العودة إلى تفاصيل المؤلَّف المجتمع المدني والدولة في الجنوب الكبير: ما القيمة المضافة لكتاب

المجتمع المدني والدولة في الجنوب الكبير: ما القيمة المضافة لكتاب

Civil Society and the State in the Global South: What is the Added-Value of the book "Civil Society: A Critical Study" for Global South Studies?

محمد حمشي *

Mohammed Hemchi *

الملخّص

تسعى هذه الدراسة إلى وضع كتاب المجتمع المدني: دراسة نقدية لعزمي بشارة في سياقِ ما بات يُعرَف بدراسات الجنوب الكبير. وهي تبرز أنّ القيمة المضافة للكتاب تكمنُ في نقد النزعات الاختزالية لمفهوم المجتمع المدني، والكشف عن قصورها عن إبراز قدرةِ المجتمع المدني التفسيريةِ ومفعوله النقدي ووظيفته الديمقراطية أيضًا؛ إذ يبيّن كيف ارتحل المفهومُ من كونه متطابقًا مع الدولة حين كان مقابلًا للمجتمع الطبيعي، مرورًا بكونه فضاءً وسيطًا ما بين الفرد والدولة والسوق، وصولًا إلى ما آل إليه من تشويهٍ بعد أن صار يعبِّر عمَّا هو ليس الدولة، ومتطابقًا، من ثَمَّ، مع ما هو غير سياسي. تبدأ الدراسة بفحصٍ للمناقشات التي تعرّض لها مفهوم "المجتمع المدني" في الأدبيات التي تصنَّف/ تصنِّف نفسها ضمن دراسات الجنوب الكبير. ثم تنتقل إلى إلقاء الضوء على إشكاليات المجتمع المدني الأساسية، المفهومية والنظرية والتأريخية، التي يشتبك معها بشارة في كتابه. وبعدَها، تحاول بيان كيف أنّ هذه الأطروحات تظل راهنةً وعلى صلةٍ وثيقةٍ بالتحديات التي تواجه صيرورة المجتمع المدني في البلدان العربية على تباين مواطئ أقدامها على سكة الانتقال نحو الديمقراطية.

Abstract

Abstract: This paper seeks to contextualize Azmi Bishara’s Civil Society: A Critical Study within Global South Studies. It argues that the book’s added value lies in the criticism of the reductionist approach to civil society and reveals the failure of the reductionist approach to highlight the explanatory power of the

الكلمات المفتاحية:
  • المجتمع المدني
  • الدولة
  • عزمي بشارة
  • الجنوب الكبير
  • الجنوب العالمي
  • الربيع العربي
  • الديمقراطية
Keywords:
  • Civil Society
  • State
  • Azmi Bishara
  • Global South
  • the Arab Spring
  • Democracy

سياقِ ما بات يُعرَف بدراسات الجنوب الكبير. وهي تبرز أنّ القيمة المضافة للكتاب تكمنُ

في نقد النزعات الاختزالية لمفهوم المجتمع المدني، والكشف عن قصورها عن إبراز قدرةِ

المجتمع المدني التفسيريةِ ومفعوله النقدي ووظيفته الديمقراطية أيضًا؛ إذ يبيّن كيف ارتحل

المفهومُ من كونه متطابقًا مع الدولة حين كان مقابلً للمجتمع الطبيعي، مرورًا بكونه فضاءً

وسيطًا ما بين الفرد والدولة والسوق، وصولً إلى ما آل إليه من تشويهٍبعد أن صار يعبِّر عمَّا هو

ليس الدولة، ومتطابقًا، من ثمَّ، مع ما هو غير سياسي. تبدأ الدراسة بفحصٍ للمناقشات التي

تعرّض لها مفهوم "المجتمع المدني" في الأدبيات التي تصنَّف/ تصنِّف نفسها ضمن دراسات

الجنوب الكبير. ثم تنتقل إلى إلقاء الضوء على إشكاليات المجتمع المدني الأساسية، المفهومية والنظرية والتأريخية، التي يشتبك معها بشارة في كتابه. وبعدَها، تحاول بيان كيف أنّ

هذه الأطروحات تظل راهنةً وعلى صلةٍ وثيقةٍ بالتحديات التي تواجه صيرورة المجتمع المدني في البلدان العربية على تباين مواطئ أقدامها على سكة الانتقال نحو الديمقراطية.

Researcher at the Arab Center for Research and Policy Studies, Assistant Professor at the Doha Institute for Graduate Studies. mohammed.hemchi@dohainstitute.edu.qa

civil society concept, its critical effect, and its democratic function as well. The paper examines how the concept has changed from being identical with the state when it was opposite to the natural society; passing through a stage of being opposite to the religious and the military; reaching the stage of being a via–media space between the individual, the state, and the market; and finally settling into being a distorted expression of that which is not a state, and thus identical to what is not political. The paper begins with an examination of the debates on the civil society concept in the Global South Studies literature. Then, it proceeds to highlight the basic conceptual, theoretical, and historical problematic issues of civil society, with which Bishara engages in his book. Finally, the paper attempts to demonstrate how the book’s arguments remain very relevant to the challenges that face civil society in the Arab region.

مقدمة

بحلول عام 2021، يكون قد مضى ربعُ قرنٍ كامل على صدور الطبعة الأولى من كتاب عزمي

بشارة المجتمع المدني: دراسة نقدية. وقد صدرت منه إلى الآن تسعُ طبعات، كان آخرها عام 2017 عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. وقد بات الكتابُ منذ صدور طبعته الأولى،

في رام الله عام 1996، مرجعًا في موضوع المجتمع المدني بين الباحثين والطلاب، فضلً عن أنه صار منطلقًا أساسيًا للتفكير عربيًا في المجتمع المدني وعلاقته بالدولة والديمقراطية، خاصة في

ظل الانتفاضات الشعبية العربية بموجتيْها في عامي 2011 و 2019، تؤازره إسهاماتُ بشارة الأخرى،

وأبرزها في المسألة العربية)]2007[2018(، والدين والعلمانية في سياق تاريخيمن ثلاثة أجزاء 2013(، 2015، 2015)، والطائفة، الطائفية، والطوائف المتخيلة)2018(، والانتقال الديمقراطي وإشكالياته)2020(؛ إذ يظل سؤال المجتمع المدني، بلا شكٍّ، سؤالً مُلحًّا وراهنًا، تتعاظم أهميته

(((عزمي بشارة، المجتمع المدني: دراسة نقدية، ط 9 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2017 وقد صدرت الطبعة الأولى من الكتاب في عام 1996 عن المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية (مواطن) في رام الله. (((عزمي بشارة، في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي، ط 4 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018). وقد صدرت الطبعة الأولى من الكتاب في عام 2007 عن مركز دراسات الوحدة العربية، في بيروت. (((عزمي بشارة،  الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج 1: الدين والتدين (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة

السياسات،.)2013 (((عزمي بشارة،  الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج  2، مج 1: العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية (الدوحة/ بيروت: المركز

العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2015 (((عزمي بشارة،  الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج  2، مج 2: العلمانية ونظريات العلمنة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي

للأبحاث ودراسة السياسات،.)2015 (((عزمي بشارة، الطائفة، الطائفية، والطوائف المتخيلة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2018 (((عزمي بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة

السياسات، 2020). غني عن القول إن هذه الأعمال جميعَها تمثّل مشروعًا فكريًا تراكميًّا ومتكامل، نظريًا وإمبريقيًا، في الآن نفسه؛

يسهم في نقد الفلسفة السياسية والنظرية الاجتماعية السائدة، ويسهم في الوقت نفسه في تشكيل وعيٍ عربيٍ بنّاءٍ بما يسميه بشارة

"المسألة العربية".

والربيعُ العربيُّ يضع أقدامَ بلدانٍ عربيةٍ على طريق انتقالاتٍ عسرةٍ نحو الديمقراطية، تعرّض بعضُها

للإجهاض، في حين تظل الظروف التي دفعت باتجاهها باقيةً وتتمدد. تحاول هذه الدراسة وضع الكتاب في سياقِ ما بات يُعرَف بدراسات الجنوب الكبير

Global South Studies. ويدل الجنوب الكبير، مثلما بات معروفًا اليوم، على تصورٍ تاريخيٍّ في

المقام الأول، ولا يتعلق فقط بحدودٍ جغرافيةٍ ثابتةٍ يمكن من خلالها التمييز بين عالَميْن متباينيْن تمامًا

(الشمال والجنوب)، سواء في علاقة ذلك بتشكّلهما التاريخي أو من حيث الظروف الاجتماعية والاقتصادية لصيرورة هذا التشكل. وأيًّا كان أصلُ فكرة الجنوب الكبير – العالم الثالث أم الدول النامية

أم البلدان المتخلفة أم حتى الشرق مقابلً للغرب – فإن العالم العربي يقع في القلب منه. وإنّ أكثر ما يهمّنا هو الإقرار بوجود ذلك التمايز بين العالميْن من جهة، والتمايز ضمن كل عالَم منهما على

حِدَته من جهة أخرى؛ لأن الإقرار بهذا هو ما يسمح بالكشف عن السياقات والشروط الكامنة خلف بزوغ مفاهيم مثل مفهوم المجتمع المدني تارةً، وأفولها تارةً ثانية، وإعادة إحيائها تارةً ثالثة، وهلُم جرًّا. ثمة طائفةٌ واسعةٌ من الأدبيات غير العربية التي انبرت لدراسة المجتمع المدني في الجنوب الكبير، استنادًا إلى أبحاثٍ مقارنة عبر القارات الثلاث، أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، وهي تبيّن وجود صعوباتٍ

ثلاث رئيسةٍ تواجهها دراسة المجتمع المدني في الجنوب الكبير، هي: أولً، صعوبة التعريف نفسه، ومع أن هذه الصعوبة لا تقتصر على المجتمع المدني، فهي تشمل تقريبًا

أغلب المفاهيم المتداولة في العلوم الاجتماعية، لكن المجتمع المدني له خصوصيته التي ستتجلى لاحقًا. ثانيًا، صعوبة ارتحاله من السياق الغربي نحو بلدان الجنوب الكبير. فثمة وفرة من المفردات التي

تُستخدَم للتعبير عن هذا الارتحال، منها الاستهلاك (في صورة منتِج للمفهوم ومستهلِك له)، ومنها الاستيراد/ التصدير (فثمة من يصدّر المفهوم بعيدًا عن حدوده الثقافية أو من يستورده من خارج حدوده الثقافية)، ومنها الاستحضار أو الاستدعاء (يرتبط خاصة ببعد الزمان)، وأخيرًا الاستزراع وهي مفردة

غالبًا ما يُساء فهمُها، رغم أن معناها في اللغة العربية أبلغ وأدق، بحيث تتجاوز معنى المفردة الإنكليزية

Transplanting؛ إذ لا يقع فعل الاستزراع على النبتة، بمعنى نقلها من مكانٍ وزرعها في مكانٍ آخر، بل على المكان نفسِه، بالمعنى الذي يحيل على تهيئته لزراعتها. ثالثًا، صعوبة تبيُّن التحديات التي تواجه عملية تشكُّل المجتمع المدني في هذه البلدان، وهي انعكاسٌ،

بطبيعة الحال، للتباين في السياقات التاريخية والثقافية والاجتماعية عمومًا التي يزخر بها الجنوب

الكبير. ويتضح ذلك للعيان بمجرد تصفح فهارس محتويات الكتب التي تُنشَر عن المجتمع المدني في الجنوب الكبير.

((("تعريف ومعنى استزرع"، معجم المعاني، شوهد في 2021/9/22، في: https://bit.ly/33s5ZF9 إن استزراع المفاهيم والتجارب، بالمعنى الأول، مسألة خطيرة جدًا حتى حين يكون ضمن المكان نفسه لكن من زمان مختلف، فما

بالك باستزراعها من مكان وزمان مختلفين تمامًا. وتلك مسألةٌ لا تتسع مساحة هذه الدراسة للتفصيل فيها.

لتجاوز هذه الصعوبات؛ يبدو أن ما تفعله دراسات الجنوب الكبير لا يتعدى التعامل مع المجتمع المدني، بشكلٍ أو بآخر، باعتباره معطى given ومفروغًا منه granted – for – taken، ومن ثم فهي تحوّله

إلى مسألةٍ تقنيةٍ إلى جانب مسائلَ وظيفيةٍ أخرى تتعلق إما بتعزيز الديمقراطية، أو بالتمكين من الانتقال نحوها، أو باحتواء الآثار السلبية لعملية التحرير الاقتصادي على أقصى تقدير. إنها تحوّله في نهاية

المطاف إلى مسألةٍ لاسياسية apolitical ولاتاريخية ahistorical، يمكن اختزالها في تعريف/ تصنيف ما هو مجتمعٌ مدنيٌّ وما هو غير ذلك (كأن يُختزل بُعده التاريخي والسوسيولوجي في الجمعيات

الأهلية والمنظمات غير الحكومية)، ومن ثمَّ لا يتبقى سوى وضع لائحةٍ بما ينبغي للمجتمع المدني

النهوضُ به بناءً على تجربةٍ تاريخيةٍ ناجزةٍ لا يُنكر نجاحها بادِي الرأي، هي التجربة الغربية. لذلك؛ فإن جملة من الأسئلة الشائكة نادرًا ما طُرِحت؛ لمساءلة محاذير أن يُعامَل المجتمع المدني

باعتباره معطى، من قبيل ما إذا كان ثمة شيءٌ في الجنوب الكبير يمكن تشبيهه بمفهومٍ غربيٍّ معينٍ

للمجتمع المدني، أو ما إذا كانت ثمة قرائن تدل على أن مجموعاتٍ من السكان المحليين، أثناء الحقبة الكولونيالية أو بُعَيدها، قد تأثرت بالأفكار الحديثة لخلق فضاء يقع خارج سيطرة الدولة. وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن توصيف بقية السكان الذين ظلوا خارج فضاء المجتمع المدني الحديث، في صورته المستورَدة، أو حتى المستزرَعة، من الغرب الكولونيالي؟ إن القيمة المضافة لكتاب المجتمع المدني: دراسة نقدية تكمنُ في نقد هذه النزعة وكشف قصورها عن

إبراز قدرةِ المجتمع المدني التفسيريةِ ومفعوله النقدي ووظيفته الديمقراطية أيضًا؛ إذ يبيّن، عبر جهدٍ

تأمليٍّ في المفهوم وتأريخيٍّ له، كيف ارتحل من كونه متطابقًا مع الدولة حين كان مقابلً للمجتمع

الطبيعي، مرورًا بكونه مقابلً للديني وللعسكري، ثمّ فضاءً وسيطًا ما بين الفرد والدولة والسوق، وصولً

إلى ما آل إليه من تشويهٍ بعد أن صار يعبّر عمَّا هو ليس الدولة، ومتطابقًا من ثمَّ مع ما هو غير سياسي.

