العودة إلى تفاصيل المؤلَّف التفكير مع فيتغنشتاين ضد فيتغنشتاين آپل وهابرماس: الكونية من داخل اليومية

التفكير مع فيتغنشتاين ضد فيتغنشتاين آپل وهابرماس: الكونية من داخل اليومية

Thinking with Wittgenstein against Wittgenstein. Apel and Habermas: Universalism through the Everyday

سومر المير محمود

Somar Almir Mahmoud

الملخّص

تسلط هذه الدراسة الضوء على كيفية استيعاب أفكار لودفيغ فيتغنشتاين لدى كارل أوتو آپِل ويورغن هابرماس اللذين يتمسكان بعقلانية كونية، تتجاوز حدود اللعبة اللغوية الفتغنشتاينية، وتقوم على أساسها في آن معًا. ينهل الفيلسوفان من أفكار فيتغنشتاين كثيرًا في نقده لنماذج التفكير الفلسفي التراثية، لمفهومَي "النظر" و"الذات"، واللذين تَكَرَّسا تدريجًا في محطات كبرى في تاريخ الفلسفة. يحاول فيتغنشتاين الشاب التعامل مع مشكلات هذه النماذج قبل أن يتخلى عنها جذريًا لصالح البعد التداولي العملي، متجسدًا في "ألعاب اللغة". ويشاطر الفيلسوفان الألمانيان فيتغنشتاين هذه الانعطافة البراغماتية، غير أنهما يريان فيها طريقًا جديدًا نحو تأسيسٍ لعقلانية كونية، وذلك على عكس ما قصد إليه فيتغنشتاين وأغلب تلامذته وقرّائه.

Abstract

Abstract: This article sheds light on the ways in which Karl–Otto Apel and Jürgen Habermas not only appropriated Wittgenstein’s philosophy of language, but also transcended it. The two philosophers drew extensively on Wittgenstein’s criticism of traditional philosophical models, particularly of the concepts of ‘theoria’ and ‘subjectivity’, which were gradually established in pivotal stages in the history of philosophy. Wittgenstein initially engaged with the problems that these models gave rise to, before abandoning these models for a concept based on pragmatics, as in his theory of ‘language games’. While the two philosophers shared Wittgenstein’s pragmatic turn, they however viewed it as a way to establish a universal rationalism, a reading that is contrary to what Wittgenstein, as well as the majority of his students and readers intended.

الكلمات المفتاحية:
  • النظر
  • الذاتية
  • البينذاتية
  • البراغماتية
  • اللعبة اللغوية
  • الأنا–وحديّة
  • التواصل
  • العقلانية
Keywords:
  • Theoria
  • Subjectivity
  • Intersubjectivity
  • Pragmatics
  • Language Game
  • Solipsism
  • Communication
  • Rationality

نقده لنماذج التفكير الفلسفي التراثية، لمفهومَي «النظر» و«الذات»، واللذين تَك سا تدريجًا فيَر

محطات كبرى في تاريخ الفلسفة. يحاول فتغنشتاين الشاب التعامل مع مشكلات هذه النماذج قبل أن يتخلى عنها جذريًا لصالح البعد التداولي العملي، متجسدًا في «ألعاب اللغة». ويشاطر

الفيلسوفان الألمانيان فتغنشتاين هذه الانعطافة البراغماتية، غير أنهما يريان فيها طريقًا جديدًا

نحو تأسيسٍ لعقلانية كونية، وذلك على عكس ما قصد إليه فتغنشتاين وأغلب تلامذته وقرّائه.

العقلانية.

مقدمة

نشر كارل أوتو آپِل Karl–Otto Apel (2017–1922)، في بداية السبعينيات من القرن المنصرم، عمله الرئيس تحت عنوان تحوّل الفلسفة، في جزأين جمع فيهما مقالاتٍ سبق أن رأت النور في فصليات فلسفية، ومحاضرات كان ألقاها في مؤتمرات فلسفية منذ بداية الستينيات. وكما يشي العنوان، فإن مدعاة جمع هذه المقالات الفلسفية في هذا الكتاب، هي أنها ترصد التحول الجذري الذي تشهده الفلسفة منذ بدايات القرن العشرين، أي المنعطف البراغماتي في فرعيه: اللغوي – التحليلي، والفينومينولوجي – الهرمنيوطيقي..للكتاب قيمة تأريخية كبرى، من حيث اقتفاؤه إرهاصات هذه الانعطافات وتتبع ه مساراتها اللاحقة

غير أنّ آپل يؤطِّر جهوده التأريخية بمرامٍ نقدية، تتخ ذ في النصوص المبكّرة شكل تحفظات وأسئلة وتشكّكات؛ لتنضج وتتبلور في النصوص اللاحقة، حتى تستقلّ في نزعة فلسفية. ينتهي الجزء الثاني من الكتاب بنصّ طويل عنوانه «قَبْليّة جماعة التواصل وأسس الأخلاق»، وهو

يُحتسب أول صياغة ناضجة ومتكاملة للمذهب الفلسفي الذي سيُعرف لاحقًا ب «فلسفة الخطاب»

Diskursphilosophie، أي مذهب العقلانية التواصلية الكونية الذي سينال حظّه من النقاش العالمي، ليس باسم آپل بالدرجة الأولى، بل باسم زميله الجامعي وشريكه الفلسفي ولاحقًا خصمه داخل إطار النظرية، يورغن هابرماس Habermas Jürgen. في هذا النص، يأتي كارل أوتو آپِل على ذكر لودفيغ فتغنشتاين Wittgenstein Ludwig (1889–1951) مرتين؛ الأولى تتعلّق بعالم أفكاره المبكّرة كما يعرضه مؤلَّفُه رسالة منطقية – فلسفية Tractatus logico–philosophicus، والثانية بخصوص أطروحاته المتأخِّرة والصادرة بعد موته في

. Philosophische Untersuchungen بحوث فلسفية كتاب

في الموضع الأول، يُذكَر فتغنشتاين المُبَكِّر باعتباره أحد «الآباء الروحيين» للوضعانية الجديدة، ممن

يتمثّل في فلسفتهم أفضلَ تمثّلٍ «النظامَ التكامليّ» للفلسفة الغربية المعاصرة. والتكامل لدى آپل يقوم

بين معسكر الوجودانية: سورين كيركغارد Kierkegaard Søren (1855–1813)، وجان بول سارتر Sartre Paul – Jean (1980–1905)، وكارل تيودور ياسبرز Jaspers Theodor Karl (1969–1883) من جهة، ومعسكر فلسفة اللغة التحليلية في مرحلتها الأولى والوضعانية المنطقية Positivism Logical: بيرتراند راسل Russell Bertrand (1970–1872)، وفتغنشتاين، وحلقة فيينا Kreis Wiener من جهة

(1) Karl–Otto Apel, Transformation der Philosophie: Das Apriori der Kommunikationsgemeinschaft, Band II (Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1973).

(((تُعرّب لفظة Diskurs أحيانًا، عندما يتعلّق الأمر بهابرماس وآپِل وآخرين في السياق الألماني، ب «النقاش»، في تمييزٍ لمعناها مما

يُقصد بها في السياق الفرنسي، تحديدًا لدى ميشال فوكو. هكذا يعلل حسن مصدق خياره لترجمة Diskursethik ب  «أخلاق الن»، قاش

ينظر: حسن مصدق، النظرية النقدية التواصلية (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2005)، ص 14. غير أنّ مصدّق يناقش

لاحقًا معنى لفظة «الخطاب» في العربية؛ ل ن أنّ الالتباس الموجود في الكلمة اللاتينية الأصل، موجودٌ ذاته في كلمة «خطاب» يتبَيِ

العربية، لا سيّما في ما ينقله عن ابن سينا. وأرى في ذلك سببًا كافيًا لترجمة Diskurs في معناها الإيجابي والمثالي ب  «الخِطاب».

أخرى. ذلك أنّ التناقض المعروف بينهما ينقلب في نظره ضربًا من «توزيع العمل»، لا سيّما إذا ما

تنبّهنا إلى المبدأ الإبستيمولوجي الذي يتبنّاه كلاهما. ومفاده أنّ المعرفة الوحيدة «العاقلة والملزمة»

للإنسان هي تلك التي تنتجها العلوم الطبيعية فحسب، أي تلك التي تسعى إلى تمثيل وقائع العالم الفيزيائي حصرًا، في حين أنّ كلّ معالجة لأسئلة الحياة الأخلاقية تفتقد إمكانية أن تفرض مقولاتها على الإنسان معرفيًا، وتظلّ، نتيجة ذلك، رهينة الذاتية وقراراتها العسفية. ما يسري أو يصلح من معارفنا

لا تعدو حدوده العالمَ الطبيعي، وهي تكتسب سريانها وصلاحيتها من تمثيلها للطبيعة حصرًا، أي من «موضوعيتها». وحدها الموضوعية – أي صلة معارفنا «التمثيلية» بالعالم الموضوعي – هي ما يضفي على المعرفة الإنسانية شرعيةً عامةً، وتسوّغها أمام كل عاقل، بينما تنحسر في هذا المشهد أسئلة الحياة العملية (الأخلاق) في الإطار الذاتي – الوجودي. فمع انهيار المثالانية الألمانية Idealism German، بات، تدريجيًا، من غير الممكن افتراض ذاتية متعالية تختزن معيارًا أخلاقيًا للخير، وتُلزِم كل وجود

إنساني متعين به. لم يحِد فتغنشتاين الشابّ عن نظام توزيع العمل هذا قيد أنملة؛ فهو لم يسعَ إلى تحديد شروط ما «يمكن قوله» فحسب، إنما إلى تحديد ما يجب «الصمتُ عنه» في اللغة المحضة المثالية، بحيث يتم.ُّ إيداعه الذاتَ الصوفية في رسالة موجّهة إلى ناشره عام 1919، يحدّد فتغنشتاين معنى الرسالة على النحو التالي: «معنى الكتاب أخلاقيٌّ. أردت مرة أن أكتب في المقدمة أنّ عملي يتكون من جزأين: جزء بات يتوافر الآن بين

يدَي القارئ، وجزء آخر فيه كل ما لم أكتبه. هذا الجزء الثاني تحديدًا هو المهم. فالحقّ أنّ كتابي يقوم برسم حدود الإيطيقي من الداخل على نحو ما. كلّي ثقة بأنّ هذه الحدود لا تُرسم بصرامة إلا على هذا النحو. باختصار، أعتقد أنني في كتابي هذا قد قمت بتثبيت كل ما بات كثيرون اليوم يتحذلقون بشأنه، وذلك بأنّي صمَتهُّ عن». مرة أخرى يرد في نص آپِل هذا ذكر فتغنشتاين، لكن بحلّته المتأخرة هذه المرة، ولأجل وظيفة أخرى في سياق المحاجّة. فآپل يريد أن يخرق المعادلة المذكورة آنفًا، وأن يرد الاعتبار الفلسفي لقضايا أخلاقية لا تنطق صورًا عن وقائع موضوعية، بل معايير تحضّ على أفعال اجتماعية. ولضمان تسويغ عقلاني

لهذه القضايا المعيارية المنشودة، لا بدّ، في خطوة أولى، من البحث عن نمطٍ آخر من الصلاحية، غير الموضوعية وغير الذاتية، أي البحث عن سريان، ليس على الذات المفردة من داخلها (مثلً الواقعة النفسية: أتألّم)، ولا على الذوات من خارجها (مثلًالواقعة الفيزيقية: السماء تمطر)، بل بين الذوات ومن بينها. يجوز القول: إنّ منجز المنعطف البراغماتي (بزعامة هايدغر وفتغنشتاين المتأخر،

(((لتتبّع هذا التطور الحاسم في القرن التاسع عشر، ينظر: كارل لوفيت، من هيجل إلى نيتشه، ترجمة ميشيل كيلو (دمشق:

منشورات وزارة الثقافة، 1988)؛ كذلك كتاب شنيدلباخ الذي يعرض التطورات التي شهدتها مختلف المعسكرات الفلسفية وصول

إلى المشهد الذي ينطلق منه آپل:

Herbert Schnädelbach, Philosophy in Germany 1831–1933. Trans. by Eric Matthews. (Cambridge: Cambridge University Press, 2009 [1984]).

(((مقتبس عن: 369. p , Apel.

كلٌّ وفق منهجه الفلسفي)، لا يقتصر على تثمين هذه «البينذاتية» فحسب، بل يعدوه إلى ترتيب جديد للعلاقة بين المستويات الثلاثة، واعتبار الصلاحية البينذاتية، أي تعارف الأنا والآخر على معنىً ما،

شرطًا مُسبقًا لإمكان الصلاحيتَين الأخريين (لا سيما بدحض الأنا–وحديّة). لا يتردد آپِل في تبني هذا التوجه التداولي الذي يرهن، في حصيلة الأمر، كل معنى بالعلاقة البينذاتية المتمثلة بالحياة المعيشة ولغة التعامل والتفاهم اليومية، وهو يُنزلها منزلةَ الشرط شبه المتعالي (شبه الترنسندنتالي). لكن آپل، على عكس مارتن هايدغر Heidegger Martin (1976–1889)، وفتغنشتاين، وتيارات عريضة سارت على هديهما، يعارض أنْ تكون المرجعية المعرفية الأخيرة هي السياق التداولي التاريخي الذي يُلفي الإنسان نفسه فيه، سواء قورِب هذا السياق فينومينولوجيًا باعتباره عالمًا معيشًا، أو تحليليًا باعتباره

لعبةً لغويةً. وهو يقول في هذا الصدد: «يبدو لي أنّ هذه الفرضية الهرمنيوطيقية – الترنسندنتالية لا تزال صالحة حتى يومنا هذا، إذا ما تدبّرناها بشكل مناسب. غير أنّ هذا يستلزم ألّ تُختزل الأسبقية الترنسندنتالية للغة التعامل اليومية وللتفاهم اختزالً أنطولوجيًا – أو بمعنى تاريخ الكينونة – ب ‘حدث’

ما، أو اختزالً شبه سلوكاني بالألعاب اللغوية بوصفها وقائع. لا يكون التفاهم في لغة التعامل اليومي شرطًا مُسْبقًا لا يسبقه شرط، إلا على اعتبار أنه وحده الأرضية التي يمكن أن يتحقق عليها مثالُ التفاهم المعياري الذي يغدو، بناء على ذلك، أهلً لأن يُنشد». إذًا، عن تقويض الميتافيزيقا الغربية القائم في صلب المنعطف البراغماتي، لا يلزم بالضرورة الارتضاء بالتقاليد (هانز جيورج غادامر Georg Hans Gadamer) أو بشكل الحياة القائم (فتغنشتاين) على اعتباره أفقًا مرجعيًا، بل يتعيّن النظر إلى ما يُوَفِّره

شكل الحياة هذا، على ما يرى آپِل، من شروط لتأسيسٍ فلسفي وبَعد – ميتافيزيقي لعقلانية تواصلية تشكّل أفقًا كونيًا يسترشد فيه الإنسان. ما أسلفناه يصلح، رغم ما يشوبه من ابتسار، لأن يكون عرضًا عامًا لاستراتيجية التفلسف لدى كارل أوتو آپِل، وصورةً عن منهجية قراءته لفتغنشتاين، والتي لم يحد عنها الأول في عشرات النصوص التي تتناول الثاني؛ تجاوز فتغنشتاين المبكر مع فتغشتاين المتأخر، ومن ثمّ «زَجّ» الأخير في تأسيس عقلانية كونية تنظم علاقة الإنسان بذاته وبالآخر وبالطبيعة. ولا مبالغة في القول إنّ استراتيجيات المحاجّة وطريقة قراءة فتغنشتاين، نجدهما كذلك عند هابرماس الأغزر إنتاجًا والأذيع صيتًا. وكان الأخير رصد بدوره، في تعليق له على صدور المجلد الثاني من سلسلة الأعمال الفلسفية لفتغنشتاين عام 1965، قراءةً واسعةً ومستحسِنة لفتغنشتاين المتأخر في الأوساط الفلسفية الألمانية المحافظة، عقب نشر بحوث فلسفية في المجلد الأول عام 1960. يكمن سرّ «موضة» فتغنشتاين في ألمانيا الستينيات، عقب سقوط

النازية، في اتّباعه برودة التحليل اللغوي الإنكليزية؛ للوصول إلى نتائج لاعقلانية راديكالية ألمانية،

(((لعل آپِل كان من أوائل الذين تنبّهوا إلى التماثلات الواسعة بين أطروحات هايدغر وفتغنشتاين، بالرغم من التنافر التقليدي بين

المنهجين الفينومينولوجي واللغوي. توجد مقالاته المطولة عن تقارب الهرمنيوطيقا مع التحليل اللغوي في الجزء الأول من تحوّل

الفلسفة:

Karl–Otto Apel, Transformation der Philosophie: Sprachanalytik, Semiotik, Hermeneutik, Band I (Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1973), pp. 223–377. (6) Apel, Transformation II, p. 389 f.

بعونِ فتغنشتاين. يقول هابرماس: «نحن راديكاليون ومُطمئنّون»، فبهِ نعوذ من شبهة تسويغ الفاشيات، ونلبثُ في عالم شروطها الروحية في آن. فالفينومينولوجيون سَرهَّم شغفُه ب «الوصف المحض» لما

يتبدّى من ذاته، والهرمنيوطيقيون آزرهم تخلّيه عن «قطعية اللغة المصطنعة» لصالح «وضوح التقاليد اللغوية المألوفة بينذاتيًا». أما طريقة تحليله اللغوي، فقد أتاحت لجيل من الباحثين التاريخيين الاكتفاء

بموقف جمالي من النصوص التاريخية، على نحو ما كان عُهد عن التاريخانية. «وهكذا يؤكد فتغنشتاين العائد إلى الوسط الألماني ما كنّا دائمًا نعرفه ونمارسه. هنا له أن يوغل في المحافَظة أكثر مما هو عليه في واقع الأمر». في المقابل، يشكو هابرماس صممَ هذا الوسط عن أصوات نقدية مثل هربرت ماكروزه Marcuse Herbert (1979–1898)، وإرنست غيلنر Gellner Ernest (1995–1925)؛ فهذه الأصوات «تصرلُّ بحقٍّ على أنّ الممارسة العلمية من جهة، والتفكّر النقدي الفلسفي من جهة أخرى، يَقْوَيان – ك

بطريقته – على تجاوز حدود الألعاب اللغوية المعيشة التي يتجذّران فيها. إما أن يكون الأمر كذلك، أو أن نخسر حقنا في العقل». إذًا، من غير الوارد لآپِل ولهابرماس – في سياق نقدهما لفتغنشتاين – رفضُ مفهوم اللعبة اللغوية التي يتمحور حولها إلى حد بعيدٍ المنعطف البراغماتي، ولا مُعاندة «الثورة الكوبرنيكانية» Copernican Revolution كما وصفها أحد تلامذة فتغنشتاين. بيد أنّ الخلاف بينهما من جهة، وبين فتغنشتاين وتلامذته من جهة أخرى، يدور حول طريقة سَوق هذا النموذج اللغوي وتأوّل معانيه بالنظر إلى أسئلة الفلسفة الكبرى، فإما أن تكون ألعابُ اللغة المرجعَ الأساسَ والأخيرَ لتكَو ن المعنى في الحياة الإنسانية

من دونما نقد وعقل – وهو مغزى تحذير هابرماس – وإما أن تكون هذه الألعاب ذاتها تخبّئ في طيّاتها

اعتبارات عقلانية وأخلاقية عامة، غير مشوبة بعناصر ميتافيزيقية. في عشرات السجالات الفلسفية، لا ينفك الاثنان يستحضران فتغنشتاين ليَستلهما تأسيسَه التداولي للّغة

ضدّ كل بقايا فلسفة الوعي من جهة، وليستَخرِجا، من جهة أخرى، من نموذج اللعبة اللغوية، عكسَ

مقاصد صاحبها وقراءات المحافظين التي نبّه إليها هابرماس. على أن فهمَ المقاربة النقدية التي يجريها

فلاسفة الخطاب، ودعاة العقلانية التواصلية لأفكار فتغنشتاين المتأخرة، يَستلزم أو لً إجلاء التقارب معه وتثبيت الطروحات التي يشاطرونه إياها، والتي تتركّز حول الارتداد عن مفهوم النظر والركون إلى

(7) Jürgen Habermas, Philosophisch–politische Profile: Wozu noch Philosophie? (Frankfurt am Main: Suhrkamp 1984), p. 221. (8) Ibid., p. 222 f.

