. فالرصاع ينقلنا هنا إلى صلب النقاش الكلامي من خلال تأكيده على أمرين: الأول: مركزية دور الشرع في هذا النقاش. ولذلك يميز بين أطباء لم يتشرعوا وأطباء متشرعين (وتارة يتحدث عن «أهل الطب والجاهلية»)، فالكلام عن الطاعون والعدوى (والصرع أيضًا)؛ العمدة فيه على معتقد «أهل الحق» أو «أهل السنة»، في مقابل معتقد الجاهلية وأهل الحكمة القائلين بفكرة الطبائع أو المعتقدين بالتأثير الذاتي للأسباب بمعزل عن فعل الخالق سبحانه. بل يذهب أبعد من ذلك إلى القول: «قال بعض أشياخنا: يُستفاد من الشرع كثير من أدلة أهل الأصول الدينية والرد على
الفلاسفة [...] ومن غلب عليه النظر في كلام أهل الحكمة والأطباء المتقدمين والتفقه في أصولهم وقواعدهم لا تتقوى بصيرته بمثل النظر في ذلك ولا الخوض فيه، بل تنظلم»؛ على خلاف المعرفة الشرعية التي تورث النور ونقاء المعتقد. الثاني: أنه إذا كان المعتقد الحق يتمحور حول أن الفاعل الحقيقي هو الله تعالى، وأن الأسباب هي مجرد أسباب عادية مرتبطة بالمشيئة الإلهية، فالطب الروحي هو «الطب الحقيقي»؛ ما يعيدنا مجددًا إلى فكرة
أن «الطبيعة الإنسانية أشد شيء انفعالً عن الأرواح»، كما بين ابن القيم الذي جعل، بسبب ذلك، «نسبة طب الأطباء إلى هذا الطب النبوي كنسبة طب الطرقية والعجائز إلى طبهم»، ولكن «لما عزّ هذا النوع
فزع الناس إلى الطب الجسماني»، ولكن التأثير الروحي يفتقر إلى أحوالٍ وإيمانيات تتطلب اليقين وصدق التوكل وغير ذلك، فلما ضَعُف هذا، لجأ الناس إلى الاستعانة بالوسائل المادية. فالرصاع يقدم
هنا مقاربة كلامية للعلاج تنسجم مع المقاربة الكلامية لتشخيص الداء نفسه؛ الأمر الذي قد يساعدنا
(((5 ابن حجر العسقلاني، بذل الماعون، ص 105–104، ولا بد من الإشارة إلى أن كتاب ابن حجر هذا حظي بشهرة وتلقٍّ واسع
داخل المجال العلمي الإسلامي حتى اختصره أكثر من إمام، منهم مثلً: زكريا الأنصاري. يُنظر: زكريا الأنصاري، تحفة الراغبين في
بيان أمر الطواعين، نسخة خطية محفوظة في مكتبة البلدية في الإسكندرية، برقم 074/9876 5؛ وجلال الدين السيوطي في كتاب ما
رواه الواعون في أخبار الطاعون، وقد سبقت الإشارة إليه، ومحمد بن عبد العظيم المعروف بابن عتيق الحمصي
.(ت 1088 ه/ 1677 م)، خلاصة ما رواه الواعون في الأخبار الواردة في الطاعون، نسخة خطية محفوظة في مكتبة البلدية بالإسكندرية، برقم 029/98225، وقد جرد فيه أحاديث الطاعون من كتاب بذل الماعون مع حذف أسانيدها وهو نحو ما فعل السيوطي. (((5 المواق والرصاع، ص.115 (5((المرجع نفسه، ص 115–108، 127، 130، 134، 139، 142،.150 (((5 المرجع نفسه، ص 142،.144 (5((ابن قيم الجوزية، ج 4، ص.37 (5((المواق والرصاع، ص.118
على فهم جانب من مقولة شائعة في المصادر الكلاسيكية وهي: «صنفان لا غنى للناس عنهما: الأطباء لأبدانهم، والعلماء لأديانهم»، فالمقولة قد تحيل، على نحو غير مباشر، إلى جانب من هذا التوتر في العلاقة بين الأطباء والعلماء، في المسائل التي هي موضع جدل أو نزاع: أتنتمي إلى الطب أم إلى الشرع؟ وأيهما أصل وأيهما فرع؟ لا يختلف موقف ابن حجر عن موقف الرصاع في خصوص مسألة السبب المؤثر، كما أن كليهما ليسا ضد التداوي من حيث الأصل، على خلاف ما قد يبدو من حدة موقف الرصاع الذي ينقل عن ابن خاتمة أن إباحة التداوي محل إجماع، ولكن النقاش انزلق إلى تحرير مسائل كلامية عويصة ترتبط بمفهومَي التوحيد والعبودية، ولكنها في الوقت نفسه تفتح مشكلاتٍ تتصل بأهمية الأسباب
الطبية وقيمة الأخذ بها؛ فنفي العدوى رأسًا – كما هو ظاهر الحديث – يمكن أن يؤدي إلى إبطال
فكرة الأسباب، وينفي جدوى العلاج الطبي بالكلية، وهي مشكلة تنبه إليها شرف الدين الطيبيّ
.(ت 743 ه/ 1342 م)، ولذلك رأى أن المشكلة تكمن في تحرير مفهوم العدوى؛ فالعدوى إن كانت بمعنى انتقال العلة من مريض إلى آخر فهو أمرٌ مشاهد، ونفيُ هذا المعنى المشاهد قد «يفضي إلى
تعطيل الأصول الطبية، ولم يَرد الشرع بتعطيلها؛ بل ورد بإثباتها واعتبارها على وجه لا يناقض أصول
التوحيد». فهذه محاولة للتوفيق بين حقلي الطب والشرع؛ لأن الأطباء يقررون العدوى في سبع علل: الجذام والجرَب والجُدَري والحصباء والبخَر والرمَد والأمراض الوبائية، وأنها علل تنتقل
من مريض إلى آخر، وهذا ثابت بالتجربة ولا يمكن إنكاره، ولكن العدوى، بمعنى التأثير الطبعي، مسألة كلامية، مرجعها إلى الله تعالى الخالق لكل شيء، وبهذا فصل الطيبي بين المنحى الطبي والمنحى الكلامي، من خلال تحرير مفهوم العدوى والتمييز بين ما تثبته التجربة وما يقرره النص من أن الله خالق كل شيء. وقد استمرت محاولة التوفيق بين الطب والشرع إلى زمن متأخر في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؛ فقد حاول كل من محمد بن يحيى الهشتوكي وحمدان بن عثمان خوجة.(ت 1255 ه/ 1839 م) مثلًالتوفيق بين التفسيرين الطبي (فساد الهواء) والغيبي (وخز الجن). وقد أثار نقل الطاعون من المجال الطبي إلى المجال الكلامي سؤالً مهمًّا طرحه الفقيه المالكي محمد
المواق (ت. 897 ه/ 1492 م)، حين سأل محمد الرصاع عن صحة كون الطاعون من وخز الجن، وعما إذا كان يجب علينا اعتقاده؛ رغم كونه خبرَ آحاد (أي ظني)، أو عما إذا كان يمكن اعتباره من المسائل
5(((استعادها مثلً: إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي بكر الأزرق، تسهيل المنافع في الطب والحكمة المشتمل على شفاء الأجسام
وكتاب الرحمة (القاهرة: ملتزم الطبع عبد الحميد أحمد حنفي، [د. ت]). ص.2 وهو كتاب يجمع فيه بين العلاج الطبي وبعض العلاجات الروحانية. (5((المواق والرصاع، ص 123. (6((شرف الدين الحسين بن عبد الله الطيبي، شرح الطيبي على مشكاة المصابيح المسمى بالكاشف عن حقائق السنن، تحقيق عبد الحميد هنداوي، ج 9 (مكة المكرمة/ الرياض: مكتبة نزار مصطفى الباز، 1997)، ص 9792؛ وينظر: أبو عبد الله محمد
بن خلفة الأُبيّ، إكمال إكمال المعلم، ج 6 (بيروت: دار الكتب العلمية، [د. ت])، ص 8–37.3 وقد ورد في النسخة: «والعبرة بها»
بدل «اعتبارها». ((6(بوجرة، ص 62 2؛ وحمدان بن عثمان خوجة، إتحاف المنصفين والأدباء بمباحث الاحتراز عن الوباء (إستانبول: دار الطباعة السلطانية،.)1835
العملية فلا يشترط فيه التواتر ويكفي فيه خبر الآحاد، أو عما إذا كان يمكن التفريق في المسائل النظرية (الاعتقادية) بين ما يرجع إلى مبحث الأسماء والصفات فيشترط فيه التواتر، وما لا يرجع إليها فيُقبل فيه
خبر الآحاد. كانت إجابة الرصاع أن هذه النازلة علمية محضة ليس لها متعلَّق اعتقادي، ومن ثم يكفي فيها خبر الآحاد. فالمسائل منقسمة، بحسب الرصاع، إلى ما متعلَّقه العلم (أي التصورات) وما متعلَّقه العمل (أي التصرفات). فما متعلَّقه العلم على قسمين: 1) ما فيه اعتقادٌ مما يجب اعتقاده، والإخلالُ به ضرر، فهذا لا يكفي فيه خبر الآحاد؛ إذ لا بد فيه من التواتر؛ 2) وما لا يكون كذلك فهذا يكفي فيه خبر الآحاد، وقد ألحق وخز الجن بهذا القسم الأخير، كأنه يريد أن يقول: إن المسألة علمية تفسيرية وليست اعتقادية، ومن ثم فلا يشترط فيها التواتر أو القطع كشأن المسائل الاعتقادية.
