العودة إلى تفاصيل المؤلَّف "المنعطف اللغوي" في القرن العشرين: أثره في دراسة التاريخ وعلاقته بفهم مؤرخي الإسلام قبل العصر الحديث لطبيعة اللغة ودورها

"المنعطف اللغوي" في القرن العشرين: أثره في دراسة التاريخ وعلاقته بفهم مؤرخي الإسلام قبل العصر الحديث لطبيعة اللغة ودورها

The “Linguistic Turn” in the 20th Century: Its Impact on the Study of History and Relevance to the Understanding of Pre-Modern Muslim Historians of the Nature and Role of Language

عمرو عثمان *

Amr Osman *

الملخّص

تسعى هذه الدراسة إلى استعراض تاريخ "المنعطف اللغوي" في القرن العشرين وتطوره في الفلسفة والتأريخ، من أجل تحديد عناصره، وأسباب توجس المؤرخين منه. وتسعى كذلك إلى استطلاع المشترك والمختلف بين المنعطف اللغوي وفهم المؤرخين المسلمين قبل العصر الحديث لطبيعة المعرفة التاريخية ودور المؤرخ واللغة فيها. وتبين أن "المنعطف اللغوي" لا يشير في الواقع إلى تيار لغوي معين، وإنما إلى مجموعة تيارات لغوية ظهرت في القرن العشرين، وأنه وإن أشار بداية إلى الفلسفة التحليلية تحديدًا، فقد ارتبط في التأريخ بتيار التأويل وأفكار ما بعد البنيوية خاصّة. وعلى الرغم من أن التأويل كان جزءًا أصيلًا من فكر كثير من مؤرخي الإسلام، فإن منطلقاتهم اختلفت اختلافًا بيّنًا عن منطلقات المنعطف اللغوي، وإن عزَوا، في ما يبدو، إلى اللغة دورًا في صنع الواقع المادي، وهي فكرة ارتبطت ببعض تيارات المنعطف اللغوي. وأخيرًا، تتناول خاتمة الدراسة الفائدة المحتملة لأفكار المنعطف اللغوي في دراسة التاريخ.

Abstract

Abstract: This paper traces the development of the "Linguistic Turn" in the 20 th century in philosophy and historiography. It seeks to identify its various aspects and account for the skepticism of some historians towards it. The paper also seeks to explore the similarities and differences between the Linguistic Turn and the understanding of pre–modern Muslim scholars of the nature of historical knowledge and the role of the historian and language in shaping it. The paper shows that the Linguistic Turn does not in fact refer to a specific linguistic trend, but rather to multiple such trends that appeared in the 20 th century. Furthermore, although it initially referred to Analytic Philosophy, it came to be associated in historiography with hermeneutics and post– modernism particularly. Additionally, despite the fact that hermeneutics was integral to the thought of most Muslim scholars, their principles differed significantly from

الكلمات المفتاحية:
  • المنعطف اللغوي
  • التأريخ
  • المعرفة التاريخية
  • الفلسفة التحليلية
  • التأويلية
  • هايدن وايت
  • مؤرخو الإسلام قبل العصر الحديث
Keywords:
  • Linguistic Turn
  • Historiography
  • Historical Knowledge
  • Analytical Philosophy
  • Hermeneutics
  • Hayden White
  • Pre-Modern Muslim Historians

أثره في دراسة التاريخ وعلاقته بفهم مؤرخي الإسلام قبل العصر الحديث لطبيعة اللغة ودورها

في الفلسفة والتأريخ، من أجل تحديد عناصره، وأسباب توجس المؤرخين منه. وتسعى كذلك

إلى استطلاع المشترك والمختلف بين المنعطف اللغوي وفهم المؤرخين المسلمين قبل العصر

الحديث لطبيعة المعرفة التاريخية ودور المؤرخ واللغة فيها. وتبين أن "المنعطف اللغوي" لا يشير

في الواقع إلى تيار لغوي معين، وإنما إلى مجموعة تيارات لغوية ظهرت في القرن العشرين، وأنه

وإن أشار بداية إلى الفلسفة التحليلية تحديدًا، فقد ارتبط في التأريخ بتيار التأويل وأفكار ما بعد

البنيوية خاصّة. وعلى الرغم من أن التأويل كان جزءًا أصيلً من فكر كثير من مؤرخي الإسلام،

فإن منطلقاتهم اختلفت اختلافًا بيّنًا عن منطلقات المنعطف اللغوي، وإن عزَوا، في ما يبدو، إلى

اللغة دورًا في صنع الواقع المادي، وهي فكرة ارتبطت ببعض تيارات المنعطف اللغوي. وأخيرًا،

تتناول خاتمة الدراسة الفائدة المحتملة لأفكار المنعطف اللغوي في دراسة التاريخ.

هايدن وايت، مؤرخو الإسلام قبل العصر الحديث.

Associate Professor in the Department of Humanities at Qatar University. aosman@qu.edu.qa

those of the Linguistic Turn. Nonetheless, they seem to have ascribed to language a role in constructing reality, an idea that is associated with some of the trends of the Linguistic Turn. Finally, the conclusion discusses the possible benefits of the ideas of the Linguistic Turn on the study of history.

مقدمة

يُعدّ التاريخ حقلً من حقول المعرفة التي تأثرت تأثرًا كبيرًا بما أطلقَ عليه "المنعطف اللغوي"

أو "المنعرج اللساني" Linguistic Turn في القرن العشرين. وقد عُدَّ هذا التوجه تهديدًا للتأريخ

كما يفهمه ويمارسه كثير من المؤرخين، لا سيما المتأثرون بالمنهج الوضعي القائم على الثقة بقدرة العلوم الاجتماعية والإنسانية الوليدة في شكل جديد، على إنتاج معرفة "علمية" موضوعية ومنضبطة عن الواقع الاجتماعي والنفسي والتاريخي، وإن اختلفوا حول منهج الوصول إلى تلك المعرفة. أما تيار المنعطف اللغوي، فنظر إلى الواقع وإلى المعرفة بوصفهما معتمدَين على اللغة، وهو ما يعني أن التأريخ – على سبيل

المثال – هو بالضرورة خطاب، لا يعبّر عن وقائع، بل يخضع لأطر لغوية تفرض على المؤرخ إدراك الوقائع

على نحو معين، حين يكون معاصرًا لها، أو فهمها فهمًا محدَّدًا حين ينصبّ عمله على تحليل الدليل

التاريخي. وقد تسببت هذه النظرة في توجس كثير من المؤرخين "التقليديين" من أثر هذا التيار الجديد؛ ذلك أنه يرفض وجود أيّ واقع موضوعي، كما يمحو الحدود بين التاريخ والقصص، فيصير التاريخ أقرب

إلى الأدب منه إلى العلم. تسعى هذه الدراسة إلى ذكر أهم المراحل التاريخية لهذا المنعطف اللغوي، وتحديد عناصره، وتناول أسباب توجس المؤرخين منه، محاولً تلمّس مواطن الاشتراك والاختلاف بين

المنعطف اللغوي الحديث وفهم المؤرخين المسلمين القدماء له؛ من أجل استكشاف طبيعة المعرفة التاريخية، ودور المؤرخ واللغة فيها، وتُختتم الدراسة بتناول الفائدة المحتملة لأفكار المنعطف اللغوي في دراسة التاريخ. تكمن أهمية هذه الدراسة في تصدّيها للعلاقة بين المنعطف اللغوي ودراسة التاريخ، وهو أمر من شأنه أن يزيد من قدرتنا على تناول أفكاره تناولً نقديًا، لا سيما وقد علمتنا خبرة القرنيْن المنصرمين صعوبة

تحقُّق هذا التناول حين نُباغَت بنظريات وتيارات فكرية لا نبدأ في الاشتباك النقدي معها إلا بعد أن تكون قد أحدثت أثرًا نعتبره تهديدًا لنا. يتناول البحث إذا تعريفا بالمنعطف اللغوي وتياراته المختلفة

في العلوم الغربية الحديثة، ومن ثم ينتقل إلى التأريخ الإسلامي، مستطلعا المشترك والمختلف بين المنعطف اللغوي الحديث واهتمام مؤرخي الإسلام قبل العصر الحديث باللغة، لا سيما وأن كثيرا منهم كانوا فقهاء ومفسرين وأدباء لم ينفصلوا قط عن مباحث اللغة. وسيتضح لنا من خلال هذا البحث أنه بينما ارتبط المنعطف اللغوي في بداياته بتيار فلسفي بعينه (أي تيار الفلسفة التحليلية Analytic Philosophy، فقد دخل إلى الدراسات التاريخية من خلال تيارات أخرى (أي تيار التأويل وأفكار ما بعد البنيوية Post-Structuralism) كانت أكثر قدرة على الارتباط بالتأريخ والتأثير فيه. سنرى أنه بينما تتعارض منطلقات المؤرخين المسلمين قبل العصر الحديث ونظرتهم إلى المعرفة التاريخية مع بعض أفكار المنعطف اللغوي، فقد عزَوا – في ما يبدو – إلى اللغة دورا في صنع الواقع المادي، وهي فكرة

ارتبطت ببعض تيارات المنعطف اللغوي وتجلياته.

أولا: المنعطف اللغوي: نبذة تاريخية ومنهجية

يدرك من يطالع الأدبيات التي انصبّت على تعريف "المنعطف اللغوي" اختلافها حول التعريف؛ فيرى

بعضها أن المنعطف اللغوي يشير، عمومًا، إلى الاهتمام باللغة؛ ذلك الاهتمام الذي بدأ في النصف

الثاني من القرن التاسع عشر وعلى مدار القرن العشرين. بيد أننا نجد من يرفض هذا الرأي، مذكّرًا

بحقيقة أن الاهتمام باللغة قديم قدم الفلسفة اليونانية على أقل تقدير. وبناء عليه، ربط أصحاب هذا الرأي الأخير بين المنعطف اللغوي وتيارات فلسفية ولغوية معينة، بدأت إرهاصاتها في القرن التاسع عشر وتطورت في القرن العشرين. ومهما كان الأمر، غفل كثير ممن تناولوا تاريخ المنعطف اللغوي – سواء كان ذلك باللغة العربية أو بغيرها – عن فكرة بسيطة، وهي أن أي حديث عن "منعطف" Turn يعني بالضرورة أننا نتحدث عن انحراف عن طريق ما إلى غيره. والواقع أن اهتمام أغلب من كتبوا عن المنعطف اللغوي قد انصبّ على "ما بعد"، متجاهلين "ما قبل"، أي الطريق الذي انعطفنا إليه،

ومتجاهلين الطريق الذي انحرفنا عنه. نبدأ هنا التعريف بالمنعطف اللغوي في سياق الفلسفة واللغويات، وهو السياق الأصلي الذي ظهر فيه المصطلح كما سنرى. ننتقل بعد ذلك إلى بداية ارتباط المنعطف اللغوي بدراسة التاريخ، وهو ارتباط حدث بعد ظهور المصطلح بما يقرب من ربع قرن.

1. المنعطف اللغوي في الدراسات اللغوية

لا بد، في تعريف المنعطف اللغوي، من معرفة الجديد الذي طرأ على قديمٍ ما. فإذا كان الأمر يتعلق بالاهتمام باللغة تحديدًا، فلا بد من البحث عن اهتمام باللغة ذي طبيعة جديدة، طبيعة مختلفة عما كان الأمر عليه في السابق. وهنا، نجد مزيدًا من الاختلاف حول طبيعة الاهتمام الجديد باللغة وممثليه. يتفق المهتمون بتأريخ المنعطف اللغوي، عمومًا، على أن الجديد يتمثل في مجموعة من الاتجاهات

اللغوية التي تميز فهم طبيعة اللغة ووظيفتها ودورها وطرائق عملها في الفلسفات الحديثة. لقد قامت

(((ينظر على سبيل المثال:

Craig Dilworth, "The Linguistic Turn: Shortcut or Detour?" Dialectica , vol. 46, no. 3–4 (1992), p. 201;

يلفت ديلوُرث الانتباه إلى أن كثيرًا من سمات المنعطف اللغوي – الذي يرتبط بأعلام الفلسفة التحليلية – قديم قدم الفلسفة اليونانية.