على غرار هابرماس، يذكر طلال أسد Talal Asad غيلنر في مساهمته في هذا العدد من دورية تبيّن، غير أنه يسوقه – على عكس

هابرماس الذي يعتبره قارئًا نقديًا لفتغنشتاين – مثالً على إساءة قراءة فتغنشتاين. وبعيدًا عن خصوصية التيارات المحافظة

الألمانية، أي شبهة تناغمها مع الفاشية، يبدو لي أنّ قراءة أسد المصادِقة على فتغنشتاين يمكن وضعها في صدارة قائمة القراءات

المحافظة وفق معايير هابرماس.

(9) Peter Frederick Strawson, "Philosophical Investigations. By Ludwig Wittgenstein," Mind , vol. 63, no. 249 (January 1954), p. 99.

العمل Pragma في تأسيس ظاهرة المعرفة الإنسانية. ويقتضي هذا، بدوره، العودة إلى تاريخ الفلسفة الأبعد لتبيُّن منطلقات التراث النظراني الذي ينقلب عليه فتغنشتاين، ومعه آپِل وهابرماس. عبر إضاءة خاطفة على محطاتها المفصلية، تحاول هذه الدراسة سرد «القصّة» المُتضَم نة في مصطلح «المنعطف البراغماتي»، والتي ما فتئ هابرماس وآپل يحكيانها بطرق متنوعة. إنها قصّة تعاقُب

نموذجين مُرشِدين، اعتمدهما التفكير الفلسفي في تاريخه، براديغمَين نظراني ين؛ أولهما براديغم

الكينونة الإغريقي (المبحث الأول)، يتداخل معه – عبر أوغسطينوس Augustine (354 م 430–م) في العصر الوسيط – ثم يُبدَل به براديغم الوعي الذاتي في العصر الحديث المبكّر (المبحث الثاني). تشهد بداية القرن العشرين تصدّعات عميقة في هذا البراديغم الثاني، تستتبع محاولات ترميم حثيثة (إدموند هوسرل Husserl Edmund (1938–1859)– فتغنشتاين المُبَكِّر) (المبحث الثالث)، قبل أن يحلّ محلّه

براديغم العالم المعيش واللغة اليومية. ولأن فتغنشتاين انخرط في المسعيَين، الترميم ومن ثم التقويض، سنقف على أفكاره مطولً من أجل

فهم الخلفية النسقية لاستبدال العمل بالنظر. عبر مماهاة العالم باللغة بدلً من الوعي، أراد فتغنشتاين في مرحلته الفلسفية الأولى إنقاذ براديغم الأنا العارفة نظرانيًا من محاولات تذويت معرفتها (المبحث

الرابع)، غير أن مشكلات نظرية عدة تبقى معلقة (المبحث الخامس) وتدفع إلى تقويض البراديغم بأكمله وإبدال براديغم عملاني بهِ يُقيم الأنطولوجيا بأكملها على الحياة العملية (المبحث السادس). ورغم الاتفاق الواسع على هذه السردية في خطوطها العريضة، فإن خلافًا يدور إزاء كتابة نهايتها: أكان المنعطف البراغماتي بمنزلة مصرع للفلسفة بمطامحها التقليدية، أم تحريرٍ لها من أغلالها الميتافيزيقية؟ تنتهي هذه الدراسة بعرض خاطِف للنهاية التي يتبنّاها كل من هابرماس وآپل بالضِّدِّ من فتغنشتاين: فألعاب اللغة عندهما ليست بديلً من مقولات كونية كما عند فتغنشتاين، بل شرط وأرضية لها (المبحث السابع).

أولا: أفلاطون: "النظر» أساسًا للحقيقة

لعل الفلسفة لم تعرف مجازًا أمضى من «الثورة الكوبرنيكانية»، الذي ابتدعه إيمانويل كانط Immanuel Kant (1804–1724) في وصف «التحول في طريقة التفكير»، الذي ينشده هو ذاته. ليس ثمّة ما يمنع

(((1 راجت هذه التسمية من بعد أن اختارها ريتشارد رورتي عنوانًا لكتابٍ حرّره:

Richard Rorty (ed.), The Linguistic Turn. Essays in Philosophical Method (Chicago: University of Chicago Press, 1967).

ويبدو أنّ أصل التسمية يعود إلى غوستاف بيرغمان Bergmann Gustav. ((1(يمكن تتبّع هذا السرد في آخر أعمال هابرماس أيضًا تاريخٌ للفلسفة، لا سيما في جزئه الثاني، رغم أنه يتوقّف عند تشارلز

بيرس:

Jürgen Habermas, Auch eine Geschichte der Philosophie (Frankfurt am Main: Suhrkamp, 2019).

يلتزم تشارلز تايلر Taylor Charles رواية مشابهة: تشارلز تايلر، منابع الذات: تكون الذات الحديثة (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،

وصف فتغنشتاين المتأخّر بهذا المجاز، لا سيما أن محاجّاته تحدث تحولً، أو حتى انقلابًا في أسس

التفكير اللغوي – التحليلي. غير أن أفضل مفتاح لفهم طبيعة هذا الانقلاب الفلسفي، يكمن في التحفّظ على استخدام هذا المجاز إزاء فتغنشتاين المتأخّر، ذلك أن الحبكة الكوبرنيكانية تظلّ، في نهاية المطاف، ترتكز على دور «المشاهد»، وبوظيفة النظر أساسًا للمعرفة، في حين أن كوبرنيكانية

فتغنشتاين في آخر عقدين من حياته، تتمثّل تحديدًا في القطيعة الجذرية مع نموذج التأمّل أو «النظر» Theoria العائد إلى أفلاطون، وكذلك مع الذاتية إطارًا إبستيمولوجيًا انتُهِجَ في الفلسفة منذ أن دشّنه

أوغسطين، قبل أن يُعمِّقه ويعمِّمَهُ رينيه ديكارت René Descartes (1650–1596). لا يُعزى لأوغسطين

اكتشاف الذات وتأسيس النزعة الذاتية (الذاتانية) فحسب، بل كذلك المُؤالَفة والدمج بين الذاتانية

والتقليد التأمّلي الأفلاطوني. ولئن كان النقد الشهير الذي يستهلّ به فتغنشتاين كتابه بحوث فلسفية

يقتصر على التصور الأداتيّ للّغة (وسيلة تسمية لا غير) لدى أوغسطين، فإن التعريج على الخلفية

الإبستيمولوجية، التي انبنت عليها نظرية أوغسطين اللغوية، سيُجلي جملة مسلمات الميتافيزيقا الغربية

منذ بارمنيدس والتي انقلب عليها فتغنشتاين. لا تتضمن القصيدة المأثورة عن بارمنيدس Parmenides (480–540 ق. م)، والتي صبّ فيها مذهبه

الفلسفي، أي أفكار تتعلق بنظرية المعرفة، إلّ أنّ شكل القصيدة نفسه هو ما يرسم النموذج الفلسفي الذي سنُلفيه لاحقًا – على شكل نظرية هذه المرة – عند أفلاطون Plato (347–427 ق. م). فبارمنيدس يهتدي إلى «طريق الحقّ» بإيحاء من الآلهة في رؤياه، حيث تُلقّنه أنّ «الفكر والوجود واحد ونفس الشيء»، وأن الوجود، مثله مثل الفكر، لا يعرف التناهي، «لا يكون ولا يفسد، لأنه كلٌّ وحيد التركيب [...] لا يتحرك، ولا نهاية له، وأنه لم يكن، ولن يكون، لأنه الآن كلٌّ، واحد، متّصل»، لإدراك كل هذا يأتيه أمر الآلهة: «انظر بعقلك نظرًا مستقيمًا إلى الأشياء». عند أفلاطون، المنسوب إلى المدرسة الإليائية والمُجلّ لبارمنيدس، يظهر كذلك نمط إبستيمولوجي

مشابه بالتوازي مع أنطولوجيا المثُل التي تجوز مقارنتها ب «الوجود» عند بارمنيدس. لا تتعلّق هذه المقارنة بأفلاطون تلميذ سقراط المجادل البارع والباحث عن الحقيقة داخل الجدال، بل إننا هنا إزاء أفلاطون الأب الروحي للأنطولوجيا الغربية الذي عناه ألفريد نورث وايتهيد

(((1 وهو ما وصفه به أحد طلابه:

John Niemeyer Findlay, "Wittgenstein’s Philosophical Investigations," Philosophy , vol. 30, no. 113 (April 1955), p. 173.

(((1 يقول كانط واصفًا فلسفته الترنسندنتالية: «والحق أنّ شأن ذلك، شأنُ الفكرة الأولى التي خطرت على بال كوبرنيقوس الذي

لجأ، بعدما عجز عن تفسير حركات الكواكب في الفضاء بافتراض أنّ مجموعة الكواكب بأسرها تدور حول المشاهد، إلى التفكير

ما إذا كان من الأنسب أن يجعل المشاهد يدور ليترك بالمقابل النجوم وشأنها». عمانوئيل كنط، نقد العقل المحض (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1990)، ص.34 (((1 أستند في هذا العرض إلى ديترش بوهلر:

Dietrich Böhler, "Wittgenstein und Augustinus. Transzendental–pragmatische Kritik der Bezeichnungstheorie der Sprache und des methodischen Solipsismus." in: Achim Eschbach & Jürgen Trabant (eds.), History of Semiotics (Amsterdam/ Philadelphia: John Benjamins Publishing Company, 1983).

((1(أحمد فؤاد الأهواني، فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 1954)، ص.132–130

Whitehead North Alfred (1947–1861)، حين قال: «إن أصحّ وسم عام للفلسفة الغربية، هو أنها

سلسلة من حواشٍ على مؤلفات أفلاطون». فالجدل Dialectic الذي عرفناه في الحوارات المبكرة استراتيجيةً خطابيةً حجاجيةً تلتمس التقدم المعرفي عبر تفنيد رأي الخصم في «المناقشة المُخلصة التي تولّد العلم»، هذا الجدل يغدو الآن وسمًا للمنهج الذي «يرتفع العقل به من المحسوس إلى المعقول، ولا يستخدم شيئًا حسيًا، بل ينتقل من معانٍ إلى معانٍ بواسطة معانٍ [...] فالجدل منهج وعلم يجتاز

جميع مراتب الوجود من أسفل إلى أعلى وبالعكس». يشي هذا الانزياح الدلالي لمفهوم الجدل بانزياح دائرة اهتمام أفلاطون بأكملها من البحث عن الحقيقة في إطار «السياق التداولي» إلى الإمساك بها في حيِّزها الأنطولوجي: «عالم المثُل». وعالم الحقّ هذا لا ينفتح معرفيًا إلا على العِلم الحقّ الذي

يصله الإنسان بالتدرّج الصاعد في مراحل الجدل الإبستيمولوجي المساير لمراتب الوجود. فطلب المعرفة، يكون في البدء على نحو الظن والرأي Doxa في عالم الموجودات الحسية، أيْ بتخيّل وتوهّم

هذه الموجودات من جرّاء آثارها في الحواس Eikasia وينتهي في الاعتقاد بشأنها Pistis، ومن ثم

تغادر النفس عالم المحسوس إلى عالم المعقول فتتوسل الفكر الاستدلالي القائم على تحصيل النتائج من المقدمات Dianoia، لكنها لا تتجاوز به المعقولات الجزئية كما في الرياضيات. في نهاية هذا السلم، تتخلى النفس عن وسائل الاستدلال العقلية هذه، وتتجه إلى «الإدراك المباشر أو الحدس» للمثُل المجردة عن كل مادة: الخير المحض، والحق المحض، والجمال المحض. يصف أفلاطون في مواضع كثيرة الجزء العلوي العاقل من النفس ب «عين النفس» والتي تمارس النظر العقلي Theoria في الماهيات العقلية، غير أنّ النظر لا يُبصر مبتغاه ولا يطرح العلمَ الحق إلا بما فيه من ملكة التعقل المباشر الحدسي Nous–intution للعالم الحقّ. والحال أنّ افتراض عالم الماهيات المفارق، على نحو ما يفعل أفلاطون، يستتبع بالضرورة افتراض عِلم مفارق يلائمه ويتيح الولوج إليه. في محاورة «فايدروس » Papyrus، يقول سقراط Socrates (399–470 ق. م): «هناك [في عالم الأفكار] يسكن الموجود بالذات الذي تختصّ به المعرفة الحقيقية، العديم اللون، الذي لا شكل له، ذو الجوهر الذي لا يدرك بالحواس، المرئي والمُدرَك بالعقل فقط، هادي الروح وقبطانها». هذا

العقل الذي يرى، ويدرك الموجود بذاته، يقصد به أفلاطون ملكة الحدس العقلي Nous التي تُبصِر وتتعقّل تلك الماهيات الممتنعة على الحس والاستدلال، تعق لً مباشرًا وفجائيًا. ليس على الإنسان،

لكي يقع على الحقيقة، أن يتحاور ويتداول مع الآخر، ليس عليه أن ينتظر منه تصديقًا أو تكذيبًا. معرفة

(16) Alfred North Whitehead, Process and Reality (New York: The Free Press, 1979), p. 39.

عن حوارات أفلاطون الباكرة والمتأخرة والفرق المضموني والأسلوبي بينها، ينظر: ماجد فخري، تاريخ الفلسفة اليونانية (بيروت: دار العلم للملايين، 1991)، ص.79–78 ((1(يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية (القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1936)، ص 84. يشير كرم إلى عدة دلالات اكتسبها مصطلح «الجدل»، منها كذلك «العلم الكلي بالمبادئ الأولى والأمور الدائمة»، وهو ما تغلب تسميته ب «الحدس العقلي»، Noesis. (((1 فخري، ص.82 ((1(أفلاطون، فيدروس: المحاورات الكاملة، ترجمة شوقي داود تمراز، مج 5 (بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، 1994)، ص.55

الحق، التي كانت تتولّد جدليًا داخل النقاش ب «الحجة الفضلى»، بات يقوم بها فرد وحيد يصعد درجات الجدل؛ ليصل إلى مرحلة النظر الحدسي الذي لا تشوبه لغة. مرارًا يقف أفلاطون على مسألة اللغة ويؤكّد ثانويتها وعدم ضرورتها التكوينية للمعرفة الحقّة. فَبلِسان سقراط يقول مثلً في محاورة «كراتيلوس» Cratylus: «[...] في معركة الأسماء، حيث يؤكّد بعضهم أنها تشبه الحقيقة، وبعضهم يجادل أنها كذلك [...] يجب الالتجاء بمقياس أو معيار آخر والاستعانة به، وهو سيوضح أيًا من الاثنين يكون صحيحًا، بدون استخدام الأسماء. وهذا ينبغي أن يكون مقياسًا يبيّن حقيقة الأشياء. لكن إذا كان حقيقيًا [...] فإنني أفترض حينئذ أنّ كل الأشياء يمكن معرفتها بدون أسماء». على هذا النحو تغدو اللغة في وظيفة تسمية الأشياء نافلة لا تلزم لمعيار المعرفة الحقيقي، أي للنظر والتعقّل الحادس، «الملَكة التي يضعها أفلاطون في أصل التقليد الفلسفي الغربي». في محاورات أفلاطون، قابلية تأويلية تتجاوز المعهود في النصوص الفلسفية الكلاسيكية. تحديدًا على الصعيد الإبستيمولوجي المتعلّق بكيفية معاينة الكليات والمبادئ العليا المفارقة للمادة مفارقة تامة، لا يزال الخلاف بين مؤرّخي الأفكار ينبض بالحياة، ومنهم من يعتقد أنّ أفلاطون بريء من تسخير الجدل لمصلحة الحدس. غير أنّ مما لا مماراة فيه أنّ الحدسانية كانت على رأس قائمة النزعات الفلسفية الأفلاطونية التي أثْرَتْها وطوّرتها المدارس الفلسفية اللاحقة، لا سيما الأفلاطونية المحدثة Neoplatonism. ومن الأخيرة تحديدًا نهل أوغسطين عناصر حاسمة لفلسفته المسيحية، فضلً عن أنّ قراءة كتُبها كانت سببًا في هدايته إلى إيمانه المسيحي كما يذكر في الاعترافات. فبعون أفلاطون المُحدث تمكّن أوغسطين من أن يضع للعقيدة المسيحية نظامًا فلسفيًا محكمًا، ما أهّلها للسيطرة على كامل الخطاب الفلسفي في العصر الوسيط. وفي سياقنا هذا، حسبنا إضاءة التحو ل الذي شهدته الحدسانية الأفلاطونية حينما حطّت – بعد تحديثها الأفلوطيني – بين يدي أوغسطين المسيحي.

(((2 أو «السبب الأفضل»، كما يرد في الترجمة العربية: «فأنا كنت على الدوام واحدًا من تلك الطبائع التي يجب أن تهتدي بالعقل،

مهما كان السبب، والذي يبدو لي عند التأمّل به مليًّا على أنه السبب الأفضل». أفلاطون، كريتون: المحاورات الكاملة، ترجمة شوقي

داود تمراز (بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، 1994)، ص 332–331. أما في الأصل الإغريقي فهي Logos، والذي يُستخدم في

الحوارات المبكرة (منها كريتون) بمعنى الحجّة. وهذا أحد الاقتباسات التي يعتمد عليها فلاسفة الخطاب الألمان في تأريخهم

لمسيرة أفلاطون الفلسفية، والذي ينعطف تبعًا له الفكر الأفلاطوني من البراغماتية التواصلية إلى الميتافيزيقا الحدسانية، ينظر مثلً:

Karl–Otto Apel, "Zur geschichtlichen Entfaltung der ethischen Vernunft in der Philosophie," in: Karl–Otto Apel, Dietrich Böhler & Karlheinz Rebel (eds.), Funkkolleg Praktische Philosophie/ Ethik. 3 Studientexte (2). (Weinheim/Basel: 1980), p. 87.

