العودة إلى تفاصيل المؤلَّف جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19): بين الهشاشة الاجتماعية والمنطق التقني

جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19): بين الهشاشة الاجتماعية والمنطق التقني

The COVID–19 Pandemic: Between Social Vulnerabilities and Technical Logics

ماري هيلين باريزو

Marie-Hélène Parizeau

الملخّص

تسلط جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19) الضوء على العديد من أشكال الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وحتى البيئية أيضًا. وتكشف، من نَواح كثيرة، هشاشة الحضارة التقنية الحديثة. تسعى هذه الدراسة إلى تحليل التوتر القائم بين قضايا الرعاية والاستجابات التقنية في سياق الجائحة. وتربط الخلفية النظرية للمقال بنظرية الرعاية للفيلسوفة الأميركية جوان ترونتو، وتصوُّر عالم الاجتماعي الفرنسي جاك إيلول المتعلق بـ "النظام التقني" الذي يتميز بالفاعلية والسرعة والأتمتة والاستقلالية. وحتى لو أدركت العديد من الحكومات أهمية تقديم الرعاية (الصحة، التربية، خدمة المجتمع) بالنسبة إلى أي مجتمع، فقد اختارت، إلى حد بعيد، حلولًا تقنية، من أجل الحفاظ على النشاطات الاقتصادية. وكان لتكثيف التحول الرقمي انعكاسات كبيرة على التعليم العالي والفنون والإنتاج الثقافي وقطاع الشغل والديمقراطية. ومن خلال تقديم العديد من الأمثلة، تُظهر الدراسة كيف تُجهز الحلول التقنية على العلاقات الإنسانية، وعلاقات الرعاية أساسًا، وتنزع عنها طابعها الإنساني، معمّقة أشكال اللامساواة والإقصاء الاجتماعي.

Abstract

Abstract: The COVID–19 pandemic brings out many forms of social, economic, political, and even environmental vulnerabilities. In many ways, the pandemic revealed the fragility of modern technological civilisation. This article analyses

الكلمات المفتاحية:
  • نظرية الرعاية
  • هشاشة
  • النظام التقني
  • كوفيد-19
  • لامرئية اجتماعية
  • المنعطف الرقمي
Keywords:
  • Covid-19
  • Theory of Care
  • Technic System
  • Vulnerability
  • Social Invisibility
  • Digital Turn

ب «النظام التقني» الذي يتميز بالفاعلية والسرعة والأتمتة والاستقلالية. وحتى لو أدركت العديد من الحكومات أهمية تقديم الرعاية (الصحة، التربية، خدمة المجتمع) بالنسبة إلى أي مجتمع،

فقد اختارت، إلى حد بعيد، حلولً تقنية، من أجل الحفاظ على النشاطات الاقتصادية. وكان لتكثيف التحول الرقمي انعكاسات كبيرة على التعليم العالي والفنون والإنتاج الثقافي وقطاع الشغل والديمقراطية. ومن خلال تقديم العديد من الأمثلة، تُظهر الدراسة كيف تُجهز الحلول التقنية على العلاقات الإنسانية، وعلاقات الرعاية أساسًا، وتنزع عنها طابعها الإنساني، معمّقة

أشكال اللامساواة والإقصاء الاجتماعي.

Professor of Moral Philosophy and applied ethics at the Université Laval.

Assistant professor of Philosophy at the Doha Institute for Graduate Studies.

the tension between issues of care and technical responses in the pandemic context. The theoretical background relies on Joan Tronto theory of care and on Jacques Ellul conception of «technic system» which is characterized by its efficiency, speed, automatization and autonomy. Even if many governments have recognized how care giving (health, education, community service) is fundamental for a society, they have largely chosen technical solutions to maintain economical activities. The intensification of the digital turn had major impacts on higher education, arts and cultural production, work and democracy. Using many examples, this article shows how technical solutions short–circuit human relations – essentially relation of care (care about, caring for, care with each other) – that are specific to these activities, therefore inducing dehumanization, more inequalities and social exclusion.

مقدمة

كان لجائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–) أثرُ انفجارٍ عالمي هزَّ عالمنا المشترك،

مؤكدةً، كما يشرح ذلك إدغار مورانMorin Edgar، وحدة مصيرنا ومصير البلدان كلها والنوع البشري برمته. لقد أظهر فيروس «بسيط»، بصورة لا تقبل الجدل، تعالقنا بأشكال الحياة الأخرى وبالنظم البيئية للأرض. وأوضح العلماء أنه إذا كان الخفاش بمنزلة خزان لفيروس كورونا، فقد يكون هناك مضيف وسيط مثل آكل النمل الحرشفي Pangolins. إن هذه السلاسل، من خلال التفاعل والانتقال بين الحيوانات والبشر، تُسائل – على نحو مباشر – طرق ارتباطنا ببعض الحيوانات البرية والداجنة، وهي تسائل أيضًا، على نطاق أوسع، علاقاتنا المتشابكة بالبيئة. هل سمحت الجائحة بالاعتراف الجماعي والعالمي بهذا الترابط المزدوج؟ وحده المستقبل قمين بالإجابة عن ذلك. وعلى أي حال، فقد تمكنّا، من دون صعوبة تُذكر، من قياس أشكال هشاشتنا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية؛ القديمة منها والجديدة. تفهم الهشاشة ههنا بمعنى الضعف وعدم استقرار الأفراد والمؤسسات المجتمعية في الحركة المعولمة للحضارة التقنية الحديثة. وتعبر عن نفسها كذلك من خلال العزلة، والتهميش الاجتماعي، بالنسبة إلى الأفراد أو الجماعات، على نحو أضحوا فيه غير مرئيين اجتماعيًا. وللسبب عينه، يجب أن يعتمدوا على

أنواع أخرى من المساعدة المتبادلة، والتضامن، والرعاية (الأسرة، وشبكات الأصدقاء أو المتطوعين، والمجتمعات الإثنية أو الدينية)، أكثر من اعتمادهم على مؤسسات الدولة الحديثة، من أجل مواجهة الصعوبات المتعلقة باحتياجاتهم الأساسية. ويشمل مفهوم «الحضارة التقنية الحديثة» ما أدلى به مارتن هايدغر Heidegger Martin) 1976–1889(عن جوهر التقنية التي تكشف طبيعة الإنسان باعتبارها أساسًا من جهة. ويشمل، من جهة أخرى أفكار

(((إنها الفكرة عينها التي سيعبّر عنها إدغار موران في كتابه حول الجائحة أيضًا، ينظر:

Edgar Morin, Changeons de voie: Les leçons du coronavirus (Paris: Denoel, 2020).) (المترجم

جاك إيلولEllul Jacques (1994–1912) التي توضح أن التقنية نظام يتحقق من خلال خصائصه ذاتها (التفرد، النجاعة، الكونية، النمو الذاتي، الأتمتة Automation، التسارع... إلخ)، وتقدم التقنية نفسها كقوة للسيطرة. وبعبارة أخرى، تكشف الجائحة عن هشاشة الحضارة التقنية الحديثة ذاتها إلى درجة التشكيك في بعض اشتغالات منطقها، وفي قيمها أيضًا. تلك فرضية هذه الدراسة التي تهدف إلى تشخيص نقاط الضعف القديمة والجديدة داخل مجتمعاتنا، والتي تسلط الجائحة الضوء عليها. سنقوم في مرحلة أولى بتوضيح مفهوم الهشاشة في منحاه الفلسفي، اعتمادًا على نظريات الرعاية Care، ثم نعرج بعد ذلك على شرح خصائص النظام التقني كما ذهب إليها ونعتها جاك إيلول، لنقوم بعد ذلك تباعًا بفحص الأشكال المختلفة المتعلقة بالهشاشة المؤسسية والاجتماعية التي تمخضت عن الجائحة، خاصة في الدول الغربية، وذلك من خلال ربطها بخصائص معيّنة للنظام

التقني بحسب جاك إيلول.

أولا: في الهشاشة

تمثل الهشاشة موضوعًا متكررًا للإيتيقا المعاصرة. لقد ارتبطت، على سبيل المثال، بمبدأ المسؤولية عند هانس يوناس (1993–1903)، في نهاية السبعينيات، الذي لم يُشر إلى هشاشة ظاهرة الحياة فحسب، بل عبّر عن الواجب الأخلاقي المتمثل في ضرورة الحفاظ على الوجود البشري للمستقبل.

لكن لتحقيق ذلك، يرى يوناس أنه سيكون من اللازم أن نأخذ مقياس «الهشاشة الحرجة» للطبيعة في مواجهة التدخلات التقنية للإنسان. إن مدى هذه القوة التقنية يتضمن، في المقابل، مسؤولية إزاء نتائج التحولات التقنية تجاه كلّ من الطبيعة والإنسان، وهي تمتد لتشمل الأجيال المقبلة. وهنا يدعونا يوناس إلى تبني موقف المسؤولية الأولية، كتلك التي تجمعنا بالطفل، وليس المسؤولية التي تقوم على التبادلية. تمثل هذه المسؤولية الأبوية النموذج الأصلي للفعل المسؤول. إن الأمر يتعلق بالاهتمام بالطفل ورعايته، فهو ضعيف بحكم التعريف، لأنه يعتمد في حاجاته على والديه اعتمادًا كاملً. ولهذا، فإن الضعف الذي يلمّ بالطبيعة (فقدان التنوع البيولوجي، ضعف/ اختفاء النظم البيئية، وما إلى ذلك)، التي عرفت تحولً بواسطة التكنولوجيا البشرية الحديثة، يتطلب مسؤولية أخلاقية من النوع نفسه الذي تمثله رعاية الوالدين للطفل. إن مبدأ المسؤولية يجد أساسه الأنطولوجي في هشاشة أشكال الحياة برمتها، وفي الواجب تجاه الكينونة. ومن خلال وضعه للضعف في مركز إيتيقا المسؤولية، يكون يوناس قد زعزع أساس نظرية «مجتمع المخاطرة»، تلك التي تعتقد أنها تتحكم في جميع المخاطر التقنية للحداثة. ففي مواجهة التقنية الحديثة، أصبح العالم، والطبيعة، والكائنات البشرية، جميعًا – بحسب يوناس – عرضة للخطر.

(((فيلسوف ولاهوتي وسوسيولوجي فرنسي. اشتهر بدراساته وأبحاثه النقدية التي تعالج أدوار التكنولوجيا وتأثيراتها في حياتنا

الحديثة. من أهم كتبه المجتمع التكنولوجي (المترجم).

(3) Hans Jonas, Le principe responsabilité: Une éthique pour la civilisation technologique (Paris: Cerf, 1990). (4) Ulrich Beck, La société du risque: Sur la voie d’une autre modernité (Paris: Aubier, 2001).