وهكذا، فإن الكتاب يُنذر بأن هذا المفهوم المشوَّه، المجرَّدَ من بُعديْه التاريخي والسياسي، "قد ينقلب

في الدول العربية ودول الجنوب الأخرى إلى عاملٍ ما قبل حداثي يُبعِد المثقفين من السياسة عبر

أنماطٍ من العمل المجتمعي غير السياسي [...] أو عبر المراهنة على البنى الأهلية بوصفها ليست دولة، مع أن وظيفتها ضد–مدنية أيضًا، وليست لا–دولتية فحسب". أستهلُّ هذه الدراسة بفحصٍ للمناقشات التي شهدها مفهوم المجتمع المدني في بعض الأدبيات التي تُصنَّف/ تُصنِّف نفسها ضمن دراسات الجنوب الكبير، ولا أزعم أنه فحصٌ وافٍ بأي حال من الأحوال؛

لكن الهدف منه هو إبراز الكيفية التي ناقشت بها تلك الأدبياتُ الصعوباتِ الثلاث، المذكورة سابقًا، التي تعترض دراسة المجتمع المدني في الجنوب الكبير. ثم أنتقل إلى إلقاء الضوء على إشكاليات المجتمع المدني الأساسية، المفهومية والنظرية والتأريخية، التي يشتبك معها بشارة في كتابه، فضلً

(((ينظر مثلً:

Nira Wickramasinghe, "The Idea of Civil Society in the South: Imaginings, Transplants, Designs," Science & Society, vol. 69, no. 3 (July 2005).

(1((بشارة، المجتمع المدني، ص.8

عن إبراز أطروحاته الرئيسة بشأن تلك الإشكاليات. بعدَها، أحاول بيان كيف أن هذه الأطروحات تظل

راهنةً وعلى صلةٍ وثيقةٍ بالتحديات التي تواجه صيرورة المجتمع المدني في البلدان العربية على تباين مواطئ أقدامها على سكة الانتقال نحو الديمقراطية.

أولا: عودة المجتمع المدني في دراسات الجنوب الكبير

تستخدم هذه الدراسة الجنوب الكبير بوصفه مفهومًا نقديًا. ويعني كونُه نقديًا، من بين ما يعنيه، أنه

يتعدد من حيث التعريفات، لكنّ فحصًا مقارنًا يظهرُ مساحةً مشتركةً بينها، تتسع وتضيق بحسب

السياق، وهذا ليس مقامًا للتوسع في هذه المسألة. عمومًا، تشير آنا مالر إلى وجود ثلاثة تعريفات

أساسية. فهو يُستخدَم تقليديًا من قبل المنظمات الدولية المتخصصة في التنمية، التي نشأت أساسًا

في عهد حركة عدم الانحياز، للإشارة إلى الدول المحرومة اقتصاديًا، مثلما يُستخدم في فترة ما بعد

الحرب الباردة بديلً من تسمية "العالم الثالث". وفي السنوات الأخيرة، وضمن مجموعة متنوعة من المجالات، جرى توظيف الجنوب العالمي بمعنى ما بعد قومي للتعبير عن الفضاءات والشعوب التي تأثرت سلبيًا بالعولمة الرأسمالية المعاصرة. أما التعريف الثاني فيعبّر عن فضاء غير معرَّف جغرافيًا،

داخل حدود البلدان الغنية، تؤثر فيه العوامل الخارجية للرأسمالية، وهكذا تكون لدينا "جنوبات" اقتصادية في الشمال الجغرافي، و"شَمالات" في الجنوب الجغرافي (تجسُّدات للجنوب في الشمال

وأخرى للشمال في الجنوب، أو الهامش ضمن المركز والمركز ضمن الهامش). وفي حين يعتمد هذا الاستخدام على تراث طويل في تحليل تجسُّدات الجنوب ضمن الشمال

الجغرافي، فإن صفة "الكبير"، التي يقابلها حرفيًا في الإنكليزية "العالمي" Global، إنما استُخدِمت

لتجريد الجنوب من البعد الجغرافي، الذي لا يفتأ يحجب عنا رؤية التباين في سياقات تشكُّله السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بعيدًا عن الشمال وبالقرب منه في الآن نفسه. من خلال هذا التصور

اللاجغرافي، يُنسب معنى ثالثٌ إلى الجنوب الكبير، إذ يشير إلى مخيال المقاومة لدى ذاتٍ سياسيةٍ

عابرةٍ للحدود تشكلت عبر تجربة قهرٍ وخضوعٍ مشتركةٍ في ظل الرأسمالية العالمية المعاصرة. وبحسب مالر، تنشغل الأدبيات النقدية، التي تندرج تحت مسمى دراسات الجنوب العالمي، بتحليل تشكُّل ذاتية الجنوب الكبير على نحوٍ يتجاوز الدولة القومية بوصفها وحدة للتحليل المقارن، كما تنشغل بفهم العلاقات المعاصرة بين فاعلي الجنوب نفسِه – أو العلاقات بين المجموعات التابعة عبر خطوط التقسيم التقليدية، القومية واللغوية والعرقية – فضلً عن اقتفاء تاريخ تلك العلاقات في أشكالٍ تاريخيةٍ سابقةٍ شهدها التبادل ضمن الجنوب نفسه. غير أن هذا المفهوم النقدي، حتى وإن كان نقديًا، ينبغي ألَّ يُستخدَم من دون احتراز. وحال التأمل

في المجتمع المدني في الجنوب الكبير، لا بد من الاعتناء بالتاريخ أيضًا. وفي حين يقوم الجنوب الكبير على تصورٍ لاجغرافي، فإن المجتمع المدني، على نقيض ذلك، (ينبغي أن) يقوم على تصور

(11)  Anne Garland Mahler, "Global South?" Oxford Bibliographies , 25/10/2017, accessed on 22/9/2021, at: https://bit.ly/30D05PR

تاريخي؛ بل إنه كلما وُظِّف باعتباره فكرة لاتاريخية، أي مجردة من بعدها التاريخي، فقدَ قيمته، سواء أوُظِّف نظريةً للفهم أم ممارسةً للتغيير. لذلك، يأتي الحجاج الرئيس لهذا الدراسة على النحو التالي: إن المفاهيم السوسيولوجية التي ترتحل جغرافيًا نحو الجنوب الكبير، ومنها مفهوم المجتمع المدني،

ليست لاتاريخية، ولا لاسياسية، ولاتقنية، وكلما طال ارتحالها عبر الأمكنة والأزمنة من دون وعي بتاريخيتها، فقدت "قيمتها التفسيرية" بوصفها مفاهيم وأفكارًا ونظريات، وفقدت "قوتها التغييرية" كممارسة (أو قوتها الانعتاقية إذا ما استعملنا شيئًا من العُدة المفهومية التي تتأسس عليها الفلسفة النقدية لمشروع دراسات الجنوب الكبير). لذلك، ينبغي التعامل مع هذه المفاهيم في مكانها وفي لحظتها التاريخية المحددين ici et maintenant، وإلّ باء استزراعها بالفشل. وأزعُم أن التعبير عما يجري مع مفهوم المجتمع المدني بوصفه استيرادًا أو تصديرًا (لا يهم) من الغرب إلى الجنوب الكبير

غير دقيق؛ إنه محاولة استزراعٍ فاشلة، ومنطق فشلها يكمن في التعامل معها من منظور تجربة وخطأ، فتجربة وخطأ أفدح من سابقه، فتشويه للتجربة، فتتفيه وابتذال لها في نهاية المطاف. على هذا النحو، أقترح أن نفهم فكرة بشارة عن أن المجتمع المدني في المخيال العربي انتهى به المطاف إلى أن صار كل ما هو ليس الدولة، وكل ما هو ليس سياسة. لقد أعيدَ المجتمع المدني إلى الواجهة، بعد طول غياب، في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية خلال ثمانينيات القرن العشرين، وقد وجد طريقه أساسًا إلى الخطاب السياسي الذي اعتمدته على نطاق واسع وكالات التنمية الدولية خلال التسعينيات، ثم صار جزءًا لا يتجزأ من الأبحاث الأكاديمية في

حقول معرفية عديدة، ومن خطاب الناشطين على اختلاف مجالات نشاطهم، ومن خطاب السياسيين وصناع القرار والمانحين في كل مكان تقريبًا من العالم. غير أن المجتمع المدني، بلا شك، يُفهم

ويُمارس بطرائقَ مختلفةٍ عبر العالم. لذلك، تسعى دراسات المجتمع المدني في الجنوب الكبير إلى استكشاف التباين في تلك الطرائق، وكيفية تأثرها بالسياقات الثقافية، والسياسية، والاقتصادية، والتاريخية. لكن المسألة لا تتوقف عند هذا الحد، بل تتجاوزه لطرح أسئلة معيارية مؤرقة (بسب تأثرها بالمقاربات ما بعد الكولونيالية واليسارية والنقدية)، من قبيل ما إذا كان المجتمع المدني جزءًا من

مشروع إمبريالي جديد يُعَدُّ هو الآخر جزءًا من مشروع الهيمنة الغربية المتعددة الأدوات (السياسية

والاقتصادية، والمعرفية بكل تأكيد)، وما إذا كانت بلدان الجنوب الكبير قابلة لاستزراع فكرة المجتمع

((1(يعبّر بشارة عن ذلك ب "معاني المجتمع المدني التاريخية وطاقته النقدية، وقدرته التفسيرية على فهم البنى الاجتماعية

والسياسية"، يُنظر: بشارة، المجتمع المدني، ص.9

(1((تشرح نيرا ويكراماسينغ، على نحو وافٍ، كيف زُرِعت فكرة المجتمع المدني، في بلدان الجنوب الكبير، في بيئة اجتماعية مشتركة مع المفاهيم المعيارية الأخرى، مثل الحكم والشراكة؛ ثم كيف تعاظم التركيز الذي أولاه مفكرو المجتمع المدني وممارسوه في مجال التنمية في سياق التحول عما يعرف بإجماع واشنطن Consensus Washington الذي ظهر في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، قبل أن يفسح المجال لتوافق ما بعد واشنطن – الذي عنى الابتعاد عن الليبرالية الجديدة نحو سياسات متصالحة مع الدولة

وتدخلها. وهكذا، جرى التأكيد على نحو متزايد على إعادة تصميم المجتمع المدني والسوق بوصفهما فاعلَين رئيسَين في تطبيق

ما صار يعرف بالحكم الرشيد. ثم ومع عودة الدولة إلى مجال التنمية، رأى دعاة التنمية أن الحكم الرشيد غير ممكن إلا من خلال "شراكة" بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني المنخرطة كلها في شبكة من العلاقات، ينظر:

Wickramasinghe, pp. 473–478.

المدني وممارسته، باعتباره سليل التجربة التاريخية في أوروبا ثم في أميركا الشمالية (أو لِنَقُلْ "في الغرب" اقتصادًا للتعداد). في مشروع بحث جماعي، أشرفت عليه مارليز غلاسيوس وآخرون، عنوانه استكشاف المجتمع المدني: السياقات السياسية والثقافية، لم يكن ثمة أي مفاجأة في أن الأوراق المشاركة جاءت منتظمة على أساس جغرافي؛ حيث جرى الفصل بين سياقيْ أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية "اللتين يمكن

بمعنى ما أن تدَّعيَا 'ملكية' إحياء فكرة المجتمع المدني في الثمانينيات"، وبين سياق أوروبا وأميركا

الشمالية، اللتين شهدتا "إعادة اكتشاف مفهوم المجتمع المدني الناشئ محليًا، الذي كان قد طواه

النسيان حينًا من الزمن"، وبين سياق آسيا وأفريقيا "حيث يوجد تعايشٌ غير مستقر بين نسخ المجتمع المدني المحلية والمستوردة أو المفروضة"، وبين سياق الشرق الأوسط، حيث المجتمع المدني "المرغوب" يظل متنازَعًا عليه على نحو خاص، من حيث الدور الذي ينبغي أن يؤديه. وتخلص غلاسيوس وزملاؤها إلى أن السياسة تكمن في قلب النقاش بشأن المجتمع المدني، وقد تضمّن الكتاب فصولً تناقش مباشرة موضوع المشاركة السياسية، إضافة إلى فصول أخرى تركز على أهمية السياق السياسي في تحليل المجتمع المدني. وقد جرى التمييز بين اتجاهين رئيسين في الأدبيات: • اتجاه يركز على أثر المؤسسات السياسية القائمة في سياق بلدان معينة يؤدي دورًا مهمًا في تأطير

الفضاء القائم أصلً ودمج المجتمع المدني فيه (وكأنها عملية استزراع، والاستزراع هنا بمعنى إحضار فسيلة من خارج الحقل وزرعها، لا تهيئة الأرض لزرعها، وهو معنى غائب في هذ الاتجاه). • واتجاه آخر يركز على أهمية لفت الانتباه إلى حقيقة أن المجتمع المدني نفسه هو فاعل سياسي، وفي حين أن المجتمع المدني يتشكل ضمن خطاب سياسي معين، إلَّ أنه يؤثر في المقابل على

طرائق تشكيل ذلك الخطاب وتحوُّلِه. يحدد ليوناردو آفريتزه ثلاثة أشكال للمجتمع المدني في أميركا اللاتينية: مجتمع مدني ليبرالي (في الأرجنتين وتشيلي)، ومجتمع مدني تشاركي (في البرازيل)، ومجتمع مدني "غير مدني" (في بيرو وكولومبيا). أما الشكل الليبرالي فهو مرتبط بإعادة بناء البنى المتعلقة بالحقوق، وبأشكال العمل الجماعي التي تهدف إلى ضمان المساءلة وسيادة القانون، ويشتغل هذا الشكل من المجتمع المدني عبر تفعيل العمل الاجتماعي حين يفشل النظام السياسي في أداء دوره المناسب ضمن النظام الليبرالي. وأما الشكل التشاركي فهو يقع ضمن عملية الوساطة بين المجتمع السياسي والدولة. في حين أن الشكل "غير المدني" للمجتمع المدني يتعلق بالحالة التي يشكّل فيها المجتمع المدني نفسَه في غياب الضمانات الكافية لجعل الفضاء السياسي فضاءً سلميًا؛ وهي نفسها الحالة التي تخضع فيها

أنماط العمل الجماعي العديدةُ الموجودةُ في المنطقة (أي أميركا اللاتينية) لديناميات هدامة ناتجة من

(14)  Marlies Glasius, David Lewis & Hakan Seckinelgin (eds.), Exploring Civil Society: Political and Cultural Contexts (New York: Routledge, 2004). (15)  Ibid., pp. 3–4.