((2(أفلاطون، كراتيلوس: المحاورات الكاملة، ترجمة شوقي داود تمراز، مج 4 (بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، 1994)، ص.105 ((2(محمد هشام، في النظرية الفلسفية للمعرفة. أفلاطون – ديكارت – كانط (الدار البيضاء/ بيروت: أفريقيا الشرق، 2001)، ص.22 (((2 عن الجو «الأفلاطوني الأفلوطيني» الذي نشأ فيه أوغسطين في القرن الرابع الميلادي، ينظر مقدمة حسن حنفي لمحاورة

المعلم لأوغسطين في: نماذج من الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط: أوغسطين – أنسلم – توما الأكويني (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1978 1967[])، ص.9–5 ((2(أغوسطينوس، اعترافات القديس أغوسطينوس (بيروت: دار المشرق، 1991)، ص.139–132

ثانيًا: أوغسطين: النظر إلى الداخل طريقًا إلى الحقيقة

على هدي نظرية المعرفة الأفلاطونية، يُعرِض أوغسطين عن المعارف المستقاة عبر الحواس من الأجسام المادية، لأنها خدّاعة ومتبدلة، غير أنه يؤمن، ضد شكّ الأكاديميين، بوجود حقائق ثابتة ومتعالية عن الموجودات المادية (القواعد المنطقية، المفاهيم والقوانين الحسابية والهندسية، معايير الخير والجمال). ولما كانت هذه الحقائق الروحية المقطوعة الصلة بأي مادة تمتنع على مصادر المعرفة الحسية، فلا بد، لمعرفتها، من نظر روحي خاص يتيح ما يستحيل على اللمس أو الشم أو البصر. يعهد أوغسطين بهذه المهمة للعقل بوصفه «عين النفس» المحدقة في الحقائق المفارقة. لكن هذا الحدس المباشر بالمعنى الأفلاطوني سيتخذ في القراءة الأفلوطينية، ومن ثمّ، على نحو أشد، لدى أوغسطين، معنى الإشراق الإلهي. فالحقائق الروحانية الثابتة لن يدركها العقل إلا بسطوع نور رباني ينيرها ل «عين النفس» الناظرة، شأنها شأن الأرض، «لا تُرى ما لم تكن مُنارة»، مع أنها موجودة ومرئية، «الله وحده يجعل الأشياء أهلً لأن تُدرك»؛ لأن العقل البشري متقلب وموقوت، ومن ثم هو عاجز عن استيعاب ما هو مفارق وثابت وأزلي. إذًا، من جرّاء تباين طبيعة العقل البشري وطبيعة موضوعه، لا مندوحة

عن «نعمة التجلي الرباني» التي بها نتمكّن من استيعاب ما يفوق قدرات عقولنا، «فالواقع أنّ الحقيقة لا هي أدنى ولا هي مساوية لعقولنا، ولكنها أعلى وأكثر سموًّا». والحال أنّ هذا المستوى المفارق للنفس الناطقة وملكتها العقلية هو ما يبني عليه أوغسطين برهانه الأساسي على وجود الله في الكتاب الثاني من محاورة «في حرية الإرادة». فالعقل يُقر بحاجته إلى حقيقة تفارقه وتُرشده، حقيقة تسمو عليه.

والله – تعريفًا – أسمى وأفضل من أنفسنا الناطقة، وهو ما يلزم عنه، منطقيًا، أنّ الله هو الحقيقة ذاتها،

أو أنه شيء يسمو عليها وعلى النفس الناطقة، «في كلتا الحالتين، لن يكون بمقدورك أن تنكر أنّ الله موجود». غير أنّ الله عند أوغسطين، وإن بَرْهَن عقليًا على وجوده، ليس الحقيقة في حد ذاتها، التي يمكن

تأمّلها مباشرة، بل النور الذي يسطع كاشفًا إياها، وهو ما يشابه الدور الذي ينسبه أفلاطون إلى مثال

الخير بوصفه المبدأ الأخير الناظم والكاشف، والذي لا يعرف إلا بوظيفة نَظْمِه وكَشْفِه حصرًا. على أنّ

أوغسطين لا يُفارق عالم المحسوسات إلى عالم الجواهر المعقولة والعالم الإلهي صعودًا عبر منهج الجدل، كما فعل، من قبلُ، أفلاطون، بل يختار دربًا آخر إليها، درب الشكّ الذي يعبر من خارج الإنسان إلى داخله. ولعلنا هنا إزاء الأصالة الأوغسطينية الأمضى أثرًا في تاريخ الفلسفة الغربية، والكامنة في

(((2 المرجع نفسه، ص 203 وما بعدها. ((2(أوغسطينس، محاورة الذات (بيروت: دار المشرق، 2005)، ص.25 ((2(نقلً عن فردريك كوبلستون الذي يلخّص أبرز سمات الإشراق الأوغسطيني، ينظر: فردريك كوبلستون، تاريخ الفلسفة، ترجمة

إمام عبد الفتاح إمام وإسحاق عبيد، مج 2 (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010)، ص 92 وما بعدها. ((2(نقلً عن ماثيوز، ينظر: جاريث ب. ماثيوز، أوغسطين (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2013)، ص 147. وهو يقدم عرضًا

عامًّا للبرهان الأوغسطيني، في: المرجع نفسه، ص.147–144

الاستعاضة عن المجاز الأفلاطوني (الأدنى والأسمى) بمجاز جديد، يقارب تضاد المادي والروحي على أنه بين الخارج والداخل. في كتابه الثالوث المقدّس، يفرّق بصرامة بين إنسان جوّاني وآخر برّاني.

الأخير جسديّ يشترك في ذلك مع الحيوانات، ويشتمل على الحواس وانطباع صور المحسوسات في

ذاكرته، أما الإنسان الجواني فهو النفس والروح. كذلك نجده، في كتابه في الدين الحقّ، يحصر الطريق إلى الحقيقة والله بالاستبطان الذاتي؛ إذ يقول: «لا تمضِ إلى الخارج، بل عُد إلى ذاتك. فدخيلة الإنسان وطن الحقيقة. وما إن تدرك طبيعتك وتقلباتها حتى تتجاوز ذاتك أيضًا. لكن، تذكرْ

أنك عندما تتجاوز ذاتك، فإنك تتجاوز النفس العاقلة. إذًا، فلْتسعَ إلى حيث ينبلج نور العقل. وإلامَ يخلص المفكر الحاذق غير الحقيقة؟». لم تعد الروح لدى أوغسطين ترنو بعينها، أي بالعقل، إلى عالم آخر أنقى وجودًا من العالم المادي، بل باتت تتفك ر ذاتها، أي باتت ذاتًا، لتخلص إلى حقائق تنظم معارفنا، ومن ثمّ لتصل انطلاقًا من هذه الحقائق إلى الله. عن هذا التجديد الأوغسطيني يقول تشارلز تايلر: «لقد نقل أوغسطين بؤرة النظر من ميدان الأشياء المعروفة إلى النشاط المعرفي ذاته، والله موجود في هذا النشاط». ولا تبقى ذاتانية أوغسطين في حدود هذا التفكّر الذاتي، بل تنطوي كذلك على لحظة يقين الكوجيتو الذي يشبه إلى حد بعيد الكوجيتو الديكارتي، وإنْ كان أوغسطين لم يشيِّد عليه نسقه الفلسفي كما فعل ديكارت بعد أزيد من ألف سنة، بل اكتفى بتوظيفه للرد على شكِّ

الأكاديميين. يرى تايلر أنه «ليس من المبالغة في شيء، إن قلنا: إنّ أوغسطين هو الذي أدخل فكرة جوّانية الفعل

الانعكاسي [التفكّري] الراديكالي وسلّمه كما لو كان إرثًا لتقليد الفكر الغربي». فبالرغم من أنّ الذاتانية الأوغسطينية، باعتبارها سبيلً لمعرفة الله، لا تخرج عن إطار الميتافيزيقا اللاهوتية، بالرغم من أنّ الذاتية لديه لا تكتفي بنفسها وبملكة العقل فيها، وأن الحقيقة فيها لا تنكشف إلا بإرشاد إلهي – وهو ما يلزم عنه عدم صرامة الموقف الأنا–وحدي Solipsism (سحب الاعتراف من العالم، من موجوداته المادية المحسوسة ومن التواضعات الاجتماعية القائمة فيه، والانطواء على الذات للوصول إلى المعرفة اليقينية)، بالرغم من ذلك كله لم تنفكّ الفلسفة الغربية، في محطاتها الكبرى منذ ديكارت على أقل تقدير – أن تكون مواصلةً واطِّرادًا تدريجيًا للنهج الذي رسم معالمه أوغسطين

بعد أن تجاوز النهج الأفلاطوني. مع ديكارت، لم يعد الشك المنهجي في العالم الخارجي، ومن ثم اعتزالُه وعكوفُ الأنا على ذاتها بغية الإمساك باليقين؛ لم تعد هذه الخطواتُ عناصرَ متفرقة من جملةٍ أوسع من مساعي معرفة الله، بل

(((2 نقلً عن: تايلر، ص.205 (((3 نقلً عن: 349. p , Böhler. (((3 كوبلستون، ص 81 وما بعدها. (((3 تايلر، ص.207 (((3 ماثيوز، ص 64 وما بعدها. (((3 تايلر، ص.209

غدت مُذ ذاك نموذجًا مرشدًا في التفلسف. ينبني نسق ديكارت الفلسفي بأكمله على قاعدة «اليقين

الباطني» هذه، وإن كان البعد اللاهوتي لا يزال حاضرًا لديه، ليس عبر براهينه على وجود الله فحسب،

بل أيضًا عبر دور الضامن لصلاحية معارفنا بالعالم. أما كانط فالمعرفة التي يقصدها ليست تلك التي تهدف إلى إدراك «الأشياء في ذاتها»، بل التي تقارب الطبيعة على نحو علميّ، كما فعل ذلك نيوتن

على نحو نموذجي. يسلِّم كانط بتعذّر اكتناه الجواهر، ملتزمًا تقليدَ الارتياب الأنطولوجي الإنكليزي. لكنه يقرن ذلك

بالركون إلى الحدوس الحسية والتي يقتضي تحويلُها إلى معرفة موضوعية عقلً محضًا قبليًا، لا بدّ

من أن يكون موجودًا ما دامت المعرفة العلمية ذاتها مُمكنة (وهي ممكنة، بدلالة فيزياء نيوتن). في

مركز الوعي الترنسندالي، مركز «شروط إمكان المعرفة الموضوعية»، يُجلس كانط «الوعيَ الذاتي »،

أي الأنا المتيقنة من ذاتها بموجب فعالية التفكير. بهذا المعنى يورد عبارته الشهيرة: «يجب أنْ يكون من الممكن أن يواكب ‘الأنا أفكر’ جميع تصوراتي، إذ من دون ذلك سيكون ثمة شيء، مُتصوّر فيَّ

لا يمكنه أن يفُكةَّر البتّ». على هذا النحو، لا تعود الأنا–وحدية آلية توصّل لليقين الفلسفي فحسب،

بل شرطًا «لازمًا وكافيًا» لتأسيس المعرفة الموضوعية – العلمية بالعالم بالمعنى الحديث للكلمة (وهي

النزعة التي سيتطرّف فيها فتغنشتاين لاحقًا في الرسالة)، بينما ينحسر السؤال بخصوص الله عند كنط

إلى نطاق وظائف عملية – أخلاقية متعلّقة بالحياة، وليس بالمعرفة.

ثالثًا: إصلاح البراديغم والانقلاب عليه: هوسرل وهايدغر

حافظ هذا التقليد الفلسفي حتى مطلع القرن العشرين على بريقه الناتج من قدرته على إبطال جميع المعارف السارية فعليًا (بقوة التقليد مثلً)، من دون الاضطرار إلى تبنّي موقف الشكّ المُعَم م،

بل هذا الشكّ ذاته هو ما يُسفر في الإطار الذاتي عن درجة من اليقين، تعجز عن توفيرها تجارب

وتقاليد فلسفية أخرى، لا سيما النزعات الطبيعية والموضوعية التي أخذت تزهو بيقين بديل مُتصِ ل

بتكرّس العلوم الطبيعية ونجاحاتها في القرن التاسع عشر. ولذا فإن فيلسوفًا كإدموند هوسرل – الذي

ما انفك يُعاند النزعة النفسانية في أعماله المبكرة، وكذلك الإطارَ الطبيعانيهَّ الصادرةَ عن أو حتى مبدأ

الموضوعية «الساذجة»، المكوِّن لمفهوم العلوم الحديثةل – كان قد عثر في المنهج الديكارتي المؤَو

فينومينولوجيًا على أنجع الوسائل؛ لإخراج الذاتية من حقول اهتمامات العلوم الطبيعية – التجريبية،

(((3 كنط، ص.100 (((3 من جراء هذه الطاقة النقدية في مواجهة كل معتقد قائم، درجت استعارة الشك الديكارتي المنهجي لدى الشروع في تقويض تقاليد فكرية راسية وإنشاء غيرها، وهذا ليس حكرًا على الفلسفة فحسب، وأقرب مثال إلينا هو تبنّي طه حسين منهج الشكّ الديكارتي

في أطروحته الشهيرة في الشعر الجاهلي، للخلاص من «الأغلال الكثيرة الثقيلة» التي تفرضها «القومية» و«الدين»: طه حسين،

في الشعر الجاهلي (القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية، 1926)، ص 11 وما بعدها. ((3(مثلً في: هُسرل، الفلسفة علمًا دقيقًا، ترجمة وتقديم محمود رجب (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2002). يتضمّن تقديم

محمود رجب لمحةً عن مجمل موقف هُسرل من النزعة النفسية. ((3(يمكن الاطلاع على نقده المفصّل لموضوعانية العلوم الحديثة في: إدموند هوسرل، أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا

الترنسندنتالية، ترجمة إسماعيل مصدّق (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.)2008

أي من العالم، وفي جعلها يقينًا شارِطًا لكل معرفة موضوعية. في تأملّت خمسة كان قد عرضها في إطار محاضرتين باريسيتَين من عام 1929، يبدي هوسرل إخلاصًا لجذرية «الثورة الديكارتية»، عبر التعليق الفينومينولوجي (الإبوخية) Epoche لوجود العالم الخارجي (الوجود المنبني على «ظهوره»

للوعي)، وهو ما يتيح للمُتفَلِسف خوض «التجربة الداخلية المتعالية» Experience Transcendent

في إطار «الحياة المتعالية» Life Transcendent، أو «الذاتية المتعالية» Subjectivity Transcendent. هنا سيحقق هوسرل، على أكمل وجه، مشروعه في جعل الفلسفة «علمًا دقيقًا»، لا يدانيه الشك؛ «إنه

علم يتعارض بصورة جذرية مع العلوم كما فهمناها حتى أيامنا هذه، أي يتعارض مع العلوم الموضوعية [...] الأمر هنا، هو أمر علم ‘ذاتي بذاتية مطلقة’، على نحو من الأنحاء، وموضوعه مستقل عن كل ما يمكننا أن نقرره، بصدد وجود العالم أو عدم وجوده». إذًا، تغدو الفلسفة، حينما تعود إلى نفسها ديكارتيًّا، علمًا صارمًا يتناول موضوعًا مُطلق الوجود،

هو الحياة الترنسندنتالية. هذا العلم الواعد بالمعارف المطلقة سيتعيّن عليه أن يلتزم بمعيار العلوم

الحديثة إجمالً، أي «الإلحاد المنهجي»، فرضيةً تقف في خلفية كل مقاربة علمية لموضوع ما؛ ومفادها أنّ عملية معرفة العالم يتعيّن فهمها من دون فرضية الإله. هذا العِلم الصارم هو «إيغولوجيا

خالصة»، تتضمن موقفًا أنا–وحديًا راديكاليًا هذه المرة، لا تَستبقي الأنا بموجبه سوى ذاتها ولا

تستعين بغير ذاتها. غير أنّ هوسرل، الذي عرف أنّ ديكارتيةً ملحدةً ستتناسب طردًا مع راديكالية الموقف الأنا–وحديّ، استشعر في هذ الأخير مشكلةً إبستيمولوجيةً جوهريةً، نشأت عن تبصّر

فلسفي لطالما انطلق منه، وهو أن علاقة الذات بالموضوع لا يمكن أن تستقيم من دون ذوات أخرى تعترف كذلك بموضوعية المعرفة بالموضوع. هذا ما جعل هوسرل يعتبر هذه الأنا–وحدية «ليست إلا درجة سفلى من درجات الفلسفة»، يجب، «لأسباب منهجية»، الصعود عليها؛ للوصول إلى «فينيومينولوجية ما بين الذاتيات المتعالية». في التأمل الخامس والأخير، يقترح هوسرل فعليًا رؤية حلٍّ لهذه المشكلة، مفادُها أنّ البينذاتية موجودة

قبليًا ماهيةً داخل الأنا المتعالية، وذلك إلى جانب أقاليم مختلفة من الحياة الإنسانية يشتقّها هوسرل

جميعًا من الحياة المتعالية التي تتضمّنها بصفتها «إمكانيات خالصة». بناء على ذلك، يمكن القول:

إنّ هوسرل أحسّ بإحدى مشكلات فلسفة ال «أنا أفكر»، والأنا–وحدية اللازمة عنها. غير أنه، في نهاية

المطاف، لم يجدْ نفسه مضطرًا إلى التخ لِّي عنها، بل هو رجّحَ مزاياها على مثالبها؛ ما دفعه لاستعادة

ديكارت على هذا النحو اللصيق، معتقدًا أنّ حلّ المشكلة المشار إليها يمكن توليده من داخل البراديغم نفسه، أي من دون أن يقتضي الأمر هدم النسق الفلسفي بأكمله. وبالرغم من قطيعته الكاملة مع الميتافيزيقا اللاهوتية (الإلحاد المنهجي) وإقصائه لبقايا الميتافيزيقا

((3(أدموند هوسرل، تأملات ديكارتية أو المدخل إلى الفينومينولوجيا، ترجمة تيسير شيخ الأرض (بيروت: دار بيروت للطباعة النشر، 1958)، ص.97–69 (((4 المرجع نفسه، ص.98 (((4 المرجع نفسه، ص.204–194

