الصحة والإيتيقا: النضج الأخلاقي للممارسة الطبيّة
Health and Ethics: The Moral Maturity of Medical Practice
الملخّص
تهدف هذه الدراسة إلى تحديد المنظور الإيتيقي للصحة، من أجل الوصول إلى المنابع الأخلاقية التي يتدفّق منها المُعطى الإنساني الذي تتشكّل فيه مادّة الصحّة، بوصفها مكانًا يختفي فيه وَضْعُها الأخلاقي الحقيقي والمعنى الأصلي لما يجب أنْ يكون محفوظًا من صحتنا؛ ما يدفع إلى تفعيل الأسئلة الفلسفية الكاشفة عن ماهية الصحة من وجهة نظر إيتيقية، في مقابل تحليل ظاهرة المرض، من خلال بحث مفهومَي الصحة والمرض في نُضجهما الإيتيقي، بتحليل المحدّدات الأساسية للمرض التي من خلالها تتشكّل رؤيتنا الأخلاقية للصحة. يمكننا تحديد تصوّرين أساسيين لمفهوم الصحة، تبعًا لتصوّر المكان الذي تستند إليه في نمط وجودها: الصحة في التصوّر الأنطولوجي؛ أي الكشف عن التجربة الأنطولوجية لحياة المريض، والصحة في التصوّر الوظيفي؛ أي الاستدلال على الصحة من خلال أهدافها الحيوية. إنّ المشكل الإيتيقي المرتبط بميدان الصحة العمومية هو نمطُ التدخّلات التي تمارسها تلك المهمات (المراقبة، الحماية، الوقاية، الترقية) في الحدود التي تُعتبَر حقوقًا إنسانية، كما يرتبط بمدى إضفاء الطابع الإنساني على حوار الطبيب والمريض، وإضفاء الطابع الأخلاقي على الاستماع الطبي، ثمّ نصِلُ إلى اعتبار الصحة المعاصرة صحةً مُزمِنة، أي صحة ناتجة من ترسيخ النموذج العلاجي للصحة عبر إضفاء الطابع الطبي على الحياة.
Abstract
Abstract: The aim of this research is to define an ethical perspective on health in order to arrive at ethical sources from which the human condition springs, a place in which the true moral status and original sense of what in our health must be preserved both disappear. This activates philosophical questions concerning what is exchanged in terms of the ethical point of view in analysis of the phenomenon
- الصحة
- المرض
- الإيتيقا
- الممارسة الطبية
- الرعاية الصحية
- الصحة العمومية
- السَويّ
- المَرَضي
- Health
- Illness
- Ethics
- Medical practice
- Health care
- Public health
- Healthy
- Pathological
المنابع الأخلاقية التي يتدفّق منها المُعطى الإنساني الذي تتشكّل فيه مادّة الصحّة، بوصفها
مكانًا يختفي فيه وَضْعُها الأخلاقي الحقيقي والمعنى الأصلي لما يجب أنْ يكون محفوظًا من
صحتنا؛ ما يدفع إلى تفعيل الأسئلة الفلسفية الكاشفة عن ماهية الصحة من وجهة نظر إيتيقية، في مقابل تحليل ظاهرة المرض، من خال بحث مفهومَي الصحة والمرض في نُضجهما
الإيتيقي، بتحليل المحدّدات الأساسية للمرض التي من خالها تتشكّل رؤيتنا الأخاقية
للصحة. يمكننا تحديد تصوّرين أساسيين لمفهوم الصحة، تبعًا لتصوّر المكان الذي تستند
إليه في نمط وجودها: الصحة في التصوّر الأنطولوجي؛ أي الكشف عن التجربة الأنطولوجية
لحياة المريض، والصحة في التصوّر الوظيفي؛ أي الاستدلال على الصحة من خلال أهدافها
الحيوية. إنّ المشكل الإيتيقي المرتبط بميدان الصحة العمومية هو نمطُ التدخّات التي
تمارسها تلك المهمات (المراقبة، الحماية، الوقاية، الترقية) في الحدود التي تُعتبَر حقوقًا
إنسانية، كما يرتبط بمدى إضفاء الطابع الإنساني على حوار الطبيب والمريض، وإضفاء الطابع
الأخلاقي على الاستماع الطبي، ثمّ نصِلُ إلى اعتبار الصحة المعاصرة صحةً مُزمِنة، أي صحة
ناتجة من ترسيخ النموذج العلاجي للصحة عبر إضفاء الطابع الطبي على الحياة.
Professor of Philosophy, University of Mostaganem, Algeria. naceur.amara@univ–mosta.dz
of disease. We can define two basic conceptions of the concept of health according to where health is based in its conceptual model of existence: health in ontological perception, that is, revealing the ontological experience of a patient’s life; and health functionally visualized, that is, inferring health through its vital goals. The ethical problem associated with public health is the type of intervention carried out by these tasks (Surveillance, Protection, Prevention, and Promotion) within what are seen to be human rights boundaries, also related to the extent of humanizing the doctor – patient dialogue and ethical medical listening. We conclude that contemporary health is chronic health , namely health resulting from the application of a therapeutic model for health and medicalizing life.
مقدمة
يندرج مفهوم الصحة في نسقٍ مُركَّزٍ من التصوّرات المرتبطة بمفاهيم مُناوئة كالمرض والموت،
وبحقول علمية كالطب والبيوتكنولوجيا Biotechnology. كما أصبحت الصحة، في الحياة المعاصرة، معيارًا لجودة الحياة Quality of Life؛ لأنها تمثّل تمفصلً تتقاطعُ فيه منظوراتٌ وفواعل سياسية واجتماعية واقتصادية؛ فصحة الجسد هي مؤشّرٌ على صحة منظومة متكاملة ومتوازنة لمُحيطه.
كما يشير المرض والأمراض الوبائية خصوصًا إلى تفكّك تلك المنظومة وتآكل أطُرها الإنسانية. وبهذا المعنى، فإن الصحة هي الخيرُ الأول كما وصفها أفلاطون. ولذلك، فإن المشروع العلمي اليوم قائمٌ
على معنى الحماية الفائقة للجسد البشري ضدّ كل التهديدات الطبيعية والاصطناعية التي يواجهها في الحياة اليومية؛ وهو المشروع الذي بدأ بفهم الأبعاد البيولوجية القصوى والوصول من خلال البيولوجيا الجزيئية Molecular Biology، إلى القاعدة الحيوية للجينوم Genome بوصفه شيفرة أساسية للصحة، وكذلك فهم الروابط العضوية بين الجسد والمشكلات النفسية من خلال إخضاع الظاهرة النفسية للتشريح الفيسيولوجي العصبي فيما يسمى علم النفس العصبي Neuropsychology. إن البحث في موضوع الصحة هو عملية تكوين تصوّرات إيتيقية Ethics وإبستيمولوجية، والمؤكّد
أن تحصيل الصحة ليس مسألة طبية محضة بل هي مسألة إيتيقية أيضًا مرتبطة بالقيم التي تُرافق ممارسة الطب، ومتعلقة كذلك بوضعية الرعاية الصحية التي تُمثّل المجال الحيوي الذي تنتعش فيه الصحة العمومية بما هي ركيزة من ركائز السياسات العامة للدولة المعاصرة، ومقياسٌ لحداثتها بوصفها خلاصة
أشكال تطوّر الوعي وأنماط نموّ الثقة وازدهار المسؤولية. يعني الكشفُ عن المجال الإيتيقي الذي تأخذ فيه الصحةُ كاملَ فاعليتها الوصولَ إلى المنابع الأخلاقية التي تتدفّق منها مادةُ الصحة بوصفها مكانًا يختفي فيه وَضْعُها الإنساني الحقيقي، حيث يؤدي هذا الاختفاء إلى اعتبار الممارسة الطبية Medical Practice، في شكلها التقني والموضوعي، مُحدِّدًا وحيدًا لمفهوم الصحة والصحة العمومية بالخصوص؛ وهو ما يدفع إلى تفعيل الأسئلة الفلسفية الكاشفة عن ماهية الصحة من وجهة نظر إيتيقية، في مقابل ظاهرة المرض وتحليل القيم المُؤسِّسة للصحة