3. التجربة والتأويل
أما الأطباء المتشرعون مثل ابن خاتمة وابن الخطيب، فقد انصرفوا إلى بحث الطاعون بطريقة صناعية؛ لأنه موضوع طبي أصالةً، وتنشغل هذه الصناعة بالتمييز بين الحالات المختلفة وأنواع المرض، ووصف أعراضه، وكيفية انتقاله وتفشيه، وتأثيره في جسم الإنسان، وأشكال الوقاية والتحرز منه، وسبل العلاج وغير ذلك. فغرض هذه الصناعة عملي يتمثل في التشخيص ثم الوقاية والعلاج أو التخفيف من الآلام والآثار بقدر الإمكان، وهذا لا يتأتى إلا من خلال الملاحظة والتجربة وما قرره الأطباء السابقون. فالتجربة هي النموذج التفسيري الباحث عن العلل والأسباب المادية للمرض وآلية عمله، بخلاف الصناعة الشرعية التي تتوسل بالنص والتأويل. هذا الفارق المنهجي أثمر ثلاثة أمور؛ الأول إثبات العدوى؛ والثاني إهمال أحاديث «وخز الجن» في رسائل مخصصة لبيان الجانب الصناعي العلمي والعملي؛ فالعدوى لا تتوافق مع «وخز الجن» ومع التفسيرات العلمية التي يقدمها كلٌّ من الطبيبين لآلية حدوث المرض وانتشاره وأعراضه والوقاية والتحرز منه؛ والثالث استطراد الأطباء لنقد تصورات نفاة العدوى ممن ركنوا إلى ظواهر النصوص فقط، أي إلى فهم تأويلي (نصي غير تجريبي). يوضح المقصدَ الصناعي لدى ابن خاتمة وابن الخطيب عنوانُ رسالتيهما اللتين خُصصتا لبيان أو تفصيل «المرض الوافد» أو «المرض الهائل». فابن خاتمة خصص القسم الأول من رسالته لمعالجة الجانب الطبي الذي أسسه على الملاحظة والتجربة المباشرة أثناء الطاعون الكبير الذي حل بسكان
((6(المواق والرصاع، ص 90،.128 ((6 (حظيت بعض رسائل الطاعون المصنفة في غرناطة، باهتمام بعض الباحثين الغربيين. فقد اهتم راسل هوبلي، مثلً، بفتوى
ابن لبّ التي يدافع فيها عن نفي فكرة العدوى، ورسالة لسان بن الخطيب وتلميذه أبي عبد الله الشقوري المسماة بالنصيحة، وقد
خلص إلى أن جدال الطبيبين ابن الخطيب والشقوري يعكس ارتياحًا لمعرفة ناشئة من خارج التفكير الفقهي legal Islamic Outside
thought وتحاول تحديه أيضًا. وبحثي هذا يوضح تعقيدات العلاقة بين الطب والشرع أو النص والتجربة بأوسع مما درسه راسل
هوبلي، كما أن حدة العبارات بين الطرفين، والتي أشرت إليها في أكثر من موضع هنا، تعبر عن هذا التنافس بين المرجعيتين: الديني والتجريبي. يُنظر مثلً:
Russell Hopley, «Contagion in Islamic Lands: Responses from Medieval Andalusia and North Africa,» Journal for Early Modern Cultural Studies , vol. 10, no. 2, Rhetorics of Plague, Early and Late (2010), pp. 45–64; W. B. Ober & N. Aloush, «The plague at Granada, 1348–1349: Ibn Al–Khatib and Ideas of Contagion,» Bulletin of the New York Academy of Medicine , vol. 58, no. 4 (1982), pp. 418–424.
ألمرية (749 ه/ 1348 م)، وقد وصف الطاعون وصفًا طبيًّا دقيقًا، وتتبع تأثيراته وتوصل إلى استنتاجات
بالغة الأهمية في زمنه، جعلت من كتابه محل اهتمام فيما بعد. أما ابن الخطيب فقد كتب رسالته وفق الصناعة الطبية، ولذلك قال بعد أن بين حقيقة المرض وأسبابه: «هذا مقتضى الصناعة وما يعطيه النظر بعد مراعاة مقدماتها من تشريح وغيره». وقد قادت الصناعة وأصولها التجريبية هذين الطبيبين إلى إثبات العدوى على وجه القطع. يقول ابن خاتمة: «الظاهر الذي لا خفاء به ولا غطاء عليه أنّ هذا الدّاء يَسْرِي شرّه ويتعدّى ضرُّه؛ شهدت
بذلك العادة وأحكمته التجربة. فمَا من صحيحٍ يلُابِسُ مريضًا، ويُطِيلُ ملابسته في هذا الحادث؛ إلّ وتتطرّق إليه إذايته، ويصيبه مثل مرضه»، ويعتبر هذا «إعلانًا بالحقّ الذي قام عليه شاهد الوجود».
وقد قطع ابن الخطيب كذلك بوجود العدوى؛ لأنها ثبتت بالبرهان، و«مواد البرهان» هي «التجربة والاستقراء والحس والمشاهدة والأخبار المتواترة»، وجميعها متوافر في إثبات العدوى. فالقطع بثبوت العدوى مصدره التجربة والمشاهدة وهي من مواد البرهان، كما أنه قد تواترت بهذا الوقائع والأخبار مما يعضد فكرة التعميم في التجربة، وينقلنا إلى البحث في كيفيات انتقال المرض ووقوع العدوى. وهنا يقرر ابن خاتمة أن العدوى تنتقل بأحد طريقين: 1) نقل المرض من شخص إلى آخر، ويقع عن طريق المخالطة التي تقع للقادم إلى أرض الطاعون إذا خالط المطعونين؛ 2) ونقل المرض من أرض إلى أرض، ويتم من خلال حامل المرض الفارّ من أرض الطاعون عند فراره وهلاكه بين أظهر آخرين. يبين لنا ابن خاتمة أيضًا أن العدوى تتم بإحدى وسيلتين: نفَس المرضى وإفرازات الجسم. يقول: «وذلك أن أبخرة المرضى المتعفنة الخارجة مع أنفاسهم إذا بلغت قلب مستنشقها ورئته مع الهواء الذي يستنشقه فإنها تتشبث بهما؛ للمناسبة بين محلّ خروجها ومحل ورودها، وتؤثر هناك بما في طبيعتها أن تفعل بين التعفن والفساد [...] وكما أن الضّرر يحصل من تلقي أنفاسهم؛ فكذلك يحصل من الأبخرة المتصعدة من أبدانهم؛ وإن كانت دون ذلك في التأثير، وكذلك من استعمال ملابسهم وفرُشهم التي
تقلّبوا فيها زمنَ مرضهم. ذلك ما شهد له العلم والتجربة. ولقد شَهِدْتُ أهل سوق الخلق بألمَرية الذين يبتاعون بها ملابس الموتى وفرُشَهُم مات أكثرهم ولم يَسلم منهم ولا من الذين خلَفوهم إلا الأقل،
وغيرهم من أرباب الأسواق حالُهم كحال سائر الناس. واطلعت من حال البلدان الذين حرَص أهلها
على أن لا يدخل عليهم أحد من بلاد الوباء وحافظوا على ذلك، أن استصحبوا السلامة زمانًا؛ حتى غُلبوا على ذلك. وإن أكثر أهل الحصون التي تلي ألمرية ونزل بها هذا الحادث لَيؤرخون زمان نزوله بهم بقدوم فلان أو فلانة عليهم من بلاد الوباء وموتِه بين أظهرهم، ولهم في التحفُّظ من ذلك والتورّط
(64) Luisa María Arvide Cambra, «Some Doctrinal Aspects Contained into the Religious Questions of Ibn Khatima’s Treatise of the Pest (14 th Century),» Linguistics and Literature Studies , vol. 5, no. 3 (2017), pp. 184–186.