وما يميز المنعطف اللغوي، في رأي ديلورث، هو أن المنعطف اللغوي رفع اللغة من كونها ذات تأثير في الفلسفة، إلى كونها، هي نفسها، موضوعها ومصدرها، ينظر:

Ibid., p. 202; C. Fynsk, "Linguistic Turn," in: N.J. Smelser & Paul B. Baltes (eds.), International Encyclopedia of the Social and Behavioral Sciences (Pergamon: Elsevier Ltd., 2001), p. 8914;

ويصرح فنسك بأنه يمكن رصد بدايات المنعطف اللغوي في المناقشات الثرية حول أصول اللغة في القرن الثامن عشر (وأحسبه يقصد القرن التاسع عشر). وهنا تبرز أسماء مثل الفيلسوف الألماني فيلهلم فون همبولت Humboldt von Wilhelm 1) 835–1767(والمثاليين الألمان، وفريدريش نيتشه Nietzsche Friedrich (900–1844.)1 وللمزيد عن اهتمام الفلسفة قبل الحديثة باللغة، ينظر

الفصلان الأول والثاني: الزواوي بغورة، الفلسفة واللغة: نقد "المنعطف اللغوي" في الفلسفة المعاصرة (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 0052)، والفصل الثاني مخصص للغة في التراث العربي الإسلامي، وفي فلسفة ابن رشد تحديدًا. (((ينظر على سبيل المثال:

Judith Surkis, "When was the Linguistic Turn? A Genealogy," The American Historical Review , vol. 117, no. 3 (June 2012), p. 704.

إن فكرة سُرْكيس بسيطة جدًا، إلا أنها غابت عن انتباه أغلب من كتبوا عن المنعطف اللغوي، فركّزوا على ما بعد وتناسوا ما قبل.

النظرة القديمة إلى اللغة (السابقة على المنعطف اللغوي) على افتراض أن اللغة تعبّر عن واقعٍ مادي

مغايرٍ لها ومستقلٍ عنها. هذه النظرة إلى اللغة تغيرت في أغلب الفلسفات اللغوية التي ظهرت بدءًا

من القرن التاسع عشر، ولا سيما في القرن العشرين، وقد اتفقت جميعها على أن دور اللغة أكبر من ذلك الدور الذي عزته إليها النظرة القديمة، غير أنها اختلفت أيضًا في طبيعة ذلك الدور، فضلً عن طبيعة اللغة نفسها وآثارها وطرائق عملها. وبناء عليه، نجد من يوسّع نطاق الأفكار والفلسفات التي

شكّلت معًا ما أصبح يُطلق عليه "المنعطف اللغوي" في القرن العشرين، ومن يقصر هذا المصطلح

على فلسفات بعينها. وفي هذا الرأي الأخير، تبرز الفلسفة التحليلية بوصفها التيار الأبرز الذي ارتبط اسمه بالمنعطف اللغوي. نبدأ هنا بالحديث عن التيارات اللغوية والفلسفية اللغوية التي ظهرت في القرنين التاسع عشر والعشرين، ثم نعرّج بعدها إلى الحديث عن الفلسفة التحليلية تحديدًا.

أ. الفلسفات اللغوية في القرنين التاسع عشر والعشرين

شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين ظهور مجموعة متنوعة من الفلسفات اللغوية جمع بينها الاهتمام باللغة، وإن اختلفت حول الزاوية التي نظرت من خلالها إلى اللغة ومناهج البحث فيها. وكما يوضح الزواوي بغورة ربط البعض بين فلسفة اللغة وأكثر من تيار من تيارات الفلسفة الحديثة. فهناك من ربطها ب "الفلسفة التحليلية " Analytic Philosophy، ومن أعلامها الفيلسوف الألماني غوتلوب فريجه Gottlob Frege (925–18481)، والإنكليزيان جورج إدوارد مور George Edward Moore (958–18731) وبرتراند راسل Bertrand Russel (970–18721)، فضلً عن الفيلسوف الألماني لودفيغ فتغنشتاين Ludwig Wittgenstein (951–1889.)1 وهناك من ربطها بتيار مدرسة المنطق الوضعي Positivism Logical بوجه خاص، ومن أعلامها رودولف كارناب Rudolph Carnap (970–1891.)1 وقد كان هذا التيار الفلسفي هو الألصق بالمنعطف اللغوي، وسنفرد له مناقشة خاصة. وهناك من ربط بين فلسفة اللغة Philosophy of Language واللسانيات البنيوية Structural Linguistics التي دشّنها اللغوي السويسري فرديناند دي سوسير Ferdinand de Saussure)1913–1857(. كما أن هناك من ربطها بالفلسفة الهرمينوطيقية Hermeneutics مع الفيلسوف هانز–جورج غادامَر Hans–Georg Gadamer (002–19002) والفرنسي بول ريكور

Ricœur Paul (005–19132)، وهو التيار الذي يراه البعض امتدادًا لتيار بدأ في منتصف القرن العشرين، واهتم بتفسير النصوص الدينية، وكان من أشهر أعلامه اللاهوتي والفيلسوف الألماني فريدريك Phenomenology 1). وقد ربطت أيضًا بالظاهراتية 834–1768(Friedrich Schleiermacher شلايماخر مع أبرز أعلامها الألماني إدموند هوسرل Edmund Husserl (938–18591) والفرنسي موريس ميرلو– بونتي Maurice Merleau–Ponty (961–1908.)1 ومعه الأنطولوجيا Ontology مع مارتن هايدغر Martin Heidegger (976–1889.)1 وأخيرًا، ظهر في العقود الأخيرة من القرن العشرين التيار التفكيكي

(((يميز بغورة بين "فلسفة اللغة" التي يقصد بها الفلسفات التي تجعل من اللغة موضوعًا لها، و"الفلسفة اللغوية" التي تكون فيها

اللغة جزءًا من فكر فيلسوف ما. (((وللمزيد عن دي سوسير عمومًا وأثره في البحث اللغوي العربي خصوصًا، ينظر: حسين السوداني، أثر فرديناند دي سوسير في

البحث اللغوي العربي: التلقي العربي للسانيات (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2019

Deconstruction وأشهر أعلامه الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا Jacques Derrida (004–19302)، فضلً عن الأفكار حول تحليل الخطاب Discourse Analysis وعلاقات القوة التي تعكسها اللغة، وهي الأفكار التي ارتبطت بالفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو Michel Foucault 1).984–1926(إن ما يجمع هذه الفلسفات والتيارات المختلفة التي ظهرت في القرنين التاسع عشر والعشرين هو اهتمامها الخاص باللغة، على أنها تتباين تباينًا كبيرًا في طبيعة هذا الاهتمام. وبصفة عامة، تضع كلُ هذه النظريات

اللغةَ في مركز التحليل ولا تعدّها مجرد أداة للتحليل، وتشترك هذه التيارات في النظر إلى اللغة بوصفها كيانًا ذا استقلال Autonomy يتجاوز العالم المادي وأهل اللغة نفسها على السواء، بمعنى أن للّغة منطقها الخاص المتجاوز لمجموع المستخدمين لها، ودورها الذي تؤديه على نحو مستقل عنهم. ومع هذه القناعات المشتركة، تظل الاختلافات والتباينات بين تلك التيارات المختلفة كبيرة، فتبدو كأنها طبقات من النظريات اللغوية التي تبدأ بالاهتمام ببنية اللغة أو بصورتها المثالية المنفصلة عن الواقع (في الفلسفة التحليلية والبنيوية اللغوية)، إلى الاهتمام بها بوصفها خطابًا يعكس علاقات قوة ويشكلها، كما يحتاج إلى تفكيك وفق نظريات تأويل "هرمينوطيقية"، تعيدنا، بطريقة ما، إلى الفكرة الشبيهة التي ظهرت في القرن التاسع عشر والتي انصبّ اهتمامها تحديدًا على تفسير الكتاب المقدس. إن السؤال المهم بالنسبة إلينا هنا هو: هل ارتبط مصطلح "المنعطف اللغوي" حين ظهر، بأي من تلك التيارات الفلسفية واللغوية، أم قُصد به فقط الإشارة إلى الاهتمام باللغة عمومًا والنظر إليها على نحو معين؟ قد تتمثل الإجابة البسيطة عن هذا السؤال في تتبّع الاستخدام الأول لهذا

المصطلح. كان الفيلسوف النمساوي غوستاف برغمان Gustav Bergmann (987–19061) أول من صاغ المصطلح في عام 9531، واصفًا به إسهام رسالة فتغنشتاين الفلسفية المنطقية وأثرها (والتي تعبّر عن "فتغنشتاين الباكر). وقد كان برغمان أحد أعضاء "حلقة فيينا"، الممثل الأهم

لتيار المنطق الوضعي المتأثر بأفكار الفلسفة التحليلية عمومًا، وبأفكار فتغنشتاين تحديدًا. أما من اشْتُهر مصطلح "المنعطف اللغوي" على يده فكان الفيلسوف الأميركي ريتشارد رورتي Richard Rorty (007–19312)، وذلك حين جعله عنوانًا لكتابٍ حقّقه في عام 9671 وشارك فيه عدد من الأسماء المشهورة في عالم اللغويات وفلسفة اللغة. واللافت هنا هو أن رورتي – في تحقيقه لهذا الكتاب – رفض فكرة وجود "منعطف" أصلً، مشيرًا إلى تعدد آراء فلاسفة اللغة،

بل ورفض المسلّمات الأساسية للفلسفة التحليلية، بل والمسلّمة الأساسية الخاصة بمحورية اللغة

(5)  Lucian Popescu, Historical Knowledge in Western Civilization: Studies beyond the Sovereign View (Saarbrücken: VDM Verlag, 2009), pp. 184–185.

(((قد يكون الفرق الأساسي هنا هو أن نظريات تفسير القرن التاسع عشر المرتبطة بالكتاب المقدس افترضت قدرتنا على معرفة المعنى الأصلي للنص، أما نظريات التفسير في القرن العشرين فتنفي، بوجه عام، وجود معنى أصلي للنص أو الحاجة إلى البحث عنه؛ ذلك أن المعنى لا يمكن أن ينفصل على واقع القارئ وسياقه.

(7)  Kerwin Lee Klein, "What was the Linguistic Turn?" Clio , vol. 30, no. 1 (2000), p. 80.

(((وعنوان كتاب رورتي المُحقَّق هو The Linguistic Turn: Essays in Philosophical Methods، أي المنعطف اللغوي: مقالات

في المناهج الفلسفية.

في المعرفة. ويعني هذا أن الكتاب الذي اشتهر "المنعطف اللغوي" بفضله، كان يَقصِد إلى كتابة خاتمة سيرة ذلك المنعطف، لا الترويج له. أدى ارتباط برغمان بالفلسفة التحليلية وهجوم رورتي عليها إلى الربط بين المنعطف اللغوي وهذه الفلسفة تحديدًا، لكن على الرغم من تمايز الفلسفات والنظريات والتيارات اللغوية التي ظهرت في القرن العشرين وتباينها، فإنها أثرت في بعضها تأثيرًا متبادلً لا يمكن إنكاره؛ ما يزيد من صعوبة تخصيص أحد تلك

التيارات تحديدًا ليرتبط المنعطف اللغوي به حصريًا، لا سيما مع وجود العديد من التيارات داخل الفلسفة التحليلية نفسها وصل الاختلاف بينها إلى درجة التناقض. ومهما كان الأمر، فحين بدأ بعض المؤرخين في الاهتمام باللغة من باب "توطين" المنعطف اللغوي في الدراسات التاريخية، كان لديهم عدد من الفلسفات والنظريات والتيارات المختلفة يمكن التخيّر منها؛ ما كان يعني نظريًا وجود أكثر من فهم لدى

هؤلاء المؤرخين للمقصود بالمنعطف اللغوي الذي بدؤوا في الانتماء إليه والمناداة به، وهو الأمر الذي أدى فعليًّا إلى اختلافات بيّنة أحيانًا في منطلقات هؤلاء المؤرخين ومناهجهم. نتطرق الآن إلى الفلسفة التحليلية، وقد ارتبطت أكثر من غيرها بالمنعطف اللغوي كما رأينا، لا سيما في دراسات فلسفة اللغة التي ظهر المصطلح للمرة الأولى في سياقها.

