العودة إلى تفاصيل المؤلَّف تقرير: ماذا قال الفلاسفة حول جائحة فيروس كورونا؟

تقرير: ماذا قال الفلاسفة حول جائحة فيروس كورونا؟

Report on: What did philosophers say about the Corona pandemic?

عمر المغربي *

Omar Almagharebi *

الملخّص

ليس من العسير فهم المبررات التي جعلت من جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) أزمة مركّبة في أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والصحية، نظرًا إلى حجم التحولات التي أحدثتها سياسات حظر التجوُّل والتباعد الاجتماعي، إضافة إلى فرضها عبئًا كبيرًا على أنظمة الرعاية الصحية العامة. لكنّ فهم البُعد الفلسفي لهذه الأزمة يبقى محلًّا للسؤال؛ إذ شهدت الساحة الفلسفية، بالتزامن مع الجائحة، حيويةً غير مسبوقة على صعيدَي الكتابة والقراءة. يَحدُث ذلك بعد أن أمضت الفلسفة زمنًا طويلًا على هامش طاولة العلوم الاجتماعية والإنسانية، فلماذا أعادت الجائحةُ الفلسفةَ إلى بؤرة الاهتمام؟ وكيف يُمكن فهم تَفتُّح القريحة الفلسفية لدى جمهور كثير من البشر؟ قد نجد إجابة عن هذين السؤالين في بحث السؤال التقليدي عن أصل الفلسفة.

Abstract

Researcher at the Arab Center for Research and Policy Studies.

الكلمات المفتاحية:
  • فيروس كورونا
  • الفلاسفة
  • جورجو أغامبين
  • سلافوي جيجك
  • آلان باديو
  • جوديث بتلر
  • نعوم تشومسكي
  • يورغن هابرماس
  • مايكل ساندل
  • سايمون كريتشلي
Keywords:
  • philosophers
  • Corona pandemic
  • Giorgio Agamben
  • Slavoy Zicek
  • Alan Badiou
  • Judith Butler
  • Noam Chomsky
  • Jürgen Habermas
  • Michael Sandel
  • Simon Critchley

مقدمة: العودة إلى الفلسفة

ليس من العسير فهم المبررات التي جعلت من جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–) أزمة مركّبة في أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والصحية، نظرًا إلى حجم التحولات التي

أحدثتها سياسات حظر التجوُّل والتباعد الاجتماعي، إضافة إلى فرضها عبئًا كبيرًا على أنظمة الرعاية

الصحية العامة. لكنّ فهم البُعد الفلسفي لهذه الأزمة يبقى محلًّ للسؤال؛ إذ شهدت الساحة الفلسفية،

بالتزامن مع الجائحة، حيويةً غير مسبوقة على صعيدَي الكتابة والقراءة. يَحدُث ذلك بعد أن أمضت الفلسفة زمنًا طويلً على هامش طاولة العلوم الاجتماعية والإنسانية، فلماذا أعادت الجائحةُ الفلسفةَ إلى بؤرة الاهتمام؟ وكيف يُمكن فهم تَفتُّح القريحة الفلسفية لدى جمهور كثير من البشر؟ قد نجد إجابة عن هذين السؤالين في بحث السؤال التقليدي عن أصل الفلسفة. إذا طرحنا السؤال عن أصل الفلسفة على أي كتاب فلسفة مدرسي، فسنعثر على إجابة مباشرة؛ الشعور بالدهشة. تجد هذه الإجابة جذورها في التقليد اليوناني للفلسفة، فقد أورد أفلاطون في محاورة ثياثيوس على لسان سقراط قوله: «التعجب والانشداه هو شعور الفيلسوف، وتَبدأ الفلسفة به». ويقول أرسطو: «فنتيجة لدهشتهم [يقصد الفلاسفة الطبيعيين] بدأ الناس لأول مرة – كما يبدؤون الآن – في التفلسف». يتضمن الشعور بالدهشة حركتين فكريتين تتصلان بفعل التفلسف؛ الأولى هي الإقرار بحالة الجهل، أما الثانية فتتمثل في بَعثها فضول السؤال والبحث عن أجوبة للخروج من وضعية الجهل. غير أن الدهشة ليست إجابة كافية يُمكن من خلالها تفسير الإقبال الأخير على الفلسفة. يضع أرسطو

شرطًا لبدء التفلسف بقوله: «فلم يبدأ البحث في هذه المعرفة [الفلسفة] إلا بعد أن أشبعت ضروريات الحياة تقريبًا، وتوفرت الأمور المطلوبة للراحة»، إن شرط الدهشة يخضع ضمنيًّا لشرط سابق هو

الراحة. من ثم، فإن الدهشة لا تبدو إجابة شافية لسؤالنا عن سر انبعاث الفلسفة في ظل حالة الاضطراب والفزع التي يشهدها العالم. يُمكن العثور على إجابة مغايرة لأصل التفلسف من خلال الانتقال من البحث في فلسفة أفلاطون إلى سيرته الذاتية. يروي أفلاطون في رسالته السابعة، وهو في العقد السابع من العمر، سيرة موجزة لحياته الفكرية، وبصورة أدقّ؛ سيرة فشل محاولاته الثلاث بشأن إقامة مدينته الفاضلة في نواحي صقلية. يذكر أفلاطون في رسالته قصته مع الفلسفة، وهو الذي ولد لعائلة أرستقراطية كانت تؤدي دورًا في إدارة المدينة، وفي زمن كان يتسم بالاضطراب، ويقول عن الأسباب التي دفعته إلى دراسة الفلسفة ما يلي: «إن فساد التشريع والأخلاق العامة قد استفحل [...] بصورة مخيفة؛ بحيث أصابني الدوار في النهاية أمام هذا الاضطراب الشامل، وأنا الذي كنت في البداية مُفعَم النفس بالتحمُّس للحياة السياسية. صحيحٌ أنني لم أتوقف عن

(((أفلاطون، المحاورات الكاملة، ترجمة شوقي داود تمراز، ج 5 (بيروت: الدار الأهلية للنشر والتوزيع، 1994)، ص.158 (((إمام عبد الفتاح إمام، مدخل إلى الميتافيزيقا: مع ترجمة للكتب الخمسة الأولى من ميتافيزيقا أرسطو (القاهرة: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، 0052)، ص.261 (((المرجع نفسه.