شكل كتاب ابن خاتمة مصدرًا مهمًّا للكتابات اللاحقة كما نجد في المغرب العربي مع الرصاع، وفي المشرق العربي مع ابن حجر
العسقلاني وغيره. ((6(ابن الخطيب، ص.70 (6((أبو جعفر بن خاتمة، تحصيل غرض القاصد، مخطوط، نسخة ثانية، محفوظة بمكتبة الإسكوريال، رقم 6/5067، وقد نسخت بتاريخ 1851، ق.16
فيه حكاياتٌ تواترت بانتشارها؛ فلا معنى لإنكارها». أي إن أهل ذلك الزمان قد توصلوا بالفعل إلى بعض وسائل التحرز كالعزل، وأنها كانت نافعة في الوقاية إلى أن تم اختراق العزل بأحد القادمين من بلاد الطاعون. أما ابن الخطيب فقد ميز في وقوع المرض بين وقوعه في بدن الإنسان ابتداءً – وهو
الأقل – وبين انتقاله من إنسان إلى آخر بالعدوى – وهو الأكثر – فقال: «إذا ورد على بدن الإنسان ابتداء؛ لاستعداده – وهو الأقل – أو انتقالً وعدوى – وهو الأكثر – انفعل له الروح: إما دفعة، أو بعد مصابرة؛ بحسب الاستعداد». وهذا العلم القطعي الثابت وفق أصول الصناعة، و«بحسب ما أعطاه العلم وشهدت له التجربة وصححته المعاناة والممارسة»، لا يقوى على معارضته خبرٌ أو تأويلٌ؛ لقوة «شاهد الوجود» (الحقائق التجريبية)،
وأنه ليس مسألة تأويلية كالمسائل النصية. وعلى افتراض التعارض بين المعرفة الطبية التجريبية والخبر المسموع التأويلي، فإنه من المقرر أنه «لا معارضة عند أرباب العقول بين المعقول والمنقول» كما يقول ابن خاتمة، وأن «من الأصول التي لا تُجهل: أن الدليل السمعي إذا عارضه الحس والمشاهدة لزم تأويله» كما يقول ابن الخطيب. وهذا منهما إشارة إلى البعد التأويلي في ما هو نصي أو نقلي؛ بخلاف ما ثبت بالبرهان القطعي (العقلي) أو بالحس والمشاهدة (الوجودي). ورغم أن للطبيبين إسهامًا ومشاركةً في العلوم الأدبية والشرعية، فإن موضوع الطاعون – كما تقرر – هو موضوع طبي، ولكن يبدو أنهما اضطرا إلى تناول جوانب نصية خارجة عن الصناعة الطبية؛ لإزاحة شبهة التعارض من جهة، وللرد على نفاة ما أثبتته المعرفة الطبية من جهة أخرى. ولإزاحة الشبهة أو حل الإشكال وفق المنهج النصي، خصص ابن خاتمة الجزء الثاني من رسالته للحديث عن أحاديث الطاعون (أحاديث الرجز، والعدوى، والفرار من والدخول إلى أرض الطاعون وغيرها). صحيحٌ أنه قرر – في بداية القسم
الثاني – أن «ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك هو الأمر المعتمَد عليه والحق المستنَد إليه
والمهيمن على ما بين يديه»، إلا أنه لم يغادر أصول صناعته، وبنى تأويلاته للأحاديث على أساسٍ من تلك المعرفة الثابتة بالبرهان وشاهد الوجود، ولا سيما أنه قدم في الجانب الطبي إضافة مهمة بخصوص شرح المرض ووقوع العدوى ووسائل التحرز من المرض والعدوى، كما أن تأويله للحديث جاء أكثر تماسكًا من شراح الحديث؛ لأنه جمع بين المعرفتين: الطبية والشرعية. أما ابن الخطيب فقد أوضح بعبارة موجزة أن «الكلام في القول بالعدوى أو بعدمها شرعًا: ليس من وظائف هذا الفن [أي الطب]، وإنما جرى [الكلام فيه] مجرى الجمل المعترضة والمثُل»، فهو إنما تعرض لأحاديث العدوى للرد على بعض المفتين القائلين بنفيها؛ رغم أن العدوى مسألة طبية تنبني على الصناعة الطبية التي تشخّص الأمراض وعللها وأسبابها ومن ثم تقرر ما يعدي منها وما لا يعدي وكيف يتم التحرز من ذلك.
((6(المرجع نفسه. ((6(ابن الخطيب، ص.68 ((6(ابن خاتمة، نسخة ثانية، ق 8.3 ب ((7(ابن الخطيب، ص.74 ((7(ابن خاتمة، نسخة ثانية، ق 8.3 ب
ولجهة الرد على نفاة العدوى تحديدًا، يقول ابن خاتمة: «ولا يسع جَحْدُ ذلك إلا لأحد رجلين: إما معاند مُشاقّ لا يبالي بالفضوح ولا يستحي من الله سبحانه أن يطلع عليه ولسانه غير مطابق لقلبه؛ فإن شاهد الوجود في ذلك أعظم من أن يُكابَر أو يُعارَض [...] وإما رجل لم يشاهد طاعونًا قط ولا نزل بساحته، ولا أقول لم يشاهد طاعونًا بإطلاق، بل لم يشاهد هذا الطاعون الذي وقع السؤال عنه، ولا رأى أحوال الناس فيه، فهو يظن، والظن أكذب الحديث». أما ابن الخطيب فقد أغلظ القول لنفاة شاهد الوجود ووصفهم بأنهم اعترضوا الناس «اعتراض الأزارقة من الخوارج بالسيوف، فسالت على شبا أقلامهم من النفوس والمهج ما لا يعلمه إلا من كَتب عليهم الفناءَ بسببه سبحانه، وإن كان بريء
القصد من المضرة؛ وقوفًا مع ظاهر لفظ الحديث»، وقال: «وبالجملة فالتصامم عن مثل هذا الاستدلال زعارة وتصاقر على الله واسترخاص لنفوس المسلمين»؛ رغم أن «في الشرع مؤنسات عديدة» تشهد لثبوت العدوى. من الواضح أن ابن خاتمة وابن الخطيب يحيلان التعارض في النصوص إلى الظاهر فقط؛ لأنه ليس ثمة تعارض على الحقيقة؛ فالمسألة تأويلية تتصل بفهم النص، وأنه لا يتعارض مع الثابت بالتجربة التي تواترت وأمكن تعميم نتائجها. فالمشكلة تكمن في قلة الاطلاع أو غياب المشاهدة من جهة، وفي الوقوف عند ظاهر النص من جهة أخرى. ويفيدنا ابن الخطيب أنه كان في مدينة «سلا» بعض من يقول بالعدوى من الزهاد، وبأن قومًا آخرين «من أهل الورع [...] قد رجعوا عن الفتوى بنفي العدوى؛ تحرجًا من تسويغ الإلقاء باليد إلى التهلكة». ولكن المعرفة الطبية حول الطاعون لم تكن محل تسليم لدى الفقهاء والمحدثين؛ فقد وجهوا انتقاداتٍ لشقّيها: الشق التشخيصي الخاص بكون الطاعون ناتجًا من فساد الهواء، والشق المنهجي الخاص بحجية التجربة والمشاهدة. بل إن بعضهم استدل بوجود ثغرات في التجربة لتأييد التفسير الغيبي نفسه كما فعل كلٌّ من ابن القيم وابن حجر والرصاع. على الجانب التشخيصي (فساد الهواء)، أورد ابن القيم جملة انتقادات لخصها ابن حجر، وتدور على: 1) وقوع الطاعون في أعدل الفصول وفي أصح البلاد هواء وأطيبها ماء؛ 2) وأنه لو كان من الهواء لعمّ الناس والحيوانات، فقد شوهد يأخذ أهل بيت من بلد بأجمعهم ولا يدخل بيتًا بجوارهم أصلً، أو يدخل بيتًا فلا يصاب منه إلا بعضهم؛ 3) وأن فساد الهواء يقتضي تغير الأخلاط وكثرة الأمراض والأسقام وهذا يقتل بلا مرض أو بمرض يسير؛ 4) وأنه لو كان من فساد الهواء لعمّ جميع البدن بمداومة الاستنشاق، والطاعون إنما يحدث في جزء خاص من البدن لا يتعداه لغيره فيقتل صاحبه غالبًا؛
5) ولو كان بسبب فساد الهواء لدام في الأرض، لأن الهواء يصح تارة ويفسد تارة، والطاعون يأتي على غير قياس ولا تجربة ولا انتظام؛ 6) وأن كل داء بسبب من الأسباب الطبيعية له دواء من الأدوية
((7(المرجع نفسه، ص 4–53.5 وقد قسم ابن خاتمة الطواعين ثلاثة أنواع وذكر أعراضها وتشخيصها وعلاجها. ((7(ابن الخطيب، ص.74 ((7(المرجع نفسه، ص.75–72