وخلال عقد التسعينيات، وعلى إثر يوناس، وُجهت انتقادات أخرى أشدّ راديكالية إلى تجاوزات

الرأسمالية والعولمة مع تنامي الفوارق الاجتماعية بين البلدان؛ الهوس بإدارة المخاطر والأمن، وأشكال التهميش الاجتماعي، ومنها تلك التي تشمل النساء وتحكم عليهن بالانزواء في البيت... إلخ. ومن هذا المنظور، تقدم نظريات الرعاية وجهة نظر متميزة عن الهشاشة الاجتماعية. وباختصار، فإن الرعاية تتحقق كعمل تشترك فيه المشاعر الأخلاقية للقلق ومعها الاهتمام بمصير الأعضاء الآخرين في المجتمع. إن «هذه الرعاية اليومية» تعكس العمل الاجتماعي والأخلاقي، وحماية الآخرين الذين يعيشون الهشاشة وتتحمل المسؤولية تجاههم. تكتب جوان ترونتو: «إن الرعاية ليست مجرد شعور أو استعداد فطري، وليست مجرد مجموعة من الأفعال. إنها تمثل مجموعة معقدة من الممارسات، تمتد من المشاعر الأكثر حميمية مثل ‘التفكير الأمومي’ إلى أفعال غاية في الاتساع، مثل تصميم أنظمة التعليم العمومي». إن بعض ممارسات الحياة أو بعض أنواع العمل تتضمن «الرعاية» في قلب نشاطها مثل المهن المرتبطة بالقطاع الصحي (مقدم الرعاية، الممرضات، المساعدون الاجتماعيون، الأطباء)، أو تلك المرتبطة بقطاع التعليم (من الطفولة حتى الجامعة)، أو بقطاع النظافة (تنظيف المنازل والمكاتب)، أو المساعدة في العمل المنزلي (جليسة الأطفال أو رعاية كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة)، وغير ذلك. وسنرى أيضًا، أنه مع انتشار الجائحة ستتم تعبئة مهن الرعاية هذه على نحو مباشر من جهة الدولة؛ من أجل التعامل مع حالة الطوارئ. وفي الوقت نفسه، ستتكشف أمامنا تفاوتات، وعلاقات قوة وتقييمات اجتماعية متعارضة. ومن المفارقات أن الجائحة أظهرت في الواقع الملموس أن المجتمعات الحديثة التي تؤكد أيديولوجية الفردانية والنجاعة، تقوم أساسًا – على الرغم من ذلك – على ترابط أعضائها،

وعلى مختلف أشكال علاقات الرعاية؛ المؤسساتية، وغير المؤسساتية. وتؤكد نظريات الرعاية أن هذا الترابط (أن نكون في علاقة) أساسي، وأنه مرتبط بهشاشة الطبيعة البشرية. فلكل الكائنات البشرية حاجات (عاطفية ومادية). وهكذا طوال حياتها – من الولادة حتى الشيخوخة – تتلقى الرعاية وتقدمها. ويتحول «الكل الهش» إلى مسار أخلاقي آخر، ويقدّم بديلً اجتماعيًا وسياسيًا لأشكال الهيمنة، كما توضح ذلك ترونتو: «إن عمليات الرعاية معقدة؛ فهي تطالبنا

بالقلق بشأن ‘ about caring ’، وتحمل مسؤولية ‘ for caring ’، وتقديم الرعاية ‘ giving care ’، وتلقي الرعاية ‘ receiving care ’، كما أنها تتطلب صقل العديد من الصفات الأخلاقية، بما في ذلك الاهتمام والتفكير العميق في المسؤولية، والكفاءة في الرعاية، والاستجابة الصحيحة لأولئك الذين يتلقون الرعاية، ولعملية الرعاية الفعلية ذاتها. وحين نفهمها، بالمعنى الأوسع، بوصفها ممارسة، عندما يعتني بعض الناس ببعض ‘ other each with care ’، من أجل توزيع المسؤوليات في المجتمع، فإن الرعاية

(5) Nurock Vanessa (ed.), Carol Gilligan et l’éthique du care (Paris: PUF, 2010). (6) Joan Tronto, Le risque ou le care? (Paris: PUF, 2012). (7) Ibid., p. 31.

هي أيضًا – وهذا أمرٌ واضح – طريقة لوصف السلطة السياسية والتفكير فيها، ولكن بطريقة مختلفة عن ‘المخاطر’، وليس من خلال أنواع التحكم والمراقبة». ترتكز الرعاية، بوصفها مشروعًا سياسيًا، على الديمقراطية التشاركية والمساواة، حينما يتعلق الأمر

بالتوزيع العادل لمسؤولياتها داخل المجتمع. ولذلك، فإن الرعاية تحمل معها مشروعًا للعدالة الاجتماعية. إن الأمر يتعلق بالتساؤل عن الطريقة التي تفرض بها المؤسسات الاجتماعية والسياسية قيود الرعاية على البعض، في حين يفلت آخرون منها. هل تلبي هذه المؤسسات حاجات الأشخاص الأكثر هشاشة؟ ما هي هذه الاحتياجات؟ وكيف تَتمّ تلبيتها؟ أمن خلال تحقيق مزيد من العدالة للجميع؟. وماذا عن أشكال التمييز أو الاحتقار في عمليات التوزيع السياسي والاجتماعي لمسؤوليات الرعاية؟. سنرى، في الجزء الثالث من هذه الدراسة، أن الجائحة سلطت ضوءًا ساطعًا على بعض أشكال الظلم الاجتماعي المرتبطة بالهشاشة، ومنها تلك المتعلقة بكبار السن أو المرتبطة بوظائف الرعاية.

ثانيًا: الحضارة التقنية

سيكون من المفيد، بُغية تحليل بعض أسباب الجائحة وآثارها المتعلقة ب «الرعاية»، تسليط الضوء على العديد من خصائص الحضارة التقنية؛ هذه الحضارة التي ستنتشر في بلدان العالم كلها، منذ ظاهرة التصنيع في القرن التاسع عشر، بدرجات عميقة من التهجين، مع البنى الاجتماعية والسياسية المرافقة لها. إنه لأمر مدهش أن نرى كيف فرض المنطق التقني نفسه كنموذج مفضل للحل، منذ بدايات

(8) Ibid., pp. 31–32

(((ناقشت نظريات الرعاية، على نحو خاص، نظرية لورانس كولبيرغ للتطور الأخلاقي ونظرية العدالة التي تتضمنها، والتي كان لها تأثير في نظرية العدالة لجون راولز. إن مراحل التطور الأخلاقي لكولبيرغ تعبّر عن نفسها في تراتبية للأحكام الأخلاقية المحايدة

والمجردة على نحو متزايد، وهي تقود إلى أخلاق للعدالة تمثلها نخبة اجتماعية تمتلك مسبقًا إمكانية الوصول إلى الميكانزمات

المؤسساتية للعدالة في ديمقراطية ليبرالية، وذلك على العكس مثلً، من الأقليات أو المهمشين داخل المجتمع في الولايات

المتحدة. غير أن كارول غيليغان Carol Gilligan أظهرت في كتابها صوت مغاير (1982)، بطريقة بارعة على المستويين الإمبيريقي والنظري، وجود صوت أخلاقي مختلف، غالبًا ما تمثله النساء، «يصر على أفضل طريقة للمحافظة على العلاقات الإنسانية موضع

النقاش في مشكلة أخلاقية»، ينظر:

Tronto, p. 117.

وبالنسبة إلى غيليغان، فالأمر يتعلق، في غالب الأحيان، بتضارب في المسؤوليات أكثر من تعلّقه بمعضلة للحقوق المتضاربة. ومن

هذه الزاوية، فإن حل الصراع سيمر عبر نموذج للتفكير أكثر سياقية وسردية، وليس عبر نموذج التفكير الصوري والمجرد. ((1(إن نظريات الرعاية التي تنخرط في حراك النظريات النسوية، توثق بشكل واسع أشكال التمييز والاحتقار الاجتماعي إزاء مهن الرعاية. وتوضح جوان ترونتو (0092) أنه في الولايات المتحدة مثلً، تُسند المهن المتعلقة بالصيانة (البيت، المكاتب)، أو تلك

المتعلقة برعاية المسنين على نحو واسع إلى الرجال والنساء «الملونين». إن هذا النوع من العمل الذي يتطلب مهارات منخفضة، ولا يرتبط بالتقنية (الأقل تخصصًا، ولذلك فهو من دون قيمة اقتصادية مضافة)، منخفض القيمة بسبب الأجر المنخفض ومكانته

الاجتماعية المتدنية؛ ما يقلل، في الآن نفسه، من قيمة الأشخاص الذين يزاولونها، مؤكدة أشكال التمييز الحاضرة أصلً في المجتمع

والتاريخ الأميركيين. إننا هنا أمام رهان لإعادة التوزيع والاعتراف. ينظر:

Nancy Fraser & Axel Honneth, Redistribution or Recognition? A Political–Philosophical Exchange (New York: Verso,

الجائحة، وكذلك أثناء فترات الحجر وبعدها. نذكر، مثلً، الحلول التقنية للرقمي، ثم اختيارها وتطويرها من طرف الحكومات الغربية أو من تلك التي تملك الوسائل المالية والتكنولوجية. وفي سرعة كبيرة، جرت دعوة الشركات والإدارة العمومية إلى تحويل موظفيهم للعمل عن بعد؛ ما أدى إلى تغيير جذري في العلاقة بين الحياة والعمل. وهكذا، اختل التوازن، غير المستقر أصلً، بين العمل والأسرة، مؤثرًا

في الأدوار المرتبطة بالرعاية داخل الأسر. وفي غمرة كل ذلك، وفيما يتعلق بالنظام التعليمي، أجبرت الإدارات في الجامعات والمؤسسات التعليمية الأساتذة على تقديم دروسهم عبر الإنترنت، وهو ما قلَب طبيعة العلاقة البيداغوجية (فأي أستاذ لم يجد نفسه، وهو يقدم درسه عبر الإنترنت، أمام سلسلة أيقونات على شاشة «زووم» بدلً من أوجُه الطلاب؟). ما الدافع البيداغوجي الذي يمكن أن يكون

لدينا لإعطاء درس أمام شاشة فارغة؟ ينضاف إلى ذلك أن بعض الحكومات فرضت تطبيقات تتبُّع على

الهواتف المحمولة لمراقبة حركة المواطنين واتصالاتهم، ومن أجل تتبع سلاسل تفشي الفيروس أيضًا. إن هذا التحرك نحو حلول تقنية هو، لا غرو، إحدى تلك الخصائص الأساسية للنظام التقني: «بما أنه كان ممكنًا، فقد كان إلزاميًا. تلك هي الكلمة الأساس لأي تطور تقني»، كما يشرح جاك إيلول.

