نظرية جون رولز في العدالة التوزيعية ونقادها
John Rawls’s Theory of Distributive Justice and its Critics
الملخّص
تهدف هذه الدراسة إلى تقييم مآلات الجدل بين جون رولز ونقاده حول نظريته في العدالة التوزيعية. ويقع التمييز بين ضربين من النقد؛ أحدهما داخلي والآخر خارجي. أما النقد الداخلي فيشاطر النظرية غرضها في وضع مبادئ للتوزيع العادل للخيرات الاجتماعية والموارد المادية، وكذلك قيمها ومسلّماتها الأساسية، في حين لا يراها قادرة على تحقيق غرضها ذاك، وتجسيد قيمتَي الحرية والمساواة في عمل المؤسسات الكبرى للمجتمع. أما النقد الخارجي فتميز ضمنه الدراسة بين النقد "الليبرتاريني" الذي يرى في نظرية العدالة الرولزية تسويغًا جديدًا لدولة الرفاه، ولمهمّات إعادة توزيع الدخل عبر الضرائب التي اضطلعت بها تاريخيًا، والنقد "الجماعتي" الذي يرفض الخلفية الفلسفية للنظرية، وينتقد الإبستيمولوجيا الأخلاقية والميتافيزيقا والأنثروبولوجيا التي تقوم عليها. ولئن وفّق رولز، في رأينا، في الردّ على النقد المساواتي والاشتراكي والليبرتاريني لنظريته، فإن النقد الجماعتي كان له الأثر البالغ في نظرية العدالة الرولزية، ودفع صاحبها إلى القيام بسلسلة من المراجعات والتعديلات، أدت إلى اكتسابها الصيغة التي هي عليها اليوم. وقد مثل ذلك منعطفًا في فكر رولز، جعله أكثر انشغالًا بالاستقرار السياسي للديمقراطيات التعدّدية المعاصرة، من انشغاله بتحقيق مقتضيات العدالة التوزيعية.
Abstract
Abstract: This article assesses the outcome of the debate between John Rawls and critics of his theory of justice. A distinction is made between two kinds of critique: internal and external. Proponents of the first critique support the main values and purpose of the theory to establish principles for a just distribution of social goods and material resources and its main values. Yet, they do not believe that theory is able to achieve its purpose or to embody the values of liberty and equality in the functioning of the major institutions of society. The external critique
- الليبرالية
- الديمقراطية
- العدالة الاجتماعية
- جون رولز
- أمارتيا سن
- رونالد دووركين
- Liberalism
- Libertarianism
- Freedom
- Democracy
- Pluralism
- Justice
- Distributive Justice
- Socialism
- Democratic Socialism
المادية، وكذلك قيمها ومسلّماتها الأساسية، في حين لا يراها قادرة على تحقيق غرضها ذاك، وتجسيد قيمتَي الحرية والمساواة في عمل المؤسسات الكبرى للمجتمع. أما النقد الخارجي
فتميز ضمنه الدراسة بين النقد «الليبرتاريني» الذي يرى في نظرية العدالة الرولزية تسويغًا جديدًا لدولة الرفاه، ولمهمّات إعادة توزيع الدخل عبر الضرائب التي اضطلعت بها تاريخيًا،
والنقد «الجماعتي» الذي يرفض الخلفية الفلسفية للنظرية، وينتقد الإبستيمولوجيا الأخلاقية والميتافيزيقا والأنثروبولوجيا التي تقوم عليها. ولئن وفّق رولز، في رأينا، في الردّ على النقد
المساواتي والاشتراكي والليبرتاريني لنظريته، فإن النقد الجماعتي كان له الأثر البالغ في نظرية العدالة الرولزية، ودفع صاحبها إلى القيام بسلسلة من المراجعات والتعديلات، أدت إلى اكتسابها
الصيغة التي هي عليها اليوم. وقد مثل ذلك منعطفًا في فكر رولز، جعله أكثر انشغالً بالاستقرار السياسي للديمقراطيات التعدّدية المعاصرة، من انشغاله بتحقيق مقتضيات العدالة التوزيعية.
Professor of Philosophy at the Doha Institute for Graduate Studies.
2020، بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة. وأتوجه بهذه المناسبة بالشكر إلى منظمي الندوة، وإلى الدكتور إلياس خليل، الأستاذ في برنامج اقتصاديات التنمية بمعهد الدوحة، الذي ناقش هذه الورقة أثناء الندوة، وأفادني بملاحظات مهمة، ساعدتني على تحسين صياغتها النهائية وتدقيق بعض النقاط الواردة بها.
of Rawls’s theory distinguishes between a libertarian critique in which Rawls’s theory of justice is viewed as a new kind of justification of the welfare state, with its traditional goal of redistributing income through taxation, and a communitarian critique. The communitarian rejects the philosophical background of the theory and criticizes the moral epistemology, metaphysics, and anthropology upon which it rests. The paper argues that while Rawls may have succeeded in responding to his egalitarian, socialist and libertarian critics, the communitarian critique had a profound effect on Rawls and led him to make significant revisions in the theory. It suggests that this transformation stemmed from his growing concern with the question of political stability in contemporary pluralist democracies, rather than with implementing the conditions of distributive justice.
مقدمة
بفضل كتابه العمدة نظرية في العدالة الصادر سنة 1971، أصبح جون رولز Rawls John –1921(2002 أستاذ الفلسفة الأخلاقية والسياسية بجامعة هارفارد الأميركية، الشخصية الفكرية الأكثر)، تأثيرًا في الجدل الفلسفي والسياسي في القرن العشرين. وفي هذا الكتاب سعى رولز للإجابة عن سؤال
بسيط، لكنه مصيري، بالنسبة إلى المجتمعات الديمقراطية الحديثة، يتعلق بالمبادئ التي يتعيّن أن تحكم
طريقة توزيع المؤسسات الكبرى – لمجتمع حديث – فوائدَ العيش المشترك وأعباءَه. لذلك، عمل على
صياغة نظرية في العدالة الاجتماعية، تنهض على جملة من القيم الأخلاقية المشتركة بين مواطني مجتمع ديمقراطي تعدّديّ، تقدّم التسويغ السائد في المجال الأنكلو–أميركي للعدالة الاجتماعية ولسياسات دولة
الرفاه، بديلً من النظرية المنفعية. يطمح رولز إلى أن يوفّر للدولة الديمقراطية الحديثة نظريةً سياسية، تمكنها من الدفاع عن أسس نظامها السياسي، وللمواطنين معاييرَ لتقييم مدى استجابة مؤسسات بلادهم
لضوابط العدالة ومعاييرها. وتبدو طرافة نظرية رولز – وقد يكون ذلك أيضًا سرّ النجاح الواسع الذي
لاقته – في أنها تقرن بين المأمول والمنشود Desirable The من جهة، والقابل للإنجاز Feasible من جهة أخرى. فلا يكفي أن تكون النظرية السياسية محكمة البناء ومتّسقة ومنسجمة مع القيم المؤسسة لها، بل يتعيّن عليها أيضًا أن تتقيد بشروط الإنجاز، وأن تتطابق مع الوقائع الكبرى للمجتمع وسيكولوجية الأفراد،
حتى لا تكون طوباوية مجافية لواقع المجتمع، ومتضاربة مع سيكولوجية الأفراد، فتطلب منهم ما لا طاقة لهم به. لذلك كان التمشي الذي اعتمده رولز يستلهم تصوراته العامة من النظريات الفلسفية الكبرى التي عرفها تاريخ الفلسفة السياسية والأخلاقية، ولكن أيضًا من مجالات معرفية وفّرت معارف بالوقائع الكبرى للمجتمع والحياة الإنسانية، مثل علوم الاقتصاد والنفس والسياسة والاجتماع والقانون والتاريخ. ولعلّ هذا العنصر هو ما جعل نظريته في العدالة محطّ اهتمام المعنيين بقضايا الفكر السياسي المعاصر، وبنمط تنظيم المجتمع الحديث بمختلف مشاربهم الفكرية واختلاف تخصّصاتهم العلمية، سواء كانوا من
الاقتصاديين أو فقهاء القانون أو السياسيين أو الفلاسفة. لكن نظرية رولز في العدالة التوزيعية تبدو متشعبة ومعقّدة، تطرح صعوبات جمّة أمام قارئها والباحث المهتم بموضوعها، سواء كان مختصًّا في الفلسفة أو
في أحد العلوم الاجتماعية. فإذا تجاوزنا بعض النقاط العامة، مثل توصيف المجتمع الذي تنطبق عليه
النظرية، ومبادئ العدالة، والتمشي التعاقدي الذي تتوخاه، إلى الغوص في الحجج والنظريات التي تسند تلك المبادئ وتسوّغ ذلك التمشي، نكتشف أن تلك البساطة الظاهرة أشبه بالشجرة التي تحجب الغابة.
ففضلً عن تشابك خطوط الحجاج وتعدّد الحقول المعرفية التي تنهل منها النظرية، وعدم وضوح متن كتاب نظرية في العدالة، في العديد من المواضع– مما جعل صاحبه يصدر كتابًا آخر سنة 1999 لإعادة
صياغة نظريته على نحو أبين – فإن تعدّد المقاربات النقدية واختلاف المدارس الفلسفية التي تنتمي إليها وتباين خلفياتها، يعسّر ذلك ولوج الجدل الفكري الذي يدور حولها، وأيضًا الاستقبال السليم لها في
سياقنا العربي. تطمح هذه الدراسة إلى تذليل بعض صعوبات فهم نظرية العدالة، والنقد الذي وُجّه إليها من حيث مراميه
وحججه وخلفياته، وتقترح أيضًا قراءة لمشروع نظرية «العدالة إنصافًا»، تجعل من استقرار الديمقراطيات المعاصرة التعدديّة، وديمومة الرابطة الاجتماعية، شاغلها الأساسيّ، والخيط الناظم لمختلف التعديلات
التي أدخلت عليها، ولردود صاحبها على نقاده. ولئن وُفق رولز – في رأينا – أحيانًا في العثور على المعادلة
التي تمكِّن من الموازنة بين مقتضى الاستقرار ومقتضى العدالة، فقد فشل أحيانًا أخرى في ذلك، وغلّب مقتضى الاستقرار للمجتمعات التعدديّة أخلاقيًا وثقافيًا على مقتضى العدالة. وسنميز داخل النقد الذي وُجّه إلى نظرية «العدالة إنصافًا» بين نقد داخلي ونقد خارجي. الأول صادر من
الأسرة الفكرية والسياسية الليبرالية المساواتية نفسها لرولز؛ يشاطر النظرية غاياتها ومبادئها واختياراتها القيمية، لكنه لا يوافقها في براهينها وأساليبها في الحجاج لتلك المبادئ أو يرى أنها لا تسير إلى آخر المطاف في الدفاع عن اختياراتها القيمية والسياسية. أما الثاني فيتمثل في نقد خارجي استهدف النظرية إجمالً؛ لِما يعتبره تهافت مسلّماتها الأساسيّة، وفساد خياراتها القيمية وبطلان حججها. ويمكن أن نصنّف هذه المقاربات النقدية للنظرية الرولزية، سواء كانت خارجية أو داخلية، إما على جهة اليسار من النظرية، وإما على جهة اليمين. فعلى جهة اليسار، نجد النظريات السياسية الاشتراكية التي تلتزم بمقتضى المساواة، وتعيب على رولز تنازله عنه، وقبوله بتفاوت بين المواطنين يكون مسو غًا
أخلاقيًّا. وينقسم هذا الضرب من النقد إلى صيغة متطرفة مثل الشيوعية، وأخرى معتدلة، يمكن أن تتفق
مع الليبرالية المساواتية الرولزية في العديد من الجوانب. أما على يمين رولز، فنجد الفلسفات الليبرتارينية التي اعتبرت فلسفة رولز صيغة أخرى من التسويغ لدولة الرفاه تريد تحقيق العدالة الاجتماعية، من خلال إعادة توزيع الدخل، عبر الرافعة الضريبية وتحميل الدولة، في الحصيلة، مهمات توزيعية. لكن فضلً عن هذا الشكل من النقد ذي الوجهة السياسية الغالبة، نجد ضربًا آخر من النقد الخارجي
لا يقف على أرضية سياسية محدّدة، ولا يتموقع على الخطّ يمين/ يسار من المشهد السياسي، مارسه فلاسفة من اليمين واليسار في الوقت ذاته. يسلّط هذا النقد سهامه على الخلفية الفلسفية لرولز، وينتقد الإبستيمولوجيا الأخلاقية، والميتافيزيقا والأنثروبولوجيا المعلنة والمضمرة في فلسفته السياسية. لقد كان لهذا النقد الذي يسمي نفسه «الجماعتي» الأثر البالغ في نظرية العدالة الرولزية، ودفع صاحبها إلى سلسلة من المراجعات لنظريته الأصلية، أد ت إلى اكتسابها الصيغة التي نعرفها بها اليوم. سنعمل في هذه الدراسة
على تقديم أهم الأفكار الأساسية التي تشكّل نسيج نظرية العدالة التوزيعية التي يسميها صاحبها نظرية «العدالة إنصافًا»، ثم نستعرض أشكال النقد التي تعرضت له، محاولين تبيّن خلفياته، والنظر في مدى
قدرته على خلخلة أركان النظرية، وفي الجزء الأخير نستعرض جملة من التعديلات التي أدخلها رولز على الصيغة الأولى لنظريته، وننظر إن كانت تلك التعديلات قد أخلّت بالمقتضى الأساسي للنظرية.