ب. الفلسفة التحليلية والمنعطف اللغوي

بيّنا في ما سبق أن المنعطف اللغوي كان قد ارتبط بالفلسفة التحليلية تحديدًا لأسباب مرتبطة بمن

كتب عنه أو ضده، وهو ارتباط قد يرفضه كثير ممن يستخدمون المصطلح اليوم مع وجود عدد كبير من الفلسفات اللغوية المتباينة. ومع ذلك، كانت الفلسفة التحليلية سبّاقة إلى النظر إلى اللغة نظرة تختلف

جذريًّا عن النظرة القديمة لها؛ ما يعني أن ثمة ما يبرر عدّها جديرة بالارتباط بأي منعطف لغوي يظهر في منتصف القرن العشرين. ينظر كثيرٌ من الباحثين إلى الفيلسوف الألماني فريجه بوصفه مؤسس تيار الفلسفة التحليلية، ذلك التيار

الذي وصل إلى ذروته على يد الفيلسوفين البريطانيين مور وراسل، فضلً عن فتغنشتاين الذي يراه البعض – ربما مع دي سوسير – أعمق كل هؤلاء أثرًا في الفلسفة اللغوية في العصر الحديث. وقد ربط البعض

المنعطف اللغوي بمدرسة "المنطق الوضعي" تحديدًا، وحلقة فيينا التي عبَّرت عنها، كما ذكرنا.

(9)  Surkis, pp. 705–706 (10)  Heinrich Watzka, "Did Wittgenstein ever Take the Linguistic Turn?" Revista Portuguesa de Filosofia , vol. 58, no. 3 (July–September 2002), p. 549.

وكما هو واضح من عنوان الدراسة، فإن مؤلفها يُسائل فكرة كون فتغنشتاين قد اعتقد هو نفسه الأفكار التي نُسبت إليه وترتبط

ب "المنعطف اللغوي". والواقع أن قضية الربط بين بعض الأفكار ومفكرين وفلاسفة بعينهم قد لا يكونون مرتبطين بها فكريًا، قضية

معروفة، وقد قيل الأمر نفسه عن علاقة فتغنشتاين تحديدًا بالمنطق الوضعي الذي يربطه البعض به أيضًا. وللمزيد عن "القراءات

المتعارضة" لفلسفة فتغنشتاين اللغوية، ينظر: Ibid., pp. 560–562..

(11)  Michael A. Peters, "The Last Post? Post–Postmodernism and the Linguistic Turn," Linguistic and Philosophical Investigations , vol. 12, no. 1 (2013), p. 36.

تمثّلت المشكلة الأساسية التي تناولتها الفلسفة التحليلية في العلاقة بين اللغة والواقع Language and Reality، وقد وضعت في هذا السياق الفرضية القائلة: "إن اللغة تعكس الواقع"، موضع التساؤل والشك؛ لتصل إلى اقتناع بأن العلاقة بين اللغة والواقع هي علاقة اعتباطية. وبما أن الأمر كذلك، فإن كثيرًا من المشكلات الفلسفية يمكن عزوها على نحو أساسي إلى سوء استخدام

اللغة، وهو ما يعني أنها ليست مشكلات حقيقية، بل مشكلات لغوية، أو فلنقل إنها مشكلات مرتبطة باستخدام الألفاظ والعبارات. وبناء عليه، يمكن القول إن الفلسفة التحليلية – ومن ثم المنعطف اللغوي بالنسبة إلى من ربطه بها تحديدًا – قامت على فكرتين أساسيتين؛ أولاهما: أن المعرفة والواقع يعتمدان على اللغة، وثانيتهما: أن هدف الفلسفة هو تطوير الآليات المعرفية التي تسمح لنا بحل المشكلات التي تنشأ من استخدام اللغة استخدامًا خاطئًا. وقد تلخص هدف الفلسفة في رأي فريجه في تحليل بنى الفكر Thought، وليس التفكير Thinking، وهو الهدف الذي يمكن أن يتحقق فقط من خلال تحليل اللغة. اعتقد فريجه أنه يمكن التعرف إلى كثير من المشكلات الفلسفية وحلّها من خلال اللغة نفسها. وقد اعتبر البعض فريجه البادئ الحقيقي للمنعطف اللغوي، وذلك لأنه كان أول من "أعطى إجابة لغوية لسؤال غير لغوي". وقد اتفق فتغنشتاين مع هذا التوجه، بل وذهب إلى أن العالم نفسه لا يمكن أن يوجد إلا من خلال لغة تتواصل من خلالها جماعة بشرية. لقد كان هدف الفلسفة التحليلية، إذًا، هو تحقيق الوضوح واليقين، وهو هدف كان لتطوّر العلوم

الطبيعية المنضبطة واليقينية، أكبر الأثر في ظهوره. فليس من المستغرب أن يصبح اختراع لغة "مثالية" Ideal Language تخلو من الغموض، هدفًا من أهداف بعض من انتموا إلى تيار الفلسفة التحليلية، وإن ظنّ آخرون أن اللغات الطبيعية Ordinary Language كافية لتحقيق ذلك الهدف. كما يفسّر

هذا الموقف عداء تيار الفلسفة التحليلية عمومًا، والوضعية المنطقية خصوصًا، للميتافيزيقا وقضاياها؛

إذ تُعد في هذه الفلسفة مجرد لغوٍ خالٍ من المعنى. وقد كان هذا الحرص على وضوح اللغة وسلامة

(1((كانت المشكلة الفلسفية في بداية الأمر ترتبط بالعلاقة بين الفكر والواقع، إلا أن ربط الفلسفة اللغوية بين الفكر واللغة ربط ا

جازمًا (بناء على فكرة أن الفكر لا يمكن أن يكون سابقًا على اللغة أو منفصل عنها)، أدى إلى إعادة صياغة المشكلة الفلسفة نفسها

لتصبح منصبّة على العلاقة بين اللغة والواقع.

(13)  Peters, p. 37 (14)  Ibid., p. 39;

وعن فلسفة فريجه اللغوية وعلاقتها بالمنعطف اللغوي، ينظر:

Joan Weiner, "Frege and the Linguistic Turn," Philosophical Topics , vol. 25, no. 2 (Fall 1997), pp. 265–288.

((1(وقد عدّ رورتي هذه الفكرة أساس الفلسفات اللغوية السابقة عليه في القرن العشرين، أي فكرة أن المشكلات الفلسفية يمكن

حلها أو "تصفيتها" إما من خلال إصلاح اللغة، وإما من خلال فهم المزيد عنها، ينظر: Watzka, p. 551..

(16)  Danie Strauss, "Understanding the Linguistic Turn and the Quest for Meaning: Historical Perspectives and Systematic Considerations," South African Journal of Philosophy , vol. 32, no. 1 (2013), p. 97. (17)  Kristin Synnøve Brorson, "Histories of Concepts after the Linguistic Turn," MPhil Master Dissertation, University of St Andrews, St Andrews, Scotland, 2005. (18)  Dilworth, p. 204. (19)  Peters, p. 36.

استخدامها هو ما ربط المنعطف اللغوي بأسماء أعلام آخرين في اللغويات، مثل الفيلسوف الإنكليزي جون أوستن Austin John (1960–1790) والأميركي ويلارد كواين Quine Willard (2000–1908)، وذلك على الرغم من عدم انتمائهما إلى الفلسفة التحليلية، بل ورفضهما كثيرًا من أفكارها. افترضت الفلسفة التحليلية وجود استخدام سليم للمفردات والعبارات، وسعَت إلى تحديد قواعد ذلك الاستخدام، إما من خلال وضع المزيد من القواعد، أو اختراع لغة جديدة مثالية إن لزم الأمر. وهكذا، نجد هذه الفلسفة التحليلية على طرف نقيض من بعض الفلسفات اللغوية الأخرى، لا سيما تلك المرتبطة بتحليل الخطاب؛ فالفلسفات التأويلية بوجه عام لا تفصل بين اللغة واستخدامها، فأيُّ استعمال للغة هو، بالضرورة، خطاب، وبما أنه خطاب، فيجب أن يخضع للتحليل والتفكيك، ولا يمكن وصفه بالصحيح أو الفاسد، بل هو استعمال في كل الأحوال. لقد كان للفلسفة التحليلية الفضل في وضع اللغة في مركز التحليل، غير أن اهتمامها بوضوح اللغة وسلامة استخدامها حصر فائدتها في أمور معينة، لم يكن التأريخ، على الأرجح، أحدها، وهو الأمر الذي نتناوله في ما يلي.

2. المنعطف اللغوي في الدراسات التاريخية

رأينا في ما سبق تباين الفلسفات والتيارات اللغوية التي ظهرت في القرنين التاسع عشر والعشرين، وهو التباين الذي يجعلها تبدو كأنها طبقات من النظريات اللغوية التي بدأت بالاهتمام ببنية اللغة وصورتها النظرية؛ فالاهتمام بها بوصفها خطابًا يعبّر عن علاقات قوة ويحتاج إلى تفكيك. والواقع أن التأريخ

نفسه له طبقاته الخاصة؛ ما يفرض علينا البدء بتمييزها قبل مناقشة أثر المنعطف اللغوي فيه.

أ. ما "التاريخ"؟

يجدر بنا، تحرّيًا للوضوح والدقة في ضوء تعدد معاني واستخدامات الكلمة الواحدة، أن نفرّق بين

أربعة مستويات في ما يخص استخدام كلمة "التاريخ" (وأخواتها في اللغة العربية، لا سيما "التأريخ")، كما يوضح المؤرخ البرتغالي روجيريو دي سيلفا Silva da Forastieri Rogério في تمييز مفيد بين المعاني والاستخدامات المختلفة للكلمة. فهناك التاريخ بمعنى الأحداث التي وقعت في الماضي، أو ما يسميه دي سيلفا تاريخ الأحداث History Event. وهناك التاريخ بمعنى الخطاب أو التاريخ الخطابي History Discourse، أي تأريخ الأحداث كما رواها معاصروها. ثم هناك تاريخ التأريخ Historiography، وفيه يكون موضوع التأريخ هو التاريخ الخطابي نفسه (أي ما كتبه معاصرو الأحداث التاريخية عنها)، وليس التاريخ بالمعنى الأول (أي أحداث الماضي نفسها)، وهو ما يقوم به مؤرخو

((2(هناك خلاف حول وصف من يقوم بوصف ونقل الأحداث المعاصرة له، فهناك من يعُدّ هذا مؤرخًا، في حين لا يعده آخرون

كذلك؛ ذلك أن المؤرخ يتعامل مع أحداث قد وقعت وانتهت في الماضي، وهو الأمر الذي لا ينطبق ضرورة على الأحداث المعاصرة. يظل المؤرخ في نظر أصحاب هذا الرأي الجديد هو من يقوم بدراسة النصوص التاريخية في محاولة تركيب صورة أحداث الماضي. عمومًا، نتجنب هنا استخدام كلمة "المؤرخ" في الإشارة إلى معاصري الأحداث التاريخية درءًا لأي لبس.