التفكير في طريقة إصلاح هذا الميدان بوجه خاص وإصلاح الأحوال السياسية بوجه عام، ولكنني ظللت أترقب الفرصة المواتية للعمل، حتى انتهيت أخيرًا إلى الاقتناع بأن حالة الدول الحاضرة كلها سيئة، وأنها

تُحكم حكمًا يدعو للرثاء. وأن دساتيرها المريضة لا يمكن أن يشفيها إلا إصلاحٌ يتم بمعجزة يُؤيدها حسن

الحظ. وهكذا وجدتني مدفوعًا إلى الاعتراف بقيمة الفلسفة الحقة [كذا] والتأكد من أنها هي وحدها التي تُمكّن الإنسان من معرفة العدل و‘الصواب’ الذي تصلح به الدولة والحياة الخاصة». إذًا، فقد بدأ أفلاطون فعليًا بالتفلسف بعد أن شعر بخيبة أمل على الصعيدين القيمي والسياسي. يقول الفيلسوف البريطاني سايمون كريتشلي: «لا تبدأ الفلسفة من خلال الشعور بالدهشة، كما يؤكد التقليد القديم [للفلسفة] ولكن، بحسب تصوري، من خلال إحساس مُلتبسٍ وملموس أنّ رغبةً ما لم تَبلغ مُنتهاها، وأن جُهدًا عظيمًا قد باء بالفشل. تبدأ الفلسفة بخيبة الأمل». إن الذي يجعل من الدهشة

وخيبة الأمل مُحفزًا على فعل التفلسف هو الانقطاع الذي يُحدثانه في سيل العادة المُستمر، ويتولد من

هذا الانقطاع مجموعة من الأسئلة كانت تُؤخذ إجاباتها على مَحمل التسليم. إنها أسئلة في حاجة إلى إجابات لا يمكن أن يقدّمها الدين أو العلم، فتعود الفلسفة بوصفها طريقة لمقاربة الأشياء لا يحدُّها ضيق السؤال، على عكس العلم، ولاعقلانية الإجابة، مثل الدين. وهكذا برز العديد من الأسئلة الفلسفية والأخلاقية، لحظةَ الجائحة، من قبيل: ما الجائحة؟ ما القيمة المادية لحياة الإنسان؟ ما العلاقة التي تجمع أفراد المجتمع بعضهم ببعض؟ أيهما أكثر بطشًا الوباء أم الدولة؟ وما الذي يعنيه الموت بالنسبة إلى الإنسان؟ يتناول هذا التقرير ردود أفعال مجموعة من أبرز الفلاسفة المعاصرين على هذا الحدث وإجاباتهم عن تلك الأسئلة.

أولا: الدائرة الشيطانية للسلطة، جورجيو أغامبين

«ألغيت الحرية باسم الدواء،ُ بعدئذ سَيُلغى الدواء» أثارت مقالة الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين «اختراع جائحة» عاصفة من الجدل، وانقسمت على إثرها معظم المداخلات الفكرية بين مؤيد ومعارض. يَنتقد أغامبين في مقالته حالة الذعر التي تسببت فيها حكومات العالم في سياق تعاملها مع فيروس كورونا؛ إذ جرى استخدام هذه الحالة في فرض حالة طوارئ وضعت حدودًا على قدرة المجتمع على التواصل وحرية الأفراد على الحركة. وبهذا، يذهب أغامبين إلى أنه يجب ألّ يخاف المجتمع البشري الجائحة، ولكن عليه الخوف من تنامي سلطة الدولة في السيطرة على مختلف جوانب حياة الإنسان.

(((عبد الغفار مكاوي، المنقذ: قراءة لقلب أفلاطون (مع النص الكامل للرسالة السابعة) (لندن: مؤسسة هنداوي، 2018)، ص.103–104

(5) Simon Critchley, Infinitely Demanding (London: Verso Books, 2013), p. 2. (6) Giorgio Agamben, «Si è abolito l’amore,» Quodlibet, 6/11/2020, accessed on 13/11/2020, at: https://cutt.ly/ kjO5B21

يستعيد أغامبين في كتابه الإنسان المستباح Homo Sacer مشروعه الفلسفي من خلال تأكيده أن الجائحة هي الذريعة الجديدة لفرض حالة الاستثناء Exception of State. إذ تَعمَد الحكومات إلى فرض حالة الطوارئ من أجل توسيع صلاحيات الأجهزة التنفيذية على حساب الجهازين القضائي والتشريعي. فتقوم باسم «الوضع الاستثنائي» المزعوم بتعليق حكم القانون؛ ما يجعل من المواطنين موضوعات لعسف الدولة وبطشها. إن هذا التعليق للقانون، تبعًا لأغامبين، يجعل من التمييز بين الديمقراطية والدكتاتورية أمرًا صعبًا. يشير أغامبين إلى أن حُجة «الحرب على الإرهاب» التي أعلنها الرئيس الأميركي جورج بوش عقب أحداث 11 سبتمبر 0012 قد استنفدت أسبابها لفرض «حالة الطوارئ» أو تكاد؛ لذا، فإن الحاجة إلى استدامة حالة الطوارئ دفعت إلى «اختراع الجائحة»، واصفًا الفيروس بأنه شبيه بالرشح، مؤكدًا أن هذا التحول، على مستوى الذريعة، لا يوازيه تحولٌ على مستوى البراديغم الموجه للحُكم. ويختتم مقالته قائلً: «ولذلك، في دائرة شيطانية مُفرغة تُقبَلُ مُحددات الحرية التي تفرضها الحكومات باسم

الرغبة في الأمان، تلك الرغبة التي خلقتها الحكومات ذاتها التي تتدخل الآن في سبل إشباعها».

