مراحل الأخلاقية والأخلقة: المقاربة المعرفية - التطورية للورانس كولبرغ
Moral Stages and Moralization: The Cognitive– Developmental Approach of Lawrence Kohlberg
الملخّص
هذا نص مترجم من كتاب لورانس كولبرغ Lawrence Kohlberg (1927-1987) سيكولوجية التطور الأخلاقي: طبيعة المراحل الأخلاقية ومشروعيتها The Psychology of Moral Development: The Nature and Validity of Moral Stages (1984)، يتناول فيه بالشرح والتفصيل النظرية المعرفية - التطورية في فعل "الأخلقة" لدى الفرد، حيث يدافع فيه عن الفرضية التي كان عالم النفس السويسري جان بياجيه Jean Piaget (1896-1980) قد أبرز خطوطها العريضة من قبل، والتي مفادها أن الطفل يمر في تطوره الأخلاقي عبر سلسلة من المراحل الأساسية. وبناء على زُمرة من الأبحاث والتجارب، توصل كولبرغ إلى أن مراحل التطور هذه هي مراحل فعلية يمكن ملاحظتها والبرهنة عليها، وقد وصفها وصنّفها إلى ست مراحل أساسية – وليس إلى مرحلتين كما هي عند بياجيه - موزعة على ثلاثة مستويات، يضم كل مستوى مرحلتين، وفي كل مرة تعتبر المرحلة الثانية من كل مستوى الصورة الأكثر تطورًا والأفضل تنظيمًا للفكرة الأساسية المحايثة للمستوى. ويؤكد كولبرغ أن تطور هذه المراحل الأخلاقية يسير بموازاة التطور المنطقي للفرد، فهذا الأخير شرط ضروري للتطور الأخلاقي إلا أنه ليس كافيًا.
Abstract
Professor of Philosophy at the University of Muhammad al–Amin Dabbaghine, Setif, Algeria. rekahabdelaziz@yahoo.fr
- التطور الأخلاقي
- النظرية المعرفية - التطورية
- لورانس كولبرغ
- التفسير الأخلاقي
- التنشئة الاجتماعية
- Moral Development
- Cognitive-developmental Theory
- Lawrence Kohlberg, Moralization
- Socialization
Moral Development: The Nature and Validity of Moral Stages (1984)، يتناول فيه
بالشرح والتفصيل النظرية المعرفية – التطورية في فعل "الأخلقة" لدى الفرد، حيث يدافع فيه عن الفرضية التي كان عالم النفس السويسري جان بياجيه Jean Piaget (1980–1896) قد أبرز خطوطها العريضة من قبل، والتي مفادها أن الطفل يمر في تطوره الأخاقي عبر سلسلة من المراحل الأساسية. وبناء على زُمرة من الأبحاث والتجارب، توصل كولبرغ إلى أن مراحل التطور هذه هي مراحل فعلية يمكن ملاحظتها والبرهنة عليها، وقد وصفها وصنّفها إلى ست مراحل
أساسية – وليس إلى مرحلتين كما هي عند بياجيه – موزعة على ثاثة مستويات، يضم كل مستوى مرحلتين، وفي كل مرة تعتبر المرحلة الثانية من كل مستوى الصورة الأكثر تطورًا والأفضل
تنظيمًا للفكرة الأساسية المحايثة للمستوى. ويؤكد كولبرغ أن تطور هذه المراحل الأخلاقية يسير
بموازاة التطور المنطقي للفرد، فهذا الأخير شرط ضروري للتطور الأخلاقي إلا أنه ليس كافيًا.
the child goes through stages or moral development. According to the research undertaken by Kohlberg, these are real moral stages which can be observed and proved in terms of six basic stages – not two as Piaget suggested – which can be grouped into three levels, each of which has two stages. Every level represents a "form" of moral reasoning, where the second stage is a more advanced and better organized form of the main idea of each level. Kohlberg claims that his stages form a universal invariant sequence , and there is a parallelism between the stages of moral and logical development. Logical development is a necessary but not a sufficient condition for moral development.
مقدمة
نعمد في هذا الفصل إلى تقديم صورة إجمالية للنظرية المعرفية – التطورية في "الأخلقة" كما جرت صياغتها في دراساتنا لمراحل "الأخلاقية". سنحاول أولً تقديم وصف نظري لمراحل الأخلاقية الست، يلي ذلك عرضٌ يتناول تطور منهجنا في تحديد كل مرحلة وتقييمها. وبعد أن نكون قد قدمنا صورة عن معنى التطور الأخلاقي وكيفية تحديده، سنتطرق إلى نظرية "الأخلقة" التي تأخذ في الاعتبار صورة هذا التطور الأخلاقي، سعيًا منا لتمييز هذه النظرية من مقاربات أخرى تنظر إلى التطور
الأخلاقي باعتباره نتيجةً لمسار التنشئة الاجتماعية أو باعتباره مسارًا لدُربةٍ اجتماعية. بهذا المعنى، يُمكن اعتبار هذا الفصل مجرد تحيين للأطروحات السابقة حول نظريتنا في التطور الأخلاقي. ومع ذلك، لم تكن بُغيتنا في هذه الدراسة تدقيق النظر في جميع الأبحاث؛ فقد نُشرت مراجعات سابقة أو هي في طور النشر. ولأننا تناولنا في موضع آخر بطريقة أشدّ تعمقًا الفرضيات الفلسفية والتبعات المُنجرّة عن نظرية مراحل التطور، فإن عرضنا هنا سيكون منحاهُ مقتضبًا.
أولا: منزلة الحكم الأخلاقي في مجمل الشخصية
يُحبَّذ، بُغية فهم مراحل الأخلاقية، أن نُموضع هذه الأخيرة جنبًا إلى جنبٍ مع تطور الشخصية. ونحن نعلم أن الأفراد يمرّون بمراحل مختلفة، الواحدة تلو الأخرى، وذلك من خلال عملية ارتقاء من المرحلة الأدنى (المرحلة 1) إلى المرحلة الأعلى (المرحلة 6). لكن هناك أيضًا مراحل أخرى يجب
(1) Lawrence Kohlberg, "Stage and Sequence: The Cognitive–Developmental Approach to Socialization," in: D.A. Goslin (ed.), Handbook of Socialization Theory and Research (Chicago: Rand McNally, 1971). (2) Lawrence Kohlberg, "The Development of Moral Character and Ideology," in: Lois Wladis Hoffman & Martin L. Hoffman (eds.), Review of Child Development Research , vol. 1 (New York: Russell Sage Foundation, 1964); Kohlberg, "Stage and Sequence." (3) Lawrence Kohlberg, Cognitive–Developmental Theory and the Practice of Collective Moral Education (New York: Gordon & Breach, 197l).
أن يمرّ بها الأفراد، ولعل مراحل الحكم المنطقي أو الذكاء الذي تناوله جان بياجيه بالدراسة والتحليل،
من المراحل الأساسية جدًّا بعد أن يكون الطفل قد تعلّم الكلام. هناك ثلاث مراحل تطور رئيسة للتعقل، هي: المرحلة الحدسية، ثم مرحلة العمليات المحسوسة، تليها مرحلة العمليات الصورية. ففي سن السابعة، يلجُ الطفل مرحلة التفكير المنطقي المحسوس، ويمكنه حينئذٍ القيام باستدلالات منطقية،
كتصنيف الأشياء وإدراك العلاقات الكمية الخاصة بالأشياء المحسوسة. وفي سن المراهقة يدخل جُل
الناس، وليس جميعهم، في مرحلة العمليات الصورية، التي يسعهم فيها التعقل على منحى تجريدي، بحيث يمكن للتفكير العملياتي الصوري أن يأخذ في الاعتبار كُل الإمكانات، وكذا العلاقات بين عناصر النسق الواحد. ويمكن لهذا الشكل من التفكير وضع فرضيات، إضافة إلى التنبؤ بالتبعات المتمخضة عنها، ثم اختبارها على وهاد الواقع؛ إذ لا يصل كثيرٌ من المراهقين والراشدين على حد سواء إلى هذه
المرحلة إلا جزئيًا، حيث يكون في مُستطاعهم إدراك جميع العلاقات الفعلية بين الأشياء، لكنهم في
المقابل من ذلك لا يقدرون على الأخذ في الاعتبار جميع الإمكانات، ولا حتى إنشاء فرضيات مجردة. عمومًا، لا يتوقف أي مراهق أو راشد تقريبًا عند مرحلة العمليات المحسوسة؛ إذ يبلغ جُلهم مرحلة
العمليات الصورية جزئيًا، ويبلغ السواد الأعظم منهم المرحلة العليا من العمليات الصورية. ومن
حيث كون التعقل الأخلاقي ما هو في الحقيقة إلا ضربٌ من التعقل، فإن التعقل الأخلاقي المتطور
يتوقف على تعقل منطقي متطور أيضًا. فهناك، إذًا، توازن بين مراحل الفرد المنطقية وكذا الأخلاقية. وبناء عليه، يَؤُول الشخص الذي يكون في المرحلة المنطقية الخاصة بالعمليات المحسوسة فقط، إلى شخص مرتهن بمرحلتي الأخلاقية ما قبل التعاقدية (المرحلتان 1 و 2). أما الشخص الذي يكون في المرحلة المنطقية الخاصة بالعمليات الصورية، ولكن على نحو واهن، فهو محدد بمرحلتي الأخلاقية التعاقدية (المرحلتان 3 و.)4 وبناءً على ذلك، فإن التطور المنطقي شرط أساسي للتطور الأخلاقي،
لكنه غير كاف، فكثير من الأشخاص هم في مرحلة منطقية أرقى من المرحلة الأخلاقية المكافئة لها. لكن ليس هناك، في الغالب، شخص يبلغ مرحلة أخلاقية تكون أسمى من مرحلته المنطقية. تلي مراحل التطور المنطقي هذه مراحل الحس الاجتماعي والمنظورية الاجتماعية، وهي المراحل التي يعمد من خلالها الفرد إلى تبنّي أدوار اجتماعية مختلفة. سنقدم وصفًا جزئيًا لتلك المراحل
عند تعريفنا لمراحل الأخلاقية. وتصف مراحل تبني الأدوار هذه المستوى الذي ينظر فيه الشخص إلى الآخرين، ويُؤوِّلُ فيه أفكارهم وعواطفهم، كما ينظر فيه إلى مكانته ودوره الخاص في المجتمع.
وترتبط هذه المراحل ارتباطًا وثيقًا بمراحل الأخلاقية، إلا أنها من طبيعة أكثر عمومية، من حيث إنها لا تهتم بالإنصاف، ولا بمشكلات الاختيار بين ما هو خير وما هو شر؛ ذلك أن إصدار حكم منصف في مستوى معين يعدّ أكثر صعوبة من النظر إلى العالم في ذلك المستوى نفسه. ومثلما هو الحال في ما يخص التطور المنطقي، فإن تطور مرحلة الإدراك الاجتماعي يسبق، أو هو أيسر من تطور مرحلة
(4) Jean Piaget, Six Psychological Studies (New York: Random House, 1967). (5) Kuhn Langer, Lawrence Kohlberg & N.S. Haan, "The Development of Formal Operations in Logical and Moral Judgment," Genetic Psychology Monographs , vol. 95, no. 1 (1977).
أخلاقية مكافئة له. وكما أن هنالك تسلسلً عموديًا لمراحل التطور، يتجه من المرحلة 1 إلى المرحلة 2، ثم إلى المرحلة 3، فهناك في المقابل تسلسل أفقي للمراحل، ينتقل من الحكم المنطقي إلى الإدراك الاجتماعي، ثم إلى الحكم الأخلاقي. فالشخص يبلغ أولً مرحلة منطقية، مثل مرحلة العمليات الصورية، التي تسمح له برؤية "الأنساق" في العالم، أي بإدراك جملة من المتغيرات المُتواشجة فيما بينها في هيئة نسق. ويبلغ في الأخير المرحلة الرابعة من الحكم الأخلاقي التي تتحول فيها الحياة الطيبة ونظام النسق العام (المجتمع) إلى مرجعية للحكم على ما هو "منصف" و"عادل". لقد اكتشفنا أن الأفراد الذين يُظهرون تقدمًا في برامج التربية الأخلاقية المعتمدة لدينا يتسمون بنوع من القدرات المنطقية، إضافة إلى إمكانات إدراك اجتماعي للمرحلة الأخلاقية الأرقى التي يصلون إليها. هناك مرحلة أخيرة في هذا التسلسل الأفقي تتمثل في السلوك الأخلاقي؛ إذ يتطلب الالتزام بحسٍّ
أخلاقيٍّ راقٍ في الأفعال مرحلةَ تعقل أخلاقي عالية، فلا يمكننا الانصياع لمبادئ أخلاقية (المرحلتان
65 و)، إذا لم يكن في مقدورنا حذقها، أو الإيمان بها. يمكننا، رغم ذلك، التعقل بما يتماشى وتلك المبادئ من دون أن يكون في مقدورنا تطبيقها. تحدّد جملةٌ من العوامل هل سيحيا شخصٌ معيّنٌ على
قدر ما تقتضيه مرحلته في التعقل الأخلاقي، في وضعية خاصة؟ لكن تبقى المرحلة الأخلاقية، رغم ذلك، وسيلة جيدة للتنبؤ بسلوك الأشخاص في شروط تجريبية وطبيعية مختلفة. باختصار، نقول إن المرحلة الأخلاقية مرتبطة بالتقدم المعرفي والسلوك الأخلاقي، إلا أن تحديدنا لمرحلة أخلاقية ما يلزم أن يستند فقط إلى التعقل الأخلاقي.