سياسة الدولة و/ أو سياسة السوق. ويعرّف آفريتزه المجتمع المدني "غير المدني" من خلال ظاهرة اعتماد المواطنين على أنفسهم في غياب قدرة الدولة على توفير المنافع العامة، مثل الأمن الفردي والاجتماعي. وعلى الرغم من استخدامه وصف "غير المدني"، فهو لا يدين اعتماد المجتمع على نفسه في تنظيم نفسه، لكنه يدين الشروط التي فَرضت هذا الشكل الدفاعي للعمل الجماعي. وتشير نماذج أخرى جرى رصدها في الكتاب السابق ذكره إلى أن هذه الظاهرة لا تقتصر بأي حال من الأحوال على أميركا اللاتينية. حيث رصدت فصولٌ أخرى النمطَ نفسه تقريبًا في بنغلاديش؛ إذ نجحت "مبادرةٌ مجتمعية" نظمها مسجدٌ في دكا في الحد من الجريمة المنظمة. مثلما نشأت مجموعات للحراسة الأهلية Groups Vigilante (وتسمى أيضًا مجموعات الدفاع المدني) في جنوب أفريقيا ردًا على عدم كفاية عمل أجهزة الشرطة، لكنه يوضح أن أساليب مبادرات "مكافحة الجريمة" الخاصة هذه، فضلً عن عضويتها والانتماء إليها، تصير إجراميةً بدورها. من جهة أخرى، وعلى منوال آفريتزه، تميز جيني بيرس بين أشكال ليبرالية وأخرى راديكالية للمجتمع المدني في أميركا اللاتينية (تسميهم "بناة" الديمقراطية و"منتقديها")، لكنها تخلص إلى أن الاستقطاب بين الفئتين غير مفيد عبر أميركا اللاتينية، لأن كليهما ضروريان لمواجهة زخم النزعتين التسلطية والشعبوية التي لا تزال قوية في جميع أنحاء المنطقة. يبدو أن الكيفية التي تشتغل بها هيئات المجتمع المدني في الجنوب الكبير تنفي عنه أصلً مسوغ وجوده، أي المواطنة في حد ذاتها. والأمر لا يتعلق بتجذّر البنى الاجتماعية التقليدية، أو الوشائجية بتعبير بشارة، فحسب؛ لكنه يتعلق أيضًا باستيعاب الهيئات والمؤسسات والتنظيمات التي تتسمى بالمجتمع المدني في البنية الكوربوراتية الغالبة على دول الجنوب الكبير من جهة، و/ أو في

((1(ينظر مثلً:

Leonardo Avritzer, "Civil Society in Latin America: Uncivil, Liberal and Participatory Models," in: Glasius, Lewis & Seckinelgin (eds.), pp. 47–53.

(1((لا يعني ذلك أن هذه المقاربة لم تتعرض للانتقاد؛ إذ احتجت، مثل، جيني بيرس، في الكتاب نفسه، على التناقض الوارد في عبارة المجتمع المدني غير المدني، متسائلة عن إمكانية الحديث عن مجتمع مدني في مواجهة مثل هذا القصور الفادح في أداء الدولة، ينظر:

Jenny Pearce, "Collective Action or Public Participation? Civil Society and the Public Sphere in Post–transition Latin America," in: Glasius, Lewis & Seckinelgin (eds.), pp. 54–61.

(18)  Ibid. ((1(الكوربوراتية هي بنية للتنظيم الاجتماعي والسياسي تحتكر فيها الدولة الفضاء العام وتسيطر عليه، من خلال إنشاء جماعات مصالح وتنظيمات مجتمع مدني موالية لها، حيث تتحول هذه الأخيرة إلى أدوات لكبح جماح القوى الاجتماعية المثيرة للاضطرابات والمطالبة بالتعددية التي يفترض أن ترافق عملية التحديث. تعد الكوربوراتية جذابة للنخب الحاكمة في العالم الثالث، سواء كانت عسكرية أو مدنية، لأنها تسمح بتحقيق النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية لكن من دون إطلاق عنان القوى السياسية التي قد تتحول إلى عوامل عدم استقرار في نظر تلك النخب. للاطلاع على المزيد بشأن استيعاب المجتمع المدني في ظل الدولة الكوربوراتية، ينظر (خاصة الفصل الثالث):

H.J. Wiarda, Civil Society: The American Model and Third World Development (Oxford: Westview Press, 2003).

المنظومة العالمية للمساعدات من جهةٍ أخرى، مما يجعلها غير معنية "بتطوير مسؤولياتها الخاصة حيال قواعدها الاجتماعية" ومطالبها المختلفة. إنها تصير، بتعبير ويكراماسينغ، "في غنى عن التمثيل، وفي غنى عن الشرعية، ما دامت شرعيتها تأتي من القبول العالمي بها، فهي [بذلك] لا حاجة لها إلى قاعدة اجتماعية للعمل". ورغم الثناء والتأييد الواسع اللذين يحظى بهما المجتمع المدني من الباحثين في البلدان المتقدمة، ومن المانحين والمنظمات غير الحكومية، فقد ولّد أيضًا خطابًا مضادًا يتعارض بشدة مع استخدام المصطلح على نحوٍ "طقوسيٍّ ورائجٍ في كل مكان". الواقع أن ثمة غضبًا متصاعدًا ضد هذا المصطلح

وما يمثله بين الفئات الاجتماعية التي تشعر بالتهديد منه. وثمة من يرى أنه يجب رفض المجتمع المدني بوصفه فكرة ومشروعًا، لأنه يشكل جزءًا لا يتجزأ من البرنامج النيوليبرالي لإعادة بناء دول

الجنوب، حتى في وجود من يقترحون، في بلدان الجنوب نفسِها، مفاهيمَ بديلةً من المصطلح ويسعون إلى بث حياة جديدة ومعقدة في هذه المقولة. اللافت للانتباه في أبحاث غلاسيوس وزملائها، هو تلك الحجج التي ساقها بعضهم، والتي مفادها أن معظم اتجاهات "الأثر الإيجابي" لم ترتحل من الغرب إلى الشرق أو من الشمال إلى الجنوب، لكنها ارتحلت في واقع الحال عبر مسارات أشدّ تعقُّدًا. فيجادل برنار ديرانو، مثلً، بأن تراث الأفكار السياسية التي حملها المهاجرون كان لها أثر بارز، وإن كان مسكوتًا عنه، في إضفاء الديمقراطية على المجتمع المدني الفرنسي. وحتى في السياق الأوروبي نفسه، وباعتبار أن أوروبا الشرقية عرفت المجتمع المدني حديثًا، مقارنة بأوروبا الغربية، تقدم هيلاري واينرايت تحليلً للكيفية التي ساهم بها المعارضون المنشقون من وسط وشرق أوروبا في تطوير الممارسات الحالية لناشطي المجتمع المدني في أوروبا الغربية، والكيفية التي تَقوَّض بها كل ذلك بسبب التأويلات النيوليبرالية لسقوط جدار برلين،

ثم الكيفية التي استُخدمت بها "لغة المجتمع المدني" من قِبَل حكومات "الطريق الثالث"، مثلما كان

((2(في سياق حديثهما عن "وهم" المجتمع المدني في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، يحاجّ باتريك شابال وجين–باسكال

دالوز بأن الانقسام بين الدولة والمجتمع المدني، الذي يُعَدُّ أمرًا مفروغًا منه إلى حد بعيد في معظم التفسيرات الحالية للسياسة

الأفريقية، لا يعكس الواقع في القارة، حيث يوجد "تداخل مستمر بين المجتمع المدني والدولة". فالمجتمع المدني في أفريقيا هو أيديولوجيا تنبع من دعوة الدول والمؤسسات الغربية المانحة، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، إلى تقليص دور الدولة في سياق برامج التكيف الهيكلي. ونتيجة لذلك، ثمة "تركيز جديد على الأهمية المفترضة للمجتمع المدني" وتحول في الموارد نحو المنظمات غير الحكومية المحلية التي يصورها الغرب على أنها "الهيئات التمثيلية" لذلك المجتمع المدني. والحقيقة المهمة التي أبرزها شابال ودالوز هي أن انتشار المنظمات غير الحكومية هو انعكاس ل "تكيف ناجح من جانب الفواعل المحلية مع الشروط التي وضعها المانحون الأجانب والتي تسعى إلى الوصول إلى موارد جديدة". ومن ثم، فإن التدفق الهائل لعدد المنظمات غير الحكومية ليس انعكاسًا لازدهار المجتمع المدني بالمعنى الذي يُفهم به عادة في الغرب، ينظر:

Patrick Chabal & Jean–Pascal Daloz, Africa Works: Disorder as Political Instrument (London: International African Institute, 1999); Wickramasinghe, p. 466. (21)  Wickramasinghe, p. 466. (22)  Ibid., pp. 467–468. (23)  Bernard Dreano, "In Paris, the Global Place is no Longer Saint Germain des Prés: Civil Society and the French Debate," in: Glasius, Lewis & Seckinelgin (eds.), pp. 82–88.

عليه الحال مع حزب العمال الجديد في المملكة المتحدة، وتُبيّن أخيرًا كيف أن ممارساتٍ سياسية

معينةً في أوروبا الغربية كانت في الأساس مستوحاةً من نماذج السياسات التشاركية في البرازيل. مع ذلك، ثمة حجج مغايرة تستمد قوتها التفسيرية من التيارات ما بعد الكولونيالية؛ وإن كانت هي الأخرى لا تخلو من مآخذ؛ إذ تحاجّ ويكراماسينغ بأن الأدبيات ما بعد الكولونيالية – تعدها أيضًا ما بعد

حداثية – حين "اقتحمت" النقاش بشأن المجتمع المدني، حاملةً معها نزعتها التقليدية لكشف القناع عن علاقات السلطة التي تسميها "الاختلاف"، تكون قد انحرفت بعيدًا عما تعتبره "الآن"، في وقتٍ ما زالت مظاهر الهيمنة حاضرة في المنظومة العالمية للمساعدات، بما في ذلك الدول والمؤسسات الدولية المانحة التي أخذت على عاتقها الترويج للمجتمع المدني باعتباره ضرورةً ولحظةً تاريخيةً في بلدان الجنوب الكبير. أتجاوز هنا الجدل بشأن إمكانية أن يكون ثمة ارتحالٌ لفكرة المجتمع المدني عكس اتجاه ارتحالها الجغرافي، فهو لا يحرك ساكنًا في تاريخية الفكرة في حد ذاتها؛ وأكتفي بفحص بعض الأطروحات ما بعد الكولونيالية ذات الصلة. وتحاجّ ويكراماسينغ، مجدَّدًا، بأن اللغات الأوروبية سافرت إلى

الجنوب مسجورةً بفكرة المجتمع المدني مع بداية الحداثة، مؤسِّسةً فضاءً مدنيًا في البلدان المستعمَرة.

ورغم أنه (أي الفضاء المدني) لم يُسمَّ مجتمعًا مدنيًا بطبيعة الحال، فإنه اتخذ شكل الفضاءات التي

لم تعبث بها الدولة الكولونيالية أو تلك التي شكّلت مناطق مقاوَمةٍ للكولونيالية. لكن فرْض الدولة،

مع قدوم الاستعمار الأوروبي، بوصفها جزءًا لا مفر منه من العمران الاجتماعي، أدّى إلى ظهور مفهوم

يعطي تعريفًا جماعيًا للفضاءات التي هي – أو يجب أن تكون – خارج سيطرتها. لذلك يُزعم أن معظم

دول ما بعد الاستعمار تشهد تعايشًا بين الأعراف الاجتماعية التقليدية والمؤسسات الليبرالية، وإن كان ذلك في ظل "علاقةٍ إشكاليةٍ وملتبسةٍ، بل ومتناقضةٍ في غالب الأحيان". وهكذا، "نشأ نوعٌ محددٌ من الحداثة التي لا تزال في طور التكوين، أطلق عليها بعض علماء الاجتماع – الذين ظلوا أسرى فكرة الحداثة الفريدة – حداثات بديلة". في السياق نفسه، ترصد ويكراماسينغ ثلاثة خيارات نظرية تزعم أن دراسات الجنوب الكبير "نجحت" من خلالها في حل مشكلة تعريف المجتمع المدني في المجتمعات غير الغربية: قصر استخدام المفهوم على المؤسسات الناشئة عن الحداثة الغربية فحسب؛ أو اقتراح مقاربةٍ أكثر شمولً تُشرِك أشكالً أوسعَ من الجمعيات التي تقوم على تجاربَ وربما ثقافاتٍ مختلفة، أو اعتبار المجتمع المدني

أداةً للقمع بدلً من كونه فضاءً تحرريًا، وأداةً للهيمنة بدلً من كونه فضاءً تعدديًا. يمكن بسهولة

(24)  Hilary Wainwright, "Western Europe: Democratic Civil Society Versus Neoliberalism," in: Glasius, Lewis & Seckinelgin (eds.), pp. 89–98. (25)  Wickramasinghe, p. 462.

(26)  Ibid.

(27)  Ibid., pp. 462–463. (28)  Ibid., p. 465.

