العودة إلى تفاصيل المؤلَّف سؤال الزمان والمنعرج المادي للفينومينولوجيا لأنطونيو نغري

سؤال الزمان والمنعرج المادي للفينومينولوجيا لأنطونيو نغري

Antonio Negri: The Question of Time and the Materialist Turn of Phenomenology

محمد الهادي عمري

Mohamed el-Hadi Omari

الملخّص

مشكل الزمن واحدٌ من أهم المشكلات في الفلسفة السياسية. وفي هذا البحث سنتوقف عند النقد الجذري لدلالة الزمن في الفلسفات التقليدية من وجهة نظر الفينومينولوجيا المادية عند أنطونيو نغري. وسنبين أن المنعرج المادي لم يتحقق إلا عبر مراجعة عميقة لهذا المفهوم. لقد عمل نغري على تفكيك المفترضات الميتافيزيقية والفينومينولوجية التي تأسست عليها فكرة الزمن؛ من أجل بناء أنطولوجيا جديدة لعلاقة أخرى بين الذات والزمن والزمان والزمانية.

Abstract

Abstract: The question of time is one of the most significant problems to emerge in political philosophy. This article presents a radical critique of the notion of time in traditional philosophy from the perspective of Antonio Negri’s materialist phenomenology. It demonstrates that the "materialist turn" was achieved only with a deep review of this concept. Negri deconstructed the metaphysical and phenomenological assumptions that were founded on the idea of time to build a new ontology to establish a new relationship between the subject, time, the temporal, and temporality.

الكلمات المفتاحية:
  • فينومينولوجيا
  • أنطولوجيا
  • الزمن
  • الزمان
  • الزمانية
  • الذات
  • ديالكتيك
  • الاقتدار
  • الوجود
  • الحرية
Keywords:
  • Phenomenology
  • Ontology
  • Time
  • Temporal
  • Temporality
  • Subject
  • Dialectic
  • Power
  • Liberty
  • Existence

مقدمة

ليس ثمة فلسفة للمستقبل عند أنطونيو نغري Negri Antonio؛ فالمستقبل هو ما يتمظهر في توثّب الحاضر، أو هو تلك النتوءات التي تُعمق اتساعها على حافة الراهن من الزمن. المستقبل أخاديد ترسم حفرياتها محايثةً مطلقةً في هذا الذي نُسميه الحاضر. وإذا لم يكن عند نغري فلسفة للمستقبل، فهناك ما يسمّى: فلسفة «مُقبِلٍ»، وهي فلسفة بلا زمن، وما يعنيه ب «المقبل»

L’à–venir: ذاك الذي يُقبل لحظةَ أنْ نذهب إليه، بالمعنى الهايدغري. «المقبل» لا يكون إلا صيغةً أو كيفيةً يُقاوِم بها الفعل الحركة القاسية لأنياب الماضي الممتدة في الحاضر. المقبل الفلسفي هو ذاك الانفجار العظيم الذي أسكتته الأنساق الفلسفية الكبرى، وظل في رحم الميتافيزيقا ميتا–لغة مقاوِمة وعنيدة. المقبل هو ذاك البعيد – القريب أو هو، بالاستعارة الدولوزية، سطح العمق وعمق السطح، حيث المقاومة محايثةٌ لذاتها وموضوعها. فلسفة المقبل النغرية تبني حركة مقاومتها للسلطة من داخلها لا من خارجها، وهي لا تحمل وهْم ضرب السلطة من الخارج إذْ تُقاومها، فالمقاومة سلطة، لكنها سلطة سابقةٌ – أنطولوجيًا – لكل سلطةٍ، وهي ليست رداَّ فعلٍ، وإنم هي فعلٌ أول، وإنْ كانت

سلطة المقاومة وسلطة السلطة في تنافذٍ وتصالبٍ أبديي ن. على هذا النحو سنتابع خطوط فلسفة نغري وما تُتيحه للمُقبل عبر تصالب سياقاتها الفينومينولوجية المادية والأنطولوجية الاستقرائية المضادة للهايدغرية وتوابعها التاريخية التي انتهت إلى منقلبٍ ثيولوجي خطير للفينومينولوجيا. وعلى الرغم من نقده واستبعاده للديالكتيك الغائي الذي وجّه معظم الفلسفات الحديثة، فإن نغري –

في قراءته للسبينوزية – يُحرك لعبة ديالكتيك مفتوح؛ ليدفع ببحثه حول الزمان إلى وِجهةٍ وحيدةٍ لتقريب الهدف الذي يسعى إلى بلوغه. فالحدث البديل (أو الحقيقة المغايرة) ليس شيئًا آخر عند سبينوزا نغري غير القوى التاريخية في الحاضر، ويعتبر بيير ماشري أن هذه العتبة النقدية لامست اكتشاف الاستحالة في تصالح أوتوبيا وحدة الوجود مع تحليلات سبينوزا للعالم عبر التأسيس

(((ولد في إيطاليا سنة 1933، أستاذ الفلسفة في جامعة بادو Padoue، قارئ ومترجم لهيغل وماركس وسبينوزا وليوباردي وديلتاي، غزير الإنتاج، تعمقت تجربته مع فلسفة الاختلاف في فرنسا التي تصاعدت وتيرتها مع فوكو ودلوز ودريدا، خاض تجربة الكتابة المشتركة مع فيلكس غتاري سنة 1985، وواصلها منذ سنة 2000 إلى 2013 مع المفكر الأميركي ميخائيل هاردت. ناشط في اليسار منذ الستينيات، وهو العقل المدبر لليسار الراديكالي. عُدوَّ مسؤولً أخلاقيًا عن اغتيال رئيس الوزراء ألدو مور Moro Aldo من طرف

الألوية الحمراء سنة 1978. اختار المنفى في فرنسا، وجرت تبرئته بعد سنة، ولكن بقي محكومًا عليه غيابيًا. عاد إلى إيطاليا سنة

1997؛ ليبقى تحت الإقامة الجبرية إلى حدود السراح الشرطي سنة 2002. (((للتوسع أكثر في هذه الفكرة يمكن العودة إلى القراءة المتميزة لدانييل بنسعيد، والتي خصصها لنغري، في الفصل الرابع:

Daniel Bensaîd, Résistance. Essais de taupologie générale (Paris: Fayard, 2001).

يرى أن نغري يُعارض بشدة ديالكتيك الاقتدار والسلطة في الانفصال الخادع بين السياسي والاجتماعي، ويطرح مسارًا لتسييس

الاجتماعي. ويعتبر بنسعيد أن نغري يستدعي سبينوزا كأول من فكر في هذه السلطة اللامحدودة، أو بالأحرى في هذا الاقتدار Potentia المتعذر على مفاعيل السلطة Potestas، والذي هو اقتدار لا يأتي بعد السياسة ولا هو أثرها أو نتيجتها، بل هو يأتي أو لً

ويُفرَض حتى كتعريف للسياسة ذاتها، ويذهب في الكتاب والفصل نفسه إلى أن السلطة المؤسسة عند نغري تنتشر زمنيتها

المخصوصة كحرية مؤسسة تتجاوز الحقيقة الزائلة للحدث، بل إن هذه السلطة هي قدرة على تسريع زمن الحدث حيث تبلغ الفرادةُ

العمومي، وينحو الخصوصيُّ نحو الكونيِّ، وهذا الزمن – الذي هو توتر وإيقاع ونظام أفعال تأسيسية – هو خارج لعبة الديالكتيك

الكلاسيكية.

الواقعي لاقتداره، بل يذهب ماشري إلى القول، مستعيدًا عبارات نغري: إن «سبينوزا الحقيقي». وسبينوزاLe Spinoza de l ’ ideologie » أخذ مكان «سبينوزا الأيديولوجي Le Spinoza réel الحقيقي هو ذاك الذي تخلّى عن مشروع ديالكتيك البحث عن توسطات، وأدرك العالم في مفارقة الغيرية والمطابقة. لقد ترك باروخ سبينوزا Spinoza Baruch (1677–1632) مخططًا بالغ الأهمية. وهذا المخطط تأوّله نغري على أنه التاريخ الذي عليه أن يضطلع بإعادة تأسيس الأنطولوجيا عبر المستقبل الذي يجد دعامته في الضرورة، أو بالأحرى عبر الإمكانية الكامنة في صلبها يُعيد نغري الحياة لمبحث السلب، وللغائية التي حلقت أشباحها فوق مجمل تحليلاته، رغم أنه أعلن في مواقع عديدة من كتاباته إزاحتها واستبعادها. تعود فلسفة نغري إلى الأشياء ذاتها وإن سلكت طرقًا متباينة. وعودته إلى الأشياء تعني، فيما تعنيه، أنه قطع مع الإرث الترنسندنتالي للوعي المُقوم، ورغم أنه اعتبر

أن فينومينولوجيا إدموند هوسرل Husserl Edmund (1938–1859) ضرورية لفهم إشكالية الوجود في مستوى وصفي، فإنه رأى أنها غير قادرة على النفاذ إلى مسارات التذويت وما تحمله الكينونة من التباس؛ نتيجة فصلها للوعي عن محيطه الاجتماعي – التاريخي وعن الرهانات القائمة فيه وحوله. ففينومينولوجيا هوسرل تهتم بما هو موجود في الوعي، لا بما هو موجود خارجه في الواقع. وعليه؛ لا يُمكن فهم البدء الفلسفي إلا بناءً على الموقف الفلسفي ذاته ومن دون توسط التاريخ، فلا أصل

للفكر سوى مسائله الفعلية، فالتاريخ لا يُؤسس البدء، ومكانته غير جوهرية في تأسيس الموقف الفينومينولوجي، على الأقل في الأعمال الأولى لهوسرل. القطع مع هذا الإرث الثقيل ليس بالأمر الهين، ولا يدّعي نغري أنه هيّن، وإنما يعمل على استثمار

الممرات التي فتحتها الهوسرلية ذاتها. لكن كيف نفهم الاشتباك الفينومينولوجي والأنطولوجي في كثافة الحدث خارج ديالكتيكية التناقضات وتفاعلية الأسباب؟ وعلى أيّ جهة ستتشكل هذه الفينومينولوجيا المادية التي تُعلن عن ذاتها في صورة حركة مقترنة بالحدث تَستشكل ما فيه من التباس، وتنغرس في عرضيته ومنظوراته وأحواله كأنطولوجيا استقرائية لا تُدرك الحدث، حدثَ الوجود، إلا في علاقته بالزمان كاقتدار، وبذلك الإنسان الذي يُشكل عبر استقلاليته الأصلية، بمعية العالم، كونًا واحدًا وواقعًا فريدًا؟ لماذا يُعيد نغري قراءة تراثه الفلسفي عبر سؤال الزمان تحديدًا؟ هل يسعى إلى فتح

(3) Antonio Negri, L’anomalie sauvage, puissance et pouvoir chez Spinoza , traduit de l’italien par François Matheron (Paris: PUF, 1982), p. 134;

وكذلك نهاية القسم الثاني في:

Pierre Macherey, Avec Spinoza, études sur la doctrine et l’histoire du spinozisme (Paris: PUF, 1992), p. 255.

لمزيد من التوسع في هذه الفكرة يُمكن العودة إلى الصفحات:.270–245 (((ينظر في هذا الصدد: العمل القيم الذي تقدم به الفيلسوف التشيكي جان باتوشكا في عمله:

Jan Patočka, Essais hérétiques sur la philosophie de l’histoire , Erika Abrams (trad.) (Paris: Verdier, 1981).

بحيث رأى أن هوسرل فيلسوف لاتاريخي، على الأقل في أعماله الأولى، لمّا كان همه المعرفي قائمًا على هاجس رياضي منطقي. (((يختلف تمثل نغري للحدث عما  ورد في معجم الدلالات الفلسفية، وتحديدًا في مادة vénementé، حيث كان التأكيد على أن

الحدث تحكمه السببية التفاعلية التي تربطه بالتاريخ الثقافي والاجتماعي، ينظر:

Sylvain Auroux, Les notions philosophiques (Paris: PUF, 1990), pp. 906–907.