أولا: أسس المجتمع العادل
تتمثل الفكرة الأساسية لنظرية رولز في أن المجتمعات الحديثة – حيث تكون قيم الحرية والمساواة متأصلة في ثقافتها العامة والسياسية، ويرى فيها كل فرد نفسه مصدرًا لمطالب أخلاقية مشروعة، وحكَمًا إذا توصّلت إلى اتفاق حول تصور عام يمكنها أن تكون مستقرّة إلا هو خير أو شر يتعلق به – لا حرًّا فيما
للعدالة يحكم عمل مؤسّساتها. وما يجعل هذا الاتفاق ممكنًا، بالنسبة إليه، هو أن الأفراد رغم إدراكهم لذواتهم بوصفها شخصيات أدبية Persons Moral قادرة على اختيار تصوّر للخير ومراجعته والتخلي عنه أو متابعة إنجازه؛ يدركون أن تحقيق تصوّرهم للخير يظل رهين استمرار التعاون الاجتماعي. وفي هذا السياق يعرّف رولز المجتمع بأنه مغامرة تعاون من أجل الفائدة المتبادلة تكون فيها مصالح الأفراد متضاربة
ومتطابقة في الوقت نفسه. فهي متطابقة من حيث إن كلً منهم يرى مصلحته في استمرار المشروع التعاوني في إنتاج فوائد له وللآخرين، وأن يكون هناك دومًا فوائد ومكاسب تنجم عن التعاون. لكنها أيضا متضاربة، من حيث إن كل واحد منهم يريد أن يحصل على أكبر نصيب من تلك الفوائد، وأن يتحمّل القسط الأقلّ من الأعباء. ولا تستطيع هذه المجتمعات الحفاظ على استقرارها وأمنها إلا إذا اهتدت إلى صيغة تجعل اقتسام فوائد العيش وأعبائه معًا، مُنصِفًا يُقنع أفرادها بضرورة تغليب المصلحة الجامعة – وهي استمرار التعاون – على النزاع في المصالح. ومن هنا تتأتى أهمية تصوّر عمومي للعدالة، يكون موضع وفاق وقبول منهم جميعًا، يحتكمون إليه عندما يشبّ خلاف بينهم حول تقييم أداء مؤسسات مجتمعهم، وعدالة قوانين دولتهم، ويسترشدون به لمجادلة حكومات بلدهم في السياسات العمومية المعتمدة. وفي نظره، لا بُدّ لكل نظرية في العدالة تروم أن تشكّل مثل ذلك التصور العمومي المشترك بين مواطني مجتمع ديمقراطي، من أن تكون نتيجةً لمسار من المداولة بين أفراد حريصين على حماية مصالحهم الخاصة ورعايتها، ومدركين في الوقت ذاته أن ذلك يقتضي اتفاقًا حول جملة من المبادئ الأساسية والعامة، تحكم عمل المؤسسات الكبرى لمجتمعهم. وحتى يتوافر الاستقرار السياسي في مثل هذه المجتمعات، لا بدّ لتلك المبادئ من أن تُثَبتلاَّ على نحو نهائي؛ لتصبح عقدًا بين المواطنين، يمكن
لأحد منهم الإخلال بمقتضياته أو التنصّل من الالتزامات التي يفرضها عليه. لذلك يعيد رولز في نظرية في العدالة إحياء التقليد التعاقدي الذي ما يزال، في رأيه، صالحًا اليوم لصياغة حجاج فلسفي، يستلهم روح العقد الاجتماعي وتمشّيه كما اعتمده جون لوك وجان جاك روسو وإيمانويل كانط. غير أن المبادئ التي يتعلق الأمر بها هنا هي تلك التي ستحكم ما يسميه رولز «البنية الأساسية» لمجتمع عادل، وليست المبادئ التي ستحكم السلوك الفردي؛ إذ إن العدالة هنا هي فضيلة المؤسسات قبل أن تكون فضيلة الأشخاص.
(((جون رولز، نظرية في العدالة، ترجمة وتقديم ليلى الطويل (دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2011)، ص.34
بعد إقرارها تصوّرًا عموميًّا للعدالة يكون موضع وفاق اجتماعي، تصبح هذه المبادئ قاعدةً لتقييم عمل المؤسسات الكبرى للمجتمع، ولطريقة توزيعها لمنافع التعاون الاجتماعي وأعبائه على مواطنين سواسية. ويستدعي تصور رولز للمجتمع الليبرالي، الذي يكون فيه الأفراد مصدرًا لمطالب أخلاقية مشروعة، الإقرار بأولوية العدالة على تصورات الخير؛ فالرابطة الاجتماعية في مجتمع «حسن التنظيم»، تقوم، في رأيه، على احترام الجميع لقواعد العدل والتزام المؤسسات بتنفيذها. أما ما هو خير فيظل خاصًّا؛ إذ يتعلق بمعنى الحياة الطيّبة الجديرة بأن تُعاش، ولا يمكن أن يكون صاحب القرار في شأنه إلا الفرد نفسه، ولا يحق، لا للدولة ولا للمجتمع، التدخّل فيه بأي ذريعة كانت، ولو مصلحة الفرد ذاته أو المجتمع برمته. وبهذا تكون نظرية العدالة قائمة على فلسفة أخلاقية ذات وجهة آدابية (ديونطولوجية) من الطراز الكانطي، تؤكد أسبقية الحق والواجب على مثُل الخير والسعادة، وتتعارض مع النظريات الغائية (التليولوجية) التي تجعل من خيرٍ ما – المنفعة أو السعادة أو الفضيلة أو رضا الله – الغاية الأولى للفعل الفردي، والهدف الذي يجب على السلطات العمومية تحقيقه، بينما لا تكون العدالة إلا وسيلة لذلك.
(((ينبغي التمييز بين المجتمع الليبرالي والنظرية الليبرالية. يتحدث رولز عن «مجتمع ليبرالي»، وأحيانًا عن «مجتمع ديمقراطي»،
ويميّزهما من المجتمعات غير الليبرالية. ولا يعني ذلك أن المجتمعات الليبرالية تحقق مبادئ النظرية الليبرالية كاملة، وإلا لكانت
حينها مجتمعات جيّدة التنظيم، ولفقَد عندئذ مشروعه، وهو صياغة نظرية صالحة لإعادة تنظيم مؤسساتها الكبرى وفق المبادئ
الليبرالية، مبرّر وجوده. ويحدّد رولز معنى المجتمع الليبرالي في مناسبتين: الأولى في كتاب الليبرالية السياسية، حيث يعرّفه بأنه:
مجتمع تكون قيمتا الحرية والمساواة متأصلتين في ثقافته العامة، وينظر فيه الأفراد إلى أنفسهم وبعضهم إلى بعض، بوصفهم ذواتًا
تتميز بالقدرة الأدبية على أن يكون لها تصوّر للخير، وعلى أن تراجعه وتعدّله لأسباب تراها معقولة. ومن حيث هم ذوات حرّة يطالب
المواطنون بالحق في الحرية حيال أي تصوّر للخير والحياة المُثلى قائم داخل مجتمعهم. لذلك لا تتأثر هويتهم العامّة من جهة
كونهم مواطنين وشخصيات أدبية، بالتحوّل الذي يمكن أن يطرأ على تصورهم للخير وعلى هويتهم الخاصة. ومثالً على ذلك،
يسوق رولز مسألة التحوّل من دين إلى آخر أو التوقف عن الإيمان بأي دين. ففي المجتمع الليبرالي، حين يتحوّل مواطن من دين
إلى آخر أو يتوقف عن الإيمان بدينٍ ما، لا تتأثر هويته العمومية بذلك، ويظل يحافظ على الحقوق نفسها ولا يجرَّد من ممتلكاته
ولا من حقّه في الميراث أو الزواج، ويظل مُلتزمًا بالواجبات المدنية ذاتها، ويتمتع بكامل امتيازات المواطنة. ينظر:
John Rawls, Political Liberalism (New York: Columbia University Press, 1996), p. 30.
ويعود رولز إلى هذه الفكرة في: كتاب قانون الشعوب، في الفقرة 3 من القسم 1، عندما يميّز بين المجتمعات الليبرالية والمجتمعات
التراتبية. ينظر: جون رولز، قانون الشعوب، ترجمة أحمد خليل (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2007). وحول التمييز بين
المجتمعات المساواتية الفردانية والمجتمعات التراتبية الكلانيّة Holist، ينظر: لويس دومون، مقالات في الفردانية، ترجمة بدر الدين
عردوكي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2006). ويبدو لنا توصيف رولز للمجتمع الليبرالي في تساوق مع توصيف دي توكفيل للمجتمعات الديمقراطية التي يقول عنها إنها مجتمعات يستبّد بأفرادها شغف المساواة، وقد يذهب بهم ذلك إلى إعطائها الأولوية
على الحرية. ينظر: أليكسيس دي توكفيل، الديمقراطية في أميركا، ترجمة أمين مرسي قنديل، ج 2 (القاهرة: عالم الكتب، 2015)، الباب 2، الفصل 1. بقي أن نشير إلى أن عدم التمييز بين النظرية الليبرالية والمجتمعات الليبرالية، واعتبار هذه الأخيرة تكريسًا تامًّا
لمبادئ الأولى؛ استراتيجية يلجأ إليها نقاد الليبرالية لإدانتها وتحميلها كل الشرور المتفشيّة داخل المجتمعات الليبرالية الحديثة.
وهي شرور لا يعتبرها الليبراليون ناتجة من تطبيق المبادئ الليبرالية على هذه المجتمعات، بل من عدم الالتزام بها. ويبدو لنا أن رولز كان يعي هذا المطبّ؛ لذلك حرص على هذا التمييز. وحول التمييز بين المجتمعات الليبرالية والمبادئ الليبرالية، ينظر:
Stephen Holmes, The Anatomy of Anti–Liberalism (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1993), pp. xiv–xv.
(((من هذه النظريات الغائية يذكر رولز: المنفعية، ومذهب السعادة الأرسطي، ونظريات الفضيلة عمومًا. حول نقد رولز للمنفعية،
ينظر: نوفل الحاج لطيف، جدل العدالة الاجتماعية في الفكر الليبرالي: جون رولز في مواجهة التقليد المنفعي (بيروت: دار جداول، 2015). وحول علاقة رولز بأرسطو وأفلاطون، ينظر: بول ريكور، «هل أن نظرية إجرائية خالصة في العدالة ممكنة؟»، في: بول
ريكور، العادل، ترجمة منير الكشو [وآخرون]، ج 1 (تونس: بيت الحكمة،.)2003
ويميز رولز بهذا الصدد بين تصوّر عام وتصور خاص للعدالة. يتمثل الأوّل في قاعدة بسيطة وعامّة، تقضي
بأن تُوزّع «كلّ الخيرات الاجتماعية الأساسية وهي: الحريّة والحظوظ والدخل والثروة ومقوّمات احترام
الفرد لذاته بالتساوي، إلا في حالة يكون فيها توزيع غير متساوٍ لأحد هذه الخيرات، يخدم صالح الشخص الأقلّ امتيازًا من غيره». وفق التصوّر العام، تكون القسمة المتساوية للخيرات الاجتماعية قوام العدل،
إلا أنها لا تستوفي كامل معناه؛ فالمعاملة المتساوية للبشر لا تقتضي بالضرورة القضاء على كامل مظاهر اللامساواة. فإن كان بعض التفاوت بينهم يخدم مصالحهم بتحفيزهم على العمل وتحرير طاقاتهم الكامنة
على نحو ينمّي مواردهم ويحسّن رخاءهم المادي، سيكون مرحّبًا به، ولن يخلّ بالمساواة بوصفها مبدأ
أساسيًا. فالتفاوت الاجتماعيّ، في هذه الحالة، يُعَدّ مبرَّرًا ما دام أنه رفّع من الحصة العادلة التي يحقّ لكل
فرد المطالبة بها لنفسه، من فوائد التعاون الاجتماعي، ونمّى نصيب الشخص الأقلّ حظًّا من غيره، من حيث حيازة الموارد. لهذا يقترح رولز أن يُمنح الشخص الأقلّ امتيازًا من غيره حقًّا في النقض، يمكّنه من أن يعترض على كلّ قسمة لامتساوية للموارد والخيرات الاجتماعية، يرى فيها ضررًا بمصلحته. وفي حالة بروز نزاع بين خيرات متنوّعة، كالدخل والحرية مثلً، فإن هذه الفكرة العامّة الموجّهة لسياق
النظرية، ستكون غير كافية؛ فلا نستطيع أن نرفّع نسبة دخل بعض الناس وحصّتهم من الموارد المادية، وأن نحرمهم في الوقت نفسه من إحدى حريّاتهم الأساسيّة، مثل حرية التعبير أو التنقل أو الضمير
أو اختيار من يمثلهم في الهيئات العامة المنتخبة. إذ يمكن، أحيانًا، أن يخدم توزيع الموارد مصلحة الشخص الأقلّ امتيازًا، فيرفّع من حصته من أحد الخيرات الاجتماعية مثل الدخل، وأن يعتدي من جهة أخرى على حقّه في التمتّع مع غيره، على السواء، بخير اجتماعي أساسيّ آخر، مثل الحريّة. فهل يجوز
مقايضة الحرية بتحسينات في مستوى الدخل؟ وهل يمكن للزيادة في دخل الفرد، مثلً، وحصته من الموارد المادية أن تعوّضه عن الحيف الناجم عن عدم التكافؤ بينه وبين أقرانه في الحظوظ؟ جواب
رولز، بطبيعة الحال، هو النفي. لهذه الأسباب لا يقف صاحب كتاب نظرية في العدالة عند حدود الفكرة العامّة والحدسيّة عن العدالة، ما دام الخوف من أن يتخلّى الفرد أو المجتمع عن الحرية لصالح
بعض الامتيازات المادية قائمًا وحقيقيًا. لذا، تقتضي الفكرة العامة عن العدالة تخصيصًا وترتيبًا تفاضليًّا
للعناصر المكوّنة لها. وهذا ما أنجزه رولز بترجمته الفكرة العامة إلى مبادئ في العدالة، وتوضيحه
العناصر المكوّنة لها، ثم ترتيبها وفق قاعدة الأولوية. لذلك يصوغ هذه المبادئ على النحو التالي: • «المبدأ الأوّل: لكلّ شخص حقّ متساوٍ مع غيره في النسق الشامل من الحريات الأساسيّة
المتساوية، على نحو يتّسق مع نسق مماثل من الحرية للجميع. • المبدأ الثاني: لا بدّ من أن تُنظم مظاهر التفاوت الاجتماعيّ والاقتصاديّ على نحو: – تكون فيه لصالح الأقلّ امتيازًا.