العصر الحديث، على سبيل المثال، حين يؤرخون لأحداث الماضي استنادًا إلى ما كتبه معاصرو تلك الأحداث أو ناقلو أخبارها. وأخيرًا، هناك تاريخ تاريخ التأريخ History of the histories of

historiographies، وفيه لا يعكف المؤرخ على دراسة أحداث الماضي نفسها أو حتى على ما كتبه عنها معاصروها، بل على ما كتبه مؤرخون لاحقون عن روايات معاصري تلك الأحداث؛ فحين ندرس ما كتبه مؤرخو القرون الثاني والثالث والرابع الهجرية عن أحداث صدر الإسلام، على سبيل المثال، فنحن ندرس، في الواقع، الطريقة التي تناولوا بها الروايات التي أتتهم عن شهود العيان الذين عاصروا تلك الأحداث وعاينوها ورووها. يميّز هذا التقسيم، إذًا، بين الماضي (أي الأحداث التاريخية) وما رُوي وكُتب عنه، وهو أمر يعكس

القضية التي ذكرناها آنفًا عن العلاقة بين الواقع والفكر الذي نعبّر عنه في شكل لغة، كما ترى الفلسفة

التحليلية. ومع ذلك، فإن هذا التمييز في حالة التأريخ تحديدًا لم يرتبط بالفلسفة التحليلية خاصّة، بقدر ارتباطه بتيار لغوي معيّن ظهر في عقود القرن العشرين الأخيرة، وهو تيار التأويل (أو الهرمينوطيقا)

الذي ذكرناه سابقًا. يظهر أثر هذا التيار في التأريخ في التقسيم السابق، على سبيل المثال، في اختيار مفردات معينة، مثل التاريخ "الخطابي"، وهي كلمة محمّلة بمضامين معيّنة تخص طبيعة المعرفة

التاريخية ودور المؤرخ ووضع اللغة، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بتيار التأويل. وهكذا، نستطيع القول إنه على عكس الدراسات اللغوية التي ارتبط فيها المنعطف اللغوي بالفلسفة التحليلية خصوصًا، فإن المنعطف اللغوي وجد سبيله إلى دراسة التاريخ من خلال تيار التأويل، وهي النقطة التي نلتفت إليها الآن ببعض التفصيل.

ب. "التاريخ" والمنعطف اللغوي

إذا كانت للتاريخ والتأريخ مستويات مختلفة، يصبح سؤال "كيف أثّر المنعطف اللغوي في الدراسات التاريخية؟" غير ذي معنى من دون تفصيل؛ ذلك أنه ينبغي لنا أن نحدّد مستوى التأريخ الذي نتحدث عنه، وفقًا للتمييز السابق بين معاني كلمة التاريخ واستخداماتها المختلفة. إن ما قد يتبادر إلى الذهن هو أن أي أفكار تتعلق باللغة، تؤثر تأثيرًا حصريًا في مستويات التأريخ التالية على الأحداث التاريخية

نفسها؛ فالأحداث، في النظرة التقليدية، ليست لغة، وإنما أفعال تحدث في واقع مادي خارجي مستقل عن اللغة نفسها. ويعني هذا أن المنعطف اللغوي يتعلق بالضرورة بالتاريخ الخطابي ثم تاريخ التأريخ، وصولً إلى تاريخ تاريخ التأريخ، وما قد يليه من طبقات الكتابة التاريخية. وإذا كان الأمر كذلك، يفترض أن يكون التيار اللغوي الأكثر تأثيرًا في دراسة التاريخ، لا سيما "التاريخ الفكري" حيث

(21)  Regério Forastieri da Silva, "The History of Historiography and the Challenge of the Linguistic Turn," Histório Da Historiografia , vol. 8, no. 17 (April 2015), p. 397.

((2(ولا ننفي بالطبع أننا قد نركز على تلك الروايات نفسها التي اعتمد عليها هؤلاء المؤرخون، بيد أن هذا الأمر يفترض قدرتنا على

التفريق تفريقًا حاسمًا بين ما نقله الطبري، على سبيل المثال، وما يقوله الطبري نفسه، إما على نحو مباشر أو غير مباشر. والواقع

أن مجرد اختيار روايات معينة هو في حد ذاته نوع من التصرف في تلك الروايات، ما يعني أن عملية تحييد الطبري قد لا تكون ذات جدوى من ناحية المبدأ.

لا يُفترض أن يقتصر عمل المؤرخ على مجرد الوصف المحايد، هو التيار الذي يهتم بوضع مناهج تفسير النصوص، وليس التيارات التي تهتم أساسًا باستخدام اللغة استخدامًا سليمًا. تعكس هذه الفرضية مفارقة في علاقة المنعطف اللغوي بدراسة التاريخ. وتتمثل هذه المفارقة في أنه بينما ارتبط المنعطف اللغوي في بداياته بالفلسفة التحليلية، فقد ارتبط في دراسة التاريخ بالتيارات التأويلية بوجه عام، وهي التيارات التي يشوب علاقتها بالفلسفة التحليلية نفسها تنافر واضح ورفض متبادل. والواقع هو أن ارتباط التأريخ بمناهج التأويل تحديدًا يُعدّ أمرًا مفهومًا تمامًا؛ فإذا كان

للفلسفة التحليلية هدفٌ واضح يتمثل في وضع قواعد استخدام اللغة استخدامًا سليمًا، فإنها قد تفيد من يكتب عن الأحداث المعاصرة له، وهذا أمر لا يخصّ المؤرخ تحديدًا. ومع أن المؤرّخ الذي يدرس أحداث الماضي اعتمادًا على مصنّفات أو روايات تاريخية معاصرة للأحداث، يحتاج فعلً إلى التدرّب على الاستخدام السليم للغة ليعبّر بها عن تأريخه للأحداث، فإن حاجته إلى مناهج التفسير المختلفة

أكبر. ليس من المستغرب، إذًا، أن يبدأ ارتباط المنعطف اللغوي بالدراسات التاريخية في ثمانينيات القرن العشرين، كما سنرى، وهو الوقت الذي طغت فيه تيارات بعد البنيوية والتأويل وتحليل الخطاب والنظرة الأدبية والتفكيك، على الفلسفة والفكر، ليس في أوروبا فحسب، بل في العالم كله، وضَعُف تأثير الفلسفة التحليلية عمومًا. ولكن إذا كان الانعطاف في الدراسات التاريخية قد اتّجه إلى اللغة، فما الطريق السابقة لهذا المنعطف؟ يمكننا القول، عمومًا، إن "المنعطف اللغوي" كان خروجًا على طريق تاريخانية القرن التاسع عشر، وقد كانت هذه التاريخانية (وقد أطلق عليها البعض "المنعطف التاريخاني") نفسها خروجًا على بعض أفكار عصر التنوير التي افترضت وجود "قوانين عامة" تحكم حركة التاريخ وتقبل الرصد. لقد انصبّ تركيز التاريخانية على الواقع (أي واقع الأحداث التاريخية نفسها من دون البحث عن قواعد تاريخية عامة)، مفترضًا قدرة النصوص على التعبير عنه بدقّة وموضوعيّة. وقد كانت هذه النقطة الأخيرة –

أي فكرة "الدقّة والموضوعيّة" – هي، ربما، أكثر الأفكار التي تأثرت لاحقًا بالمنعطف اللغوي. كما يرى

البعض أن المنعطف اللغوي يمثّل تحولً عن التفسيرات المادية والاجتماعية التي هيمنت على دراسة التاريخ في الستينيّات من القرن العشرين. وقد يكون هذا الرأي أقرب إلى الواقع؛ ذلك أن مصطلح

((2(عن نشأة "التاريخ الفكري" وموضوعه ومنهجه، ينظر: عمرو عثمان، "التاريخ الفكري: النشأة والموضوع والمنهج، ووضعه في

الدراسات التاريخية العربية الحديثة"، أسطور، العدد 12 (تموز/ يوليو 2020)، ص.32–11 ((2(بغورة، ص.203

(25)  Gabrielle M. Spiegel, "Revising the Past/Revisiting the Present: How Change happens in Historiography," History and Theory , vol. 46, no. 4 (December 2007), p. 2. (26)  Fynsk, p. 8913.

يرى فنسك أن المنعطف اللغوي يعبر عن حركة تخلت عن التناول الوضعي والتاريخاني للظواهر الاجتماعية والتاريخية في العلوم الاجتماعية، لتهتم بتحليل بُنى التمثيل Representation of Structures التي تعدّها هذه الحركة مساهمة في تشكيل تلك الظواهر.

(27)  Kaya Yilmaz, "Introducing the 'Linguistic Turn' to History Education," International Education Journal , vol. 8, no. 1 (April 2007), p. 272.

"المنعطف اللغوي" ظهر في سياق الدراسات التاريخية في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين في وقت كانت الغلبة فيه للتفسيرات الماديّة في تفسير أحداث الماضي. فإذا كان برغمان أول من صاغ مصطلح "المنعطف اللغوي" في سياق فلسفي في منتصف القرن العشرين، فقد كان المؤرخ الأميركي مارتن جاي Jay Martin أول من استخدمه في سياق دراسة التاريخ في بحث نشره عام 1982. وكما هو معروف، فإن اللغة في تيارات التأريخ المادية والاجتماعية ليست إلا مظهرًا ثقافيًا

ينتمي إلى "البناء الفوقي"، وهو ما يعني أنها مجرد تابع للواقع المادي. أما في المنعطف اللغوي، فتحتل اللغة مكانة مختلفة اختلافًا كبيرًا، بل تسبق الواقع نفسه في بعض تيارات ذلك المنعطف. يمكننا

القول، بعبارة أخرى، إن الانعطاف تمثّل في التحوّل من التركيز على الظواهر الاجتماعية والتاريخية

إلى بنى التصوير التي أنتجتها، وهي البنى التي يُعبر عنها لغويًا. فاللغة، في النظرة الجديدة، ليست مجرد أداة في الفعل الاجتماعي، بل هي نفسها الفعل، أو هي التي يحدث من خلالها الفعل، فتصبح هي الأجدر بالدراسة، وهو الأمر الذي نفصّل فيه بعض الشيء، في ما يلي.

3. المنعطف اللغوي ودراسة التاريخ

أكّدت مدرسة الوضعية التاريخية – وأشهر أعلامها المؤرخ الألماني ليوبولد فون رانكه Ranke von Leopold (1886–1795) – في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، على قدرة المؤرخ على معرفة الماضي "كما حدث بالفعل"، استنادًا إلى النصوص التاريخية، وهو ما يعني وجود ماض (أي واقعٍ) موضوعي منفصل عن ذات المؤرخ ولغته. ظلت هذه النظرة مسيطرة على التأريخ طوال النصف الأول من القرن العشرين تقريبًا، بل ما زالت تمثل اليوم قناعة كثير من المؤرخين، الذين

أصبح يطلق عليهم "المؤرخون الجدد"، المتأثرين بالمنعطف اللغوي وغيره من نظريات "المؤرخين التقليديين". بيد أن هذه النظرة الرانكية إلى التاريخ بدأت في الاهتزاز في النصف الثاني من القرن العشرين مع ظهور التيارات اللغوية الجديدة، لا سيما تيار التأويل. إن القناعة الأساسية التي يتفق عليها المؤرخون المنتمون إلى المنعطف اللغوي وإلى تيار التأويل خصوصًا، هي أن النصوص التاريخية التي رواها أو كتبها معاصرو الأحداث (أي أصحاب "التاريخ الخطابي") لا تصف الواقع وصفًا موضوعيًا، وذلك لأن فكرة الوصف الموضوعي غير ممكنة من

ناحية المبدأ. هذا هو تحديدًا المقصود بالتاريخ "الخطابي"، أي ذلك التأريخ الذي يصف الأحداث

(28)  John. E. Toews, "Linguistic Turn and Discourse Analysis in History," in: Smelser & Baltes, p. 8916. (29)  Surkis, p. 706. (30)  Fynsk, p. 8913.