إدانة أنصار الخيارين الأول والثاني بتهمة التعامل مع المجتمع المدني بوصفه مفهومًا تقنيًا لا يتعدى

مشكلة التصنيف، مع أنهما يختلفان حول ما يمكن وما لا يمكن اعتباره مجتمعًا مدنيًا، ضِيقًا واتساعًا.

وهنا "تتبين ضحالة هذه المقاربة التي تبدأ بالتعريف (تعريف المصطلح) وتنتهي بالتصنيف (تصنيف الظاهرة)، بحيث يتحول التعريف إلى إسقاط للمصطلح الجاهز على الظاهرة، فلا يتحول أبدًا إلى مفهوم". غير أن أنصار الخيار الثالث يمكنهم المحاجَّة بأنهم نقديون وقادرون على فضح الكيفية

التي يُقدَّم بها المجتمع المدني بحماسة، من قِبل المانحين الدوليين ووكلائهم المحليين في الجنوب

الكبير، "ليس على أنه ترياقٌ للفقر أو الفساد أو وسيلةٌ لإرساء الديمقراطية بالضرورة، بل على أنه أداةٌ لتوجيه التنظيمات الشعبية، بعيدًا عن التأثير الراديكالي للمنظمات السياسية التي تطالب بإعادة تشكيلٍ جذريةٍ وثوريةٍ وشاملة". لكن هذا الخيار، على ما له، يبدو غير كافٍ للدفع بمفهوم المجتمع المدني نحو أقصى حدود المشروع النقدي لأي نظرية/ تجربة ترتحل عبر الزمان والمكان، مثلما يرتحل المجتمع المدني، نظريةً وتجربةً، من القرن السابع عشر إلى فترة رواح القرن العشرين وغداة القرن الحادي والعشرين، ومن الغرب إلى

الجنوب الكبير. إنّ ضخ دماءٍ نقديةٍ في هذا المشروع يتوقفُ على "إعادة مفهوم المجتمع المدني إلى حيث ينتمي [...] باعتباره فلسفة اجتماعية للمقاطعات الريفية الأوروبية"، بحسب تعبير بارثا شاترجي. وهذا تحديدًا ما يفعله بشارة؛ لكنه يأخذ خطوة أبعدَ؛ إذ لا يعيد مفهوم المجتمع المدني إلى حيث ينتمي في أوروبا القرن السابع عشر فحسب، بل يفعل ذلك مع كل معنى من المعاني المختلفة والمتغيرة باستمرار التي عرفها مفهوم المجتمع المدني في كل مرة استُدعِي فيها من غياهب النسيان؛ فيقول: "[إن] عودة المصطلح المتكررة من النسيان، بعد مراحل غياب مختلفة، منذ فلسفة القرن السابع عشر السياسية في أوروبا، تعني في كل مرة شيئًا مختلفًا، لأنها تأتي في سياق متغير بنيويًا وتاريخيًا يولد

حاجاتٍ جديدةً، وأسئلةً جديدةً يجيب عنها المفهوم [...] [إن] دعوةَ المصطلح من غيابه التاريخي أو إحياءَه، يأتيان، في كل مرة، في تقاطع محورين هما: محور التطور التاريخي، ومحور تاريخ النظرية

ذاتها. ويشكل هذا التقاطع سياقًا متجددًا باستمرار لتفسير وتأويل مفهوم المجتمع المدني". ثم يدنو بشارة أقرب إلى الحدود القصوى لما اعتبرتُه مشروعًا نقديًا لنظريةِ/ تجربةِ المجتمع المدني

المرتحلةِ عبر الزمان والمكان، جاعلً من نظريةِ المجتمع المدني نظريةً تكوينيَّة Theory Constitutive

تمامًا كما تُعرَّف في مقابل النظرية التفسيرية Theory Explanatory. وترى النظريات التفسيرية

أن العالَم الاجتماعي مماثلٌ للعالَم الطبيعي، وأن النظريات التي نستعملها لتفسيره هي مجرد نظريات

((2(عزمي بشارة، بريد إلكتروني إلى الباحث،.2021/5/21

(30)  Aziz Choudhry, "All This 'Civil Society' Talk Takes Us Nowhere," Z Commentary , 15/1/2002, accessed on 12/4/2021, at: https://bit.ly/3o7aL4s

3(((المقصود ببارثا شاترجي هنا عالمُ السياسة والأنثروبولوجيا – وليس رجل السياسة الهندي. وقد جاءت هذه العبارة (نقل عن

ويكراماسينغ) في:

Partha Chatterjee, "A Response to Taylor’s 'Modes of Civil Society'," Public Culture, vol. 3, no. 1 (1990), pp. 120–121.

3(((بشارة، المجتمع المدني، ص.43

تصف الواقع تصنيفًا موضوعيًا ومحايدًا، أما النظريات التكوينية فتنظر إلى اللغة التي نستعملها وإلى

المفاهيم والنظريات التي نكوّنها باعتبارها عواملَ تساعد على بناء الواقع وإعادة بنائه باستمرار.

وهكذا، لمَّا يتعلق الأمر بالمجتمع المدني، يذكّرنا بشارة بأن "علينا ألَّ ننسى أن المفهوم هو نفسه جزءٌ

من السياق التاريخي بمحوريْه [الآنف ذكرهما]، وهو يُسهِم في خلق وتفسير هذا السياق، وبالتالي فهو مفسِّرٌ ومفسَّرٌ في لحظتين مختلفتين".

ثانيًا: أطروحاتٌ رئيسة في "المجتمع المدني: دراسة نقدية"

في كتاب المجتمع المدني: دراسة نقدية خمسة فصول. يناقش الفصل الأول "حدود المفهوم وتاريخيته"؛ أما الفصل الثاني فيقتفي تطور المفهوم "من 'الليفياثان' إلى يد السوق الخفية"؛ ثم يفحص الفصل الثالث العلاقة بين المجتمع المدني والدولة تحت عنوان "انفصال المجتمع المدني عن الدولة لكي يعود إليها"؛ بعدها، يفكك الفصل الرابع مفاهيم "الأمة والقومية والمجتمع المدني"؛ وأخيرًا، يشتبك الفصل الخامس

مع المجتمع المدني في السياق العربي، تحت عنوان "واقع المجتمع المدني وفكره: حوار عربي". بطبيعة الحال، لا تتسع هذه الدراسة لتلخيص جل الأطروحات الواردة في هذه الفصول، ولا الغرضُ من الدراسة ينسجم مع ذلك. ومن ثمَّ، سأكتفي بإلقاء الضوء على الأطروحات ذات الصلة بالصعوبات الثلاث التي تواجهها دراسة المجتمع المدني في الجنوب الكبير، التي انطلقت منها الدراسة، والكشف عن الكيفية التي يشتبك بها بشارة مع تلك الصعوبات في المجتمع المدني: دراسة نقدية.

1. الأطروحة الأولى: صعوبة تعريف المجتمع المدني وتعدد مفاهيمه

تعود صعوبة تعريف المجتمع المدني (على العموم، ولا يقتصر الأمر على بلدان معينة في الجنوب الكبير)، إلى مسائل عديدة. يتغير مفهوم المجتمع المدني مع تغير الموقف الأيديولوجي للمتكلم؛ فمفهوم الليبرالي غير مفهوم الاشتراكي الديمقراطي، وغير مفهوم الديمقراطي الراديكالي، وغير مفهوم الإسلامي. كما أن مفهومه لدى النخب في العالم الثالث مختلف عنه لدى النخب في الغرب. ويتغير أيضًا بتغير وظائفه؛ إذ يعتقد دُعاته أنه يقدم "إجابة جاهزة" عن العديد من الأسئلة التي تؤرقهم

(((3 في إبستيمولوجيا نظريات العلاقات الدولية، على سبيل المثال، تتبنى النظرية الواقعية موقفًا تفسيريًا، حيث ترى أن وظيفة

النظرية هي مجرد وصف وتفسير العالم الخارجي الموجود هناك there out، والكشف عن الأنماط المنتظمة في سلوك الدول،

وبذلك فهي تفسر العالم الاجتماعي تمامًا كما يُفسَّر العالم الطبيعي؛ في حين ترى النظرية النقدية، بوصفها نظريةً تكوينيةً، أن وظيفة

النظرية تكمن في استكشاف الطرائق والأدوات التي يمكن من خلالها بناء نظام عالمي يسوده التعاون بين الوحدات والقوى

الاجتماعية بدلً من نظام فوضوي يسوده الصراع بين الدول من أجل القوة والبقاء، ينظر: محمد حمشي، "النقاش الثالث بين نظريات

العلاقات الدولية: حدود الاتصال المعرفي"، المجلة الجزائرية للعلوم السياسية والعلاقات الدولية، العدد 3 (كانون الأول/ ديسمبر 2014). وعن النظرية التكوينية والنظرية التفسيرية، ينظر:

Steve Smith & Patricia Owens, "Alternative Approaches to International Theory," in: John Baylis & Steve Smith (eds.), The Globalization of World Politics: An Introduction to International Relations, 2 nd ed. (New York: Oxford University Press, 2001), p. 273.

(((3 بشارة، المجتمع المدني، ص 43 (ما بين معقوفين من الباحث.) (((3 المرجع نفسه، ص.44

حسب سياقاتهم؛ "فهو الرد على سلطة الحزب الواحد في الدول الشيوعية، بإيجاد مرجعية اجتماعية خارج الدولة؛ وهو الرد على بيروقراطية وتمركّز عملية اتخاذ القرار في الدول الليبرالية؛ وهو الرد على سيطرة اقتصاد السوق على الحياة الاجتماعية والصحة والثقافة والفن؛ وهو الرد على دكتاتوريات العالم الثالث من جهة أولى، وعلى البنى العضوية والتقليدية فيه من جهة ثانية". ثمة شروط تاريخية معينة يجب أن تتوافر لكي يتحقق تفسيرٌ معينٌ للمجتمع المدني على أرض

الواقع. والوعي بهذه الشروط ضروريٌّ حتى لا يتحول المجتمع المدني إلى مصطلح لاقط

Catch–all على أقصى تقدير، وتوليفي Synthetic على أدنى تقدير. إذ يرى بشارة أنه تحوّل إلى ما يشبه

"حساء المتسولين الذي جُمِع من بقايا نظريات [وأيديولوجيات] مختلفة وحقب زمنية مختلفة"؛ ثم

ينبّه إلى أن الفهم السائد للمجتمع المدني، الذي يسعى نظريًا إلى الجمع بين إيجابيات أيديولوجيات

ونظرياتِ حكمٍ مختلفةٍ تنتمي إلى مراحل تاريخية مختلفة، تشوبه الرغبة في "تحقيق المستحيل"؛ وما دام القفز على هذه المراحل بتجميعها في بوتقة واحدة غير ممكن، فلا مناص، إذًا، من الوعي بالشروط والسياقات التاريخية التي تُنزِل مفهومًا محددًا بعينه للمجتمع المدني، وليس مفهوماته

المتغيرة كافةً، منزلةَ الواقع. إن شروط المجتمع المدني المتحققة في الغرب، والتي تكشف عن زيف الاستخدامات اللاقطة للمصطلح التي أشيرَ إليها آنفًا، هي: الفصل بين الدولة والمجتمع المدني، أو بين مؤسسات الدولة والمؤسسات

المجتمعية؛ والتمايز بين آليات عمل الدولة وآليات عمل الاقتصاد؛ وتعريف الفرد لذاته بوصفه مواطنًا، أي كيانًا حقوقيًا قائمًا بذاته في الدولة، بغضّ النظر عن تعريفاته لذاته التي تتشكل من انتماءاته المختلفة

السابقة للدولة؛ والتمايز بين آليات عمل المؤسسات الاجتماعية وآليات عمل الاقتصاد؛ والتمايز بين التنظيمات المجتمعية المؤلفة من مواطنين أحرار تآلفوا طوعيًا والبنى الجمعية العضوية التي يولد ويعيش

فيها الفرد؛ والتمايز بين الديمقراطية التمثيلية في الدولة الليبرالية والديمقراطية المباشرة والمشاركة النشطة في اتخاذ القرار في الجمعيات الطوعية والمؤسسات المجتمعية الحديثة. تشكّل هذه الشروط أيضًا المراحل التي مرّ بها نشوء المجتمع المدني وتطوره في تاريخ الأفكار ليصل

إلينا في مفهومه الحديث. ويلفت بشارة انتباهنا إلى أن المفهوم "اتخذ دلالاتٍ جديدةً في إطار صيرورة واضحة من الممكن تتبعها [...] وهذه التمييزات تحمل في طياتها فوارق وتناقضات هي السر أيضًا في غموض مصطلح المجتمع المدني وتناقضه". غير أن هذه المراحل، رغم تموقعها تاريخيًا في

أزمنةٍ – وجغرافيًا في أمكنةٍ – محددةٍ ومتمايزةٍ بعضُها من بعض، فإنها شهدت اكتمال شرطيْ المواطنة

والاقتصاد الرأسمالي والليبرالية على الأقل، من جملة الشروط السابقة.

(3((المرجع نفسه، ص.45 (3((المرجع نفسه، ص.46 (3((المرجع نفسه (ما بين معقوفين من الباحث.) (3((المرجع نفسه، ص.48–47 (4((المرجع نفسه، ص.48 (4((المرجع نفسه.