(((رولز، نظرية في العدالة، ص.95
(5) John Rawls, "The Basic Structure as Subject," in: Alvin Goldman & Jaegwon Kim (eds.), Values and Morals (Dordrecht: Spinger & Business Media, 1978), pp. 47–71.
– تكون مرتبطة بوظائف وبمواقع مفتوحة أمام الجميع في إطار من المساواة العادلة في الفرص». أما قواعد الأولوية فيقدّمها رولز على النحو التالي: • «القاعدة الأولى (أولويّة الحريّة): تخضع مبادئ العدالة لنظام معجميّ لا يمكن وفقه أن تُحدّ
الحرية إلا بمقتضى الحرية ذاتها. • القاعدة الثانية (أولوية العدالة على الفاعلية والرفاهية): والمبدأ الثاني ذو أولوية معجمية على مبدأ الفاعلية، وعلى مبدأ تعظيم مجموع الامتيازات، وللمساواة العادلة في الحظوظ الأولويّة على مبدأ التباين». يمثّل هذان المبدآن الحلّ الذي قدّمه رولز لمشكلة العدالة في المجتمعات الديمقراطية المعاصرة. وإذا كان المبدأ الثاني – الذي يسميه «مبدأ التباين» – يحكم توزيع الموارد الاقتصاديّة، فإن المبدأ الأول – الذي يحظى بأولوية مطلقة عليه – يتعلق بالحرية، وحق كل مواطن في التمتّع بها على قدم المساواة مع غيره، مهما كان مقامه داخل المجتمع. وخلافًا لما يذهب إليه بعض المفكرين الليبرتارينيين، فإن رولز – على الرغم من منحِه الحرية منزلة المبدأ الأوّل – لم يجعل منها غايةً في ذاتها، ولم يمنحها أولويّة مطلقة، تؤدّي إلى تثمين كلّ معنى من معانيها على حساب المساواة في الظروف والأحوال أو العدالة في توزيع فوائد التعاون الاجتماعي وأعبائه. فالحريات التي ينشد رولز حمايتها هي الحرّيات
الأساسيّة، أي الحقوق المدنيّة والسياسيّة التي تضمنها الديمقراطيات الليبراليّة لمواطنيها، كحقّ
الانتخاب، والترشّح للمسؤوليات العامّة، والحقّ في محاكمة عادلة، والحقّ في حريّة التعبير والضمير
والتنقل واختيار الشغل، وغيرها. ولئن عزا الليبراليون إلى الحرية أولويّةً تجعلها غير قابلة للتصرّف
للمقايضة بامتيازات أو منافع اجتماعية – ولو تعلّق الأمر بالمنفعة العامة للمجتمع بأسره – فإن لم ولا يجعلوا منها غايةً في ذاتها، وإنما خادمة دومًا لقيم أخرى، ليست أقل قيمة منها؛ مثل الكرامة وحق الفرد في السيادة على ذاته، وحقه في تقرير مصيره، وحقه في الاعتبار المتساوي مع غيره، كما بيّن رونالد
دووركين Dworkin Ronald (1931–2013) في كتابه أخذ الحقوق على محمل الجدّ. وباعتبارها موضع إجماعٍ في المجتمعات الديمقراطية، لم تُثِر مسألة حماية الحريات الأساسيّة للأفراد وأولويتها
خلافات كبيرة بين رولز ونقاده، في حين استقطب المبدأ الثاني حول التوزيع العادل لفوائد التعاون الاجتماعي وأعبائه، اهتمام شارحي رولز ونقاده.
(6) John Rawls, A Theory of Justice (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1971).
ورد ذكره في: ويل كيمليشكا، مدخل إلى الفلسفة السياسية المعاصرة، ترجمة منير الكشو (تونس: دار سيناترا للنشر، 2010)، ص.84 (((المرجع نفسه. (((رونالد دووركين، أخذ الحقوق على محمل الجدّ، ترجمة وتقديم منير الكشو (تونس: دار سيناترا للنشر، 2015)، الفصل 12؛
وينظر كذلك المحاضرة VIII، الفقرة 2، في:
Rawls, Political Liberalism.
ثانيًا: حجج رولز
يمكننا التمييز، على غرار ما فعل ويل كيمليشكا وبول ريكور (2005–1913)، بين حجتين رئيستين يعتمدهما رولز لتسويغ مبدئه الثاني في التوزيع العادل للموارد المادية. تتمثل الأولى في الفكرة الحدسية التي نجدها رائجة في المجتمعات الليبرالية حول المساواة في الحظوظ، ومفادها أن هذه المساواة تمكّن الأفراد من تحديد مصائرهم بأنفسهم واختيار ما يريدون أن يفعلوه أو أن يكونوه، لا أن تملي عليهم ذلك ظروفُ وجودهم. ويؤكد هذه الحجة أن مبدأ التباين يحقق هذه الفكرة على نحو أفضل من المبادئ الأخرى لتوزيع الموارد. وتنطلق هذه الحجّة من التصوّر الشائع للمساواة في الحظوظ، الذي يؤكد أن
الناس لن يقبلوا بتفاوت في الدخل والنفوذ، إلا إذا كان نِتَاج تنافس نزيه حول المراكز الاجتماعية التي تنتجه، فلا يناقض مقتضى العدل أن يتجاوز دخلُ شخص معدلَ الدخل الفردي في مجتمع ما، إذا كان ذلك لا يخلّ بمقتضى المساواة العادلة في الحظوظ، أي إن لم يُحرَم أحدٌ، مثلً، من فرصة في الحصول
على تعليم جيّد أو وظيفة أو مورد للدخل، بسبب انتمائه الاجتماعي أو عرقه أو دينه أو طائفته أو طبقته أو
جنسه. وسيظل تفاوتٌ مثل هذا عادلً، سواء استفاد منه الأشخاص الأقلّ امتيازًا من غيرهم أم لا. ولئن اتفق رولز مع هذا الرأي حول ضرورة أن تكون المساواة في الحظوظ هي القاعدة التي تُسند وفقها المواقع والمراكز الاجتماعية، فإنه يرفض أن يُمنح أصحاب المواقع المرموقة في المجتمع الحق في
الحصول على القسط الأوفر من الموارد إذا لم يتبيّن أن في امتيازهم بذلك فائدةً يجنيها الجميع. فوفق
مبدأ التباين، لا يجوز لأي فرد أن يطالب لنفسه بالحق في حصة من الموارد أكبر مما يناله غيره، إلا إذا تأكّد أن ذلك في صالح من حصل على النصيب الأقلّ من الموارد، وبالتبَع كل الذين هم في الدرجات
الوسطى من السلّم الاجتماعي من حيث التمكين من الموارد المادية. أما وفقًا للفكرة المتداولة حول المساواة في الحظوظ، والتي يسميها رولز «نظام المساواة الطبيعية»، فلن تكون لمن هو الأقلّ امتيازًا أيُّ أحقية في الاعتراض على اللامساواة في الدخل، ما دام مبدأ
المساواة في الحظوظ وتكافؤ الفرص لم يُنتهك.
