العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مراجعة كتاب فتجنشتاين و

مراجعة كتاب فتجنشتاين و

Book Review Wittgenstein and On Certainty

مروان محمود

Mahmoud Marwan

الملخّص

عنوان الكتاب في لغته: Wittgenstein and On Certainty . المؤلّف: آندي هاميلتونAndy Hamilton . المترجم: مصطفى سمير عبد الرحيم. الناشر: بيروت: دار الروافد الثقافية – ناشرون؛ الجزائر: ابن النديم للنشر والتوزيع. تاريخ النشر: 2019. عدد الصفحات: 479 صفحة .

Abstract

. Wittgenstein and On Certainty: عنوان الكتاب في لغته

الكلمات المفتاحية:
  • فتجنشتاين
  • اليقين
  • رسالة-منطقية-فلسفية
  • تحقيقات فلسفية
Keywords:
  • Certainty
  • Wittgenstein
  • Tractatus Logico–Philosophicus
  • Philosophical Investigations

المؤلّف:

آندي هاميلتون Hamilton.Andy المترجم:

مصطفى سمير عبد الرحيم. والتوزيع. تاريخ النشر: عدد الصفحات:

479 صفحة.

الناشر: بيروت: دار الروافد الثقافية – ناشرون؛ الجزائر: ابن النديم للنشر

A Jordanian Translator and Researcher in Analytic Philosophy and Contemporary Philosophy. Email: mahmoudmarwan923@gmail.com

أولا: عرض الكتاب

يتكوّن كتاب آندي هاميلتون Andy

Hamilton فتجنشتاين و«في اليقين» من أربعة عشر فصلً، إضافة إلى تمهيد ومقدمة. يناقش هاميلتون في الفصول السبعة الأولى كتاب في اليقين على نحو عام؛ إذْ يعرِّف بالكتاب،

ويعرض تاريخ كتابة الشذرات، ويناقش أسلوب

Ludwig Wittgenstein فتغنشتاين لودفيغ

(1889–1951) في هذا الكتاب ومنهجه، ويبيّن موقفه من «القضايا الموريّة» Moorean

Propositions (نسبةً إلى جورج إدوارد مور

George Edward Moore ()1958–1873)،

فضلً عن أفكار مهمّة أخرى يتطرق إليها هاميلتون مثل «الصور– العالمية» واستعارة «قاع – النهر» و«أشكال الحياة»، وفَتْح فتغنشتاين المنطق على الخطاب اليومي. وفي الفصول السبعة الباقية ينظر هاميلتون إلى في اليقين من زاوية مساهمته داخل الحقل الإبستيمولوجي في القرن العشرين، والنقاشات التي يثيرها، والردود على الشكوكية، ويتناول أيضًا التأويلات والقراءات المختلفة لكتاب فتغنشتاين، ويخصص آخر فصل لآثار الكتاب ونتائجه. في تمهيد الكتاب، يشير هاميلتون إلى الموضوعات الأساسية التي يُعنى بها في اليقين، وعن سبب اهتمامه بقضاياه، والصعوبات التي واجهها أثناء تأليف كتابه. يقدم فتغنشتاين تفكيره حول البديهيات الداعمة لمعتقدات الفرد والمجتمع، والتي لا يمكن تخيّل «صورة – عالم»

أو حياة من دونها؛ فهي توفر إطارًا ضروريًا للحياة والممارسات الإنسانية المختلفة. اختلف الباحثون في فلسفة فتغنشتاين حول تسمية هذه القضايا؛ يفضّل هاميلتون في كتابه مصطلح

«القضايا الموريّة»، ومن الأمثلة عليها: «لديّ دماغ داخل جمجمتي»، «الأرض موجودة قبل ولادتي بفترة طويلة». هذه القضايا تبدو تجريبية، ولكن لا يساورها أيّ شكّ. إنّ النزعة الشكيّة

بالنسبة إلى فتغنشتاين «مقوّضة ذاتيًا»، كما يشير

هاميلتون؛ لأن أي ادّعاء في معرفة شيء ما أو التشكيك فيه، يحصل داخل «صورة – عالم»، وبمعنى أدق، داخل نظام من قضايا تحدّد ما يؤكد أو يفن د، وتحدد مناهج التأكيد والتفنيد أيضًا. يبيّن

هاميلتون منهجه في معالجته قضايا الكتاب؛ إذْ يتبنى تأويلً «تحليليًا، نزاليًا، علاجيًا، واستبنائيًا»

(ص. 20) يعرض الفصل الأول التطور الفلسفي والمنهجي لفتغنشتاين. يفتتح هاميلتون هذا الفصل بتوضيح «القضايا الموريّة». لا يعامل فتغنشتاين هذه القضايا على أنها تجريبيّة، ويرفض التعامل

بالمنهج الديكارتي معها، ويرفض أيضًا وجود «أسس للمعرفة، سواء كانت عقلانيّة، تجريبيّة،

أو قضايا موريّة» (ص. 29). ويشير هاميلتون إلى أن «هذه القضايا جوهرية جدًا في فهمنا للعالم»؛ فيشبّهها فتغنشتاين حينًا ب «المِفْصلَات

التي تمسك الباب»، وحينًا آخر ب «قاع النهر، حيث يجب عليها أن تبقى في القاع لكي تجري الممارسات المعرفيّة واللغويّة بسلاسة»

(ص. 31). رفضُ هذه القضايا أو التشكيك فيها غير منطقي. إنه من المنطق، بمفهومه الواسع عند فتغنشتاين، أن تكون هذه القضايا محصنة من الشكّ، واليقين في ذلك ليس مسألة نفسيّة.