العمومية والعلاقات الإنسانية في الممارسة الطبية، التي تتجسد أساسًا في مفهوم الرعاية الصحية Care
باعتبار المريض مَركزًا للدائرة الإيتيقية لممارسة الطب، وكذا إعادة النظر في طبيعة الحوار الإنساني بين المريض والطبيب وقراءته في صدى أصوات الألم والمعاناة؛ تلك الأصوات الذاتية التي تَخفُت أو تتلاشى في السمّاعة الموضوعية للطب. ويأتي هذا في محاولة للإجابة عن سؤالٍ ناتج من هشاشة
الوضع البشري في الحياة الصحية المعاصرة: كيف يمكن لإضفاء الطابع الإيتيقي على الممارسة الطبية أن يُساهم في تعزيز الصحة وأنْ يُساعدنا على إعادة فهم المرض ضمن منظور أخلاقي جديد؟
أولا: الصحة والمرض: المفاهيم في نُضجها الإيتيقي
يتأثّر تحديدُنا لماهية الصحة بالمجال العلمي والطبي الذي تتحرّك فيه، وهو المجال الذي يمارِس
جاذبيةً عالية للمفاهيم والتصورات المُلحَقة بالصحة كالمرض والعلاج، فمفهوم الصحة لا يتحرك
إلا داخل الآفاق التي ترسمها التطورات الطبية، القائمة أساسًا على انتظار العلاج المُخلِّص
Savior Treatment في الابتكارات البيوتكنولوجية، وفي هذا المسار يُعزّز الطب الحديث
مكانته في عمليةٍ مستمرة لتوسيع مجاله، وهو ما يحيل عادةً إلى إضفاء الطابع الطبي على الحياة Medicalization of Life؛ ما جعل الأبعاد الإنسانية للجسد البشري تتراجع خلف الصورة البيولوجية التي تتغذّى من التفسيرات الفيزيائية والكيميائية لفكرة الجسد–الآلة، بينما "الطبُّ هو بناء اجتماعي،
وهذا يعني أن دلالة المفاهيم الطبية مثل الصحة، والمرض، ومعايير العلاج هي، من نواحٍ كثيرة، متأثّرة بالمجتمع". ومن ثمّ، فإنّ الصحة ليست نتيجة للممارسة الطبية أو أن الطب هو المنظور الوحيد
الذي تتجلّى فيه خصائص الصحة والمعايير التي تُحددها، لأن اقتراب الطب، بوصفه ممارَسة، من التقنية جعل المسافة الإنسانية بين الطبيب والمريض تزداد تباعدًا، بينما يُعتبر "ميدان الصحّة واحدًا من
أماكن 'النضج الإيتيقي' للإنسانية"؛ لأنه يمثل المكان الذي تتجرد فيه القيمُ من النوازع غير الإنسانية وتلتصق بدوافع الحماية والرعاية والنجاة والحياة، وهي القيم التي تجد دافعيتها في الحياة الاجتماعية والثقافية. وبناء عليه، فإن الأسئلة: ما الصحة؟ في أيّ مكانٍ هي؟ وكيف يمكن الاستدلال عليها؟ هي
أسئلةٌ تهدف إلى إعادة التفكير في الوضع الصحي للإنسان المعاصر وتعميق الشكّ فيما يُعتقد أنّه النموذج الأمثل لحياة صحية سليمة. إن التفكير فلسفيًا في مسألة الصحة يبدأ في بلورة تصور إبستيمولوجي حول السؤال "هل الصحة
أكبرُ من مُجرَّد غيابٍ للمرض؟". فإذا كان للمرض صوتٌ يُسمع وشكلٌ يُرى وعلاماتٌ يُهتدَى
بها إليه وإلى المكان الذي يسكن فيه، وهو ما يُسمّى بالتشخيص Diagnostic، فإن الصحة
(1) Fredrik Svenaeus, The Hermeneutics of Medicine and the Phenomenology of Health: Steps towards A Philosophy of Medical Practice (Berlin/ Dordrecht: Springer Science & Business Media, 2000), p. 56. (2) Basile Ekanga, Les fondements éthiques de la Bioéthique (Bloomington: iUniverse LLC, 2013), p. 22. (3) Bruno Cadoré, L’expérience bioéthique de la responsabilité (Paris: Artel; Montréal: Fides, 1994), p. 64. (4) Pierre–Olivier Méthot, "Les concepts de santé et de maladie en histoire et en philosophie de la médecine," Revue Phares , vol. XVI, Université Laval (2016), p. 9.
لا صوتَ لها، فهي تتلبّس بالحالة الطبيعية والعادية للجسد، أي "الصحة بوصفها الحياة في صمت الأعضاء". لذا، فإن الكشف عن المكان الذي تثوي إليه الصحة يَمرُّ عبر فهم المرض باعتباره مُؤشِّرًا استدلاليًا على تصورنا لجوهر الصحة في مادتها الخام، "فالمرضُ يخترقُ رِضَانا اليومي ليُذكّرنا بأنّنا تابعون جذريًا لأجسادنا ومرتبطون بها". ولذلك لا يمكن فهمُ الصحة في مقابل المرض إلا في حركة جدلية عبَّر عنها جورج كونغيلهام (1995–1904) بالثنائية الطبّية–الفلسفية السَوِيّ/ المرَضي Normal/Pathologique، عندما ذهب إلى أن "أيّ تصور للمرض يجب أن يرتكز
إلى معرفةٍ مسبقة بالحالة الطبيعية السَوِيّة المُوافِقة له. كما أنه، على العكس من ذلك، تصبح الدراسة العلمية للحالات المرضية مرحلة غير قابلة للتجاوز في مجمل البحث عن قوانين الحالة الطبيعية، فالانتقال من السَوِي Normal إلى غير السَوِي Anormal هو انتقالٌ تدريجي وأكثرُ طبيعيةً في حالة المرض. وفضلً عن ذلك، فإن العودة إلى الحالة الطبيعية، عند حدوثها، توفّر تلقائيًا اختبارًا
مضادًا للتحقّق contre–épreuve vérificatrice ". ولِكي نفهم ماهية الصحة يجب أن نفهم الحالة الطبيعية التي تعكسها، وهذه الأخيرة هي الحالة التي لا يتم تبيينُها إلا في التناغم مع الحالة المرضية كعتبة ينبغي تجاوزها إلى ما هو أكثر احتجابًا في بناء الصحة داخل الجسد وخارجه في المنظومة الاجتماعية والثقافية المحيطة بالجسد نفسه. لماذا يجب أن نبحث فيما وراء الظاهر من الصحة والمرض، أيْ في تقديم مقاربة تأويلية لهما؟ لأن المبدأ البديهي في ذلك هو أنه "لا يوجد خَتْمٌ على الأشياء الطبيعية يكشفُ أنها سليمة أو مريضة، بل هي القدرة البشرية على الحُكم على الحالات الجسدية والنفسية التي تُشكّل أصل الصحة والمرض". وهذه القدرة قائمة على تقدير الآليات الضابطة للتوازن في الجسد بما يسمح بتحديد الحالة الباثولوجية Pathologique في أبعادها المتعددة، وهي تبدأ "بالتصوّر الديناميكي أو الفيسيولوجي، ذي المصدر الأبوقراطي Hippocrate، حيث إن المرض ليس كائنًا له وجود مستقل أو موقع مُحدّد داخل الجسد؛ أي في مخطط تصنيفي، ولكنه يعكس اخت للا في التوازن العام للكائن الحي الذي يُنهِكُ المريضَ في كُليّته كما في فردانيته". وبالمنطق نفسه، فإنّ الصحة تعني ذلك التوازن والتناغم الداخلي للجسد، ولكنه توازن غير قابل للتحديد على نحو موضوعي وخارجي؛ ذلك أنّ "الصحة لا تسمح لنا بأن نُطبّق عليها قيمًا ثابتة يتمّ إلصاقها بحالة فردية بناءً على تجارب مقتطعَة. فإذا لم نتمكّن من قياس الصحة
في الواقع، فذلك لأنّها حالةُ تطابقٍ مع مقياسٍ داخلي، حالةُ تناغمٍ مع نفسها، بحيث لا نتمكّن من
(5) Cadoré, p. 60. (6) Carol Taylor & Roberto Dell’oro, Health and Human Flourishing Religion, Medicine and Moral Anthropology (Washington, DC: Georgetown University Press, 2006), pp. 120–121. (7) Georges Canguilhem, Le normal et le Pathologique , 12 eme éd. (Paris: Presses Universitaires de France, 2013), p. 27. (8) Antje Gimmler, Christian Lenk & Gerhard Aumuller, Health and Quality of Life: Philosophical, Medical and Cultural Aspects (Homburg/ London/ Munster: LIT, 2002), p. 9. (9) Méthot, p. 12.