(((كيمليشكا، ص 85؛ ريكور. (((1 يميز رولز بين ثلاثة تصورات للمساواة في الحظوظ: الأوّل، هو ذاك الذي يجسّده ما يسميه «نظام المساواة الطبيعية»، وقوامه الشعار
القائل: «لا بدّ أن تكون المهن مفتوحة للمواهب». ويفترض هذا التصور حرية متساوية واقتصاد سوق حرة، وتكافؤًا شكليًّا في الفرص،
وأن يتمتّع الجميع بالحقوق القانونية نفسها في الولوج إلى جميع المراكز والمواقع، وممارسة كل الأنشطة التي يرونها نافعة ومربحة. لكن
عيب نظام الحرية الطبيعية أنه، في نظر رولز، يجيز لعوامل اعتباطية أخلاقيًا من قبيل مصادفات المولد والمواهب التي حبت بها الطبيعة
أشخاصًا دون غيرهم أن تؤثّر في الحصص التوزيعيّة. وتعمل المساواة الليبرالية على درء هذه الآثار؛ إذ يتعيّن، كما يقول رولز: «تصحيح
هذا بإضافة الشرط الإضافي المتعلق بالفرصة المنصفة، إلى متطلب المهن مفتوحة إلى المواهب. والفكرة هنا أن المواقع ليست مفتوحة فحسب بالمعنى الرسمي لكن يجب أن يحصل الجميع على فرصة منصفة للحصول عليها». ويسعى التصور الليبرالي للمساواة في الحظوظ إلى الحدّ من أثر مصادفات المنشأ والانتماء الاجتماعي في الحصّة التي ينالها الشخص من توزيع الموارد الاقتصادية
والاجتماعية. لذلك يقترح هذا التصور اتخاذ تدابير مؤسساتية تمنع التراكم المشطّ للثروة والجاه لدى بعض الأشخاص، وتضمن فرصًا
متساوية في التعليم الجيّد للجميع. كما ينبغي أن يشتغل النظام التعليمي على نحو يلغي الحواجز الطبقية والفئوية أمام النفاذ إلى المواقع
الاجتماعية. إلا أن التصور الليبرالي، رغم أنه متقدم على نظام الحرية الطبيعية، يظل، في نظر رولز، دون المأمول؛ إذ يجيز أن يتأثر توزيع الموارد والدخل بقسمة الطبيعة للمؤهلات والمواهب بين البشر. فلئن عمل التصور الليبرالي على إزالة أثر مصادفات المنشأ والانتماء الاجتماعي في توزيع الموارد والمنافع الاجتماعية، فإنه قبل بأن تكون القسمة الطبيعية الأوليّة مؤثّرة في ذلك. وهو أمر مخلّ بمقتضى
العدالة، لذلك تسعى المساواة الديمقراطية من خلال مبدأ التباين الرولزي إلى تداركه. ينظر: رولز، نظرية في العدالة، ص. 107–106
ففي نظر رولز، لا يكفي أن نحيّد مفعول التنشئة والأصول العرقية والاجتماعية والهوية الجنسية للفرد
عن توزيع الموارد والفرص لتحقيق المساواة في الحظوظ، بل لا بد من تحييد كل أسباب التفاوت الخارجة عن إرادة الفرد، سواء كانت اجتماعية أو طبيعيّة؛ إذ لا أحد يستحقّ، في رأيه، أن يولد معاقًا،
مثلً، أو أن يتمتّع بمؤهلّات طبيعية فائقة، أو أن يولد ويترعرع ضمن مجموعة عرقيّة أو اجتماعيّة ما، أو
أن يأتي للعالم بهوية جنسية ما ويتربّى عليها. ولا ينبغي، في النتيجة، أن يتأثر نصيب الفرد من الموارد
والحظوظ في الحياة بعوامل اعتباطية من وجهة النظر الأخلاقية. فكما الظروف الاجتماعية نتيجةٌ لمصادفات المولد والمنشأ، فكذلك المواهب الطبيعية هي نتيجة المصادفات، وبهذا يتعيّن أن تعدّ
قسمة الطبيعة لها اعتباطية كذلك؛ إذ ليس من العدل أن تتحدد حقوق الأفراد وهويتهم بعامل المصادفة
الطبيعية. ويضمن، في رأيه، مبدأ التباين حلًّ عادلً لهذا المشكل، عندما يخضع التفاوت لشرط، وهو أن تعود الامتيازات التي يحصل عليها أصحاب المؤهلات الطبيعية العالية بالفائدة على كل من تضرّر
من القسمة الطبيعية لتلك المؤهلات والمواهب. أما حجّة رولز الثانية فتتمثّل في جعل مبادئه في العدالة نتيجة عقد اجتماعي افتراضي تُبرمه أطراف
اجتماعية تتداول في شأن المبادئ التي ستحكم عمل المؤسسات الكبرى التي تنظّم التعاون بينها، وتوزّع الفوائد والأعباء. وليس العقد الاجتماعي هنا اتفاقًا فعليًّا، وإنما هو مجرّد إجراء يمكّن من التعرّف إلى
التبعات التي تترتب على التسليم بمبدأ المساواة بمعناه الأخلاقي. ولئن كان السؤال الذي أرّق فكر الفلاسفة التعاقديين الكلاسيكيين هو: كيف يقبل أناس وُلدوا أحرارًا وسواسيةً الخضوع لسلطة سياسية؟ فإن السؤال الذي يجيب عنه العقد الرولزي يتعلق بمعرفة المبادئ التي يمكن أن تقبل بها كائنات أخلاقية حرّة، همّها رعاية مصالحها الخاصة، مبادئ لتنظيم المؤسّسات الكبرى التي تدير علاقاتها البينشخصية
وتفاعلاتها الاجتماعية. فغرض هذا العقد الافتراضي هو، إذًا، ضبط مبادئ العدالة، انطلاقًا من حالة تتوافر فيها المساواة التامة، وتكون منصفةً للجميع. وإن لم يعتمد رولز فكرة حالة الطبيعة – بوصفها نقطة مرجعية – كما عهدناها لدى فلاسفة العقد الاجتماعي من أمثال لوك وروسو وهوبز؛ فلأنها لا تتوفّر على شروط الإنصاف. ففي الحالة الطبيعية تكون قدرات الأفراد على المساومة متفاوتة، بسبب عدم التكافؤ بينهم، من حيث المواهب الطبيعية والموارد الأوّلية والقوى الجسمانية والذهنية، مما يمكنهم من إقرار الترتيبات والمبادئ التي تخدم مصالحهم في العقد الاجتماعي المُبرم. لأمرٍ كهذا يستبدل رولز فكرة حالة الطبيعة بإجرائية «الوضع البدئي» التي تُحقق مقتضى المساواة الأخلاقية بين الأطراف المتداولة، وتمنع كل انحياز أو إخلال بقاعدة الإنصاف عند اختيار مبادئ العدالة. ففي هذه الحالة الافتراضية يوضع الأفراد وراء «حجاب جهل» على نحو ما يقوله لنا رولز: «لا يعرف فيه أحد موقعه داخل المجتمع ولا انتماءه الطبقي أو منزلته الاجتماعية، ولا يعلم أحد أيضًا نصيبه من قسمة المواهب والمؤهلات الطبيعية من ذكاء وقوّة وغيرها. وسأفترض – حتى – أن الأفراد يجهلون التصوّر الخاص بهم للخير والاستعدادات النفسية التي تميّزهم. ويقع اختيارهم على مبادئ
العدالة من وراء حجاب جهل». ويعتقد رولز أن ذلك كفيل بجعل الاختيار إجماعيًا Unanimous
وعادلً، لأن الشروط التي وُضعت ضمنها الأطراف المتداولة منصفة، من شأنها أن توفر للعقد بعد
إبرامه شرطَي الاستقرار والديمومة. يقول رولز: «يضمن ذلك أن لا يحظى أحد بامتياز أو يلحقه ضرر، عند اختيار مبادئ العدالة، من جراء حظ طبيعي فاز به أو من جراء صدف المنشأ الاجتماعي. فما دام الجميع في الحالة نفسها ولا أحد منهم يستطيع وضع المبادئ التي تجعله يمتاز من غيره على نحو ما، تكون عندها مبادئ العدالة نتيجة مساومة واتفاق منصفين». على هذا النحو تكون مبادئ العدالة التي يقع إقرارها، ناتجة من وضع من الإنصاف يقبل بها أناس سواسية، يعلمون أنْ لا أحد منهم استفاد من ظروف الطبيعة أو النشأة الاجتماعية؛ ليختار المبادئ التي تحمي مصالحه. ويثق رولز بأن أشخاصًا يوضعون في مثل هذه الحالة البدئية من الإنصاف، سيختارون، بالإجماع،
مبدأيه في العدالة، مرتّبين وفق قاعدة الأولوية. فرغم أنهم لا يعرفون أيّ موقع سيحتلّونه داخل المجتمع،
ويجهلون تطلعاتهم وأذواقهم، يتمنون مع ذلك، في نظره، امتلاك أشياء يرونها ضرورية لكي يعيشوا عيشة راضية. فمهما تباينت رؤاهم وتصوراتهم للحياة المثلى يتطلّع الأفراد إلى مثال أعلى في الحياة، ويكون لهم تصورٌ ما لمعنى السعادة، ويحتاج كل منهم إلى موارد وإمكانات يسعى في طلبها. ويسمّي رولز هذه
الموارد الضرورية لتحقيق كل شخص تصوّره لما هو خير «الخيرات الأوليّة»، ويقسّمها ضربين: «الخيرات
الاجتماعية الأولية: وهي خيرات تُوزّعها المؤسسات الاجتماعية مباشرة مثل الدخل والثروة والحظوظ والسلطة والحقوق والحريات. والخيرات الأولية الطبيعية: مثل الصحّة والذكاء والقوة وسعة الخيال
والمواهب الطبيعية التي لئن تأثّرت بطبيعة المؤسسات الاجتماعية لا تُوزّع مباشرة من قِبلها». ويحرص كل طرف مشارك في المداولة، لحظة اختيار مبادئ العدالة وراء حجاب الجهل، على الفوز لنفسه بأوفر قسط ممكن من هذه الخيرات الأولية التي ستوزّعها المؤسسات الاجتماعية في العالم الواقعي. لكن حجاب الجهل الذي يسحب من كل طرف المعرفة بهويته الفردية وبمواهبه وبموقعه الاجتماعي، يفرض عليه، في تلك اللحظة المشار إليها، أن يضع نفسه مكان أيّ فرد من أفراد المجموعة
عندما يختار لنفسه المبدأ الذي يحمي مصلحته ويمكّنه من رعايتها. وعندما يختار من وجهته الخاصة، يكون عندها قد اختار من وجهة نظر الجميع، لأنه يمكن أن يجد نفسه، بعد رفع حجاب الجهل، والعودة إلى الحياة الواقعية وتمكينه من المعلومات التي حُرم منها أثناء المداولة، في أي موقع اجتماعي وفي
جسم وهوية أي شخص من المجتمع. على هذا النحو، يسعى كل طرف، في هذا العقد الافتراضي في الوضع البدئي المتخيّل، إلى أن يفوز
لنفسه بقسط من الخيرات الأولية، حتى يستطيع أن يعيش حياة تلبّي تطلعاته من دون علمه بالمقام
الذي سيكون له داخل المجتمع. فهو سيختار، مثلً، مبدأ ينص على الحق في حرية الضمير، لأنه وإن كان يعلم أنه في الحياة الواقعية سيكون له تصوّر ما للخير ولمعنى الحياة المُثلى، لا يعرف طبيعة ذلك
التصوّر أهو ديني أو علماني، كما لا يعرف إن كان سيجد نفسه على دين الأقلية أم على دين الأغلبية
في حال كان هذا التصور دينيًا.
(11) Rawls, A Theory of Justice. p. 12.
ورد ذكره في: كيمليشكا، ص.93 (((1 كيمليشكا، ص 95.
أما من حيث الانتماء الاجتماعي، فهو لا يعلم هل سيكون من طبقة الميسورين وأصحاب الأعمال، ومن مصلحته حينئذ اختيار مبدأ في العدالة يُعفي طبقته من دفع الضرائب، أم أنه سيجد نفسه ضمن الطبقة
الدنيا في المجتمع، ومن مصلحته حينها وجود نظام ضريبي فاعل لإعادة توزيع الدخل لصالح الفئات الهشة والضعيفة. ويرى رولز أنه، في حالة مثل هذه، يكون الاختيار العقلاني، أي الاختيار الذي يعتمد استراتيجية يسميّها
«تعظيم الأدنى» Maximin، وهي استراتيجية تجعل المرء – في حالة انعدام اليقين – يسعى إلى تعظيم Maximization ما يمكنه الحصول عليه في حدّه الأدنى، مخافة أن يجد نفسه، بعد رفع حجاب الجهل وبعد اختيار مبادئ العدالة، في الدرجة السفلى من المجتمع، أي في موقع الشخص الأقل حظًّا في قسمة الخيرات الاجتماعية. ويشدّد رولز على أنه يتعيّن على كل طرف أن يفكِّر، أثناء اختيار مبادئ
العدالة، في كل الاحتمالات السيئة، وفي فرضية أن يكون الموقع الذي سيشغله داخل المجتمع في المستقبل، هو الأدنى اجتماعيًّا. من هنا ينبغي ألّ يكون مقامرًا، بل حصيفًا، يختار مبدأ العدالة الذي
يُعظّم الحدّ الأدنى الذي يمكن أن يحصل عليه أي شخص في توزيع ما.
ثالثًا: «العدالة إنصافًا» ونُقادها
قوبلت نظرية رولز («العدالة إنصافًا») بنقد عنيف. لكنها استقطبت، أيضًا، اهتمام الدارسين والنقاد، حتى إنها أصبحت النظرية التي يمرّ عبرها كل جدل في قضايا الفلسفة الأخلاقية والسياسية المعاصرة.
وكما أسلفنا يمكن أن نميز بين النقد الليبرالي المتعاطف مع النظرية ومنطلقاتها والنقد الخارجي الرافض للنظرية وأسسها. لئن اتفق النقاد الليبراليون لرولز مع الخطوط العامة لنظريته في «العدالة إنصافًا»، والروح الليبرالية المفعمة بها، غير أنهم لا يرونها تجسّد على أفضل وجهٍ مقتضى العدل. ومن هؤلاء نجد رونالد دووركين، وأمارتيا
سن Sen Amartya. صاغ دووركين رؤيته في مقال صدر في جزأين (1981)، بعنوان «ما المساواة؟»، يؤكّد
((1(رولز، نظرية في العدالة، الفصل 3، الفقرة 6. من حيث هو مبدأ للاختيار العقلاني في ظروف من اللايقين، تعرض مبدأ «الماكسمين» لنقد من قبل الاقتصاديين. ونخص هنا بالذكر النقد الذي وجهه إليه الاقتصادي جون شارلز هارسنيي (2000–1920:)، في
John Charles Harsanyi, "Can the Maximin Principle serve as Basis for Morality?" American Political Science Review , no. 69 (1975), pp. 594–606.
يرى هارسنيي أن مبدأ «الماكسمين» يفترض سيكولوجيا لصانع القرار تتّسم بالعزوف عن المخاطرة Averse Risk، تجعله يميل إلى
الاختيار الأقلّ احتمالً للخطر، ويفضل القليل الآمن على الكثير غير المضمون العواقب. وهذه، في رأيه، ليست السيكولوجيا
المميزة لصاحب الأعمال الناجح الذي يعظّم الأرباح لنفسه ولمجتمعه، من خلال تجشّم المخاطرة، وحذق اقتناص الفرصة
السانحة. وقد أجاب رولز عن هذا النقد، بالتأكيد على أن الاختيار في الوضع البدئي لا يخصّ شأنًا فرديًّا تعود عواقبه على الفرد
فحسب، وإنما يتعلق بالمبادئ التي ستكون الحاكمة للبنية الأساسية لمجتمع، وسيكون له الأثر الحاسم في مصيره ومصير الأجيال القادمة. لذلك ستعتمد الأطراف المتداولة، في رأيه، الاستراتيجية الحذرة لا تلك المقبلة على المخاطرة، ينظر:
John Rawls, "Some Reasons for the Maximin Criterion," in: Samuel Freeman (ed.), Collected Papers (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1999), pp. 225–231.