إن يقين هذه القضايا لا يساوره شك، وذلك بنفس يقين أن 2+2 = 4. يشير فتغنشتاين إلى ذلك، فيقول في الفقرة 653: «إذا كانت القضية =12×12 144 مستثناة من الشكّ، فيجب أن تكون

القضايا غير الرياضيّة كذلك». وعليه، يتوجه

هاميلتون إلى عدم وضوح الفرق عند فتغنشتاين بين القضية القبليّة والقضية التجريبيّة، ويدّعي أن

الهدف الرئيس لكتاب في اليقينهو عدم مجابهة التشكيك في معرفة الأشياء بالقول: إنني أعرفها بالفعل، وهو الخطأ الذي وقع فيه جورج مور، ويسعى فتغنشتاين لتجنبه. ثم يسرد هاميلتون، باقتضاب، التطور الفلسفي لفتغنشتاين في مراحله الفلسفية المختلفة، ويشير إلى الجدل القائم حول ما إذا كان فتغنشتاين، في كتابيه تحقيقات فلسفية وتراكتاتوس (الرسالة) Tractatus، يقدّم فلسفتين مختلفتين أم فلسفة واحدة. ويبحث هاميلتون في مسألة رفض فتغنشتاين للميتافيزيقيا، وكيف يراها علمًا زائفًا، وتثير مشاكل زائفة «يجب إذابتها عن طريق العلاج الفكري» (ص. 38). وفي الجزء الأخير من الفصل الأول، ينخرط هاميلتون في سؤال أصالة أعمال فتغنشتاين، وسؤال المرحلة المتأخرة الفاصلة، والخلاف حول اعتبار في اليقينمرحلة ثالثة متميزة من مرحلة التحقيقات ومرحلة تراكتاتوس، وهو ما يرفضه هاميلتون؛ فهو لا يرى أن في اليقينيعدّ «طورًا أخيرًا

مستقلً عن فترة التحقيقات». في مسألة أصالة فتغنشتاين، يقول هاميلتون: إن فتغنشتاين أشار بالاسم إلى من سبقوه مثل فريجه وراسل وفرويد، وتأثر بعدد منهم مثل وليام جيمس وشوبنهاور. ينبّه هاميلتون إلى عدم تطرق فتغنشتاين مباشرة

(((لودفيغ فتغنشتاين، في اليقين. ترجمة مروان محمود (بيروت: دار الرافدين للنشر والتوزيع،.)2020 (((على سبيل المثال، ينظر:

Danièle Moyal Sharrock, The Third Wittgenstein: The Post-Investigations Works (Farnham, UK: Ashgate Publishing, 2004).

إلى «النقاشات الكلاسيكيّة حول الشكوكيّة»،

وعدم ذكره بعضَ الفلاسفة، محاولً «تعزيز مظهر أصالته الخاصة»؛ فهو «فنان وأديب واعٍ» (ص. 49)، يعرف كيف يضفي طابع الأصالة على عمله، حتى وإن استفاد أفكارَه ممهَّن سبقو. يبدأ الفصل الثاني باعتبار فتغنشتاين القضايا الموريّة لغوًا، في حال عاملناها معاملة القضايا

التجريبيّة؛ فهي يقينيات «شبيهة بقواعد إطارية

للعبة ما» (ص. 55). ويناقش هاميلتون مفهوم المعنى في الاستعمال في فلسفة فتغنشتاين؛ فيؤكد هاميلتون أن معنى الكلمات والجمل، لا يكون إلّ في استعمالها. ينتقل هاميلتون إلى تطوير فتغنشتاين فكرة الألعاب اللغويّة التي

تطرق إليها في كتاب التحقيقات. ويتمثّل هذا التطوير في أن هذه الألعاب اللغويّة، أصبحت «تعود إلى ظاهرة أوسع يطلق عليها فتغنشتاين ‘شكل حياة»’ (ص. 63)، ليطوّر فتغنشتاين بعدها

مفهومَي «الألعاب اللغويّة» و«أشكال الحياة»، إلى مفهوم «صورة – عالم». يشير هاميلتون إلى أن فتغنشتاين لا يعدّ الفلسفة لعبة لغويّة، وأن اللغة الفلسفية لا تهيمن على اللغة اليوميّة، رغم

أن فتغنشتاين لا يشير إلى «وجود حدود قاطعة بين اللغة اليوميّة واللغة الفلسفيّة» (ص. 64).

يقف هاميلتون على فتح فتغنشتاين المنطق على الخطاب اليومي؛ فاتّفاق المجتمع على صدق قضايا معينة وحقيقتها يستبعدها تمامًا من الشكّ،

بل لا يمكننا حتى تصور الشكّ فيها. وهذا شبيه، بالنسبة إلى فتغنشتاين، بالمتطلب المنطقي، فهو يمزج بين يقينية «القضايا الموريّة» والمسائل الرياضية. وفي الجزأين التاليين من هذا الفصل، يناقش هاميلتون فكرة «اتّباع القاعدة» وحجة اللغة

(((على سبيل المثال، ينظر: فتغنشتاين، الفقرتان 94 و.95

الخاصة. ويخالف زعم كريبكه أنّ فتغنشتاين يقدم «حلًّ تشكيكيًا» في فكرة «اتّباع القاعدة»،

ويناقش تفريق فتغنشتاين بين المعرفة واليقين؛ فالمعرفة منجز يمكن أن يكون خطأ أو أن تساوره الشكوك، لكن اليقينيات لا تحتمل الشكّ أو الخطأ في الظروف العادية، لأنها ليست إنجازًا. يشير هاميلتون إلى رفض فتغنشتاين وجود لغة خاصة؛ فهي مستحيلة منطقيًا. في الجزء الأخير

من الفصل، يحاول هاميلتون أن يوضح مفهوم «المعنى»، ومفهوم «اللامعنى»، ومفهوم «اللغو»، في ضوء فلسفات فتغنشتاين المختلفة. ويشير إلى أن فتغنشتاين لا يميل إلى وصف القضايا الموريّة

بأنها عديمة المعنى أو غير مفهومة، فهي «أشبه بالافتراضات المسبقة للممارسة» (ص. 84) في الفصل الثالث، يتتبع هاميلتون الظروف التاريخية والسياقية التي كُتبَ فيها في اليقين.