ثانيًا: نحو شيوعية جديدة، سلافوي جيجك

برز من بين الذين تصدروا للرد على مقالة أغامبين الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك Zezik Slavoj، وهو يشاطر أغامبين تخوفه من استغلال الحكومات حالة الذعر العام من أجل توسيع سلطاتها وتقييد الحريات العامة، ولكنه في الوقت ذاته يعترض على البنية الحجاجية التي يبرر من خلالها أغامبين تخوفه من ردة فعل الحكومات على الوباء، والكيفية التي يبرر بها هذا التخوف. يقول جيجك: «يرفض كلا التيارين اليمين المتطرف واليسار الزائف أن يتقبّل واقعَ الوباء كلَّه؛

إذ يعمد كلاهما إلى تبخيس تصورنا عنه من خلال اختزاله في قالب من البنائية–اجتماعية Social–Constructivist، مثل أن يقوموا باستنكار [الوباء] استنادًا إلى معانيه الاجتماعية حصرًا».

ويقصد بعبارته هذه أن منظور أغامبين يغفل الجانب المادي/ الطبيعي للوباء، وبسبب استغراقه في قراءة المعاني الاجتماعية للوباء يخلص إلى نتائج من شأنها أن تضعه على وطاء واحد مع اليمين المتطرف؛ إذ تبدو الدولة في وصف أغامبين مصممًا ذكيًّا، أو مُتحكمًا خَفيًّا، بكل مجريات الواقع. من

ثم يغيب عن وجهة النظر هذه أن حالة الهلع العامة فضحت ضعف جاهزية الحكومات، كما أدت إلى كساد اقتصادي ما زال الخبراء يحاولون تقدير حجمه، فالدولة بدورها أيضًا في حالة ارتباك واضطراب لا يُسمح معها اتهامها ب «خلق الجائحة».

(((كتب أغامبين مقالته في وقت مبكر؛ إذ لم يتجاوز حينئذ عدد الإصابات بالفيروس في إيطاليا 003 حالة، إلا أنه حافظ على موقفه الصارم وأتبع مقالته بأكثر من 16 مقالة نشرها على صفحات ناشره الإيطالي it. quodlibet. www:// https مؤكدًا فيها تمسكه

بموقفه.

(8) Slavoj Zezik, Pandemic! COVID–19 Shakes the World  (New York/ London: OR Books, 2020), p. 76.

في واقع الأمر، يختفي وراء النقد الذي يُقدمه جيجك لمقولة أغامبين نقدٌ أوسع يشمل حقل اشتغال أغامبين ذاته والمُقاربة التحليلية التي يتوسلها الأخير لفهم الوباء. نقصد بذلك السياسة الحيوية

Biopolitics، والسياسة الصغرى Micropolitics، ذلك أن استغراق هذه المباحث في الكشف عن علاقات الإكراه والمغالبة يعميها عن رصد علاقات الاستغلال «المادية»، كما ينتج منها طمسٌ لأبعاد

الوجود الإنساني الطبيعية، قاصرة إياه على منظومة من المعاني والإنشاءات الاجتماعية، صابَّةً إياها في قالب بنيوي مصمت تحكمه مع العالم الخارجي علاقة إشكالية. وهكذا، يلاحظ جيجك أنه يغيب عن أغامبين أن التباعد الاجتماعي، الذي تدعو إليه الحكومات والمنظمات الصحية، ليس محاولة للهندسة الاجتماعية والعبث بالأواصر المجتمعية، بقدر ما هو تعزيز للعلاقات التراحمية في المجتمع؛ إذ وحدهم الأغنياء مَن يمتلكون رفاهية عزل أنفسهم وتلافي

تهديد الوباء المميت، أما الفقراء فعليهم أن يواجهوا هذا الخطر معًا، ومن ثم يرى في ممارسة التباعد الاجتماعي صورة من صور التعاطف والتضامن مع بقية المجتمع مخالفًا بذلك قراءة أغامبين.

ثالثًا: «ألف باء» الجائحة، آلان باديو

يرى الفيلسوف الفرنسي آلان باديو أن الجائحة التي تأخذ بخناق العالم اليوم لا تمتاز بالجِدة؛ إذ سبق أن شهدت البشرية العديد من الأوبئة الفيروسية المشابهة. وإذًا، ليس ثمة ما يدعو إلى ابتكار صور جديدة للتفكير من أجل التعامل مع هذا الوضع الطارئ. كما يلاحظ أن هذه الحقيقة البسيطة لم تنعكس على ردود الأفعال تجاه الجائحة، بل انتكست بعض الردود، إلى حد التقهقر، إلى صور مختلفة من التصوُّف والسحر والشعوذة. ولذلك فإن المهمة المُلحة، في مثل هذا الظرف، هي العودة