مراقبتها من الخارج بالكامل". فالصحة، إذًا، انكشاف ذاتي لما يُحقّق التناغم الداخلي للجسد، وهو التناغم الذي تشترك فيه التمثلات الاجتماعية والانخراط الثقافي للجسد في منظومة القيم التي تدفعه إلى العيش وفق نمط يتصوره "صحيًا" وهذا كلّه يضع الصحة داخل بؤرة توتر إيتيقية تعمل على توليد
الإنساني من الطبيعي. إنّ معرفتنا بالمرض، المتشكّلة أساسًا من خلال تطور العلاجات الطبية وابتكار العيادة بوصفها مؤسسة ذات سلطة واسعة في المجتمع المعاصر، هي معرفة قائمة على التمييز بين المرض بوصفه مجموعة الاختلالات المؤثِّرة في بنيات الأعضاء ووظائفها في أنظمة الجسد، التي يتم تشخيصها وفحصها من طرف الطبيب، وهذا ما تُعبّر عنه الكلمة الإنكليزية Disease، وبين المرض بوصفه إحساسًا ذاتيًا لدى
المريض، كإحساسه بالألم وما يُصاحبه من أعراض تدل على وجود مشكلة صحية، وهذا ما تُعبّر عنه
الكلمة الإنكليزية Illness. وهذا يعني أنّ مفهومَي الصحة والمرض خاضعان أيضًا لتصورات نظرية تهدف إلى جَعْل فهمنا للمرض أكثر موضوعية؛ تلك الموضوعية التي تبلغ أوجَها في النظرية التي
قدّمها الفيلسوف الأميركي كريستوفر بورس (1997–1977) حول الإحصائية الحيوية Biostatistics، وفي المثال الذي قدّمه حول الصحة العقلية، حيث "تخضع الأحكام حول الصحة لتقييمٍ من طرف الأحكام الإيتيقية ذات النزعة النسبية للمجتمع الذي يُعتبر السلطة النهائية في اعتبار المرض ذا نمط نفسي". إن هذا الحُكم الجماعي على طبيعة المرض هو ما تعبّر عنه الكلمة الإنكليزية Sickness.
وبهذا المعنى تتشكّل ثلاثة محدّدات مفهومية للمرض: المحدّد الذاتي (الشعوري)، والمحدّد الموضوعي (الطبي)، والمحدّد الجمعي.
1. محددات مفهومية للمرض
أ. المحدّد الذاتي للمرض
المرض الذي تعبّر عنه كلمة Illness هو عيشه بوصفه تجربة داخلية للإحساس بالألم، وملاحظة
أعراضه والاقتراب من موضعه، في المعنى الذي يُفهَم منه "أن مرض الجسد المادي يُعاش على نحو
لا مفرّ منه كتهديد للذات، فالمرض يُحطّم الوثوق بالجسد". إنّ الشعور بالتهديد البيولوجي للذات
وبالتبعية للجسد هو خلاصة الإحساس بالمرض وتحديد معالمه العرَضية أمام الطبيب؛ ولذلك "فإن
أغلب المشاكل الصحية التي يواجهها الطبيب خلال ممارسته مهنته لا ترجع إلى أمراض معروفة Diseases (حالات أو عمليات تميل إلى إثارة خلل فيسيولوجي)، بل هي تجارب أعراضِ أمراضٍ Illness. وإذ ا فهي أمراض Illnesses بلا أمراض Diseases، وعلى الرغم من واقعيتها الكبيرة في الإحساس بالمعاناة وأنها غير مصطنعة، فإن من المحتمل أن يتم التعامل معها بوصفها حالة نفسية
(10) Hans–Georg Gadamer, Philosophie de la santé , Marianne Dautrey (trad.) (Paris: Grasset, 1998), p. 117. (11) Christopher Boorse, "On the Distinction between Disease and Illness," in: Christopher Boorse et al., Meaning and Medicine: A Reader in the Philosophy of Health Care (New York: Routledge, 1999), p. 17. (12) Taylor & Dell’oro, p. 121.
واجتماعية للمريض، فتكون الذاتُ مركزًا لتحديد المريض وطريقة عَرْضه وإبلاغه للطبيب، وهنا
يمكن للمرض أن يتحوّل إلى آلية دفاعية نفسية لمواجهة تهديداتٍ أقوى في الحياة اليومية.
ب. المحدّد الموضوعي للمرض
المرض الذي تعبّر عنه كلمة Disease هو وضعُه ضمن دينامية آلية لتشخيصه كمكانٍللألم، ويعمل
الطبّ على تطوير الطُرق التي يُسيطر بها الطبيب على الخلل الفيسيولوجي بمحاصرة العوامل المسبّبة
له، ويكون اختفاء الألم واحدًا من المؤشّرات على زوال المرض، وهكذا "سَمحت المَوْضَعة [إضفاء
الطابع الموضوعي] Objectivation العلمية الطبية للجسد بتطوير معرفته للآلة التي يُمثّلها الكائن
البشري والتأكيد على حيازته للحقيقة بخصوص الحالة الصحية للكائن البشري". وتبعًا لتلك
المَوْضَعة، أصبح التحديد الموضوعي لمكان المرض يعني إظهار حقيقته التي تُقرّبه من العلاج
الملائم، ويُعتبر ذلك إنجازًا لمهمة الطبّ بوصفه علمًا للمرض بالخصوص. لقد وضع كونغيلهام شَرطين أساسيين لتحديد المرض بطريقة علمية موضوعية؛ هما التعريف الموضوعي والتعبير الكمّي، حيث "إن الطموح في جَعْل المرض والعلاجات المرتبطة به، طموحًا
علميًا بالكامل، بمجرّد جعْله متولّدًا من تأسيس فيسيولوجي، سيكون له معنى فقط، أولً: إذا تمّ
تعريف السَوِيّ أو الطبيعي بطريقة موضوعية محضة، ثانيًا: إذا تمّ التعبير عن الفروق بين الحالة
الطبيعية والحالة المرضية بمصطلحات كمّية، ففي الكمّ فقط يمكن أن نأخذ في الحسبان التجانس
والتعدّد"، لأنه في معيارَي الموضوعية والكمّية (التشريح بالخصوص) يتمّ التعبير عن المرض
وقياسه، وهكذا فإن معرفة المرض وتعريفه، من وجهة نظر تشريحية للمرض: بحسب كونغيلهام، يجب نَزْع الطابع الإنساني عنه maladie la déshumaniser faut il، وهو ما يسمح بفهم التحولات التي
تُصاحب المريض وتعميم هذا الفهم على الحالات المرضية المشابهة، ويتجلّى هذا بوضوح في مثال الدراسات العلمية الطبية التي تعتمد على إخضاع مرضى مشتركين في الدراسة لاختبارات موحّدة
لاستخراج نتائج ذات طابع عام.
ج. المحدّد الجَمْعي للمرض
المرض الذي تعبّر عنه كلمة Sickness يكون مفهومًا في سياق اجتماعي، ومشحونًا بدلالات ثقافية
محضة، كأن نجد أمراضًا لها علاقة بالتوترات المحيطة كأنواع الفوبيا المنتشرة أو أمراض النوم والسفر... إلخ، لأنه إذا كانت هذه الأمراض ستدخل في النهاية إلى العيادة، فإنها تكون محمّلة بالثقل
الاجتماعي الذي يُعطيها أبعادًا مختلفة قد تجعل منها أكثر أو أقل ألمًا؛ ذلك "أن العلم نفسه، وعلم
(13) Svenaeus, p. 40. (14) Pierre Boitte, Éthique, justice et santé: Allocation des ressources en soins dans une population vieillissante (Paris: Artel; Montréal: Fides, 1995), p. 20. (15) Canguilhem, p. 33. (16) Lucie Rey, Qu’est–ce que la douleur? Lecture de René Leriche (Paris: Éditions L’Harmattan, 2010), p. 9.
الطب بالخصوص، مُدمَجٌ في قيم مجتمعٍ ما وفي ثقافة ما". إن هذا يعني تحديد المرض من منظور
يقع خارج علاقة الطبيب بالمريض؛ أي خارج التحديد الذاتي والموضوعي للمرض، وهذا ما يمكن أن تعبّر عنه العبارة القاعدية: "أن تكون إنسانًا هو أن تكون مريضًا (متابعًا لدى طبيب). لكن أن تكون
مريضًا Patient لا يعني بالضرورة أن تكون مريضًا في منظور خارجي وجَمْعِي. وعلى هذا الأساس
يتحدّد بُعْد آخر لمواجهة المرض في ميدان الصحة هو ما يُسمّى الرعاية الصحية Care، وليس مجرّد
العلاج في مفهومه داخل منظومة الممارسة الطبية.