ثانيًا: الوصف النظري لمراحل الأخلاقية
تدرج المراحل الأخلاقية الست في مستويات ثلاثة: المستوى ما قبل التعاقدي (المرحلتان 1 و 2)، والمستوى التعاقدي (المرحلتان 3 و 4)، والمستوى ما بعد التعاقدي (المرحلتان 5 و.)6 ومن أجل فهم المراحل، يستحسن البدء أولً بفهم هذه المستويات الثلاثة من الأخلاقية. إن المستوى الأخلاقي ما قبل التعاقدي هو مستوى غالبية الأطفال الذين تقل أعمارهم عن تسع سنوات، إضافة إلى بعض المراهقين وإلى كثير من البالغين والمراهقين الجانحين والمجرمين. أما المستوى التعاقدي فهو مستوى غالبية الأشخاص البالغين، سواء في مجتمعنا أو في أي مجتمع آخر، في حين لا يبلغ المستوى ما بعد التعاقدي إلا عدد قليل من الراشدين، ولا يتم الوصول إليه في العادة إلا بعد سن العشرين. ويعني المصطلح "تعاقدي" أن أمرًا ما متطابقٌ مع قواعد وتطلعات وتقاليد مجتمع معين أو سلطة
معينة، وأن ذلك يساعد على احترام تلك القواعد وتلك التوقعات. وبناء عليه، يوصف ب "التعاقدي" كل ما هو متطابق مع تلك القواعد؛ ذلك لأنها قواعد المجتمع وتطلعاته وتقاليده فحسب. إن الشخص في المستوى ما بعد التعاقدي يفهم ويتقبّل قواعد المجتمع، إلا أن تقبّلها يستند إلى صياغة وتقبّل
لمبادئ أخلاقية عامة تفترض تلك القواعد. ويمكن لهذه المبادئ الأخلاقية أن تدخل أحيانًا في صراع
(6) Kohlberg, "Stage and Sequence."
مع قواعد المجتمع، وفي هذه الحالة سيحتكم الشخص ما بعد التعاقدي إلى مبادئه هو، لا إلى تلك التقاليد. هناك طريقة لفهم هذه المستويات الثلاثة، تتمثل في النظر إليها كما لو كانت ثلاثة أشكال مختلفة من العلاقات بين "الأنا" و"قواعد المجتمع وتطلعاته". ومن وجهة النظر هذه، يصنّف الشخص "ما قبل التعاقدي" في المستوى الأول، من حيث إن قواعد المجتمع وتطلعاته تعتبر أمورًا خارجة عن "أناه"، ويصنّف على أنه شخص تعاقدي في المستوى الثاني، عندما يتعرف في ذاته إلى قواعد الآخرين وتطلعاتهم، وخصوصًا قواعد السلطات وتطلعاتها، أو قل عندما يستبطن تلك القواعد والتوقعات، في حين يكون تصنيفه ما بعد تعاقديًا في المستوى الثالث؛ لأنه يميّز "أناه" من قواعد الآخرين وتطلعاتهم،
ويحدّد قيَمه وفقًا للمبادئ التي اختارها لنفسه. يتضمن كل مستوى من مستويات الأخلاقية هذه مرحلتين. وفي كل مستوى تكون المرحلة الثانية الشكلَ الأكثر تطورًا والأحسن تنظيمًا للفكرة الرئيسة. ويحدد الجدول (1)، مراحل الأخلاقية الست من حيث: 1. ما هو صائب، 2. السبب الدافع إلى الالتزام بما هو صائب.3 المنظورية الاجتماعية التي تفترض كل مرحلة. وتعتبر هذه النقطة الأخيرة مفهومًا محوريًا سيتركز عليها الآن تحديدنا للتعقل الأخلاقي. الجدول (1) المراحل الست للتطور الأخلاقي محتوى المراحل
| محتوى المراحل | |||
|---|---|---|---|
| المستوى والمرحلة | مأا هو صائب | الأسباب الدافعة إلى القيام بما هو صائب | المنظورية الاجتماعية للمرحلة |
| المستوى I: ما قبل التعاقدي – المرحلة 1: أأخلاقية الخضوع | تجنب خرق القواعد خوفًا من العقاب، وضرورة الالتزام بها لمصلحة الذات. تفادي إلحاق الضرر المادي بالأشخاص والممتلكات. | تفادي العقاب وبطش اااألسلطة. | وجهة نظر أنانية مركزية. لا يأخذ الفرد في الحسبان مصالح الآخرين أو يعي أنها تختلف عن مصالحه. ولا يستطيع ربط وجهتي نظر مختلفتين. وينظر إلى الأفعال من وجهة نظر فيزيائية فحسب، من دون مراعاة المصالح السيكولوجية للآخرين. ويخلط الفرد منظوريته الخاصة مع منظورية السلطة. |
– المرحلة:2
اتباع القواعد فقط عندما
إشباع الرغبات الفردية منظورية فردانية ملموسة.
| – المرحلة:2 النزعة الفردانية، القصد الأداتي وآاالتبادل. | اتباع القواعد فقط عندما تكون في مصلحتنا المباشرة. السعي لتحقيق المصالح والحاجات الشخصية مع ترك الآخرين يفعلون الأمر نفسه. الصائب هو أيضًا المنصف، التبادل العادل، اآلاتفاق. | إشباع الرغبات الفردية وتلبية المصالح الخاصة في عالم نعترف فيه بأن للآخرين أيضًا مصالحهم الخاصة. | منظورية فردانية ملموسة. إدراك واقع أن كل فرد يسعى وراء مصالحه، وأن هذه المصالح يمكن أن تدخل في صراع، بحيث يصبح ما هو صائب أمرًا نسبيًا (أي فردانيًا ملموسًا). |
|---|---|---|---|
| المستوى II: التعاقدي – المرحلة:3 التوقعات والعلاقات المتبادلة والتطابق ااأاآإلبينشخصي | الالتزام بما يطلبه المحيط المقرّب، أو ما ينتظره الناس عادة من الشخص الذي يقوم بدور الابن، الأخ، الصديق... إلخ. "الاتصاف بالخير" مهم وهو يعني العمل وفق دوافع وجيهة، مع إبراز نوع من الاهتمام بالآخرين. وهذا يعني أيضًا الحفاظ على علاقات متبادلة مثل الثقة، والإخلاص، والاحترام واإالعرفان. | الحاجة إلى الظهور في مظهر الخيّر في نظر الذات نفسها وفي نظر الآخرين. والاهتمام بالآخرين. الإيمان بقاعدة التبادلية. والرغبة في الحفاظ على القواعد وعلى السلطة التي تضع صورة نموذجية من السلوك الخير. | منظورية الفرد في علاقته بالأفراد الآخرين. والوعي بمشاعر متقاسمة وباتفاقات وبتوقعات ذات أولوية مقارنة بالمصالح الفردية. وربط مختلف وجهات النظر من خلال تطبيق قاعدة التبادلية، أي من خلال التموضع في مكان الغير. في هذه المرحلة لا يأخذ الشخص في الحسبان منظورًا عامًّا حول النظام. |
| – المرحلة:4 النظام الاجتماعي واالضمير. | الحرص على أداء الواجبات الملتزم بها. يجب احترام القوانين، إلا في حالة تعارضها مع واجبات اجتماعية معينة. يعتبر الإسهام في حياة الجماعة/ المجموعة أو المؤسسة أمرًا صائبًا أيضًا. | الحرص على وحدة وعمل الجماعة وتجنب تعطيل النظام، "إذا قام كل فرد بالشيء نفسه"، أو الواجب الذي يمليه علينا ضميرنا في احترام الواجبات التي حددناها (تتشابه هذه المرحلة مع المرحلة 3 كثيرًا، الإيمان بالقواعد والسلطة. ينظر النص) | القدرة على التمييز بين وجهات نظر مجتمعية انطلاقًا من دوافع أو من توافقات بينشخصية. تبنّي وجهة نظر النظام الذي يحدد الأدوار والقواعد. تقييم العلاقات بين الأفراد انطلاقًا من مكانتهم في النظام. |
المستوى III: الوعي بتبني الأشخاص ما بعد التعاقدي لتعددية من القيم والآراء، أو المنظم
والوعي بأن أغلب القيم بمبادئ.
والقواعد هي قيم وقواعد خاصة بجماعتنا فقط.
– المرحلة:5
العقد الاجتماعي رغم ذلك يجب الدفاع عن تلك القواعد النسبية،
أو المنفعة
والحقوق الفردية. من باب الحياد ولأنها تشكل العقد الاجتماعي. في المقابل، هناك بعض القيم والحقوق الكونية مثل الحياة والحرية، التي يجب الدفاع عنها في كل مجتمع وبعيدًا عن أغلبية
الآراء.
الالتزام بمبادئ أخلاقية
– المرحلة 6: المبادئ الأخلاقية نختارها بأنفسنا. تعتبر القوانين الخاصة
المجردة. أو الاتفاقات الاجتماعية صالحة في العموم، لأنها تقوم على مثل هذه المبادئ، يعمل الفرد في اتفاق مع هذه المبادئ. هذه الأخيرة هي مبادئ عدالة كونية كالمساواة في حقوق الإنسان، واحترام كرامة البشر المعتبرين كأشخاص فرديين.
الشعور بالواجب إزاء منظورية قبل مجتمعية. القانون امتثالً للعقد منظورية شخص عقلاني الاجتماعي الذي نضع يعي قيمًا وحقوقًا سابقة
به القوانين. تُحترم
عن كل رابطة اجتماعية هذه القوانين لمصلحة أو عقد اجتماعي. يتبنّى
الجميع ولحماية
الفرد هذه المنظورية حقوق الشعب.
بآليات صورية للاتفاق الشعور بالالتزام
والعقد وللحياد التعاقدي الإرادي
الموضوعي وإجراءات في احترام بعض
تطبيق القانون. مراعاة الواجبات إزاء الأسرة، وجهة النظر الأخلاقية والصداقة، والثقة
ووجهة النظر القانونية والعمل. الحرص
مع توقع إمكانية عدم على ضرورة تأسيس توافقهما، وبالنتيجة القوانين والواجبات، صعوبة التوفيق بينهما. وفق حساب عقلاني للمنفعة العامة، "أكبر قدر من الخيرات لأكبر عدد من الناس". باعتباره شخصًا عقلانيًا، منظورية وجهة النظر
يظهر الفرد اعتقاده
الأخلاقية، تستقى منها الراسخ بصلاحية
التوافقات الاجتماعية. المبادئ الأخلاقية
تعتبر هذه المنظورية المجردة، وشعوره
منظورية كل فرد عقلاني بالواجب إزاء تلك
يعي طبيعة الأخلاقية المبادئ.
أو واقع أن الأشخاص هم في ذاتهم غايات، ويجب النظر إليهم وفق تلك الصفة.
ثالثًا: المنظوريات الاجتماعية للمستويات الأخلاقية الثلاثة
لضبط خصائص تطور التعقل الأخلاقي بطريقة بنيوية، علينا البحث عن بناء ذهني واحد ومشترك بين جميع المراحل، يُبرز الخصائص البنيوية الرئيسة لكل مرحلة. نجد عند روبرت سلمان أسس
البحث عن هذا البناء العقلي المشترك؛ فقد حدد مستويات لتبنّي الأدوار مطابقةً لمراحل الأخلاقية عندنا وتشكل تراتبية بنيوية ومعرفية. يعرّف تبني الأدوار هذا، قبل كل شيء، بالطريقة التي يميّز بها
فرد ما وجهة نظره من وجهات نظر أخرى، وكذا بالطريقة التي يطابق بها وجهة نظره مع وجهات النظر تلك. هنالك، رغم ذلك، بنية فكرية أكثر عمومية في اعتقادنا، تضم تبنّي الأدوار والحكم الأخلاقي معًا. يتعلق الأمر بمفهوم المنظورية السوسيو – أخلاقية التي تشير إلى الدور الذي يتبنّاه فرد ما لتحديد الوقائع الاجتماعية والقيم السوسيو – أخلاقية في الوقت نفسه، أو على الأقل وجهة النظر التي يفترض أن يتبناها لتحديد هذه الأخيرة. إننا نفترض وجود ثلاثة مستويات كبرى من المنظوريات الاجتماعية الموافقة للمستويات الثلاثة الكبرى للحكم الأخلاقي، تمثل في الجدول.)2(الجدول (2) مستويات المنظوريات الاجتماعية الموافقة للمستويات الثلاثة الكبرى للحكم الأخلاقي
| الحكم الأخلاقي | المنظورية الاجتماعية |
|---|---|
| I. ما قبل تعاقدي | منظورية فردية محسوسة |
| II. تعاقدي | منظورية العضو في المجتمع |
| III. ما بعد تعاقدي أو منظم بمبادئ | منظورية قبل – مجتمعية |
لنقم بتوضيح معنى هذه المنظوريات الاجتماعية، وذلك من خلال تبيان كيف تسمح بتوحيد مختلف الأفكار والاهتمامات الخاصة بكل مستوى أخلاقي. يتميز المستوى التعاقدي، مثلً، من المستوى ما قبل التعاقدي، من حيث إنه يستدعي الدوافع الآتية: 1. الحرص على الاستحسان الاجتماعي، 2. الإخلاص إزاء أشخاص أو جماعات أو سلطة،.3 الحرص على رفاهية الآخر والجماعة. علينا التساؤل الآن عن الأمر الذي يتضمن كل هذه الدوافع ويضبطها جميعًا؛ إذ إن ما يضبط ويوحّد خصائص المستوى التعاقدي أساسًا هو المنظورية الاجتماعية، أي وجهة النظر المتقاسمة بين جميع أعضاء الجماعة الواحدة. يجعل الفرد التعاقدي من حاجات الفرد الواحد تابعة لوجهة نظر الجماعة وحاجاتها. ولتمثيل المنظورية الاجتماعية التعاقدية، لدينا الإجابة التي يقدمها جو Joe البالغ من العمر سبع عشرة سنة عن السؤال التالي:
(7) Robert L. Selman, "The Development of Social–Cognitive Understanding: A Guide to Education and Clinical Practice," in: Robert. L. Selman & Thomas Lickona (eds.), Moral Development and Behavior: Theory, Research, and Social Issues (New York: Holt, Rinehart & Winston, 1976).