انسدادات هذا التراث أم لمحاكمة إجاباته حول هذه المعضلة؟ على أيّ جهة يمكن أن نتحدث عن

منعرج فينومينولوجي في هذه الفلسفة؟ يبذل نغري جهدًا جينيالوجيًا متميزًا في تفكيكه للمشكلات الفلسفية التي يطرحها، معتمدًا على منطق

العرض والتحليل، فوجاهة مواقفه وقيمتها النظرية والعملية، تبرُز بعد مقارعته للأطروحات الكبرى

في تاريخ الفلسفة. وهيمن هذا المنهج على مجمل كتاباته تقريبًا، وعلى ذلك سنقتفي خطى هذا

الفيلسوف في متابعته لمشكل الزمان.

أولا: نقد نغري للتمثلات الميتافيزيقية والتأسيسات الفينومينولوجية لمسألة الزمان

لعل الفلسفة الأرسطية أحد أبرز الأنساق الكبرى التي جعلت مفهوم الزمان يئنّ تحت حمولتها الدلالية الثقيلة. لقد تناول أرسطو مسألة الزمن في الفصل الرابع من كتاب الطبيعة والميتافيزيقا، حيث يربط الزمان بالحركة، ويرى أن العلاقة بينهما كعلاقة العدد بالمعدود؛ فالزمن هو عَددُ الحركة، والزمان في نظره ليس الحركة، ولكنه شرطها، فالحركة غير المعدودة ليست زمنًا. لذلك، فالزمن يأخذ طابعًا إنسانيًا،

لأن الإنسان هو الذي يعُدّ الحركة. هذا التصور الأرسطي الذي تمثل الزمن مُتصلً وقابلً للقسمة

والقياس والتجزئة، سيرفضه نغري، وسنعود إلى ذلك بعد أن ننظر بسرعةٍ في امتدادات هذا المفهوم ميتافيزيقيًا بعد أرسطو. من النافل التذكير بأن القديس أوغسطين Augustin Saint (430–354 م)، من أكبر الفلاسفة الذين تناولوا، باهتمام، مشكلة الزمان. ويُمكن تلخيص أطروحته المركزية في أن الماضي لا وجود له لأنه

فات، والمستقبل كذلك لأنه لم يأت بعدُ، ولا وجود إلا للحظة الحاضرة، والماضي والمستقبل ليسا مستقلياَّن عن الحاضر، بل هم في صلبه، لذلك يذهب إلى تقسيم الأزمنة إلى حاضر الماضي وحاضر الحاضر وحاضر المستقبل، بل يُقرّ في الكتاب الحادي عشر من الاعترافات، باستحالة قياس الماضي

والمستقبل لأن كليهما عدمٌ، وكذلك الحاضر لأنه آنٌ ليس له امتدادٌ، وهذا وجهٌ من وجوه انفصاله

عن الأرسطية؛ فهو لا يرى أي مبررٍ لربط الزمن بالحركة؛ إذ الذهن هو مقياس الزمن، وأبعاده الثلاثة موجودة في الذهن وفي الذهن وحده عبر الانتظار/ المستقبل، والاهتمام/ الحاضر، والتذكر/ الماضي، وكأننا إزاء حاضر لازمنيّ، أبديّ، ربانيّ، مختلف عن التصنيفات الأنطولوجية التي ادّعت تقديم نفسها

بصفتها أشكالً فينومينولوجية للوعي بالزمانية. يقول نغري قارئًا الأوغسطينية: «لكن الزمن هو هنا، في

(6) Aristote, Physique et métaphysique , VI, Textes choisis et traduits par Sonia et Maurice Dayan (Paris: PUF, 1966), p. 223.

(((اعترافات القديس أغستينوس، الكتاب الحادي عشر، نقله من اللاتينية إلى العربية ابراهيم الغربي (قرطاج: بيت الحكمة / المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، 2012)، ص.398–361 (((«وقولهم: ‘الأزمنة ثلاثة’ الماضي والحاضر والمستقبل»، قولة ليست مضبوطة، بل قد يكون من الأدقّ أن نقول: ‘الأزمنة ثلاثة؛

حاضر هو حاضر الماضي، وحاضر هو حاضر الحاضر، وحاضر هو حاضر المستقبل’. إذ إن هذه الصيغ الثلاث يوجد بعضها مع بعض في الفكر، ولا أراها في غيره، فحاضر الماضي الذاكرة، وحاضر الحاضر النظر، وحاضر المستقبل الترقب». ينظر: المرجع نفسه، ص.383–382

بريته. لأن التباسه وانحلاله يَمثلان كما هما: المعطى الأنطولوجي الحقيقي، هو قلق الزمن، التعريف الأوغسطيني للزمن يتناسب معه مثل القفاز»، فلا الزمن سلسلة آنات متعاقبة يُمكن قياسها وضبطها بعدد الحركة، ولا هو يمضي خطيًا، ولا هو كذلك مقولة أو شرط صوري قبلي مثلما ذهب إلى ذلك

إيمانويل كانط Kant Immanuel)1804–1724(، ولا هو نفيٌ للنفي. لقد مثّل مشكل الزمن أرضًا

خصبةً لنقد نغري للحداثة التي كرست تقليدًا أرسطيًا للزمن في علاقته بفكرة التقدم. يعتبر نغري أن من بين الاستثناءات الفلسفية التي استفادت منها الفينومينولوجيا في مقاربتها لمشكل الزمن؛ فلسفة هنري برغسون Bergson Henri)1941–1859(، التي مثلت فتحًا جديدًا في مساءلة هذا

المشكل. فهذا الفيلسوف التقط الزمان بوصفه ديمومة أي بوصفه زمنًا يُعاش، تتنافذ فيه كل اللحظات التي يعيشها الإنسان، فالديمومة هي استمرار غير منقطع، وجِدلاَّة  يمكن التنبؤ بها، فكل حالة شعورية جديدة هي إبداع وانبثاقٌ، والديمومة هي كيفٌ محضٌ، غير قابلة للتكميم والقياس، لأن ما  هو قابل للقياس هو الذي ينسحب عليه الزمان من الخارج، أي في المكان، أما العالم الداخلي فهو ظواهر متداخلة، وحرية خالقة لا تكفّ عن التجدد ولا تقبل القياس. مع برغسون، العلاقة بين الماضي والحاضر هي علاقة تعاقب، فكل لحظةٍ زمنية تعقبها أخرى، لا لتمحوَها وإنما لتأتلف معها في وحدةِ كثرةٍ كيفيةٍ،

أما خارج الذات فلا وجود إلا للعالم المادي حيث تظهر لحظةٌ لتختفي اللحظة التي سبقتها. يرى نغري أن الحرية عند برغسون تتجسد في ديمومة لا  تعرف القبل والبعد، ولا تقبل تفسيرًا خارجيًا

يتعلق بالمكان. إنها الزمان الحقيقي المُدرَك من الداخل، ف «الديمومة هي التقدم المتواصل للماضي

الذي ينهش المستقبل والذي يتضخم متقدمًا. يُحفظ الماضي بشكلٍ دائمٍ في الوقت الذي يتزايد فيه

(9) Antonio Negri, Kairòs, Alma Venus, multitude , traduit de l’italien par Judith Revel (Paris: Calmann–Lévy, 2001), p. 19.

(((1 «آن » Instant: أصل الكلمة «أوان»، حُذفت الألف الأولى وقُلبت الواوُ ألفًا. ينظر: مراد وهبة، المعجم الفلسفي (القاهرة: دار

قباء الحديثة، 2007)، ص.94 حيث يشير إلى أن «نسبة الآن إلى الزمان كنسبة النقطة إلى الخط غير المتناهي من الجانبين. فكما أنه لا نقطة فيه عندهم إلا بالفرض، فكذلك لا آن في الزمان إلا بالفرض. عند أرسطو: الآن ماهية الزمان، يتجدد باستمرار تبعًا لاستمرار الحركة. فالزمان متصل بواسطة

الآن ومقسم بحسبه بالقوة، أي أن الآن يصل الماضي بالمستقبل». ((1(عند إيمانويل كانط: الزمان هو الشرط الصوري القبلي لكل الظواهر بوجهٍعام، والحساب هو علم الزمان، لأن العدد يتكون من آنات

الزمان المتعاقبة. أما  الهندسة فهي علم المكان لأن الأشكال تتكون من نقاطٍ متصلة، والأعداد والأشكال لها قيمة كلية. وهو بذلك لم يخرج كثيرًا عن التصور الأرسطي، ولا عن تصورات العلم الحديث للزمان والمكان مع غاليليو غاليلي Galilei Galileo).1642–1564(((1(قريبًا من نغري، يرى جاك دريدا في هوامش الفلسفة أن هايدغر انتهى في تحليله لمفهوم الزمان عند هيغل، إلى أنه مفهوم ينتمي

إلى أنطولوجيا الطبيعة، وهو استعادة للتصور الأرسطي كما  تبلور في كتاب الطبيعةوالميتافيزيقا فالمكان ليس إلا  نقاطًا تُشكل الزمان،

وهذا الزمان بدوره يرتد إلى سلسلة آنات زمنية، وجوهر الزمان يتلخص هيغليًا بوصفه نفيًا للنفي، فالزمان يتجلى في الفكر والفكر يقع

في الزمان، وكلاهما  مطلقٌ ونفيٌ للنفي، ينظر: جاك دريدا، هوامش الفلسفة، ترجمة منى طلبة (بيروت: دار التنوير،.)2019 (((1 يرى نغري أن فينومينولوجيا هايدغر لم تلتقط الإضاءة البرغسونية حول الزمن، على خلاف الفينومينولوجيات الأخرى التي امتدت من هوسرل إلى نهاية القرن العشرين. ينظر:

Michael Hardt & Antonio Negri, Commonwealth , traduit de l’anglais par Elsa Boyer (Paris: Stock, 2012), p. 53. (14) Henri Bergson, La pensée et le mouvant (Paris: PUF, 1975), pp. 30–31. (15) Henri Bergson, Essai sur les données immédiates de la conscience (Paris: PUF, 1970), p. 170.

من دون توقف». إن الديمومة زمانٌ حقيقيٌ، لأنها زمان حي أو تيار متدفق متصل، لا انقسام فيه، ولا ندركه إلا بواسطة الحدس. في متابعته لمشكل الزمن، يعود نغري إلى كل هذه اللحظات الفلسفية، ناقدًا نتائجها أحيانًا ومُستفيدًا من إلماحاتها أحيانًا أخرى، ورغم غزارة إنتاجه فإن الاهتمام بفكره تأخر كثيرًا حتى في الأوساط اليسارية، وربما يعود ذلك إلى كونه يُقدَّم دائمًا بوصفه عدوًا للديالكتيك، ونستطيع القول إن هذه الصورة امّحت تدريجيًا تحت وقع الإضافات النظرية، خاصة في تطبيقاته الفينومينولوجية. فهو لم يكن محاورًا لكبار الفينومينولوجيين فحسب، بل تمثّل مجمل آثارهم المعاصرة، وتوقف عند إسهاماتهم النظرية بالقراءة والترجمة؛ ففي استدعائه للهايدغرية مثلً، ينطلق من مقدمات مماثلة لمقدمات جان لوك نانسي Jean–Luc Nancy، مُتسائلً: هل «نستطيع أن نقترح قراءةً أو إعادة كتابة ‘سبينوزية’ لكتاب الوجود والزمانلهايدغر»؟ الإجابة عن هذا السؤال بلورَها بمعية ميخائيل هاردت في كتابهما  الكومونولث، عبر العمل على قلْبِ الفينومينولوجيا في صيغتها الهايدغرية، وذلك من خلال تطبيقٍ رآه قادرًا على فتح المسارات الإنتاجية والإبداعية للجمهور، فلا تثوير لعالمنا ولا إنشاء لمشترك ثروةٍ يقتسمها الجميع من دون فهم الشرارة التي أحرقت السهل الفينومينولوجي مع هايدغر. صحيح أن هذا الفيلسوف فتح ممرًّا مهمًّا

في قلب الفينومينولوجيا، لكنه، وفق نغري، لم يتوصل إلى بلوغ ما يُفترض أنْ يصل إليه النقد من إثباتٍ للحياة وتأكيدٍ للأجساد. ففي بداية الكومونولث، يُشير إلى غياب ما  يُميز الثورة الفينومينولوجية في الفلسفة عند هايدغر، أي الإثبات النقدي وتأكيد مستطاع الأجساد التي تخصنا في «الآن» وال »«هُنا، واعتبر أن فكره مُخترَقٌ بتأملات قَلِقة حول فشل الحداثة وتحطم القيم، لذلك لم تبحث الهايدغرية عن الوسائل لإعادة بناء الوجود عبر اقتدار الزمان وجدارة الإنتاج الإنساني، وإنما سقطت في تأمل موت الكائن ووهننا إزاء أوضاعنا. إن ما اقتنصته الفينومينولوجيا من حيوية برغسون وإرادوية جيوفاني جانتيل Gentile Geovanni (1944–1875)، وما أخذته عن النسبوية التاريخية، أعاده هايدغر من الأبواب الصغيرة، بجعله بنية تأسيسٍ لراهن الوجود. فمثلً، دلالة التجاوز عنده لا تُعيد، فقط، تكييف المذهب الحيوي والإرادوي ليتطابق التاريخ مع القدر، وإنما تُعيد تشكيلهما كتقريظٍ للفاشية، وإنْ جاز لنا الحديث عن منعرجٍ

(16) Henri Bergson, L’évolution créatrice (Paris: PUF, 1959), p. 4. (17) Hardt & Negri, p. 15.

