تنمية التفكير النقدي بالفضاء التربوي في المغرب
The Development of Critical Thinking in the Moroccan Education Sector
الملخّص
تحثّ مختلف المرجعيات التربوية والبيداغوجية، رغم بعض الاختلافات القائمة فيما بينها، على ضرورة الارتقاء بالروح النقدية البنّاءة لدى المتعلمين والمتعلمات، في أفق تمكينهم من بناء شخصياتهم، وجعلهم أقدر على مساءلة المعارف والمعلومات. والأهم من ذلك اتخاذ مواقف واعية إزاء الوقائع والأحداث والآراء التي تعترضهم في الحياة. لكن هذا الأفق ليس يسير التحقق، ويحتاج، مستقبلًا، إلى رفع العديد من الإحراجات داخل الوسط المدرسي عمومًا، وعلى مستوى المواد المقررة بصفة خاصة، ومنها مادة الفلسفة؛ نظرًا إلى طبيعتها والرهانات المتصلة بها التي تتجلى، أساسًا، في تدعيم النشاط الذاتي للمتعلّم وحفزه على ممارسة حرية التأمل والتساؤل النقدي، إن هو أحسن التعامل مع لحظاتها وسيروراتها المتفاعلة والمتداخلة (المفهمة والأشكلة والمحاجة).
Abstract
Abstract: Educational literature, despite some variation, generally urges teachers to build up their critical and constructive capacities, empowering them to question received information, and consciously adopt stands on the facts, events, and opinions that they encounter. This capacity is not being developed in the subjects which are studied in Moroccan school environments, including philosophy (which is ostensibly characterised by self–learning, exercise of the freedom of thought and critical questioning that draws upon interactive processes, concepts, problems and arguments).
- التفكير النقدي
- المتعلم
- التربية
- الفلسفة
- الإحراج
- Critical Thinking
- Teachers
- Education
- Philosophy
- Stress Factors
فيما بينها، على ضرورة الارتقاء بالروح النقدية البنّاءة لدى المتعلمين والمتعلمات، في أفق
تمكينهم من بناء شخصياتهم، وجعلهم أقدر على مساءلة المعارف والمعلومات. والأهم من ذلك اتخاذ مواقف واعية إزاء الوقائع والأحداث والآراء التي تعترضهم في الحياة. لكن هذا
الأفق ليس يسير التحقق، ويحتاج، مستقبلً، إلى رفع العديد من الإحراجات داخل الوسط المدرسي عمومًا، وعلى مستوى المواد المقررة بصفة خاصة، ومنها مادة الفلسفة؛ نظرًا إلى
طبيعتها والرهانات المتصلة بها التي تتجلى، أساسًا، في تدعيم النشاط الذاتي للمتعلّم وحفزه
على ممارسة حرية التأمل والتساؤل النقدي، إن هو أحسن التعامل مع لحظاتها وسيروراتها المتفاعلة والمتداخلة (المفهمة والأشكلة والمحاجة).
مقدمة
«إن واجبك أن تعلمه كيف يعيش لا كيف يتحاشى الموت»؛ بهذه العبارة العميقة يختم جان جاك روسو Jean–Jacques Rousseau (1778–1712) مقدمة الباب الأول من كتابه إميل أو تربية الطفل من المهد إلى الرشد، يتعلم كيف يحتمل ضربات القدر وكيف يواجه البؤس والنعيم، كيف يعيش، إن اقتضى الأمر، في الزمهرير والقيظ. هل يُوج ه الفعل التربوي إلى حب
العيش والتعايش؟ تتباين الإجابات. والحيرة هي نفسها عند استحضار تنامي وقائع التطرف أو الانغلاق أو الإقصاء التي لا تستثني مجالً جغرافيًا وإن بدرجات متفاوتة. بخصوص هذا التنامي، يستحضر
إميل دوركهايم Durkheim Émile (1917–1858) أنه «إذا لم يكن المجتمع يقظًا وحاضرًا من أجل
توجيه الفعل التربوي، وفق غايته الاجتماعية المحددة، فإن ذلك الفعل يُوظف بالضرورة في خدمة
العقائد الخاصة، وبالتالي فإن الروح الوطنية الكبرى تذوب وتنشطر إلى نزعات متعددة ومتناحرة». لم اليقظة؟ لأن مسألة التربية كانت ولا تزال، في شتى الأوقات، عملية بالغة الصعوبة والتعقيد، ليس فقط لأنها تتعلق بتكوين الإنسان «النموذج» في نظر المجتمع، وإنما، وهذا هو الأخطر والأهم، لأنها مطالبة بضمان المبادئ والقيم المشتركة بتغذية إرادة العيش المشترك من دون إقصاء لأي فرد أو فئة تنتمي إلى هذا المجتمع. وترجع المشاكل الاجتماعية التي يواجهها هذا الأخير، في نظر روسو، إلى مرجعيات ثقافية وتربوية، باعتبار أن التربية أداة مراوغة في يد السلطة ترمي إلى خلق مجتمع على المقاس. حين يقتحم ميدان الشؤون العامة أناسٌ شرهون يهتمون بإثراء حياتهم الخاصة لا غير، ويأملون في أن
يختطفوا منها السعادة التي يتوقون إليها، فعندئذ يستحيل أن تقوم حكومة صالحة؛ إذ إنهم سيتصارعون في سبيل الحكم حتى تقضي هذه الحرب الداخلية عليهم وعلى الدولة بأسرها. القول بهذا رضوخٌ لحركية الزمن ووعي بمجرياتها ومفاجآتها، والإنكار مكابرة وتَعامٍ لا غير. النتيجة أنه، رغم شعار سقراط الشهير «اعرف نفسك بنفسك»، وصيحة روسو «اعرفوا الطفولة» و«ابدؤوا بمعرفة تلاميذكم لأنكم بكل تأكيد لا تعرفونهم»، والفارق الزمني بين إطلاق الصيحتين والتحولات التي شهدها العالم اليوم؛ لا يزال جهل الإنسان بنفسه وبمستلزمات التربية والمعنيين بها كبيرًا، وإن كانت «النفس» هي شغل الإنسان الشاغل،
وكانت معرفة عالم المتعلمين والاهتمام بها أحد المداخل الرئيسة لبناء حاضر المجتمع ومستقبَلِه.
(((جان جاك روسو، إميل أو تربية الطفل من المهد إلى الرشد، ترجمة نظمي لوقا (بيروت: الشركة العربية للطباعة والنشر، 1958)، ص.33 (((المرجع نفسه. (((إميل دوركهايم، التربية والمجتمع، ترجمة علي أسعد وطفة، ط 5 (دمشق: دار معد للطباعة والنشر والتوزيع، 1993)، ص.79 (((نعمان سالم، «التربية بوصفها أداة للتحرر: إضاءات من كتاب التربية والحرية: من أجل رؤية فلسفية للفعل البيداغوجي لمحمد
بوبكري»، رؤى تربوية، العدد 22 (2006)، ص.116 (((جمهورية أفلاطون، ترجمة فؤاد زكريا، مراجعة محمد سليم سالم (القاهرة: دار الكاتب العربي للطباعة والنشر؛ المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر، 1968)، ص.254 (((هادي نعمان الهيتي، ثقافة الأطفال، سلسلة عالم المعرفة 123 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1988)، ص.15
هذه المفارقة لا تفيد أن الدراسات العلمية والأبحاث التربوية لم تنبّه إلى أن المتعلم بالفضاء التربوي
ليس برجل صغير لم يقوَ عودُه بعد، وأن عالمه قائم بذاته من حيث طبيعته وخصائصه، كما نبّه روسو،
أو أنها أغفلت تقسيم النمو المعرفي إلى مراحل مختلفة، كما تعمق العالم جان بياجيه Jean Piaget (1980–1896)، ورو كرومويل Rue L. Cromwell وغيرهما من العلماء، في دراسة عقلية المتعلمين وكيف يفكرون. لكن اللافت للانتباه أن بنيات استقبال نتائج العلوم الإنسانية تظل مدخلً حاسمًا في
نفاذية هذه النتائج من عدمها في المجتمع، لذلك بقي الكثير من نتائج الدراسات العلمية في مجال التربية، على أهميتها، مختبئًا وراء تمثلات المجتمع وأفكاره المسبقة للتربية ومهنة المتعلم. ضمن هذا التصور، ما عاد في الإمكان التعامل مع «مهنة المتعلم» على أنها نشاط حرفي ينبغي أن يقابل، بالضرورة، بأجر مادي أو معنوي، أو اختزاله ضمن زوج المنتج الأدبي أو العلمي أو العتبة الدنيا أو القصوى، وإنما التخطيط لها على أساس أنها مهنة تسمح بالعيش والتعايش والتكيف مع تقلبات الحياة، كما هو الشأن مثلً بالنسبة إلى «مهنة الآباء والأمهات داخل الأسرة والمجتمع». وبمجرد أن نقبل بأن المتعلم يمارس مهنة خاصة، تثار مهمة المدرسة في الارتقاء بقدرات رأس المال اللامادي هذا، الذي يُعدُّ، إلى جانب رأس المال المنتج ورأس المال الطبيعي، أحد الأصول الثلاثة
للثروة التي يتوفر عليها كل بلد. يتكون هذا الأصل من عناصر تُيسِّر الشروط المساعِدة على التنمية،
وتقدم لمؤسسات الحكامة إمكانات الاشتغال اللازمة، ولرأس المال البشري القيمة المتوقع ة. وبذلك، ستكون المدرسة عبارة عن مؤسسة/ مفتاح لتنمية رأس المال اللامادي. لماذا؟ لأن الاستثمار في رأس المال البشري عن طريق التربية والتكوين والبحث العلمي سيوجد في صميم النموذج الاقتصادي المطالب بإدماج رأس المال المعرفي والذهني على نحو كلي. وبناء قدرات الفرد هو أساس وشرط للتنمية البشرية المستدامة. وتعتبر التربية البعد المحوري للأبعاد الأخرى التي تُكَوِّن وتبني القدرات،
إذ إن ولوج تربية ذات جودة يؤثر في الصحة، والكرامة، والحرية التي تمكن الفرد من استعمال قدراته والاعتماد عليها على نحو فعّال؛ من أجل التغلب على آفتَي الجهل والفقر، وتحصين نفسه من نزعات التطرف والانغلاق، والقيام بالاختيارات الملائمة في الحياة. يمر هذا الاستعمال، بالضرورة، من تربية تشمل تلقين الروح النقدية، من خلال الحصول على ثقافةٍ قوامُها
تعلّم التفكير البنّاء في وضعه كإنسان ينفرد، من منظور فريديريك هيغل Hegel Friedrich) 1831–1770(
(((جوديث فان إفرا، التليفزيون ونمو الطفل، ترجمة عز الدين جميل عطية، ط 3 (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2005)، ص.17
(8) Philippe Perrenoud, "Métier d’élève/d’apprenant," Résonances , no. 2 (Octobre 2011), p. 4. (9) The World Bank, Where is the Wealth of Nations? Measuring Capital for the 21 st Century (Washington, DC: World Bank, 2006).