الأنطولوجية، سواء لدى ديكارت (الوجود الممتدّ) أو كانط (الشيء في ذاته الممتنع عن المعرفة)، فإن هوسرل الذي بات عنده الوجود ظهورًا فحسب ظل مخلصًا لمبدأ الذاتية عمومًا الذي سن ه أوغسطين؛ «لا تحاول الخروج من نفسك، بل عُد إليها، فالحقيقة تكمن في أعماقك أيها الإنسان». بهذا الاقتباس الأوغسطيني، يختتم هوسرل تأملاته الديكارتية. قبل ثلاث سنوات من صدور تأملات هوسرل الديكارتية، كان تلميذُه الأشهر، هايدغر، قد نشر رسالة الأستاذية خاصته الكينونة والزمان، في سلسلة يشرف عليها هوسرل نفسه. في هذا الكتاب الذي بات من أمّهات كتب الفلسفة، لا يعود واردًا ترميم التقليد الديكارتي فينومينولوجيًا، على نحو ما فعل

هوسرل، بل إنّ هايدغر يصوغ فيه نقدًا «هدّامًا» لهذه الديكارتية، والعلاقة المركزية التي افترضتها بين جوهر مُفَكِّر وآخر مُمتد. صحيحٌ أنّ الفينومينولوجيا – من حيث هي إسقاطُ كل افتراض واعتقاد إزاء العالم الخارجي، و«العودةُ إلى الأشياء ذاتها»، ووصف نمط ظهورها وانعطائها لقصدية للوعي – كانت المنهج الذي طوّره هوسرل لفكّ اللغز القائم في علاقة الذات – الموضوع. غير أنها، كما يراها هايدغر، بقيت بين يديه حبيسة النزعة النظرية المميزة للفلسفة الغربية عمومًا؛ فهوسرل و«الميتافيزيقا الغربية» يجمعهما الانطلاقُ من أنّ الأشياء من حولنا، مثلً طاولة المنزل، تقابلنا، بادئ ذي بدء، كشيء «حاضر» في المكان والزمان، «له لون ما، شكل ما، سطحه مستطيل أو دائري، له ارتفاع ما، عرض ما، سطحه أملس أو خشن». ينفي هايدغر أن تكمنَ كينونة الطاولة الفعلية في أنها شيء مكاني مادي، كما توحي طريقة الوصف النظري هذه، الخاضعة ل «هيمنة الأحكام المسبقة المنيعة تقريبًا»، والمتسيّدة

منذ بارمنيدس حتى هوسرل. في مقابل ذلك يرد هايدغر خبرتَنا الأصلية بالطاولة، أي كينونتها الفعلية فينومينولوجيا، إلى أننا «نجلس عليها لنكتب، لنأكل، لنخيط، لنلعب. وهذا ما نراه فيها فورًا، بمناسبة زيارة مثلً: هي مكتب، طاولة أكل، طاولة قراءة، بهذه الطريقة تلاقي بحد ذاتها وبشكل أساسي». في مثال الطاولة هذا، والذي يورده هايدغر عام 1923، ترتسم المنطلقات التي ستتأسّس عليها إلى حد بعيد أفكاره، سواء في بعدها التقويضي لبراديغم الوعي بأكمله – ومن ضمنه فينومينولوجيا أستاذه هوسرل – أو في بعدها البنائي لبديلٍ منه من جهة أخرى. في الكينونة والزمان، يتحول وصفَا الطاولة إلى مقولتين أنطولوجيتين، الأولى «ضالّة»، وتلْحَظُ في ما يصادفنا، أول ما تلحظ، حضورَه المحض، وامتدادَه وتوافُرَه أمامنا، أو»قيمومتَه»، والثانية أكثر أصالة وتجذّرًا لجهة أنها تميّز في ما يلاقينا داخل

العالم، بادئ ذي بدء، كونَه في المتناول، أو «الكينونة – تحت – اليد». ومن جهة مقابلة يُح هايدغرِل مكانَ القصدية – التي جعلها هوسرل ماهيةَ الوعي أمام العالم – «الانشغالَ»، ويصفه ب «ماهية» الوجود الإنساني، أي «الدازاين»، إزاء العالم. يمكن القول، إذا جاز لنا اختزال براديغمات الفلسفة في صور، إنّ «عين النفس» المتأملةَ «الكائنَ الحاضِرَ»، في العالم من خارجه، أمست عند هايدغر يدًا تتناول

(((4 المرجع نفسه، ص.323 ((4(مارتن هيدغر، الأنطولوجيا، هرمينوطيقا الواقعانية، ترجمة عمّار الناصر (بغداد/ بيروت: منشورات الجمل، 2015)، ص.149 (((4 المرجع نفسه، ص.151 ((4(مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، ترجمة فتحي المسكيني (بيروت: دار الكتاب الجديدة، 2012)، ص.57

أدواتٍ داخل العالم من داخله. الحقيقة لا تعود مطويةً في أعماق الإنسان كما أوصى أوغسطين: «لا تحاول الخروج من ذاتك»، فالإنسان هو خارج ذاته سلفًا، إنه، في أساس تكوينه، كينونةٌ في العالم. في تلك السنوات كذلك، أخذ فتغنشتاين ينعطف عن منطلقات فلسفية أساسية سبق أن تبناها في مرحلته المبكرة عن برتراند راسل وغوتلوب فريجه Frege Gottlob (1925–1848)، وذهب فيها وأوغل أبعد منهما، كما ينجلي في كتابه رسالة فلسفية – منطقية. في مقدمة الرسالة يزعم فتغنشتاين «أن الأفكار التي سيقت هنا، يستحيل الشك في صدقها أو هي، فيما أرى، مقطوع بصحتها. ولذا فإنني أعتقد أنّ كل ما هو أساسي من مشكلات الفلسفة قد تم حلّه نهائيًا». وعلى اعتبار أنه قد قال كل ما يمكن أن يُقال، قضى سنوات الحرب العالمية الأولى وما أعقبها بعيدًا عن إنكلترا ومعتزلًالفلسفة، إلى أن سجّل حضورًا من جديد في جامعة كامبريدج في بدايات عام 1929، مدفوعًا بإحساسه بتجدد قدرته على العمل والإنتاج الفلسفي. تُرينا أعمال فتغنشتاين، في سنواته اللاحقة حتى مماته، أنّ رغبته المتجددة بالاشتغال الفلسفي كانت مقترنة بتزعزع الثقة المطلقة بأفكار الرسالة والتخلي عن فرضية عصمتها عن الخطأ. وقد يجوز القول إنه قد أنجز في مرحلتي تفكيره ما أنجزه كلٌّ من هوسرل وهايدغر، بمعنى أنه انقلب على نفسه على نحو انقلاب هايدغر على هوسرل. ومما يُساق بوصفه باعثًا على هذه المراجعة، التي تتخذ مع السنوات صيغة تراجع، مناقشاته مع فرانك بلامبتون رمزي Ramsey Plumpton Frank (1930–1903)، في السنتين الأخيرتين من حياة الأخير. غير أنّ نقد الاقتصادي الإيطالي، بييرو سرافا Sraffa Piero (1983–1898) الذي تعرّف به فتغنشتاين عند عودته إلى كامبريدج، كان له، كما يبدو،

دور أكبر في تصدّع أسس الرسالة لدى صاحبها. يقول فتغنشتاين عن مناقشاته مع سرافا: إنها «كانت تجعله يشعر كأنه مثل الشجرة التي قطعت عنها جميع فروعها، وأن الشجرة لم تكن لتورق من جديد إلا بناء على ما فيها من حيوية وخصوبة». ومما يؤثر عن نقاشاتهما، ثمة ما هو شديد الدلالة إزاء المنحى الذي ستتخذه فلسفة فتغنشتاين المتأخرة، ولا  سيما في بحوث فلسفية. يروي نورمان مالكوم Malcolm Norman (1990–1911) عنهما: «في ذات يوم، كانا يركبان، فيما أظن، قطارًا، وكان فيتغنشتاين ما زال مصرًا على أنّ القضية وما تصفه يجب

أن يكون لهما نفس الصورة المنطقية، ونفس الكثرة المنطقية. فقام سرافا بعمل إِشارة مألوفة عند أهالي نابولي، تعني الاحتقار والازدراء – وذلك بحك أسفل ذقنه بظهر أطراف أصابع إحدى يديه. ثم سأل فيتغنشتاين: ما هي الصورة المنطقية لذلك؟».

((4(لدڤيج ڤتجنشتين، رسالة منطقية فلسفية، ترجمة عزمي إسلام (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1968)، ص.60 ((4(عزمي إسلام، لدڤيج ڤتجنشتين (القاهرة: دار المعارف بمصر، 1998)، ص.19 (((4 المرجع نفسه، ص.56 (((4 المرجع نفسه.

رابعًا: فتغنشتاين الأول: «أنا أتكلَّم»، بدلًا من «أنا أُفَكِّر »

تأذن حيرة فتغنشتاين أمام اعتراضات سرافا، وعجزه عجزَ شجرة «قطعت عنها كل فروعها»، بفهم جديد لشروط الوظيفة الدلالية للغة، وليس للمنزلة الفلسفية للّغة عمومًا، والتي لم تشهد تبد لً مترافقًا بانعطافته المشار إليها. يتعذّر العثور في مجمل فلسفة فتغنشتاين على أفكار ليست من قبيل تحليل اللغة بوصفه المقاربة الفلسفية الممكنة والوحيدة للفكر عمومًا. وهو بهذا المعنى لم يبدِ أي ميلٍ تجاه مسلمات فلسفة الوعي، حيث يُفترض أنّ معنى العالم يتكوّن، أول ما يتكون، في شكل أفكار على مستوى الوعي المستقل والسابق على التعبير اللغوي. بل إنّ القطيعة مع هذه الاعتبارات، والتي كانت تلتمع عند فريجه وراسل من قبل، لم تُنْجَز على نحو راديكالي إلا على يد فتغنشتاين في الرسالة، حيث ينقل ضمنيًا كل صلاحيات الوعي إلى اللغة. فالصفة الترنسندنتالية، أي المكونة للعالم، التي نجدها لدى كانط حين يقول: «إنّ شروط إمكان التجربة [المعرفة] هي أيضًا شروط إمكان موضوعات التجربة»، نجدها كذلك عند فتغنشتاين الذي يرى أنّ «الفكر هو إمكان الوجود بالنسبة لأمور الواقع التي تكون موضوعًا لتفكيره. فما يمكن التفكير فيه، هو كذلك ممكن الوجود»، على أنّ الفكر ليس جوهرًا روحيًا أو وجودًا غير ممتدّ، بل هو «الرسم المنطقي للوقائع» فحسب. والرسم هنا لا يُساق على سبيل المجاز، بل لإبراز ضرورة أن تبقى الفكرة في إطار المحسوس، وذلك على شكل لغة؛ «[الفكرة] هي القضية [الجملة] ذات المعنى». و«في القضية [الجملة] يجيء الفكر مُعَبرً ا عنه في

صورة تُدرِكها الحواس»، بحيث نستخدمها «كما لو كانت ظلًّ يعكس ما يمكن أن يكون حادِثًا من أمور الواقع. وتفكيرنا في معنى القضية هو عبارة عن النظر في مسايرة الظل لأصله». وبالرغم من جذرية هذا التحول عن اعتبار الأفكار تمثلات داخلية لموضوعات خارجية، فإنّ الرسالة لا تنطوي إلا على زعمِ اللغة بديلً من الوعي والبناء على ذلك. أما التسويغ الفلسفي للمنعطف اللغوي، فلا ينجزه فتغنشتاين إلا في بحوث فلسفية، وذلك بموازاة انعطافة إضافية في فهم اللغة ذاتها؛ المنعطف التداولي.

((5(يحدد ميشيل دوميت في كتابه أصول الفلسفة التحليلية معيارين لنَسب أي فيلسوف إلى تقليد فلسفة التحليل اللغوي، هما

«أوىّلً، اعتبار أنّ التفسير الفلسفي للفكر يمكن إنجازه عبر تحليل فلسفي للّغة، وثانيًا اعتبار أنّ تفسيرًا شاملً لا يمكن إنجازه سو

عن طريق التحليل اللغوي».

Michael Dummett, Origins of Analytical Philosophy (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1994), p. 4.

(((5 كنط، ص.126 (((5 فتجنشتين، رسالة، فقرة 3.02. يتم الاقتباس وفق الترقيم في الأصل الألماني والمعتمد في الترجمة العربية. (((5 المرجع نفسه، فقرة.3 (((5 المرجع نفسه، فقرة 4. في ترجمة عزمي إسلام ترد العبارة على النحو التالي: «والفكر هو القضية ذات المعنى». غير أنّ الكلمة

في الأصل الألماني هي Gedanke Der، ومعناها «الفكرة» من دون لبس، في مقابل Denken Das بمعنى الفكر. من جهة أخرى فإن لفظة «القضية»، من حيث هي الترجمة ل Satz Der، لا تفي بمعنى «الجملة» المتضمن في اللفظة الألمانية. (((5 المرجع نفسه، فقرة.3.1 (((5 المرجع نفسه، فقرة.3.11

ب «إطلاق الفكرة من حيز الوعي»، وتوطينها حيز اللغة في صيغة قضية، يُنجز فتغنشتاين خطوة

جذرية في مشروع نقد الميتافيزيقا ومقولاتها الكلاسيكية المحكومة بالإبهام وشبهة اللغو. غير أنّ الفلسفة التي يناط بها الآن حصرًا «توضيح وتحديد الأفكار بكل دقّة» لا بد لها من البحث عن معنى

أن يكون للقضية معنى، أو – على منوال الفلسفة الترنسندنتالية – البحثِ عن شرط إمكان المعنى، وهو ما سيُجعل منه معيارًا للمعنى يطهّر به فتغنشتاين الفلسفة من اللغو الميتافيزيقي. أنْ ترسمَ اللغةُ العالمَ

على نحو ما يساير الظلهُّ أصله، هو أساس تكوّن معنى القضايا؛ «الذي يمثّله الرسم، هو معنا».

وبناء عليه، فإن القضية التي لا تمثّل جزءًا من العالم، تَنزِل منزلة ما ليس له معنى. هذه القضايا يفرزها

فتغنشتاين في خانتين؛ في الأولى تكون القضايا خالية من المعنى، أو قضايا تحصيل حاصل، وهي القضايا المنطقية والرياضية التي لا تقول شيئًا عن العالم، ولا يمكن إثباتها أو دحضها تجريبيًا، كما أنّ

صدقها وكذبها لا يتأتّيان من مطابقتها للواقع أو عدمه، بل من مدى اتساقها مع ذاتها. وفي الخانة الثانية، تنزل القضايا غير ذات المعنى، القضايا الفلسفية الميتافيزيقية التي لا يمكن تكذيبها ولا تصديقها؛ لانعدام مرجعية الواقع الملموس الذي يمكن مقارنتها به. إنها قضايا من قبيل أنْ نقول مثلً: «إنّ هناك أشياء موجودة»، فهي تبدي الشكل المنطقي ذاته الكامن، مثلً، في قضية «هنالك كُتب»، غير أنّ القضية الأولى لا تعكس واقعة ذرية كما تفعل الثانية. وعن إساءة فهم المنطق اللغوي تنشأ معظم الأسئلة والقضايا التي يقولها الفلاسفة والتي تتعذّر الإجابة عنها. في الرسالة، يجعل فتغنشتاين من الوظيفتين الدلالية والتصويرية صنوين لا يفترقان. بيد أنّ رسم اللغة للعالم مسبوق بالضرورة «بشيء من الهوية [التطابق] بين الرسم والمرسوم، حتى يتسنّى لأحدهما أن يكون رسمًا للآخر بأي معنى من المعاني». تبيين إمكان الرسم من حيث هو إمكان المعنى يقود

فتغنشتاين إلى جملة من الأطروحات إزاء طبيعة العالم الخارجي، لا تبدو ميتافيزيقيةً فحسب، بل تحديدًا من صنف الأنطولوجيا الموضوعية الواقعية الذي تجاوزته فلسفة الوعي ذاتها؛ فالعالم هو كل ما هنالك من «وقائع ذرّية بسيطة»، لا يمكن ردّها إلى ما هو أبسط، ويمكن تمثيلها بقضايا لغوية. ليست

«الأشياء» ما تكوّن العالم، ولا «الأسماء» هي لبنات اللغة الأساسية. أما الشيء فمن جوهره إمكان أن

يكون عنصرًا في واقعة ذرية، وهو ما يقابله الاسم كعنصر في قضية ذرية. الواقعة الذرية في رسالة

فتغنشتاين هي «التركيبة التي قوامها أشياء»، أو طريقة تشابك هذه الأشياء وترابطها بعضها ببعض، إنها ببساطة «العلاقة» القائمة بين شيئين والممكنة بحكم الشكل المنطقي الذي يملأ العالم. فأن تكون

(57) Dummett, p. 21.