الطبيعية، وهذا الطاعون أعيى الأطباء دواؤه حتى سلّم حذاقهم أنه لا دواء له ولا دافع له إلا الذي خلقه وقدّره. ولكن ابن القيم لا ينفي فكرة فساد الهواء بالكلية؛ فإنه قال: «المقصود أن فساد الهواء جزء من أجزاء السبب التام والعلة الفاعلة للطاعون؛ فإن فساد جوهر الهواء موجب لحدوث الوباء، وفسادُه يكون لاستحالة جوهره إلى الرداءة؛ لغلبة إحدى الكيفيات الرديئة عليه كالعفونة والنتن والسُّمِّيَّة». وبالرغم من أن التقدم العلمي الحديث قد أثبت لنا قصور نظرية فساد الهواء؛ لأن الطاعون ميكروب تنقله البراغيث التي تتغذى بالدم من الفئران إلى جسم الإنسان، فإن الانتقادات السابقة لا تقوى على نفي العدوى نفسها وإن أفادت قصور التفسير الطبي القديم عن شرح أسباب وقوع الوباء. ومن الواضح أن أغلب الانتقادات السابقة تأخذ منحىً منطقيًّا، وهو نفي إمكان الاطراد والتعميم في المرض
والعدوى به؛ فما باله خصّ بلدًا دون آخر، وقومًا دون آخرين على قرب الجوار؟ تستدل هذه الانتقادات بالتجربة والمشاهدة وعدم الاطراد لإضعاف الاستدلال الطبي بالتجربة والمشاهدة نفسها، الأمر الذي جعل منها مسألة تأويلية قابلة للاستدلال من قِبَل الطرفين. يقول الرصاع مثلً: «لو صح أنه من فساد
الدم لما رأيته يختلف حاله، «بل ذلك جار على من يعتقد التأثير والعدوى». لنتأمل كيف أعاد الرصاع صياغة استدلال ابن الخطيب بطريقة منطقية. قال الرصاع: «وتقريره على الطريق العلمي أن يقال: 1) كلما ثبت الطاعون ثبت عدواه، 2) وكلما ثبت عدواه فيجوز الفرار منه، [...] فكلما ثبت الطاعون جاز الفرار منه. [فالمقدمة] الصغرى الشرطية ثبتت بما قرره في العادة للقطع بذلك، وأيّد ذلك بنسخ حديث (لا عدوى). وبيان [المقدمة] الكبرى بحديث الأجذم وما شابهه، فثبتت النتيجة، وهي منافية لما ثبت النهي عنه من الفرار منه [...] وحينئذ فيجب تأويل ما ورد في النهي عن الفرار منه إلى آخره. هذا الذي فهمتُ منه». أي إن الرصاع لم يستطع أن يفهم استدلال ابن الخطيب خارج إطار الصناعة المنطقية، في حين أن هذا الاستدلال تأسس أصالة على التجربة والمشاهدة، أي على الصناعة الطبية. أما تعرض ابن الخطيب للنص وتأويله فهو استدلال تبَعي أو مجرد استطراد مبناه
على التسليم بما أثبتته التجربة ولزم تأويل النص لأجله، ولكن الرصاع اقتصر على تصوير الاستدلال التبعي فقط ثم ردّ عليه فقال: «لا نسلم صدق [المقدمة] الصغرى؛ لأن قول القائل: كلما ثبت الطاعون ثبت دعواه، لا معنى للقول بثبوت العدوى من السني إلا بانتقال المرض من المريض إلى الصحيح من غير تأثير. فقول القائل: كلما ثبت الطاعون ثبت انتقال المرض من المريض إلى الصحيح: 1) فإن قُصد العموم في جميع أهل البلد ممن باشر المريض على وجه اللزوم العادي فهو باطل؛ لأنه خلاف المشاهدة. 2) وإن كان ذلك إنما هو في كثير الناس لا في كل الناس، فهذا لا يفيد القصد منه ما ذكرتم [يقصد الفرار منه]؛ لأن [المقدمة] الكبرى على هذا تكون: كلما ثبت ذلك في كثير من الناس جاز الفرار، وهذه دعوى لم يشهد لها شرع؛ لأن القاعدة الأصلية التي أشرتم إليها إنما هي أن المهالك يجوز الفرار منها، وإنما ذلك مع تحقق الهلاك به أو غلبة الظن به. 3) أو يقال أيضًا بعدم تسليم الصغرى بما
(7((ابن حجر العسقلاني، بذل الماعون، ص 106–105. وحكاه عن ابن القيم، إلا أنني لم أقف عليه في كتب ابن القيم. ((7(ابن قيم الجوزية، ج 4، ص 7–363، وثمة خطأ في الأصل المطبوع وقد قوّمت العبارة لتستقيم. ((7(المواق والرصاع، ص.115
ذكرناه الآن من نفيه صلى الله عليه وسلم العدوى بالمعنى الذي ذكرناه عن الطيبي وهو كلام الصادق؛ لأن ذلك ليس فيه انتقال مرض من محل إلى محل. 4) أو يقال أيضًا: بتسليم عموم الصغرى تقديرًا،
ويقع القدح في الكبرى بأن يقال: الفرار من المهالك العامة التي يغلب على الظن الموت معها مطلوب شرعًا، لكن ليس ذلك على عمومه، بل إذا كان في البقاء مصلحة تُربي على النجاة صح البقاء ولم يَجز
الفرار بل يجب البقاء». هذا النقاش لا يستقيم إلا على طريقة المناطقة والمتشرعين المتمنطقين، في حين أن المعرفة الطبية لا يصلح لها ذلك؛ لأنها تجريبية كما سبق، ولكن الرصاع نقل النقاش كله إلى المنحى النصي التأويلي ليُثبت فكرته في نفي العدوى ونفي التعارض بين النصوص، وللقول: إن الذي أوقع ابن الخطيب وغيره
في الإشكال هو شبهة التعارض بين الأمر الشرعي بالفرار من المهالك، والنهي الشرعي عن الفرار من الطاعون، حتى ظن بعض العلماء – كما نقل ابن حجر – أن النهي عن الفرار لا يُعقل معناه، في حين
أنه لا تعارض بين الأمرين. ثم إنه يَلزم على إثبات العدوى وطرد الأمر بالفرار من المهالك، أن يقال:
إن الفرار واجب وليس جائزًا فقط، وإن من بقي عاصٍ، وهذا مصادم لأحاديث إثبات الشهادة لمن أقام بأرض الطاعون؛ إذ لا يمكن منح ثواب الشهادة على ما استلزم وجوب الفرار؛ لأن الإقامة في هذه الحالة تكون محرمة فلا يمكن الثواب عليها بالشهادة. وكل هذه الاستدلالات تأويلية ومبنية على مسلمات إيمانية مسبقة، ولكن يمكن الجواب عليها بناء على المعرفة الطبية السائدة في ذلك الزمن، فإثبات العدوى وعدمها من الناحية الطبية مسألة منفصلة عن النقاش حول حكم الفرار من أرض الطاعون، كما أن إثبات العدوى لا يلزم منه الفرار، وإنما يلزم منه العزلة أو الاحتراز بأشكال مختلفة قررها الأطباء أنفسهم كابن خاتمة وابن الخطيب مثلً، بل الفرار قد ينقل المرض والعدوى كما أثبته ابن خاتمة أيضًا، ما يعني أن الحصر المنطقي في الاحتمالات الواردة هنا يُخرجنا عن صلب الموضوع
الطبي ومنهجيته. ومن اللافت أن ابن خاتمة وابن الخطيب قد عالجا بالفعل السؤال الخاص بمسألة عدم الاطراد في المرض والعدوى بطريقة صناعية لا منطقية، وقد اتفقا على أن الإشكال يكمن في فكرة «الاستعداد»، أو ما نسميه اليوم بالمناعة، وأن هذا الاستعداد قد يكون خِلقةً أو بالعلاج، وهذا يوضح أن المشاهدة أشد تركيبًا مما يتصوره الفقيه والمحدث، وأن عدم الاطراد لا يُخلّ بحجية التجربة وإنما يتصل بكيفية
قراءة التجربة كما يتصل بالمشاهدة التي تقوم على أساس تجريبي علمي لا مجرد المشاهدة الظاهرية أو العامة، ولهذا طرح ابن خاتمة رؤيته التركيبية فميز بين خصيصة «الاستعداد» الذاتي في البلدان والأشخاص، وبين «الخصوصية» التي تسم أحوال الأشخاص والتي تجمع بين ما أسماه ابن الخطيب الخِلقة والعلاج، بمعنى أن ثمة مزاجًا وطبيعة للجسم، وثمة أمور تحصل له بأسلوب الحياة ونظام
الطعام والشراب، ومركَّب هذا كله يؤثر في مدى انفعال الجسم بفعل المرض، وتختلف أحوال الناس في هذا.