((1(كتاب الكومونولث، هو الضلع الثالث للأعمال المشتركة الكبرى التي جمعت نغري بميخائيل هاردت. يُقدم النصف الأول من

هذا الكتاب – كما يُشير إلى ذلك نغري وهاردت – عرضًا فلسفيًا وتاريخيًا للجمهورية والحداثة ورأس المال، وينتهي إلى اعتبارها

محددات لتطور فكرة «المشترك»؛ إذ في كل حقلٍ من هذه الحقول، نكتشف البدائل المنبثقة في قلب جمهور الفقراء. أما النصف الثاني فهو تحليل سياسي واقتصادي للحقل المعاصر للمشترك، الذي سيكون محور اهتمامنا في القسم الثاني من البحث.

(19) Hardt & Negri, p. 15. (20) Ibid., p. 52.

تأويلي عند هايدغر، فلأنه تحت تأثير الشاعر الألماني هولدرن Hölderlin (1832–1749)، كتب بلغةٍ صوفية تسأل وتُخفي وتُومئ، أكثر مما تُجيب وتُظهر. ولعل هذا ما جعل فينومينولوجيته منفتحة على كل إمكانات التأويل، فحتى نفهم الزمان علينا أن نفهم الأصيل في هذه الفينومينولوجيا، أي الكائن، ولكن هذا الكائن–هنا ليس الكائن الذي نعرفه، إنه الكينونة من دون أن تكون الكينونة التي نفهمها، هو أيضًا الزمان الذي يستغرقنا فيزيائيًا. إنه الكائن المائت أو كائن الموت، وهذا الموت مسجلٌ في ذاكرة

الزمان المقبل، أي في المستقبل. وبهذا المعنى يكون الدزاين Dasein موجودًا زمانيًا، لا باعتبار أنه

يُوجد في الزمان بوصفه شيئًا منفصلً عنه، بل بما هو وجودٌ زماني. وهو، إذ ينحو هذا المنحى، إنما يُؤكد

على المعنى الوجودي للزمان، بوصفه التعبير الأكثر أصالة، وليرفض الزمان الفيزيائي، لأنه زمانٌ متحجرٌ ومتجانسٌ ولا تمايز فيه. الزمان عنده حركة دائبة نحو المستقبل، أي نحو الموت، وهو ليس مجرد

امتداد أفقي، إنه حركة وجودٍ أو هو إمكانيةُ المستقبل/ الموت تنتظر أن تتحقق. لذلك فالإنسان يعتريه دائمًا

توترٌ مستمر في علاقته بالمستقبل، بل زمانه إنما يبدأ من المستقبل، وما الماضي والحاضر والمستقبل

إلا انبثاقات زمانية، تُعبر عن ارتباط الذات بوجودها وانهمامها بكينونتها وتعاليها المستمر على ذاتها. وإذا كان المستقبل هو الأفق الرحب للكائن، فإن الماضي يحمل تناهي هذا الكائن منذ البداية، أي إنه كائن من أجل الموت، والمستقبل كذلك يحمل موته وتناهيه، وبينهما يبرز الحاضر بوصفه لحظةً قصوى لتوتر الدزاين في صلب كينونته، حيث يتأمل إمكانياته وهي تتحقق، ويرى وجوده من البدء حتى الموت، فالحاضر هو «الآن»، الرابط بين ما سيأتي وما مضى، وهو لا يأتي إلا بعد المستقبل والماضي، لأنه نقطة الجذب لحركة الذات إلى الأمام ونحو الخلف. وفي كلمة: الماضي ينبثق من المستقبل فيُولد الحاضر،

وعلى ذلك يأخذ المستقبل كل ثقله وأهميته عند هايدغر، من دون أن نغفل التمييز بين المستقبل غير الأصيل والمستقبل الأصيل، فالأول قائمٌ على التوقع والثاني هو معركة، وهو منبثقٌ من الاستباق، وليس

شيئًا ننتظره، وإنما هو ما نلتقي به في التصميم المستبق الذي يتبدّى في المشروع حيث تتحقق الوحدة

(((2 ينظر على سبيل المثال:

Jean Grondin, Le tournant dans la pensée de Martin Heidegger (Paris: PUF, 1987); Jean Grondin, Le tournant herméneutique de la phénoménologie (Paris: PUF, 2003).

وعن دلالة المنعرج يمكن العودة كذلك إلى: فتحي المسكيني، نقد العقل التأويلي أو فلسفة الإله الأخير: مارتن هايدغر من

الأنطولوجيا الأساسية إلى تاريخ الوجود، 1944–1919 (بيروت: مركز الإنماء القومي، 2005)، ص 404–379. وللتوسع في مسألة التحول الذي أحدثه هايدغر في الفينومينولوجيا، يمكن العودة أيضًا إلى الأعمال القيمة:

Jean–Luc Marion, Réduction et donation. Recherches sur Husserl, Heidegger et la phénoménologie (Paris: PUF, 1989); Jean–François Courtine, Heidegger et la phénoménologie (Paris: Vrin, 1990).

(((2 يقول هايدغر مثلً: «إن عدم قابلية تعريف الكينونة لا يُعفي من السؤال عن معناها، بل إنها لتستدعيه استدعاء»، في: مارتن

هايدغر، الكينونة والزمان، ترجمة وتقديم وتعليق فتحي المسكيني (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2012)، ص.56 (((2 تجدر الملاحظة في هذا الطور من التحليل أن نتوقف عند ما كان قد نبّه إليه الدكتور فتحي المسكيني في تعليق له في ترجمته

لكتاب الكينونة والزمان، حيث يقول: «علينا أن نلاحظ إصرار هايدغر على تحاشي مصطلح ‘إنسان’، حتى لا  يترك من معنى ‘الكائن’

الذي ينبغي استجوابه حول معنى ‘الكينونة’، سوى أنه ‘يكون على نحوٍ ما’، أن له ‘طريقة ما في الكينونة’. ولذلك فمصطلح ‘دزاين’ هنا ليس له أي ‘مضمون’ أو ‘تعيُّن’ أنثروبولوجي، بل هو إشارة ‘صورية’ إلى بنية كينونة محض. ورغم أن الدزاين هو ‘السائل’ عن

معنى الكينونة، فهو أيضًا في الوقت نفسه ‘المستجوَب’ في هذا السؤال عن معنى الكينونة». في: هايدغر، ص 57، الهامش.1 (((2 يذهب عبد الرحمن بدوي إلى القول: «لا وجود إلا مع الزمان وبالزمان، وإن كل ما ليس بمتزمِّن بالزمان، فلا يمكن أن يُعَد وجودًا.

وتلك هي ما  نسميه بتاريخية الوجود». ينظر: عبد الرحمن بدوي، الزمان الوجودي، ط 2 (بيروت: دار الثقافة، 1983)، ص.23

الأصيلة للزمانية بين «ما كان» والحاضر والمستقبل. وهذه الوحدة لا تجد أساسها في مجرى الزمان، وإنما تتشكل من تلاحمٍ أصيل، ماهيتُه الانبثاق والتزمُّن لهذه الآنات الثلاثة. وهذه الزمانية المتخارجة، هي متناهية رغم أنها تُكون الزمان الأصيل. لذلك كثيرًا ما يُؤكد هايدغر أن الموجود الإنساني ليس هو الزمان

وإنما هو الزمانية، وفهم الزمانية يفترض أن نتخلى عن الفهم التقليدي للزمان من حيث هو توالٍ في اتجاهٍ واحدٍ للآنات، بلا بدايةٍ ولا نهاية، وحتى إن ذهبنا إلى أن المكان يجد أساسه في الزمان، فهذا لا يعني أولية الزمان على المكان بالمعنى الذي أشار إليه كانط، بل إن الدزاين لا ينبثق في المكان إلا على أساس نمط عنايته بالعالم، أي على أساس الزمانية. المكان هايدغريًا ليس موقعًا وإنما هو جهةٌ أو مجالٌ، فزمانية الدزاين تجعلنا نفهم عدم تبعية المكان للزمان، ويرى هايدغر أن أولية المكان ضمن التصورات السائدة مرتبطة بنمط كينونة الدزاين المنحطة. إن الزمانية تكشف تناهي الوجود الإنساني، وهي الأصل الحقيقي الذي تقوم عليه كل حالاته، بل هي أفقٌ في كل منحى من مناحي وجوده، إنها تُزمّن نفسها من المستقبل؛ ليُصبح الوجود الإنساني وجودًا من أجل

الموت، وكأن شكل الاكتمال الممكن والوحيد بالنسبة إلى الدزاين هو الموت الذي يحمله معه سلفًا، كإمكانية جوهرية تُجرد الكينونة من أن تكون هناك في العالم، يقول هايدغر: «إن الموت هو طريقةٌ في الكينونة يضطلع بها الدزاين ما أنْ يكون. ما أن يأتي الإنسان إلى الحياة، حتى يكون مسناًّا بم فيه الكفاية كي يموت». في القسم الثاني من الكينونة والزمانوتحديدًا في الفصل الخامس «الزمانية والتاريخية»، يقر هايدغر في بداية تحليله أن الإنسان لا يُوجد بوصفه كائنًا تاريخيًا إلا لأنه كائنٌ زماني، وهو ليس زمانيًا لأنه يحتل

موقعًا في التاريخ، بل على العكس، هو وجود تاريخي لأنه وجود زماني ينبني ويتجلى في الزمانية. وفي كلمة التزمن هو الخاصية الأساسية للدزاين. فإذا كانت الأشياء تُوجد داخل الزمن، فإن الإنسان هو نسيج الزمن والزمانية التي تُفهم بوصفها المعنى العميق للكائن الذي يُسميه هايدغر «الدزاين» الذي

هو تلك الوحدة التي تتألف من الأبعاد الزمنية الثلاثة؛ الماضي والحاضر والمستقبل، والتي يُطلق عليها

«التخارج» Ekstase. إن المهمة الفينومينولوجية التي قادت هايدغر هي «كيف أنه إنما في ظاهرة الزمان المستبصَرة والمستوضَحة حق قدرها، تتجذر الإشكالية المركزية لكل أنطولوجيا». لذلك فَهم

الزمان بوصفه الوجود الذي يُوجد في كلية الموجود الإنساني. والزمان الذي يُحدثنا عنه هايدغر هو

الزمان الزماني، لأن الزمان أصلً هو تزمُّن الزمانية التي تُحقق وجود الموجود الإنساني في العالم،

وهذا العالم يكون بقدر ما يتزمن الموجود الإنساني؛ فالعالم ليس كائنًا قائمًا بل هو تزمن في الزمانية

(((2 هايدغر، ص.444 (((2 المرجع نفسه. ويردّ القول الهايدغري، مؤكدًا الموت كإمكانية جوهرية للدزاين بقوله: «إن الكينونة نحو الموت هي في ماهيتها

قلق. أما الشهادة على ذلك، التي لا تخدع، وإن كانت غير مباشرة ‘فقط’ فتمدنا بها الكينونة نحو الموت التي بينا ملامحها حين تقلب القلق إلى خوف جبان، ومن خلال تجاوز هذا الخوف، هي تفصح عن الجبن أمام القلق». ينظر: المرجع نفسه، ص.473

(27) Martin Heidegger , Être et Temps , traduit de l’allemand par François Vesin (Paris: Gallimard, 1987), p. 60.