((1(الهيئة الوطنية لتقييم منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، التقرير التحليلي: تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين
2013–2000، المكتسبات والمعيقات والتحديات (الرباط: المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، 2014)، ص.10
(11) Amartya Sen, "Liberty and Social Choice," Journal of Philosophy , vol. 80, no. 1 (January 1983), pp. 5–28.
((1(المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، مدرسة العدالة الاجتماعية: مساهمة في التفكير حول النموذج التنموي (الرباط: المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، 2018)، ص.37
بامتلاك الشعور بالذات، على خلاف الحيوان الذي لا يملك إلا شعورًا مباشرًا بالعالم الخارجي. وهو
التفرد الذي يجعله، بحسب سارتر، يتميز قبل كل شيء بقدرته على تجاوز وضعه. إن هذه القدرة على التجاوز هي التي نجدها في أساس كل ما هو إنساني. وبالنسبة إلى آلان تورين، لا تتمثل هذه الخصيصة البشرية في الحديث بصيغة المفرد المتكلم Je" "، بل في الوعي بالحق في استعمالها، ولا سيما أن جيل اليوم قد وُلد في عصر الرقميات الذي يفرض ضرورة توفر المتعلم على قدرات معرفية، تُكْتَسب في المدرسة، لمعالجة المعلومات وتحليلها، وتصفح المواقع الإلكترونية بتمكّن وبروح نقدية. من هنا، تنبثق الحاجة إلى تلك الروح داخل الفضاء المدرسي، وفي نطاق هذه الحاجة تصاغ أسئلة عديدة حول تجلياتها وحدودها في السياق المغربي. ما السبب؟ أهي إشارة إلى جدلية الواقع والوثيقة؟ وثيقة تتقدم على ما يقع على أرض الميدان، وواقع لا يتطابق تمامًا مع ما نتصوره، وهذا وجه آخر من أوجه الانعكاس الجدلي في كل ما يرتبط بالمدرسة ومرتاديها والفاعلين فيها. ربما لهذا السبب نصطدم عادة بالتساؤل ذاته في السياق المغربي: إذا كانت المدرسة هي نفسها في «وضع» الإصلاح الدائم، أيمكنها أن تكون «قاطرة» للإصلاح، بل أن تشكل «مصدر» تحفيز للتفكير النقدي وإعمالً إيجابيًا لمهاراته؟ إن من يقرأ بإمعان قسمَي الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والاختيارات والتوجُّهات التربوية
التي تضمنها الكتاب الأبيض، وأهم العناصر الواردة بالمخطط الاستعجالي، ثم فصول الرؤية الاستراتيجية للإصلاح (2030–2015)، ينتبه إلى أن صناع القرار التربوي ماضون بالسير في طريقٍ «ما ليس منه بدّ»؛ من أجل إقامة قطيعة مع الفجوة بين التنظير والتفعيل، وبين مراكمة المعارف وصقل الحس النقدي بوصفه أحد أبرز الأهداف التي تسعى كل الأنظمة التربوية إلى بلوغها، خصوصًا فيما يتعلق بتنمية الكفاءات الاجتماعية في عالم متغير، يُلزم كل نموذج بيداغوجي جديد بالسعي إلى تأطير الوسط المدرسي وتنظيم وضعيات التعلم؛ ذلك لأن المدرسة الحديثة تمثّل الوسط الخاص والطبيعي للتواصل، وأيضًا ميدانًا للاكتشاف. ما عاد في الإمكان أن يكتفي المتعلم باستيعاب المعلومات التي تتضمنها المقررات المدرسية، بقدر ما أصبح مطالَبًا بتعلّم كيفية
البناء والتنمية لمهارات اكتساب المعارف والحكم عليها وتقييم الأدلة وتقديم البدائل منها، في سياق التحديات الثقافية المعاصرة، والتي باتت فيها العقول التعليمية حبيسة الانتماءات الصلبة، وبروز العقليات الثابتة التي باتت تورث العنف وإلغاء الآخر. قد تنعكس العلاقات والأسباب في الممارسات المدرسية اليومية، بيد أن رهان تحصين الناشئة وتجويد تعليمهم يظلان، ولو ذهنيًا،
قائمَين بصورة أو بأخرى.
((1(ألبير كامي، الإنسان المتمرد، ترجمة نهاد رضا، ط 3 (بيروت/ باريس: منشورات عويدات، 1983)، ص 175، بتصرف.
(14) Jean Paul Sartre, Questions de méthode (Paris: Gallimard, 1960), pp. 119–131.
((1(آلان تورين، براديغماجديدة لفهم عالم اليوم، ترجمة جورج سلمان، مراجعة سليمة ريشا (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2011)، ص.177–246 ((1(مدرسة العدالة الاجتماعية، ص.40
(17) Jean–Marie Doutrelouk, "Vers une modélisation de la communication pédagogique," Revue Langue française , vol. 70, no. 1 (1986), pp. 26–44.
لفهم هذا الأمر؛ سنتتبع، من جهة، حضور هذا الرهان في الخطب والوثائق الرسمية، ثم سنقارب، في مقامٍ ثانٍ، مسالك الارتقاء بالتفكير النقدي داخل مؤسساتنا التعليمية، وسنتخذ الفلسفة أنموذجًا لهذه العملية، آخذين في الاعتبار أن النقد داخل الدرس الفلسفي لا يُختزل في تدريب المتعلم، وحفزه على استخدام العقل لكشف حقيقة الأشياء وفحص الأفكار التي صدقها وتلقاها العقل نفسه إلى هذا الوقت، سواء بهدف هدمها أو إقامتها على أسس صلبة، وإنما أيضًا إعانته، بالسؤال تارة وبالإحالة تارة أخرى، على إدراك أن هذه الممارسة المميزة للإنسان من سائر الكائنات الحية شكلت، ولا تزال، حركة عقلية ورؤية فلسفية وحقبة زمنية في تاريخ الفلسفة، مع العلم أن الفلسفة، من حيث موضوعها ومنهجها، أشمل من اختزالها في مستوى النقد فحسب.
أولا: في تجليات حضور التفكير النقدي ودلالته
يقول روسو: «إن أردت أن تعرف كيف تكون التربية العامة، اقرأ جمهورية أفلاطون. فما هو بكتاب في السياسة كما يتوهمه من يحكمون على الكتب من عناوينها، بل هو أجمل سفر في التربية خرج من يد بشري». يكفي أن نعود إلى تعريف أفلاطون للتربية؛ لنفهم سبب أحد أوجه هذه الإشادة. يعرّف
أفلاطون التربية، بأنها: «أن تجعل بصر النفس يمر من ظلمة الكهف إلى نور العالم المعقول: وإذا أردنا أن نتجنب إصابة العين ينبغي أن نعوّد عين النفس تدريجيًا على أن تسير في الاتجاه الصحيح، وأن تقوم
بتغيير وجهة نظرها». ف «التربية السليمة هي تحديدًا الينبوع الذي ينبثق عنه كل خير في هذا العالم، فالبذور، التي تكمن في الإنسان، ينبغي أن تنمّى دائمًا أكثر فأكثر». لذلك، عندما يستثمر المجتمع في التربية، فإنه ينتظر نتائج مقابل استثماره؛ ذلك لأن قدرة المواطن على تدبير شؤون حياته، والاندماج في الاقتصاد والمجتمع والمساهمة في تدعيم الديمقراطية، والتكيف مع المحيط المحلي والوطني والعالمي، يتوقف جميعها على جودة التربية والمعرفة التي يتلقاها. هل التربية مجرد عملية مقايضة س أو المنقول حرفيًا من ميكانيكية؟ في النفي اعتقاد راسخ بأن هذه العملية تقابل المحتوى المُدر
المقرر الرسمي بالحفظ الآلي كيفما كانت طبيعة المادة وكميتها. يتحول التعلم هنا إلى معاملة بنكية، تعتبر التلاميذ زبائن «أوفياء» والمضامين الدراسية رساميل قارة، يكون الرابح الأكبر لفائدتها النظام التعليمي لا التلميذ. نتج من هذه التربية البنكية تعذُّرُ وفاء مجموعة من التلاميذ بديونهم لهذا المنظور المشوه للتربية؛ ليتحولوا إلى سلع وبضائع يحدد سوق الشغل وحده قيمتها.
((1(نجيب بلدي، دروس في تاريخ الفلسفة، إعداد الطاهر وعزيز وكمال عبد اللطيف (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1987)، ص.111
(19) René Descartes, Médiations métaphysiques (Paris: Flammarion, 1979).