((7(المرجع نفسه، ص.146–145 ((7(المرجع نفسه، ص.147–144
خصص ابن خاتمة فصلً للإجابة عن سؤال: «ما باله خص قومًا دون آخرين على قرب الجوار؟»، وأورد فيه احتمالين عن سبب حدوثه في بعض البلاد دون بعض، وفي بعض المنازل دون بعض مع قرب المجاورة بين البلدين أو الدارين. وبيّن أن الجواب عن الاحتمالين يتفق من وجه، وهو «كمال
الاستعداد»، ويختلف من وجه آخر، وهو «الخصوصية». فمن جهة عدم اطراده في البلدان، نجد أن أحوالها ليست متفقة من كل الجهات بل تختلف لأمور عديدة كالقرب والبعد من البحر، ومن جهة أوضاعها، ومن قبل أماكنها في السهولة والحزونة، ومن قبل مآكلها ومشاربها. وفصّل في هذه الأمور الأربعة مميزًا في البلاد بين ما هو أعظم استعدادًا وأشد مناسبة من غيره، ليخلص إلى القول: «البلاد التي توفرت فيها جميع الأمور الانفعالية حتى كمل استعدادها ليست كغيرها من البلاد التي هي على الضد من ذلك، بل ولا مثل البلاد التي فيها بعضه». وذلك أن «أمور الفعل والانفعال في مجرى العادة لا يكفي أن يكون الفاعل فيها على كمال فعله، بل وأن يكون المنفعل على كمال استعداده، وحينئذ يتم الفعل». وقد ذكر أمورًا جغرافية وفلكية تتصل بالرياح وغيرها، وخلص إلى القول: «وهذه الأمور كلها موجبات للانفعال مؤكِّدات للاستعداد، مناسبة لطبيعة هذا الحادث، فلا غرو أن يُسرع إليها أكثرَ من غيرها من البلاد التي ليست على هيئتها ولا طبيعتها من
الاستعداد والله أعلم». ومن جهة عدم اطراده في البيوت والأشخاص، نجد أن «الناس ليسوا على طبيعة واحدة ولا مزاج واحد، ولا أحوالهم ومطاعمهم ومشاربهم وتحفظهم وتفريطهم على وتيرة واحدة [...] فمن كانت الحرارة والرطوبة غالبتين على مزاجه وهو في سن الشبيبة»، وكان بطبعه «نهمًا مسترسلً في شهواته كثير التملي من الطعام والنوم عليه، لا يبالي باختيار مأكول ولا مشروب ولا بإدخال طعام على طعام، وأكثر من استعمال المطاعم الرديئة السريعة الاستحالة، ولم يُعْنَ بحفظ صحته ولا النظر لنفسه، فإن استعداده لنزول هذا المرض به يكون أعظم، وانفعاله عن هذا الحادث أكمل وأتم، ولم يلبث أن يحل به ويشمل ضرره أهل بيته ومُساكنيه؛ لسيرهم بسيرته وذهابهم على مَهْيعه [...] ومن كان في أحواله على الضد مما ذكرنا وقبض بعنان شهواته، وكان له عناية بحفظ صحته وإيثار لما ينبغي في سلامته، فإنه يوشك أن ينفعه الله تعالى بما وفقه إليه من التحفظ وترك الشهوات، ولا يضره مجاورة من جاوره ممن نزل به هذا المرض، وإن كان جاره بيتَ بيت، والله ولي العصمة والوقاية». وقد أوضح ابن خاتمة أن «إصابة مثل ذلك المرض على قدر كمال استعداده، وسرعة انفعاله، فرُبّ
شخص كامل الاستعداد أثّرت فيه على بُطء بمقدار ما في طبيعته من سرعة الانفعال، وقوّة المدافعة،
وعلى حسب ما يتناول من غذاء موافق أو مخالف، إلى غير ذلك من المُرَجِّحَات. ورُبَّ شخصٍ
عَرِيٍّ عن الاستعداد بالجملة لا تأثير لها فيه، وذلك نادرٌ مع دوام الملابسة وطول المساكنة؛ على ما أعطته التجربة وجلاّه التأمل والاعتبار، وذلك أن أبخرة المرضى المتعفنة الخارجة مع أنفاسهم إذا بلغت قلب مستنشقها ورئته مع الهواء الذي يستنشقه؛ فإنها تتشبث بهما للمناسبة بين محلّ خروجها ومحل ورودها، وتؤثر هناك بما في طبيعتها أن تفعل بين التعفن والفساد، هذا أنْ لو وردت على
محَلٍّ عَرِيٍّ عن الاستعداد، كيف والاستعداد موجود من قِبَل تغير الهواء في كلّ إنسان يتنفس فيه؛ لكن يقع التفاوت كما قرّرنا بكماله وتقصيره». ويؤكد ابن الخطيب أيضًا فكرة الاستعداد، ويعرّفه بأنه «تهيؤ شيء لقبول شيء بمناسبته ومشاكلته له حتى يلبس صورته؛ على مسامحة في هذا التعريف». ف «إذا اتفق أن يكون المزاج الشخصي قريبًا في عرضه من مزاج الوارد السُّمي مستعدًّا لقبوله، قَبِله ومال إليه من غير مدافعة ولا ممانعة [...] وإن اتفق أن يكون بعيدًا منه في عرض مزاجه، قاومه مقاومة الضدية ومانعه وتعاصى عليه قبوله. فعلى بُعد ما بينهما في عرض المضادة تكون الممانعة والموافقة. وقد يكون هذا البعد خِلقة للمزاج أو يحصل بالعلاج. ولذلك حرص الأطباء – عند تعرفهم بالحدس طبيعة هذا المرض – على الميل بالتدبير إلى طرف من مضادته يخرج عن سبيل الاستعداد، وهو جواب من رد دعوى العدوى والانتقال بكون كثير من المباشرين للمرض سلموا من مضرته مع الملازمة والقرب من العدد الكثير منهم، وهلاك آخرين ممن لم يباشروا أو باشروا مباشرة يسيرة؛ إذ لم يعلم الجمهور أن علة السلامة أو العطب – بقدرة الله – إنما هي الاستعداد أو عدمه». ويشبه الناس من حيث الاقتراب من نار تلك السمية بالفتُل التي للسراج، ويصنف الناس من حيث الاستعداد على ثلاثة أحوال: أولها من كان وافر الاستعداد، فهو كالفتلة القريبة العهد بالإيقاد والحرارة الدخانية يُسرع بها تعلق النار، وثانيها الشارع في الاستعداد وهو كالفتلة الجافة بعيدة العهد بالنار تقبل الإيقاد بعد انفعال، ولكن في زمان أطول من زمان الأول. وثالثها البعيد عن الاستعداد، ومثاله كالفتل البليلة المُشْرَبة ماءً، «يشتعل بعد طول مصابرة ومعاصاة وبعد زمان تجف فيه مائيته. فإما أن يتم اشتعاله بطول الزمان وعمل دؤوب، أو ربما غلب الفاعلُ لضعفه عنه، أو خمد الفاعلُ قبل مصابرته». ويوضح ابن الخطيب بهذا عوامل المخاطر وتنوع أحوالها ودرجاتها، وأن «الجهل بهذا المعنى غلّط الناس وعدّد مصارعهم». يوضح النقاش والحِجاج السابق حجم الإشكال في توهم الفقيه والمحدث أنهما يستندان إلى المشاهدة وخطأ الخلط بين المنهجية الشرعية التي هي نصية تأويلية من جهة الاستدلال، ومنطقية من جهة الحِجاج، وبين منهجية الصناعة الطبية التي هي تجريبية؛ فالظواهر الطبية والاجتماعية ظواهر معقدة ولا يمكن الاكتفاء فيها بعنصر واحد أو بما يظهر منها فقط؛ دون تتبعٍ وتحليل ومقارنة وفق أصول الصناعة الطبية التي تطورت كثيرًا في العصر الحديث ولم يعد يصلح فيها مثل تلك الحجج التي يسلكها الفقيه، وخاصة فيما يتعلق بمسائل الظن والقطع، والتجربة، وعلاقة الأسباب بالمسببات.