(((2 مصطلح ربطه هايدغر بمفهوم الأفق، وهو ينطوي على طابع التعالي والخروج عن النفس. (((2 هايدغر، ص.73

بشكلٍ متعالٍ، وهذه «الزمانية تتزمنَّن بوصفها مستقبلً–يستحضر–بقدر–ما–هو–قد–كا». لقد انتهى

هايدغر في ماهية الحرية الإنسانية إلى أنه لا  يمكن فهم الزمان بمعزلٍ عن الكينونة، فالواحد منهما يمتزج بالآخر، وعلى ذلك نحن لا نتساءل عن الكينونة بمفردها، ولا نفكر أيضًا في الزمان وحده. ينبّه نغري إلى أن هذا المسار الهايدغري، على أهمية الفلسفي فيه، وعلى خطورة ما يستبطنه من إحالات

عرقية نازية، لا يجب أن يُخفي الطريق الأكثر أهمية للفينومينولوجيا التي امتدت من هوسرل إلى موريس

ميرلوبونتي (1961–1908). فالأول بقيَ حبيس القفص التأملي للترنسندنتالي الذي فرضه كانط على الفكر

الأكاديمي الألماني، إذ سعى هوسرل طوال حياته إلى كسر اتساق الذات الفردية، وإعادة بناء الذاتية

بوصفها علاقةً بالغير. وهذا المشروع هو الذي قاده إلى الإعلان، في الثلاثينيات من القرن الماضي، أن تقدُّم العلوم الأوروبية وأزمة مضامينها الإيتيقية ارتبطا بالرأسمالية والسيادة القومية والإمبريالية والحرب

التي حلتاَّ محل أهداف هذه العلوم ومعانيها. أم مع الثاني (ميرلوبونتي) فالوجود داخل الواقع العيني

للأجساد، ينطوي على علاقةٍ أعمق بالغيرية، حيث ثراء الوجود مع الآخرين من خلال صيغ المنظورات والأشكال اللسانية. ويُؤكد نغري أن تجربة الغيرية في هذه الفلسفة يخترقها دائمًا مشروع بناء المشترك في

مادية الزمان عبر المحايثة، بما هي الأفق المخصوص لهذه الفلسفة، وهي محايثةٌ لا تُفهم من حيث هي

نقيض للمفارق الميتافيزيقي فحسب، وإنما للتعالي الإبستيمولوجي أيضًا، وليس مصادفةً أن تقترن

وجهةُ الفينومينولوجيا بهذه النقطة عند ميرلوبونتي وآخرين.

(((3 المرجع نفسه، ص.606–605

(31) Martin Heidegger, De l’essence de la libertéhumaine , traduit de l’allemand par Emmanuel Martineau (Paris: Gallimard, 1987), p. 119.

(((3 يبدو أن نغري كان مطلعًا على ما دار من نقاشات في الأوساط الفلسفية الإيطالية والفرنسية حول علاقة هايدغر بالنازية،

ومعلوم أن هايدغر انخرط في الحزب الوطني الاشتراكي النازي NSDAP، سنة 1933، بشكل علني، أو بعبارة هوسرل؛ بطريقة

مسرحية كلية. ولمزيد تعمق في هذه القضية، يمكن العودة على سبيل المثال لا الحصر إلى:

Emmanuel Faye, Heidegger, l’introduction du nazisme dans la philosophie (Paris: Albin Michel, 2005).

ففي هذا الكتاب الذي تضمّن نصًّا لهايدغر بعنوان L’essence et les concepts de nature, d’histoire et d’Etat" "، اعتبر إيمانويل

فاي أن هتلرية هايدغر لم تكن ظرفية، بل هي تمثل خيطًا ناظمًا في مجمل دروسه. كما يمكن العودة إلى:

"Heidegger et le nazisme: Quelle affaire?" Magazine Littéraire , no. 9 (Mars–Avril 2006), pp. 46–49. (33) Hardt & Negri, p. 53.

((3(عدنا إلى العمل المفهومي الدقيق الذي قام به عبد العزيز العيادي في: عبد العزيز العيادي، مسألة الحرية ووظيفة المعنى في فلسفة

موريس مرلوبونتي (تونس: دار صامد، 2004 ص)،  116–115. ويشير ميشيل بيكلان Piclin Michel في بداية كتابه دلالة التعالي La notion de transcendance، إلى أربع دلالات تُحمل على مفهوم التعالي: فهو يعني أولً: الحالة النومينية لكائن خارج العالم (فكرة الله مثلً).

وثانيًا: يدل على حالة لانومينية مثل القبليات الكانطية، كالحدوس والمفاهيم المحضة والمقولات التي يتأسس عليها فعل المعرفة

الموضوعية للأشياء؛ إذ هي شرط إمكان كل معرفة وتجربة ممكنتين. وثالثًا: يدل هذا المفهوم على الحركة المجردة التي إما يتجاوز بها الفكر

تقابلً ما، كما هو شأن التعالي البرغسوني، وإما الحركة التي تقصد ماهيةً ما هوسرليًا. ورابعًا: يعني الحركة العينية التي يُنجز بها الوعي فعل

التجاوز. ومفهوم التعالي يطرح مفارقة في علاقته بالمحايثة؛ إذ لا يمكن أن نفترض وضعًا محايثًا من دون استحضار قطب آخر هو التعالي،

والعكس كذلك، إضافة إلى ما يحمله الفعل اللاتيني Transcendere ذاته من غموض، سواء فيما يتعلق بالجذر Trans الذي يعني «في نفس الوقت»: «في ما وراء» و«عبر» travers à، و«في صلب» de sein au. وهذا يعني أن التعالي، سواء كان وجودًا فوقيًا أو حركةً ونزوعًا إلى

الأعلى، فهو يعود إلى الفكر من جهات متعددة للإجهاز على المحايث، يعود كتجاوز في أو تعدٍّ ب...، أو تخطٍّ عبر. ينظر في ذلك:

Michel Piclin, La notion de transcendance (Paris: Armand Colin, 1969), pp. 9–19.

(((3 يتحدث نغري عن حركة النقد الماركسية التي تصاعدت في المنتصف الثاني من القرن العشرين، والتي استهدف نقدها القانون والملكية وحقوق الإنسان في طبيعتها وبنيتها الأصلية، وكذلك الهوية سواء كانت فردًا أو قومية أو دولة.ً

بالطبع، الفينومينولوجيا في هذه الحقبة، ليست الاتجاه الفلسفي الوحيد الذي رفض النقد الترنسندنتالي، وأنشأ بناءً «من الأسفل» لتأكيد مقاومة الأجساد وإنتاجيتها. لقد سبق أن درس نغري افتراضاتٍ

من هذا النوع، حين تناول بالبحث التقاليد المادية التي جمعت بين الإيتيقا السبينوزية المؤسسة، والنقد النيتشوي للقيم، وسبق أن اعترف كذلك بأن الفينومينولوجيا تُوضح، أكثر، العلاقةَ الأساسيةَ بين الجسدية والغيرية؛ فهو لا يتمثل الفينومينولوجيا إلا بوصفها دعوةً لبذل جهدٍ أكبر، حتى نتمكن من استنطاق الأشياء ذاتها عوض المكوث داخل النصوص والأنساق الكبرى لتاريخ الفلسفة، وهذه الميزة تسمح برؤية الأشياء، بل هذه الممارسة وهذه الخبرة الفلسفية، هما ما يُطلق عليهما نغري اسم «الفينومينولوجيا». ويبرز ذلك بوضوح في عمله على إعادة تشكيل الفينومينولوجيا جنيالوجيًا، عبر

كتابات ميرلوبونتي التي زودته بأفقٍ منفتحٍ على أعمال ميشيل فوكو Foucault Michel (1984–1926)، وجيل دولوز Deleuze Gilles (1995–1925)، التي تبيّن، من خلالها، كيف تُبنى وتُدفع العناصر

المركزية للوجود، لا في الحدود المجردة للزمان أو في الأشكال الترنسندنتالية، وإنما في الواقع العيني للأجساد وغيريتها. إن النزعة الإنسانية المضادة التي تجد دعامتها في المحايثة الجذرية، لا موضوع لها عند نغري إلا الإنسانُ الحيّ، المنغرس في لحم العالم. فالكائن في مادية الزمان والمكان هو الفرادة المُبدِعة

والذاتية الخالقة، وما نسميه «الإنسان، هو الذي يصنع وحدة العالم. إلا أن الإنسان موزع في كل مكان، إنه موسوم على كل الجدران وفي كل الأجهزة الاجتماعية التي صنعها». وعلى ذلك، فإن تحليلات نغري الفينومينولوجية، يتناظر داخلها نقد المتعالي مع النقد الجذري للنزعة الإنسانية التي قدمت لنا الكائن خارج الزمن، بما هو وعي مطلق ومجرد. إذا كان العالم مع ميرلوبونتي يمنحنا فرصة الانتباه إلى ما في الوجود، وما في وجودنا من استشكال؛ فإن الاستشكالي في الحياة، والذي هو عالم المعنى المُعطَى، يبقى، رغم حجُبه، مُتحفزًا للظهور في كل آنٍ، مثلما ذهب إلى ذلك جان باتوشكا. وإذا كان عالم المعنى في حالة ولادة دائمة، فإنه لا شيء يمنع الفلسفة من التقاطه والإصغاء إليه. لكن هل العالم هو الذي تتأوله الذات أم هو الذي تعيشه؟ هل هو ما تُسيطر عليه أم هو ما ينفتح لها في الزمان وتنفتح له؟ ثم هل إدراك الزمن من خلال الحاضر الخلّق يُخلصنا من فهم الزمن بوصفه قوةً لا رادّ لها؟ هل علينا «أن نفهم الزمن نسقًا يشمل الكل مع أنه لا يمكن أن يقبض عليه إلا من كان فيه»؟ إجابة ميرلوبونتي مختلفة تمامًا، وجذريًا، عن التصور الهايدغري، وقد لخصها بدقةٍ كبيرة عبد العزيز العيادي، وهو يعْرُك نصوصه في قوله: «الحاضر هو زمن الزمن أو هو أبده أو خلوده، على أن الخلود

ليس إلغاءً للزمن أو استحواذًا على كل الأزمنة أو كيانًا لامرئيًا في ما وراء الزمن، وإنما هو هذا المناخ أو

(36) Maurice Merleau–Ponty, Les aventures de la dialectique (Paris: Gallimard, 1955), p. 209. (37) Patočka, p. 27. (38) Maurice Merleau–Ponty, Le visible et l’invisible (Paris: Gallimard, 1964), p. 244.

هذا المحيط الذي يتوغل فيه الحاضر ونلتقيه في صلب تجربتنا الزمنية وفي صلب حضورنا ذاته». لا يبتعد نغري عن الفرضيات التي صاغها ميرلوبونتي، أي اعتبار الزمن يتذوّت، والذات تتزمّن وتتشكل في الفضاء والزمان، بل هي الزمن في امتداداته وفي أبعاده، كما في حركته، بعيدًا عن التصور المثالي الذي ثبّت الزمن في الوعي، والتصور الواقعي الذي ربط الزمن بالأشياء. و«بما أن الزمن يتعلق بكل

أليافه بالحاضر ومن خلاله بالمتزامن، فليس ثمة ما يمنع أيضًا من وصف ذاتية كائنة في المكان وفي الزمان بلغة الوقائعية لا بلغة الماهيات». مع ميرلوبونتي، الزمن ليس زمنًا ربانيًا، والحاضر ليس

مكتملً، وإنما هو أفقٌ دائمٌ للفعل والإنجاز، فيه تنبثق الحياة جسدًا منفتحًا على ممكن الممكنات، حيث جسد العالم وعالم الجسد يتنافذان، و«الزمن والفكر يتداخلان، وليل الفكر مسكون بألق الكينونة». إن هذه الفلسفة، كما استقبلها نغري، «ليست فلسفة في البدء ولا حتى بدءًا جديدًا. إعادة

البدء هنا لا تعني انتقاءً، وتمييزًا، وتثبيتًا لنقاط ارتكاز جديدة، وإنما هي أخذ مجمل أبعاد الكائن كأفقٍ

لتأسيس إمكانيةٍ موجهةٍ عقلانيًا نحو التحرر».