(((2 روسو، ص.30 ((2(إيمانويل كانط، ثلاثة نصوص: تأملات في التربية، ما هي الأنوار؟ ما التوجه في التفكير؟ ترجمة وتعليق محمد بن جماعة (صفاقس: دار محمد علي الحامي للنشر، 2015)، ص.15 (((2 المرجع نفسه. ((2(التقرير التحليلي: تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين 2013–2000، ص.10
هذا المنظور «البنكي» للتربية يعتبر المعرفة، كما يرى باولو فرير، هبة يقدّمها الأشخاص الذين يعتقدون أنهم يمتلكونها، إلى الذين يعتقدون أنهم يجهلونها، هبة ترتكز على واحد من مبادئ أيديولوجيا التعسف oppression ’ l de Idéologie: «السمة التعسفية للجهل الذي يتحول إلى ما نسميه إسقاط الجهل ignorance ’ l de Projection، ويعني أنه دائمًا يوجد عند الآخر. التلميذ، وفق هذا التصور،
راشد صغير، أي إنه يفكر ويحس ويتعلم، مثلما يتعلم الراشد/ المدرِّس. بعبارة أخرى: إن كل ما يطمح إليه المدرس ويرسمه من أهداف، يجب أن يتم تحقيقه من طرف جميع القسم، على اعتبارهم سواسية لا يختلف بعضهم عن بعض». الجدير بالذكر، في هذا السياق، أنه على الرغم من كل هذه المؤاخذات التي وجّهت إلى البيداغوجيات
الكلاسيكية، نسجل استمرار وجود بعض الأصوات من داخل أسوار المدرسة ومن خارجها تستحضر إيجابياتها، وترى ضرورةً في العمل بها، وحجّتها في ذلك أنه وإن كانت المدرسة المغربية تعتمد،
في السابق، مقاربات بيداغوجية قد تُنعت اليوم بالتقليدية، بارتكازها على الطريقة التلقينية المتمركزة حول المدرس والمحتوى، ولم يكن «التلميذ» يساهم بفاعلية في بناء معارفه، بل يتلقاها جاهزة من لدن «الأستاذ»، وكانت هذه الطرق تنبني على الحفظ والذاكرة؛ فإن النتائج الدراسية للتلاميذ، في تلك المرحلة التاريخية، كانت في المستوى المطلوب؛ الأمر الذي جعل المدرسة المغربية، آنذاك، تحظى بمكانة متميزة داخل المجتمع، وتضطلع بدورها الأساسي المتمثل في التربية والتعليم، فضلً عن تحقيق الارتقاء الاجتماعي لفئات عريضة من أفراد الشعب المغربي. لا يمكن تجاهل هذه الأصوات، ومدى استمرار تبنّيها لهذه البيداغوجيات داخل الفصول الدراسية. لكن من الغريب أن ندافع عن طرح معين ونعزل هذه الفترة «الذهبية»، كما يحلو للبعض أن يصفها، عن سياقها العام وعن الظروف التاريخية التي واكبتها والوضع السيكو–سوسيولوجي للتلاميذ وقتها، وإغفال الحراك المجتمعي الذي يشهد العالم اليوم بفضل الثورة التكنولوجية المعرفية التي تتطلب تهيئة أسباب تكوين مواطن اليوم والغد، المطالب بالتفاعل والتكيف المستمر مع مختلف المتغيرات المجتمعية، ورفع التحديات التي تفرضها، داخلية كانت أم خارجية، على الأفراد وعلى مكونات المجتمع. لا بد، لتحقيق هذا التفاعل والتكيف، من أن نفكر في المستقبل في ما يقتضيه ذلك من الوعي بإكراهات الحاضر واستحضار تجارب الماضي بإيجابياتها وسلبياتها، وما يتطلبه ذلك من التطلع إلى الملاءمة
(24) Paulo Freire, Pédagogie des opprimés (Paris: F. Maspero, 1982), p. 50.
((2(العربي السليماني ورشيد الخديمي، قضايا تربوية ورهان جودة التربية والتكوين: مقاربات سيكوبيداغية وديداكتيكية، مراجعة وتقديم عبد الكريم غريب، منشورات عالم التربية (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2005)، ص.207 (((2 للمزيد، ينظر: الحبيب استاتي زين الدين، «من ‘التلميذ’ إلى ‘المتعلم’ بالمدرسة المغربية: تقاطعات أولية بين الحمولة الدلالية
والمعرفية والممارسة البيداغوجية»، دفاتر التربية والتكوين، العدد 10 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2013)، ص 10 وما بعدها. ((2(المملكة المغربية، وزارة التربية الوطنية، الكتاب الأبيض، الجزء الأول: الاختيارات والتوجهات التربوية العامة المعتمدة في
مراجعة المناهج التربوية (الرباط: لجان مراجعة المناهج التربوية المغربية للتعليم الابتدائي والثانوي الإعدادي والتأهيلي، 2002)، ص.2
الجيدة بين العرض التربوي، والحاجات الناتجة من التحولات التي يعرفها الاقتصاد والمجتمع، وضرورة تطوير المؤهلات الشخصية للأفراد، وتسليحهم بكفايات ومعارف أساسية، تمكِّنهم من متابعة دراستهم بطريقة لائقة، والاندماج في الحياة اليومية بسلاسة، وفي الحصيلة: ولوج سوق الشغل. لن نضيف جديدًا إذا قلنا إن ضعف التكوين يقلص من حظوظ النجاح في المستويات اللاحقة للتعليم الأساسي، ويزيد من تعرض الكثير من الأشخاص للتهميش والإقصاء اجتماعيًا واقتصاديًا. إن مطمح تحقيق تكوين متين ضاعف من ضرورة التخلص التدريجي من البيداغوجيات التقليدية التي تتمركز حول المدرس أو المعرفة، وتعويضها بأخرى حديثة، لا سيما أمام التطور الحاصل في الأبحاث السيكولوجية والتراكمات الحاصلة في ميدان البيداغوجيا، والتي استعاضت عن مصطلح «تلميذ» بمصطلح «متعلم». عندما يتغير الناس، فإن على معارفهم وأقاربهم أن يتوافقوا مع هذا التغير. وحتى يتمكن الأصدقاء والأقارب من القيام بهذا التوافق، فلا بد لهم من أن يعرفوا ما الذي أدى إلى هذا التغير وإلى متى سيدوم. ونظرية التعلم تختص بمثل هذه القضايا وتحاول إعطاء تفسيرات لسلوك الناس. في ظل هذه التفسيرات، نعثر على فكرة تستحق الإشادة، والتي تفيد أن ما ينبغي التنبُّه إليه أنه «لا يمكن
للمرء أن يحصل على المعرفة إلا بعد أن يتعلم كيف يفكر»، كما قال كونفوشيوس Confucius يومًا. هي دعوة إلى إعمال العقل والتساؤل عن معنى وقيمة، وإلى طرق بناء المعارف، بما فيها تلك المرتبطة بالوضع الإنساني.
1. دلالة مفهوم التفكير النقدي
يتخذ مفهوم التفكير النقدي، في هذا العمل، معنى أقرب إلى الممارسة الذهنية التي يقوم فيها العقل بالتخلي عن كل أشكال الاعتقاد الدوغمائي (عقلانية كانت أم غير عقلانية)، ومن ثم القيام بفحص دائم لمختلف القيم والأحكام المسبقة، من منطلق أن المعرفة، بغضّ النظر عن طبيعتها، تظل محدودة ونسبية وقابلة للتجاوز باستمرار. على هذا النحو، يبرز مفهوم التفكير النقدي، من حيث طابعه الذاتي في الأساس، تجسيدًا للحرية الفكرية وللتأمل النقدي. فهو يسمح للفرد بالتساؤل عن طبيعة وجوده
((2(المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، التقرير الموضوعاتي لسنة 2009 حول نتائج التقويم الوطني لتقويم
التحصيل الدراسي (التقرير التحليلي) (الرباط: المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، 2009)، ص.5 (((2 زين الدين، ص.12 (((3 المرجع نفسه. ((3(علي حسين حجاج، نظريات التعلم: دراسة مقارنة، مراجعة عطية محمود هنا، سلسلة عالم المعرفة 7 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1983)، ص.276 ((3(عز الدين الخطابي، «الدرس الفلسفي كمجال للتعلم الذاتي»، ريفيو نت، 2021/2/5، شوهد في 2021/3/31، في:
https://bit.ly/3wG7wEE (33) Michel Tozzy, "Contribution à l’élaboration d’une didactique de l’apprentissage du philosopher," Revue française de pédagogie , no. 103 (Avril–Juin 1993), p. 20.
وقيمته، فضلً عن الحدود والمشاكل التي تطرحها حياته الشخصية والتزاماته الفردية والجماعية. فلا يُسلِّم الناظر، في هذه الحالة، بأيّ قضية – كائنة ما كانت – حتى يُقلِّبها على وجوهها المختلفة، ويتحقق من تمام صدقها، متوسلً في ذلك بمعايير العقل وحدها، خصوصًا أن عالم اليوم أكثر تعقيدًا؛ نتيجة التحديات التي تفرضها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في شتى مناحي حياة الإنسان. النجاح في مواجهة هذه التحديات لا يعتمد على الكم المعرفي، بقدر ما يتأسس على كيفية استخدام المعرفة وتحصيلها وتطبيقها. التفكير النقدي لا ينمو تلقائيًا، وليس نتاجًا عرضيًا للخبرة
أو نتاجًا أوتوماتيكيًا لدراسة موضوع دراسة معينة، وإنما يتطلب تعليمًا منظمًا هادفًا ومرنًا مستمرًا حتى
يبلغ أقصى مدى له، والكفاءة في التفكير (بخلاف الاعتقاد الشائع) ليست مجرد قدرة طبيعية ترافق النمو الطبيعي للطفل بالضرورة. لربما بسبب هذه الحمولات والدلالات، ظل مفهوم التفكير النقدي، في مستواه النظري على الأقل، يتردد في الخطاب الرسمي، وإن اختلف مصدره والسياق الذي جاء فيه. والملاحظ أنه يظهر تارة بوصفه موضوعًا للإصلاح، وتارة أخرى مؤشرًا على ضعف مردودية مؤسسات التربية والتكوين.
وإذا عدنا إلى الميثاق الوطني للتربية والتكوين، بوصفه لا يزال يمثل الإطار المرجعي للإصلاح، مع ما يقتضيه من ملاءمات وتطوير؛ سنجده ينوط بالمربين بمجموعة من الواجبات والمسؤوليات المرتبطة بمهمتهم، وفي مقدمتها إعطاء المتعلمين المثال والقدوة في المظهر والسلوك والاجتهاد، والفضول الفكري والروح النقدية البناءة.
2. حضور التفكير النقدي في الوثائق الرسمية
في إطار الاستجابة للمتطلبات المجتمعية المعبّر عنها في الميثاق، ذهب مُعِدُّو الكتاب الأبيضإلى
أن نظام التربية والتكوين يعمل، بمختلف الآليات والوسائل، لتلبية حاجاتهم الشخصية، والمتمثلة في إعمال العقل واعتماد الفكر النقدي، وما يرتبط به من ضرورات تعزيز الاستقلالية في التفكير والممارسة، والثقة بالنفس والتفتح على الغير، والتفاعل الإيجابي مع المحيط الاجتماعي على اختلاف مستوياته، وكذلك ممارسة المواطنة والديمقراطية، فضلً عن المبادرة والابتكار والإبداع. وحتى يتمكن هذا
(34) Michel Tozzy, Penser par soi–même, initiation à la philosophie (Lyon: Chronique Sociale, 1994), p. 13.