للاطلاع على نقاش موسع لدفاع رولز عن مبدأ «الماكسمين» ضدّ ناقديه، ينظر:
Mounir Kchaou, Le Juste et ses normes: John Rawls et le concept du politique (Tunis: Publications de la Faculte des Sciences Humaines et Sociales, 2007), pp. 135–139.
فيهما أن العدالة تقتضي التعويض عن أشكال اللامساواة بين الفرد وغيره، والتي تسببها عوامل اعتباطية خارجة عن إرادته لا يتحمل مسؤوليتها. فلئن اعتبر رولز أن الظروف والملابسات تكون اعتباطية من وجهة نظر أخلاقية، للأسباب التي سبق ذكرها، رأى دووركين أن الوجه الاعتباطي لا يكمن فقط في الملابسات والظروف التي يجد الأفراد أنفسهم فيها، وإنما قد يتأتى جانب مهم منه من طبيعة الاختيارات غير الحكيمة التي يقوم بها الأفراد أنفسهم. فحتى لو وقع تصحيح الجانب المتعلق بالظروف والملابسات، ولم تعد مصادفات المولد والمنشأ، ولا تفاوت المؤهلات والقدرات الطبيعية تؤثر في مصائر الناس؛ لن تكون مع ذلك نظرية ما في العدالة منصفة حقًا إلا إذا عكست اختيارات الأفراد ونتائجها، لا الظروف والأحوال التي وجدوا أنفسهم فيها. لذلك لا بدّ من أن تُمنح لهم، في رأي دووركين، موارد متساوية من البداية، حتى يختاروا بأنفسهم سبل كسب رزقهم، والحياة التي يريدون عيشها، وحتى يتحمّلوا مسؤولية اختياراتهم. وقد ذهب دووركين إلى إعطاء الأولوية، عند توزيع الموارد، لمبدأ المساواة في التقدير والاحترام، بل جعله هو أساس كل الحقوق في المجتمعات الليبرالية، بخلاف رولز الذي منح هذه الأولوية لمبدأ الحرية. وقد دافع دووركين عن هذه الأولوية في مجمل كتبه، وعلى نحو خاص في كتابين هما: أخذ الحقوق على محمل الجدّ وفضيلة ذات سيادة. ومن وجهة نظره، تبدو نظرية رولز غير منصفة، لأنها تقيّد كل الفوارق بشرط أن يستفيد الجميع منها، حتى أولئك الذين قاموا باختيارات غير
موفّقة، كأن يكونوا بدّدوا أموالهم في اللهو أو قامروا بتوظيفها في مشاريع لم تكن مربحة. كما أن نظرية العدالة الرولزية لا تضع آلية لتعويض الإعاقات التي يُمنى بها بعض الناس مثل الإعاقات الطبيعية أو تلك الناجمة عن حوادث طارئة مثل الشغل أو السير. لذلك يدافع دووركين عن ضرورة المساواة في الموارد بين الجميع عند الانطلاق وقبل الدخول في عمليات التبادل والتفاعل، من خلال آليات السوق ليتحمّل الناس فيما بعد نتائج اختياراتهم. غير بعيد عن هذا السياق، ذهب أمارتيا سن (الفيلسوف وعالم الاقتصاد، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد لسنة 1998)، إلى أن نظرية رولز في العدالة، لا تأخذ في الاعتبار إلا المساواة، من حيث الظروف والملابسات العامة، وتعتمد مبدأ القسمة العادلة بين جميع من يكونون في الأوضاع ذاتها من جهة التمكين من الخيرات الاجتماعية الأولية. ويعتبر سن أن ذلك فيه إجحافٌ بحق أصحاب الاحتياجات الخاصة. فلا يجب، في رأيه، أن نتحدث عن المساواة من حيث توزيع الخيرات الأولية وفق المواقع التي يحتلها الناس في السُلّم الاجتماعي، وإنما من جهة المقدرات Capabilities على الفعل التي يوفّرها لهم ذلك التوزيع. فأن يكون 1000 دولار، مثلً، هو الدخل الذي يمثّل التوزيع العادل للموارد بالنسبة إلى كل الأشخاص الذين ينتمون إلى الدرجة والموقع الاجتماعي ذاتيهما، لا يعني أن ذلك يمنحهم جميعهم مَقدرات متكافئة. فمن يعاني عاهةً ما أو مرضًا مزمنًا يفرض عليه مصاريف علاج من نوع خاص، لن يكون
(14) Ronald Dworkin, "What is Equality? Part 1," Philosophy and Public Affairs , vol. 10, no. 3 (1981). (15) Ronald Dworkin, "What is Equality? Part 2," Philosophy and Public Affairs , vol. 10, n. 4 (1981), pp. 283–345.
(((1 دووركين. وعلى وجه الخصوص: الفصلان 11 و 12؛ وينظر الفصلان 3 و 5، في:
Ronald Dworkin, Sovereign Virtue: The Theory and Practice of Equality (Cambridge, MA: Harvard University Press,
متمتعًا بالمقدرات عينها التي يتيحها المبلغ نفسه لإنسان في وضع صحيّ سليم. لهذا لا تضمن نظرية
«العدالة إنصافًا» مقتضى الإنصاف والمساواة في نظر سن. أما الضرب الثاني من النقد، فهو خارجي، بمعنى أنه يتأسّس على فلسفة نقيضة لليبرالية المساواتية
والاجتماعية. ويمكن أن نميز داخله بين نقد سياسي، وإن كانت له مرجعيات فكرية وفلسفية ونقد فلسفي، فله كذلك أبعاد سياسية، تتعلق بمسألة الهوية الفردية والجماعية، وطبيعة الحجاج في حقل النظرية الأخلاقية. وقد وُجّه النقد السياسي إلى نظرية رولز من جهتي اليسار واليمين في الوقت ذاته.
فهي لم تُرضِ فلاسفة اليسار، لأنها تخلّت، في نظرهم، عن مقتضى تحقيق المساواة الكاملة والقضاء على مظاهر اللامساواة واستئصال أسبابها، واكتفت بتقييد الفوارق الاجتماعية، بشرط استفادة الجميع منها، وعلى وجه الخصوص؛ الأشخاص الأكثر تضرّرًا من الصيغة القائمة لقسمة الموارد المادية
والاجتماعية. ومن هؤلاء من اعترض على النظرية جملة وتفصيلً، وسعى لبلورة رؤية بديلة، تكون أكثر انسجامًا مع القيمتين الأساسيتين اللتين تعتنقهما نظرية «العدالة إنصافًا»، وهما: الحرية والمساواة. في حين أنها تفشل في تجسيدهما. ومن أصحاب هذا الرأي مفكرون ذوو ميول اشتراكية – بل حتى ماركسية – أمثال جيرالد ألان كوهين Cohen Allan Gerald (2009–1941)، وجون رويمير John Roemer، رأوا فيها تسويغًا جديدًا للرأسمالية، يجعل من التفاوت بين البشر أمرًا معقولً ومشروعًا.
ويمكن التمييز داخل النقد ذي الميول الاشتراكية بين موقف معتدل، قَبِل عمومًا بالمبدأ العام للعدالة الاجتماعية التي تبناها رولز ودووركين وسن، والتي تجعل أشكالً من التفاوت بين الناس، من حيث الإمكانيات المادية، منسجمة مع مبدأ المساواة في الحقوق. فالفوارق التي يمكن قبولها هي فقط تلك هو التي تمكّن من تحسين الأوضاع المادية لمن هم الأكثر تضرّرًا من القسمة الاجتماعية للموارد – كما
الحال في نظرية رولز– أو تلك التي تكون ناتجة من اختيارات الأفراد أنفسهم، لا من أسباب وظروف خارجة عن إرادتهم، كما هو الحال في نظرية دووركين، أو تلك التي لا تكون ناتجة من اختلاف في المقدرات بسبب إعاقة طبيعية أو اجتماعية، كما هو الأمر في مقاربة سن. فنظرية العدالة التوزيعية الرولزية لا تتقيّد فقط بشروط المساواة الصورية، كما تفعل الليبرتارينية،
كما سنرى، ولا تدعو إلى المساواة الكاملة في الظروف المادية، كما تقول بذلك المساواتية الراديكالية، لأنها ترى أن قدرة الأفراد الأقلّ حظًّا على تحقيق ما يتطلعون إليه، ستزداد سوءًا إن لم يقبلوا بأشكال من
اللامساواة تكون مقيّدة بشروط، كتلك التي يضعها المبدأ الثاني في التوزيع. وسيكون، في النتيجة، من
المغالطة رفض هذه الأشكال من اللامساواة بداعي البحث عن مساواة تامة. ولا تبتعد، في نظرنا، رؤية بعض اتجاهات الفكر الاشتراكي للعدالة التوزيعية عن رؤية الليبراليين المساواتيين التوزيعية. فلا يبدو لنا الفارق كبيرًا بين ما يقترحه دووركين حول المساواة، وما تقترحه بعض
(17) Amartya Sen, "Equality of What?" in: Sterling McMurrin (ed.), The Tanner lectures on Human Values , 2 nd ed. (Cambridge: Cambridge University Press, 1980), pp. 195–228; Amartya Sen, Commodities and Capabilities (New Delhi: Oxford University Press, 1999). (18) Gerard Allan Cohen, "On the Currency of Egalitarian Justice," Ethics , vol. 99, no. 4 (1989), pp. 906–944; John Roemer, Theories of Distributive Justice (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1996).
النظريات الاشتراكية المتعلّقة بالعدالة التعويضية التي تنشد، هي الأخرى، توزيعًا يتحمّل فيه الأفراد نتائج اختياراتهم، ويتمتعون فيه بالمساواة الفعلية في الموارد. وكذلك الأمر بالنسبة إلى فكرة ديمقراطية المالكين التي دافع عنها رولز أو فكرة مجتمع مالكي الأسهم التي دافع عنها رويمر، بعد أن عدّل موقفه في تواصل مع فكر رولز. إذ تنسجم الفكرتان مع بعض أشكال من اشتراكية السوق، تهدف إلى تحقيق أكبر مساواة ممكنة على صعيد ملكية موارد الإنتاج، وتعتمد آليات اقتصاد السوق في توزيع السلع والخدمات. وقد أكّد رولز في كتابه نظرية في العدالة أن النظام الاقتصادي الأمثل لتطبيق نظريته هو نموذج ديمقراطية مالكين مع اقتصاد سوق حرّة، غير أنه يمكن تلبية مقتضيات مبدئية في العدالة، من خلال
نظام اقتصادي يعتمد الاشتراكية والملكية العامة لوسائل الإنتاج، مع اعتماد السوق الحرة لتحديد أسعار البضائع. إذ يوفر هذا الضرب من الأنظمة الاقتصادية المنافسة والحرية للشركات والمنشآت الاقتصادية في تحديد أسعار بضائعها وخدماتها وفقًا لمقتضيات السوق وقانون العرض والطلب. وفي هذا الصدد يقول رولز: لقد افترضتُ حتى الآن أن هدف فروع الحكومة هو تأسيس نظام ديمقراطي يُفترض أن تكون فيه ملكية الأرض ورأس المال بالتساوي على نحو واسع. ولا يكون مجتمعًا منقسمًا، بحيث تسيطر قلة من الناس على الأكثرية من موارد الإنتاج. حين يتحقق هذا وتُلبّي الحصص التوزيعية مبادئ العدالة، تفقد
الكثير من وجاهتها انتقاداتُ الاشتراكية لاقتصاد السوق. لكن من الواضح أيضًا، نظريًا على كل حال، أنه يمكن لحكومة اشتراكية ليبرالية الاستجابة لمبدأي العدالة. وفي تقديمه للطبعة الفرنسية من كتابه نظرية في العدالة، حدّد رولز موقع نظريته في «العدالة إنصافًا»، في جهة اليسار من المشهد السياسي في الديمقراطيات المعاصرة، مؤكدًا أنها ذات طبيعة ليبرالية أو، تحديدًا، ليبرالية يسارية في المشهد السياسي الأميركي، وتُطابق التوجه الاشتراكي الديمقراطي في إنكلترا، ومن ثم تقترب من التوجهات السياسية لحزب العمال البريطاني. لكننا نرى أنه، خلافًا لما ذهب إليه رولز، يبدو تحقيق المساواة في الظروف والأحوال محلّ خلاف بين الاتجاه الآخذ بالليبرالية المساواتية الأميركية، والاتجاه الاشتراكي الديمقراطي الشائع في أوروبا. ففي حين يرى الأول أن تحقيق المساواة في الأحوال يكون عبر تكريس مبدأ المساواة في الحظوظ والفرص، عند الانطلاق في السباق من أجل الفوز بالمواقع والمراكز الاجتماعية التي توفّر دخولً مرتفعة ونفوذًا كبيرًا، يدافع الاتجاه التقليدي داخل الاشتراكية الديمقراطية عن المساواة في الدخل،
أي في ما يفترض أن يكون نتيجة لذلك السباق. فلئن دافع أنصار المساواة في الدخل عن ضرورة أن يكون تحقيق هذه المساواة هو المبدأ الذي يتمّ على أساسه تقييم عدالة السياسات العمومية، يعتبر أنصار المساواة العادلة في الحظوظ أن المساواة في الدخل مخلّة بشرط العدل، فضلً عن أنها تظلّ مطلبًا عصيّ
المنال. ولكل من التصورين نمطٌ للمجتمع الذي يريد إقامته. فهل ينبغي أن نعمل على إقامة مجتمع تتجه فيه الدخول إلى التساوي، ويحصل فيه كل عضو على نصيب من الموارد والدخل والامتيازات
(((1 كيمليشكا، ص.220–218 (((2 تراجع الفصول 6 و 7 و 8، في:
John Roemer, The Future of Socialism (Cambridge, MA: Harvard University Press. 1994).