ومن هنا، يؤكد – وهو يستعرض تاريخية المفهوم – أن قصر المقصود بالمجتمع المدني على المؤسسات المجتمعية والجمعيات والاتحادات خارج نطاق الدولة، من دون مُركبات المفهوم الأخرى، ونقلها إلى البلدان العربية (وبلدان الجنوب الكبير طبعًا) يعني التراجع عن المجتمع المدني باختزاله في هذا المعنى، أو حرق المراحل واختصار الطريق المؤدية إليه؛ فتلك المؤسسات المجتمعية لم تنشأ إلَّ عبر الديمقراطية والمواطنة، وإنه لَمِن الخطأ الساذج والجسيم الاعتقاد أن هذا المفهوم المحدود والتقني واللاتاريخي من مفاهيم المجتمع المدني من شأنه أن يقودنا إلى الديمقراطية. إذا كان المجتمع المدني شرطًا للديمقراطية، فإن المجتمع المدني الذي قاد إلى الديمقراطية في الغرب مختلفٌ تمامًا عن مجرد المؤسسات المجتمعية؛ إذ "كان يعني في مرحلة معينة الحقوق المدنية، وفي مرحلة أخرى اعتبار المجتمع المدني قائمًا على تعاقد، وفي مرحلة ثالثة الانتخابات البرلمانية وتوسيعها وشموليتها، وفي مرحلة رابعة حقوق المواطن". وهكذا، يحاجّ بشارة بأن "المجتمع المدني يقود إلى الديمقراطية لأنه عملية تطور الديمقراطية ذاتها. والمؤسسات المجتمعية بشكلها المعاصر هي آخر تجلياته، ولن يؤدي اعتبارُها هي المجتمع المدني، ثم زرعها في التاريخ بأثر رجعي، وكأنها قادت إلى الديمقراطية، إلى نتائج، بل سوف يحيد عن المعركة الحقيقية للمجتمع المدني في البلدان التي لا يتوافر فيها نظام حكم ديمقراطي، أي معركة الديمقراطية، وهي معركة سلطة ودولة، وليست خارج مجال الدولة". بعبارة أخرى، إذا كان تاريخ المجتمع المدني، في مرحلته الراهنة في الغرب، يعني إنشاء المبادرات الاجتماعية الطوعية والمنظمات غير الحكومية، وما إلى ذلك من المؤسسات اللابرلمانية، وتعزيزها؛ فإن المطالبة بالتمثيل وحرية التعبير والاجتماع وتوسيع حق التصويت والمشاركة، والنضال من أجل كل ذلك، إنما يمثل مرحلة أخرى من مراحل تطور المجتمع المدني. إن تاريخ المجتمع المدني ليس تاريخ المنظمات الأهلية وغير الحكومية، فالتشديد على دور هذه الأخيرة ليس سوى سمة من سمات إحدى مراحله التاريخية، ولا شك في أنها مرحلة متأخرة، بخلاف مرحلة النضال المبكرة من أجل بناء الشروط السياسية والاقتصادية السابقة لظهور المؤسسات المجتمعية/ غير الحكومية، المتمايزة من الدولة/ الحكومة، والضرورية لاشتغال هذه الأخيرة بفاعلية. وهذا ما يسوغ التشديد على أن استزراع المجتمع المدني، بمفهومه السائد في الغرب الآن، في بلدان الجنوب الكبير ينبغي أن يُفهم على أنه تهيئة الشروط الضرورية لعمل المجتمع المدني بوصفه فاعلً مجتمعيًا، أو أهليًا، أو غير ربحي، أو غير حكومي، أو أيًّا كان مُسمَّاه. في السياق نفسه، تلاحظ ويكراماسينغ أن التحيز المناهض للدولة في الغرب، مع نهاية القرن العشرين، إنما هو جزء من الأجندة النيوليبرالية، يعززها تعريف المجتمع المدني على أنه مجموعة واسعة من المؤسسات التي تعمل خارج حدود السوق والدولة. وهي بذلك تساوي المجتمع المدني بما صار

(4((المرجع نفسه، ص.49 (((4 المرجع نفسه. (((4 المرجع نفسه، ص.59

يعرف بالقطاع "غير الربحي"، أو القطاع "الطوعي"، أو القطاع "الثالث"، أو حتى القطاع "المستقل"؛ ويتضمن مجموعة من الكيانات التي تمثّل المجتمع المدني، مثل الجامعات، والنوادي الاجتماعية، والمنظمات المهنية، ومراكز الرعاية، والمجموعات البيئية، ووكالات الإرشاد العائلية، والنوادي الرياضية، ومراكز التدريب الوظيفي، ومنظمات حقوق الإنسان، وغيرها. وهذه الكيانات المختلفة جمعُيها لديها سمات مشتركة معينة، فكلها منظمات لها حضور وهيكل مؤسسي، خاصة، وليست ربحية، وتتمتع بالاستقلالية الذاتية، وأخيرًا طوعية.

2. الأطروحة الثانية: علاقة المجتمع المدني بالدولة

مسألة العلاقة بين المجتمع والدولة مهمة، بل وحاسمة، في تعريف المجتمع المدني. لذلك، يخصِّص لها بشارة جزءًا معتبرًا من النقاش، وقد جعله نقاشًا تأريخيًا نقديًا بامتياز. وكشف من خلاله عن تهافت

حجج القائلين بأن المجتمع المدني يشتغل بكفاءة أكبر كلما كان ثمة فصلٌ بين المجتمع والدولة. ويحاجّ مرة أخرى بأن الاكتفاء بالتشديد على هذا الشرط دون سواه من الشروط الأخرى الآنفة الذكر،

"في مرحلة يصحّ فيها العمل من أجل فرض المجتمع على الدولة فرضًا"، يجعل البنى العضوية "تتقدم

بالضرورة إلى الصدارة"، لأنها "أشد أهلية وفاعلية أمام الدولة بسبب الحماية التي تقدمها للفرد منذ مئات السنين". لكننا، في مقابل ذلك، "إذا ما أضفنا إلى فصل المجتمع عن الدولة قضية المواطنة، أو قضية المشاركة كمركبّات للمجتمع المدني، فإنه يتحول على الفور إلى برنامج حداثي للتغيير".

الأخطر في التشديد على شرط الفصل بين المجتمع والدولة وحده، هو أن الاقتصاد بالضرورة يصير تابعًا لأحدهما؛ "فإما أن يكون الاقتصاد هو اقتصاد الدولة، وإما يكون الاقتصاد هو المجتمع المدني؛ ما يعني إخضاع المجتمع المدني لآليات السوق. كما أن نَسخ الفكر الليبرالي الاقتصادي إلى دول فقيرة، يعني إقامة دولة تابعة وازدياد الهوة بين غنى النخبة المشاركة في السلطة وفقر أغلبية المواطنين، الذي لا بد من أن يهمش مشاركتهم السياسية، وذلك يعني هدم أي إمكانية لإقامة مجتمع مدني". بهذا المعنى، تتأكد، أكثر، المحاجّة التي تقدمتْ في الجزء الأول من هذه الدراسة، والتي مفادها

أن الكيفية التي تشتغل بها مؤسسات المجتمع المدني في الجنوب الكبير تنفي عنه أصلً مسوغ وجوده، أي المواطنة في حد ذاتها. والأمر، مثلما سبقت المحاجّة به، لا يتعلق بتجذّر تلك البنى العضوية

فحسب، بل يتعلق أيضًا من ناحيةٍ باستيعاب الهيئات التي تتسمى بالمجتمع المدني ودمجها في البنية الكوربوراتية الغالبة على دول الجنوب الكبير، حيث تتغول الدولة من خلال استخدام اقتصاد الدولة أداةً لتعزيز هيمنتها على المجتمع (المدني) والسوق نفسها، ويتعلق من ناحيةٍ أخرى باستيعاب تلك الهيئات في المنظومة العالمية للمساعدات.

(45)  Wickramasinghe, p. 470.

4(((بشارة، المجتمع المدني، ص.49 (4((المرجع نفسه، ص.50–49 4(((بطبيعة الحال، يزداد تغول الدولة حين يكون اقتصادها اقتصادًا ريعيًا، كما هي عليه الحال في عدد لا بأس به من بلدان

الجنوب الكبير.

ويخلص بشارة إلى أن الشرط التاريخي للتمايز الأول، "الذي يبدأ مسيرة المجتمع المدني، هو انفصال الوحدة السياسية إلى مجتمع ودولة، ثم التلاحم بينهما في وحدة يتمايزان في داخلها، ثم تنفصل هذه الوحدة إلى مركبات أكثر لتعود إلى بناء وحدة أكثر تمايزًا". ومن ثمَّ، فإن "الفصل الأول في تاريخ المجتمع المدني هو الانفصال بين المجتمع والدولة، الدولة والاقتصاد. أما انفصال الفرد وتحوّله إلى

مواطن بما هو فرد، أو إلى فرد بما هو مواطن، فهو وليد [مرحلة تاريخية بعينها، هي] الثورة البرجوازية السياسية". وهو الانفصال الذي عبّرت عنه نظريات العقد الاجتماعي بمختلف نسخها. وفي هذا

السياق، يقتفي بشارة تاريخ العلاقة المتغيرة بين الدولة والمجتمع/ بين الحيز العام والخاص، وبين الدولة والمجتمع والاقتصاد (السوق)، وبين الدولة والمجتمع والفرد (المواطن)، من أرسطو Aristotle (22–3843 ق.م.)، مرورًا بتوماس هوبز Thomas Hobbes (1679–1588) وجون لوك Locke John (1704–1632) ومونتيسكيو Montesquieu (1755–1686)، وجان جاك روسو Jean–Jacques Rousseau (1778–1712)، وآدم سميث Adam Smith (1790–1723)، وكارل ماركس Karl Marx (1883–1818) وفريدريك إنغلز Friedrich Engels (1895–1820)، وآدم فيرغسون Ferguson Adam (1816–1723)، وإيمانويل كانط Immanuel Kant (1804–1724)، وفريديريك هيغل Friedrich Hegel (1831–1770)، وألكسيس دو توكفيل Alexis de Tocqueville (1859–1805)، وأنطونيو غرامشي Antonio Gramsci (1937–1891)، وصولً إلى يورغن هابرماس Jürgen Habermas (1929–)؛ وغيرُهم كثر. وفي العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، ينتهي بشارة إلى أن هذه العلاقة طالما كانت متغيرة، وتميزت بتمفصلات عديدة، سواء عبر تاريخ الأفكار السياسية، أو عبر تاريخ الدولة نفسها. ولا يمكن فهم الغياب الطويل الذي شهده مفهوم المجتمع المدني من النظرية السياسية الغربية لعقود من القرن العشرين، ثم عودته الزاخرة أثناء الاحتجاجات ضد دولة الحزب الواحد في بولندا، وفي أوروبا الشرقية عمومًا، في ثمانينيات القرن العشرين، من دون فهم تلك التمفصلات. لقد "ظهر" المجتمع المدني مفهومًا، في حلقته الأولى، عند توماس هوبز، غير منفصل عن الدولة، وإن لم يتمايز من المجتمع السياسي في تلك المرحلة. ولهذا ما يبرره تاريخيًا؛ فالمجتمع المدني حينها

كان تعبيرًا عن الانتقال من ادعاء السيادة على أساس الحق الإلهي، إلى ادعائها على أساس العقد

الاجتماعي. ولاحقًا، جاء افتراض الناسِ أفرادًا اجتماعيين، في حالتهم الطبيعية، أي من دون الدولة، ليُبنَى عليه المجتمع المدني، عند جون لوك، بوصفه مجتمعًا مدنيًا قائمًا بذاته منفصلً عن الدولة؛ "وهو

الوجود الأول والبسيط [...] لمجتمع خارج الدولة، أي قبل توسطه عن طريق المؤسسات الاجتماعية

4(((بشارة، المجتمع المدني، ص  253–5 (ما بين معقوفين من الباحث.) 5(((يُنظَر خاصةً الفصل الثاني، ص  144–97؛ والفصل الثالث، ص 239–147؛ والفصل الرابع، ص 295–243، في: المرجع نفسه.

الميزة الأساسية للكتاب، بلا ريب، هي طابعه الفلسفي النقدي. إنه يأخذ بيد القارئ في رحلة متشعبة المسالك والدروب، لكنها واضحة المبتغى، التأريخُ لمفهوم المجتمع المدني ونقدُ فهمه السائد. وهذا ما يجعله كتابًا في النظرية السياسية، ولا يستغني عنه

الباحث أو الدارس في حقول معرفية عديدة، من علم السياسة، إلى علم الاجتماع السياسي، إلى الفلسفة السياسية، إلى الاقتصاد السياسي.

(المدنية). وتلك إضافة لفهم المجتمع جاء بها مونتيسكيو، ثم دو توكفيل، برؤية المجتمع المدني كوسيط يوازن الدولة ويحد من تأثيرها المباشر في الأفراد، أو يمثل الحيز الاجتماعي والأخلاقي الواقع بين العائلة والدولة، على حد تعبير هيغل". ثم جاءت النظرية الليبرالية لتُحوِّل افتراض لوك

لمجتمعٍ خارج الدولة إلى السوق. "وبعدما كان المجتمع المستند إلى العلاقات المتبادلة بين الأفراد، في السوق، هو ما ينتج مجتمعًا مدنيًا خارج الدولة؛ أصبح السوق هو نموذج المجتمع، وانتفت الحاجة

إلى مصطلح المجتمع المدني". وهكذا، يخلص بشارة إلى أن المجتمع المدني "انتقل من مرحلة إلى أخرى، مسجلً في أرشيف ذاكرته تمايزات جديدة. ولكن في كل حالة، نحن أمام الإنسان كفرد، وأمام المجتمع كعلاقة متبادلة (اجتماعية) بين الأفراد، وأمام دولة متميزة من كليهما. إن الواقع الاجتماعي الذي ينطبق عليه مفهوم المجتمع المدني فيفسره، هو واقع اجتماعي ينضوي المفهومُ تحته (وليس هو تحت المفهوم، كتعريف عام مفروض عليه). والمجتمعات التي ينطبق عليها المفهوم هي مجتمعات مرّت بتفتيت أو تجزئة

أو تجاوز للوحدة العضوية بين الفرد والجماعة (البنى الجمعية) من جهة أولى، وتمييز بين الدولة والمجتمع، من جهة ثانية. وهي تمييزات لا تؤدي إلى الانفصال الكلي لنصبح أمام فرد بذاته أو مجتمع مدني بذاته، بل تعيد إنتاج الوحدة على أساس توسطها، أي توسط عناصرها المتميزة. فهنالك علاقات تجمع الفرد والمجتمع والدولة في وحدة واحدة، عن طريق تنظيم العلاقة بينها كعلاقة حقوقية. وهي بالتالي وحدة مركبة من عناصر متمايزة، وليست وحدة 'طبيعية' كالجماعة الأهلية. هذه هي الشروط النظرية والتاريخية في آن واحد لاستخدام مفهوم المجتمع المدني". في نهاية المطاف، ينبغي القبض على هذه التمايزات وإنزالها منزلتها التاريخية لتفادي مصيدتين أساسيتين كرّس بشارة للكشف عنهما حيزًا واسعًا من النقاش: مصيدة اعتبار المجتمع المدني ما هو

ليس دولة، ومصيدة اعتباره ما هو غير سياسي. لذلك، ينبغي العودة مرة أخرى إلى مسألة "هنا والآن" ici et maintenant والتعامل مع مفهوم المجتمع المدني في مكانه وفي لحظته التاريخية، حتى لا يتحول إلى مفهوم لاقط ولاتاريخي، يُزرع ولا يستزرع، يُستدعى من سياق زماني ومكاني خاص ليُفرَض على سياقات زمانية ومكانية مغايرة.