(3 ((يجدر بالذكر هنا أن الفيلسوف والمؤرخ البريطاني المشهور روبين جورج كولينغوود Collingwood George Robin

(1889–1943) كان قد طرح فكرة أن ما لا نمتلك دليل ماديًا حاضرًا عليه لا ينبغي أن يكون موضوعًا للبحث التاريخي، وهي فكرة

أشبه بفكرة المنطق الوضعي عن كون أي عبارة لا نستطيع اختبار صحتها لا تعدّ إلا كلامًا خاليًا من المعنى. بيد أن كولينغوود لم يعتقد

أن أحداث الماضي لا يمكن وصفها وصفًا موضوعيًا بناءً على الأدلة التاريخية المتوافرة. ومهما كان الأمر، فأفكار كولينغوود تظهر

بوضوح أثر الفلسفة التحليلية في مفكري النصف الأول من القرن العشرين، وهو الأمر الذي لم ينطبق على نهايات القرن حين وجد المنعطف اللغوي طريقه إلى دراسة التاريخ كما سنرى.

التاريخية بناء على افتراضات معينة وباستخدام لغة معينة في سياق معين، وكأنه – أي التأريخ – يصنع Construct تلك الأحداث ولا يصفها. ولا يوجد في هذه النظرة صِنف آخر من التأريخ؛ فكون النصوص التاريخية خطابية بالضرورة لا يعتمد على قصد معاصر الحدث أو وعيه؛ ذلك أن أي نص هو بالضرورة خطاب حتى لو لم يكن راوي الحدث أو مدونُه نفسه واعيًا بهذا الأمر. وينطبق الأمر نفسه على تاريخ التأريخ، وعلى تاريخ تاريخ التأريخ، وعلى أي كتابات تتناول إما أحداث الماضي، أو ما كتبه السابقون أو المعاصرون عن تلك الأحداث. إن ما يتعامل معه المؤرخ هو دائمًا طبقة من طبقات الخطاب التاريخي، وهو الأمر الذي يلزم أن يظل منتبهًا له. ويكمن الجديد هنا في النظر إلى النصوص التاريخية على أنها خطاب وليست مجرد وصف محايد للأحداث، فضلً عن النظر إلى اللغة على أنها ذات استقلالية Autonomy عن الواقع المادي، ذلك الواقع الذي لا يمكن نظريًا أو فعليًا استرداده على نحو موضوعي. ولمزيد عن أثر المنعطف اللغوي في دراسة التاريخ، ننتقل للحديث عن أحد أهم المؤرخين الذين ارتبط اسمهم بالمنعطف اللغوي، ألا وهو المؤرخ الأميركي هايدن وايت.

أ. هايدن وايت والمنعطف اللغوي

رأينا أنه يلزم، في النظرة التاريخية المتأثرة بالمنعطف اللغوي، فهمُ دور اللغة في عملية التأريخ. وتبرز هنا فكرة الخطاب، وهي الفكرة التي ربطت المنعطف اللغوي بدراسة التاريخ على نحو أكبر من أي فكرة أخرى، وهو ما يفسر سبب كون تيار التأويل – وما ارتبط به من تحليل الخطاب والنظرية الأدبية وأفكار ما بعد البنيوية – صاحب الدور الأبرز أثرًا في دراسة التاريخ من كل التيارات اللغوية التي ظهرت في القرن العشرين، أو على الأقل هكذا فهم هايدن وايت White Hayden (2018–1928) الأمر، وقد كان أبرز المؤرخين الذين تأثروا بالمنعطف اللغوي ودافعوا عن جدواه في دراسة التاريخ. إن الفكرة الأساسية التي ينطلق منها وايت، هي أنه لا يوجد فرق بين التاريخ والأدب في طبيعتيْهما أو بنيتيْهما، وإنما يقتصر الفرق بينهما على محتوى كل منهما؛ فالقصص الأدبي ينبع من خيال الأديب، بينما يؤرخ رواة الأحداث ومؤرخوها لأحداث يُفترض أن لها وجودًا في العالم "الحقيقي". يقول وايت: "السرد ليس مجرد شكل خطابي حيادي قد يستخدم أو لا، لتمثيل الأحداث الحقيقية من حيث هي سيرورات تطور، بل ينطوي على خيارات أنطولوجية ومعرفية ذات استتباعات أيديولوجية، بل حتى

(3((ينظر على سبيل المثال: 8916–8920. pp , Toews. يلفت تويز النظر هنا إلى أن مفهوم "اللغة" اتسع ليشمل كل بنى التواصل غير اللغوية المسؤولة عن إنتاج المعنى ونقله وإيصاله إلى مستقبليه، ينظر: Ibid., p. 8917..

)33(da Silva, p. 407; Yilmaz, p. 273.

ويعتقد المؤرخ الأميركي كروين لي كلاين Klein Lee Kerwin أن سبب ضعف تأثير الفلسفة التحليلية في الدراسات التاريخية هو

ضعف قدرة المؤرخين على الاشتباك اشتباكًا جديًا مع أفكار فلاسفة كفتغنشتاين والفيلسوف الأميركي دونالد ديفيدسون Donald

).2003–1917(Davidson

سياسية متمايزة". ليست الحقيقة التاريخية في نظر وايت أمرًا "يجده" المؤرخ، بل هي شيء يصنعه المؤرخ بنفسه من خلال اللغة. وينطبق هذا القدر، كما هو واضح، على رواة الأحداث المعاصرين لها، أي مصادر المعلومات التاريخية الذين يصفونها في شكل روايات تاريخية. أما بالنسبة إلى المؤرخ الذي يؤرخ لأحداث الماضي استنادًا إلى تلك المصادر، فيلزمه أن يستفيد من النظرية الأدبية Literary Theory وما ارتبط بها من نظريات ثقافية وإدراكية ونفسية. ويجب عليه أن يكون واعيًا بأساليب تحليل الخطاب وبطبيعة التفسير التاريخي وأثر ذلك في إعادة بناء التاريخ، ذلك أن ما نجده في مصنفات التاريخ ليس مجرد "حقائق"، بل "خطة"، أو حبكة قصصية، تنتظم فيها تلك الحقائق في بنية معينة وتصطبغ بصبغة محددة. والواقع أنه في هذه النظرة، لا يمكن رواية الحقائق أصلً من دون خطة أو حبكة، بل إن المؤرخ يختار الحبكة حتى قبل أن يبدأ في عملية الكتابة. فالتاريخ نفسه ليست له بنية أو هيئة منفصلة عن الروايات التاريخية. بعبارة أخرى، لا يمكن تصور وجود وصف من دون تأويل، كما لا يوجد معنى، وإنما عملية مستمرة من إنتاج المعنى. يصبح للمؤرخ في هذه النظرة دور "أدائي" أو إنشائي Performative يدفع قارئ التاريخ إلى إدراكه والتفكير فيه – وربما التصرف بناء عليه – على نحو معين، تبعًا لتصوير المؤرخ للتاريخ باستخدام اللغة، سواء كان المؤرخ نفسه على وعي بهذا التصوير أم لم يكن. ويعني هذا أن الحقائق نفسها قد تُروى في أكثر من خطة أو شكل قصصي. وعلى الرغم من أننا نجد هنا اعترافًا ضمنيًا بوجود واقع تاريخي، فضلً عن وجود دور للمؤرخ (فالمؤرخ هو صاحب "الحبكة" القصصية التي يعرضها من خلال "أحداث التاريخ")، غير أن تيار المنعطف اللغوي الذي ينتمي إليه وايت يصرّ على عدم فصل أي ظاهرة – تاريخية أو غير ذلك – عن الخطاب اللغوي واستعمال اللغة، وهو الأمر الذي يعدّه البعض بمنزلة إنكارٍ فعلي لوجود

(((3 هايدن وايت، محتوى الشكل: الخطاب السردي والتمثيل التاريخي، ترجمة نايف الياسين (المنامة: هيئة البحرين للثقافة

والآثار، 2017)، ص 19. والمقصود ب "محتوى الشكل" أن السرد "يمتلك أصلً محتوى يسبق أي تفعيل له في الكلام أو الكتابة"،

وفقًا لوايت، ينظر: المرجع نفسه، ص.23 (((3 لاستعراض وافٍ لأفكار وايت، ينظر: Yilmaz, pp. 273–276. (3((وهي ترجمة لكلمة Emplotment التي صاغها بول ريكور، والذي كان أيضًا من أعلام تيار التأويل، وتعني تصميم خطة أو حبكة قصصية Plot.

3(7)  Elizabeth A. Clark, History, Theory, Text: Historians and the Linguistic Turn (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2004), p. 99.

(3((يؤكد دومينيك لاكبرا LaCapra Dominik، أحد أهم المؤرخين المنتمين إلى المنعطف اللغوي، أن فكرة وجود عالم يمكن

التعبير عنه موضوعيًا باستخدام لغة محايدة ليست إلا خطأً أنطولوجيًا؛ ذلك أن العالم، بالنسبة إلينا، لا يوجد قبل أن نصفه، ينظر:

Anthony Pagden, "Rethinking the Linguistic Turn: Current Anxieties in Intellectual History," Journal of the History of Ideas , vol. 49, no. 3 (1988), p. 522. (39)  Pagden, p. 527.

(4((ينظر على سبيل المثال: Yilmaz, pp. 271–273.. في هذه النظرة لتأثير المنعطف التاريخي في الدراسات اللغوية، تبرز النظرية الأدبية Theory Literary بوجه عام، ومناهج معينة بوجه

خاص، مثل المنهج التفكيكي الذي ارتبط بجاك دريدا. ولا نستغرب، إذًا، حين يصرّح يلماز بأن المنعطف اللغوي قد يطلق عليه

أيضًا "المنعطف الخطابي" Turn Discursive، أو المنعطف الثقافي أو حتى الجمالي Aesthetic، ينظر: Ibid., p. 271..

الواقع، بل وقصرٍ لدور المؤرخ على اختيار الحبكة أو الخطة، وهو أمر قد يفعله المؤرخ من دون قصد، ما يعني غياب دوره أيضًا. ويعني كل ذلك أن عمليتي الوصف والتأويل لا يمكنهما تجاوز واقع المؤرخ وسياقه، وهو السياق الذي هو لغوي بالضرورة أيضًا. إن آراء وايت وغيره من المؤرخين المنتمين إلى المنعطف اللغوي تكفي، في ذاتها، لتثير ريبة غالبية المؤرخين وتوجسهم، أي أولئك المؤرخين "التقليديين" الذين يعتقدون وجود واقع موضوعي مستقل يمكن وصفه وإعادة تركيبه، وفي إمكانية وجود مؤرخ محترف ذي منهج واضح قائم على وعي بالدور والهدف. إلا أن قناعة المؤرخين بتهديد المنعطف اللغوي، استندت أيضًا إلى فكرة أخرى تطورت في ما يبدو من فكرة الخطاب نفسها، أي فكرة كون اللغة صانعةً للأحداث التاريخية نفسها ومشكّلةً لها، ليس بالمعنى الخطابي فحسب، بل بمعنى أكثر عمقًا وأبعد أثرًا.