(((5 المرجع نفسه، فقرة.4.112 (((5 المرجع نفسه، فقرة.2.221 (((6 قارن: المرجع نفسه، فقرة.4.003 (((6 المرجع نفسه، فقرة.4.2721 (((6 المرجع نفسه، فقرة 4.003. عن هذا تصنيف القضايا وفق معيار المعنى هذا ينظر: إسلام، ص.200–197 (((6 فتجنشتين، رسالة، فقرة.2.161 (((6 المرجع نفسه، فقرة.2.0272

اللوحة على الحائط والكتب مصفوفة بعضها فوق بعض لهي علاقات يمكن أن تدخل فيها عرضيًا

اللوحةُ والحائطُ من جهة، وكذلك الكتب بعضها مع بعض من جهة أخرى، غير أنّ إمكان حصول هذه العلاقات ليس عرضيًا، بل منطقي. على هذا النحو يفترض فتغنشتاين الصورة المنطقية للعالم

والتي تتطابق مع صورة الرسم اللغوي للعالم الخارجي، ف «الذي لا بد أن يكون في الرسم – مشتركًا بينه وبين الوجود الخارجي لكي يتسنّى له أن يمثله بطريقته الخاصة، صوابًا أو خطأ – هو صورة ذلك

التمثيل»، وبدورها تكون الرموز اللغوية تعسفية، اتفاقية، غير أنّ «النحو»، أي العلاقات التي تربط بين هذه الرموز، هو نحوٌ منطقي، وهو ذاته الصورة المنطقية. هكذا ينتهي الحال بفتغنشتاين إلى مفارقة السلم الشهيرة؛ السلّم الذي يُشترط لرميه استعماله. القضايا

ذات المعنى لا يمكن تكوينها إلا بجعلها تتناول عالم الوقائع الفيزيائية تحديدًا. غير أنّ استبصار إمكانية حمل القضايا للمعنى يستلزم من فتغنشتاين الكلامَ عما لا يقع في العالم كما تقع الأشياء على

نحو ما؛ وهو ما يعني وفق اصطلاحاته: الكلام دون معنى. هذا بالذات ما كان قد اعتبر فتغنشتاين أنّ تخليص الفلسفة منه هو مهمة الرسالة الأساسية، ف  «معنى الكتاب كله على نحو قريب مما يلي: ما يمكن قوله على الإطلاق، يمكن قوله بوضوح، وأما ما لا نستطيع أن نتحد ث عنه، فلا بد أن نصمت عنه». ليست هذه الدراما التي تشهدها الرسالة – أي أن تقع النظرية ذاتها ضحيةً لنقديتها – سوى نتيجة اطّراد فتغنشتاين بالفلسفة الترنسندنتالية إلى حدود استحالتها، وذلك لصالح أحادية مفهوم المعنى الوضعاني؛ اللغة ذات المعنى تنحصر بعالم الوقائع، ولا يمكنها أن تتعلّق ولا أن تستوعب شروطَ إمكانها. كانط نفسه كان قد رصد هذه المفارقة المصاحبة لكل مسعى ترنسندنتالي يرمي إلى إدراك موضوعات غير تجريبية وشارطة لكل تجربة، وهو يتحدث عن «مغامرة [...] التمثيل Analogie [القياس] الذي بموجبه نستعمل أفاهيم التجربة لنصطنع أفهومًا ما عن الأشياء المعقولة التي ليس

لدينا عنها في ذاتها أي معرفة». غير أنّ مغامرة فتغنشتاين مع العالم الترنسندنتالي – والذي يتعرّف

عنده بوصفه صورةً منطقية – تكمن في استقصاء أبعاده والتحديق في المفارقة الملازمة له، ففي نهاية المطاف ينطبق على فلسفته الترنسندتالية ما يعيبه على معظم القضايا والأسئلة التي كتبت في أمور فلسفية، وهو أنها «ليست كاذبة، بل خالية من المعنى». لكن هذا العيب ذاته هو ما يتيح له أن «يحسبَ أنّ الأفكار التي سيقت هنا، يستحيل الشك في صدقها [...] وأنّ كل ما هو أساسي في

مشكلات الفلسفة قد تم حله نهائيًا». إذًا، في مقابل الممارسة اللغوية ذات المعنى اللازم حصرًا عن قيمة الصدق في قضاياها، ثمّة ممارسة

(((6 المرجع نفسه، فقرة.2.17 (((6 المرجع نفسه، فقرة 6.124. يمكن العودة إلى عرض لذة العتيبي الموجز لأفكار فتغنشتاين: لذة العتيبي، فيتغنشتاين والمعنى (بيروت: منتدى معارف، 2020)، ص.65–62 (((6 ڤتجنشتين، رسالة، ص.59 (((6 كنط، ص.286–285 (((6 فتجنشتين، رسالة، فقرة.4.003 (((7 ڤتجنشتين، ص.60

لغوية أخرى غير ذات معنى؛ لخلوّ قضاياها من قيمة الصدق، نجدها، من جهة، في الإنشاء اللغوي الفلسفي الميتافيزيقي، «فلا وجود لشيء مثل الروح، الذات... إلخ. كما هي معروفة في علم النفس السطحي المعاصر». وعلى نحو أدق، ينكر فتغنشتاين معنى الكوجيتو الديكارتي، ومعه المبدأ الأساسي في التقليد الفلسفي الغربي الحديث الكامن في ثنائية الروح – المادة الأنطولوجية؛ إذ «ليس هناك ما قد نسميه بالذات المفكرة، أو المتمثّلة لتفكيرها»؛ لأن أي محاولة للعثور عليها من أجل رسمها لغويًا، ستغدو «منهجًا لإظهار أنه لا وجود للذات». بيد أن الممارسة الميتافيزيقية – ورغم خلوها من المعنى بالمعنى المشار إليه – يُعاد إليها الاعتبار، بمجرد أن تعي هذه المفارقة وتقصر وظيفتها على رسم الحدود بين المعنى واللامعنى. فقط على هذا النحو الحذِر، يجرؤ فتغنشتاين على تسويغ ميتافيزيقا الذات، فهو يقرّ بأن في الفلسفة معنى

للحديث عن الذات الميتافيزيقية، لكن فقط بوصفها «حدّ[ًا] للعالم، لا جزء[ًا] منه». وبذا نكون من جديد إزاء ذاتية ترنسندنتالية ممتنعة عن التمثيل القضوي، لكنّها متبدّية في كل تمثيل قضوي للعالم كشرط لإمكانه؛ إنها تتجاوز الذاتيات التجريبية وقضاياها الدلالية، وتقتصر على تمثيل هيكل العالم بقضايا منطقية «لا تتناول شيئًا»، بحكم أنّ المنطق تحصيل حاصل. يرصد فتغنشتاين خلف القضايا اللغوية الدلالية (السيمنطيقية) وذواتها التجريبية شكلً كونيًا متعاليًا من اللغة المكوّنة

للعالم (القضايا المنطقية التكوينية وعديمة المعنى)، وذاتًا لهذه اللغة تشكّلُ تخومَ العالم. ومن على مستوى هذه «الذاتية المنطقية المتعالية»، يطرح فتغنشتاين مشكلة «الأنا–وحدية التقليدية»، في إطار جديد يعد بحلّ جديد. رغم خصومته المبدئية مع الديكارتية، فإن فتغنشتاين يرث عنها مفهومَ ذاتيةٍ مليئًا بمفارقات الفلسفة الترنسندنتالية، وهو ما استتبعته حقيقةٌ أخرى من حقائق الرسالة، هي أنّ «العالم عالمي ». وهذه بدورها تقوده إلى طرح مشكلة الأنا–وحدية التي تلاحق كل ذاتانية كظلها. فأن يكون العالم عالمي هو أحد عناوين مشكلة الأنا–وحدية، من حيث إنها، كما يقول راسل، «مذهب يُعرف بأنه الاعتقاد

بأنني موجود لوحدي فقط [...] وأن كل إدراكاتي، طالما كانت تتعلق بوقائع، خاصة بي وحدي، وأن استنتاجاتِ بعض الوقائع من وقائع أخرى لن يكون مقنعًا على مستوى المنطق أبدًا». يتحدث راسل هنا عن الأنا–وحدية الذاتانية المبنية على اعتبار ديكارت أنّ العالم الخارجي ليس موضوعَ معرفة يقينية، في مقابل عالم داخلي يتصِ لُ به صاحبه على نحو مباشر، ويعرفه معرفة لا يخالطها الشك. وبناء عليه، فإن الأنا–وحديّ لا يعترف بالعالم وجودًا موضوعيًا مستقلًّ عنه، إنما تصَو رًا تابعًا له، لا بل إنّ

(((7 المرجع نفسه، فقرة.5.5421 (((7 المرجع نفسه، فقرة.5.631 (((7 المرجع نفسه، فقرة.5.641 (((7 المرجع نفسه، فقرة.6.124 (((7 المرجع نفسه، فقرة.5.641

(76) Bertrand Russel, Human Knowledge: Its Scope and Limits (New York: Routledge, 2009), p. 157.

ر في ذاتيّة الأنا–وحديّ على نحو خصوصي وغيرَّالعالم لا يمكن معرفته إلا من حيث هو عالم مُتصَو متاح لذاتية أخرى، على هذا النحو تعني الأنا–وحديّة أنّ «العالم عالمي». سواء عند أوغسطين أو عند ديكارت، ألفينا هذا الموقف الأنا–وحديّ المشار إليه في سياق إقصاء العالم من حيث هو ميدان للمعرفة اليقينية (من دون أن تُستثنى منه الذوات الأخرى). وكانت الأنا في هذه التجربة، هي ما بقي بمنأى عن ارتياب منهجي أطاح العالمَ الخارجي بأسره. اليقين الذاتي والشك

في وجود العالم المستقل صنوان لا يفترقان لديهما؛ ما يعني أنّ الموجودَ يقينًا هو الأنا وحدها، العارفة بأحوالها حصرًا. أما العودة إلى العالم وإعادة إنتاج الثقة بموضوعيته، فهذا ما كان يقتضي عندهما تدخ.ّلً إلهيًا يقوض الموقف الأنا–وحديّ لاهوتيًا، وليس فلسفيًا أما كانط فكان همّه الرئيس أن يكشف أسسَ الخبرة الإنسانية الموضوعية (ممثلة بالفيزياء الحديثة)؛

ليس الشك في صدق تصوراتنا عن العالم، بل قدرتنا على معالجة هذه التصورات في إطار عِلمٍ، وهذا ما يقتضي في محاجّته يقينَ الوعي الذاتي، أو «الاتّعاء». وبناء عليه، يتباين السياق الذي تظهر فيه الأنا– وحدية لدى كانط عما نعاينه لدى أسلافه؛ فالأنا المتيقنة من ذاتها تيقنًا مباشرًا لا تلتزم حدودها، بل تتعدّاها نحو العالم من جديد. خلف ال «أنا أفكر» الأوغسطينية – الديكارتية ثمّة «أنا أشك» في العالم. أما ال «أنا أفكر» الكنطية فتقوم على «أنا أعرف» العالم، عبر تعقّلٍ مفهوميٍّ لما تم حدسه بالحواس.

على هذا النحو، يخطو كانط من «العالم عالمي» على مستوى الحدس إلى «عالمي هو العالم» على مستوى العقل. حركة المحاجّة الفتغنشتاينية إزاء الأنا–وحدية هي ذاتها عند كانط، إلا أنها أكثر راديكالية في قطيعتها مع التوجّه الديكارتي – الأوغسطيني؛ بحيث لا يعود هذا الفصل جائزًا، ولا العبور لازمًا. بل إنّ الأنا–وحدية الفتغنشتاينية تنطلق من عكس ما قصده رسل؛ ففيها تختفي الذات، ومعها حيّز الذاتية الذي يُفترض أن يقبع فيه تصو ر العالم الخصوصي، بينما يظلّ العالم عموميًا منفتحًا، من حيث المبدأ، على كل مقاربة موضوعية عبر إمكانية رسمه لغويًا. في «العالم عالمي» الفتغنشتاينية، تزول الخصوصية عن «عالمي» ليصبح ذاتُه «العالمَ» العمومي بصفته «كل ما هنالك»، ووفق هذا المعنى للأنا–وحدية فإنها «حين تُطبةَّق بكل دقّة، تطابق الواقعية الخالص»، فالأنا، حين تفكّر العالمَ «لغويًا»،

لن تعود تلك العقبة أمام واقعيته، أي أنها لن تعود الأنا الديكارتيةَ التي تتوهّم أنّ أمامها عالمًا، فهذه الأنا «تنكمش حتى تصبح نقطة لا امتداد لها والذي يبقى كله هو الواقع [الذي ازداد بانكماشها»]. يريد فتغنشتاين من نقل تمثيل العالم إلى اللغة ردمَ الهوة بين الداخل والخارج، بين الذاتي والموضوعي لصالح الأخير، وتجاوز الأثر الديكارتي مرة وإلى الأبد.

(((7 المرجع نفسه، فقرة.5.64 (((7 المرجع نفسه. ((7(وهذا على عكس النقد الذي يتبنّاه عزمي إسلام نقلً عن كورنفورث لأنا–وحديةِ فتغنشتاين. تبعًا لهذا النقد، لا تنجو الأنا –

وحدية من الديكارتية، على اعتبار أنّه «لكي أكشف عما إذا كان الرسم صادقًا أو كاذبًا، وجب عليّ أن أقارنه بما يقع في ‘خبرتي أنا:»’

إسلام، ص 336. غير أنّ المقارنة والمطابقة تتم مع القضية اللغوية وليس مع الخبرة الخصوصية.

غير أن فتغنشتاين يُبقي على معنى واحد للأنا، ويتمسّك على أساسه بمذهب الأنا–وحدية، «فمعنى

أنّ العالمَ هو عالمي، يتبدّى في الحقيقة القائلة بأن حدود اللغة (اللغة التي أفهمها) تعني حدود عالمي». الفكرة الأساسية هنا هي أنّ حدود العالم ترتسم بدلالة حدود اللغة التي، من أجل تمثيله، أتكلمها وأفهمها «أنا»، فاللغة لا بد من أن تتكلمها ذاتٌ، لا بد من أن تملكها، وعلاقة الملكية هذه هي ما ينتقل إلى العالم نفسه. العالم واللغة التجريبية ليسا متطابقين، بيد أنهما يشتركان في الحدود ذاتها، أي الصورة المنطقية ذاتها. «المنطق» هو كلمة سر الأنا–وحدية الخالية من خصوصيات الأنا، فاللغة التي أتكلمها مجبولة على المنطق، وهي لا تعمل بمعزل عنه إطلاقًا: «لا نستطيع أن نتكلّم عن عالم غير منطقي، وكيف كان ليبدو»، وهذا المنطق ذاته «يملأ العالم»، وكل إمكانية منطقية يمكن قولها لا يمكن إقصاؤها عنه. قصارى القول: ما يدعو فتغنشتاين لاستحسان الموقف الأنا–وحديّ هو «ذاتية منطقية»، تكمُن، بالضرورة، خلف كلّ لغة في تمثيلها للعالم، إنها إمكانية ارتسام الوقائع في القضايا كما رأينا سابقًا، غير أنها تختزن عند فتغنشتاين جميع إمكانيات المنطق بحيث إنه يجوز القول: «أنا هو عالمي». هذه الأنا المنطقية ليس فيها أي شيء خصوصي بالمعنى الديكارتي، بل إن تعالي المنطق، على نحو ما يزعم فتغنشتاين، يقطع باستحالة تكوّن معنى غير منطقي، وهو ما يلزم عنه أن

العالم الذي أكَوِّنُه في لغتي هو ذاته المتكوِّن والمتاح لكل من تكلّم لغةً، عالمٌ متّفق عليه «قبليًا» بين

جميع الذوات؛ تعالي المنطق هو ما ينقل الأنا–وحدية، من إطار الذاتانية الديكارتية إلى إطار واقعانية تَعتبر العالمَ غنيًا عن التصورات الذاتية إزاءه، ولكن ليس عن بنية لغتنا المنطقية.

خامسًا: الإرث الثقيل: العالم حضورًا، اللغة تمثيلًا - الذات وحيدة

على هذا النحو يريد فتغنشتاين تخليص «العالم» من التذويت الديكارتي، وإعادة تأهيله واقعانيًا

من أجل تسويغ مقاربته بمناهج العلوم الطبيعية. وبذا يظهر كذلك تشابه جديد مع كانط الذي كان اعتبر أن المثالانية الترنسندنتالية – والتي توازي عند فتغنشتاين الذرّانية المنطقية – هي ذاتها واقعانية

تجريبية، بموجب اعترافها بالمادة من دون أن تُضطَريَّ إلى مغادرة الحيّز الذات. على أن تجاوز

الميتافيزيقا الذاتانية لا يعني بحال من الأحوال النجاح في تجنّب كل المقولات الميتافيزيقية، لا سيما

إذا اعتُمِد تصويرُ العالم في قضايا لغوية معيارًا أوحد للمعنى. بل إننا رأينا كيف قاد اختزال اللغة

– الموضوعية إلى إبطال معنى كل قضية ليس لها موضوع حاضر حضورًا شيئيًا في  بوظيفتها الدلالية

(((8 المرجع نفسه، فقرة.5.62 (((8 المرجع نفسه، فقرة.3.031 (((8 المرجع نفسه، فقرة.5.6 (((8 المرجع نفسه، فقرة.5.63 (((8 المرجع نفسه، فقرة.6.13 ((8(يُجري كانط هذه المقارنة في ملاحق نقد العقل المحضغير الموجودة في الترجمة العربية:

Immanuel Kant, Kritik der reinen Vernunft (Frankfurter am Main: Suhrkamp, 1974), pp. A370–371.

العالم، ومن بينها كل تفكّر باللغة ذاتها – أي قضايا عن قضايا – وفي مقدمتها الذرّانية المنطقية ذاتها. هذه هي المفارقة التي لم يخشَها فتغنشتاين، بل برع في عرضها ومحاولته التطبيع معها. فمن دون ميتافيزيقا «الصورة المنطقية»، أي أن تكون علاقات الأشياء بعضها ببعض انعكاسًا لنحو أسمائها داخل

القضايا، ومن دون ما يقترنُ بهذه المسلّمة مِن ذاتية ميتافيزيقية متعالية (منطقية) وموقف أنا–وحديّ

يضمن واقعية العالم، من دون كل ذلك لن يُمكنَ تسويغ معيار المعنى الدلالي – الموضوعي بِحَد يه؛

الصدق والكذب. غير أن ما  يعاب على نظرية اللغة في الرسالة ليس هو هذا التناقض الحاد بين خلفية معيار المعنى الميتافيزيقية ومجال تطبيقه الإمبريقي فحسب، بل تلك المسلّمات المنحدرة من تراث الفلسفة، والتي بقيت ملتصقة بطرفَي هذا المفارقة، أي بمضمون العالم وحدوده. إزالة هذه العيوب هي من بين الغايات المركّبة في بحوث فلسفية، والتي كرّس لها فتغنشتاين جهده الفلسفي في ما اتُّفق على

تسميته ب «مرحلته المتأخّرة»، من دون أن يتمَك ن من إزالة المفارقة ذاتها أو أن يسعى إلى ذلك، والتي

تدخل في تموضعٍ جديد. في ضوء تفريق هايدغر الشهير الذي ألمحنا إليه آنفًا بين أنطولوجيا تؤصِّل الكينونة في الحضور والتوافر (الطاولة بوصفها جسمًا ممتدًّا في الزمان والمكان)، وأخرى بديلة تماهي الكينونة بإمكاناتها

العملية – الحياتية (الطاولة بوصفها أداة يمكن الأكل والقراءة عليها)، يتضِ حُ من دون كبير عناء أن

فتغنشتاين الشاب لم يحد عن إرث أنطولوجيا الحضور. فهو يفترض ضمنيًا أننا نصادف في العالم

عناصرَه الأولية، الأشياء المتوافرة فيه، والتي نُكوِّن معناها بعد أن نعطيها أسماء ونَجمعها في قضايا

أولية تكون الأساس البسيط للنظريات العلمية المركّبة. في عالم فيزيائي على هذا النحو، لا ينبثق المعنى إلا من تسمية عناصر العالم الحاضرة وربط هذه الأسماء ربطًا منطقيًا. والأهم أن وقائع

العالم لا تحتاج، لتكونَ في اللغة ذات معنى، أكثر من أن «تقع» على مرأى منا، أي أن يمكننا التحقق منها؛ «الاسم يعني [يدل على] الشيء، والشيءُ هو معناه [دلالته»]. أما القضايا فمعناها يكمن

في فهم شروط حقيقتها؛ «لأنْ نفهم معنى قضية ما، هو أن نعرف ما هنالك، إذا كانت صادقة». لسنا هنا إزاء الفهم البراغماتي لمعنى الأشياء في سياق نشاطنا الحياتي، «الفهم التأويلي» الحركي كالذي نلفيه عند مارتن هايدغر، بل إن ما يقصد إليه فتغنشتاين هو المعرفة النظرية بالعالم التي تفترض حضوره الساكن الذي يتيح لنا التحقق من وقائعه، وهو تحقق لا يمكن تخيله في ضوء الذرّانية المنطقية إلا مقارنةً ومعاينةً و«نظرًا». فلئن نجحَ فتغنشتاين الشاب في الخروج عن الذاتانية

الأوغسطينية – الديكارتية عبر إبدال اللغة المفتوحة بالوعي المغلق، فإنه ظلّ حبيسَ المسلّمة