ويفسر ذلك بأنّ التقنية الحديثة أضحت في المجتمعات المتقدمة وسطًا Milieu، أي أسلوب حياة. وفي السلوكيات اليومية وحتى النفسية، يوضح إيلول كيف أننا نطور تبعية للتقنية التي استبطنّا قيودها. إن ضعفنا أمام التقنية مزدوج؛ فنحن في حاجة متزايدة إلى التقنية من أجل الحفاظ على أسلوب الحياة الغربي أو تطويره، ونحن نصبح متكيّفين ومتوافقين، أكثر فأكثر، مع هذا النموذج التقني للراحة

والنجاعة. وحين يتعثر هذا العالم التقني، كما حدث خلال الجائحة، وخصوصًا خلال الحجر، حيث

تباطأ كل شيء أو توقف (الملاحة الجوية، السيارات، التجارة، عمل غالبية الناس، الأسواق المالية، المدارس، الأسفار، النشاطات الثقافية... إلخ)، وحيث يتحرر البشر من ضغط الوقت. وانطلاقًا من هذه الظاهرة، يمكن أن يعي أيّ شخص كان هذه التبعية إزاء هذا الوسط التقني، لتعتمل بداخله مشاعر

عميقة من القلق أو الحرية. تمثل التقنية بالنسبة إلى هايدغر جوهرَ الفكر الغربي. إن هذا الفكر أضحى تقنية. أما بالنسبة

إلى إيلول، فإن التقنية تفرض نفسها من خارج الفكر الإنساني، وتفتته وتجزئه. إن التقنية «هنا بالفعل»là – déjà. يأخذ إيلول في الاعتبار، هنا، تقسيم العمل الحديث وسيطرة الآلة التي تسود منذ ما يقرب من مئتي عام في الغرب. إننا نقف هنا على مواضيع ماركسية متعلقة بمادية العالم. إن التقنية، فيما وراء الآلات وعملية الأتمتة، قد أصبحت نظامًا يحاصرنا ويفرض علينا منطقه، «وهكذا،

فإن النظام التقني يشمل الفرد من دون أن يكون قادرًا على إدراك ذلك. إنه يتلقى منه فقط أشكالً

مذهلة من الإشباع. ويُعدّ ذلك خاصية من خصائص هذا العالم متمثلة، أيضًا، في بث صور مقلوبة

(11) Martin Heidegger, Essais et conférences (Paris: Gallimard, 1958).

((1(إن ظاهرة «هنا بالفعل»، أو «الموجود هنا بالفعل»، مدهشة على نحو خاص في المجال الرقمي. وعلى سبيل المثال، فإن

الأطفال الذين ولدوا قبل خمس سنوات منغمسون في أشياء رقمية (الكمبيوتر اللوحي، والهاتف الخلوي، والألعاب المتصلة بهما)، وهذه الأشياء لا تشكل سلوكهم فحسب، بل عقولهم أيضًا، وذلك من خلال تعزيز أنماط تعلم معيّنة.

(13) Jacques Ellul, Le système technicien (Paris: Cherche–midi, 2012).

للواقع؛ فأقصى أشكال التعقيد التقني، ينتج أقصى أشكال البساطة. إن التعبئة المكثفة للإنسان، من أجل العمل، تنتج بداخله قناعة المجتمع الترفيهي [...] إن كونية البيئة التقنية تتخذ شكل الطبيعة». هل مزقت جائحة فيروس كورونا حجاب النظام التقني؟ لا ريب في أن التوقف الذي تعرض له النظام التقني قد سمح للكثيرين، بحسب تعبير إيلول، بالتمييز بين الاحتياجات الأساسية (الغذاء، المأوى، الحماية من سوء الأحوال الجوية والأخطار)، والاحتياجات الثانوية، التي يتم توفيرها بالوسائل التقنية. ومع ذلك، فإن خصائص النظام التقني قوية جدًّا، إلى درجة أن إيلول يوضح أنه لا توجد نقطة خارجية (ليس هناك برانية، أو شكل من أشكال التعالي، بعد صرخة فريدريك نيتشه الشهيرة في هكذا تكلم زرادشت) يُسمح لنا بالخروج منها. ويخلص إيلول إلى أن الإنسان الذي تحكمه التقنية يتخذ قراراته وفقًا لها. ولكن من أجل فهم سيطرة النظام التقني التي تشمل الإنسان الحديث، يجب تحديد الظاهرة التقنية عبر شرح ما يحدد هويتها. «تقنية مستقلة، إن هذا يعني أنها لا ترتبط في النهاية إلا بنفسها، وهي التي تحدد مسارها الخاص بها. إنها عامل رئيس وليس ثانويًا، ويجب النظر إليها باعتبارها ‘كائنًا حيًّا’، يميل إلى الانغلاق، وإلى أن

يحدد نفسه بنفسه، ويجد هدفه في ذاته. إن الاستقلالية هي الشرط عينه للتقدم التقني [...] كل عنصر تقني يتكيف أولً مع النظام التقني، ويمتلك وظيفته الحقيقية في علاقته بهذا النظام، أكثر منه في علاقته بحاجة إنسانية أو نظام اجتماعي». ويترتب على ذلك أن استقلالية التقنية مرتبطة، على نحو مباشر، بفرادتها. وهذا يعني أنها بوصفها نظامًا، ترتبط فيه الأجزاء بعضها ببعض ارتباطًا وثيقًا (ترابط الأجزاء التي لا يمكنها الوجود من دون الأخرى)، وتعمل على نحو موحد. ويلي ذلك تشعب في التطبيقات المترابطة. لنفكر في الهواتف المحمولة والعديد من التطبيقات التي تسمح بعدد مذهل من الإجراءات، ومن الحسابات المصرفية عبر الإنترنت، وتلك المتعلقة بالتسوق عبرها، مرورًا بتطبيقات الصحة، فضلً عن وسائل التواصل الاجتماعي... إلخ. لقد أدى الحجر الصحي، على نحو خاص، إلى تسريع استعمال «الحلول عبر الإنترنت» بواسطة الهواتف المحمولة. إن النظام التقني هو نظام كوني أيضًا، من حيث إنه يمتد ليشمل كل مجالات النشاط البشري. إنه موجود في كل مكان عبر العالم بدرجات متفاوتة، وقليلة هي المناطق الجغرافية التي تفلت من التقنية الحديثة. وتطور وسائل النقل؛ من الطرق والسكك الحديدية في القرن التاسع عشر، إلى الأقمار الصناعية في القرن الحادي والعشرين، مرورًا بالطائرات في القرن العشرين، مثال واضح دالّ على هذا الحضور الشامل للنظام التقني في كامل أرجاء المعمورة. لكن من المفارقات أن جائحة فيروس كورونا، منذ إغلاق الحدود الوطنية، أوقفت حركة الطائرات، وهو أمرٌ ألقى بثقله على صناعتَي الطيران والسياحة،

وحدّت من مدى البصمة التقنية في السماء.

(14) Ibid., p. 325. (15) Ibid., p. 133.

والنظام التقني هو، أيضًا، نظام كلّي، فهو يتوجه إلى كل جوانب الحياة. وإذا ما اختفت تقنية ما منذ البداية، فسيتم تعويضها بتقنية من النوع نفسه إلا أنها أكثر نجاعة. لقد سرّعت الجائحة تقادمَ الأقراص

المضغوطة للموسيقى أو الأفلام لمصلحة منصات اشتراك مثل Spotify للموسيقى، أو Netflix للأفلام. فيمكن مشاهدة ذلك كله في بيوتنا، في وقت أغلقت فيه دور السينما وصالات العرض والمتاحف أبوابها بسبب الجائحة. لقد ركزت هذه الظاهرة العرض الثقافي وضبطته، وذلك من خلال تعديل عادات المشاهدة والاستماع، وربط ذلك كله بالراحة المنزلية. ويلاحظ إيلول أن النظام التقني يزداد نموًّا مع نهاية القرن العشرين: «لقد وصلت التقنية إلى نقطة

من التطور بحيث أضحت تتحول وتتقدم من دون تدخل حاسم من الإنسان، بواسطة نوع من القوة الداخلية التي تدفعها إلى النمو، وتقودها بالضرورة نحو تطور لا يتوقف. ومن جهة أخرى، فإن جميع رجال عصرنا متحمسون جدًّا للتقنية، فقد تكونوا من خلالها، وهم متأكدون من تفوقها، ومنغمسون في البيئة التقنية، إلى درجة أنهم جميعًا، من دون استثناء، موجهون نحو التقدم التقني، فهم جميعًا يعملون لتحقيق ذلك، كيفما كانت مهنتهم؛ فكل واحد يبحث استعمالً جيدًا للوسيلة التي بين يديه، أو يسعى إلى تطوير منهجية جهاز [...] وهكذا تتقدم التقنية من خلال جهود الجميع، باستثناء سكان العالم الثالث غير المندمجين في المجتمع التقني، والعدد الضعيف جدًّا من المعارضين للتكنولوجيا». ومن الواضح أن حركة النمو هذه ترتبط بعدد معين من شروط الإمكان مثل: القوى الاقتصادية التي تدفع بالابتكارات التكنولوجية العسكرية ليتم بعد ذلك نقلها إلى السوق الاستهلاكية المدنية، وسياسات الدولة في مجال البحث والتنمية، وأيديولوجية التقدم التقني... إلخ. وما يصفه إيلول هو حاضر اليوم بوضوح، مع تطوير الذكاء الاصطناعي العسكري للآلات التي تعمل ذاتيًا، وسباق الفضاء الأميركي – الصيني، والطائرات

المسلحة من دون طيار، ومعدات «الجندي الخارق» العالية التقنية التي تعيد إطلاق النمو التكنولوجي والتقني، انطلاقًا من التقنيات الرقمية بعد الصرخات التكنولوجية للتقنيات الحيوية وتقنيات النانو. وعلاوة على النمو الذاتي، فإن التقنية تعمل وفقًا لآليات فاعلية وحساب منطقي، حتى لو لم يتم تحديد شيء مسبقًا، ولم تجرِ تجربة كثير من الطرق التقنية قبل أن تفرض الواحدة منها نفسها. إن أفضل تقنية هي تلك التي تتحكم في نجاعة الوسائل. ويوضح إيلول أن آلية الحساب العقلاني والفعال تتعلق ب «التوجيه التقني، والاختيار بين التقنيات، وتكييف البيئة مع التقنية، وإلغاء النشاطات غير التقنية لمصلحة الأخرى». ويضيف إيلول أن هذا النمو الذاتي للنظام التقني يتسارع ويتعقد على نحو مدهش. ويطرح التسارع التقني مشكلة التنبؤ؛ فهل هناك حدود لتوسع النظام التقني؟ يذكرنا إيلول باستنتاجات تقرير Meadows (نادي روما) في تقريره حول حدود النمو The Limits to Growth، عام 1972، الذي يميز، من بين

(16) Ibid., p. 217. (17) Catherine Larrère & Raphaël Larrère, Bulles technologiques (Paris: Wildproject, 2017). (18) Ellul, p. 240.