س– لماذا لا يجوز لك السرقة من المتجر؟ ج– "إنها مسألة قانون. فمن قواعدنا العمل على مساعدة وحماية الملكية الخاصة لأي شخص، وليس حماية المتجر فحسب. إنه أمر مستحسن في مجتمعنا؛ ذلك أن غياب القوانين يدفع الأشخاص إلى السرقة وعندئذ تزول الحاجة إلى العمل كمصدر للعيش، ويقع المجتمع في فوضى". إن جو حريص على احترام القانون، والسبب راجع إلى حرصه على "رفاهية المجتمع في مجمله". من الواضح، إذًا، أنه يتحدث باعتباره عضوًا في المجتمع: "من قواعدنا العمل على حماية أي شخص في
مجتمعنا". هذا الحرص على رفاهية المجتمع نابع من تبنّي وجهة نظر "نحن، أعضاء الجماعة" التي تتجاوز وجهة نظر جو باعتباره ذاتًا فردية ملموسة. ويمكننا أن نضع هذه المنظورية التعاقدية لعضو في الجماعة، في مقابل المنظورية ما قبل التعاقدية التي تقوم على الفرد الملموس. إن وجهة النظر الأخيرة هذه هي وجهة نظر فرد فاعل في وضعية يفكر فيها في مصالحه ومصالح الأفراد الذين يهتم لأمرهم. هذه المنظورية الفردية المحسوسة هي نفسها التي كان جو قد صوّرها سبع سنوات قبل سنه هذا، أي لما كان في سن العاشرة، من خلال الإجابة عن
السؤال نفسه: س– لماذا لا يجوز لك السرقة من المتجر؟ ج– "السرقة من المتجر فعل قبيح. إن القانون يمنع ذلك. يمكن أن يراك شخص ما ويبلغ الشرطة". إن التأكيد على أن "القانون يمنع ذلك" له معنى متباين جدًا في كل مستوى، ففي المستوى الثاني II، القانون يضعه الجميع ولمصلحة الجميع، مثلما يبيّن ذلك جو في سن السابعة عشرة. أما
في المستوى الأول I، فإن القانون تطبّقه الشرطة فقط، وبناء على ذلك يكون الداعي إلى احترامه هو
تجنب العقاب. إن هذا السبب متأتٍّ من حدود منظورية المستوى الأول، أي منظورية فرد يولي أهمية لمصالحه الخاصة ومصالح أفراد منعزلين آخرين. لننظر الآن في منظورية المستوى ما بعد التعاقدي. إنها تشبه المنظورية ما قبل التعاقدية من حيث إنها تعود إلى وجهة نظر الفرد عوض تبنّي وجهة نظر "نحن، أعضاء الجماعة". ورغم ذلك، من الممكن أن تكون وجهة النظر الفردية المتبنّاة في المستوى ما بعد التعاقدي مجردة. إنها وجهة نظر أي فرد أخلاقي عقلاني. يسائل الشخص ما بعد التعاقدي، الواعي بمنظورية العضو في الجماعة، ويعيد تحديد هذه المنظورية وفق مصطلحات منظورية أخلاقية فردية، على نحو تحدد فيه الواجبات الاجتماعية وفق معنى قابل للتبرير لأي فرد أخلاقي كان. إننا نرى أن الالتزام الفردي بأخلاقية أساسية أو بمبادئ أخلاقية يجب أن يكون سابقًا أو هو ضروري لتبنّي منظورية اجتماعية أو لقبول قوانين وقيم المجتمع. في المقابل، على قوانين وقيم المجتمع أن تكون على نحو يمكن معه لأي شخص عقلاني أن يتبنّاها، مهما كانت مكانته في المجتمع، ومهما كان المجتمع الذي ينتمي إليه. تصبح المنظورية ما بعد التعاقدية عندئذ سابقة عن المجتمع، إنها منظورية فرد له التزام أخلاقي معين، أو شخص يلتزم
بقواعد عامة يتأسس عليها المجتمع الحسن والعادل. إنها منظورية يمكن بواسطتها 1. الحكم على مجتمع معين أو على جملة من الممارسات الاجتماعية، 2. كما يمكن لشخص ما أن يلزم نفسه عقلانيًا
بالمجتمع. مثال ذلك: جو، العينة المتبعة، الذي استُجوِب في سن الرابعة والعشرين. س– لماذا لا يجوز لشخص ما السرقة من المتجر؟ ج– "إن ذلك يعتبر تعدّيًا على حقوق شخص آخر، في حالتنا هذه هو تعدٍّ على حق الملكية". س– هل للقانون دخل في ذلك؟ ج– "يقوم القانون في أغلب الأحيان على ما هو صائب أخلاقيًا، فليس هناك اختلاف، ويجب أن يؤخذ
هذا الأمر أيضًا في الاعتبار". س– ماذا تعني لك ألفاظ مثل "الأخلاقية" و"الصائب أخلاقيًا"؟ ج– " الاعتراف بحقوق الأفراد الآخرين، والحق في الحياة بدايةً، ثم الحق في فعل ما نريد ما دام ذلك غير متعارض مع حقوق شخص آخر". يعتبر فعل السرقة فعلً سيئًا لأنه يمس بالحقوق الأخلاقية للأفراد، التي هي سابقة على القانون وعلى المجتمع. إن الحق في الملكية منحدر من حقوق الإنسان المجردة (تمامًا مثل الحرية في القيام بأي
فعل لا يمس بحرية الآخرين)، كما أن مطالب القانون والمجتمع هي مطالب متفرعة عن حقوق أخلاقية مجردة، وليس العكس. تجدر الإشارة، رغم ذلك، إلى أن مجرد الإحالة إلى ألفاظ مثل "الحقوق"، أو "الصائب أخلاقيًا"
أو "الضمير"، أمر لا يسمح وحده بتمييز الأخلاقية التعاقدية من الأخلاقية ما بعد التعاقدية؛ فأن ينحو الفرد نحو الأمور الصائبة أخلاقيًا أو أن يتّبع ضميره، على عكس الالتزام بالقانون، أمر لا يعكس
بالضرورة منظورية ما بعد تعاقدية لدى الفرد العقلاني الأخلاقي. ويمكن لمصطلحات الأخلاقية والضمير أن تستعمل بوصفها مرجعيةً لقواعد وقيم جماعة تدخل في صراع مع القوانين المدنية، أو لقواعد الجماعة الغالبة. إن الضمير بالنسبة إلى شاهد من شهود يهوه Jehovah’s witnesses، أرسل إلى السجن لأنه اتبع "ضميره الأخلاقي"، يمكن أن يأخذ معنى القانون الإلهي، كما هو مؤوَّل من
طرف طائفته أو جماعته الدينية، إنه لا يتبنّى وجهة النظر التي يمكن أن يتبناها أي فرد متطلع نحو مبادئ أو قيم أخلاقية مجردة. يجب على مثل هذه الأفكار، لكي تكتسي الطابع ما بعد التعاقدي، أن تُستعمَل
وفق معنى يبرز بوضوح أنها تشكّل أساس ارتكاز لفرد عقلاني أو أخلاقي لا يزال مستقلً عن أي طائفة أو أي مجتمع، أو لم ينخرط بعد في أخلاق ذلك المجتمع. إن "الثقة"، مثلً، قيمة قاعدية في كلا
(((فرقة من فرق المسيحية نشأت عن حركة تدعى "تلاميذ الإنجيل"، تأسست سنة 1870 على يد القس تشارلز تاز رسل Russell Taze Charles (1916–1852). (المترجم)
المستويين التعاقدي وما بعد التعاقدي. ففي المستوى التعاقدي، يعتبر فعل الثقة بالغير أمرًا ننتظره من
الآخرين في مجتمعنا. ويعبّر جو في سن السابعة عشرة عن هذا بالطريقة التالية. س– لماذا يجب علينا الوفاء بعهودنا مهما اقتضى الأمر؟ ج– "إن الصداقة قائمة على الثقة، إذا لم يكن في وسعنا الوثوق بشخص ما، فإن من الصعب جدًّا التعامل معه. على المرء أن يكون جديرًا بالثقة كلما كان ذلك ممكنًا، فذلك هو ما يترك الانطباع الحسن
لدى الغير عنك، إن الاحترام متوقف على الثقة". ينظر جو إلى الثقة في هذا المستوى التعاقدي على أنها الثقة بالغير، وإمكانية خيانة هذه الثقة في الوقت نفسه. إنه يعتقد أن المرء في حاجة إلى أن يكون جديرًا بالثقة، ليس فقط لضمان احترام الآخرين
والحفاظ على علاقات اجتماعية معهم، بل أيضًا لأنه يتطلع، باعتباره عضوًا في المجتمع، إلى إمكانية
الوثوق بالآخرين عمومًا. يخطو الأفراد في المستوى ما بعد التعاقدي خطوة إضافية نحو الأمام؛ فهم لا يفترضون على نحو آلي أنهم في مجتمع يحتاجون فيه إلى صداقة الأفراد الآخرين واحترامهم. بل عوض ذلك، يتساءل هؤلاء عن الأسباب التي تدفع أي مجتمع أو علاقة اجتماعية إلى افتراض الثقة، وكذا الأسباب التي تدفع الفرد إلى أن يكون جديرًا بالثقة، إن هو أراد الانضمام إلى مجتمع ما. أصبح جو، في سن الرابعة والعشرين،
ما بعد تعاقديًا في تفسيره للأسباب التي لأجلها يجب الوفاء بالعهد. "أعتقد أن العلاقات الإنسانية قائمة في العموم على الثقة بالأفراد الآخرين؛ إذ من المستحيل على المرء إرساء علاقة مع الغير إذا لم يكن في وسعه الوثوق بأي شخص آخر، سيكون حالنا عندئذ حال الأنانية المفرطة. إن كل ما نقوم به طوال اليوم متعلق بشخص آخر، فإذا لم يكن في مقدورنا إرساء علاقاتنا على أساس منصف، فسنجد أنفسنا أمام عالم من الفوضى". لقد قمنا بتحديد وجهة النظر الأخلاقية ما بعد التعاقدية انطلاقًا من الأسباب الفردية التي يحكم من خلالها الشخص على شيء ما بالحسن أو السوء. علينا تمثيل وجهة النظر هذه من حيث إنها تدخل في عملية اتخاذ قرار فعلي أو في تعريف ما هو صائب. يدرك الشخص ما بعد التعاقدي وجهة النظر الأخلاقية التي يفترض في الفرد تبنّيها في حالة نزاع أخلاقي. فبدل تحديد توقعات الأفراد وواجباتهم، انطلاقًا من وجهة
نظر الأدوار الاجتماعية التي يقومون بها، كما يفعل ذلك شخص في المستوى التعاقدي، يرى الشخص ما بعد التعاقدي أنه يُفترض بهؤلاء الأفراد في تلك الأدوار التوجه نحو "وجهة نظر أخلاقية". ورغم ذلك،
تعترف وجهة النظر الأخلاقية ما بعد التعاقدية أيضًا بواجبات قانونية – اجتماعية محددة، لكن في حال تنازع هذه الأخيرة مع وجهة النظر الأخلاقية يصبح الاعتراف بالواجبات الأخلاقية أولى. يعكس جو في سن الرابعة والعشرين وجهة النظر الأخلاقية ما بعد التعاقدية هذه، باعتبارها منظورية اتخاذ قرار خاص بمعضلة هاينز Heinz Dilemma المتعلقة بسرقة الزوج علبةَ دواء من أجل إنقاذ زوجته.
(((هي معضلة مشهورة لدى المختصين في دراسة الأخلاق وتعليمها. وكان لورانس كولبرغ يقدم معضلات أخلاقية أو مواقف افتراضية، على الشخص أن يتخذ إزاءها قرارات صعبة، حول ما عليه القيام به ولماذا؟ وهي من أشهر المعضلات التي اعتمدها لورانس كولبرغ. (هيئة التحرير)
"من واجب الزوج إنقاذ زوجته. إن الوضع الخطر لحياة الزوجة هو فوق أي اعتبار آخر يمكننا الاستناد إليه في الحكم على فعله. قيمة الحياة أهم من الملكية الخاصة". س – لنفرض أن الأمر يتعلق بصديق وليس بزوجته؟ ج– "لا أعتقد أن ذلك يمثل فرقًا كبيرًا من وجهة نظر أخلاقية. تبقى دائمًا حياة إنسان ما في خطر". س– ماذا لو كان شخصًا غير معروف؟ ج– " لكي أكون منطقيًا؛ نعم، من وجهة نظر أخلاقية". س– ما هي وجهة النظر الأخلاقية هذه؟ ج– أعتقد أن كل شخص له الحق في الحياة، وإذا كانت هناك طريقة لإنقاذ شخص ما، فإن من الواجب إنقاذه. س– هل يجب على القاضي معاقبة الزوج؟ ج– في العادة لا تتعارض وجهة النظر الأخلاقية مع وجهة النظر القانونية، لكنهما في نزاع هنا. على القاضي أن يعطي الأولوية لوجهة النظر الأخلاقية ومراعاة القاعدة القانونية من خلال تسليط عقوبة خفيفة على هاينز.