ثانيًا: ميشيل هنري والتشريع المادي للفينومينولوجيا

ميشيل هنري Henry Michel من معاصري نغري، انشغل بالفينومينولوجيا المادية Phenomenology Physical، وألّف كتابًا بهذا العنوان، بالفرنسية، يعدّ من أهم كتبه. وكتابه المشار إليه هو، في الحقيقة،

إجابة عن سؤالٍ وجّهته إليه مجلة Philosophie في عددها 15 (صيف 1987)، وهو: «كيف يتميز مشروعك ‘الفينومينولوجيا المادية’ عما يُسميه هوسرل ‘الفينومينولوجيا الهيولانية’ Phénoménologie

hylétique؟».

يتضمن هذا الكتاب ثلاث دراسات ألقيت بين سنتيُ 1987 و 1988، قبل أن تُنشر مجتمعة في كتابه

الفينومينولوجيا المادية Phénoménologie matérielle:

(39) Ibid., p. 124.

ولقد وضح مرلوبونتي ذلك في رسالة له إلى سارتر في 8 تموز/ يوليو 1953، ينظر:

Maurice Merleau–Ponty & Jean–Paul Sartre, "Les lettres d’une rupture," Magazine Littéraire , no. 320 (Avril 1994), p. 79.

إذ يقول مخاطبًا سارتر: «لديك سهولة خاصة بك في بناء المستقبل، وفي سكناه. أما أنا فأحيا الحاضر مع تركه متحيرًا ومفتوحًا

كما هو، وما ذلك لأنني أبني مستقبلً آخر [...] لا لأني ‘إنسان متمرد’ أو لأنني بطل. فأنا أبعد ما أكون عن ذلك. إن علاقتي بالزمن

إنما  تتم خاصة من خلال الحاضر، هو ذا كل شيءٍ».

(40) Merleau–Ponty, Le visible , p. 71. (41) Maurice Merleau–Ponty, Signes (Paris: Gallimard, 1960), p. 21. (42) Negri, L’anomalie sauvage , pp. 320–321.

(((4 فيلسوف وروائي فرنسي، أنشأ نظرية في الذاتية تستند إلى فينومينولوجيا الحياة. من أهم مؤلفاته:

Marx , I: Une philosophie de la réalité ; II: Une philosophie de l’économie (Paris: Gallimard, 1976); Généalogie de la psychanalyse: Le commencement perdu (Paris: PUF, 1985); La barbarie (Paris: Grasset, 1987); Philosophie et phénoménologie du corps: Essai sur l’ontologie biranienne (Paris: PUF, 1987); L’essence de la manifestation , 2 vols. (Paris: PUF, 1990); Phénoménologie matérielle (Paris: PUF, 1990).

• الدراسة الأولى تمحورت حول إمكانية معرفة الذاتية اللامرئية. واعتبر هنري أن تمايز الفينومينولوجيا المادية عن الفينومينولوجيا الكلاسيكية، يمرُّ عبر مشكلة الزمن الذي فيه ينكشف

السؤال الفينومينولوجي بوضوحٍ شديدٍ، وحتى إن مثل التساؤل عن الزمن، بالنسبة إلى هوسرل، بوصفه طريقًا للتفكير في كيفية تمظهر الوعي ذاته، وحلًّ مطلوبًا في القصدية، وكشفًا ذاتيًا للذاتية

المطلقة، وحتى إن كان الزمن تقويمًا ذاتيًا، فإن كل ذلك يجعل من هذه الفينومينولوجيا، ومنذ

البداية، صانعة/ منتجة لإجابات متنوعة لسؤالها الخاص. ولعل هذا الأمر هو الذي فسح المجال أمام الانزياحات الهرمينوطيقية herméneutiques derives Les التي طبعت قدرها التاريخي، ووجدت منتهاها في البؤس الأنطولوجي لحقبة تواصلت في مجملها في هذا البدء المجهض لفينومينولوجيا هوسرل. • الدراسة الثانية تتعلق بالطريقة الفينومينولوجية ذاتها؛ إذ عمل هنري على بيان أن الفينومينولوجيا الكلاسيكية اصطدمت باستحالة إنتاج معرفة نظرية بالذاتية المطلقة، وحجته في ذلك: أن اختبار الحياة الترنسندنتالية يُؤكد أن المقاربة القصدية – مثلها مثل الاختزال الفينومينولوجي المحض – مثلّا الطريق الملكي الذي سلكه هوسرل من دون وعيٍ، للتغلب على الإحراجات التي يطرحها كل من الوضع الانعكاسي للحياة، والاستبدالات المرتكزة باستمرار على العطاء الأصلي. • وأخيرًا، الدراسة الثالثة، والتي تتضمن نصين في علاقة بمشكل تجربة الغير، وفيها يتحدث عن

إفلاس القصدية في حقل الانفتاح على عالم الغير رغم نتائجها المهمة؛ إذْ كشفت هذه التجربة عن ضرورة التخلي عن بداهات التفكير الغربي التي هي في النهاية بداهات الإدراك. ويرى هنري أن القطع مع تلك البداهات، يُمكن أنْ يفتح طريقًا نحو ما هو أساسي اليوم. فالحياة في ذاتها لا تعود

إلى شيءٍ آخر غير ذاتها، فهي الوسط الذي فيه تكتمل كل «بيذاتية» ممكنة، والاختبار الأكبر للذاتية المحايثة جذريًا للحياة، هي: كيف تكون الذات ذاتًا؟ وكيف ترسم الحياة الانفعالية الترنسندنتالية ماهيتها في كل ذاتية مغلّفة بعاطفة جماعية؟ ينفتح كتاب الفينومينولوجيا المادية بتشخيصٍ للتحولات التي شملت الفكر الفرنسي المعاصر، حيث توقف عند ما سماه انهيار الأنماط الفكرية الباريسية وشحوب التيارات البنيوية، واعتبر أن العودة القوية لهوسرل اليوم، جعلت الفينومينولوجيا تحتل موقعًا شبيهًا بالمنزلة التي كانت للمثالية الألمانية في القرن التاسع عشر، وهذه الحركة الفكرية لم تفرض ظلالها على عصرنا إلا لأنها غادرت فلسفة الماضي التي فُهمت دائمًا، وفي كل تاريخها، والظاهرة بوصفها على مسافة مع «خارجٍ» في أنواره

فقط كل الأشياء تصير مرئية أيْ «ظاهرة». هذا الكتاب، كما يصفه صاحبه، لا يتعلق إطلاقًا بعملٍ حول هوسرل، وإنما بحوارٍ معه عبر دروس في الفترة 1907–1905، تحمل كثافة دلالية كبرى، وهو كتاب يساعدنا في المرور إلى التطبيقات النغرية؛ إذ يُقدم فكرةً عن الفينومينولوجيا المادية وطريقتها التي تكون ممكنة بوصفها فينومينولوجيا اللامرئي، ويضعنا أمام اختبار قدرتها التجديدية في حقلٍ صعبٍ،

(44) Michel Henry, Phénoménologie matérielle (Paris: PUF, 1990) , p. 10.

وفي ظهورٍ يتعذر اختزاله في أوليات أو مقدمات. إنه الحياة التي تختبر ذاتها بذاتها، حيث لا يتشكل الفرد إلا داخل ذلك الانفعال الذاتي Auto–affection. فالحياة ليست شيئًا ما، ولا هي موضوع للبيولوجيا، وإنما هي مبدأ كل الأشياء، إنها حياة فينومينولوجية، وبالمعنى الجذري حياةٌ تُحددُ ماهية الإظهار المحض، ومن ثمة الكائن على الرغم من أن الكائنَ يُشارك الظاهرة الامتداد ويتأسس عليها. إن الحياة الفينومينولوجية الأصلية هي دائمًا في قلب الكائن وهي أيضًا ما يجعله كائنًا. لذلك، علينا قلب التراتب التقليدي الذي يُلحق الحياةَ بالكائن تحت تعلّة أن الحياة ذاتها يجب أنْ تكونَ، لأن كل الأشياء تتبدل في الحياة ولا وجود لها إلا فيها. ومهمة الفينومينولوجيا المادية عظيمة، لا لأنها تتعلق بنظام ظواهر مهملة، وإنما تستمد قيمتها من إعادة التفكير في هذه الظواهر عبر تقصي الحقيقة في بعدها اللامرئي، أو ما يُسميه هنري «الطبيعة المادية»، التي هي كوزموس حيّ، لأنها تتضمن استئناف

التساؤل الفلسفي في مجمله، الذي تطرحه الفينومينولوجيا المادية مستقبلً للفينومينولوجيا وللفلسفة ذاتها، وتكتشفه في كل مرة بوصفه ماضيًا جديدًا. إن تجذير سؤال الفينومينولوجيا ليس استهدافًا للإظهار المحض فقط، وإنما هو تساؤل عن الصيغة التي عبرها يتمظهر هذا التساؤل أصليًا. ففي هذه البنية الداخلية لهذا التمظهر الأصلي، لا وجود

لأي مقولة فلسفية توافق هذه الفينومينولوجيا. إن الذي يتمظهر أصلانيًا هو الجوهر اللامرئي الذي

هو الانفعال أو الحياة، أو لنقل بدقةٍ؛ ما يجعل كل انفعالية ممكنة. وهذا الجوهر الفينومينولوجي الذي تقوله الفينومينولوجيا المادية هو اللاتوسط الانفعالي الذي فيه تصنع الحياة اختبارها الذاتي. فالحياة ليست تمثللًاُّ خارجيًا. و وجود لحياة بالنسبة إلى الحي إن لم يعشها. وحدها الحياة بالمعنى

الترنسندنتالي هي التي يُمكن إعلانها، وهذه الحياة يُسميها هنري «الانفعالية»، لأن كل ما هو حي يندرج داخل هذا النسق، وحتى الرؤية بما هي رؤية حية، هي دائمًا انفعالٌ، فالرؤية ترى ما تراه خارج ذاتها لكنها غير مرئية. إن ما يسمح لنا بالرؤية هو اختبار ذاتي ضمن مجرد انفعال هو ذاته رؤية حية، والسمع يسمع الذي يسمعه وهو غير مسموع، وكل ما نجعله أصلً للعالم، محسوسًا كان أم معقولً،

هي أشياء معطاة بذاتها، لمْ يرَ أحدٌ الحياة ولن يراها على الإطلاق، كل شيءٍ يُختبر ضمن كثافةٍ انفعاليةٍ

وداخل طبقةٍ داخليةٍ هي العواطف. إن هذه الفرضية الجذرية للفينومينولوجيا المادية لا يستسيغها أولئك الذين لا يُحبون الأسئلة، أولئك

الذين استبعدوا الحياة والذاتية من دائرة اهتمامهم، وكرّسوا نظامًا فكريًا شكّل ضمانةً لنهب العالم عبر

التقنية الحديثة. وعودة هنري أو نغري إلى التراث الفينومينولوجي، ليست شيئًا آخر غير تلك القدرة

على ابتكار طريقةٍ أو خلق سؤالٍ يسمح بإعادة تعرُّفِ الفلسفة ذاتها، وإعادة تجديد الفينومينولوجيا

لا تكون ممكنةً إلا بتجديد كلي للسؤال الذي يُحددها والذي هو علة وجود الفلسفة.

(((4 يحيلنا هنري إلى التحليلات المتميزة لديدير فرانك (فيلسوف وفينومينولوجي فرنسي ولد سنة 1947)، والذي بيّن في مساءلته

لمشكل الحياة أن الهايدغرية غير قادرة على مجابهة هذا المشكل بمقولاتها الأنطولوجية، فالحياة التي يختبرها ليست إلا حياة بيولوجية. ينظر:

Didier Frank, "L’être et le vivant," Philosophie , no. 7 (Automne 1987), pp. 73–92.