وينخرط في سؤال جدلي، وهو: هل يعدّ في اليقينعملً أم لا؟ وبهذا الصدد، يشير هاميلتون إلى البلاغة التي تتّسم بها كتابة فتغنشتاين، وطريقته غير التقليدية في طرحه أفكاره، وتميّزه من الكتابة الفلسفية

التقليدية. ويعرض عددًا من الآراء حول أسلوب الكتاب، ويقدم في النهاية رؤيته حول هذه المسألة، ويرى في اليقينكأنه عمل فني، يؤدّي القارئ فيه دورًا حتى يتمّ، وهذا الرأي يشكّل ما

يسميه هاميلتون «الجماليات غير التامة» التي قد ينتمي إليها عمل فتغنشتاين. ويتناول في ما تبقى من الفصل المسائل الأدبية المتعلقة بكتاب في اليقين، ويشير إلى أسلوب فتغنشتاين الساخر، والتراجيديا المتّسم بها. وفي النهاية، يقول هاميلتون: «إنّ عمل فتغنشتاين يمكن مقارنته

(((المرجع نفسه، ص 35 (مقدمة أنسكومب وفون رايت.)

بالأعمال الفنيّة العظيمة، التي كما أكد أدورنو،

لا ينضب تأويلها» (ص. 108) يقدم هاميلتون في الفصل الرابع نبذة عن في اليقين؛ فيعرض فيه الأجزاء الأربعة التي يتكون منها، والتي أبرزها محررو الكتاب بخطٍّ في منتصف الصفحة، وفقًا للتسلسل الزمني. ويقف على الأفكار المثارة في كل جزء وتاريخها، والظروف التي كُتبت فيها. ويبحث الفصل الخامس في مسألة الحس المشترك عند مور. فيناقش هاميلتون، أولً، التأثير الذي أحدثه جورج مور في فتغنشتاين وفلسفته. على العكس من ذلك، كان تأثير فلسفة فتغنشتاين في مور محدودًا. وتناول أيضًا العلاقة التي جمعت مور بفتغنشتاين، والتي وصفها هاميلتون بأنها «متّسمة بالصعوبة» (ص. 125). ويقدم هاميلتون تمييزًا مهمًا بين القضايا الموريّة

واليقينيات الديكارتية. ويقف الفصل السادس على موقف فتغنشتاين من القضايا الموريّة، ويبدأ هاميلتون في الإشارة إلى أن فتغنشتاين يعامل القضايا الموريّة على أنّها قضايا تجريبيّة متحجّرة «اكتسبت وضعية

القاعدة» (ص. 139). ويدّعي أن عدم وضوح الفرق بين القبلي والتجريبي يعدّ «ميزة أصيلة وجديدة لكتاب في اليقين » (ص. 140). ينتقل هاميلتون بعدها إلى موقف فتغنشتاين غير الإبستيمي من القضايا الموريّة، وإلى الإمكان الذي يقدمه فتغنشتاين بأن تؤدّي القضيّة التجريبيّة

دورين مختلفين، فحينًا تكون القضية الموريّة

(((ينظر:

George. E. Moore, "A Defence of Common Sense," in: J. H. Muirhead (ed.), Contemporary British Philosophy, 2 nd series (London: Allen and Unwin, 1925), pp. 193–223.

يقينيّة، وفي حين آخر قضية تجريبيّة تخضع

للتحقيق، كما أن مجموعة القضايا التي تشكل صورة – عالم للمجتمع، قد تتغيّر، فتتحول من

يقينيّة إلى تجريبيّة والعكس صحيح، وهو ما

يطلق عليه هاميلتون «المفهوم الديناميكي» لهذه القضايا. إضافة إلى ذلك، يعامل فتغنشتاين القضايا الموريّة بوصفها مِفْصلَات، وليس قضايا

تجريبيّة؛ فإمكان وجود حياة يوميّة، مرتبط بثبات

بعض القضايا التي لا يمكن إخضاعها للشكّ، بل التسليم بيقينيتها. ويرفض هاميلتون وصف فتغنشتاين بأنه ذو نزعة تأسيسية أو تماسكية؛ لأنه يسعى إلى أساس غير إبستيمي لممارساتنا اللغوية، لكنه يقرّ بأنه «ذو نزعة كليانيّة في ما

يخص الاعتقاد» (ص. 160). ويدافع هاميلتون عن المفهوم الديناميكي للقضايا الموريّة

ضد المفهوم الساكن لها، والذي تتبناه مويال شاروك. ترى شاروك أن القضية الموريّة لا تتبدّل

إلى قضية تجريبيّة، بل تكون هاتان القضيتان

جملتين متشابهتين مع استعمالات مختلفة، فهي ترفض فكرة تحوّل القضايا. هذا يدفع هامتلون

إلى مناقشة تقنيّة حول ترجمة كلمة Satz من

الألمانية إلى قضية أو جملة، ويخلص إلى أن رأي شاروك «غير مفيد» (ص. 174). ويناقش هاميلتون علاقة الثنائيّة القطبيّة مع القضايا

الموريّة، وما إذا كان فتغنشتاين قد تخلّى عنها

أو لا. ويرى أن فتغنشتاين المتأخر ضبابي في هذه المسألة، وأنه لا يتخذ من الثنائيّة القطبيّة

معيارًا؛ لأن «مفهومه أكثر انفتاحًا» (ص. 175).

يحاول بعدها هاميلتون توضيح الحدود بين

(((ينظر:

Michael Kober, "Certainties of a World–Picture: The Epistemological Investigations of On Certainty," in: Hans Slug & David Stern (eds). The Cambridge Companion to Wittgenstein (Cambridge: C.U.P., 1996), p. 441.