ب. اللغة بوصفها صانعة للأحداث التاريخية

رأينا أن أثر المنعطف اللغوي في الدراسات التاريخية يظهر على مستوى تأريخ الأحداث وتأريخ التأريخ نفسه؛ ذلك أن المؤرخ يعتمد هنا على نصوص لا يعدّها وصفًا موضوعيًا لواقعٍ ذي وجود

مستقل عن هذه النصوص نفسها. ولكن هل يمكن للمنعطف اللغوي أن يكون له أثر في التاريخ بالمعنى الأول، أي في أحداث الماضي نفسها؟ يُعدّ هذا السؤال واحدًا من الأسئلة المثيرة للجدل في ما يخص العلاقة بين المنعطف اللغوي والتأريخ، وهو، لهذا السبب، ليس موضع اتفاق بين المؤرخين المنتمين إلى تيار المنعطف اللغوي، بل يبدو أن بعضهم تجنّب الخوض فيه تجنّبًا تامًّا. ينظر بعض المؤرخين المنتمين إلى المنعطف اللغوي إلى النصوص التاريخية على أنها تصنع الواقع نفسه وتشكّله، لا بالمعنى الخطابي الذي ما زال للمؤرخ دور فيه، بل بمعنى أكثر عمقًا تكتسب فيه اللغة "استق " للا Autonomy عن المتحدثين بها ودورًا تؤديه رغمًا عنهم. إن الفكرة الأساسية

هنا هي أننا نتصرف في هذا العالم بناءً على تصورات خلقتها اللغة، وهو ما يعني أن العالم يصبح

صناعة لغوية بالمعنى الحقيقي (وإن كانت هذه النظرية لا تعترف ب "الحقيقي")، يتجاوز فيه دور اللغة وصف الأحداث في شكل خطابي معين أو أداء دور الوسيط بين الشخصيات والجماعات، لتصبح صانعة الحدث التاريخي نفسه. هنا، تكتمل دائرة المنعطف اللغوي؛ فاللغة تصنع الأحداث التاريخية وتشكّلها، ثم تُدوَّن تلك الأحداث من خلال اللغة في صور خطابية، فتكون الأحداث أسيرة اللغة في بداية الأمر ونهايته. وينطبق الأمر نفسه على المؤرخ نفسه؛ فالمؤرخ يتعامل مع نصوص تاريخية مكتوبة

(41)  Ibid., p. 276.

(4((يقتبس باغدن وصفًا معبرًا على نحو ممتاز عن هذه الفكرة للفيلسوف الإنكليزي برنارد ويليامز Williams Bernard

(2003–1929). يقول وليامز إن عزف ألحان من القرن السابع عشر، باستخدام آلات موسيقية من القرن السابع عشر، وبحسب

قواعد العزف في القرن السابع عشر، لا تُنتج موسيقى من القرن السابع عشر؛ ذلك أن لدينا آذانًا تنتمي إلى القرن العشرين، ينظر:

Ibid., p. 525. (43)  Robert M. Stein, "L’Après et son double: Reading Medieval History after the Linguistic Turn," Modern Language Notes , vol. 127, no. 5 (December 2012), p. 265; Toews, p. 8916.

بلغة معينة، يسعى من خلالها إلى معرفة أثر اللغة في أحداث التاريخ (أو كيف صنعت اللغةُ العالمَ الذي وقعت فيه أحداث التاريخ)، وذلك باستخدام لغة تصنع عالم المؤرخ وفكره ولا يستطيع هو نفسه الفكاك منها. ويعني هذا الأمر بالنسبة إلى بعض المؤرخين أن الحدث الذي يتعامل معه المؤرخ يجب أن يكون اللغة نفسها، لا أي أحداث خارجة عنها. فاللغة هنا تشير إلى نفسها Self–referential، ولا تشير إلى ما هو خارجها على وجه الحقيقة. وإذا كان الأمر كذلك، فإنه لا يمكن الحديث عن موضوعية في دراسة التاريخ؛ ذلك أنه لا يوجد للتاريخ موضوع أصلً خارج إطار اللغة نفسها. وإذا كان الأمر كذلك، يصبح سؤال "ما التاريخ" مرادفًا لسؤال "ما اللغة"، وسؤال "كيف ندرس التاريخ؟" مرادفًا لسؤال "كيف نقرأ النصوص؟". وهكذا، يصبح الواقع تابعًا للغة وليس العكس، ولا يكون استقلال إلا للُّغة، وليس لأي واقع مُفترض.

4. "المنعطف اللغوي" في الدراسات اللغوية والتاريخية

يمكننا، بناء على ما سبق، تلخيص أهم سمات المنعطف اللغوي في الدراسات اللغوية والتاريخية في النقاط الآتية: • حين ظهر مصطلح "المنعطف اللغوي" في ستينيات القرن العشرين في سياق فلسفي لغوي، ارتبط بالفلسفة التحليلية عمومًا، وبتيار المنطق الوضعي خصوصًا. أما في ثمانينيات القرن نفسه،

أي حين جلب بعض المؤرخين المنعطف اللغوي إلى الدراسات التاريخية، لم يكن هناك منعطف واحد متاح للمؤرخ، بل كان أمامه خيارات متعددة من فلسفات وتيارات شتّى. بيد أن التيار الذي دخل المنعطف اللغوي من خلاله إلى دراسة التاريخ وهيمن عليها، كان تيار التأويل وما ارتبط به من نظريات لغوية وثقافية وأدبية، تأثر كثير منها بأفكار ما بعد البنيوية. • تؤدي اللغة في المنعطف اللغوي دورًا أساسيًا – أو الدور الأساسي – في تشكيل الأحداث التاريخية.

رأينا أنه يمكن فهم هذا الأمر على أن اللغة تؤدي دورًا في تصوّر الراوي المعاصر للحدث تصوّرًا

معينًا، أو في تركيب الصورة التاريخية تركيبًا معينًا بناء على النصوص التاريخية المتاحة للمؤرخ.

(((4 ذلك أن اللغة، كما يشرح تويز في رأيٍ يعدّه "شكلً متطرفًا جامحًا" من نظرية المعنى السيميائية، ينظر:

John E. Toews, "Intellectual History after the Linguistic Turn: The Autonomy of Meaning and the Irreducibility of Experience," The American Historical Review , vol. 92, no. 4 (1987), p. 882;

وهي التي تحدد الشرعي وغير الشرعي، والواقعي وغير الواقعي، وتعمل في كل ذلك باستقلال عن المتحدث والمتلقي، ينظر:

Toews, "Linguistic Turn," p. 8917;

وبحسب أحد المهتمين بالتاريخ الفكري على طريقة المنعطف اللغوي، فتفسير التجربة [التاريخية] يصنع التجربة، وهو الرأي الذي يرفض التقسيم التقليدي بين اللغة والواقع بوصف الأولى لاحقة على الثاني وواصفة له، ينظر:

Toews, "Intellectual History," p. 880;

وفي شرحه لفكر مؤرخ آخر، يبين تويز أن التجربة نفسها لا يمكن أن تصبح ذات معنى إلا من خلال الخطاب الذي ليس لدينا سبيل للوصول إليه إلا من خلال النصوص، ينظر: Ibid., p. 892..

)54(Ibid., p. 881.

فأحداث التاريخ لا يمكن الوصول إليها من طريق غير طريق اللغة التي تخلق بالضرورة أطُرًا للتفكير

والإدراك لا يستطيع الراوي أو المؤرخ الفكاك منها. • لا يقتصر أثر اللغة على ما بعد الحدث، بل لها، لدى بعض المنتمين إلى المنعطف اللغوي، دور سابق على الأحداث التاريخية نفسها. ولا تعدّ اللغة هنا مجرد وسيلة للتواصل، بل لها كيان خاص يجعلها قادرة على ما هو أكثر من الوصف، أي تشكيل "الحقيقة" نفسها من خلال تصوير الواقع تصويرًا معينًا. وقد دفعت هذه الفكرة البعض إلى النظر إلى اللغة بوصفها الحقيقةَ نفسها، وهو ما يعني

انتفاء الحاجة إلى البحث عن قصد المؤلف أو تأويل المتلقي؛ ذلك أنه قد لا يكون هناك قصد حقيقي أو تأويل صحيح أصلً. • يترتب على هذه الأفكار أن النص التاريخي الواحد يمكن أن يُقرأ بطرائق مختلفة، وهو ما يعني أن المعرفة التاريخية نسبية بالضرورة؛ فالتاريخ الحقيقي لا يمكن إدراكه فعليًا، ليس لانتهائه زمنيًا،

بل لأن الأحداث المعاصرة نفسها – بل تلك الأحداث التي يشهدها المرء بنفسه – لا يمكن لوصفها أن يتجاوز أطر اللغة التي تُستخدم للتعبير عنها. وينتج من هذا الأمر عدم جدوى السعي لبناء سردية واحدة متماسكة للتاريخ كما يسعى التأريخ "التقليدي"، وأن أي سردية من هذا النوع لا تعدو كونها أمرًا مُتخيَّلً في ذهن المؤرخ أو قارئ التاريخ. • وهكذا، يصبح موضوع دراسة المؤرخ هو النصوص التاريخية نفسها، وليس الواقع التاريخي الذي يُفترض أنها تصفه والذي يُنفى الآن وجوده خارج اللغة. ويعني هذا أن الحقيقة التاريخية

ليست شيئًا يعثر عليه المؤرخ، بل هي أمر يصنعه المؤرخ ويشكّله بحسب قواعد اللغة التي لا يستطيع هو نفسه أن يتحكم فيها أو يحيّدها. وينطبق هذا الأمر على رواة الأحداث التاريخية

(أي مصادر التاريخ الأولية)، وينطبق أيضًا على المؤرخ الذي يقوم على دراسة هذه النصوص لينتج، من جهته، أدبيات ثانوية (المراجع أو المصادر الثانوية)، لا تختلف في خطابيّتها عن

المصادر الأولى. • ليس من المستغرب، في ضوء كل ما سبق، أن يرى كثير من المؤرخين "التقليديين" في أفكار المنعطف اللغوي تهديدًا خطيرًا، بل مدمّرًا، لدراسة التاريخ؛ ذلك أن المنعطف اللغوي يلغي الحقيقة

التاريخية، أو يلغي التاريخ "المعيش" لصالح التاريخ المكتوب الذي لا تعترف إلا به، كما أنه يحوّل

المؤرخ إلى مفسّر للنصوص، وليس باحثًا عن الحقيقة التاريخية. كما أنها قد تلغي المؤرخ نفسه حين

تجعله صناعة لغوية، أو أسير لغة تصنع عالمه المادي والفكري، وتتحكم هي فيه، لا هو فيها.

(46)  Ibid., p. 882.

(4((ينظر على سبيل المثال: Popescu. ويثير هذا الرأي إشكالية فلسفية قديمة بكل تأكيد، وهي: إذا كانت هناك تجربة تاريخية غير مدونة Ibid., p. 188.()، فما هو سبيلنا لمعرفتها؟ كيف يمكن لنا تأكيد وجودها أو نفيه؟ وما الفائدة من تأكيد وجودها لو لم يكن لدينا وسيلة لمعرفة أي شيء عنها؟

ثانيًا: اللغة عند مؤرخي الإسلام في العصر قبل الحديث

يقدم هذا الجزء من الدراسة استعراضًا مبدئيًا لبعض الأفكار حول مدى ارتباط فهم مؤرخي الإسلام

في قرون الإسلام الباكرة والوسيطة لطبيعة المعرفة التاريخية ودور المؤرخ وارتباط ذلك باللغة، وذلك في مقابل أفكار المنعطف اللغوي في العقدين الأخيرين من القرن العشرين. إن السؤال الأساسي هنا هو: هل ثمّة علاقة بين أفكار المنعطف اللغوي وفهم المؤرخين المسلمين قبل العصر الحديث لطبيعة

المعرفة التاريخية واللغة، ودور المؤرخ في كتابة التاريخ؟

1. مؤرخو الإسلام وإمكانية المعرفة التاريخية

يَصعُب، في ضوء المبادئ العقدية والإبستيمولوجية المرتبطة بالإسلام بوصفه دينًا وحضارة، تصوّر عدم

اعتقاد المؤرخين المسلمين وجودَ واقع تاريخي حقيقي يمكن للمؤرخ التعرف إليه والتحقق منه. بل يمكننا الزعم أن فكرة وجود واقع تاريخي حقيقي يمكن التعرف إليه كانت متجذرة في نظرة المؤرخين المسلمين إلى الماضي؛ ذلك أنها تبدو أمرًا مسلّمًا به تمامًا في النظرة القرآنية للتاريخ، وهو أمر يصعب استبعاد