إلى إعمال العقل، ومحاولة الكشف عن مجموعة الأفكار الأساسية التي يتأسس عليها المشهد القائم، والتي من شأنها أن تتيح لنا التفكير في الجائحة على نحو سليم. إنها دعوة إلى «مسح الطاولة» تبعًا للتعبير الديكارتي، ومحاولة لإعادة تعريف السؤال والإشكال الذي تضعنا الجائحة في مواجهته. يقرأ باديو الجائحة تَمفصُلً بين مجالي الطبيعة والاجتماع البشري، ومن ثم ينبغي تقديم قراءة تستوعب نوعين متمايزين من العوامل الطبيعية والاجتماعية. يتبدّى المسار الطبيعي للوباء في حركة الفيروس من جنس حيواني إلى الجنس البشري. أما المعطى البشري، فيتمثل بصعود الصين قوة عظمى على المسرح الدولي، ناتجًا من ذلك حضورها المؤثر في السوق العالمية. وهكذا، يدعونا باديو إلى فهم

الجائحة وفق مشهدَين؛ الأول مشهد سوق تقليدية صينية تعتمد مجموعة من الممارسات القديمة في الاحتفاظ بالحيوانات في مدينة ووهان Wuhan تلتقي فيه الطبيعة بالإنسان، في ظروف غير صحية البتة، والثاني للسوق ذاتها التي تمثل جزءًا من نظام اقتصادي كوكبي Planetary يلتقي فيه العالمان

القديم والجديد.

(((للمزيد حول نقد جيجك للسياسة الصغرى والسياسة الحيوية، يُنظر خاتمة كتابه:

Slavoj Zezik, Less than Nothing: Hegel and the Shadow of Dialectical Materialism (London: Verso, 2013). (10) Alain Badiou, «On the Epidemic Situation,» Verso, 23/3/2020, accessed on 28/3/2020 at: https://cutt.ly/LjO6eKW

يؤكد باديو أن الجائحة كشفت عن تناقض كبير بين مجالي الاقتصاد والسياسة في النظام الدولي الراهن. فعلى الرغم من نظام السوق الحرة السائد، الذي يتحلل فيه رأس المال ظاهريًا من انتماءاته الوطنية أو الدولية، بقيت مساعي محاربة الجائحة ذات طبيعة وطنية ومحلية، مشيرًا إلى أن دول الاتحاد الأوروبي

ذاتها فشلت في التعاون والتنسيق فيما بينها من أجل مواجهة هذه الأزمة. فلقد فرضت الجائحة على السلطة في البلدان المختلفة إعادة ترتيب آلية عملها وعلاقتها بجميع الطبقات الاجتماعية وتوسيع سلطاتها، في شيء يشبه ما يحدث في حالات الحرب. وعلى الرغم من ذلك كله، لا يرى باديو أن من شأن هذه الأزمة الجديدة أن تتمخض عن واقع سياسي جديد، كما قد يظن البعض. فحتى لو تمكنت الجماهير من إسقاط بعض المسؤولين البارزين، فإن الأنظمة الحاكمة لن تعدم الوسيلة لاستبدال آخرين بهم. إنّ ما علينا القيام به من أجل إحداث تغييرات سياسية فعلية، تبعًا لباديو، هو التوقف عن الإيمان بقدرة الجائحة وحدها على أن تحدث تغييرًا حقيقيًّا

في بنية المنظومة السياسية القائمة. كما يجب أن نعمل على إعداد نخب سياسية جديدة تمتاز بوعي عابر للحدود يؤسس لمشروع شيوعي جديد، ويتجاوز التجربتين الشيوعيتين السابقتين؛ مرحلة النشأة والمرحلة الدولية. وأخيرًا علينا ألّ ننسى الإنصات للحقائق العلمية وتحريها، وخاصة وسط ضجيج

الشائعات والخرافات التي تملأ شبكات وسائل التواصل الاجتماعي.

رابعًا: جائحة كورونا وسؤال العدالة الاجتماعية، جوديث بتلر

تركّز اهتمام الفيلسوفة الأميركية جوديث بتلر على الكيفية التي يمكن أن يكون للجائحة فيها تأثير في أسئلة العدالة والمساواة الاجتماعيتين. ينبع هذا الاهتمام من واقع مجريات السباق الرئاسي الأميركي الذي تظفر فيه قضية «نظام الرعاية الصحية» بجُل الاهتمام. حاولت بتلر استثمار أزمة الجائحة من أجل

تأكيد أهمية مشروع نظام الرعاية الصحية الشامل Care Health Universal الذي دعا إليه المرشحان الديمقراطيان السابقان بيرني ساندرس Sanders Bernie، وإليزابيث وورن Warren Elizabeth. وتدعو بتلر إلى الاستفادة من درس الجائحة في إعادة تقييم المنظومة الاجتماعية والاقتصادية القائمة، لذلك جاءت مقالتها مزيجًا بين التأمل الفلسفي والتحليل السياسي. تذهب بتلر إلى أن الفيروس المُستجد، بما هو واقعة طبيعية، لا يمتلك القدرة على التمييز بين الفقراء

والأغنياء، غير أن الموازين الاجتماعية والاقتصادية الظالمة التي تتأسس عليها المنظومة الحياتية المعاصرة، ستكون سببًا رئيسًا في حمل المرض على فعل التمييز، وجعل الفقراء عرضة للموت أكثر

من غيرهم. وهكذا، فإن هذا الخلل الذي يكشف عنه الفيروس يشد انتباهنا إلى عطب بنيوي في النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي نعيش فيه؛ بوصفه مُنتِجًا للظلم واللامساواة. كما يدعونا، على نحو غير

مباشر، إلى إعادة التفكير في النظام القائم كله، وذلك عبر توفير مساحة للتفكير في قيمة الحياة خارج

(11) Judith Butler, «Capitalism Has Its Limits,» 30/3/2020, Verso, accessed on 18/1/2021, at: https://cutt.ly/gjO6ySf

((1(برنامج مقترح بدلً من نظام الرعاية الصحية الحالي في الولايات المتحدة، بحيث يشمل التأمين الصحي جميع المواطنين،

بغضّ النظر عن حجم ملاءتهم المالية وقدراتهم على دفع ثمن العلاج في المستشفيات والمراكز الصحية.