2. تصوران أساسيان للصحة
كما يمكننا تحديد تصورين أساسيين لمفهوم الصحة تبعًا لتصور المكان الذي تستند إليه الصحة في نمط وجودها:
أ. الصحة في التصور الأنطولوجي
أثار غادامير (2002–1900) في طرحه حول المكان الخفي للصحة du lieu caché de la santé، مسألة الأسس الأنطولوجية لمفهومَي الصحة والمرض، وذلك بالحَفْر المفهومي تحت المشروع
العلمي للطب المعاصر، معتبرًا أن "المسائل الوجودية التي تثيرها الصحة والمرض تعملُ على
إظهار التوتر الأساسي الذي يخترق حضارتنا المؤسَّسَة على العلم". فالصحة مفهوم لا يمكن
تحديدُ الحيّز الذي يتمدّد فيه معناه، كما لا يمكن تشخيصه وعَرْضه في الصورة الموضوعية للعلم
أو في الصورة الذاتية للإحساس. إن "الصحة هي شيء لا نشعر به مطلقًا، إنها نوع من الكينونة– هنا، كينونة–في–العالم، كينونة–بين–الناس، الصحة هي أن يكون المرء مفعمًا بمشاكله الوجودية الخاصة في الفعل أو في الفرح"؛ وهذا يعني أن الصحة هي كينونة يتمُّ تمثّلها فينومينولوجيًا
Phenomenological بوصفها شيئًا له وجود خاص، يمكن الكشفُ عن مكانه عندما يوضع في مقابل كينونة مختلفة تستحوذ على فضاء محدّد من مكان الصحة، وهذه الكينونة المختلفة هي المرض. وعليه فإن التصور الأنطولوجي للمرض يراه بوصفه كائنًا خارجيًا يخترق جسد
الفرد فيُحْدِث حالةً مرضية، وبحسب صيغة الطبيب والمؤرخ البريطاني السير هنري كوهن
Cohen Henry Sir (1977–1900) "عندما يتعرّض إنسانٌ سليم للمرض، فإنّه يصير (أ)+ب
حيث (ب) هو المرض، فإن استرجاع الصحة يعني إذًا إبعاد هذا الكيان الغريب والقضاء عليه، سواء بوسائل خارقة أو بوسائل علمية"؛ لأن دخول المرض إلى الجسد باعتباره عنصرًا غريبًا يُفقده
التوازن الذي يقوم على التناغم العضوي.
(17) Ekanga, p. 22. (18) Taylor & Dell’oro, p. 60. (19) Gadamer, p. 114. (20) Ibid., p. 122. (21) Méthot, p. 13.
إنّ التجاور بين الصحة والمرض داخل الجسد هو تجاورٌ أنطولوجي، فعندما يتّخذ المرضُ وضعيته الفيسيولوجية تقوم الوسائل الدفاعية الطبيعية للجسم البشري (المناعة) أو الوسائل الاصطناعية (المضادات الحيوية، الأدوية) بإخلاء المكان الذي استحوذ عليه المرض، أو بعبارة كونغيلهام "يدخل المرض إلى الإنسان ويخرج منه كما لو أنّه دخل من بابٍ ثم خرج منه". وهو المعنى الذي تعبّر عنه
العبارة "شخص استعاد صحتَه"، أي استرجع حياةً جرى الاستيلاء عليها ومصادرتها من طرف كيان خارجي استوطنها بفضل فارق القوة، وعليه فإنه "لا يكون لمفهوم المرض معنى إلا على مستوى الكُلّ الفردي الواعي، حيث يصير المرضُ نوعًا من الشرّ، وحيث يعني أنْ يكون المرءُ مريضًا malade être
حقيقةً، هو أن يعيشَ حياةً أخرى"؛ أي تجربة عيش حياةٍ تختلفُ قواعدها الأنطولوجية التي يُسنِد إليها المريضُ انفعالاته وإحساسه بجسده، وفي الصحة يَعتبرُ نفسه عائدًا من تلك الحياة إلى حياته
الأصلية والخاصة. إن فهمنا للصحة متولّد أساسًا من تصورها داخل مفهومَي الطبيعي والمَرضيّ؛ فممارسة الطبيب مهنته
الأساسية في استرجاع صحة المريض هي ممارسةٌ لعملية إعادة المرَضيّ إلى السَويِّ أو الطبيعي.
وهكذا فإنّه بحسب الفيلسوف والطبيب كونغيلهام "من دون مفهومَي السَوِيّ والمرَضي، فإن تفكيرَ
الطبيب ونشاطه يكونان غامضَين وغير قابلَين للفهم"؛ ذلك أن إدراكنا لما هو سَوِيّ في الصحة يعني إدراكنا للوضع الذي يجب أن يستقر عنده التوازن الحيوي للجسد، وهذا التوازن ليس إلا تصوّرَ الأداء البديهي للجسد في الحالات الطبيعية وداخل الظروف الاعتيادية، "ففي مجال الصحة، يكون من المُسلَّم به أنّ أجسادنا ستقوم بوظيفتها من دون جهد عندما نذهب لأداء مهماتنا اليومية". فهذا الاعتقاد ببداهة الصحة هو اعتقادٌ ناتج من الوضع الأنطولوجي للذات الذي يتطابق مع الوعي بقدرة الجسد على أداء مهماته في الوضع الطبيعي، باعتباره وَضْعَ اطمئنانٍ وتأمين ذاتي لا يمكن تجاوزه، كما
لا يمكن إنشاؤه من الأصل، "فالصحة ليست شيئًا نصنعه"، بل هي شيء نُسنِد إليه سعادتنا بالأداء الطبيعي لأجسادنا، ونُكوِّن حوله قيمةً معطاة عندما نكون في حالة المرض؛ ذلك أنّنا نشعر بالمرض لكننا لا نشعر بالصحة بالمعنى الذي نفهم منه أنها لا تخضع لتشخيص طبي مثل المرض لأننا نعتقد أنها القاعدة الأصلية في أجسادنا، بينما المرض هو الاستثناء.
ب. الصحة في التصور الوظيفي
إذا كنا لا نستطيع الاستدلال على الصحة بمكانها أو من خلال وضعها في منظور الممارسة الطبية، فإنه يمكن الاستدلال عليها من خلال أهدافها الحيوية Goals Vital، وهي "تلك الأهداف التي
(22) Canguilhem, p. 13. (23) Rey, p. 9. (24) Méthot, p. 16. (25) Taylor & Dell’oro, p. 121. (26) Gadamer, p. 7.
يحتاج الفردُ إلى إنجازها ليكون سعيدًا بالحد الأدنى لمعنى السعادة". وبناء على هذا المفهوم، قدّم الفيلسوف السويدي لينارت نوردنفلت Lennart Nordenfelt تعريفًا للصحة بأنها "قابلية تحقيق
واحدٍ من الأهداف الحيوية في ظل الظروف الطبيعية". وهذا التعريف قائم على الربط بين الصحة والقدرة، أي في اختبار الصحة أمام السؤال "ما الذي يجب على شخصٍ في صحة جيدة أن يكون قادرًا عليه"؛ أي ما الذي ينشأ ويتطوّر من الحالة الطبيعية التي تُسمّى صحة؟ وهكذا، فإن مفهوم الهدف
الحيوي يُعتبر مقياسًا للصحة وأفقًا لتحديدها.
ثانيًا: إيتيقا الصحة العمومية والرعاية الصحية
تحوّل موضوع الصحة في الدولة الحديثة من كونه مسألة فردية مرتبطة بالعلاج إلى قضية ذات طابع
عام تنصهر فيها السياسات العامة والأخلاق الاجتماعية وكذا حقوق الإنسان، حيث تكون الصحة أمام سؤالين أساسيين: كيف يمكن توفير الرعاية الصحية للمجتمع من دون التأثير في القيم التي يقوم عليها؟ كيف يمكن التفكير في الصحة العمومية عندما تكون أمام اختبار المفاضلة بين المتطلبات الموضوعية للممارسة الطبية التي تقوم على الإكراه العلاجي وممارسة السلطة المطلقة، فيما يُعتقد أنه
المصلحة الصحية العامة (مثل حالات الأوبئة والجوائح) وبين الحقوق العامة للمجتمع التي تقوم على الحريات الفردية والاستقلالية الذاتية؟ يمكن البدء بالتعريف الأشهر للصحة العمومية بما هي "علم وفنّ مَنْعِ المرض وإطالة الحياة، وترقية
الصحة من خلال الجهود المنظّمة للمجتمع، كما يمكن اعتبار الصحة العمومية الجانبَ الآخر من
عملية الرعاية الصحية"، وتنطلق الصحة العمومية من مبدأ إيتيقي هو مبدأ المسؤولية الأخلاقية عن السكان وصحتهم الجسدية والنفسية، وحمايتهم ضد الأمراض والأوبئة أو ضد الممارسات التعسفية للطب والصحة وتطبيقاتها في منظور البيوتيقا Bioethics ومبادئها، و"لقد كان اللقاء الأول بين الصحة العمومية والبيوتيقا سنة 1990، عندما نُشرت أعمال مؤتمر علم الأوبئة الصناعية Epidemiology Industrial والمخصص للإيتيقا المهنية لعلماء الأوبئة. ومع ذلك، فشِل المؤتمر في خلق اهتمام مستمر بإيتيقا الصحة العمومية؛ إذ في ذروة البيوتيقا الإكلينيكية Bioethics Clinical، نُظر إلى الصحة العمومية أنها جرى إفسادُها بواسطة القضايا الأخلاقية؛ ذلك أن القواعد التي تعتمدها الصحة العمومية بوصفها منظومة سياسية وقانونية، تُشكّل نوعًا من الاختراق الأخلاقي للحريات الفردية كما هو الحال في مثال إجبارية التلقيح، وذلك في سبيل تحقيق "الغاية النهائية وهي حماية السكان ضدّ الأمراض وترقية الصحة والمساهمة بفاعلية في تحسين الحالة الصحية
(27) Svenaeus, p. 73. (28) Ibid., p. 69. (29) Méthot, p. 27. (30) Angus Dawson (ed.), The Philosophy of Public Health (London/ New York: Routledge, 2016), p. 52. (31) Miguel Kottow, From Justice to Protection: A Proposal for Public Health Bioethics (New York: Springer, 2012), p. 34.