رابعًا: المنظورية الاجتماعية للمراحل الست
يتناول هذا المحور الاختلاف بين المنظوريات الاجتماعية المحايثة لكل مرحلة من المراحل الست المقسّمة إلى مستويات ثلاثة. سنحاول إبراز كيف تكمّل المرحلة 2 من كل مستوى تطورَ المنظورية الاجتماعية التي تم تبنّيها في المرحلة 1 من هذا المستوى ذاته. لتوضيح ذلك، سنبدأ من أسهل مرحلتين، وهما المرحلتان 3 و 4 الموافقتان للمستوى التعاقدي. سبق أن أشرنا في العنصر السابق إلى أن منظورية المستويين الأول والثاني تتعلق بفرد منعزل. وقد وضعنا في مقابل ذلك منظورية عضو الجماعة الأكثر اكتمالً، تلك التي يعبّر عنها جو في سن السابعة عشرة،
أي المنظورية المميزة للمرحلة.4 إن تأكيد جو أهمية الثقة في العلاقات بالغير يترجم بوضوح منظورية شخص ما يتبنى وجهة نظر النظام الاجتماعي. ولا تعي منظورية المرحلة 3 الاجتماعية على نحو كبير وجهة نظر المجتمع أو مصلحة المجتمع في مجمله. لنتأمل مثالً دالً على المرحلة 3، إجابة أندي Andy عن المعضلة التالية: هل علينا إطلاع الأب على عصيان الأخ، إن أسرّ لنا هذا الأخير بذلك؟ "على الأخ أن يفكر في أخيه، لكن من المهم أن يكون ولدًا صالحًا. لقد قدّم الأب الكثير لنا، سأشعر بالندم إن لم أخبر أبانا، ففي هذه الحالة لن أكون محل ثقته مجددًا. سيتفهم أخي ذلك. لقد قدم الأب الكثير له هو أيضًا".
لا تستند وجهة نظر أندي إلى نظام اجتماعي معين. يتعلق الأمر، بالأحرى، بنظام ذي علاقتين؛ علاقة بأخيه وأخرى بأبيه؛ إذ يأتي الأب باعتباره شخصًا يقدم له يد العون ويجسّد السلطة في المحل الأول. بينما ينتظر أندي من أخيه أن يشاركه هذه المنظورية، ولكن كشخص آخر يعتبر الأب الصورة الرئيسة للسلطة. لا توجد هنا إحالة إلى نظام الأسرة عمومًا؛ إذ يبدو واقع أن يكون المرء ولدًا صالحًا أهمّ، لكن ليس من وجهة نظر المجتمع معتبرًا بوصفه كلً، أو من وجهة نظر الأسرة معتبَرةً نظامًا. إن
منظورية عضو الجماعة المميزة للمرحلة 3 هي منظورية الشخص النزيه العادي، وليست منظورية المجتمع أو المؤسسة المعتبرة كلً. في حين تنظر منظورية المرحلة 3 إلى الأشياء من وجهة نظر العلاقات المتقاسمة بين فردين أو أكثر (علاقات اهتمام، ثقة، احترام... إلخ)، عوض وجهة نظر الكل المؤسساتي. باختصار نقول إن منظورية عضو المجتمع في المرحلة 4 هي منظورية "النظام"، في حين أن منظورية المرحلة 3 هي منظورية المشارك في علاقة أو في جماعة. لننظر الآن في المستوى ما قبل التعاقدي، فبينما لا تقتضي المرحلة 1 إلا وجهة نظر الفرد المحسوس، يأخذ الفرد في المرحلة 2 في الاعتبار عددًا معتبرًا من الأفراد الآخرين، لكل منهم وجهة نظره الخاصة.
إنني أتنبأ في المرحلة 2، من خلال السعي لتلبية مصالحي الخاصة، بردود فعل الأشخاص الآخرين، الإيجابية والسلبية، كما يقوم هؤلاء بالتنبؤ برد فعلي أيضًا، وسيسعى كل واحد منا إلى فرض وجهة نظره الخاصة ما لم نتوصل إلى اتفاق، وعند تحقيق هذا الأخير سيقوم كل شخص منا بفعل شيء للآخرين. والمثال الدال على هذا الانتقال من المرحلة 1 إلى المرحلة 2 نلمسه من خلال تغيّر الإجابة التي
تقدمها العيّنة ذاتها في مرحلتين مختلفتين من العمر، في سن العاشرة أولً، ثم في سن الثالثة عشرة، عن
المشكلة التالية: أمن واجب الأخ البكر أن يخبر الأب عن سوء فعل أخيه الأصغر الذي أسرّ له بذلك؟
تقدّم العيّنة في سن العاشرة إجابة ترتبط بالمرحلة 1: "كان من الصائب بمعنى ما، إخبار الأب؛ لأن هذا الأخير كان يمكن أن يضربه. من جهة أخرى، من غير الصائب إخبار الأب؛ لأن الأخ يمكن أن يضربه إن هو أخبره". في سن الثالثة عشرة يصبح الشخص في المرحلة:2 "لا يجدر بالأخ الأكبر قول شيء؛ لأن ذلك من شأنه أن يلحق الأذى بأخيه. إن كان يريد أن يحفظ أخوه السر في مناسبة أخرى، فمن الأفضل له أن لا يقول شيئًا". نلحظ في الإجابة الثانية زيادة الاهتمام بسلامة الأخ. وذلك من حيث إن الشخص يستبق ما يجب أن تكون عليه علاقاته وتبادلاته مع أخيه، ويرى في سلامة أخيه سلامته هو. هناك تمثيل واضح جدًا لوجهة نظر الأخ وعلاقتها بوجهة نظره الخاصة. إذا ما تحوّلنا الآن إلى المستوى ما بعد التعاقدي، نجد توجّهًا خاصًا بالمرحلة 5، يميز وجهة النظر
الأخلاقية من وجهة النظر القانونية، لكنه يواجه صعوبة في تحديد المنظورية الأخلاقية المستقلة عن المنظورية التي يفترضها القانون التعاقدي والشرعي. يجيب جو عند تقدّمه إلى المرحلة 5، بالطريقة التالية عن "معضلة هاينز" المتعلقة بسرقة الدواء.
"تتطابق في العادة وجهة النظر الأخلاقية مع وجهة النظر القانونية. لكنهما في تعارض هنا. على القاضي أن يولي أهمية أكبر لوجهة النظر الأخلاقية". ليست وجهة النظر الأخلاقية بعد، شيئًا ما سابقًا على وجهة النظر القانونية بالنسبة إلى جو؛ فبالنسبة إليه ينحدر القانون والأخلاق كلاهما من قيم وقوانين فردية، وهما في المستوى نفسه تقريبًا. ويُحدّد
الواجب في المرحلة 6 بمصطلحات المبادئ الأخلاقية المجردة. إليك إجابة من المرحلة 6 عن معضلة هاينز: "ليس ذلك صائبًا من وجهة نظر قانونية، لكنه صائب من وجهة نظر أخلاقية. إن أنظمة القانون غير
صالحة إلا إذا كانت تعكس هذا النوع من القانون الأخلاقي الذي في مقدور أي شخص عقلاني أن يقبله. علينا مراعاة العدالة الشخصية المطروحة على المحك، والتي هي أصل العقد الاجتماعي ذاته. إن الأساس الذي يحدد بناء المجتمع هو العدالة الفردية، أي حق الشخص في التعامل مع جميع مطالبه بطريقة منصفة في كل حالة، وليس فقط في الحالات المدونة في نص القانون. وتعني العدالة الشخصية: التعامل مع كل شخص كغاية وليس كوسيلة". تُبرز هذه الإجابة وعيًا واضحًا بوجهة النظر الأخلاقية القائمة على مبدأ "التعامل مع كل شخص كغاية
وليس كوسيلة"، الذي يعتبر هو ذاته أساسيًا أكثر من وجهة النظر الاجتماعية – القانونية، بحيث يمكننا،
انطلاقًا منه، اشتقاق وجهة النظر الاجتماعية – القانونية هذه.
خامسًا: التوجهات الأخلاقية الأربعة ومسار التطور داخل كل مرحلة
لم نميز أثناء عرضنا للمنظوريات الاجتماعية بين إدراك فعل اجتماعي (تبنّي دور)، وإملاء ما هو خير وشر (الحكم الأخلاقي). ما خصائص مختلف مراحل الحكم الأخلاقي باعتباره متميزًا من المنظوريات الاجتماعية عمومًا؟ سنتحول الآن، من أجل تحديد ما هو أخلاقي، نحو المقولات الأخلاقية المتداولة في الفلسفة الأخلاقية. وتتضمن هذه الأخيرة مقولات كيفية (مثل الحقوق، والواجبات، واللائق أخلاقيًا،
والمسؤولية)، ومقولات "أولية" (مثل الحياة الطيبة، والحرية، والمساواة، والتبادلية، والقواعد والنظام الاجتماعي). لقد اعتدنا، عند وضع تصنيف لنظريات الفلسفة الأخلاقية، تحليل المقولات الأخلاقية الأولى الخاصة بهذه النظريات، التي تستنتج منها المقولات الأخرى. بهذا يكون لنا أربع فئات ممكنة من المقولات الأولى، نطلق عليها اسم "التوجهات الأخلاقية". ونجد هذه المقولات في كل مرحلة من مراحل الأخلاقية عندنا، وهي تحدد أربعة أنماط من استراتيجيات اتخاذ القرار، كل واحدة منها تركز على أحد العناصر الأربعة المجردة التي نجدها في كل وضعية اجتماعية. هذه التوجهات والعناصر هي الآتية:
• النظام المعياري: تَوجُّه يهدف إلى إملاء قواعد النظام الأخلاقي أو الاجتماعي وأدواره،. وتتركز
الاعتبارات القاعدية لحظة اتخاذ القرار على عنصر "القواعد". • النتائج النفعية: تَوجُّه نحو نتائج أفعالنا الحسنة أو السيئة من أجل رفاهيتنا أو رفاهية الآخرين. • العدالة أو الإنصاف: تَوجُّهٌ نحو علاقات الحرية، والمساواة، والتبادلية والتعاقد بين الأشخاص. • الأنا المثالي: تَوجُّهٌ نحو صورة الفاعل باعتباره مالكًا ل "أنا" فاضل، أو باعتباره "أنا" يتّسم بضمير
يراعي تحفيزاته وفضيلته (بعيدًا نسبيًا عن استحسان الآخرين من حيث هو أثر محتمل لفعله). يركز بعض المفكرين في تحديدهم لما هو أخلاقي، على وجه خاص، على أهمية مفاهيم القاعدة واحترام القاعدة، مثل إيمانويل كانط Kant Immanuel (1804–1724)، وإميل دوركهايم Durkheim Émile (1917–1858)، وجان بياجيه. في حين يحدد البعض الآخر الأخلاقية بجملة النتائج المتعلقة بالحياة الطيبة للجميع، مثل جون ستيوارت مل Mill Stuart John (1873–1806)، وجون ديوي (1851–1931). ويحدد آخرون الأخلاقية ب "أنا" أخلاقي مثالي، مثل فرانسيس هربرت برادلي Bradley Herbert Francis (1846–1924)، وجوزيه رويس Royce Josiah (1916–1855)، وتوماس بالدوين Baldwin Thomas. ويجعل أخيرًا، البعض الآخر، مثل جون رولز
Rawls John (2002–1921)، "أنا" من الأخلاقية متماهية مع العدالة. وفي الواقع، يمكن الأشخاص المنفردين استعمال أي من هذه التوجهات الأخلاقية وربما جميعها معًا. وبذلك يكون لدينا مثلً، في ما يخص مشكلة الملكية الفردية، التوجهات التالية في المرحلة الثالثة: لماذا لا تجوز السرقة من المتجر بأي حال؟ 1. النظام المعياري: "السرقة فعل سيئ دائمًا. إن بدأنا بخرق قاعدة عدم السرقة هذه، فسينهار كل شيء". 2. النفعية: "أنت تلحق الضرر بأشخاص آخرين، فصاحب المتجر لديه أسرة يعولها.".3 العدالة: "لقد عانى صاحب المتجر من أجل ماله، وهو حال لا يصدق عليك. فبأي حق يكون لك ذلك ولا يكون له؟"..4 الأنا المثالي: "إن الشخص غير النزيه هو شخص بلا قيمة. السرقة والغش هما شيء واحد. إنهما صورتان عن اللااستقامة". ورغم أنه في استطاعة كل شخص الاعتماد على أي من تلك التوجهات، فإننا نؤكد أن البنية الأساسية للأخلاقية هي بنية العدالة. إن الوضعيات الأخلاقية هي وضعيات صراع مصالح ووجهات نظر. وتعتبر مبادئ العدالة مفاهيم لحل هذه الصراعات، وذلك من خلال إعطاء كل شخص ما يستحق. وترتبط العدالة بمعنى ما، بجميع التوجهات؛ إذ يمكن فهم الدفاع عن النظام والقانون بوصفه شكلً من أشكال العدالة (النظام المعياري)، كما يمكن النظر إلى تعميم المنفعة على الجميع بوصفه شكلً من أشكال
العدالة (النتائج النفعية). لكن في النهاية، يعتبر توزيع الحقوق والواجبات المنظّم وفق مفاهيم المساواة والتبادلية جوهر العدالة. تتطابق العدالة الممثلة بميزان أو بوضعية توازن حالة التوازن المتحرك التي وصفها بياجيه في ما يخص المنطق. إن العدالة هي المنطق المعياري؛ التوازن بين الممارسات الاجتماعية والعلاقات. إن المعنى الذي يملكه الشخص عن العدالة هو أكثر الأشياء الأخلاقية أصالة وتميّزًا. ويمكننا العمل على
نحو أخلاقي وإعادة النظر في جميع القواعد، ويمكننا أيضًا العمل على نحو أخلاقي وإعادة النظر في أفضل الخيرات، لكن ليس في إمكاننا العمل على نحو أخلاقي وإعادة النظر في الحاجة إلى العدالة. ما نتائج البحث التطورية الملموسة المتعلقة بهذه التوجهات الأخلاقية الأربعة؟ هل تدعم هذه النتائج نظريتنا القائلة بأسبقية العدالة؟ هناك إجابة جزئية تأتينا من بياناتنا الطولية. لهذا الغرض نقوم بجمع النظام المعياري مع التوجه النفعي اللذين يتداخلان فيما بينهما ليشكلا النمط أ في كل مرحلة. ويركز النمط ب على تداخل التوجه نحو العدالة مع التوجه نحو "الأنا" المثالي. ويؤدي النمط أ إلى أحكام أكثر وصفية وتنُبئِية، انطلاقًا مما هو معطى في التجربة المحسوسة. ويؤدي النمط ب إلى أحكام أكثر إملائية من حيث ما ينبغي أن يكون، وما يقبله الأنا داخليًا. إن توجهًا من النمط ب يفترض وعيًا بالقواعد
وحكمًا يقيّم إنصاف هذه الأخيرة في الوقت نفسه. في الواقع، تنزع بياناتنا الطولية إلى اعتبار هذين النمطين مرحلتين فرعيتين واضحتين نسبيًا. تعتبر
المرحلة الفرعية ب أكثر تطورًا من المرحلة الفرعية أ، وذلك من حيث إن شخصًا ما في المرحلة –3 أ يمكن أن يتطور ويبلغ المرحلة –3 ب، لكن من غير الممكن أبدًا لشخص في المرحلة –3 ب أن يتطور إلى المرحلة –3 أ (رغم قدرته على الانتقال إلى المرحلة –4 أ). ويمكن بعض الأفراد القفز فوق المرحلة الفرعية ب، والانتقال مباشرة من –3 أ، إلى –4 أ، إلا أن تغيير المراحل الفرعية يكون دائمًا من أ نحو ب. تعتبر المرحلة الفرعية ب، بمعنى ما، توطيدًا أو موازنة للمنظورية الاجتماعية التي صيغت بدءًا في
المرحلة الفرعية أ. إن الأفراد من النمط ب أكثر توازنًا؛ إذ يتساءل الفرد من النمط –3 أ: "ماذا يفعل الزوج الصالح؟ وما الذي يمكن أن تنتظره الزوجة من زوجها؟"، في حين يتساءل الفرد من النمط –3 ب: "ماذا يفعل الزوج باعتباره طرفًا في علاقة صالحة متبادلة؟ ما الذي ينتظره كل زوج من الآخر؟ فكل طرف من طرفي المعادلة موضوع في ميزان، وهذا هو الإنصاف؟ في المرحلة –4 أ يتساءل الفرد: "ما الذي يتطلبه النظام؟"، بينما يكون تساؤله في المرحلة –4 ب: "ما الذي يتطلبه الفرد داخل النظام وما الذي يتطلبه هذا الأخير، وكيف تكون المعادلة بينهما متوازنة؟"، بناء على ذلك يدافع الفرد من النمط –4 ب عن النظام، لكن الأمر يتعلق عندئذ بنظام "ديمقراطي" يرعى الحقوق الفردية.