أمور أخرى، عائقين خارجيين للنمو؛ ارتفاعًا في عدد السكان (4 مليارات في عام 1975، و 7.6 مليارات في عام 0202)، وندرة في الموارد الطبيعية للكوكب وخصوصًا مصادر الطاقة. ويتساءل إيلول عقب ذلك عن السيناريوهات الثلاثة التي تسمح بمراقبة النظام التقني: أيكون ذلك بتجميد طوعي يريده البشر من أجل استعادة التوازن، أم تجميد لاإرادي يعقبه انهيار حضاري، أم من خلال تباطؤ تدريجي؟ ثمّ يأتي جوابه مقتضبًا: سيكون هناك نمو في الاختلالات والأعطال الوظيفية داخل النظام

التقني، يجر معه اضطرابات، في ظل غياب آلية للحد من تسارع النظام. لو كان إيلول لا يزال على قيد الحياة، هل كان سيتفق مع مواقف كوارثيي الأنثروبوسين، أو منظري السقوط الحضاري؟. ليس الجواب عن هذا السؤال ما يهمنا في هذا المقام، بل تلك الفكرة التي تقول إنه من خلال قيود خارجية يمكن أن يتعرض النظام التقني الحديث للاهتزاز. إن هذه الاضطرابات أو الانفجارات العالمية، كما ذكرنا ذلك في المقدمة حول جائحة فيروس كورونا، يمكن أن تجبرنا على إعادة التفكير في مسارنا. ولكن إنْ تحلّينا بالتفاؤل، فيمكننا أن نفكر حتى في أنّ البشر سيغيرون من علاقتهم بالحضارة التقنية وسيختارون، على سبيل المثال، مسارات تقنية أكثر استنارة في اتجاه الاستدامة البيئية وإصلاح الأشياء التقنية أو الاستعانة بالتكنولوجيا البسيطةTech Low. لكن هذه الخطوة الجانبية، في هذه اللحظة النقدية، هي: هل يمكنها المساهمة في إبطاء النظام التقني إذا ما اتبعنا فكر إيلول؟ وهل هناك عناصر جديدة ومختلفة يمكننا استخلاصها من هذه الأشهر الثمانية المتعلقة بالجائحة، على نحو يكون من شأنها أن تسلط الضوء على السبل البديلة المؤدية إلى الخروج من هذه الأزمة العالمية التي هزت الحضارة التقنية المعاصرة؟ سنقارب في القسم الثالث من الدراسة هذا السؤال من زاوية أشكال الهشاشة المؤسساتية والاجتماعية التي تمظهرت خلال فترة انتشار الجائحة، محاولين فهم ما تعبّر عنه داخل الحضارة التقنية والفرص التي تخلقها.

ثالثًا: جائحة فيروس كورونا: الهشاشة، هذا الوجه الآخر للحضارة التقنية

كيف تمظهرت الهشاشة خلال أزمة جائحة فيروس كورونا؟ من خلال مراجعة الأدبيات في العلوم الإنسانية والاجتماعية الصادرة منذ أيار/ مايو حتى تشرين الأول/ نوفمبر 020، تمكنّا من تمييز 2

(19) Marie–Hélène Parizeau, «Du développement au développement durable: L’environnement en plus. Analyse éthique et politique,» dans: L. Guay et al. (éds.), Les enjeux et les défis du développement durable: Connaître, décider, agir (Quebec: Les Presses de l’Université Laval, 2004). (20) Larrère & Larrère. (21) Philippe Bihouix, L’âge des low tech: Vers une civilisation techniquement soutenable (Paris: Seuil, 2014).

(((2 أشكر مؤسسة ماليت للثقافة الخيرية في كيبك التي سمحت لي بالوصول إلى العمل البحثي الذي قام به طالب الدكتوراه في شعبة الفلسفة بجامعة لافال، ماثيو غانون Gagnon Mathieu. إن العمل البيبليوغرافي لهذا البحث لا يدعي الشمولية. فلقد زاد عدد المنشورات زيادة كبيرة منذ أيلول/ سبتمبر 0202، وخصص العديد من المجلات أعدادًا خاصة للعواقب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتعلقة بالجائحة. أما فيما يتعلق بالمنشورات في

الولايات المتحدة، فقد اهتمت خصوصًا بالقضايا السياسية والصحية المرتبطة بنهاية فترة حكم الرئيس دونالد ترامب.

أشكال الهشاشة المتكررة التي تجلت وعبّرت عن نفسها خصوصًا في البلدان الغربية، التي تعتبر أوساطها التقنية خصوصًا معقدة وشمولية. لقد تمكنّا من تحليل هذا المتن، انطلاقًا من المصفوفات النظرية والمفاهيمية للنظام التقني لجاك إيلول، ومن نظرية الرعاية، وخصوصًا تلك التي طورتها جوان ترونتو، ومن تسليط الضوء على أشكال الهشاشة المؤسساتية والاجتماعية التي ظهرت أثناء الجائحة. إن الأمر يتعلق بصورة واسعة، نعرضها هنا من خلال أربعة عناوين رئيسة تصف أشكال الهشاشة: 1. التنبؤ التقني؛.2 إلغاء النشاطات غير التقنية؛.3 قضايا العدالة؛ 4. هشاشة الديمقراطية.

1. التنبؤ التقني وأشكال الضعف الإنساني

إنه لَمر بخس أن نقول إن جائحة فيروس كورونا لم تكن أمرًا متوقعًا، وإننا نعيشها مثل حدث استثنائي، لم نسمع به منذ الحرب العالمية الثانية أو منذ وباء الأنفلونزا الإسبانية، في عام 1918، التي غالبًا ما

يتم اعتبارها نقطة مقارنة تاريخية. إن الجائحة، عبر سرعة انتشارها، وعبر جِدَّتِها الراديكالية (فيروس كورونا غير معروف عند البشر)، وعبر غياب العلاج، كانت صدمة وحشية على كل المستويات. لقد كذّبت الجائحة كل الحسابات السياسية، وجميع التوقعات الاقتصادية المتعلقة بعام 020.2 وتمّ تجميد النظام الاقتصادي النيوليبرالي، وخاصة الحركة التوسعية للعولمة أثناء الاحتواء المعمم للموجة الأولى من الجائحة. وقد أظهر تباطؤ التبادلات الاقتصادية بين البلدان ضعفًا كبيرًا في العديد من البلدان أمام الموردين الأجانب، لا سيما الصين. وفاقم السياق الصحي تبعية غالبية البلدان في مجال المعدات الطبية (الأقنعة، معدات الوقاية، أجهزة التنفس الصناعي) وإنتاج بعض الأدوية. وسلطت أزمة جائحة فيروس كورونا الضوء على حقيقة أن العولمة تفاقم ضعف الدول التي لا تتخذ الاحتياطات اللازمة لضمان أمنها بالمعنى الواسع. ويتساءل العديد من المحللين عن التوازن بين الحمائية والأشكال الجديدة للعولمة التي تشكلها التقنيات الرقمية، والتي يمكن فرضها عبر الصين. وتعزز دور الدولة مقارنة بتراجعها في الأيديولوجيا النيوليبرالية، عبر سياسة للتدخل تجلت منذ بداية الجائحة (الحماية الاجتماعية، سياسة الإنعاش الاقتصادي، إجراءات ضريبية، إجراءات دعم... إلخ). أدت هشاشة التعاون الدولي إلى تفاقم الضعف الاقتصادي للبلدان فيما يتعلق بالحصول على المواد الصحية واللقاحات على وجه الخصوص. وفي هذا الموضوع، أكد البعض أهمية وجود حد أدنى من التفاهم بين دول العالم من أجل تحقيق الصالح العام. ومن جهتها، وجدت منظمة الصحة العالمية، وهي التي تمثل الهيئة الدولية المحورية فيما يرتبط بالعلاج ولقاح فيروس كورونا، أنها في

(23) Josep Borel, «COVID–19, le monde d’après est déjà là,» in: Josep Borel et al., COVID–19: Choc sanitaire et géopolitique: Trump, et après? (Paris: Politiques étrangères, 2020), p. 18. (24) Thomas Gomart, «Le COVID–19 et la fin de l’innocence technologique,» in: Borel et al., pp. 25–38. (25) Didier Houssin, «La coopération sanitaire internationale à l’épreuve de la COVID–19,» in: Borel et al., pp. 33–45.

مركز الخلافات العلمية (النقاش حول الكلوروكين) والقضايا الجيوسياسية. وقد أدى حجم الجائحة وتزامنه إلى الحد من الوصول إلى التقنيات في مجال الصحة بالنسبة إلى البلدان كلها. وقادت عولمة دوائر الإنتاج المرتبطة بنقل النشاطات الصناعية إلى الخارج Délocalisation، وفقدان القدرة التنافسية المحلية، إلى وضعيات وطنية غير متكافئة إلى حد بعيد جدًّا، وأفرزت تأثيرات حقيقية في السكان: «كان هناك في البداية نقص في الأقنعة، وأجهزة التنفس والاختبار. إن مشاكل التموين، وصعوبة تحويل صناعة النسيج لإنتاج الأقنعة، وتعبئة الصناعة الميكانيكية لتسريع تصنيع مراوح التهوية، والتقدم بقوة في صناعة أجهزة الاختبار، كل ذلك جعل الخوف يستبد بالرأي العامّ وبالمسؤولين السياسيين المطلعين عادة على ما يجري». كان على الإدارة العملية للجائحة أن تتعامل مع الزيادة الهائلة في عدد الأشخاص المصابين بفيروس كورونا، والمرضى في المستشفيات والوفيات. وقد عمدت دول غربية كثيرة إلى استعمال مفردات من القاموس الحربي (الموجة الأولى، الموجة الثانية، «تعبئة عامة» للسكان، مهنيو الرعاية «في الجبهة»، اللقاح مثل «سلاح نهائي»، «هدنة أعياد الميلاد»... إلخ). إن خطاب التحريض الحربي، الذي غالبًا ما يسير جنبًا إلى

جنب مع السلطوية السياسية لحالة الطوارئ، يتم ربطه في هذا السياق بأدوات التقنية (مضاعفة محمومة للإحصائيات، السيناريوهات، تسطيح المنحنى الشهير... إلخ)، وعلى الرغم من ذلك فشلت العديد من الأنظمة الصحية الحكومية في التعامل مع الموجة الأولى لجائحة فيروس كورونا، لأنها فشلت في تقييم ما كان يحدث بالفعل على الأرض أو فهمه. لقد اختلفت تدابير الاحتواء والأولويات المتعلقة بإعادة فتح قطاعات معيّنة من المجتمع من بلد إلى آخر. وتوضح تناقضات بعض إدارات الصحة العامة بشأن

وجوب ارتداء القناع الواقي، أو عدم ارتدائه، أو استراتيجيات التتبع، أو حتى تنافر حديث بعض العلماء حول بعض علاجات الجائحة، العديدَ من الاضطرابات المؤسساتية في مواجهة الأزمة. تجلت الكارثة بطريقة نموذجية لدى المرضى المسنّين الذين يقيمون في مؤسسات الرعاية الطويلة الأمد (المؤسسة الفرنسية EHPAD أو مؤسسة CHSLD في كيبك). وقد تركز عدد الوفيات وحالات تفشي فيروس كورونا في هذه المؤسسات خلال الموجة الأولى من الجائحة، في حين كانت المستشفيات تستقبل المرضى في أقسام العناية المركزة. فخلال الموجة الأولى، في كندا، كما هو الحال أيضًا في فرنسا وبلجيكا وبريطانيا وألمانيا، كان نحو ثلاثة أرباع وفيات فيروس كورونا من كبار السن المرضى الذين يعيشون في مؤسسات الرعاية الطويلة الأمد. إنه السيناريو نفسه في كل مكان:

2(((يُنظر: على سبيل المثال افتتاحية صحيفة لوموند حول التنافس السياسي المحموم بين القوى العظمى على اللقاحات في:

«Covid–19: les risques de la course au vaccine,» Lemonde , 25/8/2020, accessed on 18/1/2021, at: https://bit.ly/3ir4IVw (27) Élie Cohen, «La souveraineté industrielle au révélateur du COVID–19,» in: Borel et al., p. 75. (28) Colleen Flood et al., «Overview of COVID–19: Old and New Vulnerabilities,» in: Colleen Flood et al., Vulnerable: The Law, Policy and Ethics of COVID–19 (Ottawa: University of Ottawa Press, 2020). (29) Martin Dichter et al., «COVID–19: It Is Time To Balance Infection Management And Person–Centered Care To Maintain Mental Health Of People Living In German Nursing Homes,» International Psychogeriatrics , vol. 32, no. 12, pp. 1157–1160.