المفترضة سواء في براديغم الكينونة أو براديغم الوعي، والتي تفيد أن كل معرفة إنسانية تقوم على ركيزتين هما: ذات، وموضوع، تربطهما علاقة «النظر». على أنّ الأمر هنا لا يقتصر على الإخلاص لميتافيزيقا الحضور الموضوعانية، ونفي أي أهمية تكوينية

(((8 بخصوص تناقضات النظرية التصويرية، ينظر: العتيبي، ص 67 وما بعدها. (((8 فتجنشتين، رسالة، فقرة.3.21 (((8 المرجع نفسه، فقرة.4.024

للمعنى عن وجودنا العملي في العالم، بل يتعداه إلى عجز هذه الفلسفة اللغوية بتوجهها الوضعاني عن الاعتراف بمعنى جوانب شديدة الاتساع من نشاطنا اللغوي، وذلك بموجب النزعة الاختزالية المحايثة لمعيارها عن المعنى لجهة أنه دلالة على شيءٍ حصرًا. فالواقع اللغوي كفيل بأن يرينا أنّ الكثير من العبارات والقضايا تستخدم بشكل ناجح، أي «يصلح» استخدامها، ويمكن فهمُ «معناها»،

على الرغم من أنها لن تعْبُرَ امتحان المعنى وفق الرسالة إذا ما أخضعت له. كذلك لا بد من السؤال عن جدوى هذا المعيار لفهم الحيز اللغوي الذي لا يوصف فيه الواقع، بل يُغَيرمَّ عبر أفعال الكلا (الوعد،

والتهديد، والرجاء، وغيرها)، وهي التي يشير إليها فتغنشتاين في بحوث فلسفية لِمامًا، ويجعل منها، لاحقًا، كلٌ من جون أوستن Austin John (1960–1911)، وجون سيرل Searle John، نظريةً لغويةً مستقلّة، ويؤسّس عليها كل من آپل وهابرماس عقلانيتهما التواصلية. لا مراء في أن نقد نظرية اللغة الأوغسطينية الذي يستهل به فتغنشتاين بحوث فلسفية، هو نقد عام لفلسفة اللغة الملحقة بالميتافيزيقا التقليدية، غير أنه نقد ذاتي كذلك، على اعتبار أن جذور فكرة أوغسطين هي: «أن كل لفظ له معنى. هذا المعنى مرتبط باللفظ. فهو الموضوع الذي يمثله اللفظ»، وهي التعريف ذاته الذي تقدمه الرسالة للمعنى كما أشرنا سابقًا. ويبدو أن فتغنشتاين لا يزال يعترف بصحة نسبية لهذا الرأي، فهو يعتقد أنه «وصف مناسب [للغة]، لكن بالنسبة لهذا المجال المحدد فقط»، أي «بالدرجة الأولى أسماء مثل مِنْضَدة، كرسي، خبز، وأسماء أشخاص، ثم بالدرجة الثانية أسماء أفعال معينة وصفات معينة». ويمكن كذلك رصد مشترك آخر بين فتغنشتاين الرسالة والتراث الفلسفي الذي يمثّل أوغسطين قطبًا فيه، وذلك من جهة الافتراضات الترنسندنتالية هذه المرة؛ أقصد مُشترَك الأنا–وحدية التي يتبنّاها فتغنشتاين بعدما يُبدل فيها المنطق المتعالي بكل ما هو نفساني

وذاتي – تجريبي. بعمومية العالم التي تترتّب على مَنْطقَةِ الأنا، تنقلبُ الأنا–وحدية إلى نزعة واقعية، كما بيّنا، ولا تعود تَزعمُ أنا بلا عالم، ولا تقرن مع الأنا عالمها الخاص، كما عرّفها راسل، غير أنها

لا تزال تتضمن معنىً كلاسيكيًا لصيقًا، هو أنّ الأنا–وحدية هي زعمُ «أنا» مِن دون «أنت»؛ ذات من

دون ذوات أخرى.ُ ما يظل يربط فتغنشتاين بمواقف الفلسفة التقليدية هو تحديدًا هذا الموقف الأنا–وحدي، أي «الافتراض أنّ الذات الواعية قادرةٌ على الفكر والمعرفة الصالحين، من دون أن تُضْطَر، من حيث

((8(أتّبعُ ترقيم المقاطع الأصلي المعتمد كذلك في الترجمة العربية: لودفيج فتجنشتين، بحوث فلسفية، ترجمة وتعليق عزمي

إسلام، مراجعة وتقديم عبد الغفار مكاوي (الكويت: جامعة الكويت، 1990)، فقرة.1 (((9 لا بد من التنويه إلى أنّ أوغسطين الذي يشاطر فتغنشتاين المُبَكِّر في اختزال اللغة في وظيفة تسمية الأشياء، كان سبقه إلى

اعتبار اللغة جزءًا من عالم العمل، أي إلى أحد أهم منطلقات فتغنشتاين في عهده المتأخر. على أنّ ربط اللغة بالعمل والنشاط

الاجتماعي يحدث عند أوغسطين في سياق استبعاد اللغة من مجال الحقيقة، المجال الذاتي الجواني. يعرض أوغسطين أفكاره إزاء

اللغة في: أوغسطين المُعلِّم. قارن أيضًا مقدمة حسن حنفي للمحاورة. ((9(فتجنشتين، بحوث فلسفية، فقرة.3 (((9 المرجع نفسه، فقرة.1

المبدأ، إلى مشاركة الآخرين معاني لغوية». فبالرغم من أن جهوده في الرسالة انصبّت على تحصين

البعد العمومي في المعرفة وضمان انفتاحها على كلّ الذوات بناءً على بنيتها اللغوية، فإن البنى التي

يفترضها لأجل معرفة من هذا النوع، لا تبرح حدود الذاتية ولا تعترف بضرورة التفاعل مع آخرين. فمن جهة، ثمة ذاتٌ منطقية متعالية تضمن، في إطار عزلتها، تحَق قَ شرط المعنى على نحو قبلي؛ إنها بمنزلة توافق مسبق على إمكانيات المعنى، توافق من دون تواصل. ومن جهة أخرى، لا يبدو أن «التحقّق التجريبي» من صدق قضية من القضايا أو كذبها، يعدو أن يكون «معاينة للواقع»، تقوم به ذاتٌ مكتفية بذاتها. بالراديكالية ذاتها يُقصي فتغنشتاين عن لغته المثالية، من بين ما يقصيه، الوظيفةَ التواصليةَ والتي تنجزها عادةً القضايا القصدية، أي تلك التي يرتبط فيها خبرٌ ما عن العالم بذات تعتقده أو تزعمه.

هذه الصيغة القضوية التي تتيح التواصل والتخاطب بين الذوات، فضلً عن أنها شرط إمكان العلوم الإنسانية بأكملها، يُغَيّب عنها فتغنشتاين الذاتية ويجعل منها قضيةً توضح معنى العلامة القضوية

فحسب «فمن الواضح أن ‘أ يعتقد أن ق’، ‘أ يظنةُّ ق’، ‘أ يقول ق’ كلّها تأخذ صور (‘ق’ يقول ق»).

سادسًا: فتغنشتاين الثاني: «نحن نَعمل»، بدلًا من «أنا أتكلّم»

تبيّن قراءة بحوث فلسفية أن أحادية الوظيفة الدلالية – الشيئية في النموذج اللغوي المقترح في الرسالة،

وكذلك شروط إمكانه الميتافيزيقية، هي من «الأخطاء الفادحة» التي اضطُر فتغنشتاين إلى الاعتراف

بوجودها، بعد أن استأنَف الاشتغال بالفلسفة. في بحوث فلسفية برنامج عمل موسّع، فهو يضمّ «موضوعات عديدة: منها مفاهيم المعنى، والفهم، والقضية، والمنطق، وأسس الرياضة وحالات الوعي، وغيرها من الموضوعات»، فضلً عن الأسلوب المختلف الذي، خلافًا لما عهدناه في الرسالة، لا يتجنّب الاستطراد. لكن بما أن سؤالنا ينحصر في كيفية إنجاز القطيعة النهائية مع التراث الفلسفي، عبر رفع شأن الجانب العملي والأدائي في تكوّن المعنى في اللغة، فسيكون ممكنًا رسم خطاطة تضمّ أهم المقاربات الفتغنشتاينية الجديدة، من حيث هي تصحيح للأخطاء الفادحة المشار إليها سابقًا. ليس من الصعب ملاحظة الحذر الذي يكتنف معارضة فتغنشتاين لنظرية أوغسطين اللغوية المتمحورة

(93) Karl–Otto Apel, Diskurs und Verantwortung (Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1988), p. 98.

يعرّف تلميذا آپل، فولفغانغ كوهلمان وديترش بوهلر، الأنا–وحدية بأنها المُسلّمة الفلسفية التي مفادها أنّ «واحدًا وحده، من حيث

المبدأ، يقوى على أن يعتقد بمعارف صادقة وأن يعلل قضايا صالحة». ينظر:

Wolfgang Kuhlmann & Dietrich Böhler, Kommunikation und Reflexion. Zur Diskussion der Transzendentalpragmatik, Antworten auf Karl–Otto–Apel (Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1982), p. 9.

(((9 تغييب الذات عن اللغة على هذا النحو، وإنكار الاستعمال القصدي لها، هو ما يُفترض أن يكون المنطلق الذي بنت عليه

لاحقًا الوضعانية المنطقية تعميم منهجها الطبيعاني على العلوم الإنسانية. يتابع آپل هذا المسار وصولً إلى فتغنشتاين المتأخر

الذي يمكن فهم فلسفته المتأخرة على أنها تأويل غير وضعاني لعبارته الإشكالية في الرسالة:

Apel, Transformation II, pp. 28–95.

(((9 فتجنشتين، رسالة، فقرة 5.542. عن هذه العبارة الشديدة الغموض، ينظر: مقدمة رسل، في: ڤتجنشتين، رسالة، ص.50–47 ((9(فتجنشتين، بحوث فلسفية، ص  5. يرد هذا الاقتباس في المقدمة التي وضعها فتغنشتاين لكتابه. أما في المَتن فهو يُرقِّم أفكاره

على نحو مستقل عن الصفحات. تَرعى الترجمة العربية نظام الترقيم هذا، وهو ما سيُحال إليه في الشواهد المقتبسة هنا.

حول وظيفة تسمية الأشياء؛ إذ إنّ ما ينفيه عن اللغة ليس هو الدلالة الشيئية عمومًا، بل أنْ تقوم اللغة،

باعتبارها حاملً للمعنى، على علاقة العلامة بالشيء. معنى كلامه عن «مجال محدد» تبدو فيه اللغة تسمي الأشياء، ينجلي لاحقًا عند مناقشته دور «التعاريف الإشارية» في تعلّم اللغة، على نحو ما يتوضّح في مثال أوغسطين عن الطفل الذي يتعلّم اللغة بربط الأشياء بأصوات يطلقها الكبار أثناء الإشارة إليها. ففعالية التعاريف الإشارية تفترض تمييزًا مقوليًا يتيح بناء علاقة سليمة بين الكلمة والمشار إليه (هل

اثنان هو عدد أم لون أم نوع أم اسم علم؟)، فضلً عن القدرة على استخدام هذه الكلمة؛ قد يشير أحدهم إلى الملك على رقعة الشطرنج قائلً: «هذا هو الملك». أما المتعلم فلن يفهم – إذا اقتصر الأمر على هذا التعريف الإشاري – في أفضل الأحوال سوى شكل الحجر ليربطه بالاسم «ملك»: «إن شكل قطعة الشطرنج يناظر هنا صوت الكلمة أو شكلها»، وحتى شرح كيفية تحريك الملك على الرقعة لن يفيد شيئًا إلا إذا كان المتعلّم «يعرف معنى قطعة ما في لعبة ما». إنّ السؤال عن اسم قطعة الشطرنج هذا لن يكون ذا معنى إلا للشخص «الذي يعرف بالفعل ما الذي يفعله [بها»]. بالطريقة ذاتها ستفيد التعريفات الإشارية من يتعلم لغة بلد غريب؛ لأنه يعرف سلفًا طريقة استخدام ما يتعلم اسمه. على هذا النحو، يغدو نمط التسمية في اللغة، أي ربط الاسم (ملك) بالشيء (قطعة الشطرنج)، من جهة شكله، مشابهًا لنمط كينونة الطاولة بوصفها شيئًا مكانيًا ماديًا ذا لون وصفات أخرى لدى هايدغر،

على نحو ما ذكرنا سابقًا، وهو النمط الذي يعود ويسميه في الكينونة والزمان«ضرب ناقص » من الكينونة. لكن بناءً على المقارنة بهايدغر، يمكن اكتناه مبدأ فتغنشتاين الجديد في التحليل اللغوي، فإذا كانت

أنطولوجيا هايدغر الفينومينولوجية قد وجدت كينونة الشيء الأصلية في أداتيته العملية، فإن قطيعة فتغنشتاين مع التقليد الفلسفي تتكثّف في تعريفه الجديد للمعنى: «إنّ معنى الكلمة هو طريقة استخدامها في اللغة». إنّ «تفسير كل الألفاظ على أنها أسماء» هو خطأ يسمّي فتغنشتاين مرتكبيه «الاسميين»، وهو

ما يريد منه كل الفلسفة اللغوية منذ أفلاطون، حتى نظريته ذاتها فيالرسالة. ففضلً عن أن وظيفة تسمية الألفاظ لأشياء تتحقّق على خلفية التمكّن من استخدام المسمّيات، فإنّ معنى الكثير من الألفاظ

(((9 المرجع نفسه، فقرة.30 (((9 المرجع نفسه، فقرة.31 (((9 المرجع نفسه. ((10(هيدغر، الكينونة والزمان، ص.164 (((10 المرجع نفسه، ص.155 ((10(فتجنشتين، بحوث فلسفية، فقرة.43 (((10 المرجع نفسه، فقرة 383. في الترجمة العربية يُرفق هذا الموضع بحاشية (154) توضّح ذكر فتغنشتاين للمذهب الاسمي

بالإشارة إلى الموقف الاسمي في النزاع حول مشكلة الكلّيات في العصر الوسيط. لكن فتغنشتاين لا يقصد هنا سوى فهم اللغة

بوصفها منظومة أسماء لأشياء، من دون أن يتعلّق الأمر بالكلّيات. (((10 المرجع نفسه، فقرة.46

لا ينبثق عن دلالتها على موضوعات: «فكِّرْ فقط في صيحات التعجب، بوظائفها المختلفة اختلافًا

كاملً. ماء! بعيدًا! أوه! النجدة! رائع! لا»!. ويتوازى مع تقويض المذهب الاسمي في فهم اللغة ظهور مفهوم مفتاحي جديد تتمركز حوله نظرية المعنى البراغماتية، أي مفهوم «اللعبة اللغوية» الذي يبقيه فتغنشتاين من دون تعريف قطعي. غير أنه يشير إلى أنّ المقصود منه «إبراز حقيقة معينة، وهي أن تكلّم اللغة هو جزء من الفاعلية، أو صورة من صور الحياة». يمكن وصف الألعاب اللغوية في إطار استخدام الألفاظ اللغوية (المولّد والضابط لمعناها) المضفور لِزامًا بمنشط حياتي، وفهم

مُبطَن ومسبق للحياة بأكملها. ف «الماء» مثلً يَردُ بمعنى المركب الكيميائي الحاصل عن اتحاد ذرتي هيدروجين بذرة أوكسجين، في إطار «لعبة» الوصف التي يمارسها عادةً الكيميائيون، أو بمعنى أحد المشروبات التي يمكن لزبون أن يطلبها في مطعم («لعبة الطلب»)، أو بمعنى ما يصرخ لأجله المرء عند رؤية النار تشتعل في المسكن. نحن أمام ثلاثة مناشط حياتية مختلفة، يتحدد فيها معنى كلمة «الماء»، وفق الاستخدام المتعارف عليه فيها، وليس وفق ما يقصده مستخدم الكلمة ذاتيًا منها. فالبنى

القبلية للمعنى اللغوي لا تكمن في الوعي الذاتي على نحو ما يقترح باول غرايس Grice Paul (1988–1913) ومِن قَبْله هوسرل، وكذلك ليس في القواعد المنطقية – الترنسندنتالية وصورة الأشياء

المطابقة لها كما كان فتغنشتاين ذاته يعتقد، بل تحديدًا في تشكّل اجتماعي ما، في علاقة تداول عمومية تربط بين اثنين أو أكثر في ظل تعريفهما المشترك للحالة العملية الموجودَين فيها، وهو ما يتضمّن حتمًا قبليةً تاريخية – هِرمنيوطيقية كأفق يتيح تشاطر الحالات العملية والاستخدامات اللغوية. على هذا النحو، يفي فتغنشتاين بقسطه في «تقويض» نظرية المعنى اللغوي الكلاسيكية، والتي كانت تتأرجح بين قطبَي الموضوعية والذاتية بصفتهما مرجعيتين لمعنى الكلمات؛ الآن بات

المعنى محايثًا للّغة اليومية ذاتها، والتي تتّخذ هيئة ألعاب لغوية مقرونة بأنماط حياة وحدوس بالعالم. في سياق إسدال الستار على براديغم فلسفة الوعي الذاتية، تجدر كذلك الإشارة إلى مقاربتين نقديتين يجريهما فتغنشتاين في بحوث فلسفية، ويدحض فيهما أسس الأنا–وحدية الإبستيمولوجية، مرّة عبر

محاجّة «اللغة الخصوصية» الشهيرة، ومرّة أخرى عبر مفهوم «اتّباع القواعد». واللغة الخصوصية هي

ما يجب افتراضه في فلسفة اللغة، بالتوازي مع افتراض حالات ذهنية أو عاطفية خصوصية تمتنع على الآخرين؛ إنّها انعكاس الديكارتية المباشر على فلسفة اللغة. على أن فتغنشتاين يبدأ بمناقشة معنى خصوصية الإحساسات مبينً ا مشكلاته: الخصوصية قد تعني، أولً، «أنني وحدي فقط أستطيع

أن أعرف ما إذا كنت أتألّم بالفعل أم لا»، وهو خاطئ من ناحية، «فغالبًا ما يعرف الآخرون متى أكون

متألمًا. أجل، لكن ليس بنفس اليقين الذي أعرف به أنا نفسي ذلك»، وهو ما لا يصمد إبستيمولوجيًا:

«لا يمكن أن أقول على الإطلاق (إلا على سبيل الدعابة): إنني أعرف أنني أتألم. إذ ما المفروض أن يعنيه هذا [القول]، إلا أنني أتألّم؟». وقد تكمن الخصوصية في القول: «إن الشخص الآخر

(((10 المرجع نفسه، فقرة.27 (((10 المرجع نفسه، فقرة.23 (((10 المرجع نفسه، فقرة.246

لا يمكن أن يُحلَّ بآلامي»، فهي بالضرورة من كيفية فريدة لا يمكن لأحد غيري أن يَخْبُرَها. في مقاب س