(10) Piaget.
((1(المترتبة على المتابعة التطورية للعمر. (المترجم)
يعتبر الأفراد من النمط ب، بسبب هذا التوازن، مقيدين أكثر من غيرهم، مع تركيزهم أكثر فأكثر على تقييمهم لما ينبغي أن يكون. كما أنهم أكثر تجريدًا أيضًا، بمعنى أنهم يتطلعون إلى الرفع من المقولات التي تحدد قيمًا معينة كقيمة الحياة، إلى أن تبلغ نتائجها المنطقية. ومثال ذلك، يقدّم فرد في المرحلة 3 إجابة مميزة للنمط أ، عن معضلة هاينز المتعلقة بسرقة الدواء: "يحب الزوج الصالح زوجته كفاية لكي يسرق من أجلها". لكن عند سؤاله: هل يجوز للصديق أن يسرق دواءً من أجل صديقه؟ كانت إجابته:
"كلا، ليس الصديق بذلك القرب كي نقوم بالسرقة من أجله". ثم أضاف: "لكنني عندما أفكر في الأمر، أرى أن ذلك غير منصف، لأن الصديق يستحق الحياة مثل الزوجة". نلحظ هنا نزوعًا مبنيًا على توجه العدالة نحو التعميم التجريدي لحق الحياة، وتمييزه من نماذج الدور
الاجتماعي النمطية. يمكن القول، إجمالً، إن التطور التام وتوطيد الحكم الأخلاقي يُحدَّدان في كل مرحلة بمقولات العدالة وبناها، حتى وإن تم هذا التطور في التوجهات الأخلاقية الأربعة.
سادسًا: منهجية تحديد تطور الحكم الأخلاقي
1. نظام تقييم الجوانب
استعنّا في ضبط مراحل الأخلاقية، في الصياغة الأولى التي اعتمدناها، بخمسة وعشرين جانبًا،
موزعة هي ذاتُها على الفئات الكبرى التالية: القواعد، والضمير، ورفاهية الآخرين، والرفاهية الشخصية، ومعنى الواجب، وتبنّي الدور، والعدالة العقابية، والعدالة الوضعية، والدوافع. وقد كان لكل مرحلة أرقى فكرةٌ أكثرُ استقلالية وأكثر استبطانًا للقواعد الأخلاقية، وحرص كبير على رفاهية الآخرين، وتصور أوسع للإنصاف... إلخ. كانت محاولتنا الأولى لضبط مراحل الفرد الأخلاقية، انطلاقًا من بروتوكول المحادثة، تعتمد على "تقييم الجوانب"، وقمنا بهذا بالاستعانة بطريقتين: تقييم الجمل، وتقييم القصص. تجري عملية تقييم الجمل اعتمادًا على قائمة من الجمل النمطية الخاصة بكل مظهر، في كل معضلة أخلاقية. في حين يتم تقييم كل إثبات تقرّه العينة المدروسة بمظهر وبمرحلة، ثم تترجم هذه الإثباتات إلى نسب مئوية مولِّدة صورة تُظهر الاستعمال الذي تقوم به العينة بكل مرحلة. كانت الطريقة الثانية لتقييم الجوانب تتمثل في تقييم القصص. وهنا نقوم بنسبة مرحلة لكامل الإجابة التي تقدمها العينة المدروسة إلى قصة ما، وذلك انطلاقًا من التحديد العام للمرحلة لكل من تلك الجوانب. كانت الإجابات التي تتناول عدة مراحل في آن واحد تقيّم من خلال التحديد الحدسي
لمرحلة رئيسة وأخرى ثانوية. يقدّم الجدول (3) مثالً عن تقييم قصة، يبرز تعقلً من المرحلة 1، منجزًا على سبعة مظاهر مختلفة، وتحيل هذه القصة على المثال التعاقدي لمعضلة هاينز:
(12) Lawrence Kohlberg, "The Development of Modes of Moral Thinking and Choice in the Years Ten to Sixteen," PhD Dissertation, University of Chicago, 1958 (Unpublished); Kohlberg, "Stage and Sequence."
حدث في أوروبا أن أوشكت سيدة على الموت من جراء إصابتها بنوع نادر من السرطان. واعتقد الأطباء أن هناك دواء يمكن إنقاذ حياتها، وهو نوع من الراديوم Radium اكتشفه صَيدلانيّ يقطن في المدينة عينها. وكان يطلب ألفي دولار مقابل الدواء، أي ما يعادل عشرة أضعاف تكلفة إنتاجه. عمل زوج هذه السيدة المريضة هاينز كل ما في وسعه من أجل جمع المبلغ، لكنه استطاع جمع نصف المبلغ المطلوب فقط. ذهب الزوج إلى ذلك الصَيدلانيّ وأخبره أن زوجته على وشك الموت وطلب منه أن يبيعه الدواء بسعر أقل أو أن يدفع لاحقًا باقي المبلغ بالتقسيط، لكن الصَيدلانيّ رفض ذلك. فلما تملكه اليأس، اقتحم هاينز المحل بالقوة لسرقة الدواء من أجل إنقاذ حياة زوجته. س: هل أصاب الزوج في فعل ذلك؟ ولماذا؟ لتمثيل عملية تقييم الجوانب، نعرض محادثة حول معضلة هاينز هذه، مقسمة إلى ثلاثة إثباتات، ومؤشرة على أنها إجابة تنتمي إلى المرحلة 1، من خلال الإحالة على الجدول.)3(الجدول (3) تقييم الجوانب: دليل تقييم قصص تمثّل الإثباتات النمطية للمرحلة 1، الخاصة بمعضلة سرقة الدواء المرحلة 1 1. القواعد: تعتقد العينة أنه لا يجوز لهاينز أن يسرق؛ لأن السرقة فعل سيئ مهما كان الدافع، كما
أن هذا يتعارض مع القانون الخارجي، وهو خرق لسلطة الشرطة العليا. 2. الضمير: يكمن الحرص المُولَى للطابع السيئ للسرقة، قبل كل شيء، في الخوف من العقاب. 3. الغيرية: تفكر العينة في رفاهيتها الشخصية لا في رفاهية الأشخاص الآخرين، مثل رفاهية الزوجة. 4. الواجب: يتعلق الواجب بما ينبغي القيام به فحسب. ليس على الزوج أن يسرق لأجل زوجته. 5. المصلحة الشخصية: تذعن العينة للسلطة أو للعقاب، في حين أن مصلحتها الخاصة العقلانية
تطالبها بعدم الإذعان وبمحاولة التملص. 6. تبنّي الدور: لما كانت العينّة في المرحلة 1 لا تنظر إلى الأشياء إلا من وجهة نظرها فقط، ولا تنتظر
من الأشخاص الآخرين أن ينظروا إلى الأشياء من وجهة نظرها، فإنها تنتظر العقاب على فعل السرقة
مهما كان السبب الذي دفعها إلى ذلك. 7. العدالة: يعتبر العقاب عادلً؛ فقط لأنه جزاء على خرق القانون، من جراء الجرم المقترف.
((1(عبارة عن عنصر كيماوي مُشع، يمتاز بلونه الأبيض النقي، استخدم في علاج بعض الأمراض السرطانية الوخيمة، وكذلك
بعض الأمراض المستعصية. (هيئة التحرير)
الإثبات الأول س: هل كان هاينز محقًا في فعل ذلك؟ ج: "لم يكن يجدر به القيام بذلك". س: لماذا؟ ج: "لأنه لو تم القبض عليه سيُعتبر سارقًا وسيُزج به في السجن".
ذلك خرق للقانون والأمن. 2. الضمير: ذلك أمر سيئ؛ لأنه يؤدي إلى العقاب. الإثبات الثاني س: هل من واجب الزوج السرقة؟ ج: "لا أظن ذلك". يشير هذا الإثبات إلى تعقل من المرحلة:1 3. الغيرية: ليس على الفرد الاهتمام برفاهية الأشخاص الآخرين، مثل الزوجة.
الآخرين. الإثبات الثالث
سرقة ذلك الدواء لإنقاذ حياتك؟"
السجن، وكنت سأموت فيه في جميع الأحوال". يشير هذا الإثبات إلى ما يلي:
من قبضة السلطة والعقاب.