((2(رولز، نظرية في العدالة، ص 351 (بتصرف يسير في الترجمة.)
(22) John Rawls, "Preface to the French Edition of Theory of Justice 1987," in: Freeman (ed.), pp. 415–420.
المادية، متساوية مع ما يناله أقرانه؟ أم ينبغي لنا أن نقرّ بأن المساواة المادية، من حيث الدخل، حلم عزيز
المنال، ويتعيّن علينا، في المقابل، أن نسعى إلى إقامة مجتمع يحصل فيه كل شخص على فرصة مساوية
لما يحصل عليه غيره؛ من أجل المباراة للفوز بامتيازات لامتساوية، كالحصول على تعليم أفضل، ومهن ذات مردود مادي أكبر، ومداخيل أرفع ومقام اجتماعي أرقى؟ وبهذا يبرز لنا الاختلاف الذي بيّنه ديفيد ميلر بين المساواتية التوزيعية التي يتبناها رولز والليبراليون
الأميركيون، والمساواتية الاجتماعية التي تميّز المأثور الاشتراكي عمومًا والاشتراكية الديمقراطية
الأوروبية على نحو خاص، وهو المأثور الذي نهلت من معينه الأحزاب والكيانات السياسية ذات الوجهة الاشتراكية الديمقراطية، بل حتى الديمقراطية المسيحية فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي في أوروبا. ولعلّه لسببٍ مثل هذا يبدو مطلب المساواة في الدخل أكثر شعبية لدى الحركات النقابية والاشتراكية اليسارية واليمينية في الوقت نفسه، سواء في أوروبا أو في بلداننا العربية. غير أن هناك، كما أسلفنا، اتجاهات أخرى من الفكر الاشتراكي تنحو مَنْحى مناقضًا تمامًا لنظريات العدالة
التوزيعية الليبرالية لأنها، في رأيهم، تدّعي تقديم وصفة لعلاج إشكال مترتّب على خلل جوهري يعتري الحياة الاجتماعية، يتمثّل في قسمة الموارد بين من يملك ومن لا يملك. وبدل حلّ هذا الإشكال بإزالة أسبابه، كما تريد أن تفعل الشيوعية، تكتفي نظريات العدالة بالتوسّط في النزاعات بين الأفراد حول اقتسام
الموارد. فالملكية الخاصة، وفق هذا الرأي، هي إما وسيلة استغلال وإما سبب استلاب للفرد، وتجريده من هويته الإنسانية وتشييئه. وتقتضي العدالة الاشتراكية، من منظور ماركسي، ملكية مشتركة لوسائل الإنتاج؛ إذ يجب أن تصبح هذه الوسائل ملكًا للمجتمع بأسره أو على الأقلّ للشغّالين في كلّ مؤسسة، حتى يُقضى على أسباب الحيف الاجتماعي واللامساواة من حيث حيازة الموارد. ولئن عملت النظريات المساواتية ذات الوجهة الليبرالية، على الاستفادة من الملكية الخاصة لتنمية الموارد المادية للمجتمع، وضمان الحرية، واضعةً، في الوقت ذاته، آليات للتصدّي لأشكال اللامساواة غير العادلة التي تفرزها؛ يتبنى الماركسيون نظرية أكثر راديكالية، ترى في الملكية الخاصة أمرًا يتنافى ومفهوم العدل ذاته. أما من جهة اليمين، الليبرتاريني منه بالخصوص، فقد اعتبرت نظرية رولز محاولة جديدة لإيجاد تسويغ فلسفي لدولة الرفاه الليبرالية في الولايات المتحدة الأميركية، بعد أن تداعت للسقوط باستنزافها لموارد المجموعة القومية وهدرها في الإنفاق على جهاز إداري متضخم، وعلى برامج اجتماعية فاشلة لم تتوصل إلى حلّ مشاكل البطالة المكثفة، ولا إلى تخفيض في نسب الفقر. والأخطر أنها، في نظرهم،
(((2 امتد هذا الجدل الفلسفي حول المساواة إلى الطبقة السياسية البريطانية منتصف التسعينيات من القرن الماضي، حيث دار جدل فكري على صفحات جريدة The Guardian بين أحد قياديي اليسار الاشتراكي وحزب العمال – وهو روي سيدني هتارسلي Hattersley Sidney Roy – الذي دافع في مقال عن المساواة في الدخل، بوصفه المبدأ الأساسي للاشتراكية الديمقراطية، في حين أجابه غردون براون Brown Gordon وزير الخزانة في حكومة بلير العمّالية وخلفه على رأس الحكومة، في مقال دافع فيه عن
المساواة في الحظوظ ضد مبدأ المساواة في الدخل. ينظر في هذا الصدد:
Roy Sidney Hattersley, "Balance of Power," The Guardian , 25/7/1996, p. 15; Gordon Brown, "In the Real World," The Guardian , 2/8/1996, p. 13. (24) David Miller, Principles of Social Justice (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1999), Ch. 12.
تضحّي بالحرية لصالح ما تعتبره توزيعًا عادلً للثروات الوطنية. ومن ضمن هذا الفريق فلاسفة أمثال جيمس بوكنان (2013–1919)، حائز على جائزة نوبل للاقتصاد لسنة 1984 وروبرت نوزيك (–1938 2002) وديفيد غوتيه. وقد استعادت عمومًا النظريات الليبرتارينية ضد رولز، بأشكال مختلفة وبحجج متمايزة، أسس النقد الذي وجّهه ألكسيس دي توكفيل Tocqueville de Alexis (1859–1805)، وفريدريش هايك (1992–1899)، لفكرة العدالة الاجتماعية، التي تتحقق من خلال إعادة توزيع الدخل عبر الضرائب التي تفرضها الدولة على الفاعلين الاقتصاديين على وجه خاص، وتؤدي إلى إقامة ضرب من النظام الاشتراكي تسيطر فيه الدولة على دواليب الاقتصاد. وتَعتبر الليبرتارينية نظريات رولز ودووركين وسن انحرافًا عن روح العدالة، وتسويغًا جديدًا للسياسات ذات التوجه الاشتراكي واليساري التي قادت المجتمعات الغربية إلى أزمات اقتصادية متتالية، بفعل ارتفاع نسب الإنفاق العمومي، والحاجة المتواصلة إلى توظيف ضرائب جديدة لتمويل البرامج الاجتماعية لدولة الرفاه، مما سبب تراجعًا في الاستثمار وخلق الثروة. وفي رأي هؤلاء، لا يوجد توزيع عادل للدخل غير ذلك الذي يتمّ من خلال آليات السوق والمبادرة الحرّة للأفراد. فلئن رفض الليبرتارينيون كل توظيف
ضريبي يهدف إلى إعادة توزيع الدخل، اعتبروا أن الضرائب الوحيدة المشروعة هي تلك الضرورية لتمويل الوظائف الكلاسيكية للدولة، أي حماية الأفراد والممتلكات، وفرض احترام القانون، وضمان شروط التقاضي من خلال جهاز عدالة فاعل وناجز. فلا تكون الدولة مسوّغة في نظرهم إلا إذا
(((2 ينظر الفصل 7، في: روبرت نوزيك، الفوضى، الدولة، اليوتوبيا، ترجمة عبد الكريم ناصيف (دمشق: دار الفرقد، 2019)؛ وينظر الفصلان 3 و 9، في:
James Buchanan, The limits of Liberty Between Anarchy and Leviathan (Indianapolis: Liberty Fund Inc., 2000 [1975]);
والفصل 4، في:
David Gauthier, Morals by Agreement (Oxford: Clarendon Press, 1986).
وللاطلاع بالعربية على الفلسفات المنضوية إلى هذا الاتجاه، ونقاش مستفيض لأطروحات المدافعين عنها ينظر: كيمليشكا، الفصل 4؛ وللاطلاع بالعربية على نصوص مرجعية مهمة للاتجاه الليبرتاريني في الفلسفة السياسية والاجتماعية المعاصرة، ينظر
المجلدات 1، 2، 4، 5، 7، في: ديفبد بوز، مفاهيم الليبرتارية وروادها، ترجمة صلاح عبد الحق (بيروت: دار رياض الريس،.)2008 (((2 ينظر الفصل 3، في: أليكسيس دي توكفيل، النظام القديم والثورة الفرنسية، ترجمة وتقديم خليل كلفت (القاهرة: المركز القومي للترجمة 2010)؛
Fredrich Hayek, Law , Legislation and Liberty , vol. 2: The Mirage of Social Justice (London: Routledge, 1998).
(((2 للاطلاع على تشخيص واضح ودقيق لأزمة دولة الرفاه في الديمقراطيات الحديثة، ينظر:
Pierre Rosanvallon, La crise de l’Etat providence (Paris: Seuil, 1986).
(((2 ولا يبدو أن هذا الرأي موضع إجماع بين كل الفلاسفة الليبرتارينيين، فلئن وافقه فلاسفة مثل بوكنان في كتاب حدود الحرية
بين الفوضى واللفياثان، في الفصل 3 تحديدًا، وكذلك نوزيك، حيث اعتبر أن الضريبة التوزيعية الوحيدة المبررة هي تلك التي
يدفعها الميسورون لوكالة الحماية المشتركة التي تمثلها الدولة؛ من أجل تسديد تكلفة حماية المعوزين الذين يعجزون عن تسديد نفقات حمايتهم، اعتبر موراي روثبارد أن الدولة – خلافًا للرأي الشائع – ليست واقعة لا فكاك منها؛ فهي دومًا جهازٌ بيروقراطيٌ،
يشغله مرتزقة وطفيليون يعتاشون من الضرائب، ومن ابتزاز المنتجين الفعليين لثروات الأمم والحضارة. لذلك يعتبر أنه حتى في الوظائف الكلاسيكية، مثل الحماية للأشخاص والممتلكات وضمان العدالة الصورية وشروط التقاضي، يمكن الاستعاضة عن الدولة بشركات حماية وحراسة خاصة وبهيئات تحكيمية، تتولى فض النزاعات يتفق الناس حول طريقة تشكيلها. ينظر:
Marry Rothbard, The Ethics of Liberty (New York: New York University Press, 1998), part V;
وينظر كذلك: المقتطف المترجم لروثبارد حول الدولة، في: بوز، مج 1، ص.85–75
كانت صغيرة الحجم، يشتري منها الأفراد خدمات تنحصر في الحماية من كل استخدام للقوة ضدّهم، ومن السرقة والغش والتفصّي من احترام العقود. لذلك يعتبرون كل دولة ذات صلاحيات وسلطات أوسع تشمل إعادة توزيع الثروة وتحقيق السعادة المادية للناس، انتهاكًا لحقوق الملكية ولحق الفرد في التمتّع بالفوائد والأرباح التي جناها من استعمال ملكيته التي اقتناها على نحو مشروع. وفي ردّه على نقد روبرت نوزيك، شدّد رولز على أن نوزيك والليبرتارينيين عمومًا ينظرون إلى الدولة جمعيّةً،
مثلها مثل أي جمعية أو شركة خاصة، ينبغي أن تعتبر علاقات الأفراد بها مثيلة للعلاقات التي يمكن أن تربطهم بأي جمعية أو شركة خاصّة أبرموا معها عقدًا أو اتفاقًا. فالولاء السياسي للدولة يُفهم هنا باعتباره التزامًا تعاقديًّا من النوع الخاص بين متعاقدين أو زبائن أو شركة أو وكالة، نجحت في احتكار مهمّات الدفاع والحماية على صعيد مجال جغرافي، وأصبحت تُسمّى دولة. ويترتب، في نظر رولز، على مثل هذا التصور للدولة ووظيفتها، اضمحلال فكرة القانون العام، باعتباره كلًّ موحّدًا ومتماثلً، ينطبق على جميع المواطنين على قدم المساواة، لتحلّ محلّه سلسلة من المعاهدات والاتفاقيات الخاصة بين الدولة، باعتبارها شركة الحماية المسيطرة، وجميع المواطنين بوصفهم زبائن لتلك الشركة تتفاوت قدراتهم على التفاوض وعلى الحصول على الخدمات منها وتحديد الالتزامات التعاقدية معها. وقد أجاب رولز عن النقد الليبرتاريني الذي يعتبر كتاب نظرية في العدالة دفاعًا جديدًا عن دولة الرفاه في مناسبتين على الأقل، نافيًا فيهما أي قرابة بين نظريته في العدالة وأشكال التسويغ لدولة الرفاه.