تأثيره في نظرة المؤرخين المسلمين، وقد كان كثير منهم من علماء الدين أو عاشوا في سياق حضاري كان النص القرآني هو الأصل فيه والمرجع. ومع أن القرآن يذكر بعض القصَص التاريخي بأكثر من رواية (كمواجهة موسى مع فرعون)، فإن اختلاف ألفاظ الروايات لم يكن سببًا للتشكيك في الحقيقة التاريخية

نفسها؛ ذلك أن القاعدة الأهم التي بدا أن المؤرخين المسلمين ينطلقون منها كانت وجود "القصص الحق". لنا أن نتصور أن آيات مثل ﴿إنَّ هَذا لهُوَ القصَصُ الحَقُّ﴾ (آل عمران: 62) و﴿نَحْنُ نَقصُّ عَليْكَ

أحْسنَ القصَصِ بِما أَوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ﴾ (يوسف: 3)، مثّلت ركيزة نظرة المؤرخين المسلمين إلى

التاريخ. ففي التاريخ باطلٌ كثير، إلا أن فيه أيضًا القصص الحق، أي ذلك القصص الذي يصف ما حدث بالفعل من دون تحريف، وذلك حتى حين فهم هؤلاء المؤرخون حاجة النص القرآني "القصصي" نفسه إلى التأويل، بل حين اختلفوا حول تأويله. فلو اختلف هؤلاء على المقصود ب ﴿ولقد همّت به وهمّ

بها﴾ (يوسف: 24)، على سبيل المثال، فهم ينطلقون جميعًا من افتراض حدوث شيء واحد، حتى إن اختلفنا عليه. ويعني هذا أنه في دراسة التاريخ، وعلى خلاف الفقه عمومًا، لا سيّما بعد استقرار المذاهب

الإسلامية، كان كل مؤرخي الإسلام من "المخطِّئة"، أي إنهم اعتقدوا أنه من كل الروايات عن حادثة تاريخية ما، ثمّة رواية واحدة صحيحة، حتى وإن اختلفنا عليها أو فشلنا في تحديدها. وفضلً عن هذا الدليل القرآني على وجود حقيقة تاريخية، يمكن الإشارة إلى دليل آخر خاصّ بنشاط ضخم قام به علماء المسلمين أنفسهم، أي جمع الحديث النبوي ونقده وتصنيفه. لقد قام مشروع طلب "العلم" وجمعه ونقده وتصنيفه على قناعة أساسية لا تتلخص في وجود أحاديث صحيحة من بين عدد كبير من الأقوال الموضوعة فحسب، بل تفترض أساسًا قدرتنا على التمييز بين الصحيح والباطل

في الأقوال والأفعال التي نُسبت إلى الرسول. إن هذا الاعتقاد هو الذي يفسّر ظهور علوم الرجال

والجرح والتعديل وغيرها؛ ذلك أن هذه العلوم تفقد مبرر وجودها إذا كان لدى علماء المسلمين شكٌ في إمكانية الوصول إلى الحقيقة التاريخية والتثبت منها، وهي تتمثل هنا في نسبة أقوال وأفعال إلى الشخصية التاريخية الأهم في هذه المنظومة، أي الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. صحيح

أن علماء المسلمين صنّفوا حتى الأحاديث التي قبلوا صحتها وفقًا لدرجة تثبّتهم منها (بناءً على أعداد

الرواة في سلاسل الإسناد وكذلك مدى ثقتهم بضبط هؤلاء الرواة)، إلا أن هذا التصنيف لم يصل بهم قط إلى الشك في وجود أحاديث قالها الرسول، أو نفي قدرتنا على تمييز الصحيح منها. يعني كل ما سبق أن المؤرخين المسلمين قد اشتركوا مع المؤرخين "التقليديين" اليوم في إمكانية الوصول إلى معرفة تاريخية تعكس الواقع التاريخي موضوعيًا، وذلك على خلاف مؤرخي المنعطف

اللغوي الذين رفضوا فكرة وجود واقع تاريخي موضوعي مستقل عن اللغة، وشكّوا، من ثم، في إمكانية التعرف إلى الماضي، قاصرين دور المؤرخ على دراسة سرديات رواة الأحداث التاريخية والمؤرخين السابقين أو المعاصرين، وليس دراسة أحداث التاريخ نفسها التي لا يعترفون بوجودها بمعزل عن النص أصلً. واتفق المؤرخون المسلمون مع المؤرخين الغربيين غير المنتمين إلى المنعطف اللغوي في ضرورة التفسير؛ فبعد التثبت من صحة النصوص التاريخية، ينتقل المؤرخ، كما المفسّر، إلى دراسة

الدلالة، وهو أمر يُخضع فيه المؤرخ النصوص والروايات التاريخية لمناهج تفسيرية وتأويلية بالضرورة.

2. المؤرخون المسلمون وتفسير الروايات والنصوص التاريخية

اتفق المؤرخون المسلمون، إذًا، على وجود واقع تاريخي يمكن التعرّف إليه من خلال "القصص

الحق"، ولكنهم أدركوا حاجة النصوص التاريخية، بما فيها النصوص المقدسة، إلى التفسير والتأويل، وهو ما يعني أن الصورة التاريخية التي يركّبها كل مؤرخ بناء على ما ورده من روايات، يمكن أن تختلف عن صورة ركّبها مؤرخ آخر استنادًا إلى الروايات نفسها، وإن كان ذلك لا يعني عدم وجود حقيقة تاريخية كما أوضحنا من قبل. والواقع أن المؤرخين المسلمين لم يملكوا إلا أن يكونوا مفسّرين ومؤوّلين. فقد كان كثيرٌ منهم فقهاء

وأصوليين، تعاملوا مع نصوص قبلوا صحتها، وإن اختلفوا في دلالاتها، إما في ذاتها، وإما في ضوء نصوص أخرى. احتاج هؤلاء العلماء إلى كشف معنى النصوص (وهو المعنى الحرفي للتفسير)، وكذلك تأويل هذه النصوص حتى تستقيم دلالتها مع النصوص الأخرى الثابتة تاريخيًا أيضًا، وإن بدا أنها تتعارض

مع نصوص أخرى أو حتى تناقضها. وفضلً عن هذا التوجه المبدئي لعلماء المسلمين، ارتبط التاريخ نفسه في بعض الأحيان بالنصوص الدينية نفسها، لا سيّما في ما يخص الأمم السابقة على ظهور الإسلام، وفترة

الرسالة نفسها. ويعني كل هذا أن التأويل لم يكن لينفصل قط عن التأريخ في الإسلام، وهو أمر تعامل معه العلماء المسلمون بتلقائية واضحة، بحيث تبدو العلاقة بينهما كأنها أمر بديهي لا يحتاج إلى تفصيل. لا يختلف المؤرخون المسلمون مع فكرة التأويل في حد ذاتها، وإن اختلفت قناعاتهم مع منطلقات تيار التأويل الذي غلب على مؤرخي المنعطف اللغوي الحديث. فقد سعى التأويل لدى المؤرخين المسلمين إلى التوفيق بين النصوص للكشف عن الحقيقة، ولم ينظر إلى تلك النصوص على أنها مجرد خطابات تعبّر عن أصحابها، أو تعبّر عن الأفكار التي يمكن لِلُغة معينة التعبير عنها، أكثر مما

تعبر عن أي واقع مفترض. وبما أنه يوجد واقع تاريخي حقيقي في نظرة المؤرخين المسلمين، يصبح دور المؤرخ شاملًالتحقق من صحة النصوص التاريخية (وهو أمر يشبه عمل نقاد الحديث)، ثم النظر

في محتوى تلك النصوص تفسيرًا وتأويلً للوصول إلى معرفة ذلك الواقع التاريخي، حتى وإن كان

الأساس الإبستيمولوجي الذي يقوم عليه عمل المؤرخ هو "غلبة الظنّ" لا اليقين، تمامًا كما هو الحال مع المفسّر والفقيه. وبناء عليه، تبدو منطلقات المنعطف اللغوي مختلفة اختلافًا كبيرًا عن منطلقات

المؤرخين المسلمين، سواء في ما يخصّ طبيعة المعرفة التاريخيّة، أو دور المؤرخ.

3. مؤرخو الإسلام ودور اللغة في صنع الأحداث

أشرنا سابقًا إلى أن أثر المنعطف اللغوي في دراسة التاريخ لا يقتصر على فهم طبيعة المعرفة التاريخية والنصوص التاريخية، بل قد يمتد ليشمل فكرة كون اللغة قادرةً على صنع الواقع وتشكيله، ليس بالمعنى الخطابي المتفق عليه بين مؤرخي المنعطف اللغوي، بل بالمعنى الفعلي، أي دفع الشخصيات التاريخية إلى التصرف على نحو معين بناء على تصورات خلقتها اللغة عن عالم تلك الشخصيات. ثم رأينا في المناقشة السابقة تعارض منطلقات تيار التأويل الغربي في ما يخص طبيعية المعرفة التاريخية ودور المؤرخ، مع منطلقات المؤرخين المسلمين. ونستطيع أن نفترض أنه إذا اختلف منهج المؤرخين المسلمين مع ما اتفق عليه مؤرخو المنعطف اللغوي بوجه عام، فمن باب أولى أن يختلف أيضًا مع ما اختلف عليه أولئك المؤرخون أو ما عدّه بعضهم شططًا، أي فكرة كون اللغة هي التي تصنع الأحداث التاريخية، وهي فكرة بدت مظهرًا من مظاهر تطرف الفكرة الأصلية في المنعطف اللغوي،

أي الصناعة الخطابية للواقع التاريخي. أقدم هنا طرحًا مبدئيًا مفادُه أن مؤرخي الإسلام يبدو أنهم اعتقدوا أن العبارات اللغوية يمكن أن تكون

أساسًا لفهم الواقع على نحو معين، ثم التصرف بناء على هذا الفهم على نحو يجعل اللغة مسؤولة عن صنع الأحداث التاريخية وتشكيلها. وأضرب هنا مثالً لتاريخ الفرق والمذاهب الإسلامية، والتي لا تقتصر مصادرها على مصنفات الملل والنحل الكثيرة التي ظهرت في التاريخ الإٍسلامي، بل نجد لها حضورًا كبيرًا في مصنفات التاريخ العامة وغيرها. وما يهمنا هنا تحديدًا هو الربط بين هذه الفرق الإسلامية

وعبارات بعينها. فقد ربطت مصنفات الفرق ربطًا واضحًا بين عبارات لغوية نُسبت إلى فرق بعينها وفهم هذه الفرق للماضي وسلوكها في الحاضر. إن الحديث هنا ليس عمّا فعلته تلك الفرق تاريخيًا، بل عن

سعي مؤرخي الفرق الإسلامية إلى تصوير أثر اللغة في فكر تلك الفرق وسلوكها. لم تنطلق تلك الفرق في تصوير مؤرخيها لها من العالم نفسه، وإنما انطلقت من مقولات وخطابات وضعت أطرًا معرفية لهذا العالم

وقسّمته إلى حقّ وباطل، وإلى مؤمن وكافر، وربما طائفة في منزلة بين هاتيْن المنزلتيْن. ولنضرب مثلً لذلك عبارة "لا حكم إلا لله" التي تنسبها المصنفات التاريخية إلى فرقة الخوارج.