وكذا تقليص نسبة الوفاة ونسبة المرض morbidité للسكان". ولتحقيق تلك الغاية، تشتغل الصحة العمومية بأربع مهمات عملية، هي: 1. المراقبة Surveillance: هي عملية متواصلة لتقدير الحالة الصحية ورفاه السكان ومحدّداتها. 2. الحماية Protection: تُحيل إلى تَدخُّل مسؤولي الصحة العمومية لحماية الأفراد والجماعات والسكان في حالة تهديد حقيقي للصحة. 3. الوقاية Prevention: الوقاية من الأمراض والمشكلات الاجتماعية والصدمات، وهي مجموعة من النشاطات التي تهدف إلى تقليص عوامل الخطر المرتبطة بالمشكلات الاجتماعية والصحة واكتشاف العلامات المبكرة Hâtifs للمشكلات من أجل التحكّم فيها. 4. الترقية Promotion: ترقية الصحة وتتعلق بمجموعة النشاطات التي تدعم فعل الأفراد والمجموعات من أجل ممارسة أفضل تحكّم ومراقبة للعوامل المحدّدة للصحة والرفاهية. يعدّ المشكل الإيتيقي المرتبط بميدان الصحة العمومية نمطَ التدخلات التي تمارسها تلك المهمات (المراقبة، والحماية، والوقاية، والترقية) في الحدود التي تُعتبَر حقوقًا إنسانية، لأنّه "بعد الحرب العالمية
الثانية اعتُبرت إيتيقا الصحة جزءًا من الاهتمام الواسع بحقوق الإنسان"، وهي الحقوق التي بَلورَتها الإيتيقا في أربعة مبادئ، "الاستقلالية Autonomy، والخيرية (الإحسان) Beneficence، واللاضرر Non–Maleficence، والعدالة Justice "، حيث تمثّل المبادئ التي تنقلُ الصحة من مجرّد حماية الحياة إلى جودة الحياة. فمبدأ استقلالية يعتبر الأشخاص جوهر تلك الجودة، لأن مركز الصحة العمومية هو الفرد والجماعة وليس المؤسسات أو المعايير العلمية أو القوانين والسياسات التي تُنظّم المجال الصحي العمومي. وهكذا، فإن مبدأ الاستقلالية نفسه يختلف معناه في الثقافات المتعددة، "فبالنسبة إلى الإيتيقيين الأميركيين تُعرَّف الاستقلالية بأنّها القدرة على الفعل على نحو قصدي، مع
الفهم ومن دون مؤثّرات للمراقبة، وبالنسبة إلى الأوروبيين تدلّ بالمعنى الكانطي على قدرة العقل البشري على فرْض قوانين أخلاقية مطلقة". لكنّ هذه الاستقلالية لا تستمدّ مشروعيتها من مبدأ الحق الإنساني في الخصوصية تجاه التدخلات الطبية ومؤسساتها الصحية فقط، بل من مبدأ إيتيقي آخر لا يقل أهمية هو مبدأ المسؤولية، فإذا كانت الاستقلالية تعني "أنّه يجب أن نحترم خيارات المريض
(32) Raymond Massé, Éthique et santé publique: Enjeux, valeurs et normativité (Québec: Les presses de l’université Laval, 2003), p. 115. (33) Ibid., p. 6. (34) Frank Lewins, Bioethics for Health Professionals: An Introduction and Critical Approach (Melbourne: Macmillan Education Australia, 1996), p. 10. (35) Nancy S. Jecker, Albert R. Jansen & Robert A. Pearlman, Bioethics: An Introduction to the History, Methods, and Practice (Sudbury: Jones and Bartlett Publishers, 2007), p. 103. (36) Massé, p. 146.
القادر والمؤهّل لأخذ قرارات تخصّه" فإنّه، في المقابل، يجب على المريض أن يكون مسؤولً عن
تلك القرارات بحيث لا تؤدّي استقلاليته إلى تعريض الآخرين للمرض أو الإخلال بإرشادات الصحة العمومية بما يُعرّض الآخرين لخطر صحي. إن الصحة العمومية مبنيّة على عقد أخلاقي بين الأفراد وبين المؤسسات الصحية والسياسات التي
تتّبعها من خلال المسؤولية المشتركة والتوزيع العادل للواجبات الصحية وحقوقها. ولا يعتمد هذا العقد على الضبط القانوني للمسؤولية الفردية والجماعية، بل ينبني أساسًا على قيمة إنسانية
وأخلاقية، هي الثقة بوصفها خيرًا اجتماعيًا وفضيلة إيتيقية بانية لما يسمّيه فرانسيس فوكوياما
Fukuyama Francis رأس المال الاجتماعي Capital Social، بما هو "القدرة التي تنشأ من انتشار الثقة في المجتمع". ومن ثمّ، فإن الصحة العمومية تأخذ قوتها الاجتماعية ومشروعيتها الأخلاقية
من الثقة التي هي أيضًا مظهرٌ من مظاهر صحة المجتمع، وعلى هذا الأساس اقترحت منظمة الصحة
العالمية تعريفًا موسّعًا للصحة: "الصحة هي كاملُ العافية البدنية، العقلية والاجتماعية، ولا تعني فقط
غياب المرض أو الضعف"، فالصحة هي أيضًا مجالٌ لتنمية رأس المال الاجتماعي بوصفه خيرًا
أخلاقيًا؛ ذلك أن "الصحة تؤدي اليوم دور المُحفّز على تحليل وبناء، أو ترقية، الرابطة الاجتماعية"
من خلال تداول القيم المصاحبة للحماية والوقاية والعلاج في المنظومة الاجتماعية للصحة وعلى رأسها المسؤولية الفردية والمؤسساتية. لا ترتبط الصحة العمومية بالترقية التكنولوجية لوسائل العلاج وأدوات التطبيب أو تشييد ترسانتها القانونية والحقوقية فقط، بل ترتبط بوسَطٍ أخلاقي حيوي لِعَيْش الممارَسة الطبّية بوصفها ممارَسة
إنسانية، هذا الوسط هو "الرعاية الصحية"، بحيث إنّه "لفهم معنى الصحة العمومية يجب النظر إلى ما تعنيه الرعاية الصحية، وبالخصوص ما تعنيه الرعاية الطبية"؛ أي بالنظر إلى الجانب الإيتيقي من الممارسة الطبية، وخصوصًا بعد أن ظهر أن علاجات دوائية كثيرة لا تكون ذات فاعلية إلا إذا اندرجت
ضمن تأهيل نفسي وسلوكي للمريض في منظور إنساني شامل، وتعني الرعاية الصحية "نشاطًا تقنيًا
يستجيب لحاجة محدّدة، بالاعتماد على معارف وكفاءات مخصوصة [...] نشاطًا يأخذ في الحسبان ذاتيةَ المَرْضى وفردانيتهم، فالرعاية الصحية لشخصٍ ما هي معالجته بوصفه ذاتًا تمتلك عقلً وقيمًا
وحقوقًا، ولها احتياجات بسبب الضعف والمؤثّرات المختلفة"؛ لأنّ المريض يخضع في لحظة الضعف الجسدي للعزل الاجتماعي، في البيت أو العيادة والمستشفى، وتصبح تجربةُ مُعايشةِ الانهيار
الجسدي تجربةً تتجاوز فيسيولوجيا الجسد إلى حالة نفسية واجتماعية، يقاومُ فيها الوعيُ الشعورَ
(37) Ekanga, p. 10. (38) Dawson (ed.), p. 40. (39) Méthot, p. 17. (40) Cadoré, p. 68. (41) Dawson (ed.), p. 52. (42) Céline Lefèvre, "De la philosophie de la médecine de Georges Canguilhem à la philosophie du soin médical," Revue de Métaphysique et de morale , vol. 2, no. 82 (2014), pp. 199–200.