اليقينيّات الموريّة واليقينيات الأخرى كالرياضيّة

والتاريخيّة. يربط في اليقينالقضايا الموريّة

مع القضايا الرياضيّة، إلّ أن هذه اليقينيات

لا تكتسب صفة اليقين المطلق التي تتّسم بها القضايا الرياضيّة. لا يسعى فتغنشتاين إلى يقين

مطلق بخصوص القضايا الموريّة، فهو يريد توضيح اليقين العملي. الأمر ببساطة، كما يلمح هاميلتون، يكمن في أننا نقبل هذه اليقينيات لأننا بشر، ولا نحتاج إلى اليقين المطلق. وعن اليقينيات التاريخيّة، يشير فتغنشتاين إلى أن

بعض الحقائق التاريخيّة لا يمكن أن يساورها

شكّ، في حين أن قضايا أخرى قد توضع محل شكّ في ضوء الأدلة والاعتبارات المختلفة. يوضح هامتلون في الفصل السابع مفهوم فتغنشتاين عن «صورة – عالم»، وكيف تطورت هذه الفكرة خلال معالجة فتغنشتاين لها في كتابه. ويوضح أيضًا أنواع الصور العالميّة التي تطرّق

إليها فتغنشتاين، وكيف أن قضايا «صورة – عالم» تترسخ في ممارساتنا وأفعالنا. ينظر هاميلتون في الإمكان الذي يقدمه فتغنشتاين بوجود صور عالميّة بديلة، ويشير إلى أنّ فتغنشتاين يرفض

وجود «صورة – عالميّة» للشكوكيّة. ويقدّم

هاميلتون تمييزًا مهمًا بين رؤية – عالم وصورة –

عالم عند فتغنشتاين. ويخلص إلى أن فتغنشتاين «ذو نزعة لا معرفانيّة في ما يخص الصور العالميّة»

(ص. 201). وفي نهاية الفصل، يؤكّد هاميلتون أن فتغنشتاين لا يعامل القضايا الموريّة معاملة الادّعاءات الفلسفيّة «على الرغم من أن الحدود

بينهما قد تكون ضبابيّة» (ص. 217)

(((على سبيل المثال، ينظر:

Annalisa Coliva, Moore and Wittgenstein – Scepticism, Certainty and Common Sense (Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2010). p.179

يتناول الفصل الثامن كتاب في اليقينفي سياق الردود الحديثة على الشكوكيّة وإبستيمولوجيا

القرن العشرين. ويوضح هاميلتون موقف فتغنشتاين من الشكوكية، وكيف يراها موقفًا غير مفهوم وعديم المعنى، وتمييزه الشكّ الفلسفي من الشكّ اليومي. يناقش بعدها موقف فتغنشتاين من الشكوكيّة في ضوء البراغماتيّة، وفلاسفة

آخرين مثل ديكارت وهيوم وكانط. ويخلص إلى أن موقف فتغنشتاين يعارض «ذاتية ديكارت التأملية الخالصة»، ويسعى إلى «الذات الموجّهة

عمليًا» (ص. 230). ويناقش هاميلتون العلاقة

بين فتغنشتاين والتقليد الإبستيمولوجي المبكّر، وينتهي الفصل بحجة الحالة البراديغميّة عند

مالكولم نورمان Malcolm Norman –1911()1990 وأنتوني فلو Flew Antony –1923(2010)، ويرى هاميلتون أن اعتبار فتغنشتاين، وفقًا لهذه الحجة، «فيلسوف لغة عادية» يبسّط

موقفه، وبناء عليه، يفصل هاميلتون بين نقد فتغنشتاين للشكوكيّة وحجة الحالة البراديغميّة.

إلّ أن هذه الحجة، كما يجادل هاميلتون، تدعم حجة فتغنشتاين ضد الشكوكية. ويسمي هاميلتون حجة فتغنشتاين تلك بحجة ال  Meaning، والتي سيناقشها لاحقًا. يوضح الفصل التاسع المخصص لبرهان مور عن العالم الخارجي، فشل رد مور، كما يرى فتغنشتاين، على الشكوكيّة. يضع فتغنشتاين

(((بخصوص مقاربة مالكوم لمفهوم اليقين عند فتغنشتاين، ينظر:

Malcolm, Norman. Nothing is Hidden (Oxford: Basil Blackwell, 1986). p. 201.

(((ينظر:

Norman Malcom, Moore and Ordinary Language, The Philosophy of G. E. Moore , Paul Arthur Schilpp (ed.) (Chicago: Northwestern University Press, 1942).

كلً من الشكوكيّة وردود جورج مور عليها، تحت

المساءلة. ويتطرّق هاميلتون أيضًا إلى موقف

جورج مور من الشكوكية والمثالية. في الفصل العاشر، يدافع هاميلتون عن موقف فتغنشتاين غير الإبستيمي تجاه القضايا الموريّة. ثم يبيّن كيف أن فتغنشتاين يسعى إلى تقويض

الجدل القائم بين مور والشكوكي. ويتحدث، بعد ذلك، عن الخلاف حول ما إذا كانت نظرة فتغنشتاين تتضمن موقفًا غير إبستيمي متشدّدًا أو معتدلً. ويردّ هاميلتون على تقليل مايكل وليامز من أهمية الموقف غير الإبستيمي عند فتغنشتاين، ويرى أن مقاربة الأخير غير الإبستيمية المتشدّدة «تتطلّب التأهيل، لا الرفض» (ص. 288). وينهي الفصل بالرد على الاعتراضات الموجّهة ضد

الموقف غير الإبستيمي، مبرهِنًا على عدم قوتها وضعفها. يبحث الفصل الحادي عشر في حجج فتغنشتاين ضد الشكوكيّة. فعلى الضد من

مؤيدي المنهج العلاجي، يرى هاميلتون «أن تشخيص الشكوكيّة يتوافق مع دحضها» (ص

303). ويرفض هاميلتون التأويل التسوياتي لردود فتغنشتاين على الشكوكية، فيشير إلى عدم تنبّه