هذا، يدحض فتغنشتاين حتمية فرادة الإحساسات، وفق مبدأ تماثل شيئين من دون تطابقهما: «وطالما أن هناك معنى لقولي بأن ألمي يُماثل (أو هو نفس) ألمه، فمن المُمكِن أيضًا لكلينا، أن يكون لدينا

نفس الألم». غير أن كُنه مُحاجّة اللغة الخصوصية يكمن في تبيين عجز هذا الضرب المفترض من

الإحساسات الخصوصية عن أن تكون موضوعًا للمعرفة، أو حتى عن أن تكون موجودة عمومًا، فوجود إحساس خاص مُتكَرِّر الحدوث يعني بالضرورة إمكانية «الربط بين هذا الإحساس وبين علامة»،

بحيث يمكنني أن أتذكّر بعونها هذا الشعور عند غيابه، أو أن «أكتب هذه العلامة في المفكرة في كل يوم أشعر فيه بهذا الإحساس». ومع استحالة إقامة هذا الربط عبر «تعريف إشاري» بالمعنى المعتاد، لا يبقى إلا أن أركّز انتباهي على الإحساس عند استخدام العلامة، ف «بهذه الطريقة أطبع في نفسي الرابطة بين العلامة وبين الإحساس»، من أجل استعمال العلامة للدلالة على الإحساس ذاته في المستقبل. غير أن خصوصية هذه الرابطة تحول دون توافر «معيار للصحة أو الصواب» لدى استخدامها، فلا يبقى سوى أن يكون الصحيحُ هو «كل ما يبدو لي صحيحًا». في هذا القول نتعرّف الأنا–وحدية في أجلى

صورها. غير أن «هذا لا يعني إلا أننا لا نستطيع الكلام هنا عن ‘ما هو صحيح»’. والحقيقة أن تعييني لإحساسي – باعتباره ألمًا – ليس علاقة باطنية محجوبة عن الآخرين، بل هي مستفادة منهم، عبر مراقبة

علامات خارجية تدلّ على ألمهم (التأوّه، التجهّم... إلخ)، وربطها إشاريًا بالكلمة «ألم». والحاسم في الأمر، بمعنى معيار تعييني لألمي، هو أن أتصرّف كما يتصرّف عادة من يتألم (الذهاب إلى الطبيب، أو

تناول المسكنات والخلود للراحة... إلخ). لم يعد الفاعل الجديد المسؤول عن توليد المعنى اللغوي وضبطه ذاتًا وحيدة، بل جماعة من الذوات، تمارس التداول اللغوي في صيغة ألعاب لغوية، حيث يتكوّن الأفراد – أي يَعون أنفسم – عبر إتقانهم

لاستخدام ألفاظ على نحوٍ صالح بينذاتيًا. لكن «الأنا» لا يعوزها «الأنت» في علاقتها مع ذاتها فحسب،

بل في اتّباعها لأي قاعدة أثناء أي استخدام. في مناقشته لمفهوم اتباع القواعد يقدم فتغنشتاين مساهمة أخرى في تفنيد الموقف الأنا–وحدي بمعنى قلب العلاقة وبناء «الذاتية» على «البينذاتية». يطرَح

فتغنشتاين أن القاعدة ليست حالة ذهنية مجرّدة مستقلّة وسابقة على تطبيقها وناظمة له، بحيث يمكن

التمييز بعونها بين تطبيق صحيح وآخر خاطئ، وهو يضرب مثالً يوضّح أن قاعدة من هذا الصنف لا يمكن أن تكفي لضمان استعمالها الصحيح؛ فعمود الإشارات لا يمكن أن يدلني بشكل قطعي على الطريق الذي ينبغي اتّباعه، كذلك القاعدة التي مفادها أنني «أفهم ‘موسى’ [...] بمعنى أنه هو الذي قاد بني إسرائيل في خروجهم من مصر»، لن يكون في وسعها أن تقصي «شكوكًا مماثلة لتلك التي

(((10 المرجع نفسه، فقرة.253 (((10 هذا هو أساس المناظرة بين توماس نيجل Nagel Thomas ودانيال دينيت Dennett Daniel في إطار مشكلة الكيفيات، يُنظر:

مصطفى الحداد، «فيتغنشتاين ومؤولوه»، مجلة مخاطبات، العدد.)2014(9 ((11(فتجنشتين، بحوث فلسفية، فقرة.258 (((11 المرجع نفسه. (((11 المرجع نفسه، فقرة.85

تكتنف اسم ‘موسى’، يمكن أن تكتنف كلمات هذا التفسير (فما الذي تسميه [كلمة] ‘مصر’، ومن هم ‘بنو إسرائيل’... إلخ). بل إن هذه الأسئلة قد لا تنتهي حينما نَصِل إلى كلمات مثل ‘أحمر’ و‘داكن’ و‘حلو»’. والقصد أن هذا التفسير لمعنى «موسى» أضحى يحتاج إلى تفسير إلى جانبه، علمًا أن

الأخير لن يكون في غنى أيضًا: «إن أي تفسير يظل معلّقًا في الهواء مع ما يفسره، ولا يمكن أن يقدّم له أي دعم أو سند. فالتفسيرات بذاتها لا تحدد المعنى». إذًا، ما الذي يحدد العلاقة بين الشكل الذي تتخذه قاعدة ما واتّباعي لها في أفعالي من جهة أخرى؟ مرّة أخرى، لا يجد فتغنشتاين ناظمًا لفهم القاعدة ومعيار صحّة لاتّباعها، سوى في الممارسة

الاجتماعية التي تشكّل الأفق الذي يتعيّن داخله تطبيقُ القاعدة الصحيح ومعناها. فاستجابتي

لإشارات العمود تصدرُ في واقع الحال عن حقيقة أنني «تدرّبت» على أن أستجيب لهذه العلامة بطريقة معينة، «فالشخص لا يتبع في سيره عمود الإشارات إلا بقدر وجود استخدام منتظم لأعمدة الإشارات، أي وجود عادة معينة». هكذا تفقد القاعدة عند فتغنشتاين ما اعتيد افتراضه من علاقة نظم حالات واقعية بفكرة نظرية، أو ضبط العيني بالمجرّد، فأضحت «عادةً» اجتماعية يُدَرب عليها

المجتمع بعضه بعضًا. القاعدة – باعتبارها عادة – هي ممارسة اجتماعية تتناقض مفهوميًا مع الذات

المنعزلة التي، إن جاز تصورها، ستعجز عن استخدام أي قاعدة وتكوين أي معنى، «فلا يمكن لإنسان واحد فقط اتباع قاعدة لمرة واحدة، لا يمكن ذكر تقرير واحد أو إصدار أمر واحد أو فهمه لمرة واحدة فقط».

سابعًا: تطويع فتغنشتاين عقلانيًا: البينذاتية باعتبارها حوارًا

في هاتين المحاجّتَين يتكثّف المسعى التقويضي لبراديغم الوعي وما فيه من عناصر تعود إلى براديغم

الكينونة. فالذاتية بالمعنى الديكارتي، والتي كان فتغنشتاين قد واجهها في الرسالة، عبر تقليصها إلى منطق فحسب، غدت الآن ممتنعة تمامًا، وذلك في سِمتَيها التقليديتين الأساسيتين: أو لً في قيمومتها الذاتية الكامنة في علاقتها بنفسها (الوعي الذاتي)، وثانيًا في قدرتها المقومِّمة للعال (العلاقة النظرية

بين الذات والموضوع). «الذات المفكرة» التي علّقت وجود العالم العمومي لكي تكتشف استقلالها، كان قد فاتها أنها تتطلّب دومًا، لأجل تفكّر ذاتها، بُعدًا عموميًا تتشاطر فيه معاني حالاتها مع آخرين؛

ما يلزم عنه دحض فكرة القيمومة الذاتية (والخصوصية المقترنة بها) بأكملها. لكن حتى الذاتية المُصفّاة

من هذه الخصوصية في علاقتها المعرفية بالعالم، على نحو ما تقترح الرسالة، لم تعد واردة، بعدما تبيّن

أن الذات لا يمكنها أن تعني موضوعًا بعون علامة لغوية (وهو ما يتضمن قاعدة لقراءة العلامة)، سوى بضمانة سياق أداء عادة اجتماعية، وهو كفيل بتقويض أسس نموذج الذات – الموضوع.

(((11 المرجع نفسه، فقرة.87 (((11 المرجع نفسه، فقرة.198 (((11 المرجع نفسه. (((11 المرجع نفسه، فقرة 199. أضع هنا ترجمتي الخاصة لهذا المقطع، والتي تتباين عن ترجمة عزمي إسلام.

على هذا النحو، لا تعود الأنا تتوفر على معرفة نقيّة ومباشرة بذاتها، ولا على معرفة نظرية – موضوعية بما هو خارجها، بل إنّ صنفي المعرفة بالذات وبالموضوع لن يكونا إلا منشطين اجتماعيين ضمن أفق ألعاب لغوية، تنبني على تفاعل مع آخرين. وحده هذا التصوّر هو ما يكفل للمعرفة معيارها المكوّن،

أي الصواب والخطأ، على أنه، وفي الوقت ذاته، لا يظلّ صوابُ قضيةٍ ما أو خطؤُها يصدران عن مطابقتها لما ترسمه، بل حصرًا عن اعتراف الآخرين الفعلي بصوابها. في هذا النموذج الجديد الذي يعرضه فتغنشتاين، يحل تعالقُ الذوات بعضها ببعض، أي البينذاتية، محل الذاتية والموضوعية في آن، ليغدو ما يُتَعارف على صلاحيته بديلً من المرجعيتين اللتين اعتيدَ اتِّخاذهما أساسًا لنقد المعرفة، وحاملً لعقلانية إنسانية عامّة وكونية. والأخيرة تحديدًا تبدو غريبة عن فتغنشتاين المتأخر، فلئن كان التحليل والنقد اللغوي في الرسالة يعتمدان الوقائع الخارجية – الموضوعية أفقًا أخيرًا للمعنى، فإن هذا يغدو في بحوث فلسفية شكلَ حياة متجسّدًا في لعبة لغوية. ويترتّب على ذلك أن تتحول وظيفة الفلسفة – بدلً من حصر المعنى في تمثيله لموضوع – إلى حصره في الاستخدام اليومي فحسب؛ إذْ «إن الصادق والكاذب هو ما يقوله الناس وهم يتفقون أو يجمعون عليه في اللغة التي يستخدمونها. ليس هذا اتفاقًا في الآراء، إنما هو [اتفاق] في صورة الحياة». تحديدًا، إزاء طبيعة هذا «الاتفاق» على الصادق والكاذب، يتكثّف التباين بين هابرماس وآپل من جهة، وفتغنشتاين من جهة أخرى، بعدما تبنّيا سائرَ حججه في إقامة المعرفة على أساس بينذاتي، بدلً من ثنائية الذات – الموضوع الديكارتية. فلدى فتغنشتاين لا تنتجُ الصلاحية البينذاتية، بناءً على ما يُجلي الاقتباس الأخير، عن آراء مختلفة تتجادل وتتوافق من أجل أن يَصْلُحَ ما يَجْدُر أن يَصْلُحَ،

بل عن شكل حياة جرى اعتمادُه سلفًا، ولعبةٍ لغوية أتقنَ لاعبوها قواعدها. هذه هي القبليّة الجديدة التي يقترحها فتغنشتاين بديلً من قبلية الصورة المنطقية ذات الشبهة الميتافيزيقية، فما يُمكِّننا من المعرفة هو إتقاننا القبليّ لجملة من الألعاب اللغوية والمسالك الاجتماعية في كنف فهم عمومي للعالم والحياة. بيد أنّ هذه القبلية المكوِّنة معرفيًا من دون أن تكون ميتافيزيقية – لأنها تحايث التاريخ والمجتمع – تفتقد الوظيفة الأخرى التي تُناط عادةً بالقبليات، الوظيفة النقدية الكونية، وذلك ليس إزاء علاقة الذات بالموضوع (الحقيقة الكونية) فحسب، بل أيضًا إزاء علاقتها بالذوات (الأخلاق الكونية) وعلاقتها بنفسها (الأصالة الكونية). لا يُبقي فتغنشتاين إلّ على علاقة التبعيّة باللعبة اللغوية، بما هي الإطار الأوحد والنهائي للمعنى

الواضح الذي لا يعدو أن يكون ممارسة متعارفًا سلفًا على صلاحيتها، ولا يتعدّى اللعبةَ اللغويةَ إلى ما هو خارجها، سواء كان العالم الموضوعي أو الذاتي: الصلاحية البينذاتية، كما يصفها فتغنشتاين، لا تشكّل «أساسًا» و«شرطًا» لتكوّن علاقة الإنسان «النقدية» بذاته وبالعالم على نحو ما نجده لدى آپل

(((11 المرجع نفسه، فقرة.241 ((11(على عكس هذه الصياغة، كان فتغنشتاين ليقول إنّ جدارةَ أي صلاحيةٍ متأتيّةٌ عن معيار صالحٍ سلفًا (مُتعارف عليه) للجدارة.

وهابرماس، بل بديلمنها، يضمن «زوال المشكلات الفلسفية »، المقترنة بفهم المعرفة باعتبارها مَوْضَعةً. في هذه الشروط الجديدة التي يصوغها فتغنشتاين، لا يعود من دور ممكن للفلسفة سوى

استئصال أساس اللغو ومنشأ التباس المعنى وغموضه. في التجريد عن الممارسة – أي في إخراج الألفاظ من «موطنها الأصلي»، وسياقها العملي الخاص، ابتغاء صلاحية كونية – يكمن أصل «المرض» الذي يتعين على الفلسفة علاجه، عبر «إعادة الكلمات من استخدامها الميتافيزيقي إلى استخدامها اليومي». وصف هذا الاستخدام اليومي، من حيث هو شرط إمكان المعنى، هو ما تقوى الفلسفة على إنجازه، بينما «لا يجوز لها أن تتدخّل في الاستخدام الفعلي للغة»، لا يجوز لها أنْ تصحّحَه أو تنتقدَه،

إلا حفظًا للكلام في إطار معناه التقليدي من أي شطط ميتافيزيقي. هنا يكمن سرّ القراءة المرحّبة لدى

الأوساط الألمانية المحافظة، والتي يتنبّه إليها هابرماس مبكّرًا، كما سبقت الإشارة إليه. والأمر لا يتوقّف هنا على رفض الأنساق الميتافيزيقية الأساسية، بل يشتمل على كل لحظة تفكير نظري ترنو إلى ما وراء الحدس العملي المباشر، وكذلك على كل لحظة تفكّر في ما وراء قواعد ألعابنا اللغوية، لا سيما أنّ اتّباع القواعد لا يستلزم عند فتغنشتاين النّظر والتفكّر فيها: «حين أتّبع قاعدة ما، فإنني لا أختار. إنني أتبىَّع القاعدة اتِّباعًا أعم». هذا العمى الذي يسم ظاهرة تطبيق القواعد يمتدّ إلى العلاقات البينذاتية والتي يغيب عنها في تصور فتغنشتاين البعدُ التواصلي – العقلاني، فالأمثلة النموذجية التي يضربها لإيضاح ضرورة الآخرين التكوينية لاتّباع القواعد تغلب عليها حالةُ «تدريب»، يجريه مدرّب على متدرّب: «إن اتباع قاعدة أشبه بإطاعة أمر. ونحن نُدَرب على ذلك، ونستجيب للأمر

بطريقة معينة». ومما يلفت أنّ «التدريب» هنا يرد ترجمةً للكلمة الألمانية Abrichten، والتي يكثر استخدامها في ما يتعلق بالحيوانات. في هذا الوصف للبينذاتية، بما هي تكوينية لاتّباع القواعد، ومن ثم لظاهرة المعنى بأسرها، يفتقد هابرماس «العلاقة التبادلية بين كلا الشريكين اللذين يؤسسان للصلاحية البينذاتية». لا مراء في أنّ أكثر العلاقات في الواقع هي علاقات آمر بمأمور أو معلِّم بمتعلِّم، غير أنّ للصلاحية البينذاتية لدى هابرماس بنية منطقية «مضادة للواقع»، تقاوم التراتبية الفجّة والطاعة العمياء. كذلك فإنّ علاقة

القوة الواقعية هذه لا تكفي لإنتاج قناعة الشريكين بصحة تطبيق لقاعدة، والتي لن تتحقّق قبل أن

(((11 المرجع نفسه، فقرة.133 (((12 المرجع نفسه، فقرة.116 (((12 المرجع نفسه، فقرة.219 (((12 المرجع نفسه، فقرة.206 ((12(يختار عبد الرزاق بنور في ترجمته لفظة «ترويض»، ينظر: لودفيك فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، ترجمة عبد الرزاق بنور (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.)2007 (((12 إذ إنّ ربط الكلمة بالمعنى ليس سوى تطبيق لقاعدة.

(125) Jürgen Habermas, "Sprachspiel, Intention und Bedeutung," in: Rolf Wiggershaus (ed.), Sprachanalyse und Soziologie (Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1975), p. 333.