«أدت التغطية الإعلامية الوفيرة إلى كشف النقاب عن وضع صعب التصديق يظهر محنة المقيمين في مراكز الرعاية الطويلة الأمد، الذين أجبروا على الحجر الأكثر صرامة، بل على عزلة جسدية واجتماعية شبه مطلقة وإلى جانبهم مهنيُّو قطاع الرعاية الذين استُنفِدت قواهم، وفي غالب الأحيان تنقصهم

الأجهزة اللازمة». لقد مثّل كبار السن المرضى، في مراكز الرعاية الطويلة الأمد، الوجه الحقيقي للهشاشة في ظل الجائحة؛ ففي الدول الغربية، اهتمت بهم وسائل الإعلام وسلطت الضوء على ظروفهم الحياتية الواقعية: الكثير من العزلة، وقليل من النشاطات الاجتماعية والثقافية، ومبانٍ متداعية أو غير ملائمة، ونقص في طاقم التمريض، وأيضًا ضعف في التنظيم الإداري، وهو ما يعكس نقصًا مزمنًا في تمويل هذه المراكز، مع قصور في عمل النظام، ونقص في الوسائل لإجراء عمليات التفتيش المنتظمة، وانخفاض في الخدمات... إلخ. إن أدلوجة التحيز ضد المسنّين âgisme ’ l de idéologie ’ L شكلت، منذ عقود في الغرب، مواقف اجتماعية سلبية من الشيخوخة. وفي الآن نفسه، يتم النظر إلى كبار السن باعتبارهم ضعافًا، بلا جدوى، وعاجزين، وفي حاجة إلى مساعدة الآخرين. ينتج من ذلك تهميش اجتماعي وهجر وإهمال، في حين أن فئة كبار السن في الغرب كبيرة عدديًا (17.2 في المئة من ساكنة كندا تزيد على 65 عامًا، و 02 في المئة في فرنسا، و 12 في المئة في ألمانيا، و 22 في المئة في إيطاليا). لماذا لم يتوقع النظام الصحي ومؤسسات الصحة العامة ما سيحدث في مرافق الرعاية الطويلة الأمد، وهم الذين يعرفون أن هذه المرافق أكثر عرضة لانتشار الجائحة؟ هل أنّ الهشاشة تصنيف إداري؟ لا يمكن حساب الهشاشة. لا توجد هناك خوارزمية للهشاشة. لقد بقيت هشاشة كبار السن في مرافق الرعاية الطويلة الأمد غير مرئية في النظام التقني الذي يقوم على النجاعة والحساب العقلاني. وعلاوة على ذلك، إن النظام الصحي مبني على مركزية المستشفى الذي يحدد الإجراءات الطبية، وعدد الأسرَّة، ومدة الاستشفاء، وتكلفة المنصات التقنية، وتوازن الميزانية، وكفاءة عرض الرعاية، وأداء

الخدمات، وغير ذلك. فلم يعد يُنظر إلى الإدارة إلا من خلال أصغر تعبير عنها: «تقليل التكاليف وزيادة الأرباح»، ذلك أنّ المنطق الحسابي في المستشفى يركز على ما هو فعّال وقابل للقياس، وما هو تقني في الأساس. ومع ذلك، فإن العديد من الخدمات في الرعاية غير مرئية (كأس الماء الذي يتم إحضاره للمريض، الفراش المعد بإتقان، الابتسامة في وجه المريض، والأحاديث غير الرسمية بين مهنيي الرعاية حول المريض، وما إلى ذلك)، ولكن كل ذلك بالنسبة إلى المدير هو غير قابل للقياس؛ ما يعني أنه غير موجود من وجهة نظر حسابية. فهل معنى ذلك أن إدارة مستشفى شبيهة بإدارة مصنع؟ «تستبعد قرارات ترشيد المستشفيات، التي يتم اتخاذها في ظل منطق حسابي ومالي، أي اعتبار للمرونة

(30) Martine Lagacé et al., «COVID–19 et âgisme: Crise annoncée dans les centres de soins de longue durée et réponse improvisée?» in: Flood et al., p. 331. (31) Ibrahima Fall, «Une crise peut en cacher une autre: Comprendre la crise du management pour comprendre la crise sanitaire du coronavirus. Quelques pistes de refondation du management,» Question(s) de management , vol. 3, no. 29 (2020), p. 62.

التنظيمية الضرورية للرعاية وللممارسة الطبية في مجملها. ولذلك، ليس من المستغرب أن تؤدي أزمة، مثل أزمة كورونا، إلى كشف النقاب عن الأخطاء الإدارية لمديري المستشفيات مثل نقص الأسرّة في

المستشفيات العامة التي تحتل مركز الصدارة في إدارة الأزمة؛ فلقد فقَد المستشفى 5.3 في المئة من أسرَّته منذ عام 0132، وفقًا لإحصائيات وزارة الصحة الفرنسية (فقدت المؤسسات العامة ما مجموعه

13631 سريرًا)». لنلاحظ أنه خلال الموجة الثانية الحالية من الجائحة، جرى تبرير إجراءات «الإغلاق» الصارمة التي اتخذتها الحكومات بدعوى الحفاظ على قدرة المستشفيات على استقبال المرضى المصابين بفيروس كورونا، والمحافظة على عدد كافٍ من مهنيي الرعاية، القادرين والمتاحين؛ من أجل القيام بوظائفهم. إن الجائحة تفاقم المنطق الإداري للحضارة التقنية، وتفجّر في الوقت نفسه أشكالً من الهشاشة الاجتماعية (كبار السن في مرافق الرعاية الطويلة الأمد)، وأخرى بنيوية (مركزية المستشفى وإدارته الحسابية).

2. إلغاء النشاطات غير التقنية

يسعى الحساب العقلاني والفعّال إلى القضاء على النشاطات غير التقنية كما بين ذلك إيلول. لكن العديد من أبعاد العناية لا يدخل في باب الإجراءات أو النشاطات التقنية. تعرض النظام التعليمي أيضًا لصدمة الجائحة. فخلال الإغلاق الشامل الأول، أوصدت المدارس والجامعات أبوابها في العديد من البلدان. ومع الرفع الجزئي للحجر، جرى إرسال العديد من الأطفال إلى المدارس بأقنعة، أو في ظل نظام تمدرس يعتمد التناوب بين أيام الأسبوع، مع قواعد صارمة للتباعد الجسدي، وغير ذلك. كان الهدف إنقاذ العام الدراسي، حتى لو عنى ذلك خفض بعض متطلبات التعلم. لكن العديد من الآباء والأمهات يعملون عن بعد، في البيت، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل عن طريقة للتوفيق بين متطلبات العمل وتعليم الأطفال، من دون أن نترك تلك المهمة على عاتق الأطفال أنفسهم؟. لقد جرى التوصل إلى توافقات سوسيو–سياسية، ودُشِّن العام الدراسي في أيلول/ سبتمبر 0202 على إيقاع الإغلاق المؤقت لبعض المدارس التي تحولت إلى بؤر للجائحة في العديد من البلدان. غير أن المنشورات الطبية ستؤكد، ومن بينها منشورات الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال Pediatrics of Academy American الأبلغ تأثيرًا، أنّ التعليم الحضوري أفضل كثيرًا من

نظيره على الإنترنت، إذا ما طلبنا تحقيق تطور عاطفي وتربوي واجتماعي للطفل والمراهق. اتخذ التدريس على مستوى الجامعة والكلية مسارًا مختلفًا تمامًا، وأعني بذلك الأسلوب التقني. وعلى الرغم من أن الأوضاع اختلفت من بلد إلى آخر، فإن الحركة العامة، انطلاقًا من الإغلاق، قامت

(32) Ibid., p. 64. (33) Gina Adams & Margaret Todd, Meeting The School–Age Child Care Needs Of Working Parents Facing COVID–19 Distance Learning: Policy Options To Consider (Washington: Urban Institute Press, 2020).

على نحو مفاجئ – بين عشية وضحاها – بتحويل الفصول الدراسية الحضورية إلى تعليم عن بعد، مع تنويعات في الأشكال (هجين، سانكروني، غير سانكروني... إلخ. ذلك هو المعجم الجديد للبيداغوجيا التقنية). طبعًا، اعتمدت الجامعات الحكومية التي تشتمل على وسائل تكنولوجية محدودة، خاصة في البلدان الفقيرة وأيضًا في بعض البلدان الغربية، على التدابير الصحية الأساسية خصوصًا (التباعد الجسدي، واستعمال الأقنعة، وتنظيف اليدين)، محافظة على التعليم الحضوري بمجرد رفع الحجر. لكن المثير للدهشة يتعلق باختيار متعمد من بعض الحكومات أو إدارات الجامعات مفاده الاستفادة من الجائحة من أجل فَرْض اعتماد التعليم عن بعد على الأساتذة والطلاب. وليس ذلك خلال مرحلة الحجر فحسب

(حتى نهاية 0202)، بل حتى إلى ما بعد هذه المرحلة أيضًا. إن هذه التجربة المفروضة، من دون موافقة من الأساتذة والطلاب، اعتمدها كثير من الجامعات من دون تحضير يُذكر. وقد أدى ذلك إلى ظهور مشكلات هشاشة موثقة بالفعل في دراسات عن دورات التعلم عن بعد، تلك المشاكل التي تفاقمت على نحو كبير. إن الوصول إلى التكنولوجيا الرقمية (الكمبيوتر، السيولة القوية للإنترنت، وغير ذلك)، والتدريب الأساسي على أدوات تكنولوجيا المعلومات (المنصات، البرامج، وغيرهما)، هما أول حاجز تقني يخلق تفاوتات اجتماعية. وعلاوة على ذلك، إن الشروط المادية التي يكبر فيها الطالب تمتلك تأثيرًا في تركيزه، وانضباطه الذاتي، ودوافعه. ثمّ إن الحصول على ركن بسيط للعمل أو الحياة في ظل جو

عائلي مزعج، أو المخاوف المالية المتعلقة بفقدان وظيفة صغيرة خلال الجائحة، كلها عقبات حقيقية. ومع مختلف أشكال الحجر، فإن عددًا كبيرًا من الطلاب وجدوا أنفسهم من دون عمل، ومن دون موارد

مالية. وبعد ذلك، وجد الطلاب صعوبة في الوصول إلى الخدمات التعليمية (إجراءات استيعاب الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة، والمتابعة البيداغوجية)، والمساعدة (المساعدة النفسية مثلً، أو العثور على عمل، وغيرهما) التي تقدمها الجامعات في الأوقات العادية. وقد تعززت هشاشة هؤلاء الطلاب من خلال عزلتهم ولامرئيتهم الاجتماعية والسياسية، بما أن وضعيتهم أضحت تُدار تقنيًّا من خلال دروس

عبر الإنترنت. أما الأساتذة، فلم يكن أمامهم من خيار سوى «تكييف» مضامين دروسهم ومناهجهم البيداغوجية مع هذه الوسيلة الرقمية الجديدة، ورعاية طلابهم الذين عبروا عن ضيقهم، وشعورهم بعدم الأمان، بل حتى بخيبة الأمل أيضًا؛ في هذه الوضعية التي لم تعُد فيها العلاقات الإنسانية في قلب العملية التعليمية، ولا في بيئتهم المعيشية التي تمثلها الجامعة. لقد قدم أساتذة شهاداتهم عن صعوباتهم اليومية المتمثلة في محاولة التوفيق بين العمل والأسرة في البيت. وأجرت العديد من النقابات استطلاعات للرأي لتوثيق ظروف العمل الحقيقية لهذا التحول نحو التعليم الرقمي.