لا تتعلق فكرة المنعرج بالفلسفات اللاحقة لهوسرل، والتي عملت على تجديد الفكر الفينومينولوجي فقط، بل لعل الأمر يتعلق بطبيعة فكرٍ تَأسس وهو يعرُك ذاته كحركةٍ منفلتةٍ من عقالها حتى مع هوسرل،

وذلك إن دل على شيءٍ فإنما  يدل على انفتاح الأفق الفينومينولوجي الذي ساهم في ثراء هذه الحركة وتجديدها. إن تلك المنعرجات لم تكن ممكنة إلا عبر تمايز أسئلتها واختلاف منطلقاتها الأنطولوجية، حيث مثلت إشكاليات اللغة والزمن والمعنى والقصدية والحقيقة والرغبة علاماتٍ دالّةً على هويات مختلفة للحركة نفسها. ونغري ذاته لا يُخفي تأثره ببعض إسهاماتها التي رصّعت سماء الفينومينولوجيا،

بل هو يستعيد أسماءها الكبرى، إما لنقدها ومحاورتها وإما للبناء عبرها. وفي كلمة: كل منعرجٍ هو تجذير للفينومينولوجيا.

ثالثًا: مسألة الزمان والمنعرج المادي لفينومينولوجيا نغري

يبدو أن مسألة المنعرج في فلسفة نغري هي، في الواقع، نتاج للإحراج الفلسفي الذي تُلخصه الأسئلة التالية: ما الذي يُمكن للفينومينولوجيا المادية أن تُقدمه لنا وهي تضع التصور المثالي للزمان موضع

تساؤل؟ هل تُقدم لنا الأشياء ذاتها ونحن نعلم أن الأشياء ذاتها مقترنة دائمًا بتراثٍ أو تاريخٍ معين؟ هل

يكشف نغري عن تصورٍ أكثر أصالة وأكثر تجذرًا للزمان في علاقته بالكائن؟ ثم هل تسمح لنا هذه الطبقات الفينومينولوجية المترسبة في طيات هذه الفلسفة الحديث عن منعرجٍ ماديٍ؟ وإذا سلمنا بوجوده، فما تجلياته؟ وما طبيعته؟ ثم كيف تتأسس في سياق الزمنية علاقة الكائن بالمعرفة؟ ما شروط انبثاق حدث التسمية والشيء المُسمى؟ وأيهما يدعو الآخر إلى الوجود؟ هل يتعلق الأمر بمطابقة

تُحقق وجودهما معًا مكانيًا؟ وما علاقة الزمن بالفراغ؟ وأخيرًا، هل ثمة ما يُبرر ربط سؤال الزمان بفكرة

المنعرج رغم ضيق مساحة الإجابة عن هذا السؤال في كتابات نغري؟ لا يُخفي نغري تأثره بإسهامات ميرلوبونتي، وكثيرًا ما كان يُشير إلى هذه الفلسفة في كتاباته. لقد أدرك

من خلالها أن الوعي المتجسد مثّل مفهومًا بديلً من الوعي الترنسندنتالي، وعبره تمكنت فينومينولوجيا

ميرلوبونتي من تجاوز مقولة «الأنا المتعالي» لدى هوسرل؛ ذلك الأنا الذي يجعل المعرفي سابقًا على الوجودي. فالعالم، وفق نغري، يُفهم بمعنى الوجود الفعلي والواقعي، لا كما فهمه هوسرل بما هو خبرة

الذات انطلاقًا من الوعي المحض، ولا كما فهمه هايدغر الذي بقي موثوقًا إلى الوجود المجرد، رغم أن مساءلته للكينونة مك نَتْه من الانتقال من فينومينولوجيا المعنى إلى فينومينولوجيا الفهم. العالم هو عالم الذات مع الآخرين والأشياء. لذلك سينطلق نغري من الوجود في العالم لا بصيغته الهوسرلية

(((4 علاقة نغري بمرلوبونتي تبدو واضحة من خلال كثرة الإحالات التي تتناثر في مقالاته وكتبه، ينظر خصوصًا:

Hardt & Negri, pp. 53–62; Antonio Negri, Spinoza et nous , traduit de l’italien par Judith Revel (Paris: Galilée, 2010), pp. 70–71; Antonio Negri, "Pour une définition ontologique de la multitude," Multitude , no. 9 (Mai–Juin 2002), pp. 39–

(((4 في إطار نقده لمسألة الزمان عند هايدغر يذهب ليفيناس إلى القول: «هايدغر يطرح العلاقة مع الآخر كبنية أنطولوجية للدزاين،

هذا أكيد، لكن، عمليًا، هذه العلاقة لا تُؤدي أي دورٍ لا في دراما الكينونة ولا في المبحث التحليلي الوجوداني existential؛

فتحليلات الكينونة والزمان كلها تتمحور حول لاشخصانية الحياة اليومية». ينظر: إيمانويل ليفيناس، الزمان والآخر، ترجمة جلال بدلة (دمشق: معابر للنشر والتوزيع، 2004)، ص.36

ولا حتى الهايدغرية، وإنما من حيث هو فعلٌ سلطتُه سابقةٌ على كل معرفة. يقول نغري في رسالةٍ إلى رفيقه فيلكس غاتري Guattari Félix (1992–1930)، بعد أن أتم معه رسم الخطوط الفلسفية الكبرى لمشروع «الفضاءات الجديدة للحرية»: «السلطة تأتي قبل ‘المعرفي’. نقول –عزيزي فيلكس–: إننا تقريبًا فاشيون حين نقول أشياء من هذا القبيل. حين نحكي ما نريد». هكذا كان يخاطب صاحبه

ويستحثه: «لنُسرع. في البدء كان الفعل»، منغرسًا في أنطولوجيا الزمن التي تُعبّر، عند نغري، عن

اللحظة التي يدعو فيها الاسمَ «الشيءَ المُسمى» إلى الوجود، حيث يستجيب الشيءُ في عينيته وفي

فرادته، ويقول إن حدثَ المعرفة الحق، يُنتج في تلك النقطة الدقيقة، هناك حيث قلق الزمن يتجلّى

بوصفه «فينومين» اقتدار. يتطرق نغري إلى مسألة الزمن من زاويةٍ مخصوصةٍ جدًا، تقوم على النظر في قضية العلاقة الأنطولوجية بين الأسماء والأشياء، فكتابه: كايروس، ألما  فينوس، جمهور، يُمثل في ثلثه الأول مراجعات

نقدية جذرية لمجمل الفرضيات التاريخية التي اقترحتها الفلسفة لحل هذه المسألة؛ إذ يعود نغري إلى أفلاطون، ويمر عبره إلى هيراقليطس وبارمينيدس، ويُحاور أرسطو وأوغسطين، ويتوقف عند هيوم

وكانط وهيغل وبرغسون، كما تستعيد اختباراته التيارات الفينومينولوجية من هوسرل وصولً إلى ميشيل هنري، ولا يستثني من محاكماته النظرية حتى التصورات الماركسية. تعترف فينومينولوجيا نغري المادية بأن المعرفة لا تكون إلا عبر المفاهيم، ولكنها تعتبر – بصيغة دولوزية مضادة – أن كلمة «مفهوم» فقدت ثقلها الأنطولوجي تحت وقع الحروب والتقاليد التأويلية المختلفة، ولذلك تقترح استبدالها بكلمة «الاسم»، أي بتلك العلامة اللسانية التي تصف شيئًا ما، ثم استبدال الاسم ب «الاسم المشترك» حينما يتجلى العنصر المشترك في كثرة الأشياء. إن مشكلات المعرفة، كما يرى نغري، تولدت لأن طُرق تسميتنا فوضوية، والأشياء التي ندعوها إلى الوجود تُستعمل

بطريقة غامضة، على الرغم من أن كل شيءٍ يتعيّن عبر «أنا» يمتلك وجودًا؛ فالاسم والشيء يكونان

«هنا»، وحين نُعبر عن اسمٍ من بين إمكانات لانهائية، فإننا نمنح الوجودَ شيئًا يُسمى «اسمًا»، ولكننا

«في نفس الوقت» لا نمنح دائمًا للوجود اسمًا يدعو الشيءَ إلى أنْ يُوجد. وفي إبداعنا اسمًا مشتركًا

من بين الإمكانات اللامتناهية، نمنح الوجود لشيءٍ مشتركٍ يُدعى «اسمًا مشتركًا»، ولكننا «في نفس

الوقت»، لا نمنح دائمًا الوجودَ لاسمٍ مشتركٍ يدعو كثرة من الأشياء أنْ تُوجد، وإذًا، فإن هذا التزامن أو

هذا الذي يُطلق عليه نغري «في نفس الوقت»، هو الذي يُعطي/ يهب للاسم والمشترك حقيقتهما، بل

هو الذي يضع الاسم والشيء «هنا». يرى نغري أن الأكثر بساطة في تجارب التسمية واستراتيجياتها هو أن الاسم يُعيّن، للوهلة الأولى، شيئًا

في المكان، وحتى الاسم المشترك هو أيضًا ينبثق من تجربةٍ تشكلت في المكان، فالعقل يُحلق فوق

(48) Félix Guattari & Antonio Negri, Les nouveaux espaces de liberté (Paris: Nouvelles édition Lignes, 2010), p. 195. (49) Ibid. (50) Negri, Kairòs. (51) Ibid., p. 11.

عالم الأشياء، ويخلق اسمًا مشتركًا لمجموع الأشياء التي وقع اعتبارها بوصفها تتضمن المشترك لحظة

ذاك التحليق، رغم أننا إذا عينّا شيئًا في المكان أو عبّرنا عن اسمٍ مشتركٍ لا ينتج في نفس الوقت حدث

الشيء، ولا نكون قادرين على منح حقيقة الاسم أو الاسم المشترك. في تأويله للتقليد الترنسندنتالي لنظريات المعرفة، يعتبر نغري، أن «في نفس الوقت» هذه، تُفهم بصفتها صيغةً للزمان، وحركة للذات خارج ذاتها. وفكرة الزمن التي ولدت هذا التقليد تعود إلى التعريف البارمينيدي للكائن وإلى التثبيت المكاني للشروط الأنطولوجية للاسم المشترك. لقد قُدمت فكرة مطابقة الاسم والشيء بطريقةٍ تحليليةٍ: الاسم هو هوية الشيء وماهيته (أي ما يضع الشيء خارج الزمن)، فبين فعل التسمية وما يُسمى يكون الحقيقي متأسسًا على هوية الذات وهوية الحامل، لكن «الهوية» تعني أن شيئين يتداخلان في

المكان ويُوجدان، الواحد على الآخر في النقطة نفسها، إلا أنه لا تُوجد النقطة نفسها في المكان،

وإذا وُجدت يجب أن تُطرح كل نقطةٍ في المكان في فعل الزمن. لذلك، فالزمن في التقليد القديم هو الصورة المتحركة لثبات الكائن. في هذا التقليد، الزمن، إذًا، هو صيغة خارجية تتمظهر بوصفها وهمًا

أو مقياسًا، ولا يتعين الزمن أبدًا بما هو حدثٌ. وهذا التعريف للزمن بما هو صيغة خارجية مثّل صدمةً

للحس المشترك الحداثي، إذْ حاولت الفلسفة الترنسندنتالية الحديثة تحييد مقاومة الزمنية، وذلك بدفع مطابقة الشيء والاسم «في نفس الوقت» نحو هويةٍ أولى وأساسية تكون بمنزلة الضامن، أي نحو مسار لانهائي للاستدلالات الديالكتيكية التي تقف على سببية لانهائية حيث لا تنجح اللعبة البارمينيدية من جديد في الظفر بحقيقة الزمن، وهي تُحاول تحطيم الواحد الذي يسكن السببية مُتخفيًا ويقطن

اللانهائي مُتحجبًا. على الرغم من أن التنويع الفينومينولوجي للفلسفة الترنسندنتالية استعاد الزمانية بوصفها معنى داخليًا

للتجربة، فإنه لم يفعل سوى تحويل وجهة اللانهائي، فالهوية عوض أنْ تكون هي الأساس الذي يسبق ويُنظم الحكم على شكلٍ لانهائي، فإنها تُقدم في شكلٍ لانهائي بوصفه المسار اللامحدد الذي من خلاله ينسج الحكم قماشه، وفي هذا المنظور، لا شيء يمنع اللانهائي من أن يكون دائريًا، بل لا شيء يمنعنا من السقوط في الدوْرِ إذا ما تمثلنا اللانهائي دائريًا، بل لعل هذا هو مأزق الفلسفة اليوم، يقول نغري: «في الحقبة ما بعد الحديثة، في ذاك الليل القطبي، حيث تتأسس نظرية الحقيقة على نهاية الزمن، دائرية العلاقات بين الاسم والشيء، جعلت الحدث زائلً وخادعًا بشكلٍ نهائيٍ». إن الشروط المكانية في كل الحالات تكون متعالية وخارجة عن الحدث من وجهة نظر الفلسفة القديمة والترنسندنتالية، ومهما تكن الطريقة التي نعبّر بها عن تبعية مطابقة الاسم والشيء «في نفس الوقت» لصيغة

((5(يُعبر مفهوم التعالي عند هوسرل عن حركةٍ مزدوجة هي حركة الذات في اتجاه الأشياء الخارجة عنها، وحركة الذات فيما  وراء

ذاتها. فالتعالي هو التجاوز القصدي الذي يجعل الذات خارج ذاتها؛ بغية الوصول إلى حضور «الشيء ذاته». أما مع هايدغر فسيتجه البحث نحو الأساس الذي يفترضه الإظهار، أي الفعل الذي يجد فيه الإظهار شرط إمكانه، وهذا الفعل هو الكينونة التي لا تتأتى من العالم، وإنما من الزمنية التي تتزم:َّن على أنها المستقبل الذي كان. ينظر

Heidegger, Être et Temps , p. 412. (53) Negri, Kairòs , p. 14. (54) Ibid., p.15.