4(((ينظر على سبيل المثال: أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، الملل والنحل، ج  1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1992)،

ص 109. وترتبط مقولة الخوارج بحادث معين، وذلك حين لاموا عليّ بن أبي طالب على قبول التحكيم الذي لم يُفضِ إلى شيء،

سائليه عن قبوله التحكيم ولا حكم إلا لله. أصبحت هذه المقولة شعارًا للخوارج، ويمكن ربطها بسهولة بكثير من عقائدهم الأخرى،

مثل تكفير مرتكب الكبيرة والخروج على الحاكم الفاسق وما إلى ذلك. وعن الخوارج، ينظر: محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية

(القاهرة: دار الفكر العربي، [د. ت.])، ص 68–56؛ محمد عمارة، تيارات الفكر الإسلامي (القاهرة: دار الشروق، 1997)، ص 1–9.3 والجدير بالذكر هنا هو أن هذه المراجع الحديثة أكثر تركيزًا على دور العبارات، وإن لم تهملها المصادر القديمة، وهو أمر جدير بالبحث.

ولنبدأ بهذا السؤال: هل هذه العبارة خبرية أم إنشائية أم معيارية؟ بعبارة أخرى، هل تصف هذه العبارة الوضع القائم، أم أنها تسعى إلى خلق وضع ما؟ إن ما قد يتبادر إلى الذهن هنا هو أنها عبارة إنشائية تعني "لا يجب أن يكون الحكم إلا لله"، أو تعني أن "أي حكم لغير الله فهو باطل". أحسب أن هذا هو الفهم الشائع للعبارة، وهو فهم قد يقصرها على عالم الفكر، بمعنى أنها لا تشير إلى أي شيء خارجها؛ فقد يكون الواقع مخالفًا تمامًا لها. بيد أن ذلك لا يمنع أن يكون أصحاب العبارة نفسها أو غيرهم عدّوها معبّرة عن أمر واقع فعلً، حتى وإن بدا أنّ في العالم حكمًا لغير الله؛ فالحكم لغير الله باطل

لا تترتب عليه آثار الحكم الشرعي، أو هو حكم مجازي. مهما كان الأمر هنا، وبصرف النظر عن فهم الخوارج أو من أرّخ لهم لطبيعة هذه العبارة وعلاقتها بالواقع أو بالمستقبل، فقد أمْلت وشكّلت – على الأقل من وجهة نظر المؤرخين – نظرة كونية معينة وهويات محددة، بل وأنتجت علاقات اجتماعية وسياسية صنعت بدورها واقعًا بعينه. لقد كانت عبارة "لا حكم إلا لله" شعارًا (أو قد نقول خطابًا) أنتج فهمًا معينًا لأحداث الماضي، وحدّد هوية كل فرد (خارجي/ مسلم في مقابل غير الخارجي/ الكافر)، ثم سعى لتغيير الواقع فعليًا لينسجم مع هذا الشعار. إن إعطاء مكانة مركزية لعبارات بعينها في حديث مؤرخي الإسلام عن الفرق الإسلامية، يشير إلى اعتقاد هؤلاء المؤرخين محورية تلك العبارات في تشكيل عالم تلك الفرق، ومن ثم تشكيل سلوكهم في الواقع الفعلي. بل إن استخدام مفردات معينة دالّ في ذاته على أثر اللغة في فهم التاريخ. فتسمية من انشقوا عن جيش عليّ بن أبي طالب ب "الخوارج"، تكفي في ذاتها لتصوير هؤلاء كأنهم خرجوا على شيء ما يتّسم

بالمعيارية أو الإجماع أو الثبات؛ فالخوارج خوارج لأنهم ليسوا آخرين (أي من أهل "السنة والجماعة" أو شيعة علي مثلً)، أي في مقابل آخرين، وهذه – أي فكرة المقابلة – محورية في البنيوية التي أدّت دورًا كبيرًا في تطور كثير من أفكار المنعطف اللغوي بعد ارتباطه المبدئي بالفلسفة التحليلية. وهكذا، وفضلً

عن أي دور للعبارات في فهم الواقع وصنعه، فإن مجرد استخدام مفردات لغوية مثل "الخوارج" وغيرها قد فرض علينا النظر إلى التاريخ على نحو معين، بمعنى أنه شكّل فعليًا التاريخ كما نعرفه، ولو أننا استبدلنا

غيرها بها لتغيرت نظرتنا إلى التاريخ تغيرًا قد يكون جذريًّا. وهذه النقطة الأخيرة تنقلنا إلى خاتمة هذه

الدراسة، وفيها نتحدث عمّا قد نستفيده من أفكار المنعطف اللغوي.

خاتمة: هل ثمّة فائدة للمنعطف اللغوي؟

رأينا في هذه الدراسة كيف كان المنعطف اللغوي خروجًا على طرائق القرنيْن التاسع عشر والعشرين

في فهم التاريخ؛ فإذا كان الأمر قد اعتمد في وقت ما على الأفكار (مع هيغل وجدليته المثالية)، وفي وقت آخر على المادة وعلاقات الإنتاج (مع ماركس وجدليته المادية)، فإن المنعطف اللغوي قد حوّل

التركيز إلى اللغة واللغة فقط. فالعالم لا يسبق وصفنا له، وكذلك الماضي لا ينفصل عن وصفنا له، وهو وصف يتقيد بالضرورة بحدود اللغة التي تحدد أيضًا مجموع الأفكار الممكنة. قد تكون هذه

(4((ينطبق الأمر نفسه على الخطاب الصوفي، ذلك الخطاب الذي ينظر إلى العالم فعليًا بوصفه خلقًا لغويًا. فوحدة الوجود هي

فكرة يرى الصوفي من خلالها مشتركًا بين كل أجزاء العالم. هذا الخطاب هو الذي يصنع عالم الصوفي.

هي الفكرة الأساسية في المنعطف اللغوي، والذي عنى، في ما عدا ذلك، أشياء مختلفة لمن سعوا إلى تعريفه وتأريخه، كما رأينا في هذه الدراسة، وهو ما قد يجيز لنا الحديث عن "تيارات" متعددة للمنعطف اللغوي. ثم رأينا كيف أن فكرة المنعطف اللغوي عن علاقة اللغة بالواقع تتعارض على نحو حاسم مع فكرة مؤرخي الإسلام الذين اعتقدوا وجود واقع موضوعي يمكن وصفه وصفًا نزيهًا. بيد أن هؤلاء المؤرخين، بوصفهم علماء دين ومفسّرين، قد تعاملوا مع قضية التأويل على أنها أمرٌ مسلّم

به، بل أمر لم يظنّوا أنّه في حاجة إلى تبيان. بل عزا هؤلاء المؤرخون، عن وعي منهم أو من دون وعي، دورًا إلى اللغة في فهم الواقع وصنع الأحداث، مثلما رأينا في نسبتهم عبارات معينة إلى الفرق الإسلامية، أصبحت شعارًا لهم وأساسًا لفهمهم الماضي والحاضر، بل ومنطلقًا لسلوكهم. يبقى الآن السؤال الأخير، وهو هل ثمة فائدة لأفكار المنعطف اللغوي بالنسبة إلى المؤرخ، أم أنه، كما قيل، ليس إلا تهديدًا حقيقيًا للتأريخ يفرض علينا رفضه رفضًا مبدئيًا أو حتى تجاهله؟ أحسب

أن مثال الخوارج كافٍ للاستدلال على أمرٍ ما، أي إن الانتباه إلى المفردات والعبارات التي تستخدمها المصادر التاريخية يُعدّ أمرًا حاسمًا في تفكيك خطابات تلك المصادر على النحو الذي يسمح لنا

بتمييز افتراضاته وتحييد تحيّزاته. فحتى لو اتفقنا مع الرأي القائل بأن المؤرخ لا يستطيع تحييد حاضره

(وهو رأي عبّرت عنه بعض تيّارات المنعطف اللغوي)، إلا أن ذلك لا يعني عدم قدرته على تمييز

تحيّزات المصادر التاريخية وتحييدها بقدر الإمكان. إن الوعي بالدور الذي قد تؤديه اللغة في فهم

مؤلفي المصادر لروايات التاريخ التي وصلتهم، فضلً عن فهمهم للواقع الذي عاينوه هم، أساسيٌ

لفهم تصوير هؤلاء لتلك الروايات ولذلك الواقع. إن معرفة "السياق اللغوي" للمصادر التاريخية يجب أن تصبح جزءًا أساسيًا من عمل المؤرخ المعاصر، حتى وإن اختلفنا مع بعض تيارات المنعطف

اللغوي في الدور الذي تعزوه إلى ذلك السياق. قد تكون هذه هي الفائدة التي يمكن لأفكار المنعطف اللغوي أن تقدمها للمؤرخ، على أقل تقدير.

References

المراجع

العربية

أبو زهرة، محمد. تاريخ المذاهب الإسلامية. القاهرة: دار الفكر العربي، [د. ت.]. بغورة، الزواوي. الفلسفة واللغة: نقد "المنعطف اللغوي" في الفلسفة المعاصرة. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2005. السوداني، حسين. أثر فرديناند دي سوسير في البحث اللغوي العربي: التلقي العربي للسانيات. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم. الملل والنحل. بيروت: دار الكتب العلمية،.1992 عثمان، عمرو. "التاريخ الفكري: النشأة والموضوع والمنهج، ووضعه في الدراسات التاريخية العربية الحديثة". أسطور. العدد 12 (تموز/ يوليو 2020).

عمارة، محمد. تيارات الفكر الإسلامي. القاهرة: دار الشروق،.1997 وايت، هايدن. محتوى الشكل: الخطاب السردي والتمثيل التاريخي. ترجمة نايف الياسين. المنامة: هيئة البحرين للثقافة والآثار،.2017

الأجنبية

Brorson, Kristin Synnøve. "Histories of Concepts after the Linguistic Turn." MPhil Master Dissertation. University of St Andrews. St Andrews, Scotland, 2005. Clark, Elizabeth A. History, Theory, Text: Historians and the Linguistic Turn. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2004. da Silva, Regério Forastieri. "The History of Historiography and the Challenge of the Linguistic Turn." Histório Da Historiografia. vol. 8, no. 17 (April 2015). Dilworth, Craig. "The Linguistic Turn: Shortcut or Detour?" Dialectica. vol. 46, no. 3–4

Lee Klein, Kerwin. "What was the Linguistic Turn?" Clio. vol. 30, no. 1 (2000). Pagden, Anthony. "Rethinking the Linguistic Turn: Current Anxieties in Intellectual History." Journal of the History of Ideas. vol. 49, no. 3 (1988). Peters, Michael A. "The Last Post? Post–Postmodernism and the Linguistic Turn." Linguistic and Philosophical Investigations. vol. 12, no. 1 (2013). Popescu, Lucian. Historical Knowledge in Western Civilization: Studies beyond the Sovereign View. Saarbrücken: VDM Verlag, 2009. Smelser, N.J. & Paul B. Baltes (eds.). International Encyclopedia of the Social and Behavioral Sciences. Pergamon: Elsevier Ltd., 2001. Spiegel, Gabrielle M. "Revising the Past/Revisiting the Present: How Change happens in Historiography." History and Theory. vol. 46, no. 4 (December 2007). Stein, Robert M. "L’Après et son double: Reading Medieval History after the Linguistic Turn." Modern Language Notes. vol. 127, no. 5 (December 2012). Strauss, Danie. "Understanding the Linguistic Turn and the Quest for Meaning: Historical Perspectives and Systematic Considerations." South African Journal of Philosophy. vol. 32, no. 1 (2013). Surkis, Judith. "When was the Linguistic Turn? A Genealogy." The American Historical Review. vol. 117, no. 3 (June 2012). Toews, John E. "Intellectual History after the Linguistic Turn: The Autonomy of Meaning and the Irreducibility of Experience." The American Historical Review. vol. 92, no. 4

Watzka, Heinrich. "Did Wittgenstein ever Take the Linguistic Turn?" Revista Portuguesa de Filosofia. vol. 58, no. 3 (July–September 2002). Weiner, Joan. "Frege and the Linguistic Turn." Philosophical Topics. vol. 25, no. 2 (Fall

Yilmaz, Kaya. "Introducing the 'Linguistic Turn' to History Education." International Education Journal. vol. 8, no. 1 (April 2007).