بالانعزال وكذا الإحساسَ بأن الجسد أصبح عالةً على المجتمع وعلى المؤسسة الصحية، فالضعف
يعني انسحابَ المريض من كل ما كان قادرًا عليه في حالة الصحة. وبناء عليه، فإن الرعاية الصحية هي
الإحاطة بكل هذه المعطيات ودَمْجها في شمولية العلاج الطبي. لا يخلو مفهوم الرعاية الصحية من جدل إيتيقي وسياسي على السواء، "فالبعض اعتَبر أن إيتيقا الرعاية والاهتمام بالغير، بوصفها بُعدًا من أبعاد الحياة الاجتماعية، لا يمكنها أن تشكّل محورًا مركزيًا في نظام المدينة والحياة المشتركة، والمنطقُ المعتمَد لدى هؤلاء بسيط: إذ في المنافسة العالمية المتعصّبة، يجب على الاقتصاد أن يُنتج على نحو فعال الثروات الضرورية للتطور، وعلى المجال الاجتماعي
أن يُصلح الأعطاب المحتملة للنظام الإنتاجي من معاناةٍ في العمل، والإقصاء، وأمراض العمل، والأزمة... إلخ، وآخرون ينظرون، على العكس من ذلك، إلى إيتيقا الرعاية الصحية على أنها تخترق إطارَ السياسات الاجتماعية لتُسائل في العمق الغايات والفعلَ في المجتمع برمّته، وهنا ينبغي التفكير في الرعاية الصحية ضمن الحدود المشتركة بين الحياة الاجتماعية وبين أبعادها الاقتصادية والسياسية، وهذا لا يكون إلا بواحدٍ من المبادئ الإيتيقية وهو مبدأ العدالة (التوزيع العادل لعلاجات الصحة العمومية، والتعامل العادل في مجال التكفل الصحي)، وهي المسألة التي تندرج ضمن منطق التأمين الصحي والاجتماعي على النحو الذي يضمن الاستقرار الاجتماعي، وعلى هذا الأساس "يبقى إذًا أن نُحدّد العلاقة بين الإيتيقا بوصفها بُعدًا أساسيًا للإنسان، الإرادة الحرّة ومطلب الاستقلالية، وبين
المعايير والمبادئ المُوجِّهة التي تُعطي مضمونًا لهذا البُعْد". وهذا يعني فهْمَ الرعاية الصحية داخل
منظور أوسع للإيتيقا يجمع بين المبادئ النظرية لمفاهيم الرعاية والاهتمام بالغير، وبين التطبيقات العملية لتلك المفاهيم في الصحة العمومية بوصفها منتوجًا ثقافيًا واجتماعيًا خاضعًا لبعض المعايير
والقيم التي تتداولها بعض المجتمعات، وتجعلُ لها تشريعات خاصة في القوانين والسياسات العامة، وهذا ما يمكن أن يندرج تحت اسم الحكمة العملية Φρόνησις; phronesis في الصحة.
ثالثًا: حوار الطبيب والمريض: السمّاعة الموضوعية وأصوات الألم والمعاناة
في تراثٍ يمتدّ من الفكر اليوناني القديم الذي اعتَبر أن صحة الجسد تتطلب صحةً نفسية فاضلة Psyche مرورًا بالتصور الثنائي للكائن البشري (جسد ونفس) في مفهوم الإنسان–الآلة الذي طرحه ديكارت Descartes René (1650–1596)، وصولً إلى البيوتيقا المعاصرة التي تتخذ من المريض مركزًا لفهم الطابع الإنساني للممارسة الطبية وما يتعلق بها من تطبيقات بيوتكنولوجية، في هذا المسار يتكرّر السؤال حول تحديد المكان الذي يصدر منه صوت الألم من أجل إنهاء المعاناة، فإذا كانت
الصحة صامتة، أي هي صمتُ الجسد وعافية النفس فيما يعتبره الإنسان عدالةً وإنصافًا، فإن المرضَ
(43) Paulette Guinchaud & Jean François Petit, Une société de soins: Santé, travail, philosophie, politique (Paris: Les éditions de l’Atelier; Les éditions ouvrières, 2011), p. 5. (44) Boitte, p. 84.
ناطقٌ بصوت الألم وشكوى المعاناة، حيث يحتجّ الجسد وتعترض النفسُ على ما تعتبره "ظُلمًا" بيولوجيًا، وعليه فإنّ السؤال الإيتيقي للصحة يقع على الحدود بين الألم والمعاناة وبين السمّاعة
الموضوعية للطبيب. مفتاح الصحة هو في تصوّر علاقة المريض بالطبيب كعلاقةٍ لِذاتٍ شاكية مُتظلّمة أمام آخَر (الطبيب)، يفحص الشكوى والمعاناة بالإصغاء إلى صوت الألم الذي يُعبّر عن حالات العجز عن الكلام
أو الحركة أو التفكير، وبتبْرِئة المريض من كلّ سببٍ أدّى إلى معاناته؛ لأنّ ذلك هو أفقُ انتظار كلّ
مريضٍ يُحاور طبيبه. وبناء عليه، فإن "الحوار يسمح بإضفاء الطابع الإنساني Humanisation على العلاقة بين كائنيْن غير متكافئين أساسًا، الطبيب والمريض، فهذا النوع من العلاقات غير المتكافئة
يُعدّ من المشاكل العويصة التي يواجهها الناس (الأب والابن، الأم والبنت، الأستاذ، القاضي، وبكلمة واحدة الخبير l’expert "؛ فالمريض ينتظر من الطبيب أن "يُعيده إلى صحته أو يُعيد صحته إليه"،
وهو في هذه الوضعية يَصِفُ له طريقَ العودة من خلال وصف الألم وتقدير حجم المعاناة؛ لأنه لا يمكنه وصف الصحة، فمن البديهي أن "الصحة ليست مصطلحًا نودّ أن نعرفه، بل هي شيءٌ نسعى
إليه ونُعطيه قيمة". فهذا المسعى يبدأ في حوار الطبيب والمريض حول تحديد العلامات المُؤدّية إلى "مكان" الألم بوصف طبيعة الإحساس بالمعاناة، لأن "الألم هو شعور ذاتي وظيفته الإشارة إلى وجود خلل في التوازن المتناغم للحركة الحية التي تُشكّل الصحة"، والمعاناة هي المُكابدَة الذاتية للألم والانفعال المصاحب لنقْلِ الشكوى من الألم إلى الآخر الذي لا يَنتظر منه المريضُ المواساةَ فقط، بل ينتظر منه أن "يفهم" لماذا يتألّم، ولماذا هو بالذّات؛ أي بالإجابة عن السؤال الميتافيزيقي: لماذا أنا؟ وهذا يعني أن الصحة هي الوضعُ الذي تتناغم فيه الذاتُ مع نفسها، من دون أن تكون في حاجة إلى آخَر يكون وسيطًا لها مع نفسه، وهو ما يمكن أن ندعوه بالكفاية الوجودية للذات. لكن، إذا "أمكْنَ للطبيب أن يعتمد على ركيزة موضوعية، تشريحية، في حالة تشخيصه للمرض والضَرر، فإنّه في حالة الألم، المشكلة مختلفة: فوَحْدَها كلماتُ الشخص الذي يعاني تسمحُ بالإشارة إلى حضور الألم الذي ليس قابلً للملاحظة في ذاته". وهكذا يتمّ تجاهل الألم بطريقة موضوعية ووضعه في
دائرة الشكوى التي لا تدلّ على مرضٍ "حقيقي" يمكن إخضاعه للملاحظة؛ ذلك أن "شكوى المريض تضع الطبيبَ في وضعية حرجة، لأنه لا يوجد مَدخل مباشر إلى الظاهرة التي نستدعيه لأجلها"؛ لأنّ الطبيب يكون في مواجهة ما يعتبره، مبدئيًا، تظاهرًا مخادعًا للمريض في شكل شكوى ومعاناة، ولذلك
يلجأ إلى التغاضي عن المريض mettre à côté بوصفه ذاتًا ونفسًا، والبحث عن مكان المرض بتحفيز
(45) Gadamer, p. 122. (46) Daniel Callahan, The Roots of Bioethics: Health, Progress, Technology, Death (New York: Oxford University Press, 2012), p. 71. (47) Gadamer, p. 118. (48) Rey, p. 18.
(49) Ibid.