التحديدات التي يفرضها علينا النظام الرأسمالي، من خلال تحديد قيمة مادية لحياة الإنسان؛ إذ ليس من الممكن أن نترك للسوق الحرة سلطة القرار في مَن يُترك نهبًا للموت أو يُمنح فرصة للحياة. لا تكتفي بتلر بتأييد مشروع نظام الرعاية الصحية الشاملة فحسب، بل تدعو كذلك إلى تغيير نظام التصورات الذي نستوعب من خلاله نظام الرعاية الشاملة ذاته. تتأسس دعوة ساندرس وورن إلى نظام الرعاية الشاملة على أسس فردانية/ إنسانية مفادها أن الرعاية الصحية واجبة من منطلق إنساني، وأنها حق من حقوق الفرد؛ مثل الحق في الحياة والتملُّك. وفي حين ترى وجوب إعطاء نظام الرعاية الصحية طابعًا اجتماعيًا – إذ تقترح تصور نظام الرعاية الصحية الشامل من جهة أنه «التزام اجتماعي»

بدلً من أن يكون «حقًّا إنسانيًا» – فإنها ترفض التصور الذرّي للمجتمع الذي يرى المجتمعَ نفسه جملةً

من الأفراد لا يربط بينهم غير عقد اجتماعي. وتدعو إلى رؤية أكثر جماعية من شأنها أن تؤسس لروح تضامنية تتجاوز الحسابات الفردية لمجتمع الحقوق والواجبات. إن هذا الحس بتضامن المجتمع ومسؤوليته حيال جميع أعضائه، كما تقول بتلر، من شأنه أن يؤسس وعيًا أفضل بالمساواة والعدالة

الاجتماعية.

خامسًا: في الطريق السريع نحو الهاوية، نعوم تشومسكي

يشاطر الفيلسوف والألسني الأميركي البارز نعوم تشومسكي Chomsky Noam بتلر إيمانها بأن الجائحة منحتنا فرصة لنفتح عيوننا على الواقع السياسي والاجتماعي للرأسمالية المتأخرة وهشاشتها، وما في ذلك من دعوة إلى وضع علامة استفهام كبيرة على المنظومة الحياتية التي تعيشها مجتمعاتنا. ولكن بعيدًا عن هذه المسحة التفاؤلية، يرسم تشومسكي صورة شديدة السوداوية لواقع الوضعية البشرية اليوم؛ إذ يرى أن حدث الجائحة يتصل بسياق كارثي كلّي ما زالت ظلاله تُخيم على الجنس البشري منذ عقود. فعلى الرغم من فداحة هذه الجائحة التي تهدد منظومتَي الصحة والاقتصاد في مختلف دول العالم، فإن العالم سبق أن واجه تحديات أكبر منها، ومع ذلك قُدر له التعافي من تلك الأزمات مع مرور الزمن. ولكن ثمة تحديات كبيرة تقبل البشرية عليها ليس في وسع الزمن شفاؤها، ذلك أنها تهدد وجود الجنسي البشري ذاته، وقد تدفع به إلى حافة الاندثار. يُعدد تشومسكي ثلاث أزمات معاصرة تهدد مستقبل الجنس البشري: تلوحُ أولى هذه الأزمات في

شبح حرب نووية عالمية. أما الثانية فتتصل بأزمة الاحتباس الحراري المتزايدة؛ إذ على الرغم من التغطية الإعلامية الكبيرة لهذه الرزيئة، فإنها لا تنال اهتمام صانعي السيارات الجاد والكافي حول العالم. أما الأزمة الثالثة، وهي أشدها خطرًا، فهي تقهقر المنظومة الديمقراطية عالميًّا بسبب تصاعد

حركات اليمين الشعبوي من جهة، وتعاظم الهيمنة النيوليبرالية من جهة أخرى، ذلك أن الديمقراطية هي المقدمة الضرورية للتقدُّم في حل جميع هذه الأزمات. فمن دون انخراط المجتمع في العملية السياسية، ومن دون شفافية المعلومة، لا يمكن تصحيح الوضعية القائمة.

(13) DiEM25, «Noam Chomsky: Coronavirus – what is at stake?» YouTube, 28/3/2020, accessed on 12/4/2020 at: https://cutt.ly/ojO6oiw

يرى تشومسكي في الجائحة حلقة جديدة من مسلسل الكوارث الذي ما زالت تنتجه المنظومة النيوليبرالية؛ إذ تتحمل هذه المنظومة المسؤولية عن كارثة الجائحة في لحظتين: تتصل الأولى بالوضعية العالمية، حيث تُرك صنع القرارات السياسية في يد السوق الحرة ومطامعها الاقتصادية، من دون النظر في عواقب هذا النوع من النمو. أما الثانية، فهي تتعلق بتعطيل هذه السوق إنتاجَ مَصْل

لفيروس كورونا؛ إذ تجد شركات الأدوية في صناعة المساحيق التجميلية وغيرها من المغريات الربحية ما يحول بينها وبين العكوف على صناعة لقاح أو دواء. وهكذا، فإن «الطاعون» النيوليبرالي، بحسب تعبير تشومسكي، هو ما أصاب جهاز الدولة ومؤسساتها منذ زمن. إن هذا المرض المؤسسي هو ما يعطل كفاءة الدولة في الاستجابة لمثل هذه الجائحة. وفي سياق استشرافه لمستقبل الحركات الاحتجاجية، يرى تشومسكي أن أزمة كورونا ستفاقم التحديات التي تواجها الحركات الاحتجاجية، وخاصة ما تستلزمه من إجراءات التباعد الاجتماعي. وممّا يُؤخذ في

الاعتبار التحديات التي تواجهها تلك الحركات سلفًا في ظل توافق السياسات النيوليبرالية ومنظومات الحكم الشمولية؛ إذ يعمل العزل الاجتماعي الجديد على تكريس حالة العزلة الاجتماعية التي عززها التطور التكنولوجي ووسائل التواصل الاجتماعي في العقدين الأخيرين. ولذلك يدعو تشومسكي إلى تعزيز العلاقات الاجتماعية بشتى الوسائل الممكنة، وتوفير المساعدة اللازمة للفقراء والمحتاجين في مجتمعاتنا، وكذلك المساهمة الفعالة في بناء مؤسسات ومخططات من شأنها أن تعزز الروابط بين المواطنين لمواجهة الجائحة.