(34) Joseph Crawford et al., «COVID–19: 20 Countries’ Higher Education Intra–period Digital Pedagogy Response,» Journal of Applied Learning and Teaching , vol. 3, no. 1 (2020), pp. 9–28. (35) Laura Gelles et al., «Compassionate Flexibility and Self–Discipline: Student Adaptation to Emercy Remote Teaching in an integrated Engineering Energy Course during CVID–19,» Education Sciences , vol. 10, no. 11 (2020), p. 304, accessed on 18/1/2021, at: https://bit.ly/3qveI2H (36) Tasha Dunn, «When Professor Guilt and Mon Guilt Collide: Pandemic Pedagogy from a Precarious Place,» Communication Education , vol. 69, no. 4 (2020), pp. 491–501.

وأدى الاختيار السياسي المستمر للتعليم عن بعد داخل الجامعات والكليات، على عكس النقاشات الاجتماعية التي سمحت لغالبية تلاميذ المدارس بالعودة إلى فصولهم، إلى تفضيل إدارة تقنية للجامعات، ضاربة صفحًا عن الاعتبارات الأخرى، وأعني النشاطات غير التقنية والضرورية للتعليم

الجامعي (التفاعلات اللفظية وغير اللفظية بين الطلاب والأساتذة، وديناميات النقاش، والاهتمام الشخصي، والدور – النموذج للأستاذ، والبيئة التعليمية العادلة للجميع، وغير ذلك). وأظهرت الجائحة أن الجامعات تعاني الهشاشة بنيويًّا. وكما يشير إلى ذلك الكثيرون، فإن فقدان الطلاب الأجانب، الذين

عادوا إلى بلدانهم الأصلية منذ بدء الإغلاق، قد تسبب في أزمة مالية للعديد من الجامعات الخاصة والعامة في البلدان الأغنى. ومثّل التدريس عن بعد حلًّ تقنيًّا سهلً للحفاظ على هؤلاء الطلاب في

صفوف الجامعة، ولكنّ ذلك كان، على نحو خاص، لفتح سوق التعليم العالي المعولم للآخرين في جميع أنحاء العالم. وأضحت عملية إعادة هيكلة الجامعة، من خلال زيادة عدد الطلاب وتقليل عدد الأساتذة لمصلحة مساعدين أقل كفاءة وأقل تكلفة، أمرًا ممكنًا بسبب الجائحة. وقد تمظهر الواجب التقني في مجالات أخرى، وشمل كائنات حية أخرى. نقدم هنا، على سبيل المثال لا الحصر، الظروف الصعبة التي تلمّ بتربية الحيوانات. لقد نقلت الصحف صدى الجدل الدائر في

الدنمارك حول حيوانات المنك التي تجري تربيتها، والتي أصيب عدد منها بفيروس كورونا. هذا الفيروس الذي أصاب هذا الحيوان، سيعرف طفرات جديدة تؤدي بدورها إلى إصابة بعض المزارعين. لقد كان الخوف متمثلً في ارتفاع حالات عدوى الفيروس وانتقاله من الحيوان إلى الإنسان، ومن الإنسان إلى الحيوان أيضًا، كما كان احتمال ظهور أشكال جديدة منه كبيرًا، إلى حد أن الحكومة الدنماركية

طلبت من المربين التخلص من هذه الحيوانات. إن كثافة مزارع المنك في هذا البلد، على مستوى العدد أو المساحة التي يتم استغلالها، كبيرة، وهي تضم نحو 17 مليون رأس من هذه الحيوانات. ولقد رفض بعض المربين قتل حيواناتهم، لأن قطيعهم لم يُصب بفيروس كورونا. ولكن تعرض ما يقرب

من ثلاثة ملايين رأس من حيوان المنك للقتل الرحيم في أوائل تشرين الأول/ نوفمبر. وبعد نحو شهر، طفَت في أرض عسكرية، كانت قد استعملت لدفن تلك الحيوانات، جثثٌ متحللة إلى السطح، لتشعل من جديد النقاشات الاجتماعية والسياسية. ويمكن أن يكتفي أيّ مشاهد لهذه الصور بتركيب

صور أخرى للمقابر الجماعية وتقنيات القتل الرحيم في الحرب العالمية الثانية، لكي يصبح في حيرة من أمره. «النسخة القربانية الحديثة»، «مشاهد إبادة»، هكذا تحدثت إليزابيث دي فونتيني عن ملايين الماشية التي قتلت خلال وباء «جنون البقر» (اعتلال الدماغ الإسفنجي البقري) عام 1996. إن الأزمات تتكرر، إذًا، في تربية الحيوانات المنتجة. ألم يحن الوقت لمراجعة أساليب الإنتاج الصناعي للحيوانات التي تعتبر «الكائنات الحية أداة بسيطة للإنتاج وفقًا للمعايير التقنية والاقتصادية وحدها»؟ «لقد عدنا

(37) Marek Tesar, «Towards a Post–Covid–19: ‘New Normality?’: Physical and Social Distancing, the Move to Online and Higher Education,» Policy Futures in Education , vol. 18, no. 5 (2020), pp. 556–559. (38) Mark Gozlan, «Visons, furets, chats: Les animaux infectés par le SARS–CoV–2 représentent–ils un risque pour l’être humain?» Le Monde , 13/11/2020, accessed on 18/1/2021, at: https://bit.ly/3oQynts (39) «Au Danemark, des carcasses de visons euthanasiés en masse refont surface,» le soleil , 25/11/2020, accessed on 18/1/2021, at: https://bit.ly/3ikB6cg

في الممارسة، إن لم يكن في الأنطولوجيا، إلى الحيوانات – الآلات (لديكارت»). ومن خلال إصابة قطعان المنك بفيروس كورونا، يمكننا أن نتبيّن الهشاشة المنهجية المتعلقة بتربية المواشي الصناعية إزاء الأوبئة، والأنظمة التقنية التي تفرض نفسها على حساب الحيوانات في إدارة هذه الأزمة. إن هذا النوع من تربية الماشية الذي لا يتمّ في بيئات منعزلة، ومثاله قطعان المنك، يُظهر – في ظل الجائحة – أنه سيكون من الضروري إعادة التفكير في الروابط التي تجمع بين البشر والحيوانات والنظم البيئية من أجل تحويل بعض ممارسات تربية المواشي من وجهة بيئية بدلً من وجهة إدارية تقنية.

3. قضايا العدالة والهشاشة

إن هشاشة الأفقر وأولئك الذين يتعرضون للتمييز يمثل الشاغل الأهم بالنسبة إلى أخلاقيات الرعاية. سنأخذ، في عجالة، أربعة أمثلة لتوضيح بعض الانقسامات الاجتماعية، وتسليط الضوء على أشكال الهشاشة الاقتصادية في أعقاب الجائحة. لقد فضحت الأزمة التي ضربت مراكز الرعاية الطويلة الأمد ظروف العمل السيئة لمهنيي الرعاية. ففي كندا، على سبيل المثال، تتمظهر هشاشة هؤلاء المهنيين الذين يعملون في القطاع العام أو الخاص بالنسبة إلى أغلبية النساء – وأقول ذلك لأن غالبية هؤلاء المهنيين من النساء – من خلال عمل أسبوعي يجري القيام به في مؤسستين أو ثلاث. لقد أدى هذا التنقل بين أماكن العمل وافتقاد المعدات الوقائية إلى انتشار الجائحة في مراكز العناية الطويلة الأمد لدى المسنّين المرضى، وأيضًا لدى طاقم التمريض. كما أن رواتبهم، التي لا تكاد تزيد على الحد الأدنى للأجور، تعكس أيضًا ضعف تأهيلهم، لأن القليل منهم تلقوا تدريبات متخصصة. وعلاوة على ذلك، تجري تعيينات مهنيي القطاع في أوساط المهاجرين الوافدين حديثًا. إن لامرئية هذه المجموعة من العاملين في قطاع الرعاية قد تلاشت، لأن الحكومة وقفت على الأهمية الأساسية لعملهم في مجال رعاية كبار السن المرضى خلال الموجة الأولى من الجائحة. لقد أصبح هؤلاء العمال «ملائكة رحمة»، وأشيدَ بهم علنًا. ثم تدخلت الحكومات الإقليمية، التي تقف إزاء أزمة كبيرة، لزيادة الرواتب، وخلق وظائف دائمة، وتعيين موظفين جدد، من خلال توفير التدريب الأساسي، وغير ذلك. وقد سمحت عملية إعادة الاعتبار الاجتماعي والسياسي للمهنة بالتعويض عن بعض الظلم وتأكيد الدور الأساسي للرعاية بدلً من الأعمال التقنية. فضلً عن ذلك، تجلى هنا، في وضوح، الاعتراف بارتباط أعضاء المجتمع بعضهم ببعض، ومعه الأهمية الاجتماعية لعلاقة الرعاية بأشكالها المؤسساتية المختلفة. وكما يشير إلى ذلك بعض الكتاب، أدت الجائحة، من خلال التباطؤ الاقتصادي الذي أحدثه، إلى إلغاء للوظائف، تقريبًا، في مختلف القطاعات الاقتصادية (باستثناء المجال الرقمي)؛ ما عمّق هشاشة الأمن، أو انعدامه، لدى الأكثر فقرًا على

(40) Elisabeth de Fontenay, Sans offenser le genre humain: Réflexions sur la cause animale (Paris: Albin Michel, 2008), p. 206. (41) Pat Armstrong et al., «Privatization and COVID–19: A Deadly Combination for Nursing Homes,» in: Flood et al., pp. 447–462.