نقلً عن: الخطابي. ((3(طه عبد الرحمن، الحق العربي في الاختلاف الفلسفي (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2002)، ص 13 وما بعدها. ((3(المصطفى حدية، «تعليم مهارات التفكير: مدخل لبناء المجتمع الديمقراطي في عصر المعرفة والمعلومات»، مجلة المدرسة
المغربية، العددان 8–7 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2017)، ص.265 (((3 المرجع نفسه. ((3(المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2030–2015 (الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، 2015)، ص.7 ((3(التقرير التحليلي: تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين 2013–2000. ((4(الكتاب الأبيض، ص.13
النظام من القيام بوظائفه على الوجه الأكمل، تقتضي الضرورة اعتماد مضامين معينة وفق اختيارات وتوجهات محددة، وتنظيمها داخل كل سلك، بما يخدم المواصفات المحددة للمتعلم. وتتجلى هذه الاختيارات والتوجهات، في ارتباط بموضوعنا، في استحضار البعد المنهجي والروح النقدية في تقديم محتويات المواد. ولعل البحث بتأنٍ في مواصفات المتخرج من مختلف الشعب (في نهاية السلك التأهيلي على سبيل المثال لا الحصر) بالرجوع إلى هذه الوثيقة، سيقود إلى ملاحظتين أساسيتين: تكمن الملاحظة الأولى في جعل تنمية الحس النقدي من أبرز المواصفات الواجب توافرها، على نحو واضح، في المتخرج من هذا السلك، مع غموض الإفصاح عنه في بعض الشُّعَب، كما هو الحال
مثلً في شعبة العلوم التجريبية التي اكتفى مهندسو الكتاب الأبيضبالإشارة إلى ضرورة تدريبهم على خطوات المنهج العلمي، من خلال اعتماد الاستدلال العلمي الملائم، واستعمال المنهج الافتراضي الاستنتاجي، وتكييفه بحسب معطيات الإشكالية المطروحة وطبيعتها، إضافة إلى الاطلاع على المستجدات ومسايرتها في مجالات العلوم والتكنولوجيات. هي ضرورة تتناسب، من دون شك، مع أحد أهم مميزات الشعبة، والتي تبرز في احتكاك المتعلم بواقعه عن طريق الملاحظة والتجريب والخبرة الميدانية، لكنها ربما لم تنتبه إلى ما ورد في الوثيقة ذاتها عند تقديم الشعبة، نظرًا
إلى أن الخصوصية التي تمتاز بها العلوم الطبيعية – من حيث كونها علومًا تربط المتعلم بواقعه ربطًا علميًا تجريبيًا – تجعلها في حاجة إلى تزويده بمجموعة من المعارف الداعمة، المساهمة في تكوين
شخصيته وتحقيق توازنها، وتمكينه من تكوين نظرة شمولية عن الواقع الذي يعيشه ويلاحظه ويقيم تجاربه حوله، كما هي في حاجة إلى تزويده بأدوات التفكير المختلفة في القضايا الأخلاقية المرتبطة بحدود العلوم وتطبيقها، كالرياضيات والفلسفة واللغات، وغير ذلك. الملاحظة نفسها تنسحب على شعبة العلوم الاقتصادية التي حصرت مواصفات المتخرجين فيها في عناصر محددة، على رأسها امتلاك تكوين اقتصادي يمكّنهم من معارف ومفاهيم وتكوينات اقتصادية، تؤهلهم للتخصص في قطاعات الإنتاج والمال والأعمال، إلى جانب اكتسابهم ثقافة مقاولاتية كفيلة بتأهيلهم للانخراط في الحياة العملية. ورب قائل: إن هيمنة الجانب التقني على مواصفات هذه الشُّعب، أمرٌ ينسجم مع المواد المدر سة لها،
والتي تتلاءم بدورها مع الواقع المهني وآفاقه، والذي تندرج ضمنه. سندعو هذا القائل، وكل المؤيدين لهذا التوجه إلى التفكير العميق في ما قاله عبد الله العروي في كتاب استبانة، عن أن وعي الشباب
(((4 المرجع نفسه، ص.15 (((4 المرجع نفسه، ص.53 (((4 المرجع نفسه. (((4 المرجع نفسه، ص.44
«عالٍمن الوجهة التقنية، واطئ من الوجهة التاريخية والسياسية»، جوابًا عن سؤال: «ما مستوى وعي
الشباب المغربي اليوم؟». كما قد يتبادر إلى الذهن السؤال الآتي: هل من علاقة بين هذا القول والملاحظة السابقة قيد التحليل؟ لن أقدم إجابة لحظية، بل سأدَع الأمر للقارئ النبيه، عساه يخلق الترابطات اللازمة بينهما، وذلك في إطار الفكرة القائلة إن الجوانب التقنية وحدها لا تصنع إنسانًا قادرًا على الفعل والتميز في زمن
التكنولوجيات، بل إن تعزيز «مهارات القرن الحادي والعشرين»، بتعبير خبراء البنك الدولي، يتطلب «تثمين الإبداع والقدرة على التكيف والتفكير النقدي». تثير الملاحظة الثانية مسألة جعل الطابع النقدي في شعبة العلوم الشرعية مقتصرًا على تعرف خصائص
الكتابة الأدبية، من حيث خصائصها البنائية، وعلى مستوى مقومات الاتجاهات الأدبية والخطابات
النقدية لا غير. والحال أنه في باقي الشُّعَب تمسّ الروحُ النقديةُ الشعبةَ ذاتها، بحيث يُنتظَر، مثلً،
من متخرجي شعبة اللغات والآداب، في نهاية السلك التأهيلي، اكتساب حسٍّ نقديٍّ يمكِّنُ المتعلمَ
من التفكير في آليات اشتغال اللغة المستعملة؛ من أجل الإنتاج والإبداع، باستعمال اللغة طبقًا لمبدأ التفاعل بين الثقافات والحضارات الإنسانية. كما تتمثل مواصفات المتخرج من شعبة العلوم الإنسانية في جعله قادرًا على تحليل الأفكار والقضايا الإنسانية ونقدها، وإنتاج خطابات خاصة حولها. والأمر
نفسه بالنسبة إلى المتخرجين في شعبة الفنون البصرية والوسائطية، الذين يفترض أن يكتسبوا، في نهاية مسارهم الدراسي داخل الثانويات التأهيلية، القدرةَ على استعمال الفكر النقدي والتحليلي إزاء المعرفة الفنية والوسائطية. هذا حال الكتاب الأبيض، فماذا عن الرؤية الاستراتيجية؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال، نشير إلى أن هذه الرؤية أتت في سياق حركية مجتمعية طامحة إلى الارتقاء بالفعل العمومي، ودستور متقدم، وسلسلة من الخطابات الملكية الداعية إلى « إعادة النظر في مقاربتنا، وفي الطرق المتبعة في المدرسة، للانتقال من منطق تربوي يرتكز على المدرّس وأدائه، مقتصرًا على
تلقين المعارف للمتعلمين، إلى منطق آخر يقوم على تفاعل هؤلاء المتعلمين، وتنمية قدراتهم الذاتية، وإتاحة الفرص أمامهم في الإبداع والابتكار، فضلً عن تمكينهم من اكتساب المهارات، والتشبع بقواعد التعايش مع الآخرين، في التزامٍ بقيم الحرية والمساواة، واحترام التنوع والاختلاف». والجدير بالذكر أن «الأمر لا يتعلق، في سياق الإصلاح المنشود، بتغيير البرامج، أو إضافة مواد أو حذف أخرى، وإنما المطلوب هو التغيير الذي يمس نسق التكوين وأهدافه. وذلك بإضفاء دلالات جديدة على عمل المدرس لقيامه برسالته النبيلة، فضلً عن تحويل المدرسة من فضاء يعتمد المنطق القائم أساسًا على شحن الذاكرة ومراكمة المعارف، إلى منطق يتوخى صقل الحس النقدي، وشحذ الذكاء، للانخراط في
((4(مجموعة البنك الدولي، المغرب في أفق 2040: الاستثمار في الرأسمال اللامادي لتسريع الإقلاع الاقتصادي (واشنطن: البنك الدولي، 2017)، ص.35 (((4 المملكة المغربية، المجلس الأعلى للسلطة القضائية، «نص الخطاب الملكي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى الأمة بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، الرباط 20 غشت 2012»، شوهد في 2021/3/31، في:
https://bit.ly/329BPFX
مجتمع المعرفة والتواصل». ولفهم ما ينبغي أن يكون عليه الإصلاح، طرح الملك محمد السادس، سنة 2015، هذا السؤال: «هل التعليم الذي يتلقاه أبناؤنا اليوم، في المدارس العمومية، قادر على ضمان مستقبلهم؟» وهنا «يجب التحلي بالجدية والواقعية، والتوجه للمغاربة بكل صراحة: لماذا يتسابق العديد منهم لتسجيل أبنائهم بمؤسسات البعثات الأجنبية والمدارس الخاصة، رغم تكاليفها الباهظة؟ الجواب واضح: لأنهم يبحثون عن تعليم جيد ومنفتح يقوم على الحس النقدي، وتعلم اللغات، ويوفر لأبنائهم فرص الشغل والانخراط في الحياة العملية». وعيًا بهذا الجواب الذي يسائل الفاعلين في المدرسة، والأطراف المعنية والمستفيدة، والشركاء،