سادسًا: فرصة من أجل الوحدة، يورغن هابرماس

تتجلى أهم التبعات الفلسفية للجائحة بالنسبة إلى الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس Jürgen Habermas في انسحاب الشعور بمحدودية المعرفة الإنسانية من مجتمع الخبراء إلى نطاق أكثر اتساعًا يشمل المجتمع الإنساني في عمومه؛ إذ فضحت هذه الجائحة محدودية معرفتنا في العديد من المستويات الصحية والسياسية والاقتصادية. يبني هابرماس على هذه الملاحظة ضرورة أخذ المحدودية الإنسانية في الاعتبار؛ لا في تصرفاتنا وطرق تعاملنا مع هذه الأزمة فحسب، بل أيضًا في الكيفية التي يجب أن نتأمل فيها واقعنا ومعارفنا بعامة، ذلك أن صفة المحدودية هي ما يطبع الوجود الإنساني وتَميُّزه. لا يفوّت هابرماس هذه الفرصة الثمينة لنقد فشل الدولة القومية في التصدي لأزمة الجائحة، وتأكيد

أهمية مراجعتها بوصفها نموذجًا ناظمًا لتعريف الدولة الأوروبية اليوم لذاتها؛ إذ ما زال هذا النموذج

يثبت فشله باستمرار، وخصوصًا في ظل الضربات التي تلقاها في السنين الماضية بسبب العولمة والرأسمالية العالمية من جهة، والتعددية الثقافية الحاصلة الناجمة عن موجات الهجرة واللجوء من جهة أخرى. وقد أدت هذه المفاعيل الاقتصادية والاجتماعية إلى تآكل المؤسسة الديمقراطية وضعف الدولة، وأسهمت السياسات الاقتصادية المعولمة في إضعاف دولة الرفاه وزيادة فجوة اللامساواة بين

(1((«حوار مع الفيلسوف الألماني هابرماس – لوموند الفرنسية»، ترجمة نوفل الحاج لطيف، حكمة، 020/4/142، شوهد في

020/15/1:2 في https://cutt.ly/SjO6aIe

الأغنياء والفقراء. وكان لهذه السياسات آثار اجتماعية عدة، أهمها إذكاء نار النزعات العنصرية والقومية، وهو ما يمهّد لصعود حركات اليمين الشعبوية. أما سبب تداعي هذه الأسئلة بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، والدولة القومية التي اشتغل بها هابرماس، فمرده إلى الضربة التي وجهتها الجائحة لهذا الاتحاد بعد تقاعسه في مد يد المساعدة لبعض الدول من أعضائه (مثل إيطاليا وإسبانيا)، بعد أن تفاقمت فيها الأزمة الصحية. ويرى هابرماس أن إطار الدولة القومية، التي ما زالت دول الاتحاد الأوروبي تُعرّف نفسها من خلاله، هو السبب وراء ضعف الاتحاد

وتفككه المستمر. ويُعرَف هابرماس بكونه واحدًا من أكبر الداعمين للاندماج الأوروبي والمتحمسين

له؛ إذ يمكن من خلال هذا الاتحاد مواجهة عولمة الأسواق الاقتصادية والمالية، وحل الأزمات الداخلية الهوياتية والتاريخية الإشكالية التي تواجهها دوله منذ زمن. إن الصيغة التعريفية للدولة التي يمكن من خلالها التأسيس سياسيًّا لهذه الوحدة هي ما يسميه هابرماس

«الوطنية الدستورية» Patriotism Constitutional، وهو خطاب يحاول أن يحل العُرَى بين الأساس

القومي للدولة ومبدأ المواطنة؛ بحيث تصبح المواطنة مرتبطة، على نحو مباشر، بدستور الدولة. وبدلً من جعْل محدد الانتماء إلى الدولة عرقيًّا، يصبح الانتماء إليها متحددًا من خلال منظومة القيم التي

يتأسس عليها الدستور ويدعو إليها. كما تمتاز هذه الصيغة، تبعًا لهابرماس، بقدرتها على الحفاظ على التقاليد المجتمعية، من دون تحويلها إلى منظومة انتماء عنصرية. وتركز الوطنية الدستورية على الممارسة المستمرة في صناعة ثقافة ومبادئ سياسية وصوغها حتى يمكنها أن تدافع عن منظومة الحريات والسيادة الشعبية. ومن ثم، تسمح بمراجعة نقدية لميراث القومية من دون أن تفقد الشعوب قدرتها على الانتماء إلى تقاليد قيمية وأخلاقية، ويمكنها أن تعزز الروابط بين الدول الأوروبية، وتقي هذه الدول شَر تفجُّر التناقضات العرقية داخليًّا، أو الانسحاق ضعفًا أمام وطأة العولمة خارجيًّا.