أصحاب هذا التأويل إلى موقف فتغنشتاين غير الإبستيمي. ويبيّن بعدها كيف تدحض حجة

Meaning الشكوك التي يثيرها الشاكّ، ويميز هاميلتون بين نوعين من هذه الحجة: يُعنى

النوع الأول بالسؤال حول ما إذا كان الشاكّ يفهم معنى كلماته، ويُعنى النوع الثاني بتوضيح «الشروط التي يكون فيها لمنطوقات المرء معنى» (ص. 317). وعلى نحو أكثر دقة، يُعنى النوع الثاني بشكوكية الحلم والإخفاق الذاتي البراغماتي. وتُعتبر شكوكية الحلم مخفقة ذاتيًّا وغير مفهومة،

مثلها مثل الشكّ حول معاني كلمات الشخص. ويقف هاميلتون بعدها على النقد الموجّه ضد

حجة Meaning؛ فالحجة وفقًا للنقد، بدلً من أن تدحض الشكوكية، تعمل «على تعزيز قوتها، مؤدية إلى ما قد يُطلَق عليه الشكوكية

المتطرفة» (ص. 332). لتوضيح هذه الانتقادات، يعرض هاميلتون فكرة هيلاري بوتنام Hilary Putnam (2016–1926) المشهورة، وهي «دماغ في وعاء»، والتي تماثل حجة Meaning في دحضها للشكوكيّة، وردّ توماس ناغل عليها.

يبين بوتنام من خلال فكرة «الدماغ في وعاء»، أن الشكوكيّة مفنّدة ذاتيًا، في حين يكمن رد توماس

ناغل Nagel Thomas في إخفاق فكرة بوتنام في دحض الشكوكيّة؛ فهي تؤدي إلى شكوكيّة

متطرّفة. يشير هاميلتون بعد ذلك، إلى فصل

مهم بين فلسفة فتغنشتاين وفلسفة اللغة العاديّة وموقفها التبسيطي في دحض الشكوكيّة، ويتطرق

إلى تفنيد نورمان مالكوم للشكوكية، من خلال الاعتماد على السياق والتعريف الإشاري، وردّ سكوت سومس عليها واعتبارها تقدم ردًا «ضد الشكوكية المحدودة» (ص. 341). يدّعي هاميلتون أنه يمكن لحجة الحالة البراديغميّة أن تقدم دعمًا

قيّمًا لحجة ال  Meaning. ويقارن هاميلتون بين

الردود التقليدية على الشكوكية وردود فتغنشتاين، وهذا ينقله إلى ربط فتغنشتاين الاعتقاد بوجود

((1(ينظر: هيلاري بوتنام، العقل والصدق والتاريخ، ترجمة حيدر حاج إسماعيل (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2012)، ص.23 ينظر (:((1

Thomas Nagel, The View from Nowhere (Oxford: Oxford University Press, USA, 1986), p. 71.

(((1 ينظر:

Scott Soames, Philosophical Analysis in the Twentieth Century, vol. 2: The Age of Meaning (Princeton: Princeton University Press, 2003), p. 166.

تطبيقات عملية له. للشكوكيّة تمظهر سلوكي، كما

عند البيرونيين؛ أتباع المدرسة الشكوكية البيرونية Pyrrhonism، لكن فتغنشتاين يهمه النتائج المنطقيّة للشكّ، وليست النفسيّة التي يظهرها

البيرونيون. يتطرق هاميلتون إلى قراءة دايموند الصارمة بخصوص «اللغو »؛ فهي تقترح نوعًا واحدًا من اللغو، ويشير إلى أن «معقولية القراءة الصارمة مقتصرة على الرسالة » (ص. 350)؛ لأن فتغنشتاين مال لاحقًا إلى وجود أنواع مختلفة من اللغو؛ طبقًا للألعاب اللغوية. يناقش بعدها تمييز فتغنشتاين بين اللغو الخفي واللغو الصريح؛ فالأول فلسفيّ يتطلب إجراءات حتى

يتوضّح، بينما الثاني لغو عادي، ندركه مباشرة، لينتقل هاميلتون إلى الموقف الواسع (الليبرالي) والموقف الضيّق (المعياري) من اللغو. ويرى

مبالغة الموقفين في جزئيتين مختلفتين من فلسفة فتغنشتاين؛ فالأخير يعدّ معياريًا بتأكيده على تحديد اللعبة اللغوية المعنى للجملة، وليبراليًا

في إشارته إلى إمكان استعمال هذه الجملة في ألعاب لغوية مختلفة؛ لأن الحدود في ذلك ليست واضحة. ينتقد هاميلتون مبالغة الليبراليين في البحث عن معنى للّغو الفلسفي، عبر السياقات المختلفة، وهو موقف مضاد لموقف فتغنشتاين؛ فالأخير يشدّد على أن اللغو الفلسفي «لا يمكن أبدًا أن يُمنح استعمالً» (ص. 359) يتناول الفصل الثاني عشر كتابَ في اليقين،

في ضوء التأويلات المختلفة له مثل التأويل النِزالي والتأويل المهادن. يربط هاميلتون هذه التأويلات بالقراءات البيرونيّة والقراءات غير

(((1 ينظر:

Cora Diamond, The Realistic Spirit: Wittgenstein, Philosophy, and the Mind (Cambridge, MA: The MIT Press, 1995), p. 95.