مستوى العالم. لكن هل يمثل التحول من العمل المكتبي إلى العمل عبر الإنترنت، في أغنى البلدان على مستوى العالم، تحولً تقنيًّا جديدًا في عالم العمل؟ «علاوة على التفاوتات في مجال التوظيف، نقف على تفاوتات تتعلق بظروف العمل كشفت عنها الجائحة وضاعفت حجمها: فالمديرون، والذين لم تمسسهم الأزمة، عملوا، على نطاق واسع، عن بعد، في حين يمارس العمال والموظفون عملهم دومًا في أماكنهم الاعتيادية. غير أنّ اللجوء المكثف إلى المديرين التنفيذيين إلى العمل عن بعد، أضر بالعلاقات داخل الأسرة». إنّ للعمل عن بعد نتائج إيجابية؛ استعمالً أقل لوسائل النقل، ومزيدًا من المرونة بالنسبة إلى المديرين التنفيذيين، وزيادة في إنتاجية الشركات، وطريقة أخرى للعمل، أقل عضوية، مع عزلة أكثر استقلالية وإبداعًا. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه التغييرات تؤثر في النساء تأثيرًا سلبيًّا، ولا سيما اللواتي

لديهن أطفال؛ فهن في الأغلب الأعم فقدن وظائفهن، ويجابهن أعباء منزلية ومهنية، ويعانين مزيدًا من التوتر، ويعشن، على نحو أكبر، عزلة مهنية. ومرة أخرى، يؤكد الحل التقني، المتمثل في العمل عن بعد، التفاوتات والفروق الملحوظة بين الوضع المعيشي للرجال والنساء. وعلى نحو أعمق، يعيد العمل عن بعد طرح السؤال حول معنى العمل نفسه: هل يختزل العمل في منطق أداتي وإنتاجي محض؟ أليس العمل أيضًا طريقة، من بين طرائق أخرى، لخلق التضامن الاجتماعي، تسمح أيضًا بنوع من الإنجاز الشخصي؟. لقد كشفت الجائحة النقابَ عن شكل جديد من أشكال العمل هو العمل التطوعي – نوع من الرعاية الجماعية – وهو ما تقوم بها جماهير من الناس من دون أجر. وينفّذ هذا العمل العديد من الجمعيات أو المنظمات المجتمعية التي تعمل كشبكة أمان أخيرة، بالنسبة إلى الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع. إنهم يهتمون بالجياع (بنوك التموين الغذائي)، وبالمشردين (دور استقبال المشردين، والتبرع بالملابس)، وبأولئك الذين يعانون مشكلات الصحة العقلية، وبضحايا العنف الأسري، والمهاجرين غير الشرعيين (أماكن الاستقبال والراحة). وباختصار، بأولئك الذين لا تلبي الدوائر الحكومية حاجاتهم الأساسية. إنّ هؤلاء المتطوعين، وهم غالبًا من المتقاعدين، يُعنَون بالتضامن

الاجتماعي. ولكن مع الإغلاق الأول وبعده، سيتباطأ معظم هذا العمل التضامني على الأرض، لأن غالبية المتطوعين من فئة عمرية معرضة على نحو أكبر لخطر الإصابة بمضاعفات فيروس كورونا. لقد

(42) Antonio Casilli, «Le travail à inégale distance,» Par ici la sortie! , no. 1 (2020), pp. 147–153, accessed on 18/1/2021, at: https://bit.ly/2Kvzb8k (43) Anne Lambert et al., «Le travail et ses aménagements: Ce que la pandémie du COVID–19 a changé pour les français,» Population et Sociétés , vol. 7, no. 579 (2020), pp. 1–14. (44) Gilbert Cette, «Télétravail et croissance économique: Une opportunité à saisir,» Futuribles , no. 437 (Juillet–Août 2020), pp. 77–82. (45) Nathalie Sarthou–Lajus, «En ‘télétravail’ ou ‘présentiel’?» Études , no. 11 (Novembre 2020), pp. 5–6. (46) Lambert et al. (47) Valerie Flohimont & Marie–Aline Fauville, «En quoi la crise de la COVID–19 repose–t–elle la question du sens du travail? Chronique 4–covid–19,» HR. Square , 15/5/2020, accessed on 18/1/2021, at: https://bit.ly/367RVlZ

أضحت الفئات الأضعف في المجتمع، أشدّ ضعفًا ممّا كانت عليه من قبلُ. لكن الجائحة حفزت أيضًا

التبرعات، وحشدت المنظمات الخيرية الكبيرة لدعم مجموعة من النشاطات الاجتماعية والثقافية. ومع ذلك، دمَّرت الجائحة نفسها قطاع الفنون والثقافة تمامًا. وسرّعت صناعة الترفيه الحركة نحو أنماط

للاستهلاك عبر الإنترنت (أفلام، موسيقى، ألعاب فيديو)، من خلال منصات مختلفة على الإنترنت مدفوعة الأجر عمومًا. ولكن تجدر الإشارة إلى أن تحرك العديد من حكومات الدول الغنية نحو تقليص الاستثمار

في مجال الثقافة والفنون قد بدأ منذ أكثر من عقد من الزمن، وذلك لمصلحة الصناعة الثقافية، ونموذج العامل المستقل، مثل بهلوان من دون منطّة. لقد أغلقت هذه الحكومات المتاحف والمسارح وقاعات العرض والحفلات الموسيقية ودور السينما، بل إنها قلصت الولوج إلى المكتبات العامة أو أغلقتها. يبقى أن العديد من الحكومات قد قدمت دعمًا ل «الإبداع الفني عبر الإنترنت»، أو للحفاظ على الحد الأدنى

من بعض النشاطات في المؤسسات الرسمية للثقافة، كما هو الحال مع المتاحف الوطنية. ولكن منذ بداية الجائحة، ضربت الهشاشة قطاع الثقافة، وخاصة المبدعين والكتاب والفنانين وفنيي العروض، على نحو كبير، من الناحية الاقتصادية، ثمّ إنّ الأشدّ من ذلك هو ما أصاب أشكال الثقافة. وكما توضح ذلك

فرانسواز بنحمو Benhamou Françoise، فإنّ عالم الثقافة تلقى عدة صدمات. ومع إغلاق الحدود وتوقف السياحة الثقافية، عرف مجموع القطاع الثقافي جمودًا؛ من المعارض (9.6 ملايين زائر في فرنسا كل عام)، إلى المهرجانات الواسعة النطاق (6000 مهرجان في فرنسا سنويًا). لقد أصاب الشلل عولمة

الترفيه الثقافي (فقدت فرنسا 25 في المئة من حجم مبيعات جميع النشاطات الثقافية، أي ما يعادل 22.3 مليار يورو)، وتحول سوق الفن، الذي يضم 003 بينالي (معرض فنون) حول العالم، إلى اعتماد الحلول الرقمية. «هل يقدم لنا الرقمي حلًّ؟ إنه أداة الولاء والغزو والإبداع، ولكن ذلك ليس دومًا للتنمية، ثمّ إنه

يصطدم، بقوة، بصعود شركات الويب الأميركية GAFAM. لقد تنافست المتاحف في تقديم إبداعاتها عبر الشبكة العنكبوتية، وكسبت جمهورًا هناك، وأرسلت رسالة الحداثة، لكن كل ذلك لا يشكل بعد

أساسًا لنموذج اقتصادي [...] إن هذا الوضع الملحّ يجب أن يقترن برؤية طويلة المدى، كما أن ‘عالم

المابعد’ يواجه ثلاثة مخاطر: الانتقال من الوفرة الزائدة إلى تراجع النمو والمالتوسية بتفضيل ‘المسارات القصيرة’ فقط، والانزلاق من التواضع إلى الأدنى جودة، والوقوع في القومية الضيقة من خلال إغفال أشكال التعاون الدولي».

(48) Edith Archambault, «Quel monde associatif en période de Covid–19? Un panorama des situations et des enjeux issus du confinement,» Revue Internationale de l’Économie Sociale , no. 357 (Juillet 2020), pp. 100–108. (49) Olga Tarasov, «In a moment of Crisis, Philanthropy is Showing its Unique Value,» Inside Philanthropy , 26/3/2020, accessed on 18/1/2021, at: https://bit.ly/3qv5BiC (50) Diana Betzler et al., «COVID–19 and the Arts and Cultural Sectors: Investigating Countries’ Contextual Factors and Early Policy Measure,» International Journal of Cultural Policy , 11/11/2020, accessed on 18/1/2021, at: https://bit.ly/3imDuiw (51) Françoise Benhamou, «Crise de l’archipel culturel,» Esprit , septembre 2020, accessed on 18/1/2021, at: https://bit.ly/2KnF2wa (52) Ibid., pp. 5–7.

ويبدو هنا، مرة أخرى، على نحو عام، أن الخيار التقني قد وجه العمل السياسي؛ فالثقافة متاحة عبر الإنترنت، ولا يزال من الضروري الوصول إلى التكنولوجيا الرقمية، والحصول على الحد الأدنى من المعرفة الرقمية. لقد خلقت الجائحة تفاوتات اجتماعية جديدة، وعمَّقت الفجوة الرقمية، من خلال الحلول الرقمية

المطبقة في عدد متزايد من نشاطات المجتمع. من عساك تكون، إن لم تمتلك حتى إمكانية الوصول إلى حسابك البنكي عبر الإنترنت؟ وإذا لم تستطع التسوق عبر الإنترنت؟ وإذا لم تشارك في وسائل التواصل الاجتماعي؟ ستكون لامرئيًا وأكثر ضعفًا، بل إنك ستكون عرضة للتمييز في هذا العالم الرقمي الجديد

الذي يتوسط ويتحكم في العلاقات الاجتماعية وعلاقات العمل بواسطة النظام التقني.

4. هشاشة الديمقراطية

تسببت جائحة فيروس كورونا في حالة طوارئ صحية في العديد من البلدان؛ ما دفع إلى تعليق بعض الحقوق الأساسية لحماية صحة الجميع. «كانت النتيجة الأكثر بروزًا للجائحة هي تعطيل جزء كبير من النشاط الاقتصادي والاجتماعي، مع التسبب في ركود وبطالة لم نشهدهما منذ ما يقرب من قرن من الزمن، علاوة على تعليق عدد كبير من الحريات العامة والحقوق الأساسية، بدءًا بحرية التنقل

والتجمع. إن الأمر بالنسبة إلى الديمقراطيات الغربية صدمة غير مسبوقة، هز ركيزتيها الأساسيتين: الرأسمالية والليبرالية. ولم يكن هناك من هدف آخر سوى إنقاذ الأرواح». وفي سياق الأزمة، حتى في الديمقراطيات الغربية، ما زال هناك افتتان بالسلطة الاستبدادية، يجسده رئيس دولة قوي، تحيط به مجموعة من الخبراء، وهو يطمئن الجمهور العام مشيرًا إلى سبيل الخروج من

الأزمة. هل في الأمر إعادة تأكيد لسلطة الدولة؟ على أي حال، جرى تأكيد مركزية الدولة down – Top في هذه المرحلة من الأزمة؛ فالأوامر والرسائل تسير في اتجاه واحد، مع انحراف في اتجاه السلطوية في البنى الحكومية كلها، وخصوصًا، كما رأينا، في النظام الصحي، أو النظام التعليمي، أو في مجال

الثقافة في العديد من البلدان. ومع ذلك، فإن الجائحة لم تولِّد حالة طوارئ دائمة في غالبية البلدان الديمقراطية التي لم تسقط في الشمولية. ولكن في بعض البلدان ذات التقليد الأنكلوسكسوني، ولا سيما في الولايات المتحدة الأميركية، ظهرت توترات بين الأمن الصحي والحريات المدنية في السياق الخاص بالانتخابات الرئاسية الأميركية. هل تشارك وسائل التواصل الاجتماعي في النقاشات الديمقراطية عبر السماح للجميع بالتعبير عن آرائهم؟ أتقدم لنا هذه الوسائل فضاءًاجتماعيًا ديمقراطيًا، أم أنها، على العكس من ذلك، لا تخلق

سوى نقاشات مزيفة، وتنقل أخبارًا كاذبة، تساهم في تدهور في التبادلات الاجتماعية، بل تفرز شكلً

عنيفًا من أشكال العلاقات الاجتماعية؟ لقد زادت المعلومات المضللة حول الجائحة، وخصوصًا