سابعًا: أيّ منظومة قيمية نريد، مايكل ساندل

يتجاوز أستاذ فلسفة الأخلاق والسياسة مايكل ساندل الأسئلة الأخلاقية العملية الأكثر غواية لحظة الجائحة، مُسائلًالمنظومة القيمية المعاصرة كلّها. ليس ثمة شك في أن أسئلة مثل: «هل يجب أن يكون العلاج حقًّا طبيعيًا لجميع المواطنين؟»، أو «هل يجب الاستجابة لمحدودية الطاقة الاستيعابية

في المؤسسات الصحية بالتضحية بكبار السن والأكثر ضعفًا؟»، أو «ما حجم الخسارة الإنسانية مقابل فتح الأسواق الاقتصادية من جديد؟»، تمتاز بأهمية أخلاقية واضحة. ولكن ساندل يفضل أن يستثمر هذه الجائحة في مراجعة المنظومة القيمية والاقتصادية التي تعمل وفقها مجتمعاتنا؛ ليس السؤال هو: ما التكلفة الأخلاقية لعودة الحياة إلى مجراها الطبيعي، بل هو: ما «الحياة الطبيعية» التي نريد أن نحياها بعد انتهاء الجائحة؟

(15) Michael Sandel, «Are We Really Facing the Coronavirus Togther,» The New York Times , 13/4/2020 accessed on 5/5/2020, at: https://cutt.ly/yjO6fku

يُعدُّ ساندل أحد أبرز أعلام تيار «الجماعتية» Communitarianism، وقد عُرف بنقده للتصوُّر الفرداني

لمفهوم الذات في التقليد الليبرالي بعامة، وعند جون رولز على نحو خاص. وهو يرى في المنظور الليبرالي للفرد إهمالً للبعد الاجتماعي في تكوين الذات الإنسانية؛ إذ يقتصر على ردها إلى كائنات معزولة عن أي سياقات جماعية أو تاريخية. يقول ساندل في كتابه الليبرالية وحدود العدالة: «[نحن نفكر في أنفسنا] بوصفنا أعضاء في هذه الأسرة أو الأمة أو أفرادًا في هذا المجتمع أو الشعب، كأبناء أو بنات لتلك الثورة، كمواطنين لهذا البلد». ينعكس تصورنا للفرد على صيغة الأسئلة الأخلاقية التي نطرحها، وفي مقدمتها السؤال عن اللامساواة في المجتمع والمسؤولية الأخلاقية التي يمتلكها بعضنا تجاه بعض، على قاعدة المواطنة والانتماء إلى بلد واحد. يُذكرنا ساندل أنه في العقود القليلة، التي أعقبت كتاب جون رولز العدالة بوصفها إنصافًا، جرى التعامل

أخلاقيًّا مع معضلة اللامساواة من خلال إعلاء قيمة «المساواة في الفرص»، ويجري ذلك سياسيًّا من

خلال ضمان قنوات رفع اجتماعية (مثل التعليم) بالنسبة إلى الأفراد الموهوبين الآتين من الطبقات الفقيرة والمهمشة. وعلى الرغم من أهمية الدور الذي أدّته هذه القيمة في مواجهة وضعية اللامساواة في العديد من المجتمعات المُتقدمة، فإنها أسفرت عن أوجه قصور قيمية تتصل بالتصور الليبرالي للمجتمع. ينتقد ساندل الاعتماد على سياسة «المساواة في الفرص»، بوصفها منفذًا أخلاقيًّا حصريًّا، للإجابة

عن سؤال العدالة الاجتماعية؛ إذ تستند هذه السياسة إلى ما يسمى «الميريتوقراطية» Meritocracy، أو حكم أهل الكفاءة، وتعني تمكين الأشخاص الذين يمتلكون مواهب وقدرات كافية من الوصول إلى مواقع النفوذ والمال. إن لهذا التصور الذي يعقد مفاضلة أخلاقية، بناءً على الموهبة والقدرة،

انعكاسات سلبية جسيمة على المجتمع والأفراد. وإنّ تَمكُّن الأفراد الموهوبين من الصعود في سُلم

الطبقات الاجتماعي يجعلهم أقل شعورًا بالانتماء إلى الجماعة التي جاؤوا منها، وأكثر غرورًا واعتقادًا

بأفضليتهم الذاتية على المجتمع الذي ينتمون إليه. أما أثر الميريتوقراطية في المجتمع، فتظهر في نيلها من حس التضامن العام والتكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع، من خلال المفاضلة بينهم استنادًا إلى حسابات عقلانية لقدراتهم على تحقيق الغرض والمصلحة. يرى ساندل أن الجائحة فرضت علينا، على نحو مفاجئ، التفكير في الأدوار الاجتماعية والاقتصادية الأكثر أهمية بالنسبة إلى المجتمع. إن الدور الذي يقوم به الفنيون وعمال التوصيل والشرطة، وغيرهم، يبدو اليوم أهمّ ممّا كان عليه الأمر من قبلُ. وفي ضوء ذلك، يدعونا إلى إعادة التفكير في قيمة الأدوار

الاجتماعية والاقتصادية التي يؤديها غير المتعلمين في مجتمعاتنا. واستتباعًا، أخذ السياسات اللازمة لمنحهم التقدير اللازم الذي يستحقونه. إن إعادة التقييم هذه يلزمها تشاور ديمقراطي يُشرك جميع

أطياف المجتمع، ويجعل في المركز مَن كانت معاييره التقييمية المصلحة العامة، بدلً من ترك تحديد

قيمة الأفراد للسوق الحرة.

((1(تيار في الفكر السياسي المعاصر نهض بوصفه مقابلً للفكر الليبرالي في المجتمع، من أشهر أعلامه تشارلز تيلور، ومايكل

ساندل، وألسدير ماكنتاير، وهو يؤكد البعد الاجتماعي في تكوين الفرد وعلاقة الفرد بمجتمعه.

(17) Michel Sandel, Liberalism and the Limits of Justice (Cambridge: Cambridge University Press, 2010).