البيرونيّة لفتغنشتاين المتأخر. ويتبنى تأويلً

علاجيًا ومعرفيًا ونِزاليًا، فهو يرفض التأويل

المهادن لردود فتغنشتاين على الشكوكية. ويشدّد هاميلتون على استمرار حضور مفهوم العلاج، الذي كان حاضرًا في التحقيقات،

عند فتغنشتاين. يتطرق بعدها إلى أوجه الشبه بين منهج فتغنشتاين والتحليل النفسي، وهي أوجه شبه غير معرفانيّة. ثمّ يقف على الأبعاد

المعرفانيّة للمنهج العلاجي. في نهاية الفصل،

يخلص هاميلتون، من خلال حجة ال  Meaning، إلى أن فتغنشتاين لم يقوّض الشكوكية فحسب،

بل دحضها أيضًا؛ فالحجة «تسعى عقلانيًا أيضًا

إلى إقناع الشكوكيين»، لجعلهم يقرّون ب «نعم،

التحدي الذي أتزعمه مقوض ذاتيًا» (ص. 386) يناقش الفصل الثالث عشر صلة كتاب في اليقين بالنزعة الطبيعيانية والنزعة الكانطية. يفترض هاميلتون، وجود هذه الصلات، ويصرّ على ذلك،

وينتهي ببحثه سؤال علاقة فتغنشتاين بالطبيعيانية، إلى أن الفقرات التي تتحدث عن الطبيعة في كتاب في اليقين، تشير «إلى أن الطبيعيانيّة الإنسانويّة

أو الليبراليّة ستكون متوافقة مع فتغنشتاين»

(ص. 397). وعلى المنوال نفسه، يبحث سؤال علاقة فتغنشتاين بالترنسندنتاليّة الكانطية،

وينتهي إلى أن «فكرة أن فتغنشتاين هو طبيعاني ليبرالي وترنسندنتالي معتدل، تحظى بقدر من المقبولية» (ص. 404). يرى هاميلتون وجود علاقة لفتغنشتاين بالنزعتين، على رغم من أنه يقول، في الفصل نفسه: إن «الشخص الذي يكون بأصالة فتغنشتاين، لا يمكن إدراجه ببساطة مع الطبيعانيين أو الكانطيين» (ص. 389). يختم هاميلتون الفصل بمناقشة موقف في اليقينمن النزعة الداخلانية، والنزعة الخارجانية. يذكر هاميلتون ثلاثة تأويلات لهذه المسألة؛ يعتبر الأول فتغنشتاين داخلانيًّا،

ويعتبره الثاني خارجانيًّا، ويرى الثالث هذا

الانقسام الثنائي غير قابل للتطبيق؛ «لأنه مقوّض

بعمل فتغنشتاين» (ص. 407). وفي النهاية، يتفق هاميلتون مع موقف بوتنام من النزعتين وعلاقتهما بفتغنشتاين؛ فبوتنام يرى أن فتغنشتاين «يقوّض

ثنائية الداخلانية والخارجانية» (ص. 413)، معتمدًا على السياق والاستعمال. أما الفصل الرابع عشر والأخير من الكتاب فيناقش تأثير في اليقينالمعاصر، وآثاره. بدايةً، يوجز هاميلتون الإضافات الأصيلة التي قدمها فتغنشتاين في كتابه. ويشير إلى التأثير الخافت ل  في اليقين في الإبستيمولوجيا الحالية، والمعارضة التي تعرّض لها؛ وذلك بسبب صعود

النزعة الطبيعيانية العلموية لكواين ودونالد دافيدسون في الفلسفة والإبستيمولوجيا. يعدّ في اليقين عملً كلاسيكيًا من كلاسيكيات

الفلسفة بالمفهوم الذي يعنيه هاميلتون. ويبيّن

هاميلتون، بعد ذلك، موقف فتغنشتاين من الفلسفة باعتبارها منتميةً إلى العلوم الإنسانية، وموقف الفلاسفة التحليليين من ذلك أيضًا. وينتهي الفصل بمماثلة هاميلتون في اليقين بالعمل الفني الكلاسيكي، مشيرًا إلى أن التأويل

في الحالتين «لا ينضب بالضرورة» (ص. 425) قد   تضعف المقاربة الأكاديمية لكتاب في اليقين روحه وقوّته. أضفى هاميلتون الطابع

الاصطلاحي والتقني الذي يرفضه فتغنشتاين في تحليله قضايا الكتاب؛ فالعديد من دارسي فلسفة فتغنشتاين وشارحيها يستعملون اللغة الفلسفية، وهذا يؤثر في أصالة فتغنشتاين وتأثيره، وهدفه الذي يتطلع إليه. لم يتنبه هاميلتون إلى افتراض له وجاهته، وهو أن أفكار فتغنشتاين المتأخرة مثلها مثل «سلّم» تراكتوس. بمعنى أنها ليست فلسفة،

ولا نظرية، بل هي أداة للتخلص من الأمراض الفلسفية ومشاكلها. بعد التخلص، لا حاجة بنا إلى هذه الأداة، فلا استعمال أو فائدة منها. إذا كان الناس لا يفكرون مثل هيوم وديكارت لمزاولة حياتهم، فهم أيضًا لا يفكرون مثل فتغنشتاين. الفكرة هنا هي أن نصمت بخصوص المشاكل الفلسفية أو المعرفية، ونتوجّه إلى مزاولة الحياة،

حيث طبيعة المشاكل تختلف. وأجد أنه من المهم أن نذكر أنّ الصمت عند فتغنشتاين الثاني، يختلف عن الصمت عند فتغنشتاين الأول؛ فالتنظير يعني الرجوع خطوات إلى الوراء. أقصد العودة إلى ما قبل فتغنشتاين. ركّز هاميلتون على قضية الشكوكية. وحال هذا التركيز دون تطرّقه إلى عديد من القضايا التي

يثيرها في اليقينفي مجالاتٍ وأفقٍ أخرى. كانت الشكوكية ثيمةً رئيسة في عمل فتغنشتاين، ولكن ليست الوحيدة، ودحضها، في اعتقادي، لم يكن الهدف الرئيس لفتغنشتاين. نلحظ أن هاميلتون لم يعالج بما فيه الكفاية مسألة «حجة اللغة الخاصة» في كتابه، والتي ترفض وجود أي لغة فلسفية. وفي هذا الصدد، نجده يستعمل لغة فلسفية في تناوله أفكار في اليقين. كما نلحظ محاولته إعادة فتغنشتاين إلى الحضن الفلسفي، ومثال ذلك، كما أشرت سابقًا، موقف هاميلتون من علاقة فتغنشتاين بالنزعتين الكانطية والطبيعيانية. لم يرد هاميلتون على انتقادات وأسئلة أساسية حول فتغنشتاين، مثل الادّعاء بأنه ذو نزعة مثالية لغوية. تنبّه مترجم الكتاب