والقطاعات المسؤولة عن التربية والتكوين والبحث العلمي، انخرط المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في مسار إعداد رؤية استراتيجية لإصلاح المدرسة وتأهيلها وتجديدها، لتضطلع بأدوارها على النحو الأمثل، والتي يأتي اكتساب مهارات التفكير النقدي في مقدمتها بالنسبة إلى جميع الشُّعَب، بما فيها شعبة العلوم الشرعية، من خلال توفير التعليم العتيق مسالك وبرامج للتكوين، تدمج الراغبين من طلبتها في أسلاك التربية والتكوين، في مراعاة للكفايات والمستوى الدراسي، وتتيح تنمية الفكر النقدي والفضول المعرفي والقدرات الإبداعية لدى المتعلمين وتشجع الانفتاح على الثقافات. إن التغيير المتوخ ى للمدرسة المغربية يهدف إلى تمكينها من الاضطلاع بأدوارها الحاسمة في الانتقال بالتربية والتكوين والبحث العلمي، من منطق التلقين والشحن والإلقاء السلبي الأحادي الجانب، إلى منطق التعلم والتعلم الذاتي، والتفاعل الخلاق بين المتعلم والمدرس، في إطار عملية تربوية قوامها التشبع بالمواطنة الفعالة، واكتساب اللغات والمعارف والكفايات والقيم، فردية وجماعية وكونية، وتنمية الحس النقدي وروح المبادرة، ورفع تحدي الفجوة الرقمية. وبصيغة تكاد تكون أكثر استشرافًا وشمولية من باقي الوثائق الرسمية، انتبه مخططو الرؤية إلى أهمية الرفع من جودة العلاقة التربوية والممارسات التعليمية التي ينبغي أن ترتكز، من دون إغفال لباقي المكونات (ونخص بالذكر المدرس والأسرة)، على اعتبار المتعلم محور الفعل التربوي، وفاعلً أساسيًا في بناء التعلم،
وتنمية ثقافة الفضول الفكري وروح النقد والمبادرة، والبحث والابتكار لديه. وبالنظر إلى أهمية هذا الاعتبار، جرى التنصيص عليه في مشروع قانون – إطار رقم 51.17، المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي؛ ضمانًا للتطبيق الأمثل لمستلزماته، وتحديدًا في المادة الثالثة التي جاء فيها أن منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي تعمل على تحقيق جملة من الأهداف، من أبرزها التشجيع والتحفيز على قيم النبوغ والتميز والابتكار، في مختلف مستويات المنظومة ومكوناتها، من خلال تنمية قدرات
(((4 المرجع نفسه. (((4 المملكة المغربية، البوابة الوطنية للمغرب، «نص الخطاب السامي الذي وجهه جلالة الملك محمد السادس إلى الأمة بمناسبة الذكرى 16 لعيد العرش المجيد»، 2015/7/30، شوهد في 2021/3/31، في: https://bit.ly/3d19o3b ((4(الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2030–2015، ص.7 (((5 المرجع نفسه، ص.33 (((5 المرجع نفسه، ص.10 (((5 المرجع نفسه، ص.34
المتعلمين، وصقل الحس النقدي لديهم، وتفعيل الذكاء، وإتاحة الفرص أمامهم للإبداع والابتكار، وتمكينهم من الانخراط في مجتمع المعرفة والتواصل. ولأن دلائل الأمور أشد تثبيتًا من شهادات الرجال، كما قال الجاحظ، سننتقل إلى تناول بعض مظاهر تفعيل التفكير النقدي في الوسط المدرسي، متخذين من درس الفلسفة أنموذجًا، وذلك لأنها
تضع، بتعبير إريك فايل Eric Weill (1977–1904)، «جميع القيم موضع سؤال؛ وكذلك كل ما هو محبوب لدى البشر لمجرد أنه كان عزيزًا على أسلافهم أو لأنه يغري بغرابته الجيدة. فكل يقين أخلاقي وجمالي واجتماعي إلا وتعترف به الفلسفة لتأخذه إلى محكمتها». لا تعتبر الفلسفة، من هذا المنظور، «فعل تدبير للحقيقة»، بحسب تعريف فوكو لها، وإنما هي استمرارية لملَكة العقل التي هي «أعدل الأشياء قسمة بين الناس»، بحسب قول ديكارت. وما كان مصادفةً أن يرى ديكارت أن الإقدام على الشك في كل المعارف التي تلقاها المرء، وهي أولى خطوات منهجه الموجِّه للعقل
صوب الحقيقة، يبقى واجبًا على المرء القيامُ به ولو مرة واحدة في حياته، وهذا ما يجعل من الفلسفة
أعدل الأمور توزيعًا بين الناس كذلك. ولأن الفلسفة تخضع، في نهاية المطاف، لشرط اللغة وهاجس التحرك داخل أنساقها، بمعزل عن كل انغلاق دوغمائي، من الطبيعي أن يكتسب الحوار، في هذا السياق، أهمية خاصة، لا سيما أن لكل واحد، سواء كان مدرِّسًا أم مكوّنًا، القدرة على إبداء الرأي، والمساهمة في سيرورة التفكير ضمن عملية
التفلسف الذاتي. كيف ذلك؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في المحور الثاني.
ثانيًا: التفكير النقدي في الدرس الفلسفي
لنتفق أولً أن التربية تستلزم التدرج في تحرير الإنسان الذي يسكن كل واحد منا، وترويضه. يحضر هذا التدرج أو السعي إلى التحرر من قبضة الطبيعة والنفس والمجتمع في كتابات العديد من الفلاسفة (من أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو وروسو وكانط ونيتشه وفوكو)، وإن اختلفوا في الرؤية وآليات
«الأجْرأَة». فعل ابن طفيل كذلك الأمر ذاته من خلال «وصف وتتبع حياة حي بن يقظان؛ أي كيف تربَى
وكيف انتقل في أحواله حتى يبلغ المبلغ العظيم. يحيل هذا الانتقال إلى التطور الذي لا يوجد في الطبيعة، بل أيضًا في الإنسان باعتباره ظاهرة طبيعية من الميلاد حتى الوفاة. الطبيعة وعي كبير، كما أن
((5(عمرو بن بحر الجاحظ، رسائل الجاحظ، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1964)، ص.240 ((5(إريك فايل، مستقبل الفلسفة، دفاتر إريك فايل (ليل: المنشورات الجامعية لمدينة ليل، 1987)، ص.21–18
(55) M. Foucault, Sécurité, Territoire, Population: Cours au collège de France, 1977–1978 (Paris: Gallimard; Seuil, 1978), p. 5.
(((5 نبيل فازيو، «الفلسفة بما هي رهان ديمقراطي، أو هل تحتاج الديمقراطية، فعلً، إلى الفلسفة؟»، مجلة المدرسة المغربية،
العددان 8–7 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2017)، ص.17
(57) Tozzy, "Contribution à l’élaboration," p. 20.
((5(ابن طفيل، حي بن يقظان، تقديم وتحقيق فاروق سعد، ط 5 (بيروت: منشورات دار الآفاق الجديدة، [د. ت.])، ص 123. ((5(حسن حنفي، «تقديم»، في: ابن طفيل، حي بن يقظان، تقديم حسن حنفي، تحقيق وتعليق أحمد أمين (الدوحة: وزارة الثقافة والفنون والتراث، 2014)، ص.5
الإنسان وعي صغير، وهي مقولة إخوان الصفا في أن الإنسان عالَم صغير، وأن العالَم إنسانٌ كبير. العجيب في حي بن يقظان أنه يوقظ فينا ضرورة الاحتراز من القول ومفارقات تأويله، حتى لا يختفي العقل البديهي ومعه العقل التجريبي. لا يتحقق للإنسان هذا الاحتراز بالمصادفة أو دفعة واحدة، بل إن فكره، بحسب ابن خلدون، يتوجه إلى واحدٍ واحدٍ من الحقائق، وينظر ما يعرض له لذاته واحدًا بعد
آخر. أحد صنفي العلوم التي يخوض فيها الإنسان ويهتدي إليها بفكره: العلوم الحِكمية الفلسفية الموجودة في النوع الإنساني منذ كان عمران الخليقة، والتي يصل إلى موضوعاتها ومسائلها وأنحاء براهينها ووجود تعليمها بمداركه البشرية. بفضل هذه المدارك، نستغرق في معرفة الموضوعات والعالم، وفي ممارسة الشك الذي ينبغي أن يقودنا إلى اليقين. وليس ثمة حقل معرفي يساعد على صقل هذه الممارسة، وما يرتبط من اقتدار على النقد المؤدي إلى تعلم أكثر الأشياء الجديدة، أقدر من الفلسفة إذا حسن تعلمها وتوظيف أدواتها. ألم يقل كارل ياسبرز إنه «حين نستغرق في معرفة الموضوعات والعالم، وفي ممارسة الشك الذي ينبغي أن يقوده إلى اليقين، فإنه نُشغَل حينئذ بالأشياء، ولا نفكر في أنفسنا، في مصيرنا، وفي سعادتنا، بل بالعكس من ذلك، نكون مسرورين إذ ننسى ذاتنا حين نكتسب هذه المعارف الجديدة. لكن الأمر سيتغيّر حين نعي ذاتنا ونتأمل حالنا. إن وعينا بهده الوضعيات، معناه أنّنا نبلغ، بعد الدهشة والشّك، إلى
أعمق أصل للفلسفة»، حيث تجد الذات المعنية نفسها، مضطرة إلى استخدام إمكانياتها وقدراتها الفكرية. كيف لا تفعل ذلك والفكر الفلسفي، منذ ظهوره في بلاد اليونان مطلع القرن الرابع قبل الميلاد، يناقض السذاجة، فهو يسلك أكثر طرق الشك جذرية. هناك شيء واحد هو على يقين تام منه، هو إرادته الخاصة في الفهم وفي بناء خطابات البشر في خطاب واحد.
1. تعلم النقد ضمن الفكر الفلسفي: بأيّ معنى في الوسط المدرسي؟
يتخذ الفكر الفلسفي شكل مساءلة، أو محاكمة أمام العقل إن نحن توخّينا الدقة أكثر، بلغة كانط، وعندما يلاحظ دريدا أن النقد والميتافيزيقا الكانطية يبقيان ضروريين بالنسبة إلى التعليم الحديث، فإنه يكشف عن رسوخ الإيمان بالنقد الفلسفي وبقدرته على الصيرورة أساسًا لمعرفة فلسفية ذاتية سابقة
لكل شرط مؤسساتي. لِمَ الحديث عن هذه القدرة؟ لسبب بسيط يتمثل في أن الفيلسوف الحق
لا يقنع بأن يفهم العالم فحسب، ولكنه يودّ أيضًا أن يغيّر هذا العالم ويصلحه، بل أن يبعثه بعثًا جديدًا.