الألم وإثارته في جسد المريض، ولكنه لا مفرّ من الاستدلال عليه بالسؤال الشهير: هل تحسّ بالألم
في هذا الموضع؟ وهنا؟ وهنا؟ ماذا نسمع في صوت الألم وشكوى المعاناة؟ إننا نسمع في الألم صدى الأماكن ومواقعها في الجسد،
ونسمع في شكوى المعاناة صدى الذات في ذاتها وفي أذن الآخر (السامع أو الطبيب)، ولذلك "نتفق على تخصيص مصطلح "ألم" للانفعالات التي يتم الشعور بها باعتبارها أماكن محدّدة في أعضاء خاصة للجسد أو في الجسد كاملً، وتخصيص مصطلح معاناة للانفعالات المفتوحة على التأمّلية، اللغة، العلاقة
بالذات، العلاقة بالآخر، العلاقة بالمعنى، بالمُساءلة"، ولذلك قد نجد ألمًا من دون معاناة، ولكن
لا معاناة من دون ألم، وبناء على هذا المعنى فإن إقصاء المعاناة وعَزْلها في سياق الحوار المقدّس بين المريض والطبيب ناتجان من إعادة تشكيل الثقافة الصحية بمعطيات طبية خالصة، وكذا الفصل بين الجسد بوصفه بنية فيسيولوجية لها أحكامها العلمية الخاصة وبين النفس التي هي مكانُ الانعكاس المباشر لآلام الجسد والتعبير الحي عن معاناته، لأنّه يمكن للألم أن يختفي، لكنّ المعاناة قد تستمرّ (مثال: الناجيات
من سرطان الثدي، والمعاناة مع الاكتئاب، والقلق واضطرابات النوم وغيرها من مشاكل الصحة النفسية)؛ فعملُ الطبيب فنٌّ كذلك قائمٌ على وصف العلاج، لكنّ "العلاج لا يتضمّن كتابة الوصفات للمريض
فقط، بل هو دائمًا وفي الوقت نفسه تحرير Libération "، تحريرُ الجسد من المرض وتحرير الذات من
المعاناة والإكراهات التي تصادفها في طريق العودة إلى الصحة، فالصحة، إذًا، كينونة حرة أو كينونة مُحرّرة
في الحوار الإنساني بين الطبيب والمريض، لأنّ الممارَسة الطبية الأحادية الاتجاه لا تستطيع التنبّؤ بشكل
الصحّة الذي "يجب" أن يكون عليه المريض بعد العلاج، لأنها ممارسة تستهدف التخلّصَ من المرض
ولا تضع في الحسبان كيفية التخلّص من المعاناة. أدّى الوثوق المتزايد بأنماط العلاج الطبي المعاصر وتطور آلياته التقنية إلى إخضاع المريض كُليًّا
للدواء، كما تشير كلمة Prescription/Ordonnance؛ أي الوصفة الطبية، إلى معنى الأمر والإجبار، كطريقة لإخفاء المعاناة وقهرها، إذ "في عالمٍ عمومي ومشترك يظهر كما لو أنّ المرض والموت والصدمة هي ظواهر غير موجودة، كما لم يَعُدْ للمرض والمعاناة مكانان جَديران بهما، وكثيرًا ما كانا
يُعانيان بصمت أو في سريّة، مَخفِيَّين عن الأنظار، ومُحوَّلَين إلى أماكن مخصوصة ومنعزلة في البيت
أو العيادة أو في الوعي الانفرادي والمعزول"، فقد أصبحت عزلة المريض نفسها ألمًا مضاعفًا، أي
عندما يجري كَتْم صوت المعاناة تحت شعار إرادة الخير في الصحة، والممارسة الطبية التي تَعتبر الجسدَ نظامًا تقنيًا يمكن إصلاحُ أعطابه ليستمرّ في الاشتغال. كرّست نظرية كونغيلهام هذا المعنى، أي تلك "النظرية ذات الطابع الموضوعي جدًّا، حيث فيها
جرى تجاهل وجهة نظر المريض كوعيٍ بالضرر [...] لقد قام بإقصاء الإحالة إلى المريض، وكذا
(50) Paul Ricœur, "La Souffrance n’est pas la douleur," in: Souffrance et douleur, autour du Paul Ricœur , Claire Marin & Nathalie Zaccaï–Reyners (eds.) (Paris: Presses Universitaires de France, 2013), p. 14. (51) Gadamer, p. 119. (52) Taylor, p. 38.
تصوّر الحالة المرضية والحالة الفيسيولوجية بوصفهما حالتين متجانستين: فالمرض هو مجرّد
تغيير وتعديل كمّي للحالة الطبيعية". ويظهر أن هذه النظرية وبتأثيرٍ من فيسيولوجيا كلود برنارد Claude Bernard (1878–1813) ونتائجها التشريحية، تعمل على الفصل المنهجي بين المريض والمرض، وذلك بالارتكاز على "غياب الفرق النوعي بين الطبيعي والمرَضي الذي يجب أن يسمح
بإثبات تجانسٍ قابلٍ للتعبير عنه كمّيًا، ومن ثم إيجاد منهجية لقياس الفارق بين الطبيعي والمرَضي"؛
أي إنّ الألم الذي يُستدَلُّ عليه بتعبيراتٍ كمّية أو يُقرَأ فيسيولوجيًا، لا يمثّل حالةً مرَضية، فهو تابعٌ
للمريض وليس للمرض، أي إنّه معاناة نفسية أكثر منه ألمًا عضويًّا. ومن هنا، فإنّ ربط الألم بالمرض ووجود خلل في الصحة متعلقان أساسًا، بحسب هذا التصور العلمي، بالقدرة على الكشف عن "مكان" الألم فيسيولوجيًا، وإلا فهو معاناةٌ طوباوية بلا مكان Utopic.
رابعًا: الصحة "المزمنة" ومستقبَلها: الضروري والكمالي
ليست الإيتيقا الطبية وإيتيقا الصحة بالخصوص في صِدامٍ مع البنية العلمية للطبّ المعاصر أو من
أجل كَبْح حركة التطوّر في ميدان الطب، ولكنهما معرفةٌ ذات وظيفة إنسانية تريد الدفع بالمعطيات
الأنثروبولوجية والأخلاقية للمريض إلى داخل قلب الحوار بين الطبيب والمريض، وإلى داخل النقاشات التي تثيرها السياسات العامة في مجال الصحة والصحة العمومية، لأنه، كما لاحظ غادمير، "يجب أن نعترف، للأسف، أن تطوُر العلم صَاحبَه أيضًا تراجعٌ في الرعاية الصحيّة". يعني هذا أنّ ما يَكسبه
الطب في سعيه لخلق التوازن العضوي في الجسد، وهو التوازن الذي يُنتجه التناغم بين الطبيعي والمرَضي (الباثولوجي)، يَخسره في اللاتوازن الأخلاقي، وعلى هذا الأساس يمكن الحديث عن
"الخلل الإيتيقي" للطبّ، عندما لا تتناسب النتائج الأخلاقية مع التطورات العلمية؛ ففي مثال اكتشاف
الأصل الجيني لمرض "المنغولية" أو "التثلّث الصبغي "21 Trisomie21 من طرف العالم الفرنسي جيروم لوجون Jérôme Lejeune (1994–1926)، فإنّه "كان قد بحَث عن أصل مرض المنغولية على أمل الوصول إلى العلاج، غير أن هذا الاكتشاف استُخدم لأغراض أخرى، فقد سمح ذلك باكتشاف
التثلّث الصبغي 21، من خلال فحْصٍ يجري قبل الولادة، وهو ما يؤدّي إلى الإجهاض". فالانفلات
الأخلاقي للاكتشافات العلمية الطبية يضع مفهوم الصحة أمام مُساءلةٍ إيتيقية جذرية، تبدأ من الألم وتنتهي إلى الموت، "فقد أراد جيروم العلاجَ والشفاء، وأراد الحياة، غير أن الأمر انتهى إلى تطوير 'ثقافة
الموت'، وبدءًا من تلك اللحظة، أصبح المُكتشِف مُدافعًا شرسًا عن الحياة قبل الولادة"، فقد اخترق
الاكتشافُ الطبيّ واحدةً من أهمّ القواعد الأخلاقية؛ هي "لا تؤذ"ِ do no harm، وكان من الصعب
(53) Rey, pp. 7–8. (54) Ibid., p. 8. (55) Gadamer, p. 116. (56) François–Xavier Putallaz & Michel Salamolard, Le sens de l’homme au cœur de la bioéthique (Saint Maurice: Editions Saint–Augustin, 2006), p. 29. (57) Ibid., p. 29.