الزمان، فإنها غير قادرة على فهم حدث الشيء المُسمّى، لأنها تُفرغه وتُزيحه وتُلغيه. لكن ما المقصود

بحدث التسمية المتطابقة؟ ما الرابط الحقيقي الذي يُوجد بين فعل التسمية والاسم المُسمى «في نفس

الوقت»؟ يُجيب نغري، بالتأكيد: ليس الهوية الترنسندنتالية للذات، وليست كذلك الانعكاس اللامحدد

لهذه الهوية، ف «الواحدة مثل الأخرى تُسبب الصداع، إذًا، بما يمكن أن يتعلق الأمر؟». المقاربة الواقعية تجعلنا سجناء نوعٍ من تحصيل الحاصل Tautologie، سنكون سجناء في اللحظة التي نحلل فيه أساس الاسم المشترك، ونقوم «في نفس الوقت» بتجربة تسمية الشيء الذي يظهر أمامنا. نحن لا نعرف أن تقويم الاسم يتم في تحققِ التجربة نفسها، هناك حيث زمانيتنا/ كايروسنا وزمانية الشيء يلتقيان ويدعوان للوجود كائنًا، مُتجسدًا، عينيًا، هو الاسم أو الاسم المشترك. هذه العلاقة العينية

بين الذات والحامل، هي علاقةٌ فريدةٌ تمامًا؛ إذ لا شيء مألوف ولا شيء مكرور، فحين يُولد الاسم

والاسم المشترك في الزمانية، فإننا نُقدّمهما بوصفهما  حدثًا عينيًّا، أي كشيءٍ يُدعى إلى الوجود عبر

فعل التسمية. الاسم والاسم المشترك يحملان خصائص جسدية، لأن الجسدَ هو الحامل لكل ذات حية في الزمن. وتجدر الإشارة إلى أن أنطونيو نغري في كتابه كايروس، ألما فينوس، جمهور قد ركز اهتمامه منذ الدرس الأول، على إعادة تحديد الكايروس بما هو اللحظة المناسبة بين القبل والبعد، والرابط بين تعيّن الأشياء والتقائها بزمنية الموضوع وزمنيتنا عبر الجسد. ويستعمل نغري مفهوم المشترك لأنه

يتنزل كايروسًا في مادية الزمان؛ الأمر الذي مكّنه من ربط الأنطولوجيا بالمادية، وتجاوز معضلات

المقاربات الفلسفية حول الزمان والمكان، فطبيعة الكايروس الكيفية تضعنا تحت إلحاح اللحظة التي يجب اقتناصها حتى نفعل بشكلٍ جيدٍ، وتُتاح لنا معرفة أن الزمن يحملُ دائمًا فرصًا مؤاتية لتغيير قدرنا.

إن نغري وهو يُحدثنا عن الزمن على هذا النحو، لا يغزل صوفًا في النار، وإنما ليُؤكد لنا أن الكايروس

لا يُمكن التحكم فيه أو امتلاكه، لأن لحظة القرار الحاسمة والنقطة الزمنية المختلفة نوعيًا عن زمن

الكرونوس الذي يسبقها، والتي تُنقذ الكائن من أنْ يكون هشًّا تحت أسنان الزمن. إن الزمانية هي الشرط الأنطولوجي لحدثِ التسمية والشيء المُسم ى، أي تأسيس الاسم المشترك،

فنحن الذين أبدعنا في السياقات الزمانية العلاقة بين المعرفة والكائن، لكن المشكل الذي ما زال قائمًا

(55) Ibid.

(((5 الكايروس Kairòs: لفظ إغريقي، يعني في السجل الطبي اختيار اللحظة الملائمة للعلاج، بالنظر إلى حالة المريض. وهو يؤدّي دورًا أساسيًا في مفاصل اللحظات، في الوضعيات التي لا يمكن التنبؤ بها. وهذا المفهوم يحتل منزلة مهمة في الإيتيقا

الأرسطية، من جهة كونه الزمن الحاسم/ الملائم/ المناسب/ السانح للفعل. وهو أيضًا الفرصة المواتية، والزمن الذي في أوانه،

والحظ الذي يعترضنا وننتهزه. ويتوافق الكايروس عند أرسطو مع الخير في مقولة الزمن؛ إذ يوفّر إمكانية الاختيار والقرار وطرح

الأسئلة، وتجديد انتباهنا الذي نحمله عن الأشياء؛ ذلك لأن زمن الكايروس ليس زمنًا مميزًا، إنه زمن الفعل الجيد المطابق للزمن

الملائم، وهو زمن لا يعود ولا يتكرر ولا يتجدد. والكايروس ليس ضروريًا لمعرفة الزمن الملائم للفعل، وإنما أيضًا لتحديد ما يجب

فعله. لمزيد التوسع ينظر:

Aristote, Ethique à Nicomaque , Livre 6: Etude de la prudence (1140a–1140b) , J. Trico (trad.) (Paris: Vrin, 1976); Pierre Aubenque, La prudence chez Aristote (Paris: PUF, 1963). (57) Negri, Kairòs , p. 16.

إلى الآن، أننا سحبنا الزمن داخل أنطولوجيا المعرفة وعملنا على عقلنة عقل الوجود Ratio–existendi زمانيًا داخل عقل المعرفة Ratio–cognoscendi، ولم نُواجه بعدُ المشكل الأساسي، أي لم نُواجه «في

نفس الوقت» الطريقة التي بها يتأسس الزمن في مسار المعرفة والأنطولوجيا التي تُساهم في تشكلها. لقد أدمجنا في مسار المعرفة، لحظة التسمية، تحديدًا زمانيًا «في نفس الوقت»، عليه يتأسس الاسم،

غير أنه ومثلما تُبين التجربة المباشرة بما هي حركةُ وعيٍ داخلي بالزمن أن هذا التحديد ليس ضامنًا للمعرفة، بل إن مخاطره قد تُؤدي إلى نفيها وإلغائها، لأن حالة الإدراك المباشر للزمن هي حالة برية. ما تقوله لنا التجربة، بما هي شهادة مباشرة لاندماج المعرفة في الزمنية، هو أن الزمن ليس مصادفةً فارغةً أو صيغةً خارجيةً للمعرفة التي تكون مقابلة لتأسيس الاسم المشترك، لكن هذه الشهادة ذاتها تضعنا إزاء التساؤل التالي: كيف يُمكن للزمن وبصيغته القلِقة والمتوترة الاندماج في المعرفة؟ يعتبر نغري أن تجربة الزمن، منذ أنْ كانت مندمجة في تحديد المعرفة، وُصفت بوصفها تدفقًا أو سيلانًا،

إما  إيجابيًا فسُميت وثبةً حيويةً أو قوةً خلاقةً، أو سلبيًا فأطلق عليها قدرًا أو فسادًا. ويرى نغري أن هذه

التصنيفات الأنطولوجية التي تدعي تقديم نفسها بوصفها أشكالً فينومينولوجية للوعي بالزمنية، هي لا تفعل في كل الحالات غير أنْ تكشف عن علامات متعالية وغير قادرةٍ على معرفة الحدث، إن الزمن في بريته واستثنائه كما في التباسه وانحلاله، يتمظهر كما هو معطى أنطولوجيًا حقيقيًا للقلق. لكن ما الذي سيحدث حينما يكون القلق أرضيةً أنطولوجيةً للمعرفة؟ كيف يتحول القلق الأنطولوجي للزمنية إلى إنتاج الحقيقة؟ هذا يعود إلى التناوب الملتبس للاتساق والانحلال الذي هو من طبيعة زمنية الكائن التي تجعل متواليات زمانية المعرفة تتتابع بريًا في الوعي، كنسيج لتجربة المعرفة حيث يتنزل حدث الاسم المشترك كمبحث أنطولوجي، إذْ على أرض أنطولوجيا الزمن يجب طرح تلك المتواليات، هناك حيث تنتفي الزمانية في اللحظة نفسها التي يتلاشى فيها القلق، ويحل في صلبها الكايروس بما هو لحظة قطيعة وانفتاح للزمانية. يتعلق الأمر بحاضرٍ ولكن بحاضرٍ فريدٍ ومنفتحٍ، فريدٍ في القرار الذي يُعبّر عنه انطلاقًا من الفراغ الذي منه ينفتح. الكايروس هو صيغة الزمن الذي عبره

يهل المقبل على الكائن مجذوبًا بالفراغ الذي هو حد الزمن، يتساءل نغري: هل يمكن القول إنه في الكايروس وفي الكايروس وحده يبلغ فعل التسمية والشيء المُسمى «في نفس الوقت» الوجودَ؟ لا يكون ذلك ممكنًا إلا إذا تمثلنا الكايروس نقطةً تُمزّق خطية الزمن، وتُقصي نهائيًا تعريفه بوصفه

سيلانًا، إلا إذا أدرك الوعي الكايروس بطريقةٍ ملتبسةٍ «كمثل من يتوازن على خيطٍ أو على حرْف شفرة

حلاقة، أي كآنٍ، حيث ‘الرامي يرمي سهمه’، كايروس يتصير الزمانية – الاسم الذي نبحث عنه لهذه التجربة». الكايروس، إذًا، هو إصرارٌ حقيقيٌ على الفعل الذي عبره يميل الكائن فوق فراغ الزمن

إلى مُقبلِ مغامرةٍ أبعد من حافة الزمن، لذلك يذهب نغري إلى التأكيد أن الكايروس هو اقتدار الفعل واختبارُ الزمانية، وللبرهنة على هذه الفرضية يكفي أنْ نلُاحظ اقتدار الكايروس لحظة تجربة قلق الزمن،

(58) Ibid., p. 18. (59) Ibid., p. 20.