وكيف يمكن أن يكون الأثر خلاف ذلك، والفلسفة أساسًا تهتم بالغرض من وجودنا ومصيرنا؟
(((6 المرجع نفسه، ص.6 ((6(عبد الرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، ط 8 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2003)، ص.341 (((6 المرجع نفسه، ص.392 (((6 كارل ياسبرز، مدخل إلى الفلسفة، ترجمة محمد الشنيطي (القاهرة: دار القاهرة، 1967)، ص.59–55 (((6 فايل، ص 18 وما بعدها.
(65) J. Derrida, Du droit à la philosophie (Paris: Galilée, 1990), p. 69.
(((6 فازيو، ص.17 ((6(نكولاي برديائف، العزلة والمجتمع، ترجمة فؤاد كامل (القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب، [د. ت.])، ص.23
ليس العالم، في نظر الفيلسوف، مجرد فرجة تُعرض أمام عينيه بمعزل عن عمله، بل إن العالم هو مسرح للفعل وموضوع لنشاطه وعمله. إن الحكيم ليس فقط متفرجًا، ولكنه كذلك ممثل
يؤدي دوره. هذا الدور هو الذي لا يجعل التفلسف ترفًا فكريًا أو لعبًا تأمليًا فحسب، وإنما هو،
كما يرى نور الدين أفاية، تعبير عن انخراط فكري ووجودي لتغيير أحوال الذات، وتحسين ظروف العيش، بل رهان من رهانات الديمقراطية، التي لا يمكن قصرها على السياسيين والشغوفين بالحكم والسلطة، لأنها، أيضًا، تسهم في تغيير الحياة، أو بعض مستوياتها، وتوفير الشروط الكفيلة بالشعور بالمواطنة، وممارسة الحرية. من ثم، وحده تعلمُ الفرد طرحَ الأسئلةِ يسمح له بمواجهة العوائق
المتمثلة في مكتسباته السابقة والاستراتيجيات الذهنية المألوفة لديه، وذلك بتعديلها وإعادة النظر في مكوناتها. بهذا المعنى، لا يمكن أن تكون وضعية التعلم محددة بطريقة تجعل من غير الممكن، بالنسبة إلى المدرس والمتعلم على حد سواء، حل مسألة أو معالجة قضية بمجرد تكرار المعارف واقتراح الحلول، بقدر ما ينبغي توسيع هامش المبادرة والحرية في تطوير المعارف والمهارات، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة تثمين الكفاءة، وإيلائها ما تستحقه من مكانة وعناية. في هذا الإطار، يندرج تعلم الفلسفة في السلك التأهيلي باعتبارها مادة مدرسية متفاعلة مع باقي المواد الدراسية المقررة في التعليم الثانوي التأهيلي ومتكاملة معها في التكوين الفكري والمنهجي والثقافي لتلامذة هذا السلك. لا بد لفن التربية، أو البيداغوجيا، من أن يصبح قائمًا على النظر والتفكير (أو الروية)، إذا ما أراد تنمية الطبيعة الإنسانية بحيث تبلغ غايتها. ولأن التفلسف هو «المسار الذي نقطعه من بادئ الرأي (الدوكسا) إلى المعرفة (الإبستيمي)»، نجد أن المنهاج يتوخى مساعدتهم على النظرة التركيبية للمعارف والآراء التي يتلقونها، وعلى ممارسة التفكير النقدي الحر والمستقل والمسؤول، والتحرر من مختلف أشكال الفكر السلبي (الدوغمائية، والتبعية الفكرية، والتلقي السلبي للمعارف والآراء والمعلومات، والسلوك الآلي اللاواعي، والعنف، والخوف والجبن الأخلاقي... إلخ). هذا ما يفسر، إلى حد ما، مقولة كانط الشهيرة: «لا يمكننا تعلم الفلسفة، بل يمكننا فقط تعلم التفلسف»، من منطلق أن درس الفلسفة، بما هو مجال للحرية العقلية المحفزة للتأمل النقدي، يقوم
((6(جوزيف فيالاتو، المقصد الفلسفي (باريس: المنشورات الجامعية الفرنسية، 1982)، ص.128 ((6(محمد نور الدين أفاية، في النقد الفلسفي المعاصر: مصادره الغربية وتجلياته العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2015)، ص.11 (((7 الخطابي.
(71) Laurence Cornu & Alain Virginaux, La didactique en question (Paris: Hachette, 1992), p. 54.
(((7 كانط، ص.18 ((7(المملكة المغربية، وزارة التربية الوطنية، التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة الفلسفة بسلك الثانوي التأهيلي
(الرباط: مديرية المناهج والحياة المدرسية، 2007 ص)،.3 (((7 المرجع نفسه، ص.4
على التفلسف بوصفه عملية عقلية، نقدية، تساؤلية، مستمرة في أفق الانتقال التدريجي من لحظة التداول العامي إلى لحظة الضبط المعرفي. وهو المنطلق الذي لم يغفل عنه منهاج المادة بتأكيده على سعيه إلى تدريب/ تحفيز المتعلم على الشجاعة في استخدام العقل، وفي التعبير عن الرأي المدعوم بحجج، عبر السؤال والفحص والتحليل والنقد قبل القبول والإقرار، وتعلم اتخاذ القرار بكل حرية واختيار، وتعلم التحرر من السذاجة الفكرية والعاطفية ومن الأحكام والآراء المسبقة والتعصب، والانعتاق من حجة السلطة، ومن سلبية التلقي التي تضعه فيها وسائل الإعلام، وخاصة البصرية منها المعتمدة على الصورة. بخصوص هذه الشجاعة المرغوبة في طرح السؤال، تكشف ريبيكا غولدشتاين Goldstein Rebecca (1950–)، أنها تشعر بانزعاج شديد حين لا يقاطعها المتعلّمون أثناء الدرس. كانت تحاول جاهدة إيقاظهم وجعلهم يفكرون بأنفسهم، فكان كلما اشتد تحدّيهم إياها، ازداد شعورها بالنجاح بوصفها مُدرِّسة. ربما لذلك كان أفلاطون يقول إنه يجب أن تكون هناك نار في قلب المدرس، بحيث
تساهم حرارته في إذكاء النار في الطالب. إنه شيء يتّقِد تحديدًا بسبب قربه من النار. والأكيد أن النجاح في هذه المهمة يتطلب، في سياق الدرس الفلسفي، مفهمة الموضوعات وصياغة أسئلة دقيقة من قبيل: ما أفضل شيء يمكن أن أفكر فيه أو أقوم به؟ وهل ما أفكر فيه أو ما أقوم به ة من خلال تقديم مبررات مقنعة بصدد ماَّصحيح؟ والقيام بالمحاج نثبته أو نشكك فيه. ولهذا،
فإن التفكير بطريقة فلسفية، يعني مفصلة هذه السيرورات أثناء التحاور مع الغير أو مع الذات. على هذا الأساس، تنطلق عملية التفكير الفلسفي المستقل، في السنة الثانية من البكالوريا على سبيل المثال، من مفاهيم وقضايا فلسفية (الشخص، والغير، والتاريخ، والحقيقة، والدولة، والحق والعدالة، والواجب، والحرية... إلخ)، وفق لحظات ثلاث: المفهمة والأشكلة والمحاجّة؛ لأن
تناول المجزوءات المقررة في البرنامج، بالنسبة إلى جميع الشُّعب، لا يتم إلا من خلال أشكلة تمثلاتها ووضعها موضع تساؤل، وبذلك تفترض المفهمة الفلسفية الأشكلة والمحاجة. نعم، إن تطور عمليات التفكير النقدي (وبالخصوص عمليات المفهمة، والأشكلة، والحجاج) هو المهم من الزاوية الديداكتيكية، أي من زاوية اكتساب، أو تملّك المتعلمين «خطة» فلسفية، وليس مجرد الاكتفاء بتحصيل المضامين المعرفية (رغم أهميتها في تدريس الفلسفة).
(((7 المرجع نفسه، ص.3 (((7 المرجع نفسه. (((7 «لماذا ندرس الفلسفة؟ لكي نتحدى وجهة نظرنا الخاصة: مقابلة مع ريبيكا غولدشتاين» (مؤلفة كتاب ‘أفلاطون في مجتمع
غوغل’)»، المشروع العراقي للترجمة، فيسبوك، 2014/3/10، شوهد في: 2020/1/5، في: https://cutt.us/kRy6l (((7 الخطابي.
(79) Tozzy, penser par soi–même, p. 143.
((8(التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة الفلسفة بسلك الثانوي التأهيلي، ص 5.
(81) Tozzy, penser par soi–même, pp. 144–145.