فدولة الرفاه لا تمثّل، في نظره، إطارًا لتحقيق العدالة، لأنها تضع حدًّا أدنى لما تعتبر النزول تحته انحدارًا تحت عتبة العيش اللائق الذي يتعيّن عليها ضمانه لمواطنيها، عبر التحويلات الاجتماعية،
وإقرار أجر أدنى، وأشكال من التأمين ضد المرض وضد البطالة. أما عندما يتوافر هذا الحدّ المشار إليه، تسمح دولة الرفاه بتفاقم الفوارق الاجتماعية، واتساع الهوّة بين الشركاء الاجتماعيين، مثل تلك المتأتية من المواريث أو من أشكال أخرى من التفاوت في الدخل. بل يرى رولز أن نظريته، على العكس من ذلك، ومن خلال المبدأ الثاني، تقيّد الفوارق الاجتماعية بشرط أوّل، وهو أن
تكون المواقع التي تدرّ الثروة والنفوذ مفتوحةً أمام الجميع في إطار المساواة العادلة في الحظوظ، وبشرط ثانٍ، وهو أن يكون تحسّن وضع الشخص الأكثر امتيازًا، مشروطًا بتحسّن متناسب مع وضع الشخص الأقلّ امتيازًا. وبهذا، فإن مجتمعًا تحكم اشتغالَ مؤسّساته الكبرى وطريقة توزيعها لفوائد التعاون وأعبائه مبادئُ «العدالة إنصافًا»، سيكون في نظر رولز أكثر قدرة على الحفاظ على الاستقرار السياسي من دولة رفاهٍ تضمن حدًّا أدنى من العيش اللائق لمواطنيها، وتسمح باتساع الهوة والفوارق في الدخل بينهم.
(((2 ينظر: نوزيك، الفصل.3
(30) Rawls, "The Basic Structure as Subject." (31) Rawls, Theory of Justice ;
وكذلك: جون رولز، العدالة كإنصاف: إعادة صياغة، ترجمة حيدر الحاج إسماعيل (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، القسم 4، الفقرتان 41 و 42.
أما النقد الأعنف والذي ترك آثارًا بالغة في النظرية فهو، في رأينا، النقد الجماعتي، الذي حمل صاحبها على إدخال تعديلات مهمّة عليها، حتى تستطيع الصمود أمامه. ويركّز هذا النقد هجومه على النزعة الفردانية التي تسم النظرية، وذلك لتأكيدها أن الفرد – لا الجماعة – هو المصدر الأوّل للصلاحية الأخلاقية، ولتبنّيها رؤية سياسية كونية، منقطعة عن الواقع الاجتماعي والسياسي للمجتمعات التي تريد أن تؤسس نظرية في العدالة صالحة فيها، وأخيرًا لسعيها إلى إقامتها الرابطة الاجتماعية على معايير
العدل لا على صورة للخير مشتركة بين أعضاء كل جماعة سياسية.
رابعًا: الليبرالية السياسية
حتى يجعل نظريته أكثر قدرة على الصمود أمام النقد الجماعتي، أدخل رولز عليها سلسة من التعديلات، بدأت مع محاضرات جون ديوي سنة 1982، ووجدت صورتها المكتملة والنسقية في كتاب الليبرالية السياسية الصادر سنة 1993. ففي هذا الكتاب تخلى رولز عن البعد الكوني الذي ميّز نظريته في صيغتها
الأولى، وجعلها تعطي انطباعًا بأنها نظرية صالحة لكل المجتمعات مهما اختلفت ثقافاتها وتاريخها وتجربتها السياسية، ليعيد صياغتها حتى تكون أوثق صلة وارتباطًا بالتقاليد الخاصة بالدولة الديمقراطية الليبرالية الحديثة. ويميّز رولز في هذا الكتاب بين الليبرالية السياسية والليبرالية الشاملة. فنظرية العدالة،
وفق الترتيب الجديد، لم تعد تندرج ضمن تصوّر يقوم على مثال أعلى جامع ونسق فكري وفلسفي متكامل، وإنما غدت رؤية سياسية يمكن أن تقبل بها مذاهب واتجاهات فكرية وفلسفية ودينية شاملة Comprehensive تتعايش داخل مجتمع تتعدّد فيه رؤى العالم، وينقسم أفراده حول معنى الحياة المثلى، وحول قيم الخير والسعادة، وما يكون، عمومًا، موضوع تثمين أخلاقي. وفي نظره، لا تمثل الصياغة الجديدة لنظرية «العدالة إنصافًا»، باعتبارها نظرية ليبرالية سياسية، وموضوعًا لوفاق تراكبي، عدولً عن مبادئ نظريته في صيغتها الأصلية أو تغييرًا جوهريًّا في أساليب البرهنة والحجاج. فهو يستمرّ في الدفاع
عن مبدأيه في العدالة؛ مبدأ الحرية الذي يضمن لكلّ فرد الحريات الأساسية الأوسع امتدادًا، والمتساوية مع تلك التي يتمتع بها أقرانه، ومبدأ التباين الذي ينصّ على ضرورة أن تكون المساواةُ هي القاعدة لتوزيع الموارد، باستثناء الحالات التي يثبت لنا فيها أن الشخص الأكثر من غيره تضررًا من جهة التمكين من الموارد هو المستفيد من توزيعها غير المتكافئ. غير أن ما تغيّر هنا، وهو التعديل الأهم الذي أدخله رولز
على نظريته في هذه المرحلة، يتعلق بالحجج الساندة لمبدأيه في العدالة، وعلى وجه الخصوص، تلك التي قدّمها في نظرية العدالة؛ لتسويغ مبدأ الحرية والدفاع عن أولويته. إذ أصبح رولز الآن يعترف بوجود حجج مختلفة لتسويغ مقتضى حماية الحريات الأساسية، ولم يعد هذا التسويغ، كما كان عليه الأمر من قبل، يستند حصرًا إلى قيمة بعينها، وهي الاستقلالية الذاتية التي تفرض أن يكون الفرد، بوصفه شخصًا
أخلاقيًّا، المصدر الأوّل والأصيل لكلّ تشريع يتعلّق بأفعاله. فوفق هذا التصوّر تكون الاستقلالية الذاتية
والعقلانية خيرًا في ذاتها أو تكون الخير الأسمى الذي يحدّد المثل الأعلى للحياة الجيّدة. غير أن هذا
التصوّر يرفع السقف عاليًا، وهو ما لا يمكن أن تقبل به مذاهب أخلاقية ذات توجّهات فلسفية ودينية
(32) Rawls, Political Liberalism.
لا تتبنى فكرة الاستقلالية الذاتية في صيغتها الكانطية، وبهذا لا يمكن هذا التصور أن يكون أساسًا لوفاق
أو عقد اجتماعي إدماجي. فالكاثوليكي المتديّن، مثلً، يمكنه جعل حماية الحرية الفردية شرطًا أساسيًّا
للعيش المشترك، وأن يقبل بحرية الضمير لاعتبارات دينية لا علمانية، غير أنه لن يقبل بفكرة الاستقلالية الذاتية، بوصفها الخير الذي ينبغي له طلبه. ومهما اختلفت الحجج الساندة لقيمة الحرية، سواء كانت دينية أو علمانية أو استندت إلى الفلسفة النفعية أو إلى نظريات الحق الطبيعي أو إلى الكانطية، يظل هناك، في نظر رولز، اتفاق في المجتمعات الديمقراطية – حيث التعدديّة الأخلاقية واقع يفرض نفسه
على الجميع – على حماية الحريات الأساسية. وستكون النتيجة التي سنحصل عليها عند ذلك «وفاقًا من خلال التراكب» Consensus Overlapping، تسلّم في إطاره كل الجماعات والمذاهب، دينية أو غير دينية، بضرورة تعزيز الحريات الأساسية وحمايتها، وإن كان لكلّ منها دوافعه الخاصة في ذلك التي يستمدّها من المذهب الشامل الذي يعتنقه. ولتجسيد فكرة «الوفاق من خلال التراكب»؛ يتطرق رولز إلى مسألة حرية الضمير. ويميّز هنا بين
ضربين من الحجج: • الأول ينظر إلى المعتقدات الدينية بوصفها موضوعًا قابلً للمراجعة والنظر العقلاني. فحرية
الضمير ضرورية لنا لأنه ليس هناك ما يضمن أن تكون أساليبنا الراهنة في العيش هي، حقًّا، تلك الملائمة لنا، وأنها ليست في حاجة إلى مراجعة وإعادة نظر معمّقة أو محدودة. إن هذه الحجّة
التي تقوم على فكرة المراجعة العقلانية مألوفة لدى ليبراليين كثيرًا ما يعتمدونها لتسويغ مقتضى
الحريات الأساسية. فنحن في حاجة، في نظرهم، إلى الحرية الدينية لطرح معتقداتنا للفحص؛ لاختبار مدى قدرة إيماننا على الصمود أمام النظر العقلاني. • أما الضرب الثاني، فينطلق في دفاعه عن الحرية الدينية من أن العقائد الدينية راسخة في الوجدان وفي الضمير الفردي والجمعي ولا يمكنها، من ثم أن تكون موضع مراجعة أو محلّ نظر. وإن كنّا
في حاجة إلى حرية الضمير، فلأنه توجد داخل المجتمع تصوّرات دينية متعدّدة، تَمثُل كلّ واحدة
منها على نحو لا يقبل المراجعة أو المساءلة لأركان عقيدتها، لا من قِبَل معتنقيها ولا من غيرهم،
في حين تقبل بحقّ التصورات الأخرى في الوجود والتعبير عن نفسها، ورفض المراجعة والمساءلة لها. وذلك في إطار تعدّدية تجعل التعايش بينها ممكنًا في كنف السلم الأهلي. وترى هذه الحجّة أننا ما دمنا ننتمي إلى مجموعات دينية مختلفة، ذات عقائد متباينة ومتضاربة أحيانًا، نحتاج
إلى تبنّي مبدأ الحرية الدينية في صيغة حرية الضمير، وإقراره ضمن المواد الدستورية، والدفاع عنه باعتباره موضوعَ «وفاق من خلال التراكب»؛ ليكون بذلك أساسًا للعدل والسلم المدني في
مجتمع تعدّدي. لكن حرية الضمير هنا لا تعني حرية الاختيار والاعتناق والتصديق لأن الإيمان والاعتقاد، بالنسبة إلى أنصار هذا الموقف، لا يمكن أن يكونا موضوع اختيار حرّ وعقلاني.
(33) Michael Sandel, "Freedom of Conscience or Freedom of Choice?" in: Terry Eastland (ed.), Religious Liberty in The Supreme Court (Washington, DC: Eedermans Publishing Company, 1995), pp. 483–496. (34) Ibid.
ويعتقد رولز أن الحجّتين تنتهيان إلى الغاية نفسها. فالإقرار بواقعة التعدّدية الأخلاقية، والاعتراف بتعدّد مثُل الخير داخل المجتمع الليبرالي – حتى إن اعتبر أنصار كل واحد منها مثالهم للخير راسخًا ولا يقبل المراجعة النقدية – سيكون له الأثر ذاته، وهو القبول بحرية الضمير، تمامًا كما لو أننا انطلقنا من مبدأ الحرية الفردية، وأكّدنا على حقّ كلّ فرد في مراجعة تصوّره للخير وإعادة النظر في معتقداته الدينية. لذلك، يمكن، في نظر رولز، للجماعتيين، وخاصة أنصار الجماعات الدينية منهم، كما لليبراليين، أن يلتقوا ضمن وفاق حول حريّة الضمير. والمقاربة ذاتها يمكن أن تُعتمد، لبلورة معالم وفاق حول حريات أساسية أخرى، كتلك التي تتعلق بحرية التنظّم والتعبير، وغير ذلك. غير أن مثل هذا السعي من رولز للحصول على وفاق حول حرية الضمير بين الحجة الليبرالية الساندة لهذه الحرية، والتي تجعلها حق ا أساسيًا للفرد يحاجّ به دولته وجماعته والأغلبية العقائدية السائدة داخل مجتمعه، والحجّة الجماعتية التي تجعل هذه الحرية حقًّا تمتلكه كل جماعة في أن تُحترم عقائدها وطرقها في العيش وفي حماية كيانها ضدّ كل تهديد أو نقد لعقائدها يمارسه أعضاؤها، لا يبدو مقنعًا لعديد الدارسين. فالوقائع تشي، في نظر براين باري Barry Brian (2009–1936) مثلً، بأن الموقف التصالحي من الليبراليين تجاه الفهم الجماعتي لحرية الضمير، والاعتراف المتزايد الذي بتنا نشهده في الديمقراطيات بحق الجماعات الدينية والإثنية في الاستثناء من تطبيق القوانين السارية، واحترام حقوق الإنسان، وحرية الضمير للأفراد داخلها، كان كل ذلك دومًا على حساب القيم الليبرالية، وعلى الخصوص الحرية والمساواة اللتان بُني على قاعدتهما الوفاق الدستوري الذي جعل الاستقرار السياسي والسلم المدني ممكنين في الديمقراطيات المعاصرة. وفي هذه النقطة، يبدو لنا أن رولز قد غلّب داعي الاستقرار على داعي تأصيل القيم الليبرالية، والدفاع عن الحقوق الفردية وأخذها على محمل الجدّ كما يقول دووركين. ولأمر كهذا، بدا لنا فكرُه السياسي، في آخر مرحلة من تطوره، ينزع أكثر فأكثر نحو التصالح مع الجماعتية في شكلها المحافظ، كما تتجلى في كتابات ألسدير ماكنتاير Alasdair MacIntyre ومايكل ساندل بدل مواجهتها والاشتباك معها.