في وسائل التواصل الاجتماعي، ومن ناحية أخرى ازداد اهتمام المواطن ازديادًا ملموسًا في البلدان

(53) Jean–François Lucas, «La COVID–19, accélératrice et amplificatrice des fractures numériques,» SciencesPo, 24/10/2020, accessed on 18/1/2021, at: https://bit.ly/3sBTB0A (54) Didier Fassin et al., «La démocratie à l’épreuve de l’épidémie?» Esprit (Octobre 2020), p. 4, accessed on 18/1/2021, at: https://bit.ly/3qtKVHv

الأوروبية والولايات المتحدة بوسائل الإعلام التقليدية (الصحف والتلفزيون)، وبمضمونها من المعلومات الذي يتعلق بالشؤون العامة حول الجائحة. قد يكون من السابق لأوانه تحليل ما إذا كانت أزمة فيروس كورونا جعلت من الدول والمؤسسات الديمقراطية أكثر عرضة للخطر. ومع ذلك، فمن الواضح أن الجائحة قد وضعتها على المحك، وأن الحلول الحكومية ازداد نزوعها إلى الحلول التقنية؛ بطريقة استبدادية في الغالب تتجاهل الوقائع والنقاشات الدائرة. لكن هذا السياق العامّ قد خلق، أو عزز، أشكال المقاومة السياسية التي تهاجم مباشرة سير الديمقراطية، وذلك من خلال نشر الفوضى (أخبار كاذبة عن الأقنعة واللقاحات، وما إلى ذلك)، ومن خلال تأجيج حركات اليمين المتطرف العنصريةَ والخوف من الآخر. ومن شأن هذه النزعة أن تقود إلى سلطوية جديدة على مستوى العالم بخصائص من قبيل عولمة تتخذ طابعًا قوميًّا، وتراجع

في المشاركة الديمقراطية؛ ما يؤدي إلى مزيد من مركزية الدولة، وحالة من المراقبة الرقمية وتآكل حقوق الإنسان، وأخيرًا عمى طوعي فيما يتعلق بالتفاوتات الاجتماعية. وإزاء هذا السيناريو المتشائم،

لا يبدو أن شيئًا قد تم حسمه مسبقًا. وهكذا، فإن قوى أخرى للتعاون السياسي قد غذت نسبة إقبال قياسية في الانتخابات الرئاسية الأميركية أو بحثت عن بدائل سياسية تركز على الرعاية الاجتماعية. وباختصار، في إمكان كل بلد، لاحقًا، تقييم نقاط القوة والضعف في مؤسساته الديمقراطية، وإجراء التحليلات والوقوف على الفروق الدقيقة.

خاتمة

جوابًا عن السؤال الأولي: ألم تكشف الجائحة عن هشاشة الحضارة التقنية الحديثة؟ حاولنا توضيح

أمرين: أولً، أوضحنا من خلال العديد من الأمثلة أن الجائحة سلطت الضوء على أشكال هشاشة كانت حاضرة بالفعل في المجتمعات الغربية، كما هو الحال بالنسبة إلى المرضى المسنّين في مراكز الرعاية الطويلة الأمد، أو من خلال إبراز أوجه التفاوت والظلم المعروفة مثل مشكلة التوفيق بين الأسرة والعمل – خصوصًا لدى النساء – والعمل غير المقدر لمهنيي قطاع الصحة، ولا سيما المهاجرين منهم. لقد تعززت أشكال الهشاشة هذه، المرتبطة بنشاطات «الرعاية الصحية» خلال الجائحة. وتلك من الأشياء التي حددتها نظريات الرعاية مسبقًا. وقد أوضحنا أيضًا أن الهشاشة تنطبق، على المستوى المنهجي، على حقول أو نشاطات مجتمعية مختلفة. وكانت بعض تلك النشاطات إما خاضعة بالفعل لتغييرات مثل الإنتاج العالمي للمعدات الطبية، ومجال الفنون والثقافة ونظام المستشفيات، وإما في حالة معاناةٍ لضغوط مثل الجامعات، ومجال العمل، ومجالات الإنتاج الحيواني أيضًا. وتجلت هذه الهشاشة المنهجية للعيان منذ اللحظة التي اختارت فيها الحكومات اللجوء إلى حلول تقنية، ولا سيما التكنولوجيا الرقمية؛ من أجل الحفاظ، بكل الوسائل، على عمل النظام الاقتصادي، وإدارة الأزمة القائمة. وهكذا، دعمت الدول الأغنى

(55) Andreu Casero–Ripollés, «Impact of Covid–19 on the Media System. Communicative and Democratic Consequences of News Consumption During the Outbreak,» El profesional de la informacion , vol. 29, no. 2 (2020). (56) Luke Cooper & Guy Aitchison, «The Dangers ahead. Covid–19, Authoritarism and Democracy,» LSE Conflict and Civil Society Research Unit, June 2020. (57) Fassin et al., p. 12.

النظام التقني ومنطقه الذي يقوم على الفاعلية. لكن حلولها التقنية عصفت بالعلاقات الإنسانية الخاصة بهذه المجالات (معنى العمل، والعلاقة البيداغوجية، ومشاركة الإبداع، وعلاقات تقديم يد العون). إن هذا التجريد من الإنسانية، عبر التباعد الرقمي، أو تحويل النشاطات الاجتماعية، ضاعف أشكال الهشاشة الفردية من خلال خلق أعداد أكبر من المقصيّين اجتماعيًا. وتساوق مع ذلك ظهور أشكال للمقاومة

على المستوى السياسي وعلى منصات وسائل التواصل الاجتماعي، عبر خلق حالة من الاستقطاب في المشهد السياسي، وعبر تعريض الديمقراطيات لمعضلات مروعة. وإذا ما كشفت الجائحة عن هشاشة الحضارة التقنية الحديثة، فقد أظهرت أيضًا أن هذه الحضارة ما برحت تمتلك القدرة على فرض مسارات تقنية جديدة بوصفها وسيلة عقلانية لإدارة الأزمة، ولكن إلى أي حدّ؟ وبأي تكلفة؟

References

المراجع

Adams, Gina & Margaret Todd. Meeting The School–Age Child Care Needs Of Working Parents Facing COVID–19 Distance Learning. Policy Options To Consider. Washington: Urban Institute Press, 2020. Archambault, Edith. «Quel monde associatif en période de Covid–19? Un panorama des situations et des enjeux issus du confinement.» Revue Internationale de l’Économie Sociale. no. 357 (Juillet 2020). Beck, Ulrich. La société du risque. Sur la voie d’une autre modernité. Paris: Aubier, 2001. Benhamou, Françoise. «Crise de l’archipel culturel.» Esprit (Septembre 2020). at: https://bit.ly/2KnF2wa Betzler, Diana et al. «COVID–19 and the Arts and Cultural Sectors: Investigating Countries’ Contextual Factors and Early Policy Measure.» International Journal of Cultural Policy (11/11/2020). at: https://bit.ly/3imDuiw Bihouix, Philippe. L’âge des low tech. Vers une civilisation techniquement soutenable. Paris: Seuil, 2014. Borel, Josep. «COVID–19, le monde d’après est déjà là,» das: Borel, Josep et al. COVID–19: Choc sanitaire et géopolitique: Trump, et après? Paris: Politiques étrangères, 2020. Casero–Ripollés, Andreu. «Impact of Covid–19 on the Media System. Communicative and Democratic Consequences of News Consumption During the Outbreak.» El profesional de la informacion. vol. 29, no. 2 (2020). Casilli, Antonio. «Le travail à inégale distance.» Par ici la sortie! no. 1 (2020). at: https://bit.ly/2Kvzb8k Cette, Gilbert. «Télétravail et croissance économique: Une opportunité à saisir.» Futuribles , no. 437 (Juillet–Août 2020). Cooper, Luke & Guy Aitchison. «The Dangers ahead. Covid–19, Authoritarism and Democracy.» LSE Conflict and Civil Society Research Unit. June 2020. Crawford, Joseph et al. «COVID–19: 20 Countries’ Higher Education Intra–period Digital Pedagogy Response.» Journal of Applied Learning and Teaching. vol. 3, no. 1. De Fontenay, Elisabeth. Sans offenser le genre humain. Réflexions sur la cause animale. Paris: Albin Michel, 2008.

Dichter, Martin et al. «COVID–19: It Is Time to Balance Infection Management and Person–Centered Care to Maintain Mental Health of People Living iIn German Nursing Homes.» International Psychogeriatrics. vol. 32, no. 12. Dunn, Tasha. «When professor Guilt and Mon Guilt Collide: Pandemic Pedagogy from a Precarious Place.» Communication Education. vol. 69, no. 4 (2020). Ellul, Jacques. Le système technician. Paris: Cherche–midi, 2012. Fall, Ibrahima. «Une crise peut en cacher une autre: Comprendre la crise du management pour comprendre la crise sanitaire du coronavirus. Quelques pistes de refondation du management.» Question(s) de management. vol. 3, no. 29 (2020). Fassin, Didier et al. «La démocratie à l’épreuve de l’épidémie?» Esprit , octobre 2020. at: https://bit.ly/3qtKVHv Flohimont, Valerie & Marie–Aline Fauville. «En quoi la crise de la COVID–19 repose–t– elle la question du sens du travail? Chronique 4–covid–19.» HR. Square. 15/5/ 2020. at: https://bit.ly/367RVlZ Flood, Colleen et al. Vulnerable: The Law, Policy and Ethics of COVID–19. Ottawa: University of Ottawa Press, 2020. Fraser, Nancy & Axel Honneth. Redistribution or Recognition? A Political–Philosophical Exchange. New York: Verso, 2003. Gelles, Laura et al. «Compassionate Flexibility and Self–Discipline: Student Adaptation to Emercy Remote Teaching in an integrated Engineering Energy Course during CVID–19.» Education Sciences. vol. 10, no. 11 (2020). Heidegger, Martin. Essais et conferences. Paris: Gallimard, 1958. Jonas, Hans. Le principe responsabilité. Une éthique pour la civilisation technologique. Paris: Cerf, 1990. L. Guay et al. (éds.). Les enjeux et les défis du développement durable: Connaître, décider, agir. Quebec: Les Presses de l’Université Laval, 2004. Lambert, Anne et al. «Le travail et ses aménagements: Ce que la pandémie du COVID–19 a changé pour les français.» Population et Sociétés. vol. 7, no. 579 (2020). Larrère, Catherine & Raphaël Larrère. Bulles technologiques. Paris: Wildproject, 2017. Lucas, Jean–François. «La COVID–19, accélératrice et amplificatrice des fractures numériques.» SciencesPo. at: https://bit.ly/3sBTB0A Sarthou–Lajus, Nathalie. «En ‘télétravail’ ou ‘présentiel’?» Études. no. 11 (Novembre

Tarasov, Olga. «In a moment of Crisis, Philanthropy is Showing its Unique Value.» Inside Philanthropy. at: https://bit.ly/3qv5BiC Tesar, Marek. «Towards a Post–Covid–19: ‘New Normality?’: Physical and Social Distancing, the Move to Online and Higher Education.» Policy Futures in Education. vol. 18, no. 5 (2020). Tronto, Joan. Le risque ou le care? Paris: PUF, 2012. Vanessa, Nurock (ed). Carol Gilligan et l’éthique du care. Paris: PUF, 2010.