فالكايروس مُؤسسٌ حتى في الآن الذي يتثبت فيه النظرُ في الفراغ، الكايروس يعني ولادة، والمعرفة الحق تعني أنْ ننظر ونُعبر ونحيا الكينونة من زاوية الكايروس، أي في الآن الذي يُوجدُ بين تمامِ الزمن وانفتاح المقبل، وقبل ذلك، الكايروس هو آنُ التحققِ من الاسم، لأن الاسم ذاته لا يظهر إلا في تموج الكايروس، ف «عبر هذا التموج يتبين الحق. مثلما قال ليوباردي، إنه في الآن يتملك الطفل مقلبًا الأسماء، وبالطريقة نفسها فإن ذاك الذي يُبدع، يقترب من جديد». ينبهنا نغري في هذا الطور إلى ضرورة أن نتذكر أن فينومينولوجيا الوعي الداخلي بالزمن حينما كشفت مطلق الأنطولوجيا بما هو صورة لتموج الكايروس، نظرت إليه بوصفه نموذجًا لكشف الألثيا Alethia، من دون أن تُدرك أن اقتدار الحقيقة لا يُوجد في الخلف، ولا حتى في العمق، بل هو أمامنا في مخاطر التموج، وقد لا يتسنى لنا فهم ذلك إلا إذا ما فهمنا من الزاوية الأنطولوجية كيف يُولد الاسم من رحم الكايروس. لقد سبق أن بيّن نغري أن الكايروس يتموج بين فعل التسمية والشيء المُسمى، وفي هذه الحركة يتجلى حضوره في الفراغ الذي فيه يدفع الزمنُ الكائنَ نحو أنْ يكون كائنًا جديدًا، وفي لحظة الفراغ تلك حين يَمثُل ويُقرر الكايروس يُولد الاسم. إن الإثبات الأنطولوجي للاسم لا يُمكن أن يُفهم إلا بوصفه قرارًا لكائنٍ جديدٍ، وفي هذا المعنى حضور الكايروس هو تعبيرٌ، والاسم إنتاجٌ للتعبير. وعلى ذلك فإن تجربتنا في علاقة بالحقيقة لا شيء فيها من حدس الموضوع المتحيز في المكان، مهما كان نوع هذا الحدس، لأن الحدس يبحث في الماهيات ويتحرك دائمًا في اتجاهِ ما هو مخفيّ وكأنه «اليد التائهة للمعرفة»، مثلما كان يقول ماكس فيبر Weber Max)1920–1864(. إن هذه المقاربة تجعل المكان في تبعيةٍ للزمنية، والقول إن المكان خاضع للزمن لا يعني الحجم المكاني للاسم، بل إن إمكانيته لا تُعطَى إلا داخل الخاصية التأسيسية للزمن، وبتعبير آخر؛ إذا كانت حقيقة الاسم تتكون في تجديد الكائن، وإذا كانت مطابقة الاسم تعني التوليد، فإن ذلك لا ينزع من الاسم أي شكلٍ مكاني، لأن حقيقة الاسم لا تتحددُ في حيزٍ ثابتٍ، وإنما في التأسيس الأنطولوجي الجديد للزمن، لكن ماذا يعني كل ذلك؟ كيف يتسنى لنا فهم مكان الكائن في الزمنية؟ مثلما رأينا أن حقيقة الاسم لا يمكن أن تُمنح إلا عبر إلحاحها في الكايروس، فالاسم ليس له حيز؛ إذ يقول ويسمع ويحيا في اللغة، ويكشف – بمقتضى ذلك – مكانيةً جد مخصوصةٍ هي الكينونة اللسانية. وفي كلمة الاسم، لا يطلب حقيقته الخاصة من اللغة بما أنه سبق أن طلبها من الكايروس، ولكنه يجد في اللغة حيزًا، حيث يسكن habiter Où، وهذا الحيز الذي يسكنه هو دائمًا حيز مشترك لكثرةٍ لا يُهددها تصالب الصمت والكلام، ولا تنافذ المعنى واللامعنى، ولا حتى تشاكل المرئي واللامرئي.

(60) Ibid., p. 21. (61) Ibid., pp. 21, 22.

(((6 عبارة أوردها نغري في:

Ibid., p. 23.

خاتمة إن معرفة نغري الواسعة لمختلف التيارات الفكرية، وعودته إلى التراث الفلسفي القديم والحديث، قراءةً وترجمةً وتأويلً ونقدًا، هو ما مكاَّنه من فتح أبوابٍ أخرى لاستشكال علاقة الكائن بالزمان؛ فم يُميز

الفينومينولوجيا المادية عنده أو، بشكلٍ أدق، تطبيقاته الفينومينولوجية، هو هذا المنعرج المادّي الذي مكّنه من إعادة صياغة قضايا الزمان وأسئلة الزمانية، ضمن محاور جديدة تنفتح فيها الزمنية على إقبالية الوجود بين تمام الزمان وانفتاح المقبل. وما يجب استخلاصه والتأكيد عليه في خاتمة هذه الورقة البحثية يمكن اختزاله في النقاط التالية: • المادية عند نغري ليست تلك التي يُقدمها التقريظ الخبري، ولا هي تلك التي تُدرك ترنسندنتاليًا

بشكلٍ مفارقٍ، وإنما  هي ذاك الحقل الذي تُولد فيه الأفكار والمشاعر، وتتجلى فيه اللغات والأفعال، وتنبثق فيه القرارات في تقالبها وتمفصلها وفجائيتها وعرضيتها وتوترها في مادية الزمن الذي تخترقه زمنية الكائن. المادية هي الحقل الذي فيه يتذوّت الزمن وتتزمّن الذات. • إذا كان الأنطولوجي والفينومينولوجي «يُميزان الفلسفة ذاتها فيما يتعلق بموضوعها وطريقتها في

المعالجة»؛ فإن فلسفة نغري تنسج بعدها الفريد في مقاربتها لمفهوم الزمان الذي تُقدمه بوصفه كايروسًا يتناظر مع اقتدار الذات. • لقد عاودت هذه الفلسفة اكتشاف الزمن بوصفه اقتدارًا، وأدركت أن الأجساد التي تخصنا هي

المادية المبدعة التي يُحولها الاقتدار إلى خطوط مقاومة يتعذر احتواؤها أو السيطرة عليها. إنها

التوتر الحي للزمان والمكان أو هي – بلغة نغري – حقل قوى يُرجع صدى كل صيرورات الحياة. • هذه الفينومينولوجيا المادية تُؤكد أنه لا يمكن الإحاطة بالأشياء من كل الجوانب، حتى إنْ تمكّنا من التعرف إليها والإقامة قربها، هي فينومينولوجيا ترسم فلسفة لا  ترى في الزمان غير حزمة الإمكانات التي تُطرح قبالة الكائن، وهي، ولا ريب، فلسفةٌ بلا زمن، كما وصفها صاحبها؛ فزمنها هو المقبلُ، ولغتها منفتحة على الممكن في تأويل الزمن، وفي الالتفات إلى منظوراته الذاتية. هي ذي فينومينولوجيا الزمان التي اتخذت، عند نغري، مستقرها في لحم الأجساد الحية، وفي أنطولوجيا اللغة، وطيات الكلام، حيث مادية الأفعال وتدفق الصيرورة، وربما على هذه الجهة وحدها يُمكن الحديث عن منعرجٍ في تمثل مفهوم الزمان عند نغري، هذا الفيلسوف الذي يتقدم وهو يُفكر – إنْ جاز لنا القول – «بهرقليطس، لا بحكاية النهر الذي لا يُمكننا السباحة فيه مرتين، ولكن بنسخة كراتيل Cratyle عنه، أي بالنهر الذي لا يمكننا السباحة فيه حتى مرةً واحدةً، نهر لا يمكن لثبات الواحد – وهو شكلٌ لكل موجود – أن يتشكل فيه، نهر يختفي فيه عنصر الثبات الأصغر الذي يمكن فهم الصيرورة قياسًا عليه».

(63) Heidegger, Être et Temps , p. 66.

(((6 ليفيناس، ص.47

وهي جديرةٌ بتلك الشهادة.

المراجع

العربية

قرطاج: بيت الحكمة/ المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون،.2012 بدوي، عبد الرحمن. الزمان الوجودي. ط 2. بيروت: دار الثقافة،.1983 دريدا، جاك. هوامش الفلسفة. ترجمة منى طلبة. بيروت: دار التنوير،.2019

إلى تاريخ الوجود، 1944–1919. بيروت: مركز الإنماء القومي،.2005

المتحدة،.2012 وهبة، مراد. المعجم الفلسفي. القاهرة: دار قباء الحديثة،.2007

الأجنبية

(((6 ينظر: تقديم جيل دولوز لكتاب نغري، في:

فكر نغري يُواجه ذاته قبل مواجهته موضوعاته، هو فكرٌ يجذر الفلسفة في معترك الحياة بكل ما تحمله

من التباسات وتناقضات. لقد سبق لجيل دولوز أنْ توسّم في هذه الفلسفة نوعًا من الجِدة والفرادة،

References

اعترافات القديس أغستينوس. الكتاب الحادي عشر. نقله من اللاتينية إلى العربية ابراهيم الغربي.

العيادي، عبد العزيز. مسألة الحرية ووظيفة المعنى في فلسفة موريس مرلوبونتي. تونس: دار صامد،

ليفيناس، إيمانويل. الزمان والآخر. ترجمة جلال بدلة. دمشق: معابر للنشر والتوزيع،.2004 المسكيني، فتحي. نقد العقل التأويلي أو فلسفة الإله الأخير: مارتن هايدغر من الأنطولوجيا الأساسية

هايدغر، مارتن. الكينونة والزمان. ترجمة وتقديم وتعليق فتحي المسكيني. بيروت: دار الكتاب الجديد

Aristote. Ethique à Nicomaque. Livre 6: Etude de la prudence (1140a–1140b). J. Trico (trad.). Paris: Vrin, 1976. _______. Physique et métaphysique. Textes choisis et traduits par Sonia et Maurice Dayan. Paris: PUF, 1966. Aubenque, Pierre. La prudence chez Aristote. Paris: PUF, 1963. Auroux, Sylvain. Les notions philosophiques. Paris: PUF, 1990. Bensaîd, Daniel. Résistance. Essais de taupologie Générale. Paris: Fayard, 2001. Bergson, Henri. Essai sur les données immédiates de la conscience. Paris: PUF, 1970. _______. L’évolution créatrice. Paris: PUF, 1959.

Negri, L’Anomalie sauvage.

_______. La pensée et le mouvant. Paris: PUF, 1975. Courtine, Jean–François. Heidegger et la phénoménologie. Paris: Vrin, 1990. Faye, Emmanuel. Heidegger, l’introduction du nazisme dans la philosophie. Paris: Albin Michel, 2005. Frank, Didier. "L’être et le vivant." Philosophie. no. 7 (Automne 1987). Grondin, Jean. Le tournant dans la pensée de Martin Heidegger. Paris: PUF, 1987. _______. Le tournant herméneutique de la phénoménologie. Paris: PUF, 2003. Guattari, Félix & Antonio Negri. Les nouveaux espaces de liberté. Paris: Nouvelles édition Lignes, 2010. Hardt, Michael & Antonio Negri. Commonwealth. Traduit de l’anglais par Elsa Boyer. Paris: Stock, 2012. "Heidegger et le nazisme: Quelle affaire?" Magazine Littéraire. no. 9 (Mars–Avril

Heidegger, Martin. De l’essence de la libertéhumaine. Traduit de l’allemand par Emmanuel Martineau. Paris: Gallimard, 1987. _______. Être et Temps. Traduit de l’allemand par François Vesin. Paris: Gallimard,

Henry, Michel. Phénoménologie matérielle. Paris: PUF, 1990. Macherey, Pierre. Avec Spinoza, études sur la doctrine et l’histoire du spinozisme. Paris: PUF, 1992. Marion, Jean–Luc. Réduction et donation. Recherches sur Husserl, Heidegger et la phénoménologie. Paris: PUF, 1989. Merleau–Ponty, Maurice. Les aventures de la dialectique. Paris: Gallimard, 1955. _______. Signes. Paris: Gallimard, 1960. _______. Le visible et l’invisible. Paris: Gallimard, 1964. Merleau–Ponty, Maurice & Jean–Paul Sartre. "Les lettres d’une rupture." Magazine Littéraire. no. 320 (Avril 1994). Negri, Antonio. "Pour une définition ontologique de la multitude." Multitude. no. 9 (Mai–Juin 2002). _______. Kairòs, Alma Venus, multitude. Traduit de l’italien par Judith Revel. Paris: Calmann–Lévy, 2001. _______. L’anomalie sauvage, puissance et pouvoir chez Spinoza. Traduit de l’italien par François Matheron. Paris: PUF, 1982. _______. Spinoza et nous. Traduit de l’italien par Judith Revel. Paris: Galilée, 2010. Patočka, Jan. Essais hérétiques sur la philosophie de l’histoire. Erika Abrams (trad.). Paris: Verdier, 1981. Piclin, Michel. La notion de transcendance. Paris: Armand Colin, 1969.