(((8 حميد اعبيدة، «إشكالية المفهمة في الفلسفة وفي تدريسها»، فكر ونقد، العدد 64 (2004)، شوهد في: 2020/11/20، في:
https://cutt.ly/wz57TEA
2. عمليات التفكير النقدي بالدرس الفلسفي
تعد المفهمة مرحلة أولى من مراحل التفكير الفلسفي التي يتم فيها بناء المفهوم (الموضوع) والتحرر الذهني والوجداني من عوائق البداهات المباشرة والأحكام المسبقة والآراء الوثوقية، وتتخذ الأشكلة دلالة القدرة على التساؤل فلسفيًا حول المفهوم/ المفاهيم، وإدراك ما تنطوي عليه من مفارقات
وتناقضات. وليس التساؤل أو تشكيل حقل استفهامي، بحسب جاكلين روس، هدفًا في حد ذاته، بل المغزى منه تحقيق الارتقاء، انطلاقًا من مجموعة من الأسئلة المنظمة للوصول إلى عمق المشكلة. أما المحاج ة، فتقوم على تقديم مسوغات ومبررات وأدلة وبراهين منطقية أو بلاغية، تثبت أو تدحض
الأطروحة/ الأطروحات المجيبة عن الإشكال. وإذا كان من الواجب على الفلسفة أن تهتم، من دون
انقطاع، بالحجة، فإنها ستنقاد، لا محالة، إلى ضرورة تقديم الحِجاج على موقف معين، سواء في اتجاه
دعمه أو دحضه، في إطار الإشكالية وما يتصل بها من قضايا ومفاهيم مفتاحية، وخصوصًا أن الحِجاج
يعد تمفص لً بين عقلٍ يبحث عن أحسن الحجج من أجل الشك أو الاقتناع عقليًا وليس فقط بلاغيًا،
وترابط منطقي يستبعد أي تناقض داخلي بين حجج الأطروحة ذاتها، وملاءمة تتمثل في تراتبية الحجج (من الأقوى إلى الأقل قوّة مثلً). والمتعلم، بمساعدة مدرِّسه، يجب أن يدرك أن الفلسفة وإن كانت
تستثمر وتوظف أدوات البرهان المنطقي من أجل البحث، فإنها سرعان ما تتخلى عن الصرامة لصالح أدوات التبليغ، كما تصطنع مناهج بلاغية وجدلية لا تستهدف الإقناع فحسب، بل الاستقطاب والتأثير واستفزاز الخيال. تجدر الإشارة إلى أن هذا التمفصل «المميز» يفترض، بالنسبة إلى متعلم السنة الثانية في مرحلة البكالوريا، والحاصل على تكوين أو تجربة سابقة (مكتسبات أولية)، استحضار عدة عمليات أو إجراءات للقيام بالمَفْهَمة (الصياغة المفاهيمية)، وعمليات أو إجراءات للأشكلة (الصياغة
الإشكالية)، تنمّي قدراته. ونضيف إلى ذلك أن التعلم في نطاق تلك «المفاهيم» يشكّل مادة
أو نسيجَ «فعلِ التفلسف» بامتياز (أي إنه تعلّم يتيح تحقق فعل التفلسف، وفق مبدأ التدرج
البيداغوجي من مستوى عمومية المفاهيم إلى مستوى الضبط أو الصرامة الفلسفية؛ مستوى التحقق النهائي لعملية المفهمة)؛ بغية الدخول في ما سماه بول ريكور Ricœur Paul «متجر كبار الفلاسفة»، لأنهم هم الذين صنعوا اللغة الفلسفية (وهو ما يساعد على تحقيق فهم المصطلح
(((8 للاطلاع أكثر، ينظر:
Tozzy, Penser par soi–même , p. 143. (84) Jacqueline Russ, Les méthodes en philosophie (Paris: Armand Colin, 1992), pp. 18–19.
((8(ميشال طوزي، «مدخل إلى إشكالية ديداكتيك تعلم التفلسف»، ترجمة عزيز لزرق، مجلة فلسفة، العددان 8–7 (ربيع 1999)، ص.102 ((8(محمد رويض، «حول مفهوم الحجاج في الفلسفة: مقاربة فلسفية–لسانية–ديداكتيكية»، فكر ونقد، العدد 26 (شباط/ فبراير 2000)، ص.39 (((8 للاستزادة، ينظر: اعبيدة. (((8 عبد الرحيم تمحري، «الفلسفة الثانوية بالمغرب ومسألة التكوين المستمر»، فكر ونقد، العدد 62 (تشرين الأول/ أكتوبر 2004)، شوهد في: 2019/11/20، في: https://cutt.ly/Kz551j7
الفلسفي من خلال فهم النص الفلسفي)، لتأتي بعد ذلك عمليتا الأشكلة والحجاج مكملتَين لإنجاز هذا المدخل «الضروري» الذي يتم بواسطة المفهمة. وهنا نثير ملاحظة مهمة تتعلق بضرورة الانطلاق في فعل التفلسف من مادة «معرفية» محددة لا من التجريد الصرف أو من طرح أسئلة معزولة ومبتورة عن/ من سياقها المرجعي، فلا تتحول إلى تساؤلات، فضلً عن استعمال العقل والنقد والتحليل والتركيب والمقارنة ككفايات لا مناص منها في مقاربة تلك المادة المعرفية، إلى جانب الاستعانة بموقف الفيلسوف الذي أنتجها، وفي مواجهة الواقع الذي يمكن إعادة بنائه وتشكيله من خلال الفتوحات والاعتراضات التي تقدمها تلك المادة. ومن ثم، فبمجرد ما ينخرط المتعلم في عملية المقاربة الفلسفية لأي مفهوم أو قضية كيفما كانت، انطلاقًا من هذا التفاعل، تتزايد قدرته على مزاولة المساءلة والنقد، وهو الأمر الذي يساهم في إنماء شخصيته إنماءً
متكاملً ومتوازنًا، والاستقلال في رأيه، حتى يتمكن من تحمل المسؤولية ومواجهة مواقف الحياة، وجعلِه أيضًا متشبعًا بروح النقد البنّاء، وقادرًا على اتخاذ القرارات الملائمة للمساهمة في تطوير مجتمعه، وهذه، كما هو معلوم، من أهم غايات التعليم الثانوي التأهيلي في بلادنا. ولكنْ لأن الواقع لا يرتفع، هل من السهل تحقيق ذلك؟ إن عدم التفكير في هذا السؤال، وعدم الوعي باختيارات الجواب، يجعلاننا نصطدم بإحراجات ظاهرة وخفية عديدة، تعيد إلى الواجهة ضرورة وضع استراتيجية حقيقية للتكوين المستمر في مادة الفلسفة بالثانوي، وإعادة النظر حتى في التكوين الأساسي في الجامعة (إن الهشاشة والقوة، والسعي إلى الاستقلال ومعاناة بعض إغراءات الاستتباع، واتّقاء شر العدو، إذا ما نحن استعملنا لغة ابن رشد، وائتمان الصديق المسيء... إلخ، كل ذلك من المفارقات التي تطبع وضع تدريس الفلسفة في الجامعة المغربية)، والتكوين البيداغوجي في المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، على أن يتزامن ويتساوق هذا العمل مع عمل آخر مهم في الوقت نفسه: تحليل أهداف التعليم الثانوي من جهة، ثم تحليل أهداف تدريس الفلسفة، المنبثقة من و/ أو المنسجمة مع أهداف التعليم الثانوي من جهة أخرى، من دون إغفال توجيه الاهتمام إلى الغلاف الزمني للمادة ومعاملاتها وكثافة برنامجها السنوي ومستوى المتعلمين، حتى نتيقن من الأهداف التي نسعى إليها، ونضع، من ثم، وضعيات تدريسية وتكوينية تنأى بنفسها عن «الضرورة» (التي تجعل علاقة المتعلم بمادة الفلسفة محصورة في التعلم لا التكوين، وخاضعة لإكراهات مؤسسية: النقطة والامتحان والنجاح) وتنتصر للإصلاح العميق الذي يتطلع إليه «المغرب الممكن»، حيث يكون التعلم قاطرة لبناء الإنسان القادر على البحث والإنتاج والإبداع، لأن الشرط المؤسساتي يبقى في جملة المقومات التي يحتاجها القول الفلسفي؛ ليصير
(((8 المرجع نفسه. (((9 المرجع نفسه. (((9 محمد الشيخ، «تدريس الفلسفة في الكليات المغربية: كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك في الدار البيضاء نموذجًا»،
تبين، مج 1، العدد 2 (خريف 2012)، ص.242 (((9 المرجع نفسه.
حقًّا من الحقوق التي يجب على النظام التعليمي ضمانُها للمواطنين. ما يزيد من حدة هذا الشرط هو ذلك التساؤل الذي أعاد إدريس بنسعيد طرحه في إطار حديثه عن «مفارقات المدرسة المغربية»، والمتمثل في: هل قطع النظام التعليمي في المغرب علاقاته فعلً بالمشروع التربوي والمجتمعي لمدرسة ما قبل 1956؟ سأترك للقارئ النبيه مهمة البحث عن الإجابات الممكنة عن هذا التساؤل، وأكتفي اللحظة بالتذكير بالجواب الذي قدمه صاحب التساؤل: «لا أعتقد ذلك. فباستثناء الفترة الانتقالية المحدودة منذ بداية الاستقلال إلى منتصف التسعينيات، ساهمت المدرسة المغربية في خلق دينامية مجتمعية أدت إلى وصول جزء من خريجيها إلى مراكز علمية أو مراكز اتخاذ القرار. بعد هذه الفترة، لا أعتقد أن المدرسة المغربية استمرت بوصفها آلية رئيسية في إنتاج وتغذية النخب الاستراتيجية المفترض في النظام التعليمي ضمان إنتاجها وتأهيلها باستمرار».
خاتمة
عودًا على بدء، إن عملية التفكير النقدي تضع المتعلمين والمتعلمات أمام وضعيات تستدعي المساءلة والبحث؛ للارتقاء بالروح النقدية البنّاءة لديهم، في أفق تمكينهم من بناء شخصياتهم، وجعلهم أقدر على مساءلة المعارف والمعلومات. والأهم اتخاذ مواقف واعية إزاء الوقائع والأحداث والآراء التي تعترضهم في الحياة. هذا الأفق ليس يسير التحقق، ويحتاج إلى رفع العديد من الإحراجات داخل الوسط المدرسي عمومًا، وعلى مستوى المواد المدرّسة بصفة خاصة، ومنها مادة الفلسفة، نظرًا إلى
طبيعتها والرهانات المتصلة بها، والتي تتجلى، أساسًا، في تدعيم النشاط الذاتي للمتعلم وحفزه على
ممارسة حرية التأمل والتساؤل النقدي، إن هو أحسن التعامل مع سيروراتها المتداخلة. وحتى نظل أوفياء لمنطق التفاؤل الذي رسمناه في المقدمة، لن نعيد التذكير بالصعوبات التي تواجه هذه الرهانات، وعلى العكس من ذلك تمامًا سنوجه الاهتمام في نهاية المطاف إلى الأثر. لماذا هذا التوجه؟ لأن هذا هو المغزى من التعلم. نعم، قد يجيد المتعلم الجواب عن أنشطة المراقبة المستمرة أو الامتحان الوطني، على نحو يُظهر تمكنه من ضبط التأطير الإشكالي والتحليل والمناقشة، لكن ماذا سيستمر معه بعد البكالوريا في ارتباط بآليات التفكير النقدي إن تعلمها بصورة صحيحة؟ التخوف أن يكون الجواب–العادة، هو النسيان والمحو، بوعي أو بغيره، ما دام أن الدرس الفلسفي يعيش حاليًا – وقد
ينطبق هذا الأمر حتى على المواد الأخرى – إحراجَ الابتعاد التدريجي عن روح الفلسفة أو تعطيل
مسارات العودة إليها، وهو إحراج يجدد التساؤل حول مدى قدرة منظومة التربية والتكوين، التي تبقى مؤسسات خاضعة للدولة في نهاية المطاف، على أداء دور الحياد في عملية تلقين الفكر الفلسفي، وفتح باب الفصل الدراسي، من دون توجسٍ أو تردد، على مصراعيه أمام الفعل الفلسفي أو فعل التفلسف نفسه، ومفعوله النقدي من دون أيّ تخوف من أثره التفكيكي الذي قد يطيح أكثر اليقينيات صلابة. ينبغي أن نتساءل، في هذا الاتجاه، بكثير من الجدية والحزم، عن مدى استعداد النظام التربوي لتأسيس تقاليد فلسفية راسخة واحتضان واستضافة كل المرجعيات الفلسفية المؤسسة لمشهد تاريخ
(((9 فازيو، ص.29 ((9(إدريس بنسعيد، «مفارقات المدرسة المغربية»، مجلة المدرسة المغربية، العدد 1 (أيار/ مايو 2009)، ص.59
الفلسفة، سواء تلك المدعمة لرؤية الدولة إلى الإنسان والمواطن أو تلك التي تتعارض، جزئيًا أو كليًّا،
معها، خصوصًا ونحن نحيا، طوعًا أو كرهًا، في عالم كشفت جائحة فيروس كورونا المستجد أنه صغير وملتبس، حيث يجد المرء نفسه بنقرة واحدة، وبسرعة ويسر مذهلين، أمام الحقيقة ونقيضها.