(35) John Rawls, "The Basic Liberties and their Priorities," in: Sterling McMurrin (ed.) The Tanner Lectures on Human values , vol. III (Salt Lake City: University of Utah Press, 1976), pp. 1–89; Rawls, Political Liberalism , pp. 312–314.
((3(براين باري، الثقافة والمساواة: نقد مساواتي للتعددية الثقافية، ترجمة كمال المصري، ج 1 (الكويت: المجلس الأعلى للثقافة
والفنون والآداب، 2011)، الفصل 1؛ جوسلين ماكلور وتشارلز تايلور، العلمانية وحرية الضمير، ترجمة محمد الرحموني (بيروت: الشبكة العربية للكتاب، 2019). وللاطلاع على رصد لأهم ملامح الجدل المعاصر حول حرية الضمير ينظر: منير الكشو، «حرية الضمير في الجدل الفكري المعاصر»، مؤمنون بلا حدود، 2015/11/27، شوهد في 2021/3/9، في: https://bit.ly/3elhCEe. وحول التقابل بين الفهم الليبرالي والفهم الجماعتي وأثره في صياغة الفصل المتعلق بحرية الضمير في الدستور التونسي سنة 2014، ينظر:
منير الكشو، «حرية الضمير بين الإطلاق والتقييد»، جريدة الحياة،. 2013/11/2 (((3 تبدو لنا الفلسفة الجماعتية التي يدافع عنها ألسدير ماكنتاير ومايكل ساندل، ذات نزعة محافظة قوية وراديكالية في معاداتها لليبرالية، قياسًا بالفلسفة الجماعتية لمايكل وولزر، وتشارلز تايلور، والتي تشاطر الليبرالية العديد من الأفكار والمواقف. حول
الاختلافات بين الفلسفات الجماعتية ينظر: كيمليشكا، الفصل 6؛ وحول أسس نقد الجماعتية لليبرالية، ينظر:
Michael Walzer, Thinking Politically: Essays in Political Theory (New Haven: Yale University Press, 2007), Ch. 7.
خاتمة
كان مشروع رولز منذ أن أعلن عنه في مقال صدر سنة 1958 بعنوان «العدالة إنصافًا» هو تأسيس نظرية سياسية، تعيد فكرة العدالة التوزيعية إلى صميم الجدل في الديمقراطيات الدستورية المعاصرة، حول الترتيب الأفضل للمؤسسات لضمان الاستقرار السياسي، من خلال ولاء مواطنين أحرار وسواسية، وليس عبر الركون إلى القوة والقسر، مثلما هو شائع في الأنظمة السلطوية والكُلِّيانية التي كانت قائمة زمن إصداره لمقاله. وقد قدّم رولز نظريته في «العدالة إنصافًا» حلًّ لمشكل الاستقرار في الديمقراطيات التعدديّة الحديثة، وبقي متشبثًا بها، رغم تطوّر فكره والتعديلات التي أدخلها على صيغتها الأولى. وفي
الكتابات الصادرة منذ مطلع الثمانينيات، أطلق رولز سلسلة من المراجعات والتعديلات على نظريته وجدت اكتمالها، كما أسلفنا، في كتاب الليبرالية السياسية. وقد أدّت هذه السلسلة من المراجعات إلى أمرين مهميّن في رأينا؛ تمثّل الأوّل في تقليص البُعد الكوني الذي كان يسم النظرية في صيغتها
الأولى؛ إذ لم تعد نظرية «العدالة إنصافًا» تدّعي قابلية التطبيق على كل المجتمعات في أي لحظة من تاريخها، وغدت صالحة فقط للمجتمعات الديمقراطية والدستورية التي تتميز بثقافة عامة تمنح مكانة مركزية لقيمتي الحرية والمساواة، وتتوافر فيها الشروط ليكون الفرد مصدرًا لمطالب أخلاقية مشروعة.
أما الثاني، فتمثّل في تمييز صفة نظرية «العدالة إنصافًا»؛ إذ باتت الآن تُنعت بالليبرالية بالمعنى السياسي للفظ فحسب. فهي ليبرالية لأنها تعمل على الربط، على نحو متّسق، بين القيمتين الأساسيتين لليبرالية، وهما: الحرية والمساواة، وتعمل على إيجاد الصيغ من الترتيب المؤسساتي الكفيلة بتحقيقهما. وهي سياسية لأن موضوعها ينحصر فقط في مسائل العدالة الأساسية التي تخصّ البنية الأساسية للمجتمع. وبهذا تكون الليبرالية السياسية مختلفة عن كل المذاهب الأخلاقية والسياسية الشاملة، الليبرالية وغير الليبرالية، التي تشمل جميع جوانب الحياة، وليس فقط تلك المتعلقة منها بالتنظيم السياسي لحياة جماعة ديمقراطية. وتمثل الآن نظرية «العدالة إنصافًا» بمبدأيها، والتصوّر الذي يسندهما، موضوعًا
لوفاق تراكبي بين مذاهب شاملة ومتعقّلة Reasonable تمتثل لضوابط الحياة المشتركة وشروط التعاون الاجتماعي. ويكمن الاختلاف بين كتابَي نظرية في العدالة (1971)، والليبرالية السياسية
(1993)، في نوع الخطر الذي يتهدد الاستقرار السياسي للديمقراطية الدستورية. ففي الكتاب الأوّل
كان الهاجس الرئيس لرولز، التصدّي لخطر التشبّث الأناني لكلّ فرد بمصالحه على حساب ضوابط
التعاون ومقتضيات العيش المشترك. وقد عمل رولز حينها على التغلّب على تحفّظات المتشكّك
الذي ما فتئ يتساءل في قرارة نفسه: «لماذا يكون عليّ أن أكون عادلً، بدلً من أن أخيّر رعاية مصالحي
وتعظيم أرباحي؟». أما في الليبرالية السياسية فإن ما غدا تهديدًا للاستقرار السياسي ليس المتشكّك في صحة وجهة النظر الأخلاقية، وإنما المذاهب الأخلاقية الشاملة ذاتها التي يضع أنصارها قيمها وتصوّرها للخير والحياة المُثلى فوق اعتبارات العدل وضوابطه. ولا يُنظر الآن إلى أتباع هذه المذاهب
على أنهم أفراد متشبثون على نحو أناني بمصالحهم، بل أشخاص تحرّكهم قيم ودوافع أخلاقية. غير
أنهم ينزعون، كلما ظهر تضارب بين ضوابط العدالة وتصورات الخير الخاصة بمذهبهم، إلى التضحية بالعدل وبمقتضيات الإنصاف لصالح القيم المستمدّة من وجهة نظرهم الفلسفية والدينية والأخلاقية. لذلك، يبدو لنا أن النقد الجماعتي قد نبّه رولز إلى أن الاستقرار السياسي يواجه اليوم خطرًا مختلفًا
عن ذلك التحدّي الذي مثّلته الأنانية الفردانية أمام العدالة. فالتهديد اليوم يكمن في جنوح فلسفات ومذاهب أخلاقية ودينية نحو الهيمنة والغلبة، وليس في البحث المسعور عمّا يلبّي المصلحة الخاصة.
وقد حاول رولز أن يجد في نظريته ما يمكّن من إبعاد ذلك الخطر، غير أنه، مثل ما أسلفنا، تغلّب لديه هاجس الاستقرار على شاغل العدالة، وقاده إلى المنعطف المحافظ الذي أخذته نظريته على نحو بارز في كتابَي الليبرالية السياسية وقانون الشعوب.
References
المراجع
العربية
باري، براين. الثقافة والمساواة: نقد مساواتي للتعددية الثقافية. ترجمة كمال المصري. الكويت: المجلس الأعلى للثقافة والفنون والآداب،.2011 بوز، ديفيد. مفاهيم الليبرتارية وروادها. ترجمة صلاح عبد الحق. بيروت: دار رياض الريس،.2008 الحاج لطيف، نوفل. جدل العدالة الاجتماعية في الفكر الليبرالي: جون رولز في مواجهة التقليد المنفعي. بيروت: دار جداول، 2015. دومون، لويس. مقالات في الفردانية. ترجمة بدر الدين عردوكي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،
دووركين، رونالد. أخذ الحقوق على محمل الجدّ. ترجمة وتقديم منير الكشو. تونس: دار سيناترا للنشر،.2015 دي توكفيل، أليكسيس. النظام القديم والثورة الفرنسية. ترجمة وتقديم خليل كلفت. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2010 ________. الديمقراطية في أميركا. ترجمة أمين مرسي قنديل. القاهرة: عالم الكتب، 2015. رولز، جون. قانون الشعوب. ترجمة أحمد خليل. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2007. ________. العدالة كإنصاف: إعادة صياغة. ترجمة حيدر الحاج إسماعيل. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009. ________. نظرية في العدالة. ترجمة وتقديم ليلى الطويل. دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب،
ريكور، بول. العادل. ترجمة منير الكشو [وآخرون]. تونس: بيت الحكمة،.2003 الكشو، منير. «حرية الضمير في الجدل الفكري المعاصر». مؤمنون بلا حدود. 2015/11/27. في:
https:// bit. ly /3 elhCEe
كيمليشكا، ويل. مدخل إلى الفلسفة السياسية المعاصرة. ترجمة منير الكشو. تونس: دار سيناترا للنشر،
ماكلور، جوسلين وتشارلز تايلور. العلمانية وحرية الضمير. ترجمة محمد الرحموني. بيروت: الشبكة العربية للكتاب، 2019. نوزيك، روبرت. الفوضى، الدولة، اليوتوبيا. ترجمة عبد الكريم ناصيف. دمشق: دار الفرقد،.2019
الأجنبية
Buchanan, James. The Limits of Liberty between Anarchy and Leviathan. Indianapolis: Liberty Fund Inc., 2000 [1975]. Cohen, Gerard Allan. "On the Currency of Egalitarian Justice." Ethics. vol. 99, no. 4
Dworkin, Ronald. "What is Equality? Part 2." Philosophy and Public Affairs. vol. 10, n. 4 (1981). _______. "What is Equality? Part 1." Philosophy and Public Affairs. vol. 10, no. 3
_______. Sovereign Virtue: The Theory and Practice of Equality. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2000. Eastland, Terry (ed.). Religious Liberty in The Supreme Court. Washington, DC: Eedermans Publishing Company, 1995. Freeman, Samuel (ed.). Collected Papers. Cambridge, MA: Harvard University Press,
Gauthier, David. Morals by Agreement. Oxford: Clarendon Press, 1986. Roemer, John. Theories of Distributive Justice. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1996. Goldman, Alvin & Jaegwon Kim (eds.). Values and Morals. Dordrecht: Spinger & Business Media, 1978. Harsanyi, John Charles. "Can the Maximin Principle serve as Basis for Morality?" American Political Science Review. no. 69 (1975). Hayek, Fredrich. Law , Legislation and Liberty. vol. 2: The Mirage of Social Justice. London: Routledge, 1998. Holmes, Stephen. The Anatomy of Anti–Liberalism. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1993. Kchaou, Mounir. Le Juste et ses normes: John Rawls et le concept du politique. Tunis: Publications de la Faculte des Sciences Humaines et Sociales, 2007. McMurrin, Sterling (ed.). The Tanner lectures on Human Values. 2 nd ed. Cambridge: Cambridge University Press, 1980.
Miller, David. Principles of Social Justice. Cambridge, MA: Harvard University Press,
Rawls, John. A Theory of Justice. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1971. _______. Political Liberalism. New York: Columbia University Press, 1996. Roemer, John. The Future of Socialism. Cambridge, MA: Harvard University Press.
Rosanvallon, Pierre. La crise de l’Etat providence. Paris: Seuil, 1986. Rothbard, Marry. The Ethics of Liberty. New York: New York University Press, 1998. Sen, Amartya. Commodities and Capabilities. New Delhi: Oxford University Press,
Walzer, Michael. Thinking Politically: Essays in Political Theory. New Haven: Yale University Press, 2007.