إصلاحُ ذلك الاختراق إلا أخلاقيًا، أي بإعادة الاعتبار إلى قيمة الحياة قبل الولادة مهما كانت الدوافع
العلمية لوأدها. يعمل المشروعُ العلمي للطب المعاصر على محاولة حفظ الصحة ووقايتها وترقيتها، ولكنْ سيتحتّم
عليه في المستقبل القريب إقناع الناس بوجود مستوى وحيد وممكن للصحة، أقلّ من مستوياتٍ اعتيادية جرى اختبارُها في الماضي، وهذا يعني تآكلَ مفهوم الصحة التقليدي الذي ارتبط عادةً بالكمال
الجسدي والعافية "المُطلقة" لوظائف الجسد والعقل؛ فلا يبقى منه – أي مفهوم الصحة – إلا ما يدلّ
على "الضروري" من الوظائف العضوية كالدورة الدموية والتمثيل الغذائي والقدرة على الحركة. وكذا "الضروري" من الوظائف النفسية كالقدرة على الإدراك والتمييز، والحد الأدنى من الذاكرة، وتوَفّر
الإشارات العصبية الدالة على الفروق الجوهرية بين حالة العقل وحالة الجنون، أما ما فوق هذه الحدود الدنيا للصحة فيُعتبَر من الكماليات، وهكذا فنحن أمام ثنائية جديدة لمستقبل فهْم الصحة وهي ثنائية
"الضروري والكمَالي" The Necessary and the Luxurious، كما أن مفهوم الصحة نفسه سيكون
خاضعًا لتاريخها أي لمَسارِ تطوُّرِ المعايير التي تُقاس بها "درجة" الصحة بناء على مقياس المرض الذي
أصبح مُدرَّجًا بعلامات مثل: الأمراض الأكثر شيوعًا، والمتوسطة الشيوع، والأقلّ شيوعًا، والأمراض
النادرة أو النادرة جدًّا. يؤدي التحليل الإيتيقي لمشكلة الصحة في الحياة المعاصرة إلى تصوّرها بوصفها "صحّة مُزمِنة"
Chronic Health؛ أي تلك الصحة التي لا تَنتُج من الوضع "الطبيعي" للإنسان في علاقته بجسده وذاته، ولا تعني خلُوَّه من الأمراض، وإنّما هي ناتجة من المقاربة الطبية لمفهوم الصحة ضمن التصورات
التي يتمّ فيها بناءُ "النموذج الصحي" للإنسان عبر إضفاء الطابع الطبي على الحياة Medicalization،
وبالخصوص إضفاء الطابع الدوائي على أداء الجسم البشري لوظائفه الحيوية، وكذا جَعْل الموت
ذلك الشرّ الذي ينتهي إليه مَنْ لا يحترم قواعد الخير البيولوجي، وهذا من خلال كَوْنَنة (من الكَوْنية)
Universalization نتائج الدراسات العلمية، واعتبار المجلات المنشورة فيها وثائقَ معيارية خالصة، وعولمة Globalization المحاذير الصحية والأساليب الوقائية أو العلاجات المرتبطة بها بناء على معطيات أنثروبولوجية Anthropologic، ووفق رؤية إثنية Ethnic للطبيعة البشرية، وهو الحال في مثال الهوَس بفقدان الوزن وتصور النحافة بوصفهما معيارًا عالميًا للصحة والجمال كذلك؛ إذ إنّ ثمّ فُروقًا
جوهرية بين الشعوب في مسألة البنية الجسدية وأسبابها الجينية "الطبيعية". وبهذا التصوّر فإنّ الصحة
المزمنة تعني أشكال تَعايُش الإنسان المعاصر مع الألم والمعاناة اللذين تُسببهما أمراضُ العصر النفسية والجسدية، حتى أمكننا تشبيه البيئة المحيطة به ب "عيادة مفتوحة على الشارع".
خاتمة
غيّرت الاكتشافات العلمية في مجال الطب فَهْمَنا لِمَا تعنيه الصحة ولِمَا يدلّ عليه المرض، كما أنّ
تدخُّل الإيتيقا لإصلاح أعطاب ذلك الفهم بشَّر، في مرحلة ما بعد الحداثة، بما يمكن تسميته "إيتيقا الرفاهية" عبر تصوّر المنظورات الإنسانية التي تؤدي إلى جودة الحياة وخيريتها، وهكذا عَوَّضت
الرفاهية Well–Being السعادة Happiness أي في تحويل المعياري إلى المعيش ولكنّه المعيش الأكثر
معيشًا lived too lived، على النحو الذي فيه تُستبدل بالأعضاء التالفة أخرى صالحة كقطع غيار لمزيدٍ من الحياة، أو عبر استنساخ "جين الحياة المديدة" للدفع بالأعمار إلى حدود غير اعتيادية Longevity أو في الكشف عن جواز السفر الجيني Passport Genetic للشخص، ليتمكّن من تفادي الأمراض المتوقّعة في المستقبل، وغيرها من المبررات العلمية التي تهدف إلى تبديد المخاوف من تغيير الطبيعة البشرية، على الأقل، تلك الطبيعة التي يتذكّرها الناس في زمن الإمكانات المحدودة للطب. يمكن الحديث، مجازًا، عن أن الصحة البشرية تعاني اليوم متلازمة العلم Science Syndrome، أي إن أغلب أشكال التطوّر العلمي في ميدان الطب أدت إلى مَحْوِ الاختلالات الفيسيولوجية التي يُثيرها
المرض، وهذا بالقضاء على القاعدة البيولوجية التي يوظّفها في الجسد، غير أنّ ذلك أصبح يُمثّل بذاته تهديدًا لمفهوم الصحة المتشكّل بناء على تصورنا للطبيعة البشرية في مادتها الخام، وهذا واضحٌ في مثال نظرية النظافة؛ حيث أدّت وسائل التعقيم والتطهير إلى الهوَس بالنظافة المفرطة باعتبارها الوسيلة
الأكثر أمانًا للوصول إلى بيئة صحية وخالية من الأمراض، بينما تعمل في الاتجاه المعاكس على إضعاف المناعة الذاتية بحَجْب الاتصال بين الجسم البشري وبين أنواعٍ من الميكروبات والبكتيريا التي
تعمل على إنتاج الأجسام المضادة لدى الإنسان، ما يعني رفْعَ كفاءته في مواجهة الأمراض ومقاومتها كالحساسية والربو، وغيرهما.
References
المراجع
Boitte, Pierre. Éthique, justice et santé: Allocation des ressources en soins dans une population vieillissante. Paris: Artel; Montréal: Fides, 1995. Boorse. Christopher et al. Meaning and Medicine: A Reader in the Philosophy of Health Care. New York: Routledge, 1999. Cadoré, Bruno. L’expérience bioéthique de la responsabilité. Paris: Artel; Montréal: Fides, 1994. Callahan, Daniel. The Roots of Bioethics: Health, Progress, Technology, Death. New York: Oxford University Press, 2012. Canguilhem, Georges. Le Normal et le Pathologique. 12 eme éd. Paris: Presses Universitaires de France, 2013. Dawson, Angus (ed.). The Philosophy of Public Health. London/ New York: Routledge,
Ekanga, Basile. Les Fondements éthiques de la Bioéthique. Bloomington: iUniverse LLC, 2013. Gadamer, Hans–Georg. Philosophie de la santé. Marianne Dautrey (trad.). Paris: Grasset, 1998. Gimmler, Antje, Christian Lenk & Gerhard Aumuller. Health and Quality of Life: Philosophical, Medical and Cultural Aspects. Homburg/ London/ Munster: LIT, 2002.
Guinchaud, Paulette & Jean François Petit. Une société de soins: Santé, travail, philosophie, politique. Paris: Les éditions de l’Atelier; Les éditions ouvrières, 2011. Jecker, Nancy S., Albert R. Jansen & Robert A. Pearlman. Bioethics: An Introduction to the History, Methods, and Practice. Sudbury: Jones and Bartlett Publishers, 2007. Kottow, Miguel. From Justice to Protection: A Proposal for Public Health Bioethics. New York: Springer, 2012. Lefèvre, Céline. "De la philosophie de la médecine de Georges Canguilhem à la philosophie du soin médical." Revue de Métaphysique et de morale. vol. 2, no. 82
Lewins, Frank. Bioethics for Health Professionals: An Introduction and Critical Approach. Melbourne: Macmillan Education Australia, 1996. Massé, Raymond. Éthique et santé publique: Enjeux, valeurs et normativité. Québec: Les presses de l’université Laval, 2003. Méthot, Pierre–Olivier. "Les Concepts de santé et de maladie en histoire et en philosophie de la médecine." Revue Phares. vol. XVI. Université Laval (2016). Putallaz, François–Xavier & Michel Salamolard. Le sens de l’homme au cœur de la bioéthique. Saint Maurice: Editions Saint–Augustin, 2006. Rey, Lucie. Qu’est–ce que la douleur? Lecture de René Leriche. Paris: Éditions L’Harmattan, 2010. Souffrance et douleur, autour du Paul Ricœur. Claire Marin & Nathalie Zaccaï–Reyners. (eds.). Paris: Presses Universitaires de France, 2013. Svenaeus, Fredrik. The Hermeneutics of Medicine and The Phenomenology of Health: Steps towards A Philosophy of Medical Practice. Berlin/ Dordrecht: Springer Science & Business Media, 2000. Taylor, Carol & Roberto Dell’oro. Health and Human Flourishing Religion, Medicine and Moral Anthropology. Washington, DC: Georgetown University Press, 2006.