((8(ابن خاتمة، نسخة ثانية، ق.16–13 ((8(في المطبوع والمخطوط: «ما حرص الأطباء»، ولا يستقيم. ينظر: ابن الخطيب، ص 71؛ والنسخة المخطوطة من مقالة مقنعة
السائل، محفوظة في مكتبة الإسكوريال، رقم 1785، ق 42 أ. ((8(ابن الخطيب، ص.72–70
خاتمة
من الواضح أن السؤال الكلامي كان مهيمنًا على ما سواه في النقاش حول وباء الطاعون، وإن لم يكن الوحيد. فالنقاش الكلامي يرجع إلى ركن الإيمان بالقدر، ويثير إشكال العلاقة بين التصورات الكلامية من جهة، والأحكام الفقهية العملية من جهة أخرى، خصوصًا أنه نشأ تعارض بين أصلين: التوكل والتسليم لله، والحيطة والحذر عبر الأخذ بالأسباب المادية. فالأول كلامي (وصوفي أيضًا)، والثاني فقهي وأخلاقي. فالتوكل والتسليم سيقودان إلى نمط من الممارسة الإيمانية، وهو ما عبر عنه بعض المتصوفة بالسكون تحت الأقدار الإلهية، والتخلي عن الاختيار الإنساني. كما أن نفي الأسباب أو نفي تأثيرها يطرح السؤال عن جدواها من جهة، ويحمل على القعود عن البحث في كيفية حصولها وفهم قوانين ما يجري في الطبيعة من جهة أخرى، وكل هذا سيقود الفقيه أو المحدث إلى وضع تأويلات تناسب التصور الكلامي لمسألتَي النهي عن الخروج من أرض الطاعون والنهي عن الدخول إليها، كالقول مثلً: إن النهي عن الدخول هو حسم لمادة الظنون ودفعٌ لتوهم أن الأسباب مؤثرة فيما لو دخل فأصابه المرض، وكالقول: إن علة النهي عن الخروج هي دفع توهم إمكان الفرار من قدر الله، في حين أن هذا النهي في الحالين يمكن أن يُفسَّر تفسيرًا صناعيًّا مختلفًا فيما لو أثبتنا وقوع
العدوى على طريقة الأطباء، وقد رأينا بالفعل نحو هذا من كلام ابن خاتمة. ولكن النقاشات التي سادت في زمن وباء كورونا توضح أن تحولً قد حدث؛ فقد تراجع السؤال الكلامي ليتقدم سؤالان: الأول السؤال الطبي المتعلق بحقيقة الفيروس المسبِّب للوباء وكيفية انتقاله وعوامل
الوقاية منه ثم اللقاح الخاص به؛ والثاني السؤال الأخلاقي الذي يتصل بتصرفات الأفراد في زمن الوباء لجهة حفظ النفوس ومنع العدوى، كما يتصل بالسياسات العامة التي تتخذها الدول أثناء الوباء. فقد تم الانتقال من اللاهوت العملي الذي يحيل إلى أسئلة كلامية عملية (دينية وأخروية) إلى الأخلاقيات التطبيقية Ethics Applied التي تعالج أسئلة عملية تتصل بالإنسان ووجوده الدنيوي، وبوضع المعايير الحاكمة لأفعال الأفراد وسياسات الدول. وفي معالجة الأوبئة الحديثة هيمنت المنهجية الصناعية (المنهج التجريبي) التي تطورت جدًّا، في مقابل المنهجية الشرعية (مرجعية الحديث وممارسات الصحابة، والالتزام بالتصورات الكلامية الأشعرية)؛ خصوصًا أن اكتشاف علاج الطاعون في العصر الحديث قد
خلخل الحِجاج الكلاسيكي جملة، وتحول الطب إلى مركزي والنص إلى ثانوي.
((8(خصص جوستن ستيرنز مقالً للمقارنة بين رؤيتي ابن لب وابن الخطيب في غرناطة القرن الثامن الهجري وكيف أن كل
منهما كان لديه رؤية خاصة عن تحديد المصلحة العامة في زمن الوباء، كما أنني سأخصص – بإذن الله – مقالً للبحث في هذا
الشأن. ينظر مثلً:
Justin Stearns, «Enduring the Plague: Ethical Behavior in the Fatwas of a Fourteenth–Century Mufti and Theologian,» in: J. E. Brockopp & T. Eich (eds.), Muslim Medical Ethics: From Theory to Practice (South Carolina: University of South Carolina Press, 2008), pp. 38–54.