(5((المرجع نفسه، ص.25–24 (5((المرجع نفسه. (((5 المرجع نفسه، ص.25 (((5 في السياق نفسه، يلاحظ ديفيد بلاينلي ومصطفى كمال باشا أن "قلة من المناقشات حول المجتمع المدني في دراسات العالم

الثالث تحاول النظر للمجتمع المدني بوصفه بنية وعملية. بل تجري معاملة المجتمع المدني، بدلً من ذلك، كمفهوم ثابت وعابر للتاريخ يفترض أنه ينشأ عبر توليد للتعميمات الإمبريقية للعلاقات بين المجتمع والدولة عبر الزمان والمكان. وهكذا، تضيع الخصوصية التاريخية والنظرية لهذا البناء ومعها تعريف المؤسسات والعلاقات التي تحدد الحد الأدنى للفضاء الاجتماعي للمجتمع المدني ومبدأ الحركة الذي يشكل مساره. وهكذا، فقد فشلت تطبيقات المفهوم على وضع العالم الثالث في استيعاب آثار الرأسمالية العالمية على استقرار المجتمع المدني والصعوبات التي تواجه الحركات الديمقراطية"، ينظر:

David L. Blaney & Mustapha Kamal Pasha, "Civil Society and Democracy in the Third World: Ambiguities and Historical Possibilities," Studies in Comparative International Development, vol. 28, no. 1 (1993), p. 5.

إن المجتمع المدني باعتباره ليس هو الدولة، أو باعتباره "نفورًا من الدولة"، هو المجتمع المدني في الغرب المعاصر؛ بعد أن شكَّل جزءًا من عملية الدمقرطة التاريخية، بل يمكن اعتباره آخر تجلياتها.

و"هنا والآن" – تحديدًا – يكشف عن نفسه باعتباره كيانًا اجتماعيًا "يتلخص بالحيز العام، خارج الدولة

والاقتصاد والبنى العضوية". أما أن يكون مقابلً للدولة، ومعاديًا لها، فقد رأينا كيف تحوّل النقاش

بشأن المجتمع المدني في أوروبا الشرقية إلى نقاش حول المسألة القومية، وقد ثبت فعلً أن تعريفًا للمجتمع المدني يتلخص في المقابلة بذاتها مع الدولة لا يعني إلا تدهور المجتمع وانتكاسته إلى مرتبة الانتماءات العضوية للأفراد، أو إلى مرتبة القومية الإثنية مقابل الدولة المتعددة القوميات. ويضيف بشارة في هذا السياق قائلً: "إن للمجتمع المدني شروطًا تتجاوز الاقتصار على عملية المقابلة مع الدولة؛ ولكنه، من الناحية الأخرى، لا يقوم خارج دائرة الإقصاء المتبادل مع الدولة. فخارج دائرة الإقصاء المتبادل مع الدولة قد تقوم أمور كثيرة، ولكن لا يقوم مجتمع مدني، لأن أصول المجتمع المدني التاريخية هي في المجتمع السياسي، ثم في الإقصاء المتبادل مع المجتمع السياسي، وبعد ذلك الاقتصاد". ومن ثم يمكن أن نفهم خطورة استدعاء التعريف التاريخي للمجتمع المدني، بوصفه كيانًا اجتماعيًا،

وزرعه خارج السياق الغربي. في بلدان الجنوب الكبير، حيث الدولة ما تزال مسألة إشكالية، وحيث الديمقراطية ما تزال غير موجودة أو غير مكتملة، وحيث المواطنة ما تزال عرضة لضغط البنى العضوية والانتماءات الوشائجية، لا يمكن للمجتمع المدني بهذا التعريف إلّ أن يكون مشوَّهًا، وغير

فعَّال، بل إن المؤسسات والهيئات التي يتسمى بها سرعان ما تعيد إنتاج البنى العضوية للمجتمع و/ أو البنى الكوربوراتية للدولة التي يُنتظَر منه أن يقوضها. في هذا المعنى، يذكّرنا بشارة بأن

(((5 بشارة، المجتمع المدني، ص  29–28. يحيل بشارة في هذا السياق إلى حالة المجتمع المدني الفلسطيني، محاجًّا بأن

المؤسسات المدنية الفلسطينية قامت في إطار الإقصاء المتبادل مع دولة الاحتلال. بمعنى آخر، وفي غياب الدولة الفلسطينية، تتطور المنظمات المجتمعية التي تتسمى بالمجتمع المدني، من دون مبرر واضح، "مجتمعًا مدنيًا" في فضاء الإقصاء المتبادل مع دولة

الاحتلال، لا الدولة الفلسطينية التي ما تزال غائبة. ينظر: المرجع نفسه، ص 28، هامش 6. (5((يضيف بلاينلي وكمال باشا مفهومًا قريبًا من ذلك، هو مفهوم نزعة الغنيمة Prebendalism. لقد حاجَّا بأن الممارسات السياسية

وأشكال الحكم ليست عرضية، بل هي في قلب الحياة الاجتماعية. فالاستبداد في أفريقيا، على سبيل المثال، والذي "يأتي عادة في شكل حكم موروث وشخصي، هو تعبير عن الحاجة إلى وجود دولة ضعيفة تمتلك موارد محدودة نسبيًا، لحكم حياة اجتماعية

مجزأة تقسمها روابط أخرى، قصد تحقيق 'الهيمنة'". وفي مثل هذا السياق الاجتماعي، تزدهر نزعة الغنيمة، وهي "الحالة التي تصير فيها الدولة وجهازها الإداري محورًا للحراك الاجتماعي والتضخم الخاص والجماعي على حساب الحكم الفعال". وهو سياق

يكون فيه "الشعب" سلسلةً من "الشعوب" الجزئية (وهذا ما يقصده بشارة بالبنى العضوية). وتكون "التعددية" هي التنافس بين تلك الشعوب الجزئية الأوالية أو البريمورديالية Primordial للحصول على حصة من الكعكة "الوطنية"، من دون شعور بالهوية الوطنية أو المسؤولية تجاه الكل. ويصير نهب الدولة من أجل دعم الانتماءات الفردية وما دون الوطنية، حيث يجد المرء الهوية والترابط

الاجتماعي، بدلً من ذلك، أمرًا مقبولً أخلاقيًا وهو الأساس الأول لتأسيس الشرعية الشعبية في دولة تقوم على التعددية الإثنية. ومن

ثم، فإن "التعددية" القائمة في الحياة الجماعاتية لا توفر أساسًا قويًا لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ولا تشكل مثالً

لفضاء يخص المجتمع المدني. ويفسر بلاينلي وكمال باشا هذا القصور في التكامل الاجتماعي، جزئيًا، بضعف التطور الرأسمالي

لبلدان أفريقيا، حيث لا يزال من الصعب الحديث عن اقتصاد وطني؛ ويتبنيان وصفًا للحياة الاقتصادية الأفريقية بأنها "ما قبل

برجوازية"، ينظر: Blaney & Pasha, pp. 11–12.

على كل حال، تقدم الحجج التي جدَلها بشارة في مناقشته للعلاقة بين المجتمع المدني والمواطنة والأمة، خاصة في الفصل الرابع

من كتابه المجتمع المدني، ص  295–243، مساهمةً حاسمة ومثيرة للاهتمام في هذا الشأن.

"المجتمع المدني هو وليد قوة الدولة، ومن أجل موازنة هذه القوة. إن موضوع الرقابة على الدولة قائم لأنه – فقط لأنه – باستطاعة الدولة أن تراقب المجتمع". وبناء عليه، فإن المجتمع المدني ليس "نتاج هدم الدولة أو تراجعها أو زعزعتها، وإنما هو نتاج تحديد العلاقة بينها، [باعتبارها] مجال السلطة واحتكار القوة، وبين المجتمع المفترض فيه أن يكون مصدر شرعيتها". ثم يأتي على ذكر بعض مجالات صراع المجتمع المدني، مثل البيئة والصحة والثقافة والتعليم، ليؤكد أن خصم المجتمع المدني اللدود في البلدان الغربية المتقدمة في مجالات كهذه أصبح هو قوى السوق، لا الدولة. ويضيف بشارة مسألة أشد خطورة على استدعاء هذا المفهوم المشوه واللاتاريخي للمجتمع المدني وزرعه في بلدان الجنوب الكبير التي ما انفكت ولا تزال تناضل من أجل الديمقراطية، هي أن "النفور من الدولة هو في نهاية الأمر نفور من السياسة، والنفورُ من السياسة هو ألد أعداء الديمقراطية، وبخاصة عنصر المشاركة في الحياة العامة، وهو العنصر اللازم الأكثر أهمية في تنمية مجتمع مدني".

3. الأطروحة الثالثة: السقوط من المعجم

تحت هذا العنوان اللافت يقدّم بشارة تحقيقًا تأثيليًا في أصل مصطلح المجتمع المدني، ويلاحظ

بادئ ذي بدءٍ، أن موسوعات الفلسفة والعلوم الاجتماعية لم تفرد مكانًا خاصًا لمصطلح Society Civil، رغم أن مفردة Civil تظهر مكونًا لعدة مصطلحات أخرى، مثل العصيان المدني، والمقاومة المدنية، والحقوق المدنية، والحريات المدنية، والقانون المدني، والحرب الأهلية، والمنظمات أو المؤسسات المدنية. ثم يستنبط جملة من دلالات مفهوم المدني Civil، هي: أولً، أنه متعلق بالدولة؛ وثانيًا،

أنه متعلق بتعامل الدولة "العادي" مع مواطنيها، تمييزًا له من التعامل العسكري والجنائي والديني؛ وثالثًا، أنه يتعلق بالتعامل مع مواطني دولة ما لتمييزهم من الأجانب، كما هي الحال في الحرب الأهلية War Civil، التي تسمى باللغة العربية "أهلية"، وليس "مدنية"، "والمشترك بين معنى الحرب الأهلية ومعنى War Civil أن الحرب هنا تدور بين مواطنين؛ الأمر الذي يذكّر بأن الاشتقاق Civil ليس من Civilization [أي] مدنية، وإنما من Civis [أي] مواطن". وتتأكد هذه الدلالة أيضًا في مصطلح القانون المدني، الذي ينظم العلاقة بين المواطنين ولا تكون الدولة طرفًا فيها، فإذا ما تدخلت الدولة، تحولت القضية المدنية إلى قضية جنائية. ويضيف إلى هذه الدلالات الثلاث، تسع عشرة دلالة أخرى لا تتسع المساحة لاستعراضها هنا، ثم يشدد على أهمية اشتقاق اللفظ الإنكليزي Civil من

5(((بشارة، المجتمع المدني، ص.75 (5((المرجع نفسه (ما بين معقوفين من الباحث.) (5((المرجع نفسه. ((6(المرجع نفسه، ص.74 ((6(المقصود بالتأثيل (أو الإيتمولوجيا Etymology) دراسة أصول الألفاظ. (6((بشارة، المجتمع المدني، ص  83–81 (ما بين معقوفين من الباحث.) ((6(المرجع نفسه، ص.87–85

مواطن أو  Civis باللاتينية؛ ويحاجّ بأن اشتقاق اللفظ العربي "مدني" من "مدينة" أو "مدنية" أو "تمدن"

لا يحمل الدلالة التاريخية نفسها التي يحملها المجتمع المدني، مفهومًا وممارسةً. إنه "لا يحمل دلالات المواطنة. وربما كان من الأصح أن نترجم Society Civil إلى مجتمع المواطنين أو مجتمعٍ مواطَنيٍّ، باللغة العربية. ولكن هذه الترجمة، وهي أكثر دقة من مجتمع مدني، قد تزيد من الارتباك

نتيجة تعريبها وبعدها عن الأذهان، ولكنها مفيدة للتذكير بمدلولات اللفظ المترجَم من اللاتينية، لتكون حاضرة في الأذهان". لا يمكن الفصل بين المجتمع المدني والمواطنة من ناحية، والأمة من ناحية أخرى. ويخصص بشارة فصلً كاملً لمناقشة التعاضد بين هذه المقولات الثلاث. فعدم تشكُّل الأمة بما هي أمةُ المواطنين، يؤدي لا محالة إلى صمود الانتماءات ما قبل القومية، ومن ثم "لا ينشأ في الوعي مجتمع مدني قائم على العلاقة بين المواطن، بانتماءاته المختلفة في حيزه الخاص، وبين الأمة (التي يتسع فيها المجال للعديد من الانتماءات) والدولة التي تعبّر عن الكيان السياسي للأمة". ثم يحذّر من

أن فقدان وعي الأمة الحديثة لا يقيم بدلها أممًا جزئية، بل يقيم وعيًا ما قبل قومي، وهو أبعد ما يكون

عن روح المجتمع المدني وجوهر تعريفه، فهو يُبنَى على علاقة التبادل المباشرة بين المواطن والمواطن من جهة (ومن هنا يأتي بُعده التطوعي والتضامني والقائم على المبادرة الجمعية)، وبين الحيز العام المتشكل بين هذا التبادل المواطَني والدولة (وليس بين الطائفة والطائفة، أو بين القبيلة والقبيلة) من جهة أخرى. ومن هنا، يؤكد بشارة أن المجتمع المدني ينبغي ألّ يدير ظهره للعملية السياسية، وذلك لأسباب ثلاثة: • أولً، إن المجتمع المدني يقوم فقط في فضاء العلاقة المتبادلة مع الدولة، وهذا هو الفرق بين المجتمع المدني والمجتمع الطبيعي. • ثانيًا، إن ثمة ارتباطًا لا تنفصم عراه بين تشكيل الأمة وتشكيل المجتمع المدني الذي يعني انتماءً

قائمًا على المواطنة، أي الانتماء إلى الأمة، لا إلى العقيدة، أو الإثنية، أو المذهب، أو الطائفة، أو قرابة

الدم، أو غيرها. وببساطةٍ، إذا لم يتحقق هذا الربط بين تشكيل المجتمع المدني وتشكيل الأمة في وعي من يتسمون بالمجتمع المدني، فإن الأمة تتحول إلى أمم جزئية قائمة على انتماءات ما قبل قومية، تنذر بانهيار المجتمع المدني ورجوعه القهقرى إلى حالة المجتمع الطبيعي، حيث تنتفي فكرة الدولة في حد ذاتها. • ثالثًا، إن المعركة من أجل الديمقراطية هي معركة سياسية، إنها معركةٌ على السلطة أولً وأخيرًا.