تكشف هذه الإجابة، بحسب الجدول (3)، عن المفاهيم الأخلاقية التالية، المميزة للمرحلة:1 1. القواعد: إن السرقة أو خرق القانون فعل سيئ، ومهما كان الدافع "سيُنظر إليه على أنه سارق"؛ إن
4. الواجب: يحدد الواجب بما ينبغي أن نقوم به إذعانًا لسلطة عليا، لا امتثالً لواجبات إزاء الأشخاص
س: "إن كنت على وشك الموت بمرض السرطان، لكن ما تزال لديك قوة كافية، أكنت تُقبل على
ج: "كلا؛ لأنه حتى وإن كان لدينا الوقت الكافي لسرقة الدواء، فإن الشرطة ستنتهي بوضعي في
5. المصلحة الفردية: إن العينة من خلال تفكيرها في رفاهيتها الخاصة، غير عاقلة ولا تحاول الدفاع
أو إنقاذ نفسها بخرق القانون حين يكون ذلك متيسرًا لها، لأنها تعتقد أنه ليس في مقدورها الإفلات
حدود تقييم الجوانب: تبقى طريقة تقييم الجوانب، انطلاقًا من قصص بمعنى ما، أيسر المداخل للمراحل، وتؤدي إلى تحقيق اتفاق مقبول بين المقيّمين. ورغم ذلك، تَبيَّن أنها تحوز مضامين كثيرة
جدًا كي تسمح بقياس أو تصنيف يحدد تسلسلً ثابتًا. في حين أن وجود هذا التسلسل الثابت هو إحدى مسلّمات نظرية المراحل لدينا. وقد ظهر هذا الفشل في تحليلنا للمعطيات التي جرى جمعها خلال اثنتي عشرة سنة، كل ثلاث سنوات، والتي شملت خمسين عيّنة من الذكور الذين تراوح أعمارهم
بين عشر سنوات وست وعشرين سنة. وكان أبرز انقلاب للتسلسلات هو تغيّر المراحل، بحيث
تم الانتقال من المرحلة 4 الموجهّة نحو المجتمع، إلى المرحلة 2، في شكل نزعة نفعية نسبوية. وأصبح بعض الأفراد "متحررين" وقادرين على "النظر بنسبية" إلى قيمة الأشياء خلال سنوات دراستهم في التدرج الجامعي. وبالاستناد إلى فرضية انتقال هؤلاء الأفراد، احتماليًا، إلى المرحلة 5 التي تتميز
بتعقل منظم وفق مبادئ، استنتجنا أن هذه الأنانية النسبوية كانت مرحلة انتقالية – "مرحلة تتوسط المرحلتين 4 و 5؛ مرحلة (4½) – أي منطقة غير معينة بين رفض الأخلاق التعاقدية وإرساء مبادئ أخلاقية مجردة أو غير تقليدية. كانت منظورية هذه المرحلة (4½) تختلف حتمًا عن المرحلة 2 الأكثر سذاجة. ويعيد الفرد في المرحلة (4½) النظر في المجتمع، وينظر إلى ذاته وإلى القواعد انطلاقًا من منظورية مستقلة عن المجتمع. وفي المقابل، ينظر الفرد في المرحلة 2 إلى الأشياء كفرد محسوس، تربطه بأفراد آخرين علاقة مبادلة وتبادل نفعية. لوحظ انقلابٌ ثانٍ في السلسلات، ولكن بدرجة أقل، لدى أفراد "تراجعوا" من المرحلة 4 إلى المرحلة 3، أو أفراد انتقلوا مباشرة من المرحلة 3 إلى المرحلة.5 ويمكن أن ترجع هذه الانقلابات إلى التحديد اللامتوافق للمرحلة 4، التي تضع في المستوى نفسه مفاهيم القانون والنظام (الخاصة بالمحتوى)، وفعل تبنّي منظورية اجتماعية منظمة في نسق (الخاصة ببنية المرحلة). وبناء عليه، قمنا بإعادة ضبط المرحلة 3؛ لندرج فيها كل تعقل يركّز على القانون وعلى النظام، لكن لا يعكس منظورية اجتماعية منظمة في نسق (مثال ذلك: مفهوم القانون والنظام لدى أرشي بونكر Bunker Archie). تعكس هذه التغيرات في التنظير للمراحل حقيقة أن التمييز بين البنية والمحتوى أصبح واضحًا لدينا. وقد قادنا هذا إلى التخلي عن طريقة تقييم الجوانب؛ لأنها لا تقوم على بنية، بل على ربط إحصائي واحتمالي بين نوع من البنية ونوع من المحتوى. ومثال ذلك: تنزع المنظورية التي تعتبر المجتمع منظمًا في نسق، إلى إصدار أحكام أخلاقية يُعبَّر عن محتواها بمصطلحات القانون والنظام. ويمكننا
رغم ذلك الاستعانة بمحتوى القانون والنظام هذا، ابتداءً من المرحلة 3، من دون أن تكون لنا منظورية
(14) Lawrence Kohlberg & Richard Kramer, "Continuities and Discontinuities in Childhood and Adult Moral Development," Human Development , vol. 12, no. 2 (1969), pp. 93–120; Richard Kramer, "Moral Development in Young Adulthood," PhD Dissertation, University of Chicago, 1968. (Unpublished)
ينظر ((1:(
Lawrence Kohlberg, The Psychology of Moral Development: The Nature and Validity of Moral Stages , vol. 2 (New York: Harper & Row, 1984), Chap. 6; Elliot Turiel, "Conflict and Transition in Adolescent Moral Development," Child Development, vol. 45, no. 1 (1974), pp. 634–637.
بالمسألة".
2. التقييم بالمسائل الحدسية
في كل مجتمع وكل ثقافة: 1. القوانين والقواعد. 2. الضمير..3 الأدوار العاطفية الشخصية..4 السلطة..5 الحقوق المدنية. 6. العقود، والثقة، والعدالة في المبادلات. 7. العقاب والعدالة. 8. قيمة الحياة. 9. حقوق الملكية وقيمتها. 10. الصدق. 11. الجنس والحب الجنسي.
والإنصاف... إلخ.
تعتبر المجتمع منظمًا في نسق، تمامًا كما يمكن أن تكون لنا هذه المنظورية من دون الرجوع إلى ذلك المحتوى. وبناء على ذلك، تَقرّر لدينا وضع طريقة تقييم جديدة أكثر بنيوية، أطلقنا عليها اسم "التقييم
كانت الخطوة الأولى في طريق وضع نظام تقييم أكثر بنيوية، هي توحيد المحتويات أو تحليل مختلف أنواع المحتويات المستعملة في كل مرحلة. وتمثل هذه الأنواع من المحتويات التي تسمى "مشكلات" أو "قِيَمًا"، ما يحكم عليه الفرد وما يقيّمه وما يسترعيه، عوض طريقة تفكيره في هذه المسائل. ولتحليل
الاختلافات بين المراحل، كان علينا التأكد أولً من أن كل مرحلة تعكس القيم ذاتها. كنا قد حاولنا القيام بذلك مع الجوانب، إلا أن هذه الأخيرة تخلط بين الخصائص الشكلية أو البنيوية للحكم (مثل تعارض الدوافع مع النتائج ومع معنى الواجب)، وبين المسائل أو القيم المتضمنة مباشرة في المحتويات (مثل القانون والقواعد). وبناء عليه، وضعنا القائمة التالية للمسائل، للقيم وللمؤسسات الأخلاقية الموجودة
تجسد كل من هذه المسائل الجديدة عدة جوانب أخلاقية مختلفة. ومثال ذلك: إذا تأملنا قيمة العقود والثقة، فإن هذه المسائل تقتضي مظاهر شكلية من الغيرية، والواجب، والقواعد، وتبنّي الأدوار،
ويفضي تصنيفنا للمحتويات بمصطلحات المسائل أيضًا إلى وحدة جديدة يمكن تقييمها. وهذه الوحدة هي مجمل الأفكار التي يستعملها الشخص في ما يخص مسألة ما، في القصة ذاتها. كان النظام القديم يقيّم كل فكرة على حدة (تقييم الجمل)، أو يقيّم القصة في مجملها (تقييم القصص).
لكن اتضح أن الجملة بوصفها وحدة عمل، هي من الصِّغَر بحيث لا تسمح بوضع تصنيف بنيوي. كما لا تسمح القصة من جهتها، باعتبارها وحدة واسعة جدًا، بتقييم تحليلي (في مقابل التقييم النموذجي أو بالمثل). قمنا بعد ضبط المسائل بتحديد الاستدلالات الخاصة لكل مسألة من تلك المسائل بكل مرحلة. ومثال ذلك: تصور الحياة بوصفها قيمةً، كما تظهر في معضلة هاينز الخاصة بسرقة الدواء (الجدول 4 في ما يأتي). ولتمثيل طريقة استعمال هذه المسألة في التقييم، إليك مقتطفات من محادثة أجريت مع طومي Tommy، طفل العاشرة الذي تعلق انتباهه تلقائيًا بمسألة الحياة. "كانت زوجته مريضة، وكان من الممكن أن تموت لو لم يسرع في جلب الدواء لها. ربما كانت سيدة مهمة تمتلك متجرًا يبتاع منه الصيدلي ما يحتاجه ولا يمكن أن يجده في مكان آخر. ستلوم الشرطة
المالك لعدم إنقاذه السيدة المريضة". س: كون الزوجة مهمة أم لا، هل يغيّر ذلك شيئًا؟ ج: لنفترض أن شخصًا له مَكانة كبيرة على متن طائرة، يعاني فوبيا المرتفعات Acrophobia، ورفضت مضيفة الطائرة إعطاءه الدواء الذي كانت تحتفظ به لصديق لها مريض يجلس في الخلف، علينا عندئذ أن نزج بالمضيفة في السجن؛ لأنها لم تساعد الشخص المُهِمّ. س: أيهما أفضل، إنقاذ حياة شخص واحد مُهِمّ، أم إنقاذ حياة عدد من الأشخاص غير المهمين؟ ج: الأشخاص غير المهمين، لأن الشخص ليس له إلا بيت واحد بأثاث كثير ربما، لكن العدد الكبير من الأشخاص يملكون معًا كمًا هائلً من الأثاث. كما يمكن أن يكون لبعض هؤلاء الأشخاص الفقراء كم كبير من المال من دون أن يظهر ذلك عليهم. الجدول (4) تصنيف المراحل انطلاقًا من التقييم بالمسألة في معضلة هاينز المرحلة
ما قيمة الحياة في هذه الحالة؟ المرحلة 1
عندما تدخل حياة الزوجة في تعارض مع القانون
والملكية الخاصة، فإنه لا يكون لها من قيمة بيّنة
في نظر الزوج أو في نظر الغير. لا تدرك العينة
المفحوصة أنه في إمكان الزوج أن يولي قيمة لحياة
زوجته أكبر من قيمة التنزه عن السرقة.
لماذا تكتسي الحياة قيمة؟ لا تقدم العينة المفحوصة تبريرًا،
ولا تُوحي بأنها على وعي لقيمة
الحياة أكبر من الملكية الخاصة.
المرحلة 2
إنها القيمة المباشرة التي تكتسيها في نظر الزوج
يرغب كل شخص في الحياة
| المرحلة 2 | إنها القيمة المباشرة التي تكتسيها في نظر الزوج وفي نظر الزوجة نفسها. تقر العينة أن الزوج يعتقد أن حياة زوجته تستحق السرقة لإنقاذها، لكنه لن يجد نفسه مرغمًا على فعل ذلك إن كان لا يحبها فعلً. تتوقف قيمة حياة شخص آخر على العلاقة التي تربطه بنا. إننا لا نسرق من أجل إنقاذ حياة أاصدقاء عاديين. | يرغب كل شخص في الحياة أكثر من أي شيء آخر. يمكننا تعويض شيء نملكه، لكننا لا نستطيع تعويض الحياة. |
|---|---|---|
| المرحلة 3 | قيمة الحياة هي القيمة التي تكتسيها في نظر كل شخص طيب وحريص، مثل الزوج. ومن واجب الزوج الاهتمام بزوجته، وإن تطلّب الأمر المخاطرة بالسرقة (حتى وإن لم يسرق)، كما يتعيّن على الصديق أن يحرص على إنقاذ حياة صديقه أو أي شخص آخر. | من واجب أي شخص الحرص على حياة الأشخاص الآخرين، ولن يكون إنسانيًا أو صالحًا إن لم يفعل ذلك. يحرص البشر على الحياة أكثر من حرصهم عألى أي شيء مادي آخر. |
| اإلمرحلة 4 | حتى وإن كان يعتقد أن السرقة فعل سيئ، فإنه يتفهم القيمة العامة أو الطابع المقدس للحياة الإنسانية أو للقانون الذي يحضّ على الحفاظ عليها. هذا الطابع المقدس يعني أن لا قيمة تقارن بقيمة الحياة، فالأخيرة كونية. إن لحياة الإنسان قيمةً مهما كانت العلاقة التي تربطنا بذلك الشخص، حتى وإن لم يرغمنا ذلك على السرقة. | للحياة قيمة لأنها هبة من الله، وقد جعلها مقدسة. أو إن للحياة قيمةً لأنها ضرورية للمجتمع. إنها حق أساسي للشعب. |
| المرحلة 5 | يقر بأن حق الزوجة في الحياة يأتي في هذه الحالة قبل حق الصيدلي في الملكية الخاصة. من الضروري على نحو ما السرقة لأجل شخص يحتضر. كل شخص له الحق في أن يعيش وأن تُنقذَ حياتُه. | على كل إنسان أو كل مجتمع، منطقيًا وأخلاقيًا، أن يضع حق الفرد في الحياة قبل كل حق آخر، كحق الملكية الخاصة مثلً. |
بناء على السؤال: "لماذا تعتبر الحياة مهمة؟"، نتساءل: هل تنتمي إجابة طومي إلى المرحلة 1، أم إلى المرحلة 2، أم إلى المرحلة 3؟ لا يبدو بالنظر إلى الجدول (4) أن طومي ينتمي إلى المرحلة 1، وذلك لأنه يشير في إجابته إلى أن حياة السيدة تتمتع بقيمة تبرر فعل السرقة. ورغم ذلك، تنتمي إجابته إلى المرحلة 1؛ لأن طومي لا يدرك بوضوح أن الحياة تتمتع في نظر الفرد بقيمة أكبر من الملكية الخاصة. فهو يقول: إن حياة عدد كبير من الأشخاص غير المهمين لها قيمة أكبر من حياة شخص واحد مهم، على اعتبار أن للأشخاص العاديين أثاثًا أو أملاكًا أكثر. إن ذلك التعقل من المرحلة 1، وليس من المرحلة 2؛ لأن قيمة الحياة متوقفة على كون المرء مهمًا، ولا تتوقف على مصالح أو حاجات الزوج أو الزوجة.