((8(سبق للقاضي عياض حين ناقش مسألة الدخول والخروج على أرض الطاعون، أن أعادها إلى قاعدة القدر، وقال: «إنه يتفرع
عليها أصلان: التوكل والتسليم، والحيطة والحذر». ينظر: ابن حجر العسقلاني، بذل الماعون، ص.287 (8((يُنظر مثلً: أحمد بن عجيبة، سلك الدرر في ذكر القضاء والقدر، تحقيق عبد الحفيظ البقالي (الرباط: الناشر شكير البقالي،
0152)، ص 72،.79–78
ويمكن أن نعزو هذا التحول من اللاهوت العملي إلى الأخلاقيات التطبيقية إلى أربعة عوامل رئيسة: 1. توسع سلطة الطب التي ترسخت بفضل فاعليتها وتأثيرها العملي، في حين أن طب الأزمنة الكلاسيكية اعترف بعجزه عن معالجة الطاعون، فتراجعت سلطته، كما أن قدرته على الوقاية منه لم تكن محل تسليم أو قبول من النخبة العلمية الدينية؛ لأسباب عدة: كلامية ونصية، ومن هنا شكلت العدوى موضوعًا محوريًّا في أدبيات الطاعون عامة وفي غيرها، وقد استمر الجدل
بشأنه حتى القرن التاسع عشر، وخاصة حول الموقف من شرعية الحجر الصحي أو الكرنتينا
. Quarantine
.2 وظائف الدولة الحديثة ومسؤولياتها التي تشمل وضع السياسات الصحية العامة والإلزام بها، خصوصًا أننا نعرف اليوم حجم التأثير الهائل الذي تركه الطاعون في الدول والمجتمعات؛ فقد
كان أحد الأسباب الرئيسة في انهيار الدولة الأموية، وهذه المسؤوليات فرضت على دول اليوم فرض الإجراءات الاحترازية وإغلاق المدن وتقييد حرية الحركة والتنقل وإجراءات تنتهك مبدأ الخصوصية Privacy؛ أي إن الوباء فرض علينا سؤال الموازنة بين قيمة حفظ الصحة العامة وقيم الحريات الفردية الأساسية، وهو ما ترددت بشأنه الدول الأوروبية في بادئ الأمر ثم لم تجد بدًّا منه مع تزايد حالات الإصابة بالفيروس..3 ظهور حقل الأخلاقيات التطبيقية الذي ظهر في ستينيات القرن العشرين، ويركز على مجالات عملية حيوية كالبيئة والبيولوجيا والمهن، وهي مساحات تنشغل بالمجالات المركزية للنشاط الإنساني، ومن فروع هذا الحقل الأخلاقيات الطبية التي تعالج الأسئلة المتعلقة بصحة الأفراد، وأخلاقيات الأوبئة التي تعالج الأسئلة المتعلقة بالجماعة في حالات الطوارئ والضرورة والاستثناء التي قد تدفع إلى اتخاذ قرارات صعبة للغاية وربما تعيدنا إلى مواجهة أسئلة قد تبدو بدائية كالسؤال الذي شغلنا في كورونا وهو: من الأحق بالعلاج عند التزاحم؟ وهو سؤال يتحدى قيمًا مركزية كحفظ الحياة والعدالة والمساواة؛ لأن تكلفة الاختيار باهظة، وكأخلاقيات التطعيم
ومعايير المفاضلة بين الدول والأفراد في إعطاء اللقاح. 4. التحديات التي فرضتها التطورات العلمية على فكرة السببية، فالتقدم العلمي وتطور التقنيات والمناهج التجريبية، تركا أثرين: أولهما تعاظم فكرة البحث عن الأسباب وفهم قوانين الطبيعة التي تجري وفق نظام سنني، في حين أن التفكير الكلامي عامة كان لا يرى كبير جدوى في البحث في الأسباب التي لا يمكن السيطرة عليها؛ نظرًا إلى إقامة التعارض على نحو ما بين القدرة
الإلهية والقدرة البشرية، فتعظيم القدرة الإلهية – كلاميًّا – كان يستدعي الحط من القدرة البشرية.
وثانيهما التسليم بفكرة فاعلية الأسباب من حيث الإجمال، على خلاف التصورات الأشعرية التي سادت قرونًا حول الأسباب غير المؤثرة.
(8((يُنظر في هذا السياق: أحمد العدوي، الطاعون في العصر الأموي: صفحات مجهولة من تاريخ الخلافة الأموية
(الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2018
لم تعد العدوى اليوم محل تساؤل أو نقاش من حيث المبدأ، كما أن الطاعون وعموم الأوبئة هي أمراضٌ مفهومة الأسباب، فكورونا، مثلً، أمكن فهم حقيقته منذ بداياته وإنما كان البحث يجري في كيفية مجابهته وإنتاج لقاح مضاد له، فالنص لم يعد يشغل دورًا في تفسير الظواهر الطبيعية، وبرزت أسئلة أخلاقية عملية كما سبق، وكل هذا صار مبنيًّا على التفسيرات العلمية والطبية التي لا يمكن
تجاهلها، كما أنها تتمتع بصدقية وسلطة أوسع من ذي قبل. ونظرًا إلى إثبات القول بالعدوى، وبفضل تطور علم الأوبئة وفكرة السببية والقدرة على خلق مضادات
قادرة على التأثير في الفيروسات المسببة للأوبئة بعد فهم آلية عملها وكيفية انتقالها، صار البحث عن اللقاح مسألة محل تسليم ويتنافس فيها الجميع بحثًا وتصنيعًا وشراء وتعاطيًا. ولا بد من القول: إن
إثبات العدوى مع ابتكار سياسات صحية احترازية حال دون وقوع المخاوف التي كان يخشاها بعض
مفتي الأزمنة الكلاسيكية كابن لبّ مثل، والناجمة عن تصور أن إثبات العدوى سيؤدي إلى تفكك
النسيج الاجتماعي والهروب من الوباء وتضييع الحقوق وخوف الناس بعضهم من بعض؛ فقد أمكن الجمع بين إثبات العدوى وتطوير أساليب الاحتراز منها مع الحفاظ على النسيج الاجتماعي.
References
المراجع
العربية
ابن إبراهيم، إلياس. مجنة الطاعون والوباء. نسخة خطية محفوظة في مكتبة قطر الوطنية. رقم.1588 ابن أبي بكر الأزرق، إبراهيم بن عبد الرحمن. تسهيل المنافع في الطب والحكمة المشتمل على شفاء الأجسام وكتاب الرحمة. القاهرة: ملتزم الطبع عبد الحميد أحمد حنفي، [د. ت]. ابن أبي حجلة، أحمد بن يحيى بن أبي بكر. دفع النقمة في الصلاة على نبي الرحمة. نسخة خطية محفوظة في مكتبة الأسكوريال بإسبانيا. رقم.510 ابن الأثير الجزري، مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد. النهاية في غريب الحديث والأثر. تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي. [د. م]: الناشر المكتبة الإسلامية لصاحبها الحاج رياض الشيخ، [د. ت]. ابن الأعرابي، أبو سعيد أحمد بن محمد. المعجم. تحقيق عبد المحسن بن إبراهيم بن أحمد الحسيني. الدمام: دار ابن الجوزي،.1997 ابن الحجاج، مسلم. المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (مطبوع بعنوان: صحيح مسلم). تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه،.1991
((8(الونشريسي، ج 11، ص.356
ابن الخطيب، لسان الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله. مقالة مقنعة السائل عن المرض الهائل. تحقيق حياة قارة. الرباط: دار الأمان، 015.2 ________. مقالة مقنعة السائل. نسخة خطية محفوظة في مكتبة الإسكوريال. رقم. 1785 ابن الصلاح، أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن. علوم الحديث. تحقيق نور الدين عتر. بيروت/ دمشق: دار الفكر،.1986 ابن الملقن، أبو حفص عمر بن علي. التوضيح لشرح الجامع الصحيح. تحقيق دار الفلاح بإشراف خالد الرباط وجمعة فتحي. الدوحة: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية،.2008 ابن إياس، محمد بن أحمد. بدائع الزهور في وقائع الدهور. حققها وكتب لها المقدمة محمد مصطفى. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.1984 ابن بلبان، علاء الدين بن بلبان الفارسي. الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان. حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه شعيب الأرناؤوط. بيروت: مؤسسة الرسالة،.1988 ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي. بذل الماعون في فضل الطاعون. تحقيق أحمد عصام عبد القادر الكاتب. الرياض: دار العاصمة، 1411 ه. ________. فتح الباري شرح صحيح البخاري. قام بإخراجه وتصحيح تجاربه محب الدين الخطيب. أشرف على طبعه قصي محب الدين الخطيب. القاهرة: المكتبة السلفية، [د. ت]. ________. نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر. تحقيق نور الدين عتر. ط.3 دمشق: مطبعة الصباح،.2000 ابن حنبل، أحمد. مسند الإمام أحمد بن حنبل. تحقيق شعيب الأرناؤوط ومحمد نعيم العرقسوسي. وشارك في تحقيقه محمد رضوان العرقسوسي. بيروت: مؤسسة الرسالة،.1999 ابن خاتمة، أبو جعفر. تحصيل غرض القاصد في تفصيل المرض الوافد. محفوظ في مكتبة الإسكوريال. رقم 1785. ________. تحصيل غرض القاصد. مخطوط. نسخة ثانية. محفوظة بمكتبة الإسكوريال. رقم 6/5067. وقد نسخت بتاريخ.1851 ابن سيده، أبو الحسن علي بن إسماعيل. المحكم والمحيط الأعظم. تحقيق عبد الحميد هنداوي. بيروت: دار الكتب العلمية،.2000 ابن سينا، أبو علي الحسين بن علي. القانون في الطب. وضع حواشيه محمد أمين الضناوي. بيروت: دار الكتب العلمية، 1999.