إلى العربية، مصطفى سمير عبد الرحيم، إلى أهمية هذا الادّعاء والرد عليه؛ فترجم في آخر الكتاب ملحقًا لمويال شاروك، ترد فيه على هذه الادّعاءات وتفنّدها. أهمل هاميلتون وجهة نظر

فتغنشتاين بخصوص الجنون وطبيعته وعلاقة ذلك بالمجتمع، فمناقشتها قد تعدّ إضافة ثرية للكتاب. قدّم هاميلتون إضافات مميزة إلى فكرة «صورة – عالم» أثناء تناوله إياها. ونبهنا إلى التمييز بين رؤية – عالم وصورة – عالم، وهذا التمييز هو من بنات أفكاره. فقدّم تطويرًا جديدًا لاستعارة

قاع النهر، وتقلب حال القضايا. وتميّز هاميلتون

في المعالجة الأدبيّة لأسلوب فتغنشتاين، ونظرته

الفنية، وكان مميزًا في ذلك. من أهم إسهامات هاميلتون في كتابه تفنيده مفهوم فتغنشتاين الثالث عند مويال شاروك وأفروم سترول، وأيضًا تفنيده فكرة أن فتغنشتاين ذو نزعة تأسيسانية، وتفنيده أيضًا الرؤية التي ترى فتغنشتاين تماسكي النزعة، ودفاعه عن موقف فتغنشتاين غير الإبستيمي. كان هاميلتون، هنا، أكثر قربًا، برأيي، إلى فتغنشتاين. أرى أن تقسيم فتغنشتاين إلى مرحلتين أو ثلاث مراحل مفيد لغايات الشرح والتوضيح، وليس منطلقًا حقيقيًا لفهم فلسفته؛ فلا نلحظ أهمية

مؤثرة لهذا التقسيم، إضافة إلى إمكان سوء الفهم الذي قد ينتج منه في دراسة فتغنشتاين. لم يذكر هاميلتون هذه الفكرة؛ إذ يبدو مقرًّا بأهمية تقسيم

فتغنشتاين إلى أول وثانٍ، لكن على الرغم من ذلك، كان موفّقًا في رفضه إضافة فتغنشتاين ثالث. وتميّز أيضًا بشرحه إحدى أهم أفكار في

اليقين، وهي توسيع فتغنشتاين المنطق وفتحه على الحياة اليومية، إضافةً إلى المناقشة الثريّة

لفكرة عدم وضوح الفرق بين القبلي والتجريبي عند فتغنشتاين. يبدو هاميلتون منخرطًا في أفكار فتغنشتاين، وفي الوقت نفسه، يقدّم نقدًا فيه قدرٌ عالٍ من الأصالة

والجرأة. يعدّ كتاب هاميلتون من أشمل الكتب

في تناولها موضوعات في اليقين، وهذا أمر بالغ الصعوبة؛ فنرى هاميلتون يعبّر عن ذلك في

مقدمته، فيقول: «كان من الصعب فرض هيكلية معينة على الكتاب وهذا بدوره صعّب تنظيم دليل شرحي له» (ص. 17). يمكن القول: إن هاميلتون قدّم كتابًا قويًا ومميزًا من غيره من الكتابات التي تختص بالموضوع نفسه، وهو إضافة مهمّة في حقله.

ثانيًا: في الترجمة

فتح كتاب آندي هاميلتون آفاقًا جديدة في العالم العربي، للباحثين في فلسفة فتغنشتاين والفلسفة المعاصرة. فاختيار المترجم هذا الكتاب يعدّ نقطة إيجابية تحسب له وخطوة ذكية؛ إذ لم يكن اختيارًا عشوائيًا أو بلا معايير واضحة، ومن أسباب ذلك: 1. أهمية الكتاب وفرادته: إذ يُعدّ كتاب هاميلتون

بالنسبة إلى العديد من الباحثين في فلسفة فتغنشتاين، الكتاب الأهم في مجاله وفي تناوله كتاب في اليقين. ثمة العديد من المؤلفات حول في اليقين، لكن اختيار المترجم هذا الكتاب بالتحديد، يشير إلى معرفة المترجم بما يفعل، واطّلاعه على الحقل الذي يترجم فيه، وإدراكه مشهد الباحثين في كتاب في اليقين، والجدالات بينهم. 2. موعد صدور الكتاب: صدر كتاب هاميلتون عام 2014، وكان، حينها، أحدث إصدار تناول كتاب في اليقين. وقد بدأ المترجم في ترجمة الكتاب عام 2018، وحينها كان كتاب هاميلتون ما زال أحدث إصدار عن في اليقين، وعليه، كان اختيار المترجم وتوقيته موفقَين في ترجمة أحدث وأشمل إصدار يُعنى بكتاب فتغنشتاين.

3. إمكان التأثير: ثمّة إمكان للاستفادة من

كتاب في اليقين، والذي قمت بترجمته إلى العربية وصدر عن دار الرافدين في عام 2020، في مسائل وقضايا بحثية مهمّة تخص الثقافة

العربية والإسلامية، إضافة إلى قضايا تهم الإنسان المعاصر، وخاصة في العالم العربي. صدرت ترجمة الكتاب بالعربية بعد عام تقريبًا من صدور

ترجمة كتاب آندي هاميلتون. ومثّلت ترجمة مصطفى سمير عبد الرحيم تمهيدًا جيدًا لصدور الترجمة العربية لكتاب في اليقين، كما أنها إضافة إلى هذا الحقل من الدراسات في اللغة العربية،

وستمهد لأعمالٍوترجمات أخرى في هذه المجالات الغائبة عن المشهد الثقافي والفلسفي العربي مستقبلً. زوّد المترجم عمله بمقدمة، وتعليقات، وثبت