ثامنًا: الفلسفة فنًّا للعيش، سايمون كريتشلي

في الوقت الذي انشغل فيه معظم الفلاسفة بالتداعيات الصحية والسياسية الأخلاقية للأزمة، قام الفيلسوف البريطاني كريتشلي بإعادة الفلسفة إلى دائرة فضاء اليومي؛ إذ لم يقتصر أثر الجائحة على تهديد المنظومة الصحية والاقتصادية، بل امتد إلى العبث بنظام حياتنا اليومي أيضًا؛ تباعد اجتماعي، وارتداء أقنعة، ومطالعة يومية لأعداد المصابين والوفيات. لقد أراد كريتشلي تسليط الضوء على الأزمة النفسية التي واجهها الفرد في تجربته لمحنة الجائحة، محاولًاستنطاق الفلسفة؛ طلبًا للسكينة

والطمأنينة. تبدو الفلسفة اليوم بمنظوماتها المركبة، وشذراتها الغامضة، ومصطلحاتها الحوشية والمعقدة، أبعد ما تكون عن الشأن اليومي. إنّ عودة الفلسفة إلى اليومي يتصل بإرث التفلسف في زمنه اليوناني؛ إذ كان هدف الفلسفة لدى العديد من فلاسفة اليونان إرشادنا إلى الكيفية التي يمكننا أن نحيا بها حياة طيبة وسعيدة. وفي هذا تفسيرٌ للإقبال الكبير الذي نجده اليوم على كتابات الرواقيين وبعض المفكرين

المعاصرين الذين حاولوا أن يعيدوا إلى الفلسفة وظيفتها الشخصية الغائبة؛ من أمثال لوك فيري، وألن دي بوتون، وبيتر سينجر. ولكن كيف يمكن أن تساعدنا الفلسفة في التعامل مع الجائحة؟ يذهب كريتشلي إلى أن السبب الرئيس لحالة الاضطراب والفزع التي نعيشها على الدوام هو خوفنا من الموت. لقد قفز الموت إلى مقدمة حساباتنا اليومية بعد أن ظل وقتًا طويلًاحتمالً غائبًا. ويرى أنه

يمكننا أن نعيد نَظم حياتنا اليومية، وضبط إيقاعها، بإحداث إزاحة في الكيفية التي نفهم وفقها الموت ونتعامل معه. ويشرح ذلك ببحث العلاقة بين الموت والحرية. تتحقق العبودية، وفقًا لكريتشلي، بسبب خوف الإنسان من الموت؛ إذ يَحول هذا الخوف من الفناء بين الإنسان والحرية. وفي المقابل، تتأسس الحرية على القطيعة مع جميع أسباب الخوف، وفي مقدمتها الخوف من الموت. إنّ التصالح مع الموت، بوصفه مصيرًا حتميًّا لوجودنا البشري، من شأنه أن

يساعدنا على التحرر من الاضطراب والقلق. وهكذا تنبثق الحرية عند تصالحنا مع محدوديتنا الإنسانية وإمكانية وفاتنا في أي وقت. كما لا يجب أن نفهم هذه المحدودية التي تطبع الوجود الإنساني بوصفها آفة لوجوده، ذلك أنها في الواقع أصل حريته وسر فاعليته. يَعي كريتشلي أن الاقتناع بأن الموت يحررنا ليس أمرًا كافيًا لمواجهة الشعور اليومي بالقلق؛ إذ

على الرغم من وجود مسبب واضح لحالة الهلع التي نعيشها، فإن وضعية القلق التي نحياها تتجاوز حالة الخوف من المرض، إنه نوع من القلق الوجودي الأصيل الذي يصعب تحديد سبب واضح له، ولا يمكن علاجه. ويخلُص كريتشلي إلى أن هذا الشعور الأصيل بالقلق لا يمكن مواجهته بتجاهله أو تناسيه، ذلك أن تقبّله (أو التصالح معه) هو الوسيلة الوحيدة التي يمكننا بها استثماره في سعينا الدائم

نحو الحرية.

(18) Simon Critchley, «To Philosophize is to Learn How to Die,» The New York Times , 11/4/2020, accessed on 5/5/2020 at: https://cutt.ly/IjO6k17

خاتمة

جاءت مقالات الفلاسفة في صورة استعادة لمشاريعهم الفكرية في ضوء الظرف الطارئ، ومحاولة لاستثمار لحظة الالتباس العامة لطرح مراجعات كبرى حول المنظومة الحياتية المعاصرة في أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية، وهي مراجعات أغلبها في صلب مشاريعهم الفلسفية. إن هذه العودة إلى الاهتمام بالفلسفة والفلاسفة، ولو في مدة قصيرة من الزمن، تشي بأن الفلسفة التي ما زال يُعلن عن موتها منذ زمن، ما زالت تملك ما تقدمه للإنسان، خاصة في لحظات الاضطراب والقلق.

المراجع

العربية

أفلاطون. المحاورات الكاملة. ترجمة شوقي داود تمراز. بيروت: الدار الأهلية للنشر والتوزيع، 1994. إمام، إمام عبد الفتاح. مدخل إلى الميتافيزيقا: مع ترجمة للكتب الخمسة الأولى من ميتافيزيقا أرسطو. القاهرة: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع،.2005 مكاوي، عبد الغفار. المنقذ: قراءة لقلب أفلاطون (مع النص الكامل للرسالة السابعة). لندن: مؤسسة هنداوي،.2018

الأجنبية

Sandel, Michel. Liberalism and the Limits of Justice. Cambridge: Cambridge University

Zezik, Slavoj. Less than Nothing: Hegel and the Shadow of Dialectical Materialism.

_________. Pandemic! COVID–19 Shakes the World. New York/ London: OR Books,

References

Critchley, Simon. Infinitely Demanding. London: Verso Books, 2013.

Press, 2010.

London: Verso, 2013.