ابن عتيق، محمد بن عبد العظيم المعروف بابن عتيق الحمصي. خلاصة ما رواه الواعون في الأخبار الواردة في الطاعون. نسخة خطية محفوظة في مكتبة البلدية بالإسكندرية. برقم 5. 029/9822 ابن عجيبة، أحمد. سلك الدرر في ذكر القضاء والقدر. تحقيق عبد الحفيظ البقالي. الرباط: الناشر شكير البقالي، 015.2 ابن قتيبة، أبو محمد عبد الله بن مسلم. المعارف. تحقيق ثروت عكاشة. ط.2 القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.1992 ________. تأويل مختلف الحديث. تحقيق محمد محيي الدين الأصفر. بيروت: المكتب الإسلامي،
ابن قيم الجوزية، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر. زاد المعاد في هدي خير العباد. تحقيق شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط. بيروت: مؤسسة الرسالة،.1998 ابن نجيم، زين الدين. رسالة فيما ضبطه أهل النقل في خبر الفصل في حق الطاعون والوباء. مخطوط. مكتبة جامعة الملك سعود. رقم.5935 ابن نجيم، سراج الدين عمر بن إبراهيم. النهر الفائق شرح كنز الدقائق. تحقيق أحمد عزو عناية. بيروت: دار الكتب العلمية، 002.2 أبو يعلى، أحمد بن علي الموصلي. مسند أبي يعلى الموصلي. حققه وخرج أحاديثه حسين سليم أسد. دمشق: دار المأمون للتراث،.1988 أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم. كتاب الآثار. عني بتصحيحه والتعليق عليه أبو الوفا الأفغاني. الهند: لجنة إحياء المعارف النعمانية [صورته دار الكتب العلمية ببيروت]، [د. ت]. الأبيّ، أبو عبد الله محمد بن خلفة. إكمال إكمال المعلم. بيروت: دار الكتب العلمية، [د. ت]. الأنصاري، زكريا. أسنى المطالب شرح روض الطالب. وبهامشه حاشية أبي العباس أحمد الرملي الكبير. [د.م]: [د.ن]. [د.ت]. ________. تحفة الراغبين في بيان أمر الطواعين. نسخة خطية محفوظة في مكتبة البلدية في الإسكندرية. رقم.5074/9876 الباجي، أبو الوليد سليمان بن خلف. كتاب المنتقى شرح موطأ إمام دار الهجرة مالك بن أنس. القاهرة: مطبعة السعادة، 1332 ه. البخاري، محمد بن إسماعيل. الجامع الصحيح المختصر. تحقيق مصطفى بن ديب البغا. ط.3 دمشق: دار ابن كثير؛ بيروت: دار اليمامة،.1987
البزار، أبو بكر. البحر الزخار المعروف بمسند البزار. تحقيق محفوظ الرحمن زين الله. المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم، 1996. بوجرة، حسين. الطاعون وبدع الطاعون: الحراك الاجتماعي في بلاد المغرب بين الفقيه والطبيب والأمير. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2011 جوتفريد، روبرت. س. الموت الأسود: جائحة طبيعية وبشرية في عالم العصور الوسطى. ترجمة وتقديم أبو أدهم عبادة كحيلة. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2017 الحاكم، أبو عبد الله الحاكم النيسابوري. المستدرك على الصحيحين. تحقيق مقبل بن هادي الوادعي. القاهرة: دار الحرمين، 1997. خوجة، حمدان بن عثمان. إتحاف المنصفين والأدباء بمباحث الاحتراز عن الوباء. إستانبول: دار الطباعة السلطانية،.1835 الذهبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد. سير أعلام النبلاء. تحقيق مجموعة بإشراف شعيب الأرناؤوط. ط.3 بيروت: مؤسسة الرسالة،.1985 السرمري، جمال الدين يوسف بن محمد. كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون. علق عليه شوكت بن رفقي بن شوكت. عمان: الدار الأثرية؛ دمشق: دار المحبة،.2005 السقاف، عقيل بن عمر. رسالة في الطاعون. نسخة خطية محفوظة في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وفي مركز جمعة الماجد. السمهودي، علي بن عبد الله بن أحمد الحسني. خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى (مع زيادات من كتاب وفاء الوفا). دراسة وتحقيق محمد الأمين محمد محمود الجكني. طبع على نفقة السيد حبيب محمود أحمد. ج 1. [د. م]، [د. ن]، [د. ت]. السيوطي، جلال الدين. ما رواه الواعون في أخبار الطاعون. تحقيق محمد علي البار. دمشق: دار القلم،.1997 الشبلي، محمد بن عبد الله. آكام المرجان في أحكام الجان. تحقيق إبراهيم محمد الجمل. القاهرة: مكتبة القرآن، [د. ت]. الشقوري، أبو عبد الله محمد بن علي اللخمي. نصيحة. نسخة خطية محفوظة في مكتبة الإسكوريال. رقم.8/5067 الشيباني، محمد بن الحسن. كتاب الآثار. عني بتصحيحه والتعليق عليه أبو الوفا الأفغاني. ط.2 الهند: لجنة إحياء المعارف النعمانية [صورته دار الكتب العلمية ببيروت]،.1993
الطبراني، أبو القاسم سليمان بن أحمد. المعجم الأوسط. تحقيق طارق بن عوض الله وعبد المحسن بن إبراهيم الحسيني. القاهرة: دار الحرمين للطباعة والنشر، 1995. الطيبي، شرف الدين الحسين بن عبد الله. شرح الطيبي على مشكاة المصابيح المسمى بالكاشف عن حقائق السنن. تحقيق عبد الحميد هنداوي. مكة المكرمة/ الرياض: مكتبة نزار مصطفى الباز،.1997 عياض، أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي. إكمال المعلم بفوائد مسلم. تحقيق يحيى إسماعيل. المنصورة: دار الوفاء،.1998 العدوي، العدوي. الطاعون في العصر الأموي: صفحات مجهولة من تاريخ الخلافة الأموية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 الكلاباذي، أبو بكر محمد بن إبراهيم بن يعقوب. بحر الفوائد (المشهور بمعاني الأخبار). دراسة وتحقيق وجيه كمال الدين زكي. القاهرة: دار السلام، 008.2 المقدسي، مرعي بن يوسف الكرمي. ما يفعله الأطباء والداعون بدفع شر الطاعون. تقديم وتعليق خالد بن العربي مدرك. بيروت: دار البشائر الإسلامية،.2000 المناوي، عبد الرؤوف. فيض القدير شرح الجامع الصغير. بيروت: دار المعرفة للطباعة والنشر، 1972. المنبجي، أبو عبد الله محمد بن محمد. كتاب الطاعون وأحكامه. تحقيق أحمد بن محمد بن غانم آل ثاني. بيروت: دار ابن حزم،.2016 المواق، محمد ومحمد الرصاع. الأجوبة التونسية على الأسئلة الغرناطية. تحقيق ودراسة محمد حسن. بيروت: دار المدار الإسلامي،.2007 النووي، محيي الدين. المنهاج بشرح صحيح مسلم بن الحجاج (مطبوع بعنوان: صحيح مسلم بشرح النووي). القاهرة: المطبعة المصرية بالأزهر، 1929. الونشريسي، أبو العباس أحمد بن يحيى. المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب. خرجه جماعة بإشراف الدكتور محمد حجي. الرباط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية للمملكة المغربية،.1981
الأجنبية
Brockopp, J. E. & T. Eich (eds.). Muslim Medical Ethics: From Theory to Practice. South Carolina: University of South Carolina Press, 2008. Cambra, Luisa María Arvide. «Some Doctrinal Aspects Contained into the Religious Questions of Ibn Khatima’s Treatise of the Pest (14 th Century).» Linguistics and Literature Studies. vol. 5, no. 3 (2017). Conrad, Lawrence I. «Tāʿūn and Wabāʾ Conceptions of Plague and Pestilence in Early Islam.» Journal of the Economic and Social History of the Orient. vol. 25, no. 3 (1982).
Dols, Michael W. The Black Death in the Middle East. Princeton: Princeton University Press, 1977. Hopley, Russell. «Contagion in Islamic Lands: Responses from Medieval Andalusia and North Africa.» Journal for Early Modern Cultural Studies. vol. 10, no. 2. Rhetorics of Plague, Early and Late (2010). Ober. W. B. & N. Aloush, «The Plague at Granada, 1348–1349: Ibn Al–Khatib and Ideas of Contagion.» Bulletin of the New York Academy of Medicine. vol. 58, no. 4 (1982).