((6(المرجع نفسه، ص.88–87 ((6(المرجع نفسه، الفصل الرابع، ص.295–243 ((6(المرجع نفسه، ص.31 ((6(المرجع نفسه، ص.32

ثالثًا: أن يُقرَأ "المجتمع المدني: دراسة نقدية" عربيًا بعد ربع قرن من صدوره

يتبنى الكتاب مقاربة جينيالوجية لمفهوم المجتمع المدني، تسمح له بأن "يقضّ مضاجع" أولئك الذين يتعاملون مع الفكرة باعتبارها جاهزة، ومكتملة، ومفروغًا منها، وحتمية تاريخية، وبوصفها حلًّ سحريًّا لمشكلات البلدان في الجنوب الكبير، وغيرها من الأوهام التي يفلح الكتاب في تبديدها. ويؤكد بشارة على روح هذه المقاربة من دون أن يصرّح بها، فيقول "إن هدف الكتاب هو تحويل مقولةٍ ساكنةٍ تثير

الرضى والاسترخاء عند البعض، والسخط والنقمة عند البعض الآخر، إلى مقولة تاريخية متحركة تَظهَرُ

القوة الكامنة فيها من خلال بحث طريق تطورها التاريخي". أعني بالمقاربة الجينيالوجية تمامًا ما تعنيه في ميراث فريدريك نيتشه الفلسفي، أي تلك المقاربة التي تتخطى البحث في أصول نشأة الأشياء، لتصل إلى مساءلة تلك الأصول في حد ذاتها، والنظر في صيرورة تشكُّلها. يقول نيتشه (وينبغي ألا ننسى لوهلةٍ أن الجينيالوجيا برزت مقابلً للميتافيزيقا التي ترى أن الأشياء في بداياتها كانت ناجزة ومكتملة): "لطالما واجهتُ مشكلة كبرى في فهم أنْ يكون اسم الشيء أهم من ماهيته. إن رواج الشيء، واسمه، ومظهره، ووزنه وقياسه الاعتياديين، وما قد يعنيه في الغالب خطأ واعتباطًا؛ إنها تُلقى على الأشياء كمثل الثوب فيما هو خارج عنها غريب عن طبيعتها؛ إنها تنتقل من جيل إلى جيل، فقط لأن الناس يؤمنون بها؛ إلى أن تنمو فتصير تدريجيًا جزءًا من الشيء

قبل أن تتحول إلى مضمونه كله. وهكذا، فما كان في البداية هو المظهر، يصير في النهاية، وبشكل شبه دائم، الجوهر الذي لا يصلح إلا بوصفه كذلك. سيكون بلا طائل الاعتقاد بأن كشف هذا الوهم وإماطة اللثام عن الأصول كافيان للقضاء على هذا الذي يُدعى الواقع؛ لأننا لا نستطيع أن ندمر إلا بوصفنا نحن من يخلق ما نستطيع تدميره. ولنتذكر الآتي: سنخلق 'أشياء' جديدة على المدى الطويل، كلما ابتدعنا أسماء جديدة". استنادًا إلى منطق هذه المقاربة، يبدو أن ما حدث، وما زال يحدث مع مفهوم المجتمع المدني، شبيهٌ إلى حدٍّ بعيدٍ بأثر الممارسات المترسبة Sedimented Practices، وإن كنتُ واعيًا بأنني

أعزل هذا المفهوم عن سياقه الذي تطوّر فيه. ومع ذلك، يبقى أن الممارسات المترسبة إنما "تحدُّ

من مجال صدقيةِ ووضوحِ الإطار السوسيو–اقتصادي المسؤول عن وضع المعايير، والقواعد، والمؤسسات في مجتمعٍ ما، تلك التي تعتبرها أجزاء واسعةٌ من المجتمع معطاةً بعد أن يحجبَ

تراكمُ الزمن الأدلةَ على ظروف نشأتها الأولى". وعلى المنوال نفسه، يبدو أن السياق الذي

تطور فيه المجتمع المدني، مفهومًا وممارسةً، سرعان ما طواه النسيان، ففَقد بذلك مسوغ وجوده،

((6(المرجع نفسه، ص.19

(69)  Friedrich Nietzsche, The Gay Science , Walter Kaufmann (trans.) (New York: Vintage Books, 1974), pp. 121–122. (70)  Dirk Nabers & Frank A. Stengel, "Sedimented Practices and American Identity in Donald J. Trump’s Election Campaign," in: Frank A. Stengel, David B. MacDonald & Dirk Nabers (eds.), Populism and World Politics (Switzerland, Cham: Palgrave Macmillan, 2019), p. 103.

وصار المشتغلون فيه (من ناشطين) و/ أو عليه (من أكاديميين) يعتبرون نمطًا محددًا لاتاريخيًا للعلاقة بين المجتمع المدني والدولة وكأنه معطى، بعد أن حجب تراكم الزمن الأدلة على ظروف نشأته الأولى. وهنا، يتحسر بشارة على الكيفية التي بات بها مفهوم المجتمع المدني متطابقًا ليس مع كل "ما هو ليس الدولة فحسب، بل مع كل ما هو ليس السياسة في حد ذاتها، فيغدو بذلك أقرب إلى الممارسة ما قبل الحداثية التي [تُبعِد] المثقفين من السياسة عبر أنماط من العمل المجتمعي غير السياسي ". في هذا السياق يلقي بشارة باللوم على بعض من سماهم "رواد الفكر الرومانسي العربي" من الذين – سعيًا منهم "لتجميل المجتمع وشيطنة الدولة" – أقدموا على تجريد المفهوم من وظيفته النقدية والديمقراطية وجعله مطابقًا للمجتمع الأهلي، لمجرد أنه ليس دولة، بحسب تعبير بشارة.

خاتمة

بينَّت هذه الدراسة كيف تتموقع دراسات الجنوب الكبير في الموقفين حيال المجتمع المدني، اللذيْن يسعى الكتاب إلى قضّ مضاجع القابعين فيهما: من يبعث لديهم على الرضا والاسترخاء، ومن يثير لديهم السخط والنقمة. وبيّنت الدراسة أن دراسات الجنوب الكبير، ولتجاوز الصعوبات التي تواجه أبحاث المجتمع المدني في الجنوب الكبير، إنما تنزع إلى تحويل المجتمع المدني إلى مسألةٍ تقنيةٍ ولاتاريخية (معزولة عن سياقها التاريخي) ولاسياسية (مجردة من مضمونها السياسي)، فتختزله في تعريف/ تصنيف ما هو مجتمعٌ مدنيٌّ وما هو ليس مجتمعًا مدنيًا؛ فيتحول تعريف المجتمع المدني إلى مجرد تسمية. لكنها، وللمفارقة، تسمية تثبت فشلها في إعادة خلق الواقع "هنا والآن"، مثلما تشَكَّل "هناك وآنذاك" في بيئته التي خُلِق فيها في أصله؛ ذلك أن التسمية تنتهي إلى محض التعديد والتصنيف، لا لسببٍ إلا لافتقادها القوة الرمزية القادرة على الخلق، بسبب السمة اللاتاريخية واللاسياسية هذه على وجه التحديد؛ فضلً عن غياب الفاعلين الذين ينبرون لتوظيف سياسة رمزية قادرة على جعلهم يأخذون زمام الفعل في عملية الخلق هذه، استنادًا إلى نضالات تاريخية.

(7((بشارة، المجتمع المدني، ص  8–7 (التشديد من الباحث.) ((7(يحاجّ بشارة بأن عودة الحديث عن المجتمع المدني بين المثقفين العرب، بدءًا من تسعينيات القرن الماضي، جاء تعويضًا عن

نكوص سياسي أصابهم، خاصة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وأزمة النظام العربي التي تفاقمت مع حرب الكويت واتفاقيات أوسلو، وتعويضًا عن استقالتهم من العمل السياسي بعد وهن أصاب الحالة القومية واليسارية في حينه. وهكذا، فقد انسحب جيل كامل من المثقفين العرب من السياسة إلى خدمة النظام القائم، أو بات يراهن فكريًا على فهم غير صحيح للمجتمع المدني كأنه

خارج الدولة. ينظر: المرجع نفسه، ص.9–8 (7((يمكن العودة إلى أعمال بيير بورديو التي يناقش فيها الفعالية الرمزية للتسمية "المُنتجة"، والتي يمكن سحبها بسهولة وتطبيقها

على فشل إمكانات الخلق فيما يتصل بمسميات المجتمع المدني الرائجة، ينظر مثلً:

Pierre Bourdieu, "What Makes a Social Class? On the Theoretical and Practical Existence of Groups," Berkeley Journal of Sociology, vol. 32 (1987), pp. 1–17.

لقد وجَّه بشارة انتقاداتٍ حادةً لما اعتبره تارة "صناعة نظرية كاملة"، وتارة أخرى "سلعة رائجة"،

"يجري التعامل معه جاهزًا من المنتج إلى المستهلك"، وأنكر على الباحث، أيّ باحث، استسلامه

لهذه النزعة؛ إذ "لا يكلف نفسه عناء خوض النقاش حول نظرية وتاريخ المفهوم، بل يكتفي بسرد بعض التعريفات الغربية، بالسرعة الممكنة، واختيار ما يلائمه منها بصيغة 'المجتمع المدني هو...'، ثم يبدأ بمحاولة المزاوجة بين هذه الصيغة وبين الظواهر الاجتماعية التي يختارها. هنا تبدأ عملية التصنيف إلى منظمات أهلية وغير حكومية، ثم تصنيف المنظمات غير الحكومية إلى أنواع والأهلية إلى أنواع. ولكن، لو كان للمجتمع المدني أهمية كمفهوم، لكان هو أساس عملية التصنيف ذاتها، وهو موجهها من داخلها. أما عملية التصنيف المفروضة فرضًا، فهي عملية تسمية، أي تسمية قطاعات معينة باسم المجتمع المدني. ولكن، ما الفائدة النظرية والعملية المرجوّة من إطلاق تسمية المجتمع المدني على

ظواهر قائمة ونعرفها؟ ليس هناك مانع مبدئي من إطلاق التسميات، ولكن لا فائدة خاصة ترجى منها إذا لم تُبنَ على تحليل تاريخي". تكمنُ القيمة المضافة للكتاب في نقد هذه النزعة، وفضح قصورها عن إبراز المفعول التفسيري والنقدي للمجتمع المدني ووظيفته الديمقراطية أيضًا؛ أي ليس بوصفه مجرد إنشاء تلك المنظمات الأهلية غير الحكومية، ومن ثم بوصفه أداةً لتعزيز الديمقراطية مثلما هو الحال في الغرب، الآن، وإنما بوصفه فضاءً لبناء الديمقراطية نفسها، مثلما كان عليه الحال في الغرب، لكن في مرحلةٍ تاريخيةٍ محددةٍ من

تطور الأفكار السياسية من ناحيةٍ، وفي مرحلةٍ تاريخيةٍ محددةٍ من تطور البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية من ناحيةٍ أخرى. وهذا ما يجعل الكتاب أكثر وعيًا بتاريخ تشكّل الفكرة وصيرورتها، وهو

شرط ضروري للوعي بالفكرة في حد ذاتها. إذ يبيّن، من خلال عمل تأمليٍّ في مفهوم المجتمع المدني

وتأريخيٍّ له، كيف ارتحل من كونه متطابقًا مع الدولة حين كان مقابلً للمجتمع الطبيعي، مرورًا بكونه

فضاءً وسيطًا بين الفرد والدولة والسوق، وصولً إلى ما آل إليه من تشويهٍ بعد أن صار يعبّر عمَّا هو ليس

الدولة، ومتطابقًا من ثمَّ مع ما هو غير سياسي. يَنتُج هذا التشوه في الأساس من نسيان البعد الزماني والمكاني في تصور المفهوم وممارسته؛ ففي

الغرب، الآن، وبعد أن جرى استدعاء المفهوم منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي؛ ليس المجتمع المدني هو الدولة (لكن لا بد من الانتباه: ليس هو الدولة، ومع ذلك فهو ليس معاديًا للدولة في

نهاية المطاف)، وليس سياسيًا، لأن مسوغ وجوده (أو مسوغ عودته مجددًا) هو القصور الذي تعانيه

الديمقراطية التمثيلية، إضافة، بطبيعة الحال، إلى معالجة اختلالات السوق، باعتبارها هي الأخرى ناتجة من تراجع الدولة عن التدخل في الفضاء الاقتصادي.