يفترضا أنه في وسع كل منهما انتقاد فهم الآخر للقاعدة وتصحيحه. يتحدّث هابرماس عن «دورين اثنين مختلفين»، بالنسبة إلى كل من المشاركَين «أ» و«ب»: «إن أ له كفاءة اتّباع قاعدة ما، وذلك من حيث إنه يتفادى الأخطاء على نحو نسقي. وإنّ بله كفاءة الحكم على سلوك ب المحكوم بقواعد الذي يأتيه أ. إنّ كفاءة الحكم لدى بتفترض من جهتها كفاءة القواعد، وذلك أنّ بلا يستطيع أن يقوم بالاختبار المطلوب إلا عندما يستطيع أن يبرهن على خطأ أ وعند الاقتضاء أن يتوصل إلى اتفاق Einverständnis على الاستخدام الصحيح للقاعدة. وعندئذ يضطلع ببدور أ ويبين له أمام عينيه الخطأ الذي اقترفه. وفي هذه الحالة، يضطلع أ أيضًا بدور الحاكم الذي ينبغي هو بدوره أن يكون له إمكان تبرير سلوكه الأصلي، وذلك بأن يبرهن لدى  ب على تطبيق خاطئ للقاعدة. ومن دون إمكان النقد المتبادل هذا والتعلّم المتبادل الذي يقود إلى التوافق، لن يكون تطابق القواعد أمرًا مأمونًا». من جهة أخرى، يشير هابرماس إلى قصورٍ يلازم التصوّر الذي يطوره فتغنشتاين وتتبناه الفلسفة

التحليلية إزاء اتّباع القواعد، قصور ينجم عنه ضياع «العلاقة الثلاثية بالعالم»، التي ينطوي عليها «الفعل التواصلي». فالأمثلة التي يعرضها فتغنشتاين لإيضاح أفكاره حيال القواعد واتّباعها تقتصر تقريبًا على

«عمليات» من قبيل الحساب والكلام ولعبة الشطرنج، ولا تشتمل على «أفعال». ولئن كانت كل هذه العمليات تجري وفق قواعد تصح إزاءها التصورات الفتغنشتاينية، فإن هابرماس يبرز سمتها العملياتية والتقنية، ويقارنها بحركات الجسم لجهة أنها تُنجَز حتمًا «بمعيّة أفعال»، والأخيرة حصرًا يُنسب إليها

معنى مكتمل و«وجود مكتفٍ بذاته»؛ القيام بعملية حسابية صحيحة يتمّ، مثلً، في إطار»فعل» الواجب المدرسي، وصوغ جملة صحيحة نحويًا يكون عادة في سياق «فعل» إبداء رأي... إلخ. «إن العمليات

لا تمسّ العالم في شيء»، بينما تتضمنّ الأفعال المستقلّة المصحوبة بتلك العمليات صلِتٍ حتمية

ب «العوالم الثلاثة» التي يتعلّق وجود الإنسان فيها: العالم الموضوعي – العالم الاجتماعي – العالم الذاتي. تكمن عقلانية هابرماس التواصلية في هذه الأبعاد الثلاثة المحايثة لكل فعل أو قول إنساني، تحديدًا، في ما تتضمنّه هذه الأبعاد من «ادّعاءات صلاحية» الكلام، مرّة بمعنى «الحقيقة» الموضوعية،

ومرة بمعنى السداد الأخلاقي – المعياري، ومرة بمعنى «الصدقية» الذاتية. إغفال هذه البنية القواعدية للكلام هو ما يتيح لفتغنشتاين رد كل موضوعية إلى بينذاتية، وكذلك المساواةَ بين وصف المواضيع وإجراء القياسات الفيزيائية وفحص الافتراضات من جهة، وإصدار الأوامر أو إسداء النصح من جهة أخرى، وذلك بما هي جميعًا ألعاب لغوية تتوقف الصلاحية فيها على التواضع بين لاعبيها حصرًا. في مقابل هذا، يبرز هابرماس «بنية الكلام المزدوجة» القائمة على «جزء أدائي»، يضفي على

اللغة صفة أفعال الكلام ذات الأثر الاجتماعي (أزعم، أخشى، أتوقّع... إلخ)، وعلى «جزء قضوي»، ملتزم بتمثيل العالم الموضوعي على نحو ما (أنْ لا حياة بلا ماء... إلخ).

((12(يورغن هابرماس، نظرية الفعل التواصلي: في نقد العقل الوظيفي، ترجمة فتحي المسكيني، مج 2 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص.49 (((12 ينظر: المرجع نفسه، ص 217 وما بعدها. (((12 المرجع نفسه، ص.220 (((12 ينظر مناقشة هابرماس المستفيضة لنظرية أفعال الكلام، في: المرجع نفسه، ص 467 وما بعدها.

أما آپل – الذي يشاطر هابرماس مسعاه ردّ الاعتبار لمفهومِ حقيقةٍ متّصلٍ بالمعرفة الموضوعية – فهو يشير إلى الخيط الواصل بين اللعبة اللغوية المولّدة للمعنى من جهة، وإمكانية تجريد وصف الأجسام الفيزيائية عن سياق استخدامها داخل اللعبة من جهة أخرى، مستدلًّ على ذلك بالإمكانية التي تعطيها ألعاب لغوية متعددة دومًا للتفاهم حول جسم بعينه. إنّ تناول سياقات عملية مختلفة للجسم ذاته

يفترض من هذه السياقات إيقافَ العمل به بصفته «أداة»، ومن ثم الشروعَ بمعرفتِه موضوعيًا بمعنى

تحديد معالمه الخارجية Physiognomie، وهو ما يقدّمه آپل بوصفه قبليّة موازية ومصحِّحة لقبلية

الاستعمال، زاعمًا «أنّ الأمر لا يتوقّف على أفق اللعبة اللغوية من حيث هي شرط قبليّ لتحديد هوية

الأشياء في العالم، بل إنّ تكَو نَ أفق اللعبة اللغوية وتجاوزَه يقتضيان تعيينًا لهويةِ المواضيع الواقعية

وَصِفاتِها». في كل استخدام لغوي براغماتي، قابلية لاستخدام لغوي نظري – موضوعي، وهو ما يقترن بطبيعة الحال ب «قبلية التفكّر» في العلاقات البينذاتية المحايثة، من جهتها، لقبلية اتّباع المواضعات والتوافقات الأعمى. وعلى نحو أشد جذرية من هابرماس، وأكثر إخلاصًا للمقصد الكانطي، يصوغ آپل من هذه القبليات

المثالية – المعيارية والمحايثة للألعاب اللغوية العشوائية لعبةً لغويةً كونيةً ترنسندنتاليةَ الطابع لا بد من أن يتقنها كل كائن ناطق، كل كينونة في العالم؛ إذْ إنّ مزاعم الحقيقة الموضوعية والعدالة الاجتماعية والصدقية الذاتية تمثّل – بما هي مزاعم فحسب – شروط إمكان الانخراط في أي تواصل واقعي، إنها مزاعِم لا بد من زعمها رفقةَ أي علاقة بين الأنا والأنت، أو وعود لا بد من أن يقطعها الإنسان على نفسه عند أيِّ تواصل. يشكّل آپل من طاقتها الإلزامية مِثالَ لعبة لغوية متعالية، تكون فيها هذه الوعود متحقّقة، أي محاجّة مثالية عابرة للزمن وشاملة لكل البشرية، يقول فيها كل المتحاورين «الحقيقة»، ويتبادلون

«الاعتراف» «حُرْمَة» بعضهم على بعض، ويصرّح كل منهم بما في دخيلته ب «صدقية». ب بخلاف هابرماس الذي يبقى يستصدر هذه المثُل المعيارية عن العوالم المعيشة المختلفة، وينسب

إليها الكونيّة بمقدار امتناع إنكارها من داخل أنماط الحياة المتوافرة، لا يتورّع آپل عن إنزالها منزلة

ترنسندنتالية، بناءً على زعم إمكان تأسيسها تأسيسًا نهائيًا لا يقبل الطعن. فأداء الطعن في صلاحيتها

يشترط نفسُه زعمَ صلاحيتها، وهو ما يُصطلح عليه ب «التناقض الأدائي»، المدماك في التأسيس الأخير

لمثُل العقل وفقًا لرؤية آپل. ينطبق هذا على فتغنشتاين ذاته حين يتمسّك بتعددية ألعاب اللغة، وينكر

أي سمات جوهرية مشتركة، فعندها «يستعصي على الفهم برنامجُه العلاجي عبر نقد اللغة، وكلامُه عن

‘اللامعنى’ وعن ‘تسيّب’ الاستخدام اللغة. وقصارى القول: إنّ الفيسلوف بوصفه ناقدًا للغة، لا بد أن

يكون على بيّنة من أنه أثناء عملية وصف الألعاب اللغوية، يأخذ على عاتقه لعبة لغوية نوعية ترتبط

تفكّريًا ونقديًا بألعاب اللغة الممكنة جميعًا». أما وقد احتُسبت هذه المعايير مما يمتنع إبطاله، أي مما يتمتّع بصلاحية مطلقة قبليًا، على عكس كل المعارف التجريبية المستمدة من هذا العالم،

فلا عجب في أن يصفها آپل بالتعالي.

(130) Apel, Transformation II, p. 321. (131) Ibid., p. 347.

خاتمة

على هذا النحو تتباين مقاربتا آپل وهابرماس للّعبة اللغوية المعيارية – الكونية التي يقدمها كلاهما على أنّها التوَّأم السيامي للّعبة اللغوية الواقعية التي وصفها فتغنشتاين. ف «معايير الحوار» (الحقيقة الموضوعية – السداد الأخلاقي – الصدقية الذاتية) عند آپل، لها صفةٌ متعالية عن الواقع وناظمة له في آن معًا، ولذا يسمّى مذهبه «البراغماتية الترنسندنتالية» Transzendentalpragmatik، في حين

يُطلِق هابرماس على مقاربته الفلسفية «البراغماتية الشكلية» أو «الصورية» Formalpragmatik، متجنِّبًا

ادعاءات التعالي، وزاعمًا أنه لا حاجة إلى أكثر من «صياغة شكلية» لما تتضمنه الخبرات الإنسانية من داخل التاريخ. إلا أنّ هذا الخلاف لا يصيب بنية قراءتهما المشتركة لفتغنشتاين، والمتمثّلة في الاقتراب منه والافتراق عنه، أي في التفكير مع فتغنشتاين ضدّه. يفكّر آپل وهابرماس مع فتغنشتاين حين يقطعان – براغماتيًا – مع الميتافيزيقا الغربية، على نحو

ما فعل هو؛ أي بالكفّ عن الإحالة إلى «الما وراء»، أو إلى ما وصفه فتغنشتاين نفسه في شبابه ب «حدود العالم»، لأجل تفسير القدرة المعرفية لدى الإنسان، وباكتشاف «الحياة في العالم» – باعتبارها «سياقًا عمليًا» – شرطَ المعرفة الأساسيّ. ويفكر الاثنان ضدّ فتغنشتاين عندما يأنفان اعتبار هذا السياق

العملي – اللغوي أفقًا أخيرًا لمعنى الكلام، وكذلك الحياة. إنهما، بخلاف فتغنشتاين، لا يقرنان تجاوزَ

نماذج التفكير الميتافيزيقي بالتخلّي عن الوظيفة النقدية – الكونية للمعرفة الإنسانية، والتي لا يزال يناط إجلاؤها بالفلسفة؛ فلئن لم يكن هناك معرفة (دلالة لغوية) من دون لعبة لغوية واقعية، فإن هذه اللعبة ذاتها لن تكون ممكنة من غير اعتراف «من داخلها» بالمثُل التي ما برحت الفلسفة تنشد البرهنة عليها. فمهما شابت التواصلَ اليومي بين الناس علاقاتُ القوة، فمن مقومات وجوده أن يزعم كل مشارك فيه أنه يلتزم الاتّساق المنطقي في مقولاته، ويعكس الوقائع الموضوعية فيها، وأنه، بناء على ذلك حصرًا،

مُقتَنِعٌ بما يقوله، وينتظر من شركائه الواقعيين والافتراضيين في التواصل الاقتناع بمقولاته على نحو اقتناعه. غير أنّ هذا ينطوي بدوره على اعترافه لشركائه في التواصل بما هو ضروري ليقتنعوا بادّعائه، أي أن يكونوا أفرادًا أحرارًا ومتساوي الحقوق، وأولها الحق في رفض ادّعائه وانتقاده. هكذا تبدو اللعبة اللغوية المثالية، أو الخطاب المثالي الكامن في كل خطاب واقعي يخوض فيه الإنسان، محاجَّة مثاليّة

منشودة لزامًا يكون فيها كل من يقوى على الكلام شريكًا شفّافًا ساعيًا إلى الحقيقة، حرًا ومتساويًا

في الحقوق، وتتحقّق فيها المعرفة، ليس باعتبارها ملكة النظر في العالم لدى الذات المنعزلة، وليس بصفتها المتعارف عليها واقعيًا في جماعة ما، بل باعتبارها التفاهم البينذاتي الأمثل. على هذا النحو، تعاد قراءة فتغنشتاين في ألمانيا عقلانيًا، على عكس نزوعه المحافظ ونزوع معظم

(((13 بين هذين الشريكين اللذين تخاصما حول صفة المقولات المعيارية – الكونية، دارت في الثمانينيات مناظرة نقل منها إلى

العربية جزء من نصوص آپل، ينظر: كارل أوتو آپِل، التفكير مع هابرماز ضد هابرماز، ترجمة عمل مهيبل (الجزائر: منشورات الاختلاف؛ بيروت: المركز الثقافي العربي؛ الدار العربية للعلوم، 2005). صاغَ آپل هذا العنوان على منوال مقال كان هابرماس كتبه

في شبابه بعنوان: «التفكير مع هايدغر ضد هايدغر». وقد استعرت هذه الصيغة في وضع عنوان هذه الدراسة، لأنها تُحيل على

الموقف الملتبس من فتغنشتاين.

قرّائه. لا يرى قارئاه العقلانيّان في الانعطاف نحو البعد البراغماتي في الوجود الإنساني نهاية البرنامج

الفلسفي، وتخلّيًا عن أهدافه، بل تقويضًا لنماذج فلسفية ميتافيزيقية عجزت عن تأسيس العقلانية التي

تعد بها، وتمهيدًا لتأسيس العقلانية في إطارها البعد – ميتافزيقي: «العقلانية التواصلية».

References

المراجع

العربية

آپِل، كارل أوتو. التفكير مع هابرماز ضد هابرماز. ترجمة عمل مهيبل. الجزائر: منشورات الاختلاف؛ بيروت: المركز الثقافي العربي؛ الدار العربية للعلوم،.2005 إسلام، عزمي. لدڤيج ڤتجنشتين. القاهرة: دار المعارف بمصر،.1967 أغوسطينوس. اعترافات القديس أغوسطينوس. بيروت: دار المشرق،.1991 أفلاطون. فيدروس: المحاورات الكاملة. ترجمة شوقي داود تمراز. مج 5. بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع،.1994 _______. كراتيلوس: المحاورات الكاملة. ترجمة شوقي داود تمراز. مج 4. بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع،.1994 _______. كريتون: المحاورات الكاملة. ترجمة شوقي داود تمراز. مج 3. بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع،.1994 الأهواني، أحمد فؤاد. فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية،.1954 أوغسطين. المعلم: نماذج من الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط: أوغسطين – أنسلم – توما الأكويني. حسن حنفي (محررًا ومترجمًا). القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1978.]1967[أوغسطينس. محاورة الذات. بيروت: دار المشرق،.2005 بوبنر، روديجر. الفلسفة الألمانية الحديثة. القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع. تايلر، تشارلز. منابع الذات: تكون الذات الحديثة. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2014 الحداد، مصطفى. «فيتغنشتاين ومؤولوه». مجلة مخاطبات. العدد).2014(9 حسين، طه. في الشعر الجاهلي. القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية،.1926 العتيبي، لذة. فيتغنشتاين والمعنى. بيروت: منتدى معارف،.2020 فتجنشتين، لودفيج. بحوث فلسفية. ترجمة وتعليق عزمي إسلام. مراجعة وتقديم عبد الغفار مكاوي. الكويت: جامعة الكويت،.1990

فتغنشتاين، لودفيك. تحقيقات فلسفية. ترجمة عبد الرزاق بنور. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،

فخري، ماجد. تاريخ الفلسفة اليونانية. بيروت: دار العلم للملايين،.1991 ڤتجنشتين، لدڤيج. رسالة منطقية فلسفية. ترجمة عزمي إسلام. القاهرة: مكتبة الأنجلو مصرية،.1968 كرم، يوسف. تاريخ الفلسفة اليونانية. القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر،.1936 كنط، عمانوئيل. نقد العقل المحض. ترجمة موسى وهبة. بيروت: مركز الإنماء القومي،.1990 كوبلستون، فردريك. تاريخ الفلسفة، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام وإسحاق عبيد. مج 2. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2010 لوفيت، كارل. من هيجل إلى نيتشه. ترجمة ميشيل كيلو. دمشق: منشورات وزارة الثقافة،.1988 ماثيوز، جاريث ب. أوغسطين. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2013 مصدق، حسن. النظرية النقدية التواصلية. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.2005 هابرماس، يورغن. نظرية الفعل التواصلي: عقلانية الفعل والعقلنة الاجتماعية. ترجمة فتحي المسكيني. مج 1. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 _______. نظرية الفعل التواصلي: في نقد العقل الوظيفي. ترجمة فتحي المسكيني. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 هسرل. الفلسفة علمًا دقيقًا. ترجمة وتقديم محمود رجب. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2002 هشام، محمد. في النظرية الفلسفية للمعرفة. أفلاطون – ديكارت – كانط. الدار البيضاء/ بيروت: أفريقيا الشرق،.2001 هوسرل، إدموند. تأملات ديكارتية أو المدخل إلى الفينومينولوجيا. ترجمة تيسير شيخ الأرض. بيروت: دار بيروت للطباعة النشر،.1958 _______. أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا الترنسندنتالية. ترجمة إسماعيل مصدّق. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2008 هيدغر، مارتن. الكينونة والزمان. ترجمة فتحي المسكيني. بيروت: دار الكتاب الجديدة،.2012 _______. الأنطولوجيا، هرمينوطيقا الواقعانية. ترجمة عمّار الناصر. بغداد/ بيروت: منشورات الجمل،

الأجنبية

Apel, Karl–Otto, Dietrich Böhler & Karlheinz Rebel (eds.). Funkkolleg Praktische Philosophie/ Ethik. 3. Studientexte (2). Weinheim/ Basel, 1980. Apel, Karl–Otto. Transformation der Philosophie: Sprachanalytik, Semiotik, Hermeneutik. Band I. Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1973. der

Apriori

Das

Philosophie:

der

Transformation Kommunikationsgemeinschaft. Bandd II. Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1973. _______. Diskurs und Verantwortung. Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1988. Böhler, Dietrich. "Wittgenstein und Augustinus. Transzendental–pragmatische Kritik der Bezeichnungstheorie der Sprache und des methodischen Solipsismus." in: Achim Eschbach & Jürgen Trabant (eds.), History of Semiotics (Amsterdam/ Philadelphia: John Benjamins Publishing Company, 1983). Dummett, Michael. Origins of Analytical Philosophy. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1994. Eschbach, Achim & Jürgen Trabant (eds.). History of Semiotics. Amsterdam/ Philadelphia: John Benjamins Publishing Company, 1983. Findlay, John Niemeyer. "Wittgenstein’s Philosophical Investigations." Philosophy. vol. 30, no. 113 (April 1955). Habermas, Jürgen. Philosophisch–politische Profile: Wozu noch Philosophie ? Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1984. _______. Auch eine Geschichte der Philosophie. Frankfurt am Main: Suhrkamp, 2019. Kant, Immanuel. Kritik der reinen Vernunft. Frankfurter am Main: Suhrkamp, 1974. Kuhlmann, Wolfgang, & Dietrich Böhler. Kommunikation und Reflexion. Zur Diskussion der Transzendentalpragmatik, Antworten auf Karl–Otto Apel. Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1982. Rorty, Richard (ed.). The Linguistic Turn. Essays in Philosophical Method. Chicago: University of Chicago Press, 1967. Russel, Bertrand. Human Knowledge: Its Scope and Limits. New York: Routledge, 2009. Schnädelbach, Herbert. Philosophy in Germany 1831–1933. Trans. by Eric Matthews. Cambridge: Cambridge University Press, 2009 [1984]. Cambridge: Cambridge University Press, 2009 [1984]. Strawson, Peter Frederick. "Philosophical Investigations. By Ludwig Wittgenstein." Mind. vol. 63, no. 249 (January 1954). Whitehead, Alfred North. Process and Reality. New York: The Free Press, 1979. Wiggershaus, Rolf. Sprachanalyse und Soziologie. Frankfurt am Main: Suhrkamp,