للمصطلحات، وملحق مترجم في آخر الكتاب. وبدأ مقدمته بذكر المواضيع العامة التي تناولها آندي هاميلتون، ثمّ ذكر ميزات هذا الكتاب

واختلافه عن غيره من الكتب التي تناولت في اليقين، وأفصح عن أسباب ترجمته هذا العمل ودوافعها. ويشير المترجم إلى الملحق الذي ترجمه في آخر الكتاب حول تفنيد ادّعاء مثالية فتغنشتاين اللغوية، وهذا الملحق لدانييل مويال شاروك؛ وهي من أبرز الباحثين حاليًا في فلسفة

فتغنشتاين. يقول المترجم في مقدمته متكلمًا

عن دوافع ترجمة هذا الملحق: «أضفت هذا الملحق لمنع حدوث التباس عند القارئ في فهم فتغنشتاين المتأخر، من جهة أن الفهم الصحيح لفتغنشتاين المتأخر، يقتضي أن يكون بمنأى عن أي نزعة أو مذهب فلسفي معين» (ص. 14). ثم يبيّن المترجم أهمية الكتاب للمكتبة العربية التي

تفتقر إلى أطروحات مشابهة. ويوضح في آخر

مقدمته بعض النقاط حول ترجمته من الناحية التقنية والإخراجية. لم تكن مقدمة المترجم مرهقة للقارئ؛ إذ وضّحت له ما يحتاج معرفته حول الكتاب والترجمة من دون إطالة، وذكر فيها النقاط الأهم. سار المترجم على النهج نفسه في ما يخص تعليقاته. فلا تشعرك التعليقات بأنك أمام نص موازٍ للنص الأصلي، ولم يحاول المترجم من خلالها فرض رأيه أو معارضة الكاتب. كانت التعليقات توضيحية، ويمكن أن يلاحظ القارئ أن المترجم يتدخل بتعليقاته عندما توجَد حاجة إلى ذلك. اقتصرت التعليقات على شرح بعض المصطلحات والإشارة إلى مصادر أخرى للاستزادة حول مسألة معينة طرحها الكاتب، إضافة إلى توضيح بعض الأفكار التي ناقشها هاميلتون. قدّم الكتاب مجموعة من المصطلحات التخصصية في الإبستيمولوجيا فتغنشتاين. كان المترجم موفقًا إلى حد بعيد في اختياراته في ترجمة المصطلحات والكلمات المفتاحية المهمّة في كتاب في اليقينوكتاب آندي هاميلتون. وقدّم، في تعليقاته، توضيحات بخصوص اختياراته وتفضيلاته في ترجمة مصطلحات معينة. وجمع المترجم هذه الكلمات في ثبت للمصطلحات في نهاية الكتاب، وهذه خطوة ضرورية في هذا الكتاب.

المراجع

العربية

للترجمة،.2012

تمتاز اللغة الأكاديمية بالوضوح والمباشرة. وهذا ما امتازت به كتابة آندي هاميلتون. ويعدّ الكتاب دليلً شرحيًا كُتب بلغة واضحة ومباشرة، وهذا يقلل من أخطاء المترجم أو احتمال الخطأ، ولا يترك مجالً للتأويل أو سوء الفهم. كتبٌ من هذا النوع، عادةً يكون نقد ترجمتها مختلفًا عن نقد ترجمة الأعمال التي تمتاز بصعوبة اللغة وغموضها. ليس ثمة أخطاء جوهرية في ترجمة المترجم؛ لا تجد، مثلً، خطأ غيّر من معنى الجملة أو الفكرة. ولكن ثمة أخطاء لغوية وتحريرية لدى المترجم، وهذه الأخطاء ثانوية؛ لا تؤثر كثيرًا في معنى الجملة أو الفكرة. وسنجد جملً بصياغة عربية ركيكة؛ ربما احتاجت إلى مزيد من الصبر والمراجعة. نجد أيضًا بعض الأخطاء في عملية الإخراج، ولكنها ليست مؤثرة أو مزعجة للقارئ.

وفلسفة هذه أخطاء لا يخلو منها أي عمل بشري. لذا وجب التنبيه إليها. كان يتعيّن على المترجم أن يكون صبورًا أكثر في عملية المراجعة اللغوية والإخراج والتحرير؛ ليتفادى الأخطاء قدر الإمكان. يمكننا القول إن المترجم أدّى مهمته، وكان عمله، في العموم، ممتازًا.

References

بوتنام، هيلاري. العقل والصدق والتاريخ. ترجمة حيدر حاج إسماعيل. بيروت: المنظمة العربية

فتغنشتاين، لودفيغ. في اليقين. ترجمة مروان محمود. بيروت: دار الرافدين للنشر والتوزيع،.2020

الأجنبية

Coliva, Annalisa. Moore and Wittgenstein – Scepticism, Certainty and Common Sense. Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2010. Diamond, Cora. The Realistic Spirit: Wittgenstein, Philosophy, and the Mind. Cambridge, MA: The MIT Press, 1995. Kripke, S. Wittgenstein on Rules and Private Language. Oxford: Blackwell, 1982. Malcolm, Norman. Nothing is Hidden. Oxford: Basil Blackwell, 1986. ________. Moore and Ordinary Language, The Philosophy of G. E. Moore. Paul Arthur Schilpp (ed.). Chicago: Northwestern University Press, 1942. Muirhead, J. H. (ed.). Contemporary British Philosophy. 2 nd series. London: Allen and Unwin, 1925. Nagel, Thomas. The View from Nowhere. Oxford: Oxford University Press, USA, 1986. Sharrock, Moyal. The Third Wittgenstein: The Post-Investigations Works. Farnham, UK: Ashgate Publishing, 2004. Slug, Hans & David Stern (eds.). The Cambridge Companion to Wittgenstein. Cambridge: C.U.P., 1996. Soames, Scott. Philosophical Analysis in the Twentieth Century. vol. 2: The Age of Meaning. Princeton: Princeton University Press, 2003.