References
المراجع
العربية
ابن طفيل. حي بن يقظان. تقديم حسن حنفي. تحقيق وتعليق أحمد أمين. الدوحة: وزارة الثقافة والفنون والتراث،.2014 ________. حي بن يقظان. تقديم وتحقيق فاروق سعد. ط 5. بيروت: منشورات دار الآفاق الجديدة، [د. ت.]. اعبيدة، حميد. «إشكالية المفهمة في الفلسفة وفي تدريسها». فكر ونقد. العدد).2004(64 ابن خلدون، عبد الرحمن. مقدمة ابن خلدون، ط 8. بيروت: دار الكتب العلمية،.2003 أفاية، محمد نور الدين. في النقد الفلسفي المعاصر: مصادره الغربية وتجلياته العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2015 إفرا، جوديث فان. التليفزيون ونمو الطفل. ترجمة عز الدين جميل عطية. ط 3. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2005 برديائف، نكولاي. العزلة والمجتمع. ترجمة فؤاد كامل. القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب، [د. ت.]. بلدي، نجيب. دروس في تاريخ الفلسفة. إعداد الطاهر وعزيز وكمال عبد اللطيف. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.1987 بنسعيد، إدريس. «مفارقات المدرسة المغربية». المدرسة المغربية. العدد الأول (أيار/ مايو).2009 بوبكري، محمد. التربية والحرية: من أجل رؤية فلسفية للفعل البيداغوجي. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2000 تمحري، عبد الرحيم. «الفلسفة الثانوية بالمغرب ومسألة التكوين المستمر.» فكر ونقد. العدد 62 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2004 تورين، آلان. براديغما جديدة لفهم عالم اليوم. ترجمة جورج سلمان. مراجعة سليمة ريشا. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2011 الجاحظ، عمرو بن بحر. رسائل الجاحظ. تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون. القاهرة: مكتبة الخانجي،.1964
جمهورية أفلاطون. ترجمة فؤاد زكريا. مراجعة محمد سليم سالم. القاهرة: دار الكاتب العربي للطباعة والنشر؛ المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر،.1968 حجاج، علي حسين. نظريات التعلم: دراسة مقارنة. مراجعة عطية محمود هنا. سلسلة عالم المعرفة. 7 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1983. حدية، المصطفى. «تعليم مهارات التفكير: مدخل لبناء المجتمع الديمقراطي في عصر المعرفة والمعلومات». مجلة المدرسة المغربية. العددان 8–7 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2017 الخطابي، عز الدين. «الدرس الفلسفي كمجال للتعلم الذاتي». ريفيو نتفي.:2021/2/5.
https:// bit. ly /3 wG 7 wEE
دوركهايم، إميل. التربية والمجتمع. ترجمة علي أسعد وطفة. ط 5. دمشق: دار معد للطباعة والنشر والتوزيع،.1993 روسو، جان جاك. إميل أو تربية الطفل من المهد إلى الرشد. ترجمة نظمي لوقا. بيروت: الشركة العربية للطباعة والنشر،.1958 رويض، محمد. «حول مفهوم الحجاج في الفلسفة، مقاربة فلسفية–لسانية–ديداكتيكية». فكر ونقد. العدد 26 (شباط/ فبراير.)2000 زين الدين، استاتي الحبيب. «من ‘التلميذ’ إلى ‘المتعلم’ بالمدرسة المغربية: تقاطعات أولية بين الحمولة الدلالية والمعرفية والممارسة البيداغوجية». دفاتر التربية والتكوين. العدد 10 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2013 سالم، نعمان. «التربية بوصفها أداة للتحرر: إضاءات من كتاب التربية والحرية: من أجل رؤية فلسفية للفعل البيداغوجي لمحمد بوبكري». رؤى تربوية. العدد).2006(22 السليماني، العربي ورشيد الخديمي. قضايا تربوية ورهان جودة التربية والتكوين: مقاربات سيكوبيداغية وديداكتيكية. مراجعة وتقديم عبد الكريم غريب. منشورات عالم التربية. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،.2005 الشيخ، محمد. «تدريس الفلسفة في الكليات المغربية: كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك في الدار البيضاء نموذجًا». تبين. مج 1، العدد 2 (خريف.)2012 طوزي، ميشال. «مدخل إلى إشكالية ديداكتيك تعلم التفلسف». ترجمة عزيز لزرق. مجلة فلسفة. العددان 8–7 (ربيع.)1999 عبد الرحمن، طه. الحق العربي في الاختلاف الفلسفي. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،
فازيو، نبيل. «الفلسفة بما هي رهان ديمقراطي، أو هل تحتاج الديمقراطية، فعلً، إلى الفلسفة؟». مجلة المدرسة المغربية. العددان 8–7 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2017 فايل، إريك. مستقبل الفلسفة. دفاتر إريك فايل. ليل: المنشورات الجامعية لمدينة ليل،.1987 فيالاتو، جوزيف. المقصد الفلسفي. باريس: المنشورات الجامعية الفرنسية،.1982 كانط، إيمانويل. ثلاثة نصوص: تأملات في التربية، ما هي الأنوار؟ ما التوجه في التفكير؟ ترجمة وتعليق محمد بن جماعة. صفاقس: دار محمد علي الحامي للنشر،.2015 كامي، ألبير. الإنسان المتمرد. ترجمة نهاد رضا. ط 3. بيروت/ باريس: منشورات عويدات،.1983 المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2030–2015. الرباط: مطبعة المعارف الجديدة،.2015 ________. مدرسة العدالة الاجتماعية: مساهمة في التفكير حول النموذج التنموي. الرباط: المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي،.2018 ________. التقرير الموضوعاتي لسنة 2009 حول نتائج التقويم الوطني لتقويم التحصيل الدراسي (التقرير التحليلي). الرباط: المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي،.2009 مجموعة البنك الدولي. المغرب في أفق 2040: الاستثمار في الرأسمال اللامادي لتسريع الإقلاع الاقتصادي. واشنطن: البنك الدولي،.2017 الهيتي، هادي نعمان. ثقافة الأطفال. سلسلة عالم المعرفة 123. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1988 الهيئة الوطنية لتقييم منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي. التقرير التحليلي: تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين 2013–2000، المكتسبات والمعيقات والتحديات. الرباط: المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي،.2014 المملكة المغربية، البوابة الوطنية للمغرب. «نص الخطاب السامي الذي وجهه جلالة الملك محمد السادس إلى الأمة بمناسبة الذكرى 16 لعيد العرش المجيد.» 2015/7/30:. في https://bit.ly/3d19o3b المملكة المغربية، المجلس الأعلى للسلطة القضائية. «نص الخطاب الملكي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى الأمة بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، الرباط 20 غشت
2012:». في https://bit.ly/329BPFX
المملكة المغربية، وزارة التربية الوطنية. الكتاب الأبيض، الجزء الأول: الاختيارات والتوجهات التربوية العامة المعتمدة في مراجعة المناهج التربوية. الرباط: لجان مراجعة المناهج التربوية المغربية للتعليم الابتدائي والثانوي الإعدادي والتأهيلي،.2002
________. التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة الفلسفة بسلك الثانوي التأهيل. الرباط: مديرية المناهج والحياة المدرسية،.2007 ياسبرز، كارل. مدخل إلى الفلسفة. ترجمة محمد الشنيطي. القاهرة: دار القاهرة،.1967
الأجنبية
Cornu, Laurence & Alain Virginaux. La didactique en question. Paris: Hachette, 1992. Derrida, J. Du droit à la philosophie. Paris: Galilée, 1990. Descartes, René. Médiations métaphysiques. Paris: Flammarion, 1979. Doutrelouk, Jean–Marie. "Vers une modélisation de la communication pédagogique." Revue Langue française. vol. 70, no. 1 (1986). Freire, Paulo. Pédagogie des opprimés. Paris: F. Maspero,1982. Foucault, M. Sécurité, Territoire, Population: Cours au collège de France, 1977–1978. Paris: Gallimard; Seuil, 1978. Perrenoud, Philippe. "Métier d’élève/d’apprenant." Résonances. no. 2 (Octobre 2011). Russ, Jacqueline. Les méthodes en philosophie. Paris: Armand Colin, 1992. Sartre, Jean Paul. Questions de méthode. Paris: Gallimard, 1960. Sen, Amartya. "Liberty and Social Choice." Journal of Philosophy. vol. 80, no. 1 (January 1983). The World Bank. Where is the Wealth of Nations? Measuring Capital for the 21 st Century. Washington, DC: World Bank, 2006. Tozzy, Michel. "Contribution à l’élaboration d’une didactique de l’apprentissage du philosopher." Revue française de pédagogie. no. 103 (Avril–Juin 1993). ________. Penser par soi–même, initiation à la philosophie. Lyon: Chronique Sociale,