(7((بشارة، المجتمع المدني، ص.27 ((7(المرجع نفسه، ص.7 ((7(المرجع نفسه، ص.40–39 ((7(في مقدمة الكتاب، يشير بشارة إلى هذه المقاربة التحليلية في التأريخ للمفهوم، القائمة على التوليف بين تطور النظرية وتطور

الممارسة، قائلً: "[ال]كتاب نظري يبحث في تطور هذا المفهوم (أي في تعريفه التاريخي) عبر مراجعة تاريخ الفكر السياسي الغربي، وما يوازي ذلك من تطورات اجتماعية". ينظر: المرجع نفسه، ص.7

لذلك، فإن عودة المجتمع المدني في الغرب، بالتزامن مع استدعائه خارج الغرب، صاقبت تطورات اجتماعية وسياسية واقتصادية عرفتها البلدان الرأسمالية منذ الستينيات، مثل الثورة الثقافية، وصعود حركات المحافظة على البيئة، والحركات النسوية، وحركات السلام، والمبادرات المحلية للمواطنين في قضايا الصحة والبيئة وغيرهما، كل هذا تبلور في شكل من أشكال الفعل في مواجهة بيروقراطية الدولة من جهة، وفي مواجهة قوى اقتصاد السوق من جهة أخرى؛ أي تبلور في شكل القطاع الاجتماعي. لكنه لا يدير ظهره للسياسة في مواجهة القطاعين العام والخاص، مثلما يُراد له أن يفعل في السياقات غير الغربية، بما في ذلك السياق العربي، حيث الحدود بين القطاعين العام والخاص لمّا ترتسمْ، فما بالك بالحدود بينهما وبين القطاع الاجتماعي (وأقول هنا "لمَّا ترتسمْ" من باب التفاؤل، حتى لا أقول "لمْ ترتسم"). وهكذا، فإن الكتاب يُنذر بأن هذا المفهوم المشوَّه، المجرَّدَ من بُعديْه التاريخي والسياسي، قد ينقلب

في البلدان العربية وبلدان الجنوب الكبير الأخرى إلى عاملٍ ما قبل حداثي يُبعِد المثقفين والنخب من

السياسة عبر أنماطٍ من العمل المجتمعي غير السياسي، أو عبر المراهنة على البنى الأهلية بمختلف أشكالها، والتي على أساسها يُعرَّف المجتمع المدني تعريفًا تقنيًا بوصفه ليس الدولة. إذا عدنا الآن إلى مسألة الزمان والمكان ici et maintenant التي وردت في مقدمة هذه الدراسة، واستنادًا إلى أطروحات الكتاب، ما الذي قد تعنيه مرحلة تشييد المجتمع المدني في السياق العربي (وفي سياق الجنوب الكبير إجمالً)؟ إنها تعني تحقيق الديمقراطية، لا مجرد إنشاء أو إقامة مؤسسات مدنية توازن البرلمان/ أو توازن السوق، لأن هذا التعريف مرتبطٌ بمكان وزمان محدديْن (المكان هو الغرب، والزمان هو الآن، وأقصد بالآن نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين)، ولأن هذا التعريف مرتبطٌ أيضًا بقصور في الديمقراطية والليبرالية، وهذا القصور تراكَم تاريخيًا في سياق التجربة الغربية، وهما (أي

الديمقراطية والليبرالية) غير قائمتيْن أصلً في السياق العربي. وهنا يحذر بشارة من "القفز على المراحل

الضرورية، مثل تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، من أجل مفهوم معاصر للمجتمع المدني قائم على تحقيقهما في الغرب". بمعنى آخر، إذا لم تكن لدينا لا ديمقراطية ولا ليبرالية كتلك التي في الغرب، فما جدوى تعريف المجتمع المدني بوصفه المؤسسات المدنية الشبيهة بتلك الموجودة في الغرب، والتي تقوم بالوظائف نفسها التي تقوم بها في الغرب الآن. لذلك، علينا أن نعيد تعريفه نقديًا؛ علينا أن نقوم بشكل من أشكال الحفريات، لهذا أشرتُ آنفًا إلى أن الكتاب مفعمٌ بجنيالوجيا المفهوم. إن هذا التعريف النقدي للمجتمع المدني هو ما يسمح لنا باستكشاف مفعوله السياسي والديمقراطي قبل أي شيءٍ آخر، لا التركيز على المؤسسات أو الهيئات أو المنظمات المدنية، أو ما شئت فسمِّ. يقول بشارة: "إن مقولة المجتمع المدني قد تكون مفيدة في المعركة العربية من أجل الديمقراطية،

((7(المرجع نفسه، ص.27 ((7(المرجع نفسه، ص.8 ((8(المرجع نفسه، ص.46

إذا تم فهمها فهمًا تاريخيًا، أي نقديًا، بكشف حدودها التاريخية، ثم كشف الطاقة الكامنة فيها، لكنها

قد تكون مقولة ضارة بقضية الديمقراطية وتحرر الإنسان العربي، إذا تحولت إلى أداة لتحييدها سياسيًا،

أي إلى أداة تجنب طرح مسألة نظام الحكم". ومن ثمّ، يوجه الكتاب دعوة للمثقفين العرب "إلى العودة إلى ساحة العمل السياسي انطلاقًا من

المقولة الأساس التي حملها الكتاب والتي تقول: إن المجتمع المدني من دون سياسة وخارج سياق المعركة من أجل الديمقراطية هو عملية إجهاض لمعاني المجتمع المدني التاريخية وطاقته النقدية، فضلً عن نزع قدرته التفسيرية على فهم البنى الاجتماعية والسياسية". ويطرح الكتاب نفسه مجددًا في خضم تحولات الربيع العربي "التي أنهت حالة الجمود التي عاشتها [المنطقة العربية] في العقود الثلاثة الأخيرة. ويطغى في هذه التحولات البعدُ السياسي، ذلك المتعلق بمسألة نظام الحكم [...]، وتعود فيها المسألة الديمقراطية كمسألة سياسية". أخيرًا، يمكن أن أستوجز هاهنا المقولاتِ الآتيةَ مطيةً للمحاجَّة بأن أطروحاتِ الكتاب الرئيسةَ تظل

وثيقةَ الصلةِ بواقع التحولات التي تشهدها البلدان العربية، على تباين مواطئ أقدامها على طريق الانتقال نحو الديمقراطية: أولً، شهد الحراك الاجتماعي، عبر ثورات الربيع العربي، عودة السياسي. واقترنت هذه العودة بأن جموع المواطنين، الواعين بحقوقهم كمواطنين، هم من أخذوا زمام المبادرة والفعل والمشاركة في الحيز العام؛ "وما يجري شيده عبر هذه الصيرورة الثورية هو مجتمع مدنيوأمة مُواطَنية في الوقت نفسه"؛ وهو لبُّ الدعوة التي عقد الكتاب لواءَها. لقد أثبتت أحداث الربيع العربي أطروحة الكتاب،

حيث "إنه في المجتمعات الساعية إلى الدمقرطة، تكون الأحزاب، أو تنظيم الناس الطوعي واتحادهم لهدف سياسي متعلق بنظام الدولة، جزءًا أساسيًا من المجتمع المدني". ثانيًا، بيّنت الأحداث – ولا يقتصر الأمر على موجة الربيع العربي الأولى في عام 2011، بل يشمل أيضًا

موجة عام 2019 – أن الاحتجاجات لم تكن مناهِضة للدولة، "بل شهدنا ردَّ فعلٍ شبهَ فطريٍّ يرحب بدور

الدولة كحاميةٍ للثورة حين تُميِّز هذه الدولة نفسها عن النظام بصورة الجيش الوطني". وقد تجلى ذلك

بصورة واضحة في حالة الجزائر. وقد حاجّ الكتاب، كما سبق بيانه في هذه الدراسة، أن "المجتمع

المدني من دون دولة ليس مجتمعًا مدنيًا، بل قد ينهار إلى جماعات، وتجربة العراق بعد عام 2003

مباشرة ما زالت ماثلة في الأذهان"؛ أي إلى شكل من أشكال المجتمع الطبيعي، حيث تسود البنى العضوية والروابط الوشائجية.

((8(المرجع نفسه، ص.19 ((8(المرجع نفسه، ص 9،.22 ((8(المرجع نفسه، ص 10 (ما بين معقوفين من الباحث.) ((8(ينظر خاصة: مقدمة طبعة الكتاب السادسة وما تليها من الطبعات الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ص 18–7؛ والفصل الخامس الذي يحمل عنوان "واقع المجتمع المدني وفكره: حوار عربي"، ص 65–299.3 أنوّه هنا بأن

الاقتباسات المباشرة الواردة فيما تبقى من الدراسة تقع في نطاق هذه الصفحات، والتشديد في بعضها واردٌ في النص الأصلي.

ثالثًا، كشفت ثورات الربيع العربي عن محدودية دور ما يسمى المنظمات غير الحكومية (وهذا لا يبخسها أهميتها)، وهي التي يَختزل الفهمُ السائدُ المشوهُ للمجتمع المدني تعريفَ المجتمع المدني فيها؛ كما بيّنت أن "المجتمع المدني كمجتمعِ مواطنين لا يتبلور بمعزل عن مسألة الدولة، بل من

خلال تفاعلٍ معها". صحيح أن بعضًا ممن شاركوا في الاحتجاجات كانوا ناشطين ضمن عددٍ من تلك المنظمات غير الحكومية والجمعيات الأهلية؛ لكن، ماذا عن الجموع التي انبرت للمطالبة بتغيير النظام السياسي؟ يُعَدُّ كلُّ هذا قرينةً بيّنةً على تهافت اختزال المجتمع المدني في المؤسسات المدنية

بمختلف مسمياتها. رابعًا، يواجه مشروعَ المواطنة، مثلما تكشف عنه الحالة الليبية، تحديان رئيسان، أحدهما داخلي والآخر خارجي. أما الداخليُّ فيتمثل في "محاولات إحياء القبلية والجهوية وفي تنافس القوى

السياسية"، وينسحب هذا على أشكال الانتماءات العضوية التقليدية كافةً؛ أما الخارجيُّ فيتمثل

في "التدخل الخارجي الذي يمس بالسيادة"؛ وهاهنا، "يظهر المجتمع المدني نحو الخارج كأمةٍ ذات سيادة". ويبيّن الكتاب أن المساس بالسيادة هو مساسٌ بالمواطنة، ولذلك يُعرِّف الكتابُ

المجتمعَ المدنيَّ باعتباره مجتمعًا مواطَنيًا. فمن ناحيةٍ، سرعان ما يتحول التدخل الخارجي، عبر

مزاعم دعم الثورات الديمقراطية، إلى إملاءات سياسية واقتصادية مقوِّضة للسيادة، وإلى تحديدٍ للخيارات السياسية الوطنية (حيال التكامل العربي أو الالتزام بالقضية الفلسطينية مثلً)؛ ومن ناحيةٍ أخرى، وفي البلدان المنقسمة على نفسها طائفيا (أيًّا كان نمط الطائفة)، يتحول الصراع السياسي إلى صراع حول الهوية، فتتحول الاستعانة بالخارج إلى فعل طائفي، إذ ترى الطائفةُ في الطائفةِ المنافِسةِ عدوًا أولً لها، فيتحول التدخل الخارجي إلى عاملٍ مقوضٍ للمواطنة، فإلى عاملٍ مفتتٍ للحمة الأمة. خامسًا، يأخذ الكتاب بيد القارئ في رحلة طويلة، ومشوِّقة في الآن نفسه، لاستكشاف "عملية التعريف الوظيفي–التاريخي للمجتمع المدني، [فينتقل به] من الجماعة الأهلية للمجتمع ومن اقتصاد السوق إلى الاتحادات الطوعية وغيرها"؛ لكنه يؤكد "أن هذه عمليةٌ لا يمكن أن يُطلَب من كل مجتمع أن يمر بها كاملةً من جهة، ولا يُكتفَى بنتائجها الجاهزة من جهة أخرى". فضلً عن ذلك، يؤكد الكتاب أن الديمقراطية باتت، بعد تاريخ طويل من الأفكار والتمفصلات، "نظامًا سياسيًا متكاملً، وفي الإمكان التعلمُ منه، من دون توقع عودة العملية التاريخية ذاتها؛ فإسقاطات

هذا التوقع هي استحالة تطبيق الديمقراطية، وذلك لاستحالة عودة التاريخ على ذاته". وهذه مقولةٌ وجيهةٌ لِختمَ بها؛ إذ تُحيلنا مرة أخرى، وتُرجعنا عودًا على بدء، إلى خلاصة أن قراءة الكتاب عربيًا

إنما تساعدنا في تبيُّن زيف النزعة الطاغية على دراسات الجنوب الكبير لتعريف المجتمع المدني

باعتباره مفهومًا لاتاريخيًا ولاسياسيًا، ومن ثمَّ استجلاء قيمته التفسيرية كنظرية، وقوته التغييرية

كممارسة؛ أو استجلاء "معانيه التاريخية وطاقته النقدية، وقدرته التفسيرية على فهم البنى الاجتماعية والسياسية"، بحسب تعبير بشارة.

References

المراجع

العربية

بشارة، عزمي.  الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج 1: الدين والتدين. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 _______.  الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج  2، مج 1: العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 _______.  الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج  2، مج 2: العلمانية ونظريات العلمنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 _______. المجتمع المدني: دراسة نقدية. ط 9. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 _______. الطائفة، الطائفية، والطوائف المتخيلة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 _______. في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي. ط.4 الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 _______. الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 حمشي، محمد. "النقاش الثالث بين نظريات العلاقات الدولية: حدود الاتصال المعرفي". المجلة الجزائرية للعلوم السياسية والعلاقات الدولية. العدد 3 (كانون الأول/ ديسمبر).2014

الأجنبية

Baylis, John & Steve Smith (eds.). The Globalization of World Politics: An Introduction to International Relations. 2 nd ed. New York: Oxford University Press, 2001. Blaney, David L. & Mustapha Kamal Pasha. "Civil Society and Democracy in the Third World: Ambiguities and Historical Possibilities." Studies in Comparative International Development. vol. 28, no. 1 (1993). Bourdieu, Pierre. "What Makes a Social Class? On the Theoretical and Practical Existence of Groups." Berkeley Journal of Sociology. vol. 32 (1987). Chabal, Patrick & Jean–Pascal Daloz. Africa Works: Disorder as Political Instrument. London: International African Institute, 1999. Chatterjee, Partha. "A Response to Taylor’s 'Modes of Civil Society'." Public Culture. vol. 3, no. 1 (1990). Glasius, Marlies, David Lewis & Hakan Seckinelgin (eds.). Exploring Civil Society: Political and Cultural Contexts. New York: Routledge, 2004.

Mahler, Anne Garland. "Global South?" Oxford Bibliographies. 25/10/2017. at:

Nietzsche, Friedrich. The Gay Science. Walter Kaufmann (trans.). New York: Vintage

Stengel, Frank A., David B. MacDonald & Dirk Nabers (eds.). Populism and World

Wiarda, H.J. Civil Society: The American Model and Third World Development. Oxford:

Wickramasinghe, Nira. "The Idea of Civil Society in the South: Imaginings, Transplants,

https://bit.ly/30D05PR

Books, 1974.

Politics. Cham, Switzerland: Palgrave Macmillan, 2019.

Westview Press, 2003.

Designs." Science & Society. vol. 69, no. 3 (July 2005).