3. التقييم بالمسائل الموحّدة
يسمى الإجراء الذي أتينا على تفصيله التقييم بالمسائل الحدسية، ويعتبر هذا الأخير من الناحية النظرية الطريقة الأكثر صلاحية للتقييم من حيث إنها لا تستعمل وسائل، فهي قابلة للتطبيق على كل معضلة أخلاقية. إنها طريقة ناجعة جدًّا في يد المقيّمين ذوي التمرس والتجربة (تحظى باتفاق المقيّمين بنسبة
90 في المئة). ورغم ذلك، لا يمكن اكتساب طريقة التقييم الحدسي الناجعة، من دون تعليم شخصي وتجربة متمرسة. كما أن هذه الطريقة حدسية جدًا كي تقدم على نحو مقبول قواعد بناء اختبارات تحدد صعوبة عنصر ما، أو استقلالية عنصر ما، أو الاختلافات الممكنة بين محادثة شفوية ومحادثة كتابية... إلخ. لذلك، نحن الآن بصدد وضع دليل تقييم بالمسائل الموحدة. يقوم هذا الدليل على محادثات موحّدة انطلاقًا من ثلاث قصص. تفحص كل محادثة مسألتَين لكل قصة من القصص الثلاث. تتضمن الاستمارة الموحدة (الاستمارة أ)، ثلاث قصص تشمل ست مسائل على النحو الآتي: • القصة رقم III: يسرق هاينز الدواء. المسألة: الحياة والملكية. • القصة رقم III: على القاضي أن يقرر معاقبة هاينز. المسألة: الضمير والعقاب. • القصة رقم I: يخلف الأب وعدًا قطعه لابنه. المسألة: العهد والسلطة. هناك استمارة ثانية إن كنا في حاجة إلى إعادة الاختبار (الاستمارة ب)، تقوم على قصص مختلفة لكن بالمسائل نفسها. يعرض دليل تقييم المسائل الموحدة هذا معايير أحكام تحدد كل مرحلة لكل رهان ولكل قصة. يعتبر "معيار الحكم" صورة التعقل الأكثر تعبيرًا عن مرحلة معطاة. ونظريًا يتأتى هذا التعقل من التعريف
البنيوي للمرحلة. في الواقع، يستعمل معيار الحكم تجريبيًا من طرف عدد معتبر من العينات في مرحلة
معينة (محدد بنتيجتهم الشاملة لحظة التقييم) وليس في سائر المراحل الأخرى. كنا نفحص في أشكال المحادثات القديمة التي تقيّم الجمل تطابق هذه الجمل مع جمل نمطية معينة
خاصة بكل مرحلة في دليل Manual. ويعود هذا النظام، بمعنى ما، إلى الإجراء القديم، لكن مع جملة من الضوابط. الضابط الأول هو لأجل وجود إجابة حول محتوى أو مسألة الإجابة. يُقصي النظام الجديد المشكلة المتعلقة بغياب معيار الحكم في مرحلة ما. وقبل هذا، لم نكن نعلم، عندما لا يجري
(16) Anne Colby & Lawrence Kohlberg, The Measurement of Moral judgment , vol. 1–2 (New York: Cambridge University Press, 1984).
التعبير عن معيار حكم في مرحلة معينة، هل ذلك راجع إلى أن العيّنة ليس لها البنية الخاصة بتلك
المرحلة في ما يخص ذلك الحكم، أم أن محتوى (أو مسألة) الإجابة لم يتم توضيحه في المحادثة؟ يسمح الضابط الثاني بالتمييز بين تطابق إجابات مع بعض الجمل، وتطابق إجابات مع معايير أحكام. ويقتضي هذا، من جهة وحدة الإجابة، أن وحدة التأويل أوسع من الجملة البسيطة، كما يقتضي هذا، أيضًا، تمييزًا بين البنية الخاصة بمرحلة ما، كما هي محددة بمعيار الحكم، ومختلف الأمثلة الخاصة التي تصورها. هناك تشابه بين الطريقة التي تقتضي وضع تقييم موحد وطريقة جين لوفينجر (2008–1918) في تقييم مراحل تطور "الأنا". ويكمن هذا التشابه في أن العناصر، التي تعمل بوصفها معايير، تُحدد بالإحالة إلى استعمال أفراد لها كنا قد حددنا مسبقًا مرحلتهم بطريقة حدسية. ورغم ذلك، يكمن الاختلاف بين هاتين الطريقتين في أن معايير الحكم ليست نتيجة تحليل إمبريقي بحتٍ لعناصر مختلفة. ويجب أن تطابق هذه الأحكام منطقيًا وصف المراحل النظري. إننا نعتقد أنه في إمكان نظام التقييم الموحد هذا، أن يذهب إلى أقصى حدود المعايرة، وأن يحتفظ في الوقت نفسه بنوع من الصلاحية النظرية. إننا نعرّف هذه "الصلاحية" باعتبارها القياس الحقيقي
للتطور، أي لتسلسل طولي ثابت. هناك طريقة أخرى أكثر شيوعًا لتقييم صلاحية اختبار ما، تتمثل في التنبؤ الذي يمكننا القيام به إزاء معيار خارج الاختبار، بل يفترض في الاختبار أن يكون دالًّ عليه. وباتباع هذه الفكرة، يعتقد بعض الأشخاص أن المقياس الذي نحكم به على اختبار الحكم الأخلاقي هو قدرة هذا الاختبار على التنبؤ ب "السلوك الأخلاقي". بهذا المعنى لا تعتبر اختبارات هيوغ هارتشورن Hartshorne Hugh (2000–1897)، ومارك ماي May Mark (1930–1928)، الخاصة ب "المعرفة الأخلاقية" صالحة؛ لأنها لا تسمح بالتنبؤ بالسلوك الأخلاقي في تقييمها أو في تجاربها. لقد دافعنا عن الفكرة القائلة إن التطور الأخلاقي الذي يمر بمراحل مختلفة يسمح بالتنبؤ بنوع من النضج في السلوك الأخلاقي، وبصورة أكثر دقة من قياسات هارتشورن وماي. لكننا دافعنا أيضًا عن فكرة أن السلوك الأخلاقي ليس معيارًا خارجيًا مناسبًا لتحديد صلاحية اختبار حكم أخلاقي. إن دراسة وتصور العلاقة بين تطور
الحكم والفعل يجب أن تجري من وجهة نظر النظرية المعرفية – التطورية، نظريًا؛ ذلك أن المسألة لا تتمثل فقط في إضفاء "الصلاحية" على اختبار حكم، انطلاقًا من علاقة كمية بجملة من السلوكات. باستعمال فكرة الصلاحية بواسطة المعيار الخارجي، اعتقد باحثون آخرون أنه يجب إبراز صلاحية الاختبار الخاص بالتطور الأخلاقي من خلال العلاقة بين هذا التطور والعمر، هذا اللفظ الأخير هو أحد المعاني الرئيسة لمصطلح "التطور". ويبيّن قياسنا للحكم الأخلاقي في الواقع نوعًا من العلاقة
المتبادلة بين نضج ذلك الحكم والعمر الزمني لدى مراهقين تراوح أعمارهم بين عشر سنوات وثماني عشرة سنة = +.71) r (. غير أن مثل هذه العلاقة لا تسمح ب "إضفاء الصلاحية" على الاختبار. فعلً، كثير من البالغين غير ناضجين من الناحية الأخلاقية، بحيث إن الاختبار الذي يركز على هذه العلاقة
(17) Jane Loevinger & Ruth Wessler, Measuring Ego Development , vol. 1 (San Francisco: Jossey–Bass Inc Pub, 1970).
المتبادلة مع العمر، يحيل منطقيًا على العمر، لكن لن يكون له إلا ارتباط ضئيل بالتطور الأخلاقي.
إن معيار صلاحية تطور الحكم الأخلاقي هو الصلاحية المبنية، وليس تنبؤًا إزاء معيار خارجي. وتعني هذه الصلاحية المبنية هنا تطابق المعطيات المحصّلة بالاستعانة باختبار مع المكونات الأولية الخاصة بالتعريفات النظرية لهذا التطور. والتعريف النظري الأولي والجوهري لهذا التطور الأخلاقي البنيوي هو الفكرة القائلة بوجود نظام يتطور من خلال تسلسل معين من مراحل ثابتة. وتلبي طريقة المراحل المنظمة، وفق بنية معينة، مطلب هذا المعيار، وذلك من حيث إن البيانات الطولية تُظهر، بعد تقييمها، صورةً من الانتقال المرحلي التسلسلي الثابت. إن معيار صلاحية اختبارنا الجديد للتعقل الأخلاقي هو تطابقه مع التقييم البنيوي أو قدرته على التنبؤ بهذا التقييم. وتمامًا، كما تتسم هذه الصلاحية المبنية لقياس التطور الأخلاقي ببعد سيكولوجي، فإنها تتسم أيضًا
ببعد فلسفي أو إيتيقي؛ إذ يجب أن تكون المرحلة الأخلاقية الأرقى، من وجهة نظر فلسفية، الطريقة الأنسب في التفكير في المعضلات الأخلاقية. ولا يتعلق الأمر هنا إلا بحكمٍ على طرق التفكير، لا بتقدير القيمة الأخلاقية للفرد. إننا نؤكد أن كل مرحلة تعقّل أرقى، هي طريقة أنسب لحل المشكلة الأخلاقية، وفق المعايير الفلسفية والأخلاقية. ومرة أخرى، لا يصدق هذا التقرير إلا على المراحل التي جرى تقييمها بطريقة بنيوية. ويمكن أن يقال عن اختبار "موحد" إنه صالح، عندما يكون في علاقة بهذه المراحل أو عندما يسمح بالتنبؤ بها. هناك مقاربة بديلة من هذا القياس الموحد للتطور الأخلاقي عرضت لدى جيمس راست Rest James)1999–1941(، في طريقة اختباره لتعريف المسائل (1976). لقد اتبع راست في البداية مقاربة أكثر تقليدية، تقتضي بناء وإضفاء صلاحية على الاختبار بطريقة إمبريقية، بمعنى أن بناء الاختبار يتم بالتحليل الإمبريقي للعناصر. ويتم تصور الاختبار انطلاقًا من التأكيد على وجود متغير مستمر يطبع النضج الأخلاقي، بدلً من وجود نظام من مراحل مختلفة منفصلة كميًا فيما بينها. وتعرّف
صلاحية الاختبار أوّلً بجملة من العلاقات المتبادلة مع العمر، أو دراسة الفلسفة الأخلاقية... إلخ.
لقد اهتم راست، مثلي أنا وزملائي، بصلاحية مبنية، عوض اهتمامه بالتنبؤ بمعيار خارجي. ورغم ذلك، يقوم تصوره للصلاحية المبنية على العلاقة التبادلية للاختبار أو للمتغيرات المعنية، والتي يمكن أن تكون معتدلة أو مرتفعة، مع اختبارات أو متغيرات أخرى، نطمح إلى رؤيتها مرتبطة بذلك الاختبار أو بتلك المتغيرات المعنية. وعوض ذلك، يقتضي تصورنا للصلاحية المبنية، أن ننسب مراحل إلى أفراد على نحوٍ يمكن معه لمعيار حركة تسلسلية أن يكون محققًا. إن مقاربة راست تقدم، في نظرنا، تقديرًا تقريبيًا لمستوى النضج الأخلاقي لدى الفرد، مثلما توحي بذلك العلاقة المترابطة بمقدار 0.68
بين قياساته والتقييم بالمسائل انطلاقًا من محادثات تدور حول معضلات أخلاقية.
(18) Lawrence Kohlberg, "From Is to Ought: How to Commit the Naturalistic Fallacy and Get Away with It in the Study of Moral Development," in: T. Mischel (ed.), Cognitive Development and Epistemology (New York: Academic Press,
((1(باحث أميركي مختص في علم النفس الأخلاقي Psychology Moral، سلك منهج لورانس كولبرغ في دراسة التفكير الأخلاقي. (هيئة التحرير)
نعتقد أن طريقة راست مفيدة لفحص مختلف العلاقات المترابطة الخاصة بالنضج الأخلاقي. لكنها لا تسمح باختبار قضايا نظرية مستنبطة من النظرية المعرفية – التطورية لمراحل الأخلاقية. إن عملية اختيار الطريقة يجب أن توازن بين سهولة جمع المعطيات وتحليلها، واختبارات النظرية البنيوية الناجعة نسبيًا.
سابعًا: بأي معنى تعتبر المراحل "حقيقية"؟
نريد أن نقول أولً، من خلال التأكيد أن هذه المراحل حقيقية، إن التعريفات الخاصة بمرحلة ما مؤطرة بصرامة بمعايير إمبريقية خاصة بتصور تلك المرحلة. يمكن تصور عدد كبير من المراحل، إلا أن مجموعًا واحدًا فقط من المراحل يمكن أن يبدو بوصفه تسلسلً طوليًا ثابتًا. ونؤكد أن كل شخص يستجوب طفلً حول المعضلات الأخلاقية، ويقوم بمتابعته طوليًا عبر الزمن، سيتوصل إلى استخلاص مراحلنا الست لا غير. هناك معيار إمبريقي ثانٍ يتعلق ب "الكل المهيكل". ينتمي الأفراد إلى مرحلة ما بطريقة متناسقة، إلا إن كانوا في حالة انتقال إلى مرحلة أخرى (نعتبرهم عندئذ في مراحل وسيطة). ينزع واقعُ أن أكثر من 05 في المئة من إجابات جميع الأفراد تنتمي إلى مرحلة واحدة، وأن باقي الإجابات تخص مراحل قريبة، إلى تأكيد هذا المعيار. ثم إننا نريد أن نقول، من خلال تأكيدنا حقيقة هذه المراحل، إن البنية المفهومية للمراحل ليست عارضة، ولا تتوقف على نظرية سيكولوجية خاصة. إنها تنبني، بالأحرى، على تحليل منطقي مناسب. وهذا الذي نريد أن نقرر من خلاله: 1. أن الأفكار المستعملة لتحديد المراحل هي أفكار العينات المستجوبة لا أفكارنا نحن. ويحدد الترابط المنطقي بين الأفكار كل مرحلة. كما أن التحليل المنطقي لهذا الترابط في فكر الطفل محايد في ذاته من الناحية النظرية؛ فهو لا يتوقف على نظرية سيكولوجية، تمامًا مثل التحليل الذي يقوم به الفيلسوف للترابط المنطقي في فكر أرسطو. 2. تنبني حقيقة أن المرحلة اللاحقة تتضمن وتفترض المرحلة السابقة على تحليل منطقي لا على نظرية سيكولوجية..3 يتوقف التأكيد أن أفكار الطفل تنتظم منطقيًا، في شكل مراحل، على تحليل منطقي للترابط الداخلي
بين مختلف تلك الأفكار المتبناة في هذه المرحلة. باختصار، تتوقف صحة هذه المراحل المعتبرة وصفًا للتطور الأخلاقي، على ملاحظة إمبريقية وتحليل للترابط المنطقي في فكر الطفل. وليس لها علاقة بنظرية منبثقة من العلوم الاجتماعية. ورغم أن المراحل ذاتها ليست نظرية باعتبارها وصفًا للتطور الأخلاقي، فإن لها في مجال العلوم الاجتماعية نتائج واضحة وجذرية في نظرية "الأخلقة". وبناء عليه:
1. سنسعى الآن إلى صياغة نظرية معرفية – تطورية في الأخلقة، من شأنها تفسير حقيقة أن التطور الأخلاقي يسير وفق تسلسل. 2. سنعمل على وضع هذه النظرية في مقابل نظريات الأخلقة التي تفسرها بالتنشئة الاجتماعية.
ثامنًا: أنواع نظريات الأخلقة: النظريات المعرفية - التطورية، نظريات الجمعنة، النظريات التحليلية النفسية
يبدو أن دراسة النظرية الأخلاقية المعرفية – التطورية تحيل مباشرة على أعمال بياجيه. ورغم ذلك، يمكن اعتبار مفاهيم بياجيه أمثلة بسيطة عن المقاربة المعرفية – التطورية للأخلاقية، التي طرحها بطرق عديدة جيمس مارك بالدوين، ونورمان بول، وجون ديوي، وجيمس تافتس، وأُو. ج. هارفي، ودافيد هانت، وهارولد شرودر، وليونارد هوبهاوس، ولورانس كولبرغ، وويليام ماكدوغال، وجورج هيربرت ميد. إن الميزة الأساسية للنظريات المعرفية – التطورية هي استعمالها، بمعنى أو بآخر، لمفهوم المرحلة ولإعادة التنظيم التسلسلية المرتبطة بالعمر في تطور السلوك الأخلاقي. هناك فرضيات أخرى مشتركة بين هذه النظريات المعرفية – التطورية، هي: • أن أحد المكونات الأساسية للتطور الأخلاقي يأخذ شكل البنية المعرفية أو الحكم الأخلاقي. • أن التحفيز الرئيس الذي يدفعنا إلى العمل على نحو أخلاقي هو شكل معمم من التحفيزات التي تدفعنا إلى القبول، والكفاءة، وتقدير الذات وتحقيقها، عوض التحفيز الذي يدفعنا إلى إرضاء حاجاتنا البيولوجية وتقليص القلق والخوف. • أن المظاهر الرئيسة للتطور الأخلاقي مجردة ثقافيًا؛ لأن جميع الثقافات لها مصادر مشتركة للتفاعل
الاجتماعي، لتبنّي الأدوار وللصراع الاجتماعي، تتطلب كلها اندماجًا أخلاقيًا.
(20) Jean Piaget, The Moral judgment of the Child (Glencoe: Free Press, 1965). (21) James Mark Baldwin, Social and Ethical Interpretations in Mental Development (New York: Macmillan, 1906). (22) Norman Bull, Moral Education (London: Routledge, 1969). (23) John Dewey & James Tufts, Ethics (New York: Holt, 1932). (24) O.J. Harvey, David E. Hunt & Harold M. Schroder, Conceptual Systems and Personality Organization (New York: Wiley, 1961). (25) Leonard Hobhouse, Morals in Evolution: A Study in Comparative Ethics (New York: Holt, 1923). (26) Kohlberg, "The Development of Moral Character." (27) William McDougal, An Introduction to Social Psychology (London: Methuen, 1908). (28) George Herbert Mead, Mind, Self, and Society: The Definitive Edition (Chicago: University of Chicago Press,
• أن القواعد والمبادئ الأخلاقية الأساسية هي بنى تتطور انطلاقًا من تجارب تفاعل اجتماعي، لا انطلاقًا من عملية استبطان للقواعد الموجودة في حالة بنى خارجية. فلا تحدد مراحل الأخلاقية بقواعد مستبطنة، بل ببنى التفاعلات بين الأنا والغير. • يحدد أثر المحيط في التطور الأخلاقي بالنوعية العامة وبأهمية المؤثرات المعرفية والاجتماعية طوال فترة تطور الطفل. فهي غير متوقفة، إذًا، على تجارب خاصة مع الأولياء أو تجارب التأديب، العقاب والثواب. تتعارض هذه الأوليات بوضوح مع أوليات نظريات التطور الأخلاقي القائلة ب "التنشئة الاجتماعية" أو ب "التّمَرّسُ الاجتماعي". ويمكن إدراج أعمال جاستن أرونفريد، وألبرت باندورا، وريتشارد ووالترز، وليونارد بيركويتز، ومايكل هوفمان، ودانيال ميلر، وإدوين سوانسون، وروبرت سيرز، ولوسي راو، وريتشارد ألبرت، وكذا جون وايتينغ، وإيرفين شايلد، في هذه الخانة العامة. تدّعي نظريات التمرس الاجتماعي أن: • التطور الأخلاقي هو نمو لتطابق سلوكي وشعوري مع القواعد الأخلاقية، عوض تغيّر للبنى
المعرفية. • التحفيز القاعدي الذي يدفعنا إلى العمل على نحو أخلاقي، مصدره حاجاتنا البيولوجية، من خلال السعي إلى المكافأة الاجتماعية وتفادي العقوبة. • التطور الأخلاقي، أو الأخلاقية، نسبي من الناحية الثقافية. • القواعد الأخلاقية القاعدية هي عمليات استبطان لقواعد ثقافية خارجية. • أثر المحيط في التطور الأخلاقي العادي محدد بمتغيرات كمية كامنة في قوة المكافأة، والعقوبة وما هو ممنوع، وفي صياغة السلوك المطابق من الأولياء أو من فاعلين اجتماعيين آخرين.
(29) Justin Aronfreed, Conduct and Conscience: The Socialization of Internalized Control Over Behavior (New York: Academic Press, 1968). (30) Albert Bandura & Richard Walters, Adolescent Aggression (New York: Ronald, 1959). (31) Leonard Berkowitz, Development of Motives and Values in the Child (New York: Basic Books, 1964). (32) Michael Hoffman, "Conscience, Personality and Socialization Techniques," Human Development , vol. 13, no. 2 (1970), pp. 90–126. (33) Daniel Miller & Edwin Swanson, Inner Conflict and Defense (New York: Holt, Rinehart & Winston, 1960). (34) Robert R. Sears, Lucy Rau & Richard Alpert, Identification and Child–Rearing (Stanford, CA: Stanford University Press, 1965). (35) John W.M. Child & Irvin L. Whiting, Child Training and Personality; A Cross–Cultural Study (New Haven: Yale University Press, 1953).
يمكن إدراج الأبحاث المبنية على نظرية سيغموند فرويد Freud Sigmund (1939–1856) الكلاسيكية في خانة نظرية الجمعنة هذه. وحتى إن لم يكن ممكنًا اعتبار نظرية فرويد التحليلية في التطور الأخلاقي متماهية مع نظرية الأخلقة بالتمرس الاجتماعي، فإنها تتقاسم، رغم ذلك، مع هذا النوع من النظريات الأولية القائلة إن الأخلقة هي عملية استبطان لقواعد ثقافية وأبوية. كما أن النظرية الفرويدية تفترض أكثر من ذلك (تمامًا مثل النظرية المعرفية – التطورية) وجود مراحل. لكن هذه المراحل الفرويدية الكلاسيكية هي مراحل غريزية وجنسية، أكثر من كونها مراحل أخلاقية. وتتصور الأخلاقية (كما يعكسها الأنا الأعلى) على أنها تتشكل وتثبت في التطور بصورة مبكرة جدًا، وذلك عن طريق استبطان القواعد الأبوية. ويترتب على ذلك أن الأبحاث المنهجية القائمة على نظرية فرويد في الأخلاقية تجاهلت مكونات كل مرحلة من مراحل التطور الأخلاقي؛ لتركز اهتمامها على مختلف جوانب الاستبطان الخاصة بهذه النظرية. لقد استعرضتُ في كتاب لي سينشر قريبًا بالاشتراك مع دنيال كاندي، أربعين دراسة تمثل تراكمًا
لنتائج متكررة، متناسقة على نحو دقيق مع النظرية المعرفية – التطورية في الأخلقة، من الصعب تفسيرها من وجهة نظر نظريات الجمعنة.
References
المراجع
Aronfreed, Justin. Conduct and Conscience: The Socialization of Internalized Control over Behavior. New York: Academic Press, 1968. Baldwin, James Mark. Social and Ethical Interpretations in Mental Development. New York: Macmillan, 1906. Bandura, Albert & Richard Walters. Adolescent Aggression. New York: Ronald, 1959. Berkowitz, Leonard. Development of Motives and Values in the Child. New York: Basic Books, 1964. Bull, Norman. Moral Education. London: Routledge, 1969. Candee, Daniel & Lawrence Kohlberg. "Moral Judgment and Moral Action: A Reanalysis of Haan, Smith, and Block’s (1968) Free Speech Movement Data." Journal of Personality and Social Psychology. vol. 52, no. 3 (1987). Colby, Anne & Lawrence Kohlberg. The Measurement of Moral Judgment. New York: Cambridge University Press, 1984.
(36) J.C. Flugel, Man, Morals, and Society: A Psychoanalytic Study (New York: International Universities, 1955). (37) Lawrence Kohlberg, "Moral Development and Identification," in: H. Stevenson (ed.), Child Psychology: 62 nd Yearbook of the National Society for the Study of Education (Chicago: University of Chicago Press, 1963). (38) Daniel Candee & Lawrence Kohlberg, "Moral Judgment and Moral Action: A Reanalysis of Haan, Smith, and Block’s (1968) Free Speech Movement data," Journal of Personality and Social Psychology , vol. 52, no. 3 (1987), pp. 554–564.
(المترجم)
Dewey, John & James Tufts. Ethics. New York: Holt, 1932. Flugel, J.C. Man, Morals, and Society: A Psychoanalytic Study. New York: International Universities, 1955. Goslin, D.A. (ed.). Handbook of Socialization Theory and Research. Chicago: Rand McNally, 1971. Harvey, O.J., David E. Hunt & Harold M. Schroder. Conceptual Systems and Personality Organization. New York: Wiley, 1961. Hobhouse, Leonard. Morals in Evolution: A Study in Comparative Ethics. New York: Holt, 1923. Hoffman, Lois Wladis & Martin L. Hoffman (eds.). Review of Child Development Research. New York: Russell Sage Foundation, 1964. Hoffman, Michael. "Conscience, Personality and Socialization Techniques." Human Development. vol. 13, no. 2 (1970). Kohlberg, Lawrence & Richard Kramer. "Continuities and Discontinuities in Childhood and Adult Moral Development." Human Development. vol. 12, no. 2 (1969). Kohlberg, Lawrence. "The Development of Modes of Moral Thinking and Choice in the Years Ten to Sixteen." PhD Dissertation. University of Chicago, 1958. (Unpublished) ________. Cognitive–Developmental Theory and the Practice of Collective Moral Education. New York: Gordon & Breach, 197l. ________. The Psychology of Moral Development: The Nature and Validity of Moral Stages. New York: Harper & Row, 1984. Kramer, Richard. "Moral Development in Young Adulthood." PhD Dissertation. University of Chicago, 1968. (Unpublished) Langer, Kuh, Lawrence Kohlberg & N.S. Haan. "The Development of Formal Operations in Logical and Moral Judgment." Genetic Psychology Monographs. vol. 95, no. 1 (1977). Loevinger, Jane & Ruth Wessler. Measuring Ego Development. San Francisco: Jossey– Bass Inc Pub, 1970. McDougal, William. An Introduction to Social Psychology. London: Methuen, 1908. Mead, George Herbert. Mind, Self, and Society: The Definitive Edition. Chicago: University of Chicago Press, 1934. Miller, Daniel & Edwin Swanson. Inner Conflict and Defense. New York: Holt, Rinehart & Winston, 1960. Piaget, Jean. Six Psychological Studies. New York: Random House, 1967. ________. The Moral Judgment of the Child. Glencoe: Free Press, 1965. Sears, Robert R., Lucy Rau & Richard Alpert. Identification and Child–Rearing. Stanford, CA: Stanford University Press, 1965.
Selman, Robert L. & Thomas Lickona (eds.). Moral Development and Behavior: Theory, Research, and Social Issues. New York: Holt, Rinehart & Winston, 1976. Stevenson, H. (ed.). Child Psychology: 62 nd Yearbook of the National Society for the Study of Education. Chicago: University of Chicago Press, 1963. T. Mischel (ed.). Cognitive Development and Epistemology. New York: Academic Press, 1971. Turiel, Elliot. "Conflict and Transition in Adolescent Moral Development." Child Development. vol. 45, no. 1 (1974). Whiting, John W. M. & Irvin L. Child. Child Training and Personality; a Cross–Cultural Study. New Haven: